نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج5

- العلامة الحلي المزيد...
508 /
157

أوّلا: انّ الطلاق لصالح الزوجين.

ثانيا: تولّي إجراء صيغة الطلاق.

فلو كان قضاء القاضي بالفرقة على درجة واحدة، و ليس فوقه أحد، له حقّ النظر في قضائه فيقوم بكلا الأمرين: حق الانفصال و تنفيذه بإجراء صيغة الطلاق و يكون الحكم بالفرقة مبدأ للاعتداد.

و لو كان النظام القضائي يجعل قضاء القاضي خاضعا للطعن بطريق الاستئناف، أو بطريق النقض أو بكليهما، فلأجل الاجتناب عن بعض المضاعفات التي أشير إليها تقتصر المحكمة الأولى على الأمر الأوّل- إنّ الطلاق لصالح الزوجين- و يؤخر الأمر الثاني إلى إبرامه، فعند ذلك تجري صيغة الطلاق من قبل المحكمة الثانية و تدخل المرأة في العدة و يبدأ حسابها.

و بذلك يعلم أنّ ما ضرب من الأمثلة لتأثير الزمان و المكان بعيد عمّا يروم إليه، سواء كان العامل للتأثير هو فساد الأخلاق و فقدان الورع و ضعف الوازع، أو حدوث أوضاع تنظيمية و وسائل زمنية، فليس لنا في هذه الأمثلة أيّ حافز للعدول عمّا عليه الشرع.

و حصيلة الكلام: أنّ الأستاذ قد صرّح بأنّ العاملين- الانحلال الأخلاقي و الاختلاف في وسائل التنظيم- يجعلان من الأحكام التي أسّسها الاجتهاد في ظروف مختلفة خاضعة للتغيير، لأنّها صدرت في ظروف تختلف عن الظروف الجديدة.

158

و لكنّه في أثناء التطبيق عمد تارة إلى التصرّف في الأحكام الأساسية المؤبدة التي لا يصحّ للفقيه الاجتهاد فيها، و لا أن يحدث بها أيّ خدش، و أخرى إلى ضرب أمثلة لم يكن فيها للزمان أيّ تأثير في تغيير الحكم المستنبط.

159

6 دور الحاكم في رفع التزاحم بين الأحكام الأولية

ربّما يحصل تزاحم بين الأحكام الأولية و لا يمكن الجمع بينهما فللحاكم هنا دور في تقديم أحدهما على الآخر، فنقول: إنّ تقدّم العناوين الثانوية على الأوّلية يحلّ العقد في مقامين:

الأوّل: إذا كان هناك تزاحم بين الحكم الواقعيّ الأوليّ و أحكام العناوين الثانوية، فتقدم الثانية على الأولى، إمّا من باب الحكومة أو من باب التوفيق العرفيّ.

الثاني: إذا كان هناك تزاحم بين الأحكام الواقعيّة بعضها مع بعض بحيث لو لا القضاء و الحكومة لفك العقد و حفظ الحقوق لحصلت مفاسد، و هنا يأتي دور الحاكم و الفقيه الجامع للشرائط الشاغل منصبه الولاء لا الإفتاء، أي: بتقديم بعض الأحكام الواقعيّة على بعض في المقام.

بل بمعنى تعيين أنّ المورد من صغريات أيّ واحد من الحكمين‏

160

الواقعيين، و لا يحكم الحاكم في المقام إلّا بعد دقة و إمعان و دراسة للظروف الزمانية و المكانية و مشاورة العقلاء و الخبراء.

و بعبارة أخرى: إذا وقع التزاحم بين الأحكام الأوّليّة بعضها مع بعض، فيقدّم بعضها على بعض في ظلّ هذه العناوين الثانويّة، (1) و يقوم به الحاكم الإسلاميّ بفضل الولاية المعطاة له، فتصير هذه العناوين مفاتيح بيد الحاكم، يرتفع بها التزاحم و التنافي، فمعنى مدخليّة الزّمان و المكان في حكم الحاكم عبارة عن لزوم رعاية المصالح العامّة الإسلامية في زمانه و مكانه، حتّى يتّضح أنّ المقام صغرى لأي كبرى من الكبريات، و أيّ حكم من الأحكام الواقعية، فيكون حكمه بتقديم إحدى الكبريين شكلا إجرائيّا لجريان الأحكام الواقعية و مراعاة لحفظ الأهمّ و تخطيطا لحفظ النّظام و عدم اختلاله.

و بذلك يظهر أنّ حكم الحاكم الإسلاميّ يتمتّع بميزتين:

الأولى: إنّ حكمه بتقديم إحدى الكبريين و حكمه على وفقها، ليس حكما مستنبطا من الكتاب و السنّة مباشرة و إن كان أساس الولاية و أصلها مستنبطا و مستخرجا منهما، إلّا أنّ الحاكم لمّا اعتلى منصّة الحكم و وقف على أنّ المقام من صغريات ذلك الحكم الواقعيّ دون الآخر للمقاييس التي عرفتها، يصير حكمه حكوميّا و ولائيا في طول الأحكام الأوّليّة و الثّانويّة

____________

(1). العناوين الثانوية عبارة عن: 1، الضرورة و الاضطرار. 2. الضرر و الضرار. 3. العسر و الحرج. 4.

الأهم فالأهم. 5. التقيّة. 6. الذرائع للواجبات و المحرمات. 7. المصالح العامّة للمسلمين.

و هذه العناوين أدوات بيد الحاكم، يحل بها مشكلة التزاحم بين الأحكام الواقعية و الأزمات الاجتماعية.

161

و ليس الهدف من تسويغ الحكم له إلّا الحفاظ على الأحكام الواقعيّة برفع التزاحم، و لذلك سمّيناه حكما إجرائيّا ولائيّا حكوميّا لا شرعيّا- مثل: وجوب الوضوء- لما عرفت من أنّ حكمه علاجيّ يعالج به تزاحم الأحكام الواقعية في ظلّ العناوين الثانوية، و ما يعالج به حكم لا من سنخ المعالج، و لو جعلناه في عرض الحكمين لزم انخرام توحيد التقنين و التشريع.

الثانية: إنّ حكم الحاكم لمّا كان نابعا من المصالح العامّة و صيانة القوانين الإسلامية لا يخرج حكمه عن إطار الأحكام الأوّليّة و الثّانويّة، و لأجل ذلك قلنا إنّه يعالج التزاحم فيها، في ظلّ العناوين الثانويّة، نعم ربّما يقال بأنّ ولاية الفقيه أوسع من إطار الأحكام الأوّلية و الثانوية.

و القول بولاية الفقيه على هذا الحد يرفع جميع المشاكل الماثلة في حياتنا، فإنّ العناوين الثانوية التي تلوناها عليك أدوات بيد الفقيه يسد بها كل فراغ حاصل في المجتمع، و هي في الوقت نفسه تغيّر الصغريات و لا تمس بكرامة الكبريات.

و لأجل توضيح المقام، نأتي بأمثلة تتبيّن فيها مدخليّة المصالح الزمانية و المكانية في حكم الحاكم وراء دخالتهما في فتوى المفتي.

الأوّل: لا شكّ أنّ تقوية الإسلام و المسلمين من الوظائف الهامّة، و تضعيف و كسر شوكتهم من المحرّمات الموبقة، هذا من جانب، و من جانب آخر فإنّ بيع و شراء التنباك أمر محلّل في الشرع، و الحكمان من الأحكام الأوّلية و لم يكن أيّ تزاحم بينهما إلّا في فترة خاصة عند ما أعطى‏

162

الحاكم العرفيّ امتيازا للشّركة الأجنبية، فصار بيعه و شراؤه بيدها، و لمّا أحسّ الحاكم الشرعيّ آنذاك- السيد الميرزا الشّيرازي (قدّس سرّه)- انّ استعماله يفتح الباب لسيطرة الكفّار على المجتمع الإسلامي، حكم (قدّس سرّه) بأنّ استعماله بجميع أنواع الاستعمال في هذه الفترة كالمحاربة مع وليّ العصر (عليه السلام). (1) فلم يكن حكمه نابعا إلّا من تقديم الأهمّ على المهمّ أو من نظائره، و لم يكن الهدف من الحكم إلّا بيان أنّ المورد من صغريات حفظ مصالح الإسلام و استقلال البلاد، و لا يحصل إلّا بترك استعمال التّنباك بيعا و شراء و تدخينا و غيرها، فاضطرّت الشّركة حينئذ إلى فسخها.

الثاني: إنّ حفظ النفوس من الأمور الواجبة، و تسلّط النّاس على أموالهم و حرمة التصرّف في أموالهم أمر مسلّم في الإسلام أيضا، إلّا أنّ حفظ النفوس ربّما يتوقّف على فتح الشوارع في البلاد داخلها و خارجها و لا يحصل إلّا بالتصرّف في الأراضي و الأملاك، فلو استعدّ مالكها بطيب نفس منه فهو و إلّا فللحاكم في المقام دور و هو ملاحظة الأهمّ بتقديمه على المهمّ فيقدّم الحكم الأوّل و هو حفظ النفوس على الثاني، و يحكم بجواز التصرّف بلا إذن، غاية الأمر يضمن لصاحب الأراضي قيمتها السوقية.

الثالث: إنّ إشاعة القسط و العدل ممّا ندب إليه الإسلام و جعله غاية لبعث الرّسل، قال سبحانه: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ‏

____________

(1). أصدر الميرزا الشيرازي الحكم عام 1891 م و نصّه كالتالي: بسم اللّه الرّحمن الرحيم: «اليوم استعمال التنباك و التتن، بأي نحو كان، بمثابة محاربة إمام الزمان (عجّ)».

163

الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (1).

و من جانب إنّ النّاس مسلّطون على أموالهم يتقلّبون فيها كيفما شاءوا، فإذا كان هناك تزاحم بين الحكمين الواقعيين، كما في احتكار المحتكر أيّام الغلاء أو إجحاف أصحاب الحرف و الصّنعة و غيرهم، فللحاكم الإسلامي- حسب الولاية الإلهيّة- الإمعان و الدقة و الاستشارة و المشورة في حلّ الأزمة الاجتماعية حتّى يتبيّن له أنّ المقام من صغريات أيّ حكم من الحكمين فلو لم تحلّ العقد بالوعظ و النصيحة، فآخر الدواء الكيّ، أي: بفتح المخازن و بيع ما احتكر بقيمة عادلة و تسعير الأجناس و غير ذلك.

الرابع: لا شكّ أنّ الناس أحرار في تجاراتهم مع الشركات الداخلية و الخارجية، إلّا أنّ إجراء ذلك، إن كان موجبا لخلل في النظام الاقتصاديّ أو ضعف في البنية الماليّة للمسلمين، فللحاكم تقديم أهمّ الحكمين على الآخر حسب ما يرى من المصالح.

الخامس: لو رأى الحاكم أنّ بيع العنب إلى جماعة لا يستعملونه إلّا لصنع الخمر و توزيعه بالخفاء أورث فسادا عند بعض أفراد المجتمع و انحلالا في شخصيّتهم، فله أن يمنع من بيع العنب إلى هؤلاء.

إلى غير ذلك من المواضيع الكثيرة التي لا يمكن للفقيه المفتي أو الحاكم غضّ النّظر عن الظروف المحيطة به، حتى يتضح له أنّ المجال مناسب لتقديم أي الحكمين على الآخر و تشخيص الصغرى كما لا يخفى.

____________

(1). الحديد: 25.

164

تمّ الكلام في ما يهمنا من التقديم لهذا الجزء من «نهاية الوصول إلى علم الأصول» و الغرض إكمال ما لم يتوسع فيه المصنّف من الكلام مع أنّها من المباحث المهمة في حياتنا المعاصرة و بهذا الجزء تتم هذه الموسوعة الأصولية لنابغة عصره و نادرة دهره العلّامة الحلي (قدّس سرّه).

و الحمد للّه الّذي بنعمته تتم الصالحات‏

جعفر السبحاني قم المشرفة- مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) 8 شوال المكرم 1428 ه

165

المقصد الثالث عشر: في الاجتهاد و التقليد و التعادل و الترجيح‏

و فيه فصول:

166

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

167

الفصل الأوّل: في الاجتهاد

و فيه مطالب:

[المطلب‏] الأوّل: في ماهيته‏

الاجتهاد لغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة و المشقة، يقال اجتهد في حمل الثقيل أي استفرغ وسعه فيه، و لا يقال: اجتهد في حمل النواة.

و أمّا في عرف الفقهاء فهو: استفراغ الوسع في طلب الظن بشي‏ء من الأحكام الشرعية بحيث ينتفي اللوم عنه بسبب التقصير. فاستفراغ الوسع كالجنس للمعنى اللغوي و الاصطلاحي و ما بعده مميّز للمعنى الأصولي عن اللغوي.

و إنّما قلنا: «في طلب الظن» ليخرج الأحكام القطعية.

و قولنا: «بشي‏ء من الأحكام الشرعية» ليخرج الاجتهاد في الأمور العقلية.

و قولنا: «بحيث ينتفي اللوم بسبب التقصير» ليخرج اجتهاد المقصّر مع‏

168

إمكان المزيد عليه، فإنّه لا يعد في الاصطلاح اجتهادا معتبرا.

و هذه سبيل مسائل الفروع و لذلك تسمّى هذه المسائل مسائل الاجتهاد، و الناظر فيها مجتهد، و ليس هذه حال الأصول.

و إذا ثبت هذا فالاجتهاد نسبة و إضافة بين أمرين: أحدهما أن يقال له المجتهد، و هو الناظر المتصف بصفة الاجتهاد؛ و الثاني المجتهد فيه، و هي المسائل الفرعية.

المطلب الثاني: في المجتهد

و فيه مباحث:

[البحث‏] الأوّل: في شرائطه‏

و ينظمها شي‏ء واحد كون المكلّف بحيث يتمكّن من الاستدلال بالدلائل الشرعية على الأحكام. و هذه المكنة مشروطة بأمور (1):

الأوّل: أن يكون عارفا بمقتضى اللفظ و معناه، و إلّا لم يستفد منه شيئا، فيكون عارفا باللغة و الوضع العرفي و الشرعي لجواز النقل عنها.

الثاني: أن يعرف من حال المخاطب أنّه يعني باللفظ ما يقتضيه ظاهره، إن تجرّد، أو ما يقتضيه مع القرينة إن وجدت، لأنّه لو لا ذلك لما حصل الوثوق بخطابه، لجواز أن يعني به غير ظاهره مع أنّه لم يبيّنه. و ذلك إنّما

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 496.

169

يحصل بحكمة المتكلّم، و عصمته، و الحكم بكونه تعالى حكيما مبني على العلم بأنّه تعالى عالم بقبح القبيح، و بأنّه غني عنه. و إنّما يتمشّى ذلك على قواعد المعتزلة.

و اعتذر الأشاعرة بأنّ جائز الوقوع عقلا قد يعلم عدم وقوعه، كانقلاب ماء البحر دما، كذا هنا يجوز من اللّه تعالى كلّ شي‏ء لكنّه خلق فينا علما بديهيّا بأنّه لا يعني بهذه الألفاظ إلّا ظواهرها.

و ليس بجيد، لتعذّر العلم مع حصول التجويز للنقيض.

الثالث: أن يعرف تجرّد اللفظ أو اقترانه بقرينة إن كانت معه، و إلّا لجاز فيما حكم بتجرّده أن يكون معه قرينة تصرفه عن ظاهره.

و القرينة إمّا عقلية يظهر بها ما يجوز إرادته من اللفظ ممّا لا يجوز. و إمّا سمعية و هي الأدلة المقتضية للتخصيص. و إمّا في الأعيان أو الأزمان كالنسخ، أو المقتضية لتعميم الخاص كالقياس عند القائلين به، و حينئذ يجب أن يعرف شرائطه.

و لمّا كانت الأدلّة السّمعية نقلية، وجب أن يكون عارفا بالنقل المتواتر و الآحاد، و أن يعرف شرائطهما. و لمّا كانت الأدلّة قد تتعارض و لا يمكن العمل بجميعها و لا إهمالها و لا بالبعض محاباة (1)، بل لا بدّ من العمل بالراجح منها، وجب أن يكون عارفا بجهات الترجيح و طرقه.

و الضابط ما قاله الغزالي هنا و هو: أنّ مدارك الأحكام أربعة: الكتاب‏

____________

(1). في «أ» و «ب»: مجانا، و في «ج»: مجابا. و المحاباة أي التساهل و التطوّع بلا مرجّح.

170

و السنّة و الإجماع و العقل، فيجب معرفة هذه الأربعة، و لا بدّ معها من أربعة أخرى: اثنان مقدّمان:

أ. معرفة شرائط الحدّ و البرهان على الإطلاق.

ب. معرفة النحو و اللغة و التصريف، لأنّ الأدلّة عربية و إنّما يمكن معرفة دلالتها بعد معرفة كلام العرب، و ما يتوقّف معرفة الواجب المطلق عليه فهو واجب.

و أمّا العلمان المؤخّران‏ (1) فأحدهما يتعلّق بالكتاب، و هو معرفة الناسخ و المنسوخ. و الآخر بالسنّة و هو معرفة الرجال و جرحهم و تعديلهم، و الواجب الاقتصار هنا على تعديل الفقهاء و المشايخ السابقين، لتعذّر معرفة أحوال الرجال مع طول المدة و كثرة الوسائط.

فهذه الأمور الثمانية لا بدّ من معرفتها.

و لا يشترط معرفة الكتاب العزيز بجملته، بل ما يتعلّق بالأحكام، و هو خمسمائة آية.

و لا يشترط حفظها أيضا، بل أن يعرف مواقعها حتى يطلب الآية المحتاج إليها عند الحاجة.

و كذا السنّة يجب أن يعرف الأحاديث الدالّة على الأحكام، و هي مع كثرتها مضبوطة في الكتب.

____________

(1). في «أ» و «ب»: المتمّمان.

171

و لا يلزم حفظها أيضا، بل أن يكون عنده أصل مصحّح شامل للأحاديث المتعلّقة بالأحكام الشرعية دون المواعظ و الآداب و أحكام الآخرة.

و أمّا الإجماع فيجب أن يعرف مواقعه، لئلّا يفتي بخلافه. و طريق ذلك أن يفتي بما يوافق قوله قول بعض الفقهاء المتقدّمين، أو يظن تولد هذه الواقعة في عصره و لم يبحث أهل الإجماع عنها.

و أمّا العقل فيعرف البراءة الأصليّة، و إنّا مكلّفون بالتمسك بها إلّا مع قيام دليل صارف عنه، و هو: نص أو إجماع أو غيرهما.

هذا فيما يتعلّق بمعرفة الطرق الشرعية؛ و أمّا ما يتعلّق بالأصولية فيجب أن يكون عارفا باللّه تعالى و صفاته و ما يجب له و يمتنع عليه، لأنّه شرط في الإيمان؛ و أن يعرف الرسول، و يحكم بنبوته، و ما جاء به من الشرع المنقول بما ظهر من المعجزات.

و لا يشترط معرفته بدقائق علم الكلام و التبحّر فيه، بل معرفته بما يتوقّف عليه الإيمان، و لا يجب عليه قدرته على تفصيل الأدلّة بحيث يتمكّن من الجواب عن الشبهات و التخلّص عن الإيرادات.

و هذه شرائط المجتهد المطلق المتصدي للحكم و الإفتاء في جميع مسائل الفقه. أمّا الاجتهاد في حكم بعض المسائل فيكفي فيه معرفته بما يتعلّق بتلك المسألة، و ما لا بدّ منه فيها. (1)

____________

(1). هذا هو التجزؤ في الاجتهاد، و قد تقدّم بيانه في مقدمة العلّامة السبحاني في هذا الجزء ص 58.

172

و لا يشترط معرفة المجتهد بجميع الأحكام و الاطّلاع على مدارك جميع المسائل، لأنّه غير مقدور للبشر.

البحث الثاني: في أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يكن متعبّدا بالاجتهاد

اختلف الناس في ذلك فالذي عليه الإمامية (1) و الجبّائيان أنّه لم يكن متعبّدا بالاجتهاد في شي‏ء من الأحكام. و قال الشافعي و أبو يوسف بالجواز.

و قال آخرون: إنّه متعبّد بالاجتهاد في الحروب، فأمّا في أحكام الدين فلا.

و توقّف الباقون. (2)

لنا وجوه:

الأوّل: قوله تعالى: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ (3)، و قوله تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَ‏ (4) و هو ينفي أن يكون الحكم الصادر عنه بالاجتهاد.

الثاني: قال له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعض الصحابة في منزل نزله: «إن كان هذا بوحي من اللّه فالسمع و الطاعة، و إلّا فليس هو بمنزل مكيدة». فدلّ على جواز

____________

(1). مر بيان ما هو الحق في هذه المسألة في مقدمة هذا الجزء لآية اللّه السبحاني: 9 و ما بعدها، فراجع.

(2). راجع المحصول: 2/ 489؛ الإحكام: 4/ 172.

(3). النجم: 3- 4.

(4). يونس: 15.

173

مراجعته في اجتهاده، و لا تجوز مراجعته في أحكام الشرع فيلزم أن لا يكون فيها ما هو اجتهاده.

الثالث: الاجتهاد يفيد الظن خاصة، و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قادر على معرفة الحكم من جهة القطع بالوحي من اللّه تعالى، و القادر على العلم لا يجوز له الاكتفاء بالظن، كمن يقدر على علم القبلة فإنّه لا يجوز له التقليد و الرجوع إلى الظنّ.

الرابع: مخالفه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الحكم كافر، لقوله تعالى: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ‏ (1)، و المخالف في الاجتهاد لا يكفّر، لأنّ الرجل إذا اجتهد و أخطأ فله أجر واحد بحكم النص، و المستوجب للأجر لا يحكم بكفره.

الخامس: لو جاز له العمل بالاجتهاد لما توقّف على نزول الوحي في شي‏ء من الأحكام؛ لأنّ حكم العقل في الكلّ كان معلوما له، و طرق الاجتهاد كانت معلومة له، فإذا حدث واقعة ليس فيها وحي كان مأمورا بالاجتهاد، فلا يتوقّف عنه إلى نزول الوحي، لكنّه توقّف كما في مسألة الظهار و اللعان.

السادس: لو جاز له الاجتهاد لجاز لجبرئيل (عليه السلام)، فلا يعلم أنّ الحكم الّذي نزل به من اللّه تعالى أو من اجتهاد جبرئيل (عليه السلام).

السابع: الاجتهاد عرضة للخطإ و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منزّه عنه معصوم عن‏

____________

(1). النساء: 65.

174

الزلل، فلا يجوز استناد حكمه إلى ما يجوز أن يكون خطأ.

الثامن: الاجتهاد مشروط بعدم النص، و هذا غير ثابت في حقه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لأنّ الوحي متوقّع في حقّه في كلّ حالة، و إذا انتفى الشرط انتفى المشروط.

التاسع: لو كان في الأحكام الصادرة عنه ما يكون عن اجتهاد لجاز أن لا يجعل أصلا لغيره.

العاشر: لو كان متعبّدا بالاجتهاد لأظهره، لما فيه من فائدة الاقتداء و التأسّي به.

الحادي عشر: الأحكام الشرعية مبنية على المصالح الّتي لا علم للخلق بها، فلو قيل له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): احكم بما ترى، كان ذلك تفويضا إلى من لا علم له بالأصلح. و هو يقتضي اختلال المصالح الدينية و الأحكام الشرعية.

الثاني عشر: لنا صواب في الرأي و صدق في الخبر، و قد أجمعنا على أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليس له أن يخبر بما لا يعلم كونه صدقا، فكذا لا يجوز له أن يحكم بما لا يعلم أنّه صواب.

الثالث عشر: لو جاز أن يتعبّده اللّه تعالى بالاجتهاد لجاز أن يرسل إليه رسولا، و يجعل له أن يشرّع شريعة برأيه، و أن ينسخ شرائع اللّه المنزلة على الأنبياء، و أن ينسخ أحكاما أنزلها اللّه تعالى عليه برأيه، و كلّ ذلك باطل.

الرابع عشر: لو جاز صدور الأحكام الشرعية عن رأيه و اجتهاده لأورث‏

175

ذلك تهمة في حقّه، و انّه هو الواضع للشريعة من تلقاء نفسه، و هو مخلّ بمقصود البعثة، و هو ممتنع.

اعترض على الأوّل بأنّ الآية تنصرف إلى ما ينطق به دون ما يظهر منه فعلا فمن أين ان كلّ ما فعله كان وحيا؛ قاله قاضي القضاة. (1)

و قال أبو الحسين: إنّ قوله: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ لا يمنع من كونه مجتهدا، لأنّ الحكم بالاجتهاد ليس هو عن هوى. (2)

و قيل أيضا إنّه تعالى إذا قال له: مهما ظننت كذا فاعلم أنّ حكمي كذا، فهنا العمل بالظن عمل بالوحي لا بالهوى. (3)

و فيه نظر، لأنّ القصد ليس النطق اللساني، بل الحكم الشامل للذهن و النطق.

سلّمنا، لكنّه إذا اجتهد فلا بد و أن ينطق بحكم اجتهاده و الإخبار عمّا ظنّه من الحكم فتكون الآية متناولة له. و من المعلوم أنّ ما ينطق به إذا كان مستنده الاجتهاد لم يكن عن وحي و لم يقتصر على قوله: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ حتى عقبه بقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ فيخرج عنه كون الاجتهاد ليس عن هوى.

و على قوله تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي‏ أنّه‏

____________

(1). نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد: 2/ 242.

(2). المعتمد: 2/ 242.

(3). القائل هو الرازي في المحصول: 2/ 492.

176

يدلّ على أنّ تبديله للقرآن ليس من تلقاء نفسه بل بالوحي، و النزاع إنّما وقع في الاجتهاد.

و فيه نظر، لأنّه عقبه بقوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَ‏، و هو يدلّ على عدم تخصيص التبديل.

و على الثاني. بأنّ ذلك إنّما يدلّ على جواز مراجعته في الآراء الّتي ليست من الأحكام، كالآراء في الحروب، و الأحكام الشرعية خارجة عن ذلك؛ قاله أبو الحسين. (1)

و فيه نظر، لدلالة الحديث على أنّ ما يكون بالوحي لا يجوز مراجعته فيه، و ما يكون بالرأي يجوز مراجعته، سواء كان في الحرب أو غيره، لجواز اشتمال النزول على حكم شرعي، فالسائل لم يتعرّض لكونه شرعيا أو لا، بل لكونه اجتهاديا أو لا.

و على الثالث‏ (2). بأنّ الاجتهاد إنّما يجوز فيما لم يوجد فيه نصّ، و إذا كان كذلك لم يكن متمكّنا من معرفة الحكم بالنصّ.

و فيه نظر، إذ كلّ قضية لا بدّ فيها من حكم معيّن و انّ اللّه تعالى عليه دليلا، فإذا سأل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وجب في حكمته تعالى إعلامه به.

و على الرابع‏ (3). أنّ الحكم مظنون أوّلا، إلّا أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لما أفتى به، وجب‏

____________

(1). المعتمد في أصول الفقه: 2/ 242.

(2). المعترض هو الرازي في المحصول: 2/ 493.

(3). المعترض هو الرازي في المحصول: 2/ 493.

177

القطع به، كما في الإجماع الصادر عن الاجتهاد.

و فيه نظر، لأنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على تقدير الاجتهاد لا يعلم الحكم قطعا، فكيف يحصل لغيره العلم به مع نصّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بتجويز خلافه؟

و على الخامس‏ (1). أنّ العمل بالاجتهاد مشروط بالعجز عن وجدان النصّ، فلعلّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يصبر مقدار ما يعرف به أنّ اللّه لم ينزل فيه وحيا.

و فيه نظر، لأنّ الشرط إمّا عدم الوحي في الماضي، أو في المستقبل.

و الثاني باطل، إذ كلّ وقت يمكن حصول الوحي، فلا يصلح أن يكون شرطا.

و الأوّل باطل أيضا، لأنّه عارف بما أوحي إليه.

و على السادس‏ (2). أنّه مدفوع بالإجماع.

و فيه نظر، لأنّه إبطال للّازم، و هو إحدى مقدّمات دليلنا.

و على السابع‏ (3). نمنع كون كلّ اجتهاد عرضة للخطإ، لإجماع الصحابة على الاجتهاد.

و فيه نظر، للفرق فإنّ الإجماع عندنا يشترط فيه قول المعصوم فلا يكون خطأ.

و على الثامن‏ (4). بأنّ المانع من الاجتهاد هو وجود النص لا إمكانه، ثم‏

____________

(1). المعترض هو الرازي في المحصول: 2/ 493.

(2). المعترض هو الرازي في المحصول: 2/ 493.

(3). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4/ 181.

(4) المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4/ 181.

178

ينتقض باجتهاد الصحابة في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و فيه نظر، لأنّ المانع بالذات ليس إلّا التمكّن من حصول العلم إذ النص إنّما منع من هذه الحيثية و الإمكان هنا متحقّق، و اجتهاد الصحابة ممنوع لما سبق في القياس.

و على التاسع. قال أبو الحسين: إنّ ذلك ليس من حقّ الاجتهاد على الإطلاق، فإنّ الأمّة لو أجمعت عن اجتهاد، وجب أن يجعل أصلا. (1)

و فيه نظر، إذ الاجتهاد متساوي النسبة إلى كلّ مجتهد، فليس البعض بالأصالة أولى من الآخر، و الإجماع عن اجتهاد ممنوع على ما تقدّم.

و على العاشر (2). بأنّه لا مانع أن يكون متعبّدا بالاجتهاد و إن لم يظهره صريحا، لمعرفة ذلك.

و فيه نظر، فإنّ إخفاء مثل هذا الأصل العظيم غير جائز على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كما لا يجوز إخفاء الكتاب و السنّة، و لا نسلّم معرفة ذلك، فإنّ أبا علي الجبائي ادّعى الإجماع على أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يكن متعبّدا بالاجتهاد، فكيف يكون نقيض ذلك معلوما؟!

و على الحادي عشر (3). بأنّه مبني على وجوب رعاية المصالح، و هو ممنوع. و قد تقدّم جوابه.

____________

(1). المعتمد في أصول الفقه: 2/ 242.

(2). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4/ 180.

(3). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4/ 180.

179

و على الثاني عشر (1). بالفرق، فإنّ الإخبار بما لا يعلم كونه صدقا قد لا يأمن فيه الكذب و هو الإخبار عن الشي‏ء على خلاف ما هو عليه، و ذلك ممّا لا يجوز لأحد الإقدام عليه. و الاجتهاد بخلافه، إذ كلّ مجتهد مصيب.

و فيه نظر، فإنّ المجتهد مخبر عن اللّه تعالى، فاستلزم ما يستلزمه الخبر من المحذور، و يمنع إصابة كلّ مجتهد على ما يأتي.

و على الثالث عشر (2). بجواز ذلك فإنّه تعالى يفعل ما يشاء، و لا قبح في أفعاله. و قد تقدّم جوابه.

و على الرابع عشر (3). بانتفاء التهمة، لصدقه فيما يدّعيه من تبليغ الأحكام بجهة الرسالة.

و فيه نظر، لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم ينص على كلّ حكم حكمه بأنّه منزل من اللّه تعالى بوحي إليه، و إلّا لكان الحكم الّذي اجتهده معلوما و هو ما عداه، و ليس كذلك.

و اعلم أنّ السيد المرتضى (رحمه اللّه) جوّز ذلك عقلا لكن منع من وقوعه.

و هو مذهب جماعة. (4)

و احتجّ المثبتون بوجوه‏ (5):

____________

(1). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4/ 180.

(2). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4/ 181.

(3). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4/ 181.

(4). راجع الذريعة إلى أصول الشريعة: 2/ 794.

(5). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 490- 491؛ و الآمدي في الإحكام: 4/ 172- 175.

180

الأوّل قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا (1) و هو عام، و هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان أعلى الناس بصيرة، و أكثرهم اطّلاعا على شرائط القياس، و ما يجب و يجوز معرفة المناط و الفوارق، و ذلك مندرج تحت الآية، فكان مأمورا به فكان فاعلا له، و إلّا قدح في عصمته.

و فيه نظر، بمنع دلالته على القياس كما تقدّم.

سلّمنا لكن يفارق الأمّة بتمكّنه من استعلام الحكم قطعا، فلا يجوز له المصير إلى الظن، و الأصل فيه مع تسليم الدلالة على القياس أنّه واجب عند نزول الحادثة و الظن بانتفاء النص في الماضي عليها. و لا خلاف في عدم ذلك في حقه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأنّه كان ينتظر الوحي فلا يكون مندرجا تحت العموم.

الثاني: إذا غلب على ظنّ تعليل الحكم بوصف ثمّ علم أو ظن وجوده في غيره ظن المساواة في الحكم، و ترجيح الراجح على المرجوح من مقتضيات العقول، و هو يقتضي وجوب العمل بالقياس عليه.

و يرد عليه ما تقدّم من تمكّنه من العلم، فلا يجوز الرجوع إلى الظن.

الثالث: العمل بالاجتهاد أشقّ من العمل بالنصّ فيكون أكثر ثوابا، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أفضل الأعمال أحمزها» (2) أي أشقّها، فلو لم يعمل‏

____________

(1). الحشر: 2.

(2). تفسير الرازي: 2/ 217 و 233 و ج 4/ 152 و ج 5/ 156؛ تفسير البيضاوي: 1/ 536؛

181

الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالاجتهاد مع أنّ الأمّة عملت به كانت الأمّة أفضل منه. و هو باطل إجماعا.

لا يقال: إنّه يقتضي أن لا يعمل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلّا باجتهاد، لأنّه أفضل.

و أيضا فإنّما يجب هذا المنصب لو لم يجد أعلى منه لكنّه وجده، لأنّه كان يتمكّن من معرفة الأحكام بالوحي، و هو أعلى من الاجتهاد.

لأنّا نجيب عن الأوّل. بأنّه غير ممكن، فإنّ العمل بالاجتهاد مشروط بالنصّ على أحكام الأصول، فلا يمكن العمل بالقياس في الجميع.

و عن الثاني. أنّ الوحي و إن كان أعلى درجة إلّا أنّه خال عن تحمّل المشقّة في استدراك الحكم، و لا يظهر فيه أثر دقّة الخاطر، و جودة القريحة، و إذا كان فيه نوع فضيلة لم يجز خلوه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منه.

و فيه نظر، فإنّ المشقّة إنّما تؤثر زيادة الثواب لو كان العمل الّذي اشتملت عليه مطلوبا للشارع، أمّا إذا لم يكن مطلوبا فلا. و نحن نمنع من جواز الاجتهاد في حقّه على أنّا نمنع من اشتمال الاجتهاد على زيادة المشقّة، بل جاز أن يكون في الوحي مشقّة زائدة على الاجتهاد بما يحصل له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من الخوف و الخشية من اللّه تعالى حال نزول الوحي عليه؛ و جودة القريحة إنّما يحتاج إليها من قصرت فطنته عن بلوغ نهاية الكمال الإنسي، و هو منتف في حقّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

____________

تفسير الآلوسي: 2/ 46؛ شرح نهج البلاغة: 19/ 83؛ بحار الأنوار: 67/ 191 و 237 و ج 79/ 228.

182

الرابع: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «العلماء ورثة الأنبياء» (1) فثبت له رتبة الاجتهاد ليرثوه عنهم. (2)

لا يقال: المراد به في إثبات أركان الشرع.

لأنّا نقول: إنّه تقييد من غير دليل.

و فيه نظر، إذ لا يجب أن يكون كلّ تكليف العلماء ممّا كلّف به الأنبياء (عليهم السلام) فإنّ المصير إلى الإجماع ثابت في حقّ العلماء دون الأنبياء (عليهم السلام).

و أيضا الإرث إنّما هو فيما يثبت للأنبياء، و نحن نمنع من ثبوته لهم، فالمراد الإرث في تبليغ الأحكام إلى العامّة.

الخامس: أنّ بعض السنن مضافة إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلا يكون بالوحي، و إلّا انتفت فائدة الإضافة؛ كما لا يقال لمن أثبت حكما بالنص الظاهر الجلي عن الحاجة إلى الاجتهاد أنّه مذهب فلان، فلا يقال: مذهب الشافعي وجوب الصلاة، بخلاف ما إذا أثبته بضرب من الاجتهاد فإنّه يضاف إليه، فكذا هنا.

و فيه نظر، لمنافاة قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏، و يجوز

____________

(1). سنن ابن ماجة: 1/ 81؛ سنن أبي داود: 2/ 175 برقم 3641؛ سنن الترمذي: 4/ 153 برقم 2823؛ مجمع الزوائد: 1/ 126؛ الكافي: 1/ 32 ح 2، باب صفة العلم و فضله، و ص 34 ح 1 باب ثواب العالم؛ أمالي الصدوق: 116 ح 99؛ ثواب الأعمال: 131؛ عوالي اللآلي: 1/ 358 برقم 29 و ج 2/ 241 برقم 9؛ بحار الأنوار: 1/ 164 و ج 2/ 92 و 151 ح 31.

(2). العبارة في المحصول كما يلي: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «العلماء ورثة الأنبياء» و هذا يوجب أن تثبت له درجة الاجتهاد ليرثوه عنه، إذ لو ثبت لهم ذلك ابتداء لم يكونوا وارثين عنه.

أمّا قول العلّامة: «ليرثوه عنهم» يعني به: ليرث العلماء الاجتهاد عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

183

إضافة السنّة إليه فيما لم يتل الحكم فيه.

السادس: قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ‏ (1) و هو عام في المنصوص و المستنبط، لأنّ كلا منهما يصدق عليه انّه ممّا أراه اللّه تعالى له. و قرره أبو علي الفارسي فقال: لا يجوز إراءة العين لاستحالتها في الأحكام و لا الاعلام و إلّا لوجب ذكر المفعول الثالث لوجود المفعول الثاني، و هو الضمير الراجع إلى ما، فإذن المعنى لتحكم بين الناس بما جعله اللّه لك رأيا.

و فيه نظر، فإنّ مفهوم سياق الكلام تعليل الإنزال بالحكم بما اشتمل عليه المنزل، و هو ينافي الاجتهاد. و ما مصدرية، فلا يرجع إليها ضمير، فانتفى دليل فساد إرادة الإعلام.

السابع: قوله تعالى: وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (2) و المشاورة إنّما تكون فيما يحكم فيه بطريق الاجتهاد لا فيما يحكم فيه بطريق الوحي.

و فيه نظر، لأنّه ليس في الأحكام الشرعية، بل في المصالح العملية في الدنيا و مصالح الحرب، و إلّا لكان مستفيدا للأحكام من اجتهاد غيره. و هو باطل قطعا، و إلّا لكان ذلك الغير أكمل منه. و لا يستلزم المشاورة المصير إلى ما يذهب إليه القوم، لجواز إرادة استعلام معرفة كلّ منهم بالحروب بحيث يفوض إلى كلّ من يستصلحه لشي‏ء ذلك الشي‏ء.

____________

(1). النساء: 105.

(2). آل عمران: 159.

184

الثامن: قوله تعالى بطريق العتاب في أسارى بدر و قد أطلقهم: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ‏ (1) فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لو نزل من السماء إلى الأرض عذاب لما نجا منه إلّا عمر (2)، لأنّه كان قد أشار بقتلهم.

و فيه نظر، لاستلزامه التخطئة له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و هو محال على ما بيّناه، فلا يكون ذلك بطريق العتاب له؛ و يلزم أن يكون عمر أفضل منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حيث حكم بالخلاص له دونه، و هو باطل بالإجماع. فإذن الوجه أنّه كان مخيرا (3) بالوحي بين قتل الكلّ و إطلاق الكلّ أو فداء الكلّ، فأشار بعض الأصحاب بإطلاق‏ (4) البعض دون البعض، فنزل العتاب لذلك البعض لا له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و بهذا جاء بصيغة الجمع في قوله: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا (5) و معلوم أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يكن كذلك.

التاسع: قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ‏ (6) عاتبه على ذلك و نسبه إلى الخطأ. و هو لا يكون فيما حكم فيه بالوحي فلم يبق سوى الاجتهاد.

____________

(1). الأنفال: 67.

(2). الإحكام: 4/ 173. و لم نعثر عليه في المصادر الحديثية. راجع تعليق التنكابني على الرواية في كتابه سفينة النجاة: 284.

(3). في «أ» و «ج»: مخبرا.

(4). في «د»: بفداء.

(5). الأنفال: 67.

(6). التوبة: 43.

185

و فيه نظر، لأنّا بيّنّا امتناع الخطأ عليه، فإن كان عتابا له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دون أصحابه، فإنّما هو على ترك الأولى، و هو راجع إلى مصالح الدنيا لا الأحكام الشرعية.

العاشر: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في مكة: «لا يختلى خلاها و لا يعضد شجرها» فقال العباس: إلّا الإذخر قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إلّا الإذخر». (1) و معلوم أنّ الوحي لم ينزل عليه في تلك الحال، فكان الاستثناء بالاجتهاد.

و فيه نظر، لأنّ الوحي إذا كان عامّا لم يجز الاستثناء إلّا لدليل، و لو لم يكن بوحي لكان عن اجتهاد و يتعذّر، بل يمتنع حصوله لو كان متعبّدا به في تلك الحال، فإنّ سرعة الوحي أشدّ من سرعة الاجتهاد، فالحكم بالتعذّر في الوحي يستلزم أولوية الحكم به في الاجتهاد.

لا يقال: إنّه مستند إلى اجتهاد سابق.

لأنّا نقول: فجاز استناده إلى وحي سابق، و لأنّه ممتنع و إلّا لوجب عليه إظهاره إزالة للتلبيس باعتقاد العموم، بل الحق انّه كان يريد الاستثناء فسبقه العباس.

الحادي عشر: روي الشعبي أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يقضي القضية

____________

(1). صحيح البخاري: 2/ 95، باب في الجنائز؛ و ص 213، باب لا يعضد شجر الحرم؛ صحيح مسلم: 4/ 109، باب تحريم مكة و صيدها؛ سنن ابن ماجة: 2/ 1038؛ سنن أبي داود: 1/ 448 برقم 2017؛ سنن النسائي: 5/ 203؛ مسند أحمد: 1/ 253 و 259 و 316 و 348؛ الكافي: 4/ 226 ح 3؛ من لا يحضره الفقيه: 2/ 246 برقم 2316؛ وسائل الشيعة: 12/ 557، ح 1 و 4، باب تحريم صيد الحرم. و قد ورد الحديث باختلاف في الألفاظ.

186

و ينزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به، فيترك ما كان قضى به على حاله، و يستقبل ما نزل به القرآن، و الحكم بغير القرآن لا يكون إلّا بالاجتهاد.

و فيه نظر، لاستلزامه التخطئة في الأحكام، و هو محال عليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على أنّ الخبر مرسل فلا حجّة فيه. و نمنع أنّ الحكم بغير القرآن لا يكون إلّا بالاجتهاد، بل يكون بالوحي ثمّ ينسخ بالقرآن، و على هذا تحمل الرواية إن صحّت.

الثاني عشر: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي» (1) و لا يستقيم ذلك في ما كان بالوحي.

و فيه نظر، لأنّ أفعال الحج لا بد و أن تكون بالوحي لعدم دلالة العقل على تفاصيلها. نعم لمّا بيّن له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الحج قارنا، فبادر ثم أوحي إليه فضيلة التمتع و أنّه ليس للقارن ذلك، تأسف على المبادرة إلى القران و فوات العمرة.

البحث الثالث: في عدم جواز الخطاء عليه‏

اختلف القائلون بجواز الاجتهاد له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في جواز الخطأ عليه في اجتهاده فالأكثر على المنع و جوزه الباقون بشرط أن لا يقرّ عليه و هذا البحث ساقط عنا من وجهين:

الأوّل: امتناع الخطأ عليه مطلقا و وجوب عصمته.

____________

(1). سنن أبي داود: 1/ 401 برقم 1784؛ سنن البيهقي: 5/ 6؛ عوالي اللآلي: 1/ 45 برقم 59 و 213 برقم 67 و ج 2/ 235 برقم 3؛ بحار الأنوار: 30/ 632.

187

الثاني: امتناع تسويغ الاجتهاد له.

احتجّ المانعون‏ (1) بأنّا مأمورون باتّباعه في الحكم لقوله تعالى: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ‏ (2) و لقوله:

فَاتَّبِعُوهُ‏ (3)، [و لقوله:] أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏ (4) و غير ذلك من الآيات، فلو جاز عليه الخطأ لكنّا مأمورين بالخطإ، فلا يكون خطأ.

احتجّ الآخرون‏ (5) بقوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ‏ (6)، و هو يدلّ على أنّه أخطأ فيما أذن لهم.

و قال تعالى في أسارى بدر: لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ (7)، و هو يدلّ على الخطأ في أخذ الفداء.

و قال تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ‏ (8) و يجوز الخطأ علينا فكذا عليه.

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّكم لتختصمون لديّ و لعلّ بعضكم ألحن بحجته من‏

____________

(1). و هو مختار الرازي في المحصول: 2/ 493.

(2). النساء: 65.

(3). الأنعام: 153 و 155.

(4). النساء: 59؛ النور: 54.

(5). راجع المحصول: 2/ 493- 494.

(6). التوبة: 43.

(7). الأنفال: 68.

(8). الكهف: 110.

188

غيره، فمن قضيت له بشي‏ء من حق أخيه فلا يأخذه فإنّما أقطع له قطعة من النار». (1)

و لأنّه يجوز أن يغلط في أفعاله فكذا في أقواله كغيره من المجتهدين.

و الجواب عن الآيتين السابقتين ما تقدّم. و عن الثالثة أنّ المراد المماثلة في عدم العلم بالغيب و لهذا عقب بقوله: يُوحى‏ إِلَيَّ. و القضاء حقّ، و الخطاء في طريقه من شهادة الزور أو الإقرار بالكذب، و يمنع غلط أفعاله.

البحث الرابع: في الاجتهاد في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

اتّفق القائلون بالاجتهاد على جوازه بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و اختلفوا في جوازه في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فالأكثر جوّزوه عقلا و منع منه الأقل.

و اختلف القائلون بالجواز في أمور ثلاثة:

الأوّل: جوازه للقضاة و الولاة في غيبته دون حضوره، و منهم من أطلق الجواز.

الثاني: منهم من قال: يجوز ذلك مطلقا إذا لم يوجد منع.

____________

(1). صحيح البخاري: 3/ 162، كتاب الشهادات و ج 8/ 62، كتاب الحيل؛ صحيح مسلم: 5/ 129، باب الحكم بالظاهر؛ سنن ابن ماجة: 2/ 777؛ سنن أبي داود: 2/ 160؛ سنن الترمذي:

2/ 398 برقم 1354؛ سنن النسائي: 8/ 233 و 247؛ مسند أحمد: 2/ 332 و ج 6/ 203 و 230؛ الكافي: 7/ 414 ح 1، باب أن القضاء بالبينات؛ بحار الأنوار: 73/ 343. و قد وردت الرواية باختلاف في اللفظ.

189

و منهم من قال: لا يكفي عدم المنع بل لا بدّ من الإذن فيه.

و منهم من قال: السكوت عنه مع العلم بوقوعه كاف.

الثالث: اختلفوا في وقوع التعبّد به سمعا: منهم من قال: إنّه كان متعبّدا به، و منهم من توقّف كالجبائي، و منهم من توقّف في حق الحاضرين دون من غاب كالقاضي عبد الجبار. (1)

و اعلم أنّ الوجه الجواز العقلي للحاضر فإنّه لا يمتنع عقلا أن يقول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): قد أوحي إليّ أنّكم مأمورون بالاجتهاد و العمل بما يقتضيه ظنكم.

و أمّا الغائب فلا شك في جوازه خصوصا عند تعذّر الرجوع إليه و ضيق الوقت.

و أمّا وقوع التعبّد به للحاضرين فقال قوم لم يقع لوجهين‏ (2):

الأوّل: لو اجتهد الصحابة في عصره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لنقل كما نقل اجتهادهم بعده.

اعترض بجواز قلّته فلم ينقل على أنّه قد نقل اجتهاد سعد بن معاذ.

الثاني: الصحابة كانت تفزع إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الحوادث، و لو جاز لهم الاجتهاد لفعلوه و لم يرجعوا إليه.

____________

(1). راجع الإحكام: 4/ 181- 182.

(2). المحصول: 2/ 495.

190

اعترض بأنّهم فزعوا فيما لم يظهر وجه الاجتهاد أو تركوه لصعوبته و سهولة وجدان النص.

و احتجّ المثبتون بوجهين‏ (1):

الأوّل: انّه حكّم سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بقتل مقاتليهم و سبي ذراريهم، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لقد حكمت بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة». (2)

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعمرو بن العاص و عقبة بن عامر الجهني‏ (3) لمّا أمرهما أن يحكما بين خصمين: «إن أصبتما فلكما عشر حسنات، و إن أخطأتما فلكما حسنة واحدة». (4)

اعترض بأنّه خبر واحد، فلا يجوز التمسّك به في العلميات.

الثاني: أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر بالمشاورة و لا فائدة إلّا جواز الحكم على حسب الاجتهاد.

____________

(1). المصدر نفسه.

(2). إرشاد المفيد: 1/ 110؛ سعد السعود: 139؛ بحار الأنوار: 20/ 212 و 236 و 262؛ مستدرك الوسائل: 11/ 128 ح 19؛ فتح الباري: 7/ 317؛ الكشاف: 3/ 257.

(3). هو عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن عمرو بن رفاعة الجهني، أبو حماد و يقال أبو عامر، صحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و روى عنه. و شهد صفين مع معاوية، و حضر فتح مصر مع عمرو بن العاص، و ولي مصر سنة 44 ه و عزل عنها سنة 47 ه. و مات بمصر سنة 58 ه.

الأعلام: 4/ 240؛ تهذيب الكمال: 2/ 205 برقم 3978.

(4). المحصول: 2/ 495. و لم نعثر عليه في المصادر الحديثية.

191

اعترض بأنّه في الحروب و مصالح الدنيا لا أحكام الشرع.

و أمّا في حقّ الغائب فالأكثر على جواز الاجتهاد كخبر معاذ.

البحث الخامس: في تجزّؤ الاجتهاد

اختلف الناس في أنّه هل يتجزأ الاجتهاد أو لا؟ فذهب جماعة إلى الجواز فينال العالم منصب الاجتهاد في حكم دون آخر؛ فمن نظر في مسألة القياس، فله الإفتاء في مسألة قياسية و إن لم يكن ماهرا في الحديث؛ و من عرف الفرائض جاز له الإفتاء فيها و إن جهل مسائل البيع و غيره.

و احتجّوا بوجهين:

الأوّل: أنّ مالكا كان فقيها إجماعا مع أنّه سئل عن أربعين مسألة فقال في ست و ثلاثين: لا أدري، فلو شرط في الفقه العلم بجميع الفتاوى لما جاز لمالك أن يفتي. و أجيب بجواز تعارض الأدلّة عنده أو أنّه عجز في تلك الحال عن المبالغة في النظر، و إن كان في وقت آخر ناظرا.

الثاني: إذا اطّلع على دليل مسألة على الاستقصاء، استوى هو و العالم بكلّ المسائل في العلم بتلك المسألة، فكما جاز للثاني الإفتاء فكذا للأوّل.

اعترض بجواز أن يكون في بعض المسائل الّتي لا يعلمها تعلّق بهذه المسألة.

و فيه نظر، لمنافاته الغرض؛ و لأنّا لا نشترط الاستقصاء في جميع‏

192

المسائل بل الأكثر، فجاز أن يكون للأقل مدخل في مسائل الأكثر، فلمّا لم يعتد بهذا التجويز فكذا هنا؛ و لأنّ ذلك نادر فلا يعتدّ به في التكليف.

احتجّ الآخرون بأنّ ما يقدر جهله يجوز تعلّقه بالحكم المفروض.

و اعترض بأنّ التقدير حصول جميع الأمارات في ظنّه إمّا عنه، أو بعد تحرير الفضلاء السابقين الأمارات.

المطلب الثالث: ما فيه الاجتهاد

و هو كلّ حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي، فبالشرعي خرج العقلي و مسائل الكلام.

و قولنا: ليس فيه دليل قطعي، خرج ما وجد فيه دليل قاطع، كوجوب الصلوات الخمس و الزكوات، و ما اتّفقت عليه الأمّة من المسائل الظاهرة.

و قال أبو الحسين: المسألة الاجتهادية هي الّتي اختلف فيها المجتهدون من الأحكام الشرعية. (1)

و اعترض‏ (2) بأنّ جواز اختلاف المجتهدين فيها مشروط بكون المسألة اجتهادية، فلو عرفنا كونها اجتهادية باختلافهم فيها، لزم الدور.

و فيه نظر، إذ لا دور في اشتراط جواز الاختلاف الشرعي بكون المسألة اجتهادية و تعريف الاجتهادية بما وقع فيها الخلاف بين العلماء.

____________

(1). المعتمد في أصول الفقه: 2/ 397.

(2). المعترض هو الرازي في المحصول: 2/ 500.

193

المطلب الرابع: في حكم الاجتهاد

و فيه مباحث:

[البحث‏] الأوّل: في حكم المجتهدين في الأصول‏

خالف الجاحظ و أبو عبيد اللّه بن الحسن العنبري‏ (1) سائر المسلمين في ذلك فذهبا إلى أنّ كلّ مجتهد في الأصول مصيب، سواء أخطا أو لا، و لم يريدا بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد للعلم الضروري بفساده، بل نفي الإثم و الخروج عن عهدة التكليف. و باقي العلماء على فساده و انّه إثم لوجوه‏ (2):

الأوّل: اللّه تعالى نصب الأدلّة القاطعة على هذه المطالب و مكّن العقلاء من معرفتها، فوجب أن لا يخرجوا عن العهدة إلّا بالعلم.

الثاني: يعلم بالضرورة أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر اليهود و النصارى بالإيمان، و ذمهم على إصرارهم على عقائدهم، و قاتل بعضهم، و كان يكشف عمّن بلغ منهم‏

____________

(1). هو عبيد اللّه بن الحسن بن حصين بن أبي الحر مالك بن الخشخاش بن جناب بن الحارث بن مخفر العنبري البصري القاضي، روى عن: خالد الحذاء و داود بن أبي هند و سعيد الجريري. و روى عنه: إسماعيل بن سويد و خالد بن الحارث، و رافع بن دحية المسلي. ولد سنة مائة، و ولي القضاء سنة سبع و خمسين و مائة، و توفّي في ذي القعدة سنة ثمان و ستين و مائة. تهذيب الكمال: 19/ 23 برقم 3627.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 500- 501.

194

و يقتله، و معلوم أنّ المعاند العارف ممّا يقلّ، و إنّما الأكثر مقلّدة عرفوا دين آبائهم تقليدا و لم يعرفوا المعجزة.

الثالث: قوله تعالى: ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (1)، و قوله تعالى: وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ‏ (2) و ذمّ المكذّبين للرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ممّا لا ينحصر في الكتاب و السنّة.

الرابع: إجماع المسلمين على أنّهم من أهل النار، و لو كانوا غير آثمين لما ساغ ذلك.

اعترض‏ (3) على الأوّل. بمنع نصب الأدلّة القاطعة و تمكين العقلاء من معرفتها، خصوصا و نحن نرى الخلق مختلفين في الأديان و العقائد من زمن وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و يبعد أن يكون أحد منهم مكابرا.

سلّمنا، لكن لا نسلّم اقتضاء ذلك أمرهم بالعلم، فجاز أنّهم كانوا مأمورين بالظن الغالب، سواء كان مطابقا أو لا. و حينئذ يعذر الآتي به.

و يدلّ على أنّ التكليف إنّما وقع بالظن: أنّ اليقين التام المتولّد من البديهيتين المرتبتين ترتيبا صحيحا متعسر، و لا يصل إليه إلّا الآحاد فلا يقع التكليف به لجميع الخلق، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» (4)،

____________

(1). ص: 27.

(2). فصّلت: 23.

(3). راجع المحصول: 2/ 501- 502.

(4). مسند أحمد: 5/ 266؛ مجمع الزوائد: 2/ 260 و ج 4/ 302؛ كنز العمال: 1/ 178 برقم 900

195

و لا حرج أعظم من تكليف الإنسان في لحظة واحدة معرفة ما عجز الخلق عن معرفته في خمسمائة سنة.

و لأنّا نعلم أنّ الصحابة لم يكونوا عارفين بهذه الأدلّة و الدقائق و الجواب عن شبهات الفلاسفة، كما لم يكونوا عارفين بدقائق الهندسة و علم الهيئة و الحساب مع أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حكم بإيمانهم.

سلّمنا أنّهم كلّفوا بالعلم لكن نمنع عقاب المخطئ و الإجماع في محلّ الخلاف ممنوع.

و على الثاني. بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قبلهم‏ (1) لجهلهم بالحق مع إصرارهم على ترك التعلّم لا للجهل مطلقا، فلعلّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالغ في إرشادهم و لم يلتفتوا إلى بيانه و اشتغلوا باللهو و الطرب، و أمّا من بالغ في الطلب و البحث فيمنع أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قتله. سلّمنا قتله، لكن نمنع عقابه.

و على الثالث بأنّه ذمّ الكافر، و الكفر لغة الستر، و هو لا يتحقّق إلّا في المعاند الّذي عرف الدليل ثمّ أنكره، أو المقلّد الّذي يعرف أنّه لا يعرف الدليل على صحّة الشي‏ء ثمّ يقول به. أمّا العاجز المتوقّف الّذي بالغ في الطلب و لم يصل فلا يكون ساترا لما ظهر عنده، فلا يكون كافرا.

____________

و ج 3/ 34 برقم 5341 و 669 برقم 8412 و ج 4/ 318 برقم 10689؛ أمالي الطوسي: 528، المجلس 19؛ عوالي اللآلي: 1/ 381 برقم 3؛ بحار الأنوار: 64/ 136 و ج 65/ 318 و 346.

و قد ورد الحديث في هذه المصادر باختلاف في اللفظ.

(1). في «أ» و «ب»: قتلهم.

196

ثمّ احتجّا بأنّه تعالى ملك رحيم كريم، و استقراء أحكام الشرع يدلّ على أنّ الغالب على الشرع التخفيف و المسامحة، حتى لو احتاج إلى تعب في طلب الماء أسقط عنه فرض الوضوء، فكيف يليق بكرمه و رحمته معاقبة من أفنى طول عمره في البحث و الفكر؟!

و في الأوّل نظر، لأنّ المطلوب من المسائل الأصولية العلم، فلو لم ينصب دليلا عليه و يمكّن منه، لزم نسبته تعالى إلى القبيح، و هو تكليف ما لا يطاق و هو محال، و منع تعسّر الوصول إلى العلم؛ و نحن لا نوجب في اللحظة الواحدة معرفة ما عجز عنه الخلق في المدد المتطاولة، بل نوجب الفكر في الأدلة و هي ظاهرة واضحة، و لا يشترط معرفة الأدلّة على كلّ مسألة من فروع الأصول، و لا الجواب عن الشبهات، و الإجماع على العقاب ثابت، و لا عبرة بنزاعهما في خرقه.

و في الثاني نظر، لأنّ قتله على بقاء الكفر فيستدعي العقاب، و نمنع المبالغة في الطلب و البحث مع عدم الوصول إلى الحق.

و في الثالث نظر، للإجماع على أنّ اسم الكافر لمن خالف الملّة الإسلامية، سواء كان عن عناد أو لا، و التغطية هنا ثابتة من حيث إنّه اعتقاد نقيض الحق. و احتجاجهما باطل بما تقدّم من منع عدم الوصول إلى الحقّ مع المبالغة في البحث و النظر، بل الواجب مع استيفاء النظر و البحث الوصول إلى الحق؛ و قد تأوّل بعض المعتزلة قول الجاحظ و العنبري بالحمل على المسائل الكلامية المختلف فيها بين المسلمين، و لا يكفر مخالفها، كمسألة

197

الرؤية و خلق الأعمال و قدم الكلام و غير ذلك، لأنّ الأدلّة فيها ظنّية متعارضة، و المشهور غير ذلك.

البحث الثاني: في حكم الاجتهاد في المسائل الشرعية

اختلف الناس في المجتهد المخطئ في الأحكام الشرعية هل هو مأثوم أم لا؟ و الأكثر على عدم تأثيمه، و قال بعض الإمامية (1) و الظاهرية و بشر المريسي و ابن علية و أبو بكر الأصم‏ (2) إلى أنّ الحق متعيّن في كلّ مسألة و عليه دليل، فمن أخطأه فهو آثم لكنّه ليس بكافر و لا فاسق. (3)

احتجّ الأوّلون‏ (4) بالنقل المتواتر أنّ الصحابة اختلفوا فيما بينهم في المسائل الفقهية و استمروا على الاختلاف إلى أن انقرضوا، و لم ينكر أحد منهم على غيره، و لا حكم بتأثيمه، لا على سبيل الإبهام و لا التعيين، مع العلم بأنّه لو خالف أحد في وجوب العبادات الخمس و تحريم الخمر و الزنا لبادروا إلى تخطئته و تأثيمه، فلو كانت [المسائل‏] الاجتهادية كذلك في كونها قطعية و مأثوما على المخالفة فيها، لبالغوا في الإنكار و التأثيم كما بالغوا في الإنكار على المخالف في وجوب الصلوات الخمس.

____________

(1). لاحظ ما كتبه العلّامة السبحاني حول التخطئة و التصويب في مقدمة هذا الجزء ص 67.

(2). هو أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم، فقيه معتزلي مفسّر، له مناظرات مع ابن الهذيل، قال ابن المرتضى: كان يخطئ عليا (عليه السلام) في كثير من أفعاله و يصوّب معاوية في بعض أفعاله، توفّي نحو 225 ه. الأعلام: 3/ 323.

(3). راجع الإحكام: 4/ 188- 189.

(4). و هو مختار الآمدي في الإحكام: 4/ 189.

198

و احتجّ الآخرون بأنّ الإنكار قد وقع من بعضهم على بعض في العمل بالرأي و الاجتهاد في المسائل الفقهية، كما تقدّم في القياس.

و لأنّ الحكم واحد معين على ما يأتي، فلا بدّ له من دليل يتمكّن كلّ مكلّف بالحكم من الوصول إليه، و إلّا لزم تكليف ما لا يطاق؛ و كلّ مكلّف بالحكم مكلّف بإقامة الدليل المنصوب عليه، و إلّا كان الحكم تشهيا، و هو محال. فالمخطئ إمّا أن يكون لتقصيره في الاجتهاد فيكون مأثوما بترك ما كلف به، أو لعدم تمكّنه من الوصول إلى الحكم، و هو محال لاستلزامه التكليف بما لا يطاق.

البحث الثالث: في أنّ المجتهد في الفروع مطلقا هل هو مصيب أم لا؟

اختلف الناس في أنّ كلّ مجتهد في الأحكام الشرعية هل هو مصيب أم لا؟

و تقريره أن يقال: المسألة الاجتهادية إمّا أن يكون للّه تعالى فيها قبل الاجتهاد حكم معين، أو لا.

و الثاني: قول من حكم بإصابة كلّ مجتهد. و هو قول أبي الحسن الأشعري و القاضي أبي بكر من الأشاعرة، و من المعتزلة قول أبي الهذيل العلّاف و أبي علي و أبي هاشم و أتباعهم. (1)

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 503.

199

و اختلف هؤلاء فمنهم من قال بالأشبه، و هو أنّه و إن لم يوجد في الواقعة حكم، إلّا أنّه وجد ما لو حكم اللّه تعالى بحكم لما حكم إلّا به. و هو منسوب إلى كثير من المصوّبين.

و امّا أن لا يقال بذلك أيضا، و هو قول باقي المصوّبين.

و أمّا الأوّل: و هو أنّ في الواقعة حكما معينا، فذلك الحكم إمّا أن لا يكون عليه أمارة و لا دلالة، أو يكون عليه أمارة لا دلالة، أو يكون عليه دلالة.

أمّا الأوّل، و هو حصول الحكم من غير دلالة و لا أمارة، و هو قول جماعة من الفقهاء و المتكلّمين، قالوا: و هذا الحكم مثل دفين يعثر عليه الطالب اتفاقا، فلمن عثر عليه أجران، و لمن اجتهد و لم يصبه فله أجر واحد على ما تحمله من الكد في الطلب لا على حرمان الإصابة.

و أمّا الثاني، و هو أنّ عليه أمارة، فهو قول جماعة، و اختلفوا:

فقال بعضهم: إنّ المجتهد لم يكلف بإصابة ذلك الدليل الظني لخفائه و غموضه، فلهذا عذر المخطئ و أجر عليه. و هو قول الفقهاء كافة و نسب إلى الشافعي و أبي حنيفة.

و قال آخرون: بأنّه مأمور بطلبه أوّلا فإن أخطأ و غلب على ظنّه شي‏ء آخر تغيّر التكليف و صار مأمورا بالعمل بمقتضى ظنه، و سقط عنه الإثم تحقيقا. (1)

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 504.

200

و أمّا الثالث، و هو أنّ عليه دليلا قطعيا فهؤلاء اتّفقوا على أنّ المجتهد مأمور بطلبه لكن اختلفوا في موضعين‏ (1):

أحدهما: المخطئ هل يستحق الإثم أو لا؟ فذهب بشر المريسي إلى أنّه يستحقّ الإثم، و نفاه الباقون.

ثانيهما: هل ينقض قضاء القاضي فيه؟ قال الأصمّ: ينقض. و خالف فيه الباقون، و الأقوى في هذه المطالب انّ للّه تعالى في كلّ واقعة حكما معينا، و أنّ عليه دليلا ظاهرا لا قاطعا، و أنّ المخطئ فيه معذور، و أنّ قضاء القاضي لا ينقض به.

بيان تعيين الحكم وجوه‏ (2):

الأوّل: إذا اعتقد أحد المجتهدين رجحان أمارة الثبوت و الآخر رجحان أمارة العدم، فأحد الاعتقادين خطأ؛ لأنّ إحدى الأمارتين إن كانت راجحة، كان اعتقاد رجحانه صوابا و اعتقاد رجحان الآخر غير مطابق للمعتقد فيكون خطأ؛ و إن لم تكن إحداهما راجحة، كان كلّ من الاعتقادين غير مطابق للمعتقد فلا يكون الاعتقادان مطابقين معا، بل أحدهما بخلاف المعتقد قطعا، فيكون أحدهما خطأ، فلا يكون كلّ مجتهد مصيبا بمعنى كون اعتقاده مطابقا للمعتقد.

و لأنّ الاعتقاد الّذي لا يكون مطابقا للمعتقد جهل، و الجهل بإجماع‏

____________

(1). ذكرهما الرازي في المحصول: 2/ 504.

(2). راجع المحصول: 2/ 504- 511؛ الإحكام: 4/ 191- 196.

201

الأمّة غير مأمور به، فلا يكون الكلّ مصيبين بمعنى الإتيان بالمأمور به.

اعترض بمنع كون أحد الاعتقادين خطأ.

قوله: لأنّه اعتقد أحدهما فيما ليس براجح أنّه راجح.

قلنا: اعتقد فيما ليس براجح أنّه راجح في نفس الأمر، أو في ظنه. الأوّل ممنوع، و الثاني مسلّم. فإنّ المجتهد لا يعتقد رجحان أمارته على أمارة صاحبه في نفس الأمر، بل في ظنّه، و هو حاصل، فيكون اعتقاده مطابقا، و عدم الرجحان الخارجي لا يوجب عدم الرجحان الذهني، فأمكن تصويب الاعتقادين معا.

سلّمنا اعتقاد الرجحان في نفس الأمر، لكنّه لم يجزم بذلك الرجحان، بل جوّز خلافه. و نمنع النهي عن الاعتقاد الخطأ المقارن لهذا التجويز بخلاف الجهل، لأنّ مخالفة المعتقد فيه مقارنة للجزم.

و الجواب: الرجحان في الذهن إمّا أن يكون نفس اعتقاد رجحانه في الخارج، أو ما يستلزمه؛ لأنّا نعلم ضرورة أنّا لو اعتقدنا مساواة وجود الشي‏ء لعدمه، امتنع حينئذ كون اعتقاد وجوده راجحا على اعتقاد عدمه، فيجب عند حصول الظن اعتقاد كونه راجحا في نفسه، إمّا لأنّ الظنّ نفس هذا الاعتقاد، أو لا ينفك عنه. و معهما يحصل المقصود.

قوله: إنّه غير جازم.

قلنا: بل هو جازم، لأنّ اعتقاد أولوية وجود الشي‏ء غير اعتقاد وجوده،

202

و اعتقاد أولوية الموجود حاصل مع الجزم، لأنّ المجتهد يقطع بأولوية اعتبار أمارته نظرا إلى هذه الجهة. نعم أنّه غير جازم بالحكم، لكنّ الجزم بالأولوية لا يقتضي الجزم بالوقوع، كما يقطع بأولوية وقوع المطر من الغيم الرطب مع أنّه قد لا يوجد المطر، و عدم المطر لا يقدح في الأولوية، بل هي مقطوع بها، كذا هنا. فثبت حصول اعتقاد جازم غير مطابق لأحد المجتهدين فيكون خطأ و جهلا و منهيا عنه.

الثاني: المجتهد إن كلّف بالحكم لا عن طريق، لزم خرق الإجماع على امتناع الحكم بمجرد التشهّي.

و إن كان عن طريق، فإن لم يكن له معارض تعيّن العمل به إجماعا، فيكون تاركه مخطئا.

و إن كان له معارض فإن كان أحدهما راجحا تعيّن العمل به إجماعا، لامتناع وقوع العمل بالمرجوح، فيكون تاركه مخطئا. و إن لم يكن أحدهما راجحا فحكم تعادل الأمارتين إمّا التخيير أو تساقطهما و الرجوع إلى غيرهما.

و على كلّ تقدير فالحكم واحد و مخالفه مخطئ.

و الاعتراض: لم لا يجوز أن يكلّف بالحكم لا عن طريق، و الحكم في الدين بمجرّد التشهّي حرام إذا وجد الدليل لا عند عدمه، إذ العمل بالدليل مشروط بوجود الدليل و إلّا كان تكليفا بما لا يطاق و في المسائل الاجتهادية لا دليل، لأنّه لو وجد لكان تارك العمل به تاركا للمأمور به فيكون عاصيا،

203

فيستحق النار، لأنّ الأمر للوجوب، و لمّا أجمعوا على عدم استحقاق النار علم انتفاء الدليل، و إذا لم يوجد دليل جاز العمل بالحدس و التوهّم، كالمشتبه عليه أمارات القبلة يعمل بالوهم و الحدس.

سلّمنا، الأمر بالحكم بطريق لكن يجوز حصول طريق آخر مقابل، و يكون أحدهما راجحا.

و إنّما يجب العمل بالراجح على من علم بالرجحان لا على من لا يعلم به، لأنّ الأمارة الراجحة إنّما يجب العمل بها على من اطّلع عليها، أمّا من لا يطّلع عليها فإنّه يجوز أن يكون مكلّفا بالأضعف، إذ لا يستبعد عقلا أن تكون مصلحة أحد المجتهدين العمل بأقوى الأمارات و مصلحة الآخر العمل بأضعفها.

فحينئذ يخلق اللّه تعالى في قلب من مصلحته العمل بالأقوى الخاطر بوجوه الترجيح، و يشغل الآخر عنها فيظن أنّها أقوى الأمارات؛ لأنّ مصلحته العمل على أضعف الأمارات، و الظنّ بأنّها أقوى مع كونها في نفسها أضعف غير قبيح، كما لا يقبح ظن كون زيد في الدار و ليس فيها.

و الجواب: الدليل موجود، و هو الإجماع على وجود الترجيح بأمور حقيقية لا خيالية، و وجود الترجيح يستدعي وجود أصل الدليل، أعني: القدر المشترك بين الدليل اليقيني و الظاهري.

قوله: يجوز العمل بالأضعف إذا لم يعرف الأقوى.

204

قلنا: مقدار رجحان القوي على الضعيف إن لم يمكن الاطّلاع عليه لم يكن معتبرا في حقّ المكلّف، و إلّا لزم تكليف ما لا يطاق، فيكون القدر المعتبر بين الأمارتين في حقّ المكلّف متساويا لا راجحا.

و إن أمكن الاطّلاع فإن وجب تحصيل العلم بتلك الأمارة إلى أقصى الإمكان كان من لم يصل إلى معرفتها إلى الأقصى تاركا للواجب فيكون مخطئا.

و إن لم يجب، فهو محال؛ لأنّه إن كان هناك حدّ ما متى لم يصل إليه لم يكن معذورا. و إذا وصل إليه لم يكلّف بالزيادة عليه وجب تخطئة من لم يصل إليه و من وصل إليه كان مصيبا، و هو خلاف الإجماع، إذ لم يدّع أحد حدّا معيّنا في الاجتهاد بحيث يخطّئ القاصر عنه، و لا يعذر، و يصيب الواصل إليه.

و إن لم يكن هناك حدّ لم يكن بعض المراتب أولى بالتخطئة عندها من بعض، فإمّا أن لا يخطئ أصلا فيكون العامل بالظن كيف كان و لو مع ألف تقصير مصيبا، و هو باطل إجماعا؛ أو يكون مخطئا إلّا إذا وصل النهاية الممكنة، و هو المطلوب.

الثالث: المجتهد مستدل بأمر على آخر، و الاستدلال: استحضار العلم بأمور يستلزم وجودها وجود المطلوب. و استحضار العلم بالشي‏ء يتوقّف على وجود ذلك الشي‏ء، فالاستدلال متوقّف على وجود الدليل، و وجود ما يدل على الشي‏ء يتوقّف على وجود المدلول، لأنّ دلالته عليه نسبة بينه و بين‏

205

المدلول، فيتوقّف ثبوتها على ثبوت كلا المنتسبين، فوجود المطلوب متقدّم على الاستدلال بمراتب، و الظن متأخّر عن الاستدلال، لأنّه نتيجته، فلو كان الحكم إنّما يحصل بعد الظن كان المتقدّم على الشي‏ء بمراتب نفس المتأخّر عنه بمراتب، و هو محال.

الرابع: المجتهد طالب، فله مطلوب متقدّم في الوجود على وجود الطلب، فيثبت الحكم قبل الطلب فيكون مخالفه مخطئا.

لا يقال: لا نسلّم طلب المجتهد حكم اللّه تعالى، بل عليه الظن كمن يقال له: إن ظننت السلامة أبيح لك ركوب البحر، و إن ظننت العطب حرم؛ و قيل الظن لا حكم فيه عليك، بل يترتّب حكمه على ظنّك بعد حصوله، فهو طلب للظن دون الإباحة و التحريم.

لأنّا نقول: المجتهد لا يطلب الظن كيف كان، إجماعا، بل الظن الصادر عن النظر في أمارة تقتضيه، و النظر في الأمارة يتوقّف على وجودها، و وجودها يتوقّف على وجود المدلول، فطلب الظن موقوف على وجود المدلول بمراتب، فلو توقّف وجود المدلول على حصول الظن دار.

الخامس: قوله تعالى: وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ* فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ‏ (1) خصّ سليمان بفهم الحق في الواقعة، و هو يدلّ على عدم فهم داود،

____________

(1). الأنبياء: 78- 79.

206

و إلّا لما كان التخصيص مفيدا، و هو دليل اتّحاد حكم اللّه تعالى في الواقعة و انّ المصيب واحد.

اعترض بأنّ المفهوم ليس بحجّة.

سلّمنا لكنّه روي أنّهما حكما في تلك القضية بالنص حكما واحدا، ثمّ نسخ اللّه تعالى الحكم في مثل تلك القضية في المستقبل، و علم سليمان بالنص الناسخ دون داود، فكان هذا هو الفهم الّذي أضيف إليه.

و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً و لو كان أحدهما مخطئا لما كان قد أوتي في تلك الواقعة حكما و علما.

سلّمنا اختلاف حكمهما، لكن يحتمل أنّهما حكما بالاجتهاد مع الإذن فيه و كانا محقّين في الحكم إلّا أنّه نزل الوحي على وفق ما حكم به سليمان، فصار ما حكم به حقا متعيّنا بنزول الوحي، و بسبب ذلك نسب التفهيم إلى سليمان.

السادس: قوله تعالى: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ‏ (1)، و قوله تعالى: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏ (2). و لو لا ثبوت حكم معيّن في محل الاستنباط، لما كان كذلك.

اعترض بوجوب حملها على الأمور القطعية دون الاجتهادية، لقوله:

____________

(1). النساء: 83.

(2). آل عمران: 7.