نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج5

- العلامة الحلي المزيد...
508 /
107

الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى‏ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. (1)

د: نسخ الحكم في الزمان الثاني، كما في قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً (2) فقد نسخ بقوله سبحانه: أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ... (3).

ه: تغير الأحكام بطروء العناوين الثانوية كالضرر و الحرج و تقديم الأهم على المهم، و النذر و العهد و اليمين و ما أشبه ذلك.

و حصيلة الكلام: أنّ محور البحث هو انّ الظروف المختلفة هي العامل الوحيد لتغير الأحكام بعد التشريع الأوّل، و هذه هي التي تبعث الفقيه على الإمعان في بقاء التشريع الأوّل أو زواله، و أمّا إذا قام الشارع بنفسه ببيان اختلاف الحكمين في الظرفين فهو خارج عن محل البحث و إن كان ربما يقرّب فكرة التأثير، و يستأنس بها المجتهد. أو كان التغيير لأجل طروء عناوين ثانوية كالاضطرار و الحرج فهو خارج عن مجال البحث و بذلك يعلم انّ استناد بعض من نقلنا نصوصهم من أعلام السنّة إلى تلك العناوين، خروج عن مصب البحث.

____________

(1). الحديد: 10.

(2). المجادلة: 12.

(3). المجادلة: 13.

108

الرابع: إذا قلنا بتأثير الزمان و المكان على الاستنباط، فالحكم المستنبط عندئذ حكم واقعي و ليس حكما ظاهريا كما هو معلوم، لعدم أخذ عنوان الشكّ في موضوعه و لا حكما واقعيّا ثانويا أي ما يعتمد على عنواني الضرر و الحرج أو غير ذلك من العناوين الثانوية، فالمجتهد يبذل جهده في فهم الكتاب و السنّة لاستنباط الحكم الشرعي الواقعي في هذه الظروف، و يكون حكمه كسائر الأحكام التي يستنبطها المجتهد في غير هذا المقام، فالحكم بجواز بيع الدم أو المني أو سائر الأعيان النجسة التي ينتفع بها في هذه الأيام ليس حكما ظاهريا و لا مستخرجا من باب الضرر و الحرج، و إنّما هو حكم واقعي كسابقه (أي التحريم) غير أنّ الحكم السابق كان مبنيا على عدم الانتفاع بالأعيان النجسة انتفاعا معتدا به، و هذا الحكم مبني على تبدل الموضوع.

و إن شئت قلت بتبدل مصداق الموضوع إلى مصداق موضوع آخر، تكون الحرمة و الجواز كلاهما حكمين شرعيين واقعيين.

109

البحث الثالث تطبيقات عملية

إذا وقفت على الروايات الواردة حول تأثير الزمان و المكان، و على كلمات المحقّقين من الفريقين في هذا المضمار فقد آن الأوان للبحث عن التطبيقات و الفروع المستنبطة على ضوء ذلك الأصل، و بما أنّ تأثير الزمان و المكان على الاستنباط ليس تأثيرا عشوائيا بل هو خاضع لمنهاج خاص يسير على ضوئه، فلنضع بين يديك هذه الأمثلة التي تحكمها ضوابط معينة، بغية درء المحاولات التي تستهدف إنكار ثبات الأحكام و دوامها:

الأوّل: تأثيرهما في تطبيق الموضوعات على مواردها

لا شكّ انّ هناك أمورا وقعت موضوعا لأحكام شرعية نظير:

1. الاستطاعة: قال سبحانه: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. (1)

2. الفقر: قال سبحانه: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ‏ ... وَ ابْنِ السَّبِيلِ. (2)

____________

(1) آل عمران: 97.

(2). التوبة: 60.

110

3. الغنى: قال سبحانه: وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ. (1)

4. بذل النفقة للزوجة: قال سبحانه: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ. (2)

5. إمساك الزوجة بالمعروف: قال سبحانه: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ. (3)

و من الواضح انّ مصاديق هذه الموضوعات تتغير حسب تغير أساليب الحياة، فالإنسان المستطيع بالأمس للحجّ، لا يعد مستطيعا اليوم، لكثرة حاجات الإنسان في الزمان الثاني دون الأوّل، و بذلك يتضح حال الفقر و الغنى، فربّ غني بالأمس فقير اليوم.

- كما أنّ نفقة الزوجة في السابق كانت منحصرة في الملبس و المأكل و المسكن، و أمّا اليوم فقد ازدادت حاجاتها على نحو لو لم يقم الرجل ببعض تلك الحاجات يعد عمله بخسا لحقها، و امتناعا من بذل نفقتها.

- إنّ المثلي و القيمي و المكيل و الموزون موضوعات للأحكام الشرعية، مثلا: لا تجوز معاوضة المتماثلين إذا كان مكيلا أو موزونا إلّا بمثله قدرا و وزنا، دون المعدود و الموزون، فيجوز تبديلهما بأكثر منهما فالمثلي‏

____________

(1). النساء: 6.

(2). الطلاق: 6.

(3). البقرة: 231.

111

يضمن بالمثلي، و القيمي بالقيمي، و قد عرّف المثلي بكثرة المماثل، و القيمي بقلّته، و لذلك عدت الثياب و الأواني من القيميات، لكن صارا اليوم بفضل الصناعة الحديثة، مثليين.

ثمّ إنّ المتبع في كون شي‏ء مكيلا أو موزونا أو معدودا هو عرف البلد الذي يتعامل فيه و هو يختلف حسب اختلاف الزمان و المكان.

و بذلك اتضح انّ عنصري الزمان و المكان يؤثران في صدق المفاهيم في زمان دون زمان.

الثاني: تأثيرهما في تغير الحكم بتغيّر مناطه‏

لا شكّ انّ الأحكام الشرعية تابعة للملاكات و المصالح و المفاسد، فربما يكون مناط الحكم مجهولا و مبهما، و أخرى يكون معلوما بتصريح من قبل الشارع، و القسم الأوّل خارج عن محلّ البحث، و أمّا القسم الثاني فالحكم دائر مدار مناطه و ملاكه.

فلو كان المناط باقيا فالحكم ثابت، و أمّا إذا تغيّر المناط حسب تغير الظروف فيتغير الحكم قطعا، مثلا:

1. لا خلاف في حرمة بيع الدم بملاك عدم وجود منفعة محلّلة فيه، و لم يزل حكم الدم كذلك حتى اكتشف العلم له منفعة محلّلة تقوم عليها رحى الحياة، و أصبح التبرع بالدم إلى المرضى كإهداء الحياة لهم، و بذلك‏

112

حاز الدم على ملاك آخر فحلّ بيعه و شراؤه. (1)

قال السيد الإمام الخميني: الأقوى جواز الانتفاع بالدم في غير الأكل و جواز بيعه لذلك. (2) و على ذلك تعارف من بيع الدم من المرضى و غيرهم لا مانع منه فضلا عمّا إذا صالح عليه أو نقل حق الاختصاص و يجوز نقل الدم من بدن إنسان إلى آخر، و أخذ ثمنه بعد تعيين وزنه بالآلات الحديثة، و مع الجهل لا مانع من الصلح عليه، و الأحوط أخذ المبلغ للتمكين على أخذ دمه مطلقا، لا مقابل الدم و لا يترك الاحتياط ما أمكن.

2. انّ قطع أعضاء الميت أمر محرّم في الإسلام، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«إيّاكم و المثلة و لو بالكلب العقور» (3) و من الواضح انّ ملاك التحريم هو قطع الأعضاء لغاية الانتقام و التشفّي، و لم تكن يومذاك أية فائدة تترتّب على قطع أعضاء الميت سوى تلبية رغبة نفسية ذميمة- الانتقام- و لكن ظهرت اليوم فوائد جمّة من وراء قطع أعضاء الميت، حيث صارت عملية زرع الأعضاء أمرا ضروريا يستفاد منها لنجاة حياة المشرفين على الموت. و يمكن أن يكون من هذه المقولة المثال التالي:

3. لا شكّ انّ التوالد و التناسل أمر مرغوب في الشرع. روى محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «تزوّجوا فإنّي‏

____________

(1). المكاسب المحرّمة: 1/ 57.

(2). المكاسب المحرّمة: 1/ 57.

(3). لاحظ نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 47.

113

مكاثر بكم الأمم غدا يوم القيامة». (1)

و روى جابر عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ما يمنع المؤمن أن يتّخذ أهلا، لعلّ اللّه يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلّا اللّه». (2)

حتّى أنّه سبحانه يمن على عباده بكثرة المال و البنين، و يقول:

اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ‏ (3).

إلى غير ذلك من الآيات و الروايات الحاثّة على تكثير النسل، لكن ربما تعتري البلاد أزمة اقتصادية و اجتماعية خانقة لا تتمكن فيها من توفير الخدمات اللازمة لمواطنيها، و تأمين حياة كريمة لهم، فعند ذلك ينقلب ملاك الحكم الاستحبابي إلى غيره، لأنّ هدف الشارع من تكثير النسل هو توفير العزّة و المنعة، فإذا تعسّر فحينها يكون تحديد النسل هو الحل المطلوب.

و هناك أمثلة أخرى لم نستعرضها لعدم ثبوت تغيير الملاك عندنا، كصناعة التماثيل فربما يتصور انّ الملاك في التحريم هو كون صناعة التماثيل ذريعة لعبادة أصحابها، و أمّا اليوم فقد انتفى ذلك الملاك و عادت من الفنون الجميلة.

____________

(1). الوسائل: 14، الباب الأوّل من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 2.

(2). الوسائل: 14، الباب الأوّل من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 3.

(3). نوح: 10- 12.

114

هذا بالنظر إلى البلاد الإسلامية، و أمّا بالنظر إلى دول جنوب آسيا فالتجسيم هناك رمز العبادة و الشرك و ذريعة إليه فهل يكفي في الحلّية خلوّ العمل من الملاك في بلد خاص، أو يجب أن يكون كذلك في كافة البلدان أو أغلبها؟ و الثاني هو المتعيّن.

الثالث: تأثيرهما في كشف مصاديق جديدة للموضوع‏

إنّ الزمان و المكان كما يؤثران في تغيّر الملاك و تبدّله، كذلك يؤثران في إسراء الحكم إلى موضوع لم يكن موجودا في عصر التشريع و ذلك بفضل الملاك المعلوم، و لنذكر هنا أمثلة:

1. انّ السبق و الرماية من التمارين العسكرية التي تكتسب بها المهارة اللازمة للدفاع عن النفس و للقتال و الظاهر من بعض الروايات حصرها في أمور ثلاثة.

روى حفص بن غياث، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «لا سبق إلّا في خف أو حافر أو نصل- يعني: النضال-». (1)

و روى عبد اللّه بن سنان عنه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «لا سبق إلّا في خف أو حافر أو نصل- يعني النضال-». (2)

و روى الإمام الصادق (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه كان يقول: «إنّ‏

____________

(1). الوسائل 13، الباب 3 من أبواب السبق و الرماية، الحديث 1، 2.

(2). الوسائل 13، الباب 3 من أبواب السبق و الرماية، الحديث 3.

115

الملائكة تحضر الرهان في الخف و الحافر و الريش و ما سوى ذلك فهو قمار حرام» (1).

و من المعلوم أنّ المناط للسبق بهذه الأمور هو تقوية البنية الدفاعية، فتحصيل هذا الملاك في هذه الأعصار لا يقتصر على السبق بهذه الأمور الثلاثة، بل يتطلب وسائل أخرى أكثر تطورا.

قال الشهيد الثاني في «المسالك»: لا خلاف بين المسلمين في شرعية هذا العقد، بل أمر به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في عدّة مواطن لما فيه من الفائدة المذكورة، و هي من أهمّ الفوائد الدينية لما يحصل بها من غلبة العدو في الجهاد لأعداء اللّه تعالى، الذي هو أعظم أركان الإسلام و بهذه الفائدة يخرج عن اللهو و اللعب المنهي عن المعاملة عليهما. (2)

فإذا كانت الغاية من تشريعها الاستعداد للقتال و التدرب للجهاد، فلا يفرق عندئذ بين الدارج في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و غيره أخذا بالملاك المتيقن.

و على ذلك فالحصر ناظر إلى السبق فيما يعد لهوا كاللعب بالحمام كما في رواية عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: «كلّ لهو المؤمن باطل إلّا في ثلاث:

في تأديبه الفرس، و رميه عن قوسه، و ملاعبته امرأته فانّهن حقّ». (3)

2. الدفاع عن بيضة الإسلام قانون ثابت لا يتغير، و إليه يرشد قوله‏

____________

(1). الوسائل 13، الباب 3 من أبواب السبق و الرماية، الحديث 5.

(2). المسالك: 6/ 69.

(3). الوسائل: 13، الباب 1 من أحكام السبق و الرماية، الحديث 5.

116

سبحانه: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ‏ (1)، فكان الدفاع في الصور السابقة بالسهم و النصل و السيف و ما أشبه ذلك.

و أمّا اليوم و في ظل التقدم العلمي الهائل، فقد أصبحت المعدّات الحربية تدور حول الدبابات و المدرعات و الصواريخ و الطائرات المقاتلة و البوارج البحريّة.

3. أمر الإسلام بنشر الثقافة و التعليم و التربية و كانت الوسائل المستخدمة في هذا الصدد يوم ذاك لا تتعدى أمورا بسيطة كالمداد و الدواة، و لكن اليوم و في ظل التقدم العلمي أصبحت وسائل التعليم متطورة للغاية حتى شملت الكامبيوتر و التلفاز و المذياع و شبكة المعلومات «الانترنت».

4. لقد ذهب المشهور إلى تخصيص الاحتكار بأجناس معدودة.

روى السكوني، عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:

«الحكرة في ستة أشياء: في الحنطة و الشعير و التمر و الزيت و السمن و الزبيب». (2)

و روى غياث، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «ليس الحكرة إلّا في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن». (3)

____________

(1). الأنفال: 60.

(2). الوسائل 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 10.

(3). الوسائل 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 4.

117

و قد ذهب الشيخ الطوسي في النهاية بعد عدّها إلى أنّه لا يكون الاحتكار في سوى هذه الأجناس، و تبعه لفيف من الفقهاء. (1)

و ثمة احتمال آخر و هو انّ الأجناس الضرورية يومذاك كانت منحصرة بما ورد في الروايات على نحو ينجم عن احتكارها أزمة في المجتمع الإسلامي، دون سائر الأجناس، و أمّا اليوم فلا شكّ انّه اتسعت الحاجات و تغيرت فعاد ما لم يكن ضروريا في الماضي أمرا ضروريا في عصرنا هذا، فلو أوجدت الحكرة في غير هذه الأجناس نفس الأزمة، يكون الجميع على حد سواء، خصوصا و انّ الحلبي روى عن الإمام الصادق (عليه السلام) انّه قال: سألته عن الرجل يحتكر الطعام و يتربص به، هل يصلح ذلك، ثمّ قال: «إن كان الطعام كثيرا يسع الناس فلا بأس به و إن كان الطعام قليلا لا يسع الناس فانّه يكره أن يحتكر الطعام و يترك الناس ليس لهم طعام». (2)

فإذا كان الميزان هو وجود ما يسع الناس و عدمه، فلا فرق بين الطعام و غيره، فلا يبعد أن تعمّ حرمة الحكرة إلى غيره.

إذ من المعلوم انّ الأحكام الشرعية تابعة للملاكات فانّها شرعت على أساس المصالح و المفاسد، و هذا يقتضي استيعاب الحكرة لغير ما نصّ عليه، و قد عرفت أنّ الروايات الحاصرة ناظرة إلى عمدة ما يحتاج إليه الناس في العصور الماضية.

____________

(1). الحدائق الناضرة: 18/ 62.

(2). وسائل الشيعة: 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 2.

118

و هذا هو خيرة صاحب الجواهر فانّه قال: بل هو كذلك في كلّ حبس لكلّ ما تحتاجه النفوس المحترمة و يضطرون إليه و لا مندوحة لهم عنه من مأكول أو مشروب أو ملبوس أو غيرها، من غير تقييد بزمان دون زمان، و لا أعيان دون أعيان، و لا انتقال بعقد، و لا تحديد بحدّ، بعد فرض حصول الاضطرار ... بل لا يبعد حرمة قصد الاضطرار بحصول الغلاء و لو مع عدم حاجة الناس و وفور الأشياء، بل قد يقال بالتحريم بمجرد قصد الغلاء و حبه و إن لم يقصد الإضرار، و يمكن تنزيل القول بالتحريم على بعض ذلك. (1)

و قال أيضا: لو اعتاد الناس طعاما في أيّام القحط مبتدعا جرى فيه الحكم لو بني فيه على العلة و في الأخبار ما ينادي بأنّ المدار على الاحتياج و هو مؤيد للتنزيل على المثال، و إن كان فيه ما لا يخفى. (2)

و إلى ذلك ذهب فقيه عصره السيد أبو الحسن الاصفهاني، قال:

الاحتكار و هو حبس الطعام و جمعه يتربص به الغلاء حرام مع ضرورة المسلمين و حاجتهم و عدم وجود من يبذلهم قدر كفايتهم ... و إنّما يتحقّق الاحتكار بحبس الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الدهن، و كذا الزيت و الملح على الأحوط لو لم يكن الأقوى، بل لا يبعد تحققه في كلّ ما يحتاج إليه عامة أهالي البلد من الأطعمة كالارز و الذرة بالنسبة إلى بعض البلاد. (3)

____________

(1). جواهر الكلام: 22/ 481.

(2). جواهر الكلام: 22/ 483.

(3). وسيلة النجاة: 2/ 8.

119

و قال المحقّق الحائري: إذا فرض الاحتياج إلى غير الطعام من الأمور الضرورية للمسلمين كالدواء و الوقود في الشتاء بحيث استلزم من احتكارها الحرج و الضرر على المسلمين فمقتضى أدلة الحرج و الضرر حرمته و إن لم يصدق عليه لغة الاحتكار.

و يمكن التمسّك بالتذييل الذي هو في مقام التعليل بحسب الظاهر المتقدم في معتبر الحلبي، بناء على أنّه إذا كان الظاهر أنّ التعليل بأمر ارتكازي فيحكم بإلغاء قيد الطعام، لأنّه ليس بحسب الارتكاز إلّا من جهة توقّف حفظ النفس عليه، فإذا وجد الملاك المذكور في الدواء مثلا فلا ريب انّه بحكمه عرفا، و هذا يوجب إلغاء الخصوصية المأخوذة في التعليل. (1)

أقول: إنّ صاحب الجواهر و المحقّق الحائري حكما بتحريم الاحتكار لأجل الاضطرار، فصارت الحرمة حكما ثانويا.

و لكن الحقّ انّ الحرمة حكم أوّلي لما عرفت من أنّ الملاك هو كون الناس في السعة و الضيق فيجوز في الأوّل، و يحرم في الثاني، و لا أظن انّ الضيق الناجم عن احتكار الدواء للمرضى و الجرحى أقل وطأة من حكر الملح و السمن و الزيت. (2)

____________

(1). ابتغاء الفضيلة في شرح الوسيلة: 1/ 197.

(2). راجع في حكم الاحتكار، مفتاح الكرامة: 4/ 107؛ مصباح الفقاهة: 5/ 498.

120

الرابع: تأثيرهما في تغير أساليب تنفيذ الحكم‏

1. تضافرت النصوص على حلّية الأنفال للناس، و من الأنفال: الآجام و الأراضي الموات، و قد كان انتفاع الناس بها في الأزمنة الماضية لا يورث مشكلة في المجتمع، و ذلك لبساطة الأدوات المستخدمة وقتذاك، و محدودية الاستفادة منها، و لذا لم يكن هناك أيّ ملزم للحد من انتفاع الناس من الأنفال، و أمّا اليوم فقد تطورت أساليب الانتفاع بها و ازداد جشع الإنسان حيالها، فدعت الضرورة إلى وقف الاستغلال الجشع لهذه الأنفال من خلال وضع قوانين كفيلة بتحديد هذا الانتفاع.

2. اتّفق الفقهاء على أنّ الغنائم الحربية تقسم بين المقاتلين على نسق خاص بعد إخراج خمسها لأصحابها، لكن الغنائم الحربية في عصر صدور الروايات كانت تدور حول السيف و الرمح و السهم و الفرس و غير ذلك، و من المعلوم انّ تقسيمها بين المقاتلين كان أمرا ميسرا آنذاك، و أمّا اليوم و في ظل التقدم العلمي الهائل فقد أصبحت الغنائم الحربية تشمل الدبابات و المدرّعات و الحافلات و الطائرات المقاتلة و البوارج البحريّة، و من الواضح عدم إمكان تقسيمها بين المقاتلين بل هو أمر متعسّر، فعلى الفقيه أن يتخذ أسلوبا في كيفية تطبيق الحكم على صعيد العمل ليجمع فيه بين العمل بأصل الحكم و الابتعاد عن المضاعفات الناجمة عنه.

3. انّ الناظر في فتاوى الفقهاء السابقين فيما يرجع إلى الحج من‏

121

الطواف حول البيت و السعي بين الصفا و المروة و رمي الجمار و الذبح في منى يحس بحرج شديد في تطبيق أعمال الحج على هذه الفتاوى، و لكن تزايد وفود حجاج بيت اللّه عبر الزمان يوما بعد يوم أعطى للفقهاء رؤى وسيعة في تنفيذ تلك الأحكام على موضوعاتها، فأفتوا بجواز التوسع في الموضوع لا من باب الضرورة و الحرج، بل لانفتاح آفاق جديدة أمامهم في الاستنباط.

كانت الفتاوى في الأعصار السابقة على تحديد المطاف ب 26 ذراعا، و من المعلوم انّ هذا التحديد كان يرجع فيما إذا كان عدد الحجاج لا يزيد على 100 ألف حاج، و أمّا اليوم فعدد الطائفين تجاوز هذا الحد بكثير حتى بلغ عددهم في هذه الأعصار إلى مليوني حاج بل أزيد، فإذا خوطب هؤلاء بالطواف على البيت فهل يفهم منه انّه يجب عليهم الطواف بين الحدين؟ إذ معنى ذلك أن يحرم الكثير من هذه الفريضة، أو يفهم منه إيجاد التناوب بين الطائفين حتى لا يطوف حاج طوافا ندبيا إلى أن يفرغ الحجاج من الفريضة، أو يفهم منه ما فهمه الآخرون من أنّهم يطوفون بالبيت الأقرب فالأقرب؟ و إلى تينك الحالتين تشير الروايتان التاليتان‏ (1):

1. فقد روى محمد بن مسلم مضمرا، قال: سألته عن حدّ الطواف بالبيت الذي من خرج عنه لم يكن طائفا بالبيت؟ قال: «كان النّاس على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يطوفون بالبيت و المقام و أنتم اليوم تطوفون ما بين المقام‏

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 28 من أبواب الطواف، الحديث 1 و 2.

122

و بين البيت، فكان الحدّ موضع المقام اليوم، فمن جازه فليس بطائف، و الحدّ قبل اليوم و اليوم واحد قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلّها، فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفا بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد لأنّه طاف في غير حدّ و لا طواف له».

2. محمّد بن علي الحلبيّ قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الطواف خلف المقام؟ قال: «ما أحبّ ذلك و ما أرى به بأسا، فلا تفعله إلّا أن لا تجد منه بدا».

فالأولى ناظرة إلى الحالة التي يتمكن الحاج من الطواف بين الحدين بلا مشقة كثيرة، و لعلّ الإمام المروي عنه هو أبو جعفر الباقر (عليه السلام)، و لم يكن يوم ذاك زحام كثير؛ و الثانية منهما ناظرة إلى عصر الزحام بحيث يعسر للحاج أن يراعي ذلك الحدّ.

3. أفتى القدماء بأنّ الإنسان يملك المعادن المركوزة في أرضه تبعا لها دون أي قيد أو شرط، و كان الداعي من وراء تلك الفتوى هو بساطة الوسائل المستخدمة لذلك، فلم يكن بمقدور الإنسان الانتفاع إلّا بمقدار ما يعد تبعا لأرضه، و لكن مع تطور الوسائل المتاحة للاستخراج، استطاع أن يتسلط على أوسع مما يعدّ تبعا لأرضه، و انطلاقا من ذلك لا يبقى مجال للإفتاء بأنّ صاحب الأرض يملك المعدن المركوز تبعا لأرضه بلا قيد أو شرط، بل يحدد بما يعد تبعا لها عرفا، و أمّا الخارج عنها فهو إمّا من الأنفال أو من المباحات التي يتوقف تملّكها على إجازة الإمام.

123

نعم لا ينبغي التأمل في قيام السيرة العقلائية بل و كذا الشرعية- و إن انتهت إليها- على دخولها في ملك صاحب الأرض بتبع ملكه للأرض، فتلحق الطبقة السافلة بالعالية و الباطنة بمحتوياتها بالظاهرة أخذا بقانون التبعية و إن لم يتم هذا الإلحاق من ناحية الإحياء حسبما عرفت، و من ثمّ لو باع ملكه فاستخرج المشتري منه معدنا ملكه و ليس للبائع مطالبته بذلك، لأنّه باعه الأرض بتوابعها.

و لكن السيرة لا إطلاق لها و المتيقن من موردها ما يعد عرفا من توابع الأرض و ملحقاتها كالسرداب و البئر و ما يكون عمقه بهذه المقادير التي لا تتجاوز عن حدود الصدق العرفي فما يوجد أو يتكون و يستخرج من خلال ذلك فهو ملك لصاحب الأرض بالتبعية كما ذكر.

و أمّا الخارج عن نطاق هذا الصدق غير المعدود من التوابع كآبار النفط العميقة جدا التي ربما تبلغ الفرسخ أو الفرسخين، أو الآبار العميقة المستحدثة أخيرا لاستخراج المياه من عروق الأرض البالغة في العمق و البعد نحو ما ذكر أو أكثر، فلا سيرة في مثله و لا تبعية، و معه لا دليل على إلحاق نفس الأرض السافلة بالعالية في الملكية فضلا عن محتوياتها من المعادن و نحوها.

نعم في خصوص المسجد الحرام ورد أنّ الكعبة من تخوم الأرض إلى عنان السماء. و لكن الرواية ضعيفة السند. و من ثمّ ذكرنا في محله لزوم استقبال عين الكعبة لجميع الأقطار لا ما يسامتها من شي‏ء من الجانبين.

124

4. انّ روح القضاء الإسلامي هو حماية الحقوق و صيانتها، و كان الأسلوب المتبع في العصور السابقة هو أسلوب القاضي الفرد، و قضاؤه على درجة واحدة قطعية، و كان هذا النوع من القضاء مؤمّنا لهدف القضاء، و لكن اليوم لما دبّ الفساد في المحاكم، و قلّ الورع اقتضى الزمان أن يتبدل أسلوب القضاء إلى أسلوب محكمة القضاة الجمع، و تعدّد درجات المحاكم حسب المصلحة الزمانية التي أصبحت تقتضي زيادة الاحتياط.

الخامس: تأثيرهما في بلورة موضوعات جديدة

إنّ التطور الصناعي و العلمي أسفر عن موضوعات جديدة لم يكن لها وجود من ذي قبل، فعلى الفقيه دراسة هذه الموضوعات بدقة و إمعان و لو بالاستعانة بأهل الخبرة و التخصص في ذلك المجال، و ها نحن نشير إلى بعض العناوين المستجدة.

1. التأمين بكافة أقسامه، فهناك من يريد دراسة هذا الموضوع تحت أحد العناوين المعروفة في الفقه كالصلح و الضمان و غيره، مع أنّه عقد مستقل بين العقلاء، فعلى الفقيه دراسة ذلك العنوان كالموجود بين العقلاء.

2. لقد ظهرت حقوق عقلائية مستجدّة لم تكن مطروحة بين العقلاء، كحقّ التأليف، و حقّ براءة الاختراع، و حق الطبع، و حق النشر، و غيرها من الآثار الخلّاقة، و هذا ما يعبر عنه بالمالكية الفكرية و قد أقرّ بها الغرب و اعترف بها رسميا، و يعدّ المتجاوز على هذه الحقوق متعديا.

125

3. المسائل المستجدّة في عالم الطب كثيرة مثل التلقيح الصناعي، و زرع الأعضاء و بيعها، و الاستنساخ البشري، و التشريح، و تغيير الجنس، إلى غير ذلك من المسائل.

4. الشركات التجارية، التي تقوم بدور أساسي في الحياة الاقتصادية، و هي على قسمين: شركات الأشخاص، و شركات الأموال.

أمّا الأولى، فمثل التضامن، و شركات التوصية، و الشركات الخاصة.

و أمّا الثانية فأهم أقسامها: شركات المساهمة، فعلى الفقيه استنباط حكم هذه الشركات على ضوء النصوص و القواعد.

*** إلى هنا تبيّن أنّ تغيير الأحكام من خلال تبدّل الظروف خاضع لأصول صحيحة لا تتنافى مع سائر الأصول و ليس التغيير في ضوئها مصادما لحصر التشريع أو لتأبيد الأحكام أو سائر الأصول.

السادس: تأثيرهما في تفسير القرآن الكريم‏

لا ينحصر تأثير الزمان و المكان على الاستنباط بل يشمل حقل التفسير أيضا، فإنّ للقرآن الكريم آفاقا لا متناهية، تتجلّى أمام الفكر النيّر العميق، و هو كما وصفه الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) عند ما سأله سائل: ما بال القرآن لا يزداد عند النشر و الدرس إلّا غضاضة؟

126

فأجاب (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى لم يجعله لزمان دون زمان، و لا لناس دون ناس، فهو في كلّ زمان جديد و عند كلّ قوم غضّ إلى يوم القيامة». (1)

فالإمام الرضا (عليه السلام) لا يشير في هذا الحديث إلى موضوع خلود القرآن فقط، بل يشير أيضا إلى سرّ خلوده و بقائه غضا جديدا لا يتطرق إليه البلى و الذبول.

فكأنّ القرآن هو النسخة الثانية لعالم الطبيعة الواسع الأطراف الذي لا يزيد الباحث عن حقائقه و أسراره إلّا معرفة بأنّه لا يزال في الخطوات الأولى على طريق الوصول إلى مكامنه الخفية و أغواره السحيقة، و كتاب اللّه تعالى مثل عالمنا هذا، حافل بالحقائق و الأسرار و العجائب التي لا تنقضي، لأنّه منزل من عند اللّه الذي لا تتصور له نهاية، و لا يمكن تحديده بحدود و أبعاد، فيجب أن تكون في كتابه لمعة من لمعاته، و يثبت بنفسه أنّه من عنده، و يضمّ بين دفتيه مثل عالمنا هذا، حافل بما يدلّ على أنّه كتاب سماوي، و ليس من صنع البشر، و هو خالد إلى ما شاء اللّه تعالى.

إنّ نبي الإسلام (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هو أوّل من لفت الأنظار إلى تلكم المزية التي تعدّ من أهم مزاياه، حيث يقول في وصفه للقرآن: «له ظهر و بطن، و ظاهره حكم و باطنه علم، ظاهره أنيق و باطنه عميق، له تخوم و على تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه و لا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى و منار الحكمة». (2)

____________

(1). البرهان في تفسير القرآن: 1/ 28.

(2). الكافي: 2/ 599، كتاب القرآن.

127

فلنستعرض مثالا يتبيّن فيه دور الزمان في كشف اللثام عن مفهوم الآية.

إنّه سبحانه يصف عامة الموجودات بالزوجية من دون فرق بين ذي حياة و غيره، يقول: وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ (1).

و قد شغلت الآية بال المفسرين و فسّروها بما وصلت إليه علومهم، قال الراغب في تفسير الآية: و في الآية تنبيه على أنّ الأشياء كلّها مركبة من جوهر و عرض، و مادة و صورة، و ان لا شي‏ء يتعرّى من تركيب يقتضي كونه مصنوعا و أنّه لا بدّ له من صانع، تنبيها على أنّه تعالى هو الفرد، فبيّن أنّ كلّ ما في العالم زوج، حيث إنّ له ضدا أو مثلا ما، أو تركيبا ما، بل لا ينفك بوجه من تركيب و إنّما ذكر هاهنا زوجين، تنبيها على أنّ الشي‏ء و إن لم يكن له ضد و لا مثل، فإنّه لا ينفك من تركيب جوهر و عرض، و ذلك زوجان. (2)

غير أنّ الزمان فسّر حقيقة هذه الزوجية العامة، بتركيب الذرّة(Atom) من جزءين معروفين.

و قد عبّر القرآن عن هذين الجزءين الحاملين للشحنتين المختلفتين، بالزوجية، حتى لا يقع موقع التكذيب و الردّ، إلى أن يكشف الزمان مغزى الآية و مفادها.

____________

(1). الذاريات: 49.

(2). مفردات الراغب: 216، مادة «زوج».

128

و بذلك يعلم سرّ ما روي عن ابن عباس انّه قال: إنّ القرآن يفسره الزمان. (1)

فكما أنّ الزمان يفسر الحقائق الكونية الواردة في القرآن الكريم فكذلك يفسر إتقان تشريعه في مجال الفرد و المجتمع، كما هو أيضا يفسر أخباره الغيبية الواردة فيه، و على ذلك فللزمان دور في الإفصاح عن معاني الآيات كدوره في استنباط الأحكام.

السابع: تأثيرهما في تفسير السنّة

ربما يرى الباحث اختلافا في السنة المروية عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أهل بيته الطاهرين، فيعمد إلى رفع الاختلاف بوجوه عديدة مذكورة في الكتب الأصولية، و لكن ثمة حل لطائفة من هذه السنن المتخالفة، و هو أنّ لكلّ من الحكمين ظرفا زمانيا خاصا يستدعي الحكم على وفقه، فإذا كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد حارب قريشا في بدر و أحد فلمصلحة ملزمة في ذلك الزمان، و إذا أظهر المرونة و تصالح معهم في الحديبية فلمصلحة ملزمة أيضا، و لذا لم يصغ إلى مقالة من قال: «أ نعطي الدنيّة في ديننا» و تصور أنّ في الصلح تنازلا عن الرسالة الإلهية و الأهداف السامية و غفل عن آثاره البنّاءة التي كشف عنها سير الزمان كما هو مذكور في تاريخ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

____________

(1). راجع النبات في حقل الحياة، تأليف نقي الموصلي، الشيخ العبيدين.

129

التفسير الخاطئ لتأثير الزمان و المكان‏

لا شكّ انّ الأحكام الشرعية تابعة لمصالح و مفاسد في متعلقاتها فلا واجب إلّا لمصلحة في فعله، و لا حرام إلّا لمفسدة في اقترافه، إذ انّ للتشريع الإسلامي نظاما لا تعتريه الفوضى، و هذا الأصل و إن خالف فيه بعض المتكلّمين، غير أنّ نظرهم محجوج بكتاب اللّه و سنّة نبيّه و نصوص خلفائه (عليهم السلام).

ترى أنّه سبحانه يعلل حرمة الخمر و الميسر بقوله:

إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ‏ (1).

و يستدل على وجوب الصلاة بقوله سبحانه: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ (2) إلى غير ذلك من الفرائض و المناهي التي أشير إلى ملاكات تشريعهما في الذكر الحكيم.

و قد قال الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا (عليهما السلام): «إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يبح أكلا و لا شربا إلّا لما فيه المنفعة و الصلاح، و لم يحرّم إلّا ما فيه الضرر و التلف و الفساد» (3).

و الآيات القرآنية تشهد بجلاء على ما قاله الإمام الطاهر حيث إنّها تعلّل‏

____________

(1). المائدة: 91.

(2). العنكبوت: 45.

(3). مستدرك الوسائل: 3/ 71.

130

تشريع الجهاد بقوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا (1) كما تعلّل القصاص بقوله: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏ (2).

إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على ذلك بوضوح، و مع أنّ المعروف عن الإمام الأشعري هو عدم تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد بزعم انّ القول بذلك يستلزم تضييقا للإرادة الإلهية، و لكن المحقّقين من أهل السنة على خلاف ذلك، منهم الشاطبي، قال في موافقاته:

و قد ثبت أنّ الشريعة موضوعة لتحقيق مصالح الناس عاجلا أم آجلا، إمّا بجلب النفع لهم، أو لدفع الضرر و الفساد عنهم، كما دلّ عليه الاستقراء و تتبع مراد الأحكام. (3)

و على ضوء ذلك فالمصالح المستكشفة عبر الزمان إذا كانت مصالح عامة أو مفاسد كذلك و لم يرد في موردها أمر و لا نهي، فللفقيه أن يستكشف من المصلحة الملزمة أو المفسدة كون الشي‏ء واجبا أم حراما و ذلك، كتعاطي المخدرات في مورد المفاسد، و تزريق الأمصال فيما إذا انتشر الداء في المجتمع الذي لا ينقذه إلّا التزريق، ففي هذه الموارد التي ليس للإسلام فيها حكم إلزامي يمكن أن يستكشف الوجوب أو الحرمة ببركة إدراك العقل للمصلحة النوعية أو المفسدة كذلك.

____________

(1). الحج: 39.

(2). البقرة: 179.

(3). الموافقات: 2/ 6.

131

إنّ استكشاف العقل للمصالح و المفاسد إنّما يقع ذريعة للتشريع إذا كان المورد من موارد «منطقة الفراغ» أي لم يكن للشارع هناك حكم بالإلزام بالفعل أو الترك، و أمّا إذا كان هناك حكم شرعي قطعي فلا يصح للمستنبط تغيير الحكم بالمصالح و المفاسد المزعومة، فإنّه يكون من قبيل تقديم المصلحة على النص، و هو أمر غير جائز، و قد عرفت في صدر البحث انّ تأثير الزمان و المكان إنّما هو في الأحكام الاجتهادية دون الأحكام المنصوصة.

و الحاصل انّه إذا كان هناك نص من الشارع و لم يكن الموضوع ضمن (منطقة الفراغ) فلا معنى لتقديم المصلحة على النص، فانّه تشريع محرّم يتّخذ ذريعة للتخلص من الالتزام بالأحكام الشرعية.

و بذلك يعلم أنّ ما صدر من بعض السلف في بعض الموارد من تقديم المصالح على النصوص قد جانب الصواب بلا شكّ كالمثال التالي:

دلّ الكتاب و السنّة على بطلان الطلاق ثلاثا، من دون أن يتخلّل بينها رجوع أو نكاح، فلو طلّق ثلاثا مرّة واحدة أو كرّر الصيغة فلا يحتسب إلّا طلاقا واحدا. و قد جرى عليه رسول اللّه و الخليفة الأوّل و كان (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يمضي من الطلقات الثلاث إلّا واحدة منها، و كان الأمر على هذا المنوال إلى سنتين من خلافة الخليفة الثاني، و سرعان ما عدل عن ذلك قائلا: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. (1)

____________

(1). صحيح مسلم: 4/ 183، باب الطلاق الثلاث، الحديث 1.

132

جدير بالذكر أنّ إعمال الرأي فيما فيه نصّ من كتاب أو سنّة، أمر خاطئ، و لو صحّ إعماله فإنّما هو فيما لا نصّ فيه، و مع ذلك حاول بعضهم تبريره بتغيّر الأحكام بالمصالح و المفاسد، لا سيما ابن قيم الجوزية، الذي قال: لمّا رأى الخليفة الثاني انّ مفسدة تتابع النصّ في إيقاع الطلاق لا تندفع إلّا بإمضائها على الناس، و رأى مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الإيقاع، أمضى عمل الناس، و جعل الطلاق ثلاثا، ثلاثا. (1)

يلاحظ عليه: أنّ إبطال الشريعة أمر محرّم لا يستباح بأي عنوان، فلا يصحّ لنا تغيير الشريعة بالمعايير الاجتماعية من الصلاح و الفساد، و أمّا مفسدة تتابع النص في إيقاع الطلاق الثلاث فيجب أن تدفع عن طريق آخر، لا عن طريق إمضاء ما ليس بمشروع، و جعله مشروعا.

و العجب انّ ابن القيم التفت إلى ذلك، و قال: كان أسهل من ذلك (تصويب الطلقات ثلاثا) أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث، و يحرّمه عليهم، و يعاقب بالضرب و التأديب من فعله لئلّا يقع المحذور الذي يترتّب عليه، ثمّ نقل عن عمر بن الخطاب ندامته على التصويب، قائلا: قال الخليفة الثاني: ما ندمت على شي‏ء مثل ندامتي على ثلاث. (2)

و هنا كلمة للشيخ محمد شلتوت شيخ الأزهر حول عدّ الاجتهاد من مصادر التشريع حيث قال فيها:

____________

(1). أعلام الموقعين: 3/ 48.

(2). أعلام الموقعين: 3/ 36، و أشار إليه في كتابه الآخر إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: 1/ 336.

133

و يشمل الاجتهاد أيضا، النظر في تعرف حكم الحادثة عن طريق القواعد العامة و روح التشريع، التي عرفت من جزئيات الكتاب و تعرفات الرسول، و أخذت في نظر الشريعة مكانة النصوص القطعية التي يرجع إليها في تعرف الحكم للحوادث الجديدة.

و هذا النوع هو المعروف بالاجتهاد عن طريق الرأي و تقدير المصالح.

و قد رفع الإسلام بهذا الوضع جماعة المسلمين عن أن يخضعوا في أحكامهم و تصرفاتهم لغير اللّه، و منحهم حق التفكير و النظر و الترجيح و اختيار الأصلح في دائرة ما رسمه من الأصول التشريعية، فلم يترك العقل وراء الأهواء و الرغبات، و لم يقيده في كلّ شي‏ء بمنصوص قد لا يتفق مع ما يجدّ من شئون الحياة، كما لم يلزم أهل أي عصر باجتهاد أهل عصر سابق دفعتهم اعتبارات خاصة إلى اختيار ما اختاروا. (1)

ما ذكره حقّ ليس وراءه شي‏ء إلّا أنّي لا أوافقه في قوله: «و لم يقيده في كلّ شي‏ء بمنصوص قد لا يتفق مع ما يجدّ من شئون الحياة» فإنّه هفوة من الأستاذ، إذ أي أصل و حكم شرعي منصوص لا يتفق مع ما يجدّ من شئون الحياة؟ و ليس ما ذكره إلّا من قبيل تقديم المصلحة على النص، و هو تشريع محرم، و تقدّم على اللّه و رسوله، قال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏ (2).

و من هنا يفترض بكلّ مسلم أن يتجنّب هذا النوع من الاستصلاح.

____________

(1). رسالة الإسلام، السنة الرابعة، العدد الأوّل، ص 5.

(2). الحجرات: 1.

134

البحث الرابع دراسة في تأثير الزمان و المكان في الفقه السنّي‏

طرحت هذه المسألة من قبل بعض فقهاء السنّة قديما و حديثا، و إليك التنويه بأسمائهم و ببعض كلماتهم:

1. ابن القيم الحنبلي (المتوفّى 751 ه) يقول في فصل «تغيّر الفتوى و اختلافها بحسب تغيّر الأزمنة و الأمكنة و الأحوال و النيّات و العوائد»:

هذا فصل عظيم النفع، و قد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج و المشقّة، و تكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم انّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإنّ الشريعة مبناها و أساسها على الحكم و مصالح العباد في المعاش و المعاد، و هي عدل كلّها، و رحمة كلّها، و مصالح كلّها، و حكمة كلّها، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، و عن الرحمة إلى ضدها، و عن المصلحة إلى المفسدة، و عن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة. (1)

____________

(1). اعلام الموقعين: 3/ 14 ط دار الفكر و قد استغرق بحثه 56 صفحة. فلاحظ.

135

2. السيد محمد أمين أفندي الشهير ب «ابن عابدين» (1)، قال ما نصّه:

اعلم أنّ المسائل الفقهية إمّا أن تكون ثابتة بصريح النص، و إمّا أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد و رأي، و كثيرا منها ما يبيّنه المجتهد على ما كان في عرف زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلا، و لهذا قالوا في شروط الاجتهاد انّه لا بدّ فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أوّلا، للزم منه المشقة و الضرر بالناس، و لخالف قواعد الشريعة المبنيّة على التخفيف و التيسير و دفع الضرر و الفساد لبقاء العالم على أتم نظام و أحسن أحكام، و لهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نصّ عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنّه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذا في قواعد مذهبه.

ثمّ إنّ ابن عابدين ذكر أمثلة كثيرة لما ذكره من الكبرى تستغرق عدّة صحائف. (2) و لنذكر بعض الأمثلة:

أ. افتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن و نحوه لانقطاع عطايا المعلّمين التي كانت في الصدر الأوّل، و لو اشتغل المعلّمون بالتعليم بلا أجرة يلزم ضياعهم و ضياع عيالهم، و لو اشتغلوا بالاكتساب في حرفة و صناعة،

____________

(1). هو محمد أمين الدمشقي، فقيه الديار الشامية و إمام الحنفية في عصره، ولد عام 1198 ه و توفي عام 1252 ه، له من الآثار «مجموعة رسائل» مطبوعة.

(2). انظر رسائل ابن عابدين: 2/ 123- 145.

136

يلزم ضياع القرآن و الدين، فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم و كذا على الإمامة و الأذان كذلك، مع أنّ ذلك مخالف لما اتّفق عليه أبو حنيفة و أبو يوسف و محمد بن الحسن الشيباني من عدم جواز الاستئجار و أخذ الأجرة عليه كبقية الطاعات من الصوم و الصلاة و الحج و قراءة القرآن و نحو ذلك.

ب. قول الإمامين بعدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة مع مخالفته لما نصّ عليه أبو حنيفة بناء على ما كان في زمنه من غلبة العدالة، لأنّه كان في الزمن الذي شهد له رسول اللّه بالخيريّة، و هما أدركا الزمن الذي فشا فيه الكذب، و قد نصّ العلماء على أنّ هذا الاختلاف اختلاف عصر و أوان، لا اختلاف حجّة و برهان. (1)

ج. تحقّق الإكراه من غير السلطان مع مخالفته لقول الإمام «أبي حنيفة» بناء على ما كان في زمنه من أنّ غير السلطان لا يمكنه الإكراه ثمّ كثر الفساد فصار يتحقّق الإكراه من غيره، فقال محمد (ابن الحسن الشيباني) باعتباره، و أفتى به المتأخّرون لذلك.

و قد ساق الأمثلة على هذا النمط إلى آخر الرسالة.

____________

(1). الظاهر انّه يريد بالإمامين تلميذي أبي حنيفة: أبا يوسف و محمد بن الحسن الشيباني و لم يكن الفارق الزمني بين الإمام أبي حنيفة و بينهما طويلا، فقد توفّي أبو حنيفة عام 150 ه و توفّي أبو يوسف عام 182 ه و توفي الشيباني عام 189 ه. و إذا كان كذلك فلما ذا يعدّون القرون الثلاثة الأولى خير القرون، و الحقّ انّ بين السلف و الخلف رجالا صالحين و أشخاصا طالحين، و لم يكن السلف خيرا من الخلف، و لا الخلف أكثر شرّا من السلف و إنّما هي دعايات فارغة فقد شهد القرن الأوّل وقعة الطفّ و الحرّة في المدينة.

137

3. و قد طرق هذا البحث أيضا الأستاذ مصطفى أحمد الزرقا في كتابه القيّم «المدخل الفقهي العام» و قال ما نصّه:

الحقيقة انّ الأحكام الشرعية التي تتبدّل بتبدّل الموضوعات مهما تغيرت باختلاف الزمن، فإنّ المبدأ الشرعي فيها واحد و ليس تبدّل الأحكام إلّا تبدّل الوسائل و الأساليب الموصلة إلى غاية الشارع، فإنّ تلك الوسائل و الأساليب في الغالب لم تحدّد من الشريعة الإسلامية بل تركتها مطلقة لكي يختار منها في كلّ زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجا و أنجح في التقويم علاجا.

ثمّ إنّ الأستاذ جعل المنشأ لتغير الأحكام أحد أمرين:

أ. فساد الأخلاق، و فقدان الورع و ضعف الوازع، و أسماه بفساد الزمان.

ب. حدوث أوضاع تنظيمية، و وسائل فرضية، و أساليب اقتصادية.

ثمّ إنّه مثّل لكل من النوعين بأمثلة مختلفة اقتبس بعضها من رسالة «نشر العرف» للشيخ ابن عابدين، و لكنّه صاغ الأمثلة في ثوب جديد، و لنذكر كلا الأمرين و أمثلتهما.

أ. تغيير الأحكام الاجتهادية لفساد الزمان‏

1. من المقرر في أصل المذهب الحنفي انّ المدين تنفذ تصرفاته في أمواله بالهبة و الوقف و سائر وجوه التبرّع، و لو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلّها، باعتبار انّ الديون تتعلّق بذمّته فتبقى أعيان أمواله حرة، فينفذ

138

فيها تصرّفه، و هذا مقتضى القواعد القياسية.

ثمّ لما فسدت ذمم الناس و كثر الطمع و قلّ الورع و أصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها، أو هبتها لمن يثقون به من قريب أو صديق، أفتى المتأخرون من فقهاء المذهبين الحنبلي و الحنفي بعدم نفاذ هذه التصرفات من المدين إلّا فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله‏ (1).

هذا في الفقه السنّي، و أمّا في الفقه الإمامي فليس ثمة مشكلة تقتضي التوسل بعنصر الزمان، و الالتزام بتغيّر الأحكام في ظلّه، لأنّ للمحجور حالتين:

الأولى: إذا حجر عليه الحاكم و حكم بإفلاسه فعند ذاك يتعلّق حقّ الغرماء بأمواله لا بذمّته، نظير تعلّق حقّ المرتهن بالعين المرهونة فلا يجوز له التصرف فيها بعوض كالبيع و الإجارة، و بغير عوض كالوقف و الهبة إلّا بإذنهم و إجازتهم.

الثانية: إذا لم يحجر عليه فتصرفاته على قسمين: قسم لا يريد به الفرار من أداء الديون و لا يلازم حرمان الديّان، فيجوز له التصرّف بأمواله كيفما شاء، و قسم آخر (كالصلح أو الهبة) يريد به الفرار من أداء الديون، فالحكم بصحة تصرفاته- فيما إذا لم يرج حصول مال آخر له باكتساب و نحوه- مشكل. (2)

____________

(1). المدخل الفقهي العام: 2/ 926، برقم 543.

(2). لاحظ وسيلة النجاة: 133، كتاب الحجر، المسألة الأولى؛ تحرير الوسيلة: 2/ 16.

139

وجهه: انّ الحكم بلزوم تنفيذها حكم ضرري يلحق بأصحاب الديون فلا يكون نافذا، أضف إلى ذلك انصراف عمومات الصلح و الهبة و سائر العقود عن مثل هذه العقود. و على ذلك فلا داعي لتبنّي تغير الحكم الشرعي بالعنصرين. بل الحكم الشرعي السائر مع الزمان موجود في أصل الشرع بلا حاجة إلى التوسل بعنصر «فساد الزمان».

2. في أصل المذهب الحنفي انّ الغاصب لا يضمن قيمة منافع المغصوب في مدة الغصب بل يضمن العين فقط إذا هلكت أو تعيّبت، لأنّ المنافع عندهم ليست متقوّمة في ذاتها و إنّما تقوم بعقد الإجارة و لا عقد في الغصب.

و لكن المتأخرين من فقهاء المذهب الحنفي نظروا تجرّؤ الناس على الغصب و ضعف الوازع الديني في نفوسهم، فأفتوا بتضمين الغاصب أجرة المثل عن منافع المغصوب إذا كان المغصوب مال وقف أو مال يتيم أو معدا للاستغلال على خلاف الأصل القياسي في المذهب زجرا للناس عن العدوان لفساد الزمان.

ثمّ أضاف إليها في التعليقة بأنّ الأئمّة الثلاثة ذهبوا إلى عكس ما ذهب إليه الاجتهاد الحنفي، فاعتبروا المنافع متقوّمة في ذاتها، كالأعيان، و أوجبوا تضمين الغاصب أجرة المثل عن المال المغصوب مدة الغصب، سواء استعرض الغاصب منافعه أو عطّلها ثمّ قال: و هذا الاجتهاد أوجه و أصلح. (1)

____________

(1). المدخل الفقهي العام: 2/ 927، برقم 544.

140

أقول: إنّ القول بعدم ضمان الغاصب المنافع المستوفاة مستند إلى ما تفرّد بنقله عروة بن الزبير عن عائشة أنّ رسول اللّه قضى أنّ الخراج بالضمان. (1)

فزعمت الحنفية انّ ضمان قيمة المغصوب لا يجتمع مع ضمان المنافع، و ذلك لأنّ ضمان العين في مقابل كون الخراج له، و لكن الاجتهاد غير صحيح جدا، لأنّ الحديث ناظر إلى البيوع الصحيحة، مثلا: إذا اشترى عبدا أو غيره فيستغلّه زمانا ثمّ يعثر منه على عيب كان فيه عند البائع، فله ردّ العين المبيعة و أخذ الثمن، و يكون للمشتري ما استغله، لأنّ المبيع لو تلف في يده لكان في ضمانه و لم يكن له على البائع شي‏ء، و الباء في قوله بالضمان متعلّق بمحذوف تقديره: الخراج مستحق بالضمان، أي في مقابلة الضمان، أي منافع المبيع بعد القبض تبقى للمشتري في مقابلة الضمان اللازم عليه بطرف المبيع.

هذا هو معنى الحديث، و عليه شرّاح الحديث‏ (2) و لا صلة للحديث بغصب الغاصب مال الغير و استغلال منافعه.

و الذي يفسّر الحديث وراء فهم الشرّاح انّ عروة بن الزبير نقل عن عائشة أنّ رجلا اشترى عبدا، فاستغلّه ثمّ وجد به عيبا فردّه، فقال: يا رسول‏

____________

(1). مسند أحمد: 6/ 49؛ سنن الترمذي: 3، كتاب البيوع برقم 1286؛ سنن النسائي: 7/ 254، باب الخراج بالضمان.

(2). لاحظ شرح الحافظ جلال الدين السيوطي و حاشية الإمام السندي على سنن النسائي و غيره.

141

اللّه إنّه قد استغلّ غلامي، فقال رسول اللّه: «الخراج بالضمان» (1).

و قد ورد من طرقنا أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) لمّا سمع بفتوى أبي حنيفة بعدم ضمان الغاصب قيمة المنافع التي استوفاها، قال: «في مثل هذا القضاء و شبهه تحبس السماء ماءها و تمنع الأرض بركتها». (2)

ثمّ إنّه يدل على ضمان المنافع المستوفاة عموم قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يحل مال امرئ مسلم لأخيه إلّا عن طيب نفسه» و المنافع مال، و لأجل ذلك يجعل ثمنا في البيع و صداقا في النكاح، مضافا إلى السيرة العقلائية في تضمين الغاصب المنافع المستوفاة، و على ذلك فليس هاهنا مشكلة حتى تعالج بعنصر الزمان، و لم يكن الحكم المزعوم حكما شرعيّا حتى يتغير لأجل فساد أهل الزمان.

3. في أصل المذهب الحنفي انّ الزوجة إذا قبضت مؤجّل مهرها تلزم بمتابعة زوجها حيث شاء، و لكن المتأخّرين لحظوا انقلاب الأخلاق و غلبة الجور، و انّ كثيرا من الرجال يسافرون بزوجاتهم إلى بلاد نائية ليس لهنّ فيها أهل و لا نصير، فيسيئون معاملتهنّ و يجورون عليهنّ، فأفتى المتأخرون بأنّ المرأة لو قبضت مؤجل مهرها لا تجبر على متابعة زوجها إلى مكان إلّا إذا كان وطنا لها و قد جرى فيه عقد الزواج بينهما، و ذلك لفساد الزمان و أخلاق‏

____________

(1). سنن ابن ماجة: 2، برقم 2243.

(2). وسائل الشيعة: الجزء 13، الباب 17 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث 1. و الحديث طويل جدير بالمطالعة.

142

الناس، و على هذا استقرت الفتوى و القضاء في المذهب. (1)

أقول: إنّ لحلّ هذا النوع من المشاكل طريقا شرعيا في باب النكاح، و هو اشتراط عدم إخراجها من وطنها أو أن يسكنها في بلد خاص، أو منزل مخصوص في عقد النكاح، فيجب على الزوج الالتزام به. و ليس مثل هذا الاشتراط مخالفا للكتاب و السنّة.

و لو افترضنا غفلة أولياء العقد عن الاشتراط و أراد الزوج إخراجها إلى بلاد نائية يصعب عليها العيش فيها و يعد حرجيّا لها، فللزوجة رفع الشكوى إلى الحاكم بغية عدم إخراجها من وطنها، فيحكم بعد تبيّن الحال بعدم الإخراج نتيجة طروء العناوين الثانوية كالحرج و الضرر، فليس للزمان هنا أي مدخلية في تغيير الحكم، بل يكمن الحكم الشرعي في نفس الشرع.

4. في أصل المذهب الحنفي و غيره انّ القاضي يقضي بعلمه الشخصي في الحوادث، أي أنّ علمه بالوقائع المتنازع فيها يصح مستندا لقضائه، و يغني المدّعي عن إثبات مدّعاه بالبيّنة، فيكون علم القاضي بواقع الحال هو البيّنة، و في ذلك أقضية مأثورة عن عمر و غيره، و لكن لوحظ فيما بعد أنّ القضاة قد غلب عليهم الفساد و السوء و أخذ الرشا، و لم يعد يختار للقضاء الأوفر ثقة و عفة و كفاية بل الأكثر تزلّفا إلى الولاة و سعيا في استرضائهم و إلحافا في الطلب.

لذلك أفتى المتأخّرون بأنّه لا يصحّ أن يقضي القاضي بعلمه الشخصي‏

____________

(1). المدخل الفقهي العام: 2/ 928، برقم 546.

143

في القضاء بل لا بدّ أن يستند قضاؤه إلى البيّنات المثبتة في مجلس القضاء حتى لو شاهد القاضي بنفسه عقدا أو قرضا أو واقعة ما بين اثنين خارج مجلس القضاء ثمّ ادّعى به أحدهما و جحدها الآخر، فليس للقاضي أن يقضي للمدّعي بلا بيّنة، إذ لو ساغ ذلك بعد ما فسدت ذمم كثير من القضاة، لزعموا العلم بالوقائع زورا، و ميلا إلى الأقوى وسيلة من الخصمين، فهذا المنع و إن أضاع بعض الحقوق لفقدان الإثبات لكنّه يدفع باطلا كثيرا، و هكذا استقر عمل المتأخرين على عدم نفاذ قضاء القاضي بعلمه.

على أنّ للقاضي أن يعتمد على علمه في غير القضاء من أمور الحسبة و التدابير الإدارية الاحتياطية، كما لو علم ببينونة امرأة مع استمرار الخلطة بينها و بين زوجها، أو علم بغصب مال؛ فإنّ له أن يحول بين الرجل و مطلقته، و أن يضع المال المغصوب عند أمين إلى حين الإثبات. (1)

أقول: يشترط المذهب الإمامي في القاضي: العدالة و الاجتهاد المطلق، فالقاضي الجائر لا يستحق القضاء و لا ينفذ حكمه.

و على ضوء ذلك فلا يترتب على عمل القاضي بعلمه أي فساد، لأنّ العدالة تصدّه عن ارتكاب الآثام.

و لو افترضنا إشغال منصة القضاء بالفرد الجائر فليس للقاضي العمل بعلمه في حقوق اللّه سبحانه، كما إذا علم أنّ زيدا زنى أو شرب الخمر أو غير ذلك، فلا يصحّ له إقامة الدعوى و إجراء الحدود لاستلزامه وحدة القاضي‏

____________

(1). المدخل الفقهي العام: 2/ 928- 929، برقم 546.

144

و المدعي من غير فرق بين كونه عادلا أو غيره.

و أمّا العمل بعلمه في حقوق الناس فلا يعمل بعلم غير قابل للانتقال إلى الغير بل يقتصر في العمل بعلمه بنحو لو طولب بالدليل لعرضه و إلّا فلا يجوز، و قد حقّق ذلك في كتاب القضاء.

5. من المبادئ المقرّرة في أصل المذهب انّ العمل الواجب على شخص شرعا لا يصحّ استئجاره فيه و لا يجوز له أخذ أجرة عليه، و من فروع هذا المذهب الفقهي انّ القيام بالعبادات و الأعمال الدينية الواجبة كالإمامة و خطبة الجمعة و تعليم القرآن و العلم لا يجوز أخذ الأجرة عليه في أصل المذهب بل على المقتدر أن يقوم بذلك مجانا لأنّه واجب ديني.

غير أنّ المتأخّرين من فقهاء المذهب لحظوا قعود الهمم عن هذه الواجبات، و انقطاع الجرايات من بيت المال عن العلماء ممّا اضطرهم إلى التماس الكسب، حتى أصبح القيام بهذه الواجبات غير مضمون إلّا بالأجر، و لذلك أفتى المتأخّرون بجواز أخذ الأجور عليها حرصا على تعليم القرآن و نشر العلم و إقامة الشعائر الدينية بين الناس. (1)

أمّا الفقه الإمامي، فالمشكلة فيه مرتفعة بوجهين:

الأوّل: إذا كان هناك بيت مال معدّا لهذه الأغراض لا تبذل الأجرة في مقابل العمل، بل الحاكم يؤمّن له وسائل الحياة حتى يتفرّغ للواجب.

____________

(1). المدخل الفقهي العام: 2/ 930، برقم 547.

145

الثاني: امّا إذا لم يكن هناك بيت مال فإذا كان أخذ الأجرة حراما منصوصا عليه و كان من صلب الشريعة فلا يمسّه عنصر الزمان و لكن يمكن الجمع بين الأمرين و تحليله عن طريق آخر، و هو أن يجتمع أولياء الصبيان أو غيرهم ممّن لهم حاجة إلى إقامة القضاء و الأذان و الإفتاء فيشاركون في سد حاجة المفتي و القاضي و المؤذن و المعلم حتى يتفرّغوا لأعمالهم العبادية بلا هوادة و تقاعس، على أنّ ما يبذلون لا يعد أجرة لهم و إنّما هو لتحسين وضعهم المعاشي.

و بعبارة أخرى: القاضي و المفتي و المؤذّن و المعلم يمارس كلّ أعماله للّه سبحانه، و لكن بما انّ الاشتغال بهذه المهام يتوقّف على سد عيلتهم و رفع حاجتهم فالمعنيّون من المؤمنين يسدّون عيلتهم حتى يقوموا بواجبهم و إلّا فكما أنّ الإفتاء واجب، فكذلك تحصيل الضروريات لهم و لعيالهم أيضا واجب. و عند التزاحم يقدّم الثاني على الأوّل إذ في خلافه، خوف هلاك النفوس و انحلال الأسرة، و لكن يمكن الجمع بين الحكمين على الطريق الذي أشرنا إليه.

6. انّ الشهود الذين يقضى بشهادتهم في الحوادث يجب أن يكونوا عدولا، أي ثقات، و هم المحافظون على الواجبات الدينية المعروفون بالسرّ و الأمانة، و أنّ عدالة الشهود شريطة اشترطها القرآن الكريم لقبول شهادتهم، و أيّدتها السنّة و أجمع عليها فقهاء الإسلام.

غير أنّ المتأخّرين من فقهائنا لحظوا ندرة العدالة الكاملة التي فسّرت‏

146

بها النصوص لفساد الزمن و ضعف الذمم و فتور الحس الديني الوازع، فإذا تطلب القضاة دائما نصاب العدالة الشرعية في الشهود ضاعت الحقوق لامتناع الإثبات، فلذا أفتوا بقبول شهادة الأمثل فالأمثل من القوم حيث تقلّ العدالة الكاملة.

و معنى الأمثل فالأمثل: الأحسن فالأحسن حالا بين الموجودين، و لو كان في ذاته غير كامل العدالة بحدها الشرعي، أي أنّهم تنازلوا عن اشتراط العدالة المطلقة إلى العدالة النسبية. (1)

أقول: إنّ القرآن- كما تفضّل به الكاتب- صريح في اشتراط العدالة في تنفيذ الشهادة، يقول سبحانه: وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ‏ (2) و قال سبحانه: وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ‏ (3).

مضافا إلى الروايات الواردة في هذا المضمار، فتنفيذ شهادة غير العدل تنفيذ بلا دليل أو مخالف لصريح الكتاب، و لكن يمكن للقاضي تحصيل القرائن و الشواهد التي منها شهادة الأمثل فالأمثل التي تثبت أحد الطرفين على وجه يفيد العلم للقاضي، و يكون علمه قابلا للانتقال إلى الآخرين من دون حاجة إلى العمل بقول الأمثل فالأمثل.

ثمّ إنّ ترك العمل بشهادة غير العدول كما هو مظنّة إضاعة الحقوق،

____________

(1). المدخل الفقهي العام: 2/ 933- 934 برقم 551.

(2). البقرة: 282.

(3). الطلاق: 2.

147

فكذلك هو مظنّة الإضرار بالمحكوم عليه لعدم وجود العدالة في الشاهد حتّى تصونه عن الكذب عليه، فالأمر يدور بين المحذورين.

لو فسّر القائل العدالة بالتحرّز عن الكذب و إن كان فاسقا في سائر الجوارح لكان أحسن من تفسيره بالعدالة المطلقة ثمّ العدول عنها لأجل فساد الزمان.

7. أفتى المتأخّرون في إثبات الأهلّة لصيام رمضان و للعيدين بقبول رؤية شخصين، و لو لم يكن في السماء علّة تمنع الرؤية من غيم أو ضباب أو غبار بعد أن كان في أصل المذهب الحنفي، لا يثبت إهلال الهلال عند صفاء السماء إلّا برؤية جمع عظيم، لأنّ معظم الناس يلتمسون الرؤية، فانفراد اثنين بادّعاء الرؤية مظنّة الغلط أو الشبهة.

و قد علّل المتأخّرون قبول رؤية الاثنين بقعود الناس عن التماس رؤية الهلال، فلم تبق رؤية اثنين منهم مظنّة الغلط إذا لم يكن في شهادتهما شبهة أو تهمة تدعو إلى الشك و الريبة. (1)

و أمّا في الفقه الإمامي، فلا يعتبر قول العدلين عند الصحو و عدم العلّة في السماء إذا اجتمع الناس للرؤية و حصل الخلاف و التكاذب بينهم بحيث يقوى احتمال اشتباه العدلين.

و أمّا إذا لم يكن هناك اجتماع للرؤية- كما هو مورد نظر الكاتب حيث‏

____________

(1). المدخل الفقهي العام: 2/ 934 برقم 549.

148

قال: لقعود الناس عن التماس رؤية الهلال- فقبول قول العدلين على أساس القاعدة لا على خلافها، فليس للزمان هنا تأثير في الحكم الشرعي.

و بعبارة أخرى: ليس في المقام دليل شرعي على وجه الإطلاق يدل على عدم قول العدلين في الصحو و عدم العلّة في السماء حتّى يؤخذ بإطلاقه في كلتا الصورتين: كان هناك اجتماع للرؤية أم لم يكن، بل حجّية دليل البيّنة منصرف عن بعض الصور، و هو ما إذا كان هناك اجتماع للرؤية و حصل الخلاف و التكاذب بحيث قوى احتمال الاشتباه في العدلين، و أمّا في غير هذه الصورة فإطلاق حجّية أدلّة البيّنة باق بحالها، و منها ما إذا ادّعى العدلان و لم يكن اجتماع و لا تكاذب و لا مظنّة اشتباه.

هذه هي المسائل التي طرحها الأستاذ مصطفى أحمد الزرقا مثالا لتغيّر الآراء الفقهية و الفتاوى لأجل فساد الزمان، و قد عرفت أنّه لا حاجة لنا إلى العدول عن الحكم الشرعي، و ذلك لأحد الأمرين التاليين:

أ. إمّا لعدم ثبوت الحكم الأوّلي كما في عدم ضمان الغاصب للمنافع المستوفاة.

ب. أو لعدم الحاجة إلى العدول عن الحكم الشرعي، بل يمكن حل المشكل عن طريق آخر مع صيانة الحكم الأوّلي، كما في الأمثلة الباقية.

***

149

ب. تغيير الأحكام الاجتهادية لتطوّر الوسائل و الأوضاع‏

قد سبق من هذا الكاتب انّ عوامل التغيير على قسمين:

أحدهما: ما يكون ناشئا عن فساد الأخلاق، و فقدان الورع، و ضعف الوازع، و أسماه بفساد الزمان، و قد مرّت عليك أمثلته كما مرّت مناقشاتنا.

و الآخر: ما يكون ناشئا عن أوضاع تنظيمية، و وسائل زمنية جديدة من أوامر قانونية مصلحية و ترتيبات إدارية، و أساليب اقتصادية و نحو ذلك، و هذا النوع- عند الكاتب- كالأوّل موجب لتغيير الأحكام الفقهية الاجتهادية المقرّرة قبله إذا أصبحت لا تتلاءم معه، لأنّها تصبح عندئذ عبثا أو ضررا، و الشريعة منزّهة عن ذلك، و قد قال الإمام الشاطبي (المتوفّى 790 ه) في «الموافقات»: لا عبث في الشريعة.

ثمّ طرح لها أمثلة و إليك بيانها:

1. ثبت عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه نهى عن كتابة أحاديثه، و قال لأصحابه: «من كتب عني غير القرآن فليمحه» و استمر الصحابة و التابعون يتناقلون السنّة النبوية حفظا و شفاها لا يكتبونها حتى آخر القرن الهجري الأوّل، عملا بهذا النهي.

ثمّ انصرف العلماء في مطلع القرن الثاني بأمر من (الخليفة العادل) عمر بن عبد العزيز، إلى تدوين السنّة النبوية، لأنّهم خافوا ضياعها بموت حفظتها و رأوا أنّ سبب نهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن كتابتها إنّما هو خشية أن تختلط

150

بالقرآن، إذ كان الصحابة يكتبون ما ينزل منه على رقاع، فلمّا عمّ القرآن و شاع حفظا و كتابة، و لم تبق هناك خشية من اختلاطه بالحديث النبوي، لم يبق موجب لعدم كتابة السنّة، بل أصبحت كتابتها واجبة لأنّها الطريقة الوحيدة لصيانتها من الضياع. (1)

أقول: إنّ ما ذكره من أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نهى عن كتابة حديثه غير صحيح من وجوه:

أوّلا: روى البخاري أنّ رجلا من أهل اليمن طلب من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يكتب له خطبته فقال: اكتب لي يا رسول اللّه، فقال: اكتبوا لأبي فلان إلى أن قال: كتبت له هذه الخطبة. (2)

أضف إلى ذلك أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر في غير واحد من الموارد بكتابة حديثه، يجدها المتفحص في مصادرها. (3)

و مع هذه الموارد الكثيرة التي أذن فيها النبيّ بكتابة الحديث، و العمل به، يثار الشك في صحة ما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من كتب عنّي غير القرآن فليمحه».

____________

(1). المدخل الفقهي العام: 2/ 933، و يوجد تصحيف في الطبعة العاشرة في ترقيم الصفحات في المقام.

(2). صحيح البخاري: 1/ 29، باب كتابة العلم.

(3). سنن الترمذي: 5/ 39، باب كتابة العلم، الحديث 2666؛ سنن الدارمي: 1/ 125، باب من رخص في كتابة العلم؛ سنن أبي داود: 2/ 318، باب في كتابة العلم، و مسند أحمد: 2/ 215 و 3/ 162.

151

ثانيا: هل يصحّ أن يأمر اللّه سبحانه بكتابة الدّين حفظا له، و احتياطا عليه، و في الوقت نفسه ينهى نبيّه عن كتابة الحديث الذي يعادل القرآن في الحجّية؟!

ثالثا: العجب من الأستاذ أنّه سلّم بوجه المنع، و هو أن لا يختلط الحديث بالقرآن، و كان قد نحته الخطيب البغدادي‏ (1) في كتاب «تقييد العلم» (2) مع أنّه غير تام، لأنّ القرآن الكريم في أسلوبه و بلاغته يغاير أسلوب الحديث و بلاغته، فلا يخشى على القرآن أن يختلط به غيره مهما بلغ من الفصاحة و البلاغة، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم، و هدم أصوله.

و الكلمة الفصل أنّ المنع من كتابة الحديث كان منعا سياسيّا صدر عن الخلفاء لغايات و أهداف خاصّة، و الخسارة التي مني الإسلام و المسلمون بها من جرّاء هذا المنع لا تجبر أبدا، و قد فصلنا الكلام في فصل خاص من كتابنا «بحوث في الملل و النحل». (3)

2. قبل إنشاء السجلات العقارية الرسميّة التي تحدد العقارات، و تعطي كلا منها رقما خاصّا، كان التعاقد على العقار الغائب عن مجلس العقد لا بدّ لصحّته من ذكر حدود العقار، أي ما يلاصقه من الجهات الأربع ليتميّز العقار

____________

(1). أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (392- 463 ه) مؤلّف تاريخ بغداد.

(2). تقييد العلم: 57.

(3). لاحظ: الجزء الأوّل من الكتاب المذكور: 87- 108، نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، قم- 1427 ه.

152

المعقود عليه عن غيره، وفقا لما تقضي به القواعد العامة من معلومية محل العقد.

و لكن بعد إنشاء السجلات العقارية في كثير من الممالك و البلدان أصبح يكتفى قانونا في العقود بذكر رقم محضر العقار، دون ذكر حدوده، و هذا ما يوجبه فقه الشريعة، لأنّ الأوضاع و التنظيمات الزمنية أوجدت وسيلة جديدة أسهل و أتم تعيينا و تمييزا للعقار من ذكر الحدود في العقود العقارية، فأصبح اشتراط ذكر الحدود عبثا، و قد قدّمنا أنّه لا عبث في الشريعة.

أقول: إنّ الحكم الشرعي الأوّلي هو معلومية المبيع، و هذا هو لبّ الشريعة، و أمّا الباقي فهو بمثابة ثوب يتغير بتغير الأزمان، فلا تحديد العقارات من الجهات الأربع حكم أصلي، و لا ذكر رقم محضر العقار، فالجميع طريق إلى الحكم الشرعي و هو معلومية المبيع و خروجه عن كونه مجهولا، و الشرط يحصل بكلا الوجهين، و تغيير الثوب ليس له صلة بتغيير الحكم.

3. كذلك كان تسليم العقار المبيع إلى المشتري لا يتم إلّا بتفريغ العقار و تسليمه فعلا إلى المشتري، أو تمكينه منه بتسليم مفتاحه و نحو ذلك، فإذا لم يتمّ هذا التسليم يبقى العقار معتبرا في يد البائع، فيكون هلاكه على ضمانه هو و مسئوليته، وفقا للأحكام الفقهية العامّة في ضمان المبيع قبل التسليم.

و لكن بعد وجود الأحكام القانونية التي تخضع العقود العقارية للتسجيل في السجل العقاري، استقر الاجتهاد القضائي أخيرا لدينا على‏

153

اعتبار التسليم حاصلا بمجرد تسجيل العقد في السجلّ العقاري، و من تاريخ التسجيل ينتقل ضمان هلاك المبيع من عهدة البائع إلى عهدة المشتري، لأنّ تسجيل المبيع فيه تمكين للمشتري أكثر ممّا في التسليم الفعلي، إذ العبرة في الملكية العقارية قانونا، لقيود السجلّ العقاري، لا للأيدي و التصرفات، و بتسجيل المبيع لم يبق البائع متمكنا أن يتصرف في العقار المبيع بعقد آخر استنادا إلى وجوده في يده، و جميع الحقوق و الدعاوي المتفرعة عن الملكية، كطلب نزع اليد، و طلب الأجرة و غير ذلك، تنتقل إلى المشتري بمجرّد التسجيل.

فبناء على ذلك يصبح من الضروري في فقه الشريعة أن يعتبر لتسجيل العقد العقاري حكم التسليم الفعلي للعقار في ظل هذه الأوضاع القانونية التنظيمية الجديدة. (1)

أقول: اتّفق الفقهاء على أنّه إذا تلف المبيع الشخصي قبل قبضه بآفة سماوية فهو من مال بائعه، و الدليل عليه من طرقنا هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه». (2)

و روى عقبة بن خالد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في رجل اشترى متاعا من رجل و أوجبه غير أنّه ترك المتاع عنده و لم يقبضه، قال: آتيك غدا إن شاء اللّه فسرق المتاع، من مال من يكون؟ قال: «من مال صاحب المتاع الذي هو

____________

(1). المدخل الفقهي العام: 2/ 931.

(2). مستدرك الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 1.

154

في بيته حتى يقبض المتاع و يخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقّه حتى يرد ماله إليه». (1)

و أمّا من طرق أهل السنّة، روى البيهقي عن محمد بن عبيد اللّه الثقفي أنّه اشترى من رجل سلعة فنقده بعض الثمن و بقي بعض، فقال: ادفعها إليّ فأبى البائع، فانطلق المشتري و تعجّل له بقية الثمن فدفعه إليه، فقال: ادخل و اقبض سلعتك، فوجدها ميتة، فقال له: رد عليّ مالي، فأبى، فاختصما إلى شريح، فقال شريح: رد على الرجل ماله و ارجع إلى جيفتك فادفنها. (2)

و على هذا فالميزان في رفع الضمان على البائع هو تسليم المبيع و تسليم كلّ شي‏ء بحسبه، و الجامع هو رفع المانع من تسليط المشتري على المبيع و إن كان مشغولا بأموال البائع أيضا إذ لم يكن هنا أي مانع من الاستيلاء و الاستغلال.

و على ضوء ذلك فتسليم البيت و الحانوت مثلا بإعطاء مفتاحهما، و أمّا جعل مجرّد تسجيل العقد في السجل العقاري رافعا للضمان بحجة انّ تسجيل البيع فيه تمكين للمشتري أكثر ممّا للتسليم الفعلي اجتهاد في مقابل النص بلا ضرورة ما لم يكن تسجيل العقد في السجل العقاري متزامنا مع رفع الموانع من تسلّط المشتري على المبيع، إذ في وسع المتبايعين تأخير التسجيل إلى رفع الموانع.

____________

(1). الوسائل: 12، الباب 10 من أبواب الخيار، الحديث 1.

(2). سنن البيهقي: 5/ 334، باب المبيع يتلف في يد البائع قبل القبض.

155

و بعبارة أخرى: الميزان في رفع الضمان هو تحقّق التسليم بالمعنى العرفي، و هو قد يزامن التسجيل في السجل العقاري و قد لا يزامن، كما لو سجّل العقد في السجل و لكن البائع أوجد موانع عاقت المشتري عن التسلّط على المبيع، فما لم يكن هناك إمكان التسلّط فلا يصدق التسليم.

على أنّ المشتري بالتسجيل و إن كان يستطيع أن يبيع العقار و لكنّه يعجز عن الانتفاع بالمبيع الذي هو المهم له ما لم يكن هناك تسليم فعلي.

4. أوجب الشرع الإسلامي على كلّ زوجة تطلّق من زوجها عدّة تعتدها، و هي أن تمكث مدة معيّنة يمنع فيها زواجها برجل آخر، و ذلك لمقاصد شرعية تعتبر من النظام العام في الإسلام، أهمها، تحقّق فراغ رحمها من الحمل منعا لاختلاط الأنساب.

و كان في الحالات التي يقضي فيها القاضي بالتطليق أو بفسخ النكاح، تعتبر المرأة داخلة في العدّة، و يبدأ حساب عدّتها من فور قضاء القاضي بالفرقة، لأنّ حكم القاضي في الماضي كان يصدر مبرما واجب التنفيذ فورا، لأنّ القضاء كان مؤسسا شرعا على درجة واحدة، و ليس فوق القاضي أحد له حق النظر في قضائه.

لكن اليوم قد أصبح النظام القضائي لدينا يجعل قضاء القاضي خاضعا للطعن بطريق الاستئناف، أو بطريق النقض، أو بكليهما. و هذا التنظيم القضائي الجديد لا ينافي الشرع، لأنّه من الأمور الاستصلاحية الخاضعة لقاعدة المصالح المرسلة، فإذا قضى القاضي اليوم بالفرقة بين الزوجين‏

156

وجب أن لا تدخل المرأة في العدّة إلّا بعد أن يصبح قضاؤه مبرما غير خاضع لطريق من طرق الطعن القضائي. و ذلك إمّا بانقضاء المهل القانونية دون طعن من الخصم، أو بإبرام الحكم المطعون فيه لدى المحكمة المطعون لديها و رفضها للطعن حين ترى الحكم موافقا للأصول.

فمن هذا الوقت يجب اليوم أن تدخل المرأة في العدة و يبدأ حسابها لا من وقت صدور الحكم الابتدائي، لأنّها لو اعتدّت منذ صدور الحكم الابتدائي لربما تنقضي عدتها و تتحرّر من آثار الزوجية قبل الفصل في الطعن المرفوع على حكم القاضي الأوّل بانحلال الزوجية ثمّ ينقض هذا الحكم لخلل تراه المحكمة العليا فيه، و هذا النقض يرفع الحكم السابق و يوجب عودة الزوجية. (1)

أقول: إنّ الحكم الأوّلي في الإسلام هو انّ الطلاق بيد من أخذ بالساق‏ (2)، فللزوج أن يطلّق على الشروط المقرّرة قال سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ. (3)

نعم لو اشترط الزوجان في سجل العقد أن يكون الطلاق بيد المحكمة بمعنى انّه إذا أدركت انّ الطلاق لصالح الزوجين فله أن يحكم بالفرقة و الانفصال، و المراد من الحكم بالفرقة أمران:

____________

(1). المدخل الفقهي العام: 2/ 932.

(2). مجمع الزوائد: 4/ 334، باب لا طلاق قبل النكاح.

(3). الطلاق: 1.