نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج5

- العلامة الحلي المزيد...
508 /
207

لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ‏ و قوله: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ‏ و القضايا الاجتهادية لا علم فيها.

سلّمنا إرادة القضايا الاجتهادية، لكن قوله: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ‏ و قوله: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ‏ يدلّ على تصويب المستنبطين و الراسخين في العلم، و ليس فيه ما يدل على تصويب البعض منهم دون البعض، بل غايته الدلالة بمفهومه على عدم ذلك في حقّ العوام و من ليس من أهل الاستنباط و الرسوخ في العلم.

السابع: قوله تعالى: وَ لا تَفَرَّقُوا (1)، وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا (2)، وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا (3)، و هو يدلّ على اتّحاد الحق في كلّ واقعة.

و اعترض بأنّ المراد النهي عن التفرّق في أصل الدين و التوحيد و ما يطلب فيه القطع دون الظن، لأنّ القائلين بجواز الاجتهاد أجمعوا على أنّ كلّ واحد من المجتهدين مأمور باتّباع ما أوجبه ظنّه و منهي عن مخالفته، و هو أمر بالاختلاف و نهي عن الاتفاق في الأمور الاجتهادية.

الثامن: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران و إن أخطأ فله أجر واحد» (4) و هو صريح في انقسام الاجتهاد إلى خطأ و صواب.

____________

(1). آل عمران: 103.

(2). الأنفال: 46.

(3). آل عمران: 105.

(4). شرح صحيح مسلم للنووي: 11/ 91؛ عمدة القاري: 2/ 171؛ تفسير ابن كثير: 3/ 196.

208

اعترض بالقول بموجب الخبر و أنّ الحاكم إذا أخطأ في اجتهاده فله أجر واحد، غير أنّ الخطأ عندنا في ذلك إنّما يتصوّر فيما إذا كان في المسألة نص أو إجماع أو قياس جلي، و خفي عليه بعد البحث التام عنه، و هو غير متحقّق في محلّ النزاع، أو فيما إذا أخطأ في مطلوبه من ردّ المال إلى مستحقّه بسبب ظنّه صدق الشهود و هم كاذبون، أو مغالطة الخصم لكونه ألحن بحجته لا فيما وجب عليه من حكم اللّه تعالى. و لهذا قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّما أحكم بالظاهر، و انّكم لتختصمون إليّ، و لعلّ أحدكم ألحن بحجته من صاحبه، فمن حكمت له بشي‏ء من مال أخيه فلا يأخذه فإنّما أقطع له قطعة من النار» (1).

التاسع: الإجماع على إطلاق الخطأ في الاجتهاد.

قال أبو بكر: أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن صوابا فمن اللّه، و إن يكن خطأ فمنّي و من الشيطان، و اللّه و رسوله بريئان من ذلك. (2)

و حكم عمر بقضية فقال رجل حضره: هذا و اللّه الحق، فقال عمر: إنّ عمر لا يدري أنّه أصاب الحق، لكنّه لم يأل جهدا. (3)

و قال لكاتبه اكتب: هذا ما رأى عمر فإن يكن خطأ فمنه و إن كان صوابا فمن اللّه.

____________

(1). مرّ مصدره. راجع ص 187- 188 من هذا الجزء.

(2). الإحكام: 4/ 193؛ المستصفى: 2/ 428؛ بحار الأنوار: 34/ 377؛ إحقاق الحق: 335.

(3). الإحكام: 4/ 193.

209

و قال لمّا ردّت عليه امرأة في المبالغة في المهر: أصابت امرأة و أخطأ عمر. (1)

و قال علي (عليه السلام) في المرأة الّتي استحضرها عمر فاجهضت ما في بطنها، و قد قال له عثمان و عبد الرحمن بن عوف: إنّما أنت مؤدّب لا نرى عليك بأسا: «إن كانا قد اجتهدا فقد أخطئا، و إن لم يجتهدا فقد غشاك، أرى عليك الدية». (2)

و قال ابن مسعود في المفوّضة: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن اللّه و رسوله، و إن كان خطأ فمني و من الشيطان. (3)

و أنكر ابن مسعود و زيد على ابن عباس في ترك العول، و أنكر عليهما القول به و قال: من شاء أن يباهلني باهلته، إنّ الّذي أحصى رمل عالج عددا لم يجعل في مال واحد نصفا و نصفا و ثلثا، هذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟! (4)

و قال ابن عباس: ألا يتّقي اللّه زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا و لا يجعل أب الأب أبا. (5) و غير ذلك من الوقائع الكثيرة الدالّة على حكمهم بالتخطئة من غير إنكار فكان إجماعا.

____________

(1). تفسير القرطبي: 5/ 99؛ الإحكام: 4/ 193؛ المستصفى: 2/ 428؛ الغدير: 6/ 98.

(2). المجموع: 19/ 13 و 144؛ الإحكام: 4/ 193؛ الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): 25.

(3). الإحكام: 4/ 193- 194.

(4). الإحكام: 4/ 194.

(5). شرح نهج البلاغة: 20/ 27؛ تفسير الرازي: 4/ 85؛ الإحكام: 4/ 194.

210

اعترض بتسليم وقوع الخطأ في الاجتهاد لكن فيما إذا لم يكن المجتهد أهلا للاجتهاد فيه، أو كان أهلا و قصّر أو لم يقصّر لكنّه خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليّا.

أمّا ما تمّ فيه الاجتهاد من أهله و لم يوجد له معارض مبطل، فليس فيما ذكروه من قضايا الصحابة ما يدلّ على وقوع الخطأ فيه.

العاشر: القول بتصويب المجتهدين يفضي إلى الجمع بين النقيضين، و التالي محال بالضرورة فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية؛ أنّ أحد المجتهدين قد يقول بالنفي و الآخر بالإثبات أو أحدهما بالحلّ و الآخر بالحرمة، فلو كانا حقّا لزم الجمع بين المتناقضين.

الحادي عشر: الإجماع على تجويز البحث و المناظرة، و لو كان كلّ واحد مصيبا لم يكن للمناظرة معنى و لا فائدة، لاعتقاد كلّ واحد حقّية ما ذهب إليه مخالفه و إصابته فيه و فائدة المناظرة إمّا معرفة صواب مذهب خصمه، أو ردّه عنه.

و في الأوّل تحصيل الحاصل، و في الثاني ارتكاب الحرام، إذ ردّ المصيب عمّا أصاب فيه حرام.

الثاني عشر: لو صح تصويب المجتهدين لوجب عند الاختلاف في الآنية بالطهارة و النجاسة أن يقضى بصحّة اقتداء كلّ واحد من المجتهدين بالآخر، لاعتقاد المأموم صحّة صلاة إمامه.

211

الثالث عشر: القول بتصويب المجتهدين يستلزم التنازع. فإنّ الشافعي لو قال لزوجته الحنفية: «أنت بائن» و كانا مجتهدين فإنّه بالنظر إلى ما يعتقده الزوج من جواز الرجعة بجواز المراجعة، و بالنظر إلى ما تعتقده المرأة من تحريم الرجعة يحرم عليها تسليم نفسها إليه، و ذلك مفض إلى التنازع الّذي يمتنع رفعه شرعا، و هو محال.

و كذا لو نكح امرأة بغير ولي، و نكحها آخر بعده بولي، فإنّه يلزم من صحّة المذهبين حلّها للزوجين، و هو محال.

و إذا استفتى العامي مجتهدين و اختلفا، استحال العمل بقولهما و تركهما و ترك أحدهما، لعدم الأولوية.

الرابع عشر: الأصل عدم التصويب و دوام كلّ متحقّق، إلّا ما خرج عنه لدليل، و الأصل عدم الدليل المخالف فيما نحن فيه، فيبقى فيه على حكم الأصل، خالفناه في تصويب واحد غير معين للإجماع، و لا إجماع فيما نحن فيه، فوجب الحكم بنفيه.

احتجّ القائلون بأنّه لا حكم للّه تعالى في الواقعة بأمور (1):

الأوّل: لو كان في الواقعة حكم فإن لم يكن عليه دليل قطعي و لا ظنّي لزم تكليف ما لا يطاق؛ و إن كان عليه ما يفيد أحدهما وجب قدرة المكلّف على تحصيله فيكون متمكّنا من تحصيل العلم به أو الظن، و الحاكم بغيره حاكم بغير ما أنزل اللّه تعالى، فيكون كافرا، أو فاسقا، لقوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ‏

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 511- 519.

212

يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏ (1)، وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ‏ (2)، و يكون من أهل النار قطعا، لأنّه تارك لأمر اللّه تعالى فيكون عاصيا، و العاصي من أهل النار، لقوله تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها (3)، و الإجماع على فساد هذه اللوازم، فيعلم انتفاء دليل الحكم.

لا يقال: هذه العمومات مخصوصة، لأنّ أدلّة هذه الأحكام غامضة، فالتكليف باتّباعها حرج، فيكون منفيا لقوله: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (4).

لأنّا نقول: غموض أدلّة الأحكام دون أدلّة المسائل العقلية مع كثرة مقدّماتها و الشبه فيها و كان الخطأ فيها كفرا و ضلالا فكذا هنا، و إذا بطل وجود الدليل و عدمه على تقدير ثبوت الحكم، وجب القول بنفيه.

الثاني: لو كان هناك حكم لوجب أن يكون عليه دليل قاطع، و التالي باطل فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّ على تقدير وجود الحكم إن لم يوجد عليه دليل البتّة، كان التكليف به تكليفا بما لا يطاق؛ و إن وجد عليه دليل فإن لم يستلزم المدلول قطعا و لا ظاهرا استحال التوصّل به إلى المدلول؛ و إن استلزمه‏

____________

(1). المائدة: 47.

(2). المائدة: 44.

(3). النساء: 14.

(4). الحج: 78.

213

ظاهرا، فإن لم يمكن وجوده بدون المدلول كان استلزامه قطعا لا ظاهرا؛ و إن أمكن وجوده بدون المدلول في بعض الصور و استلزمه في صورة أخرى، فإن لم يتوقّف كونه مستلزما له على انضمام قيد آخر إليه لزم الترجيح من غير مرجّح، لأنّ ذلك الشي‏ء تارة ينفك عن المدلول، و تارة لا ينفك عنه مع تساوي نسبة الوقتين. و إن توقّف كان المستلزم للمدلول هو المجموع لا ما فرض دليلا، ثمّ ذلك المجموع إن أمكن انفكاكه عن المدلول استحال استلزامه إلّا بقيد آخر و يتسلسل، و إن لم يمكن كان دليلا قطعيا لا ظاهرا.

لا يقال: الدليل الظاهر هو الّذي يستلزم كون المدلول أولى بالوجود أولوية غير منتهية إلى الوجوب، و هذا المعنى ملازم له أبدا.

لأنّا نقول: لا نعقل الأولوية من دون الوجوب، لأنّ العدم مع الأولوية إن امتنع كان وجوبا، و إلّا أمكن حصوله معها تارة، و الوجود أخرى؛ فرجحان أحدهما على الآخر إن توقّف على أمر زائد لم يكن الأوّل كافيا في الرجحان، و إن لم يتوقّف لزم ترجيح الممكن من غير مرجح، فثبت أنّ الّذي لا يستلزم الشي‏ء قطعا لا يستلزمه بوجه من الوجوه، فثبت أنّه لو وجد في الواقعة حكم لكان عليه دليل قاطع؛ و لما انعقد الإجماع على أنّه ليس كذلك، علمنا انتفاء الحكم.

الثالث: الإجماع على أنّ المجتهد مأمور بالعمل على وفق ظنّه، و لا يعني بحكم اللّه تعالى إلّا ما أمر به، فإذا كان مأمورا بالعمل بمقتضى ظنّه‏

214

و عمل به كان مصيبا للقطع (على أنّه) (1) عمل بما أمره اللّه تعالى به فكلّ مجتهد مصيب.

الرابع: لو حصل في الواقعة حكم معيّن لكان غيره باطلا، و يستلزم التالي أمورا أربعة:

أحدها: أن لا يجوز من الصحابة تولية بعضهم بعضا مع المخالفة في المذاهب، لأنّ التمكين منه تمكين من ترويج الباطل، و هو غير جائز، لكنّه قد وقع؛ فإنّ أبا بكر ولّى زيدا مع مخالفته إيّاه في الحدّ، و ولّى عمر شريحا مع مخالفته إيّاه في كثير من الأحكام.

ثانيها: يلزم أن لا يمكّنه من الفتوى، و قد كانوا يفعلون ذلك.

ثالثها: كان يجب نقض أحكام مخالفيهم، بل الواحد ينقض حكم نفسه الّذي رجع عنه، لأنّ كثيرا منهم قضى بقضايا مختلفة و لم ينقل النقض.

رابعها: اختلفوا في الدماء و الفروج و الخطأ في ذلك كثير، فإنّه لا فرق بين أن يمكّن غيره بفتواه بالباطل من القتل و أخذ المال، و بين أن يباشرهما في كونه كبيرا و وجوب تفسيق فاعله و البراءة منه. و لمّا لم يوجد شي‏ء من ذلك، علمنا انتفاء الحكم.

لا يقال: يجوز أن يكون ذلك الخطأ صغيرة فلم يجب الامتناع من التولية، و لا المنع من الفتوى و لا البراءة و لا التفسيق.

____________

(1). في المحصول: 2/ 512: لأنّه.

215

سلّمنا أنّه كبيرة فجاز أن يقال: إنّما يلزم هذه الأمور لو حصل في المسائل طريق مقطوع به. أمّا إذا كثرت وجوه الشبه و تزاحمت جهات التأويلات و الترجيحات، صار ذلك سببا للعذر و سقوط الذم.

سلّمنا صحّة دليلكم، لكنّه معارض بما روي عن الصحابة من التصريح بالتخطئة.

و لأنّ الصحابة اختلفوا قبل العقد لأبي بكر فقالت الأنصار: «منّا أمير و منكم أمير» (1) و كانوا مخطئين لمخالفتهم قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الأئمة من قريش» (2) و لم يلزم من ذلك الخطأ البراءة و الفسق، فكذا هنا.

و لأنّهم اختلفوا في مانع الزكاة هل يقاتل؟ و قضى عمر في الحامل المعترفة بالزنا بالرجم، و كان ذلك على خلاف النص.

و يمنع كون الاختلاف في الدماء و الفروج كبيرا، فإنّه لمّا لم يمتنع كون الأقوال المختلفة صوابا على مذهبك، جاز أن يكون الخطأ فيها صغيرا.

و يمنع تساوي مباشرة القتل و الغصب و التمكن منهما بالفتوى الباطلة، و لم لا يجوز أن يكون تمسّكه في ذلك بما يشبه الدليل سببا لسقوط العقاب و التفسيق؟

____________

(1). راجع السيرة النبوية لابن هشام: 4/ 1074.

(2). مسند أحمد: 3/ 129 و ج 4/ 421؛ مستدرك الحاكم: 4/ 76؛ سنن البيهقي: 3/ 121 و ج 8/ 141؛ مجمع الزوائد: 5/ 192؛ نهج البلاغة: 2/ 27؛ بصائر الدرجات: 53؛ الكافي: 8/ 343؛ بحار الأنوار: 18/ 133 و ج 24/ 157 ح 17 و ج 25/ 104، باب الأئمة من قريش و ج 28/ 171 و 261 و 380. و قد وردت العبارة ضمن أحاديث مختلفة الألفاظ.

216

لأنّا نجيب عن الأوّل. بأنّ الدليل على كونه كبيرة لو كان خطأ أنّ تارك العمل به تارك للمأمور به، فيكون عاصيا فيستحق النار.

و عن الثاني. أنّ غموض الأدلّة و كثرة الشبه أقل ممّا في العقليات مع أنّ المخطئ فيها كافر، أو فاسق.

و عن الثالث. أنّ ترك البراءة و التفسيق مع التمكين من الفتوى و العمل منقول عمّن نقلتم عنهم التصريح بالتخطئة فلا بد من التوفيق، و قد تعذّر صرفه إلى كون الخطأ صغيرا لما بيّنّا فساده، فطريق التوفيق ليس إلّا صرف ما نقلناه إلى قسم و ما نقلتموه إلى آخر؛ فإنّا لا ندّعي التصويب في كلّ الاختلافات في المسائل الشرعية حتى يضرّنا ما ذكرتم، و أنتم تدّعون الخطأ في كلّ الاختلافات فيضرّكم ما ذكرناه؛ فنحمل التخطئة على ما إذا وجد في المسألة نصّ قاطع، أو على ما إذا لم يستقص المجتهد في وجوه الاستدلال.

و أمّا الأنصار فإنّهم لمّا سمعوا ذلك الحديث لا جرم لم يستحقّوا التفسيق و البراءة، بخلاف هذه المسائل فإنّ كلّ واحد من المجتهدين عرف حجّة صاحبه و اطّلع عليها، فلو كان مخطئا لكان مصرّا على الخطأ بعد اطّلاعه عليها، فأين أحد البابين من الآخر؟

و هذا هو الجواب أيضا عن اختلافهم في مانعي الزكاة و قصة (1) المجهضة.

____________

(1). في «ب» و «د»: قضية.

217

قوله: لمّا جاز أن تكون المذاهب المختلفة في الدماء و الفروج خفيّة فلم لا يجوز أن يكون الخطأ فيها صغيرا.

قلنا: قد بيّنّا الدليل على كونه كبيرا فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «في من سعى في دم مسلم و لو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة اللّه» (1). و هذا و أمثاله ممّا لا يحصى كثرة يدلّ على أنّ الخطأ كبيرة.

الخامس: لو كان المجتهد مخطئا لما حصل القطع بكون الخطأ منه مغفورا، و قد حصل فهو غير مخطئ.

بيان الشرطية. أنّه لو حصل القطع بكونه مغفورا لكان في ذلك الوقت إمّا أن يجوز المخطئ كونه مخلّا بنظر يلزمه فعله، أو لا يجوز ذلك.

فإن لم يجز كان كالساهي عن النظر الزائد فلم يكن مكلّفا بفعله، فلا يستحقّ العقاب بتركه، فلا يكون مخطئا و قد فرض مخطئا. هذا خلف.

و إن جوّز كونه مخلّا بنظر زائد فإمّا أن يعلم في تلك الحالة أنّه مغفور له إخلاله بذلك النظر الزائد، أو لا يعلم. فإن علم لم يصحّ، لأنّ المجتهد لا يعلم المرتبة الّتي إذا انتهى إليها غفر له ما بعدها، لأنّه إن اقتصر على أوّل المراتب لم يغفر له ما بعده، و ما من مرتبة ينتهي إليها إلّا و يجوز أن لا يغفر له‏

____________

(1). سنن ابن ماجة: 2/ 874؛ سنن البيهقي: 8/ 22؛ مجمع الزوائد: 7/ 298؛ المعجم الكبير:

11/ 66؛ كنز العمال: 15/ 22 برقم 39895؛ من لا يحضره الفقيه: 4/ 94؛ عوالي اللآلي: 1/ 283 برقم 123 و 365 برقم 57؛ بحار الأنوار: 72/ 148 ح 3 و ص 149 ح 10 و ج 101/ 383 ح 1. و قد ورد الحديث باختلاف في الألفاظ.

218

ما بعدها. و لا يتميّز له بعض تلك المراتب من بعض. و لأنّه لو عرف تلك المرتبة القريبة لكان مغرى بالمعصية، لعلمه بانتفاء المضرة عليه في ترك النظر الزائد مع كونه مشقة.

فإذن لا يعرف تلك المرتبة، و إذا لم يعرفها جوّز أن لا يغفر له إخلاله بما بعدها من النظر، و جوز أيضا في كلّ مخطئ من المجتهدين أنّهم لم ينتهوا إلى المرتبة الّتي يغفر لهم ما بعدها، و هو يتضمّن تجويز كونهم غير مغفور لهم.

فظهر أنّه لو كان مخطئا لما حصل القطع بكونه مغفورا له، لكنّه حصل القطع بذلك، لأنّهم اتّفقوا من زمن عصر الصحابة إلى يومنا هذا على أنّ ذلك مغفور، فعلمنا أنّ المجتهد ليس بمخطئ.

السادس: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» خيّر في تقليد أصحابه، و قد كانوا يختلفون في المسائل، فلو كان بعضهم مخطئا في الحكم أو الاجتهاد لكان قد حثّهم على الخطأ و المصير إليه، و هو باطل.

السابع: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمّا رتب معاذ الاجتهاد على السنّة و السنّة على الكتاب: «أصبت». حكم بتصويبه مطلقا، و لم يفصّل بين حالة و أخرى، فالمجتهد مصيب مطلقا.

الثامن: تعيين الحق يستلزم نصب دليل قاطع دفعا لإزاحة الإشكال و قطعا لحجّة المحتج، كما هو المألوف من عادة الشارع في كلّ ما دعا إليه.

219

لقوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ‏ (1).

و قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ‏ (2).

و قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا (3). و لو كان عليه دليل قاطع لوجب الحكم بفسق مخالفه. (4)

التاسع: لا خلاف في ترجيح الأدلّة المتقابلة في المسائل الاجتهادية بما لا يستقل بإثبات أصل الحكم و لا نفيه، فدلّ على أنّ الدليل من الجانبين ما هو خارج عن الترجيح، فالدليل على كلّ واحد من الحكمين قائم، فكان حقّا. (5)

و الجواب عن الأوّل. أنّ على الحكم دليلا ظاهرا لا قطعا و لا يلزم الكفر و لا الفسق.

قيل‏ (6): لأنّ المجتهد قبل الخوض في الاجتهاد كان تكليفه طلب ذلك الحكم الّذي عيّنه اللّه تعالى و نصب عليه ذلك الدليل الظاهر، فإذا اجتهد

____________

(1). النساء: 165.

(2). إبراهيم: 4.

(3). طه: 134.

(4). راجع الإحكام: 4/ 199.

(5). راجع الإحكام: 4/ 200.

(6). القائل هو الرازي في المحصول: 2/ 519.

220

و أخطأ و لم يصل إلى ذلك الحكم و ظن شيئا آخر، تغيّر التكليف في حقّه و صار مأمورا بالعمل بمقتضى ظنّه. و حينئذ يكون حاكما بما أنزل اللّه لا بغيره فسقط ما ذكروه من الاستدلال.

و هو الجواب عن الثاني. لأنّا نسلم أنّ المجتهد بعد أن اجتهد و ظن أنّ الحكم كذا فإنّه مكلّف بالعمل بمقتضى ظنّه، و حكمه تعالى في حقّه ليس إلّا ذلك، لكن يجوز أن يقال: إنّه قبل خوضه في الاجتهاد كان مأمورا بذلك الحكم الّذي عيّنه اللّه تعالى و نصب عليه الدليل، لكنّه بعد الاجتهاد و وقوع الخطأ تغيّر التكليف، و ما ذكروه لا ينفي هذا الاحتمال.

و لأنّ هذه الدلالة تنتقض بما لو وجد نصّ في المسألة و لم يجده المجتهد بعد الطلب، ثمّ ظنّ بمقتضى القياس خلاف ذلك الحكم، فإنّ تكليفه حينئذ العمل بمقتضى ذلك القياس مع الإجماع على كونه مخطئا في هذه الصورة، فجوابهم جوابنا.

و من المصوّبة من منع من التخطئة في هذه الصورة، فالأصل في الجواب ما تقدم.

و هو الجواب عن الثالث، لأنّه إنّما يجب البراءة و التفسيق لو عمل بغير حكم اللّه تعالى، لكنّه بعد الخطأ مكلّف بالعمل بمقتضى ظنّه، فيكون عاملا بحكم اللّه تعالى فلا يلزم شي‏ء ممّا ذكروه.

و فيه نظر، فإنّ الحكم تابع للمصالح لا للظنون، و لا نسلّم تغيّر حكم اللّه تعالى باعتبار حصول ظنّ غير الحكم المعيّن، بل الحق في الجواب أنّ‏

221

التكليف لم يتغير، نعم لا يأثم و لا يفسق من حيث العذر الحاصل له باعتبار أنّه مكلّف بإصابة الحكم المعين مستندا إلى الدليل الظاهر، فلمّا حصل له ظنّ غيره لتقصير في اجتهاد ظنّ إصابة الحق فأهمل استيفاء النظر باعتبار توهّمه بسبب ظنّه أنّه فعل المأمور به.

و عن الخامس. أنّ المرتبة الّتي عندها يحكم بكونه مغفورا له ما بعدها هي الإتيان بما يقدر عليه من غير تقصير.

و عن السادس. أنّه معارض بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من اجتهد و اخطأ فله أجر واحد».

و أيضا فهو خبر واحد، و ما ذكرناه دلائل قاطعة فلا يحصل التعارض.

و هو الجواب عن السابع.

و عن الثامن. لا مانع من اقتضاء الحكمة طلب ظن ذلك الحكم بناء على الأدلّة الظنيّة لا طلب العلم به، فلا يجب نصب دليل قطعي و لا يلزم حصول العذر.

و عن التاسع. أنّ بتقدير تسليم أنّ الترجيح قد يكون بما لا يستقل بالحكم، فلا نمنع ذلك من اعتباره جزءا من الدليل و حينئذ لا يكون المرجوح دليلا، و لو كان دليلا فلا نسلّم وجوب ترتيب الحكم على المرجوح مع وجود الراجح في نفس الأمر. (1)

____________

(1). ذكر الرازي هذه الأجوبة في المحصول: 2/ 519- 520، فراجع.

222

البحث الرابع: في القول بالأشبه‏

هذا لا يجي‏ء على رأي الإمامية و من وافقهم فإنّ للّه تعالى في كلّ مسألة حكما معينا، و إنّما يأتي على رأي المصوبة.

و قد اختلف القائلون بعدم الحكم فقال بعضهم: بالأشبه، و هو أنّه و إن لم يكن للّه تعالى فيها حكم لكن لو حكم لم يحكم إلّا بكذا. و نفاه المحقّقون.

و هو الحق. (1)

لنا: انّ ذلك الأشبه إن كان هو العمل بأقوى الأمارات و كان موجودا، كان الأمر به واردا بالإجماع على وجوب العمل بأقوى الأمارات. فحينئذ يكون الحكم بذلك الأشبه واردا، و قد فرض غير وارد. هذا خلف.

و إن لم يكن أقوى الأمارات موجودا لم يكن الأشبه أيضا موجودا، لأنّا فرضنا الأشبه هو أقوى الأمارات.

و أمّا أن يكون الأشبه شيئا غير العمل بأقوى الأمارات، استحال أن يكون مفسدة للمكلّف، إذ لا قائل بوجوب حكم في كلّ واقعة لو نصّ اللّه تعالى على حكم فيها لنصّ عليه مع كونه مفسدة للمكلّف.

و إن كان مصلحة فإن قلنا بوجوب رعاية المصالح- كما هو مذهبنا و مذهب المعتزلة- وجب أن ينص اللّه تعالى عليه، ليتمكّن المكلف من‏

____________

(1). و هو مختار الرازي في المحصول: 2/ 520.

223

استيفاء تلك المصلحة؛ و إن لم يجب- كما هو رأي الأشاعرة- جاز أن ينص على غيره، فيبطل القول بأنّه لو نصّ على الحكم لما نصّ إلّا عليه.

و إن لم يكن مصلحة و لا مفسدة فهو إنّما يتمشّى على رأي الأشاعرة الذين نفوا وجوب رعاية المصلحة في الأحكام، و كلّ من قال بذلك قال: إنّه لا يتعيّن عليه أن يحكم على وجه معين، بل له الحكم كيف شاء فيمتنع القول بالأشبه.

احتجّ القائلون به بوجهين‏ (1):

الأوّل: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر واحد» صرّح بالتخطئة و ليست لأجل مخالفة حكم واقع، لأنّا دللنا على أنّه لا حكم، فيكون لأجل حكم مقدّر و هو الأشبه.

الثاني: المجتهد طالب، فلا بدّ له من مطلوب، و لمّا لم يكن المطلوب معيّنا وقوعا، وجب أن يكون معيّنا تقديرا.

و الجواب. أنّ ذلك الأشبه إن كان هو العمل بأقوى الأمارات فهو حقّ.

و هو قولنا.

و إن كان غيره مع أنّه تعالى لم ينصّ عليه، و لا أقام عليه دلالة و لا أمارة فكيف يكون مخطئا بالعدول عنه، و كيف ينقص ثوابه إذا لم يظفر بما لم يكلّف بإصابته، و لا سبيل له إلى إصابته.

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 521- 522.

224

البحث الخامس: في فصل التنازع بين المجتهدين المختلفين‏

اعلم أنّ القائلين بأنّ المصيب واحد أوردوا على المصوبة إشكالا، و هو أنّ تصويب الكلّ يفضي إلى التنازع بحيث لا يمكن حمله كما قلنا في الزوج لو قال لامرأته: «أنت بائن» و كانا مجتهدين، ثمّ راجعها و كان شافعيا يرى الرجعة و المرأة حنفية ترى أنّ الكنايات بوائن؛ فهاهنا يتمكّن الزوج شرعا من مطالبتها بالوطء و المرأة مأمورة بالامتناع، و لا يمكن قطع هذه المنازعة.

قال المصوّبون: هذا الإشكال وارد عليكم أيضا فإنّ المحقّقين ساعدوا على أنّه يجب على المجتهد العمل بموجب ظنّه إذا لم يعلم كونه مخطئا، فهو وارد عليكم أيضا.

و طريق التخلّص أن يقول: الحادثة إن نزلت بمجتهد و اختصّت به، عمل على ما يؤدّيه اجتهاده إليه، فإن تساوت الأمارات فيها تخيّر بينها، أو يعاود الاجتهاد إلى أن يظهر الرجحان. و إن تعلّقت بغيره فإن كان يجري فيها الصلح كالأموال، اصطلحا فيه أو رجعا إلى حاكم يفصل بينهما إن وجد؛ و إن لم يوجد رضيا بمن يحكم بينهما، فإذا حكم لزمهما و لم يجز الرجوع عنه.

و إن لم يجز فيه الصلح كالمسألة المفروضة، رجعا إلى من يفصل بينهما، سواء كان صاحب الحادثة مجتهدا أو حاكما أو لم يكن،

225

فإنّه لا يجوز للحاكم أن يحكم لنفسه على غيره، بل ينصب من يقضي بينهما.

و إن كان مقلّدا فإن كانت الحادثة تخصّه عمل على ما اتّفق عليه الفتوى؛ فإن اختلفوا، عمل بفتوى الأعلم الأزهد؛ فإن استويا، تخيّر بينهما؛ و إن تعلّقت بغيره، عمل كما تقدّم في المجتهدين. (1)

البحث السادس: في نقض الاجتهاد

إذا تغيّر اجتهاد المجتهد فإن كان في حقّه مثل أن يكون قد أدّاه اجتهاده إلى جواز التزويج بغير ولي أو إلى أنّ الخلع فسخ فنكح امرأة خالعها ثلاثا، ثمّ تغيّر اجتهاده فيهما؛ فإن كان الحكم الأوّل قد اتّصل به حكم حاكم و قضاء قاض، سواء كان المجتهد نفسه أو غيره، لم ينقض النكاح و كان صحيحا، لأنّ قضاء القاضي لمّا اتّصل به فقد تأكّد فلا يؤثر فيه بغير الاجتهاد محافظة على حكم الحاكم و مصلحته. (2)

و فيه نظر، لأنّ الحكم من القاضي تابع للحكم في نفسه لا متبوعا، لأنّ الحكم عندنا لا يتغيّر بحكم القاضي و عدمه، فإن كان سائغا لم يتغيّر، و كذا إن كان غيره فلا يصير حكم القاضي ما ليس بحلال في نفسه حلالا.

و إن لم يتّصل به حكم الحاكم لزمه مفارقتها إجماعا، و إلّا كان‏

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 522- 523.

(2). راجع المحصول: 2/ 523.

226

مستديما (1) يحل الاستمتاع بها على خلاف معتقده، و مرتكبا لما يحرم بتحريمه، و هو خلاف الإجماع.

و إن كان قد أفتى غيره و عمل بفتواه ثمّ تغير الاجتهاد، كما لو أفتاه بأنّ الخلع فسخ فنكح العامّي ثم تغيّر اجتهاد المفتي، فقد اختلفوا في أنّ المقلّد هل يجب عليه مفارقة الزوجة لتغيّر اجتهاد المفتي و الحق وجوبه؛ كما لو قلّد من ليس من أهل الاجتهاد من هو من أهله في جهة القبلة ثمّ تغير اجتهاد المجتهد إلى جهة أخرى في أثناء صلاة المقلّد، فإنّه يجب عليه التحوّل إلى الجهة الأخرى؛ بخلاف قضاء القاضي فإنّه متى اتّصل بالحكم استقرّ على ما تقدّم من الإشكال.

و أمّا قضاء القاضي فإن كان قد خالف دليلا قاطعا كنص أو إجماع أو قياس جلي و هو ما نص فيه على العلّة، فإنّه ينقض إجماعا لظهور خطائه قطعا. و إن لم يكن قد خالف دليلا قاطعا بل اجتهد و حكم باجتهاده، فإنّه لا يجوز نقض حكمه، و إلّا لزم اضطراب الأحكام و عدم استقرار الشرع، إذ لو جاز للحاكم أن ينقض حكم نفسه أو حكم غيره بتغيّر اجتهاده المفيد للظن لجاز نقض البعض عند تغيّر الاجتهاد، و هكذا إلى غير النهاية، و هو يقتضي عدم الوثوق بحكم الحاكم، و هو خلاف المصلحة الّتي نصب الحاكم لها.

____________

(1). في «ب»: مستدعيا.

227

البحث السّابع: في أنّه لا يجوز أن يقول اللّه تعالى للنبي أو العالم: احكم بمهما شئت فإنّما تحكم بالصواب‏

اختلف الناس في جواز تفويض اللّه تعالى إلى المكلّف أن يحرم و يوجب و يبيح باختياره بأن يقال له: احكم بما رأيت أو بما شئت فإنّك لا تحكم إلّا بالصواب.

فجزم بجوازه مطلقا مويس‏ (1) بن عمران.

و قال أبو علي الجبائي: يجوز أن يقال ذلك للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دون غيره.

و توقّف الشافعي في امتناعه و جوازه‏ (2)، و جمهور المعتزلة على الامتناع. (3)

و السيد المرتضى و إن جزم في صدر كلامه بالمنع و أنّه لا بدّ في كلّ حكم من دليل لا يرجع إلى اختيار الفاعل و العلم بأنّه لا يختار إلّا الصواب غير كاف في هذا الباب، إلّا أنّه في أثناء دلالته يشعر باختيار ذلك في الحكم الواحد لا في الأحكام المتعدّدة. (4)

____________

(1). في النسخ الّتي بأيدينا موسى و يونس بن عمران، و ما أثبتناه من كتب الرجال و الأصول كالذريعة و عدة الأصول و المحصول و إكمال الكمال.

و هو مويس بفتح الواو و بعدها ياء ساكنة، أحد المتكلّمين، ذكره الجاحظ و روى عنه حكايات.

إكمال الكمال: 7/ 300.

(2). و هو مختار الرازي في المحصول: 2/ 566.

(3). راجع المحصول: 2/ 566؛ الإحكام: 4/ 215.

(4). الذريعة إلى أصول الشريعة: 2/ 174.

228

احتجّ المانعون بوجوه‏ (1):

الأوّل. من أجاز هذا التكليف، إن جعل الاختيار ممّا تتم به المصلحة فهو محال لوجهين:

أحدهما: أنّه على هذا التقدير يسقط التكليف، فإنّه إذا قيل له: إن اخترت فافعله و إن لم تختر فلا تفعله، كان محض إباحة الفعل لا تكليفا. (2)

و اعترض بفرض الكلام في حكمين يجوز الخلو عنهما كالوجوب و التحريم.

ثانيهما. أنّ الإنسان لا ينفك من النقيضين فلا يجوز تكليفه بما لا يمكنه الانفكاك عنه، بخلاف تخيير الكفّارات لتمكّنه من الانفكاك عنها أجمع.

و إن جعل الفعل مصلحة في نفسه ثمّ يختاره المكلّف، استحال التفويض حينئذ لوجوه:

أوّلها. إمّا أن يجوز التفويض في الحوادث الكثيرة، أو في حادثة و حادثتين.

و الأوّل محال للعلم القطعي بامتناع حصول الإصابة دائما على سبيل الاتّفاق؛ و كما لا يجوز أن يقال للأمّي: اكتب كتابا فإنّك لا تخط بيمينك إلّا ما

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 566.

(2). في «ب» بزيادة: و انّه باطل.

229

طابق ترتيب الكتاب، و لا أن يقال للجاهل: اخبر بما شئت فإنّك لا تخبر إلّا بالصدق. و إلّا لزم بطلان الاستدلال بالاحكام على العلم و بطلان الاستدلال بالأخبار عن الغيب على النبوة؛ فكذا لا يجوز أن يقال له: احكم فإنّك لا تختار إلّا الصواب.

و أمّا الثاني و هو جوازه في القليل فإنّه و إن كان جائزا، إلّا أنّ القول به خارق للإجماع، فإنّ كلّ من منع من الكثير منع من القليل، فالفرق خارج عن الإجماع.

و فيه نظر، للفرق بين الكتابة المفتقرة إلى تقدّم المعرفة بالصيغة و بين الإخبار المنبئ عن تقدّم غيره، و كذا فرق بين الإخبار (1) و الإخبار المتوقّف على علم المطابقة.

ثانيها. إنّما يحسن القصد إلى فعل علم أو ظنّ كونه حسنا، فلا بد و أن يتميّز له الحسن عن القبيح قبل الإقدام على الفعل. فإذا لم تتقدّم هذه الأمارة المميّزة كان التكليف باختيار الحسن دون القبيح تكليفا بما لا يطاق.

لا يقال: المميّز موجود و هو قوله: قد علمنا أنّك لا تختار إلّا الحسن.

لأنّا نقول: هذا يقتضي أنّ العلم بالحسن بعد فعله و بعد الفعل يزول التكليف عنه. فالدور لازم لوجوب تقدّم المميز بين الحسن و القبح على الاختيار، و إلّا لزم تكليف ما لا يطاق.

____________

(1). في «أ» و «ج»: الاختبار.

230

و قوله: «إنّك لا تحكم إلّا بالصواب» إنّما يحصل معه التمييز بعد الفعل، و المتقدم لا يجوز أن يكون هو المتأخّر.

و فيه نظر، لأنّ وجوب تقدّم العلم أو الظن بالحسن على الفعل إنّما ثبت على تقدير جواز وقوع القبيح، أمّا على تقدير عدمه فلا، و الجواز هنا منتف.

ثالثها: لو جاز أن يقول: «احكم فإنّك لا تحكم إلّا بالصواب» لجاز أن يكلّفه تصديق النبي و تكذيب المتنبّي عن غير دليل، بل تفويضه إلى اختياره؛ و لجاز أن يكلّفه الإخبار بمهما شاء فإنّه لا يخبر إلّا عن حق، و لجاز أن يصيب في مسائل الأصول من غير اجتهاد، و لجاز أن يفوض إليه تبليغ أحكام اللّه تعالى من غير وحي نزل عليه و هو باطل إجماعا.

و رابعها: لو جاز ذلك في حقّ العالم لجاز في حقّ العامّي.

[الوجه الثاني‏] و هو يدلّ على عدم الوقوع. [و فيه أمران:]

1. لو كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مأمورا باتّباع إرادته من غير دليل، لما نهي عن اتّباع هواه، إذ معناه الحكم بكلّ ما يميل قلبه إليه من غير دليل، لكنّه قد نهي بقوله تعالى: وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ (1)، وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ (2).

لا يقال: إذا قيل له: «احكم فإنّك لا تحكم إلّا بالحق» كان نصا على حقّيّة كلّ ما يميل قلبه إليه، فلا يكون اتّباعا للهوى.

____________

(1). ص: 26.

(2). النجم: 3.

231

لأنّا نقول: فيبقى اتّباع الهوى منه ممتنعا.

و فيه نظر، لإمكانه لو لا القول: و فيما عدا ما خيّر (1) فيه.

2. لو قيل له: «احكم فإنّك لا تحكم إلّا بالصواب» لما قيل: لم فعلت، لكنّه قد قيل له: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ‏ (2) و هو يدلّ على عدم الوقوع أيضا.

و فيه نظر، لتوجه العتاب إلى الأمّة، و لأنّ توجّه العتاب إلى فعل لا يمنع من التخيير في غيره.

احتجّ مويس بوجوه‏ (3):

أحدها. نادى مناديه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم فتح مكة أن اقتلوا مقيس بن صبابة (4) و ابن أبي سرح‏ (5) و إن وجدتموهما متعلّقين بأستار الكعبة لقوله: «من تعلّق‏

____________

(1). في «أ» و «ب»: خبر.

(2). التوبة: 43.

(3). راجع المحصول: 2/ 569- 571.

(4). هو مقيس بن صبابة بن حزن بن يسار الكناني القرشي، شاعر، اشتهر في الجاهلية، شهد بدرا مع المشركين، قتل أخوه خطأ على يد رجل من الأنصار فأخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ديته، ثم قدم مقيس المدينة مظهرا الإسلام، فأمر له النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالدية فقبضها، ثم ترقّب قاتل أخيه حتّى ظفر به و قتله، و ارتد و لحق بقريش، قال شعرا في ذلك، فأهدر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دمه، فقتله نميلة بن عبد اللّه الليثي يوم فتح مكة سنة (8 ه)، و قيل: رآه المسلمون بين الصفا و المروة فقتلوه بأسيافهم. الأعلام: 7/ 283.

(5). هو عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري، أخو عثمان من الرضاعة، ارتدّ فأهدر-

232

بأستار الكعبة فهو آمن». (1) ثم شفع عثمان في ابن أبي سرح فعفا عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لو كان قتله بأمر من اللّه تعالى لم يقبل فيه شفاعة أحد إلّا بوحي آخر و لم يوجد، إذ لنزوله علامات يعرفونها، و لم يظهر في ذلك الوقت شي‏ء منها.

ثانيها: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم فتح مكة: «إنّ اللّه حرّم مكة يوم خلق السماوات و الأرض لا يختلى خلاها، و لا يعضد شجرها» فقال العباس: يا رسول اللّه إلّا الإذخر!، فقال: «إلّا الإذخر». (2) و لم يكن الاستثناء بالوحي، لعدم ظهور علاماته.

ثالثها: نادى مناديه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا هجرة بعد الفتح» (3) حتى استفاض، فبينا المسلمون كذلك إذ أقبل مجاشع بن مسعود (4) بالعباس شفيعا ليجعله‏

____________

النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دمه، ثم عاد مسلما و استوهبه عثمان يوم الفتح من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ولي مصر لعثمان و لم يبايع عليا، توفّي سنة تسع و خمسين على قول، و قيل: الأصحّ وفاته في خلافة علي (عليه السلام). سير أعلام النبلاء: 3/ 35 برقم 8.

(1). تفسير السمرقندي: 44؛ إرشاد المفيد: 1/ 136 باختلاف في اللفظ؛ المحصول: 2/ 569.

(2). صحيح البخاري: 1/ 36، كتاب العلم، و ج 2/ 95، باب الجنائز، و ص 213، باب لا يعضد شجر الحرم، و ج 3/ 13، كتاب البيوع، و ج 8/ 38، كتاب الديات؛ سنن النسائي: 5/ 211؛ سنن البيهقي: 5/ 195؛ مسند أحمد: 1/ 253؛ الكافي: 4/ 226 ح 3؛ من لا يحضره الفقيه:

2/ 246 برقم 2316؛ وسائل الشيعة: 12/ 558، باب 88 من أبواب تروك الإحرام، ح 4.

(3). صحيح البخاري: 3/ 200 و 210، كتاب الجهاد و السير، و ج 4/ 38، باب لا هجرة بعد الفتح؛ صحيح مسلم: 6/ 28، باب المبايعة بعد الفتح؛ سنن الترمذي: 3/ 75 برقم 1638؛ مسند أحمد: 1/ 226 و 355 و ج 3/ 22 و 468 و 469 و ج 5/ 187؛ عوالي اللآلي: 1/ 44 و 162.

(4). مجاشع بن مسعود بن ثعلبة السلمي، صحابي، استخلفه المغيرة بن شعبة على البصرة في خلافة عمر، و غزا كابل و صالحه صاحبها الأصبهبذ، و قيل: على يديه فتح «حصن أبرويز»-

233

مهاجرا بعد الفتح! فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أشفّع عمّي و لا هجرة بعد الفتح».

رابعها: لما قتل النضر بن الحارث‏ (1) جاءته ابنته‏ (2) فأنشدته.

أ محمد و لأنت ضن‏ء نجيبة* * * في قومها و الفحل فحل معرق‏

ما كان ضرّك لو مننت و ربّما* * * منّ الفتى و هو المغيظ المحنق‏

إلى آخر الأبيات.

فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لو كنت سمعت شعرها ما قتلته».

و هذا إنّما يكون لو كان القتل بغير وحي، إذ لو كان بأمره تعالى لقتله و لو سمع الشعر.

خامسها: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «عفوت لكم عن صدقة الخيل و الرقيق». (3) و إسناد العفو عن الزكاة إليه يدلّ على عدم الوحي فيه.

____________

بفارس، و كان يوم الجمل مع عائشة أميرا على بني سليم فقتل فيه سنة 36 ه. الأعلام: 5/ 277.

(1). هو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف، من بني عبد الدار، صاحب لواء المشركين ببدر، كان من شجعان قريش و وجوهها و من شياطينها، له اطّلاع على كتب الفرس و غيرهم، و هو ابن خالة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و آذى رسول اللّه كثيرا، أسره المسلمون يوم بدر و قتلوه بالأثيل قرب المدينة. الأعلام: 8/ 31.

(2). و هي قتيلة بنت النضر، شاعرة من الطبقة الأولى في النساء، أدركت الجاهلية و الإسلام، و قتل أبوها في وقعة بدر بعد أسره، فرثته بقصيدة ضمنها البيتين المذكورين في المتن، و أسلمت بعد مقتله و روت الحديث، و توفّيت في خلافة عمر. الأعلام: 5/ 190.

(3). مسند أحمد: 1/ 121 و 132 و 146؛ سنن الدارمي: 1/ 383؛ سنن ابن ماجة: 1/ 570 و 579؛ سنن الترمذي: 2/ 66 برقم 616؛ بحار الأنوار: 93/ 32 ح 9.

234

سادسها: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أيها الناس كتب عليكم الحج» فقال الأقرع‏ (1):

أكل عام يا رسول اللّه؟ يقول ذلك و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ساكت، فلمّا أعاد قال:

«و الذي نفسي بيده لو قلتها لوجبت، و لو وجبت ما قمتم بها، دعوني ما و دعتكم» (2).

سابعها: أخّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) العشاء ذات ليلة فخرج و رأسه يقطر فقال: «لو لا أن أشقّ على أمّتي لجعلت وقت هذه الصلاة هذا الحين». (3)

ثامنها: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إن عشت إن شاء اللّه أن أنهى أمّتي أن يسمّوا؛ نافعا، و أفلح، و بركة» (4).

تاسعها: قال جابر: لما قيل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ ماعزا رجم! قال:

«هلّا تركتموه حتى انظر في أمره» (5). و لو لم يكن حكم الرجم إليه لما قال ذلك.

____________

(1). هو الأقرع بن حابس بن عقال المجاشعي الدارمي التميمي، صحابي قدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في وفد من بني دارم فأسلموا، و كان من المؤلّفة قلوبهم، و كان مع خالد بن الوليد في أكثر وقائعه حتّى اليمامة. توفّي سنة 31 ه. الأعلام: 2/ 5.

(2). مسند أحمد: 1/ 371؛ سنن النسائي: 5/ 111؛ مستدرك الحاكم: 1/ 470.

(3). المصنّف لابن أبي شيبة: 1/ 366 برقم 15، تأويل مختلف الحديث: 184؛ كنز العمال: 8/ 56 برقم 21846.

(4). سنن أبي داود: 2/ 468 برقم 4960؛ شرح صحيح مسلم للنووي: 14/ 118؛ كنز العمال:

16/ 426 برقم 45246؛ تفسير الآلوسي: 27/ 64.

(5). مسند أحمد: 5/ 217؛ سنن أبي داود: 2/ 344؛ سنن الترمذي: 2/ 441 برقم 1453؛ مستدرك الحاكم: 4/ 363؛ سنن البيهقي: 8/ 219 و 228.

235

عاشرها: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، و عن لحوم الأضاحي ألا فانتفعوا بها» (1).

حادي عشر: قوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى‏ نَفْسِهِ‏ (2).

ثاني عشر: القياس على خصال الكفّارة فإنّه قد سبق أنّ الواجب واحد، ثمّ إنّه تعالى فوّضها إلى المكلّف لمّا علم أنّه لا يختار إلّا ذلك الواجب، فكذا هنا.

ثالث عشر: الواجب في التكليف يمكن المكلّف من الفعل المخرج عن العهدة، فإذا قال له تعالى: «إنّك لا تفعل إلّا الصواب» علم أنّ كلّما يصدر عنه صواب، و كان متمكّنا من الخروج عن العهدة، فكان جائزا.

رابع عشر: إذا استوى عند المستفتي مفتيان، و أفتى أحدهما بالتحريم و الآخر بالإباحة تخيّر المستفتي بينهما، و لا فرق في العقل بين خبر يقول:

«بأيّهما شئت فإنّك لا تفعل إلّا الصواب» و بين «افعل ما شئت فإنك لا تفعل إلّا الصّواب».

خامس عشر: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لو لا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسّواك عند كلّ صلاة» (3).

____________

(1). صحيح مسلم: 3/ 65، كتاب الجنائز؛ سنن الترمذي: 3/ 370 برقم 1504؛ مستدرك الحاكم:

1/ 375؛ سنن البيهقي: 4/ 76؛ المعجم الأوسط: 1/ 82 و ج 6/ 274؛ الجامع الصغير للسيوطي: 2/ 297.

(2). آل عمران: 93.

(3). صحيح البخاري: 1/ 214، باب السواك يوم الجمعة، و ج 2/ 234، كتاب الصوم، و ج 8/-

236

سادس عشر: الإجماع عن الصحابة في قول أحدهم عن حكمه: «إن كان صوابا فمن اللّه و رسوله و إن كان خطأ فمنّي و من الشيطان» أضاف الحكم إلى نفسه و لم ينكر عليه أحد، فصار إجماعا، و لأنّ آحاد الصحابة كانوا يرجعون عمّا حكموا به أوّلا من غير إنكار عليه، و لو لم يكن ذلك من تلقاء نفسه بل عن‏ (1) دليل من الشارع لما ساغ ذلك منه، و لوجب على الباقين الإنكار عليه.

سابع عشر: إذا جاز الحكم بالأمارة الظنّية مع جواز الخطأ فيها، جاز الحكم بما يختاره المجتهد من غير دليل و إن جاز عدوله عن الصواب.

و الجواب عن الوجوه العشرة الّتي ذكرها مويس‏ (2) أوّلا: باحتمال أن يقال: ورد الوحي بها قبل تلك الوقائع مشروطا، كأن يقال له: إذا استثنى أحد شيئا فاستثني له، و كذا باقي الصور.

و تحريم إسرائيل على نفسه جاز أن يكون بالنذر، و يمنع تعيين الواجب المخير عند اللّه تعالى على ما تقدّم، و لأنّ إسرائيل (عليه السلام) لم يكن من جملة بنيه حتى يكون داخلا في عموم الآية.

____________

131، كتاب الأحكام؛ صحيح مسلم: 1/ 151، باب السواك؛ سنن ابن ماجة: 1/ 105، باب السواك؛ سنن أبي داود: 1/ 19، باب السواك؛ سنن الترمذي: 1/ 18 و 19، باب ما جاء في السواك؛ سنن النسائي: 1/ 12، باب السواك؛ مسند أحمد: 1/ 80 و 120؛ الكافي: 3/ 22 ح 1، باب السواك؛ بحار الأنوار: 73/ 126 ح 3 و 137 و ج 77/ 340 و 341.

(1). في «ب»: غير، و في «د»: من غير.

(2). راجع المحصول: 2/ 573- 574؛ الإحكام: 4/ 217- 219.

237

و أمّا الإذخر فقيل: إنّه ليس من الخلا فلا يدخل في التحريم، فإباحته للاستصحاب، و الاستثناء من العباس و النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان مؤكّدا.

و يجوز نزول الوحي بأمرهم بالسّواك الشاق عند كلّ صلاة إن اختار (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ذلك، لاستحالة استناد الأوامر الشرعية إليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لقوله تعالى:

وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏.

و إضافة العفو إلى نفسه بمعنى أنّه لم يأخذ صدقة الخيل و الرقيق منهم لا بمعنى أنّه المسقط لها.

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «و لو قلت نعم لوجبت» لا يدلّ على استناد الوجوب إلى قوله: «نعم» من تلقاء نفسه، بل لأنّه لا يقول ما يقول إلّا بوحي لما تقدّم.

و جاز أن يباح له القتل و تركه في ابن أبي سرح و النضر و ماعز.

و إضافة الخطأ إلى آحاد الصحابة لا يدلّ على أنّ من حكم منهم إنّما حكم من غير دليل، بل أنّه حكم بدليل في ظنّه ثم اظهر أنّه غالط فيه، و لو كان ذلك باعتبار اختيار أبيح لهم لم يشكّوا في كونه صوابا.

و رجوع آحاد الصحابة عن ما حكم به إلى غيره إنّما كان لظهور خطائه فيما ظنّه دليلا.

و لا يلزم من التخيير في خصال الكفّارة من غير اجتهاد جواز ذلك في الأحكام الشرعية، لأنّ للعامي التخيّر في الخصال بخلاف التخيّر في الأحكام.

238

و لا يلزم من العمل بالأمارة المفيدة للظن العمل بالاختيار من غير ظن مفيد للحكم.

و اعترض القائلون بالوقف على الأوّل من حجج المانعين‏ (1) بجواز كون الاختيار ممّا يتمّ به المصلحة و ليس فيه إسقاط للتكليف، لأنّه إذا قيل للرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إن اخترت الفعل فاحكم على الأمّة بالفعل، و إن اخترت الترك فاحكم بالترك» فهذا لا يكون إسقاطا للتكليف، بل يكون مكلّفا بأمر الخلق بمتعلق اختياره.

و فيه نظر، إذ البحث أعم موضوعا من التكليف بأمر الخلق.

و على قوله: لا يخلو المكلّف عن الفعل و الترك انّ الحكم على الخلق بالفعل أو الحكم بالترك قد ينفك عنهما. و فيه ما تقدّم.

قالوا: و يشكل بالمستفتي إذا اختلف المفتيان، و العذر واحد.

و نمنع عدم كثرة الاتّفاقي، فإنّ حكم المتّفقات في الماهية واحد.

و حال الأمثلة الّتي ذكرتموها كالكتابة و غيرها إن كانت مثل هذه الحال في المتنازع، افتقر الفرق بين القليل و الكثير إلى دليل، و منعنا الحكم فيها و إلّا امتنع القياس على أنّ القياس لا يفيد اليقين.

سلّمنا عدم دوام الاتّفاقي، لكن إذا لم يكن الاتّفاقي ببعض الجهات معلوم السبب بسائر الجهات، فإنّ من الجائز أن يعلم اللّه تعالى أنّ مصلحة

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 571- 573.

239

المكلّفين أكل الطعام الحلو في هذه السنة، و يعلم أنّهم خلقوا على وجه لا يشتهون إلّا الطعام الحلو، فإذا كان تناول الطعام الحلو مصلحة للمكلّف طول عمره، لم يكن جهله بكون الفعل مصلحة مانعا له في هذه الصورة من الإقدام عليه في أكثر أوقاته.

سلمنا تعذّر ذلك في الكثير، فجاز في القليل، و الإجماع ممنوع.

و على الثاني. نمنع وجوب تقدّم التمييز بين الحسن و القبيح على الفعل لما تقدّم في الجواب عن الأوّل.

سلّمنا، لكنّه حاصل هنا، إذا التقدير من المكلّف من فعل القبيح، و أي فرق بين نصب أمارة قبل الفعل و بين جعل الأمارة نفس الفعل، فإنّه على التقديرين يأمن الخطأ و لا يلزم ما قالوه من عدم الأمن من فعل القبيح لو لم تتقدّم الأمارة.

و على الثالث و الرابع. أنّ اللّه تعالى لمّا نصّ في تلك الصور بأنّ المكلّف لا يختار إلّا الصواب، فلم قلت: إنّه لا يجوز ورود الأمر بمتابعة إرادته؟ و لا يلزم من عدم التزام مويس ذلك عدم جواز التزام غيره له.

و على الخامس و السادس. إنّ قوله تعالى للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّك لا تحكم إلّا بالصواب» ورد في زمان متأخّر، و ما ذكروه ورد في زمان متقدّم، فلا يتنافيان.

240

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

241

الفصل الثاني: في التقليد

و فيه مطالب:

المطلب الأوّل: في ماهية التقليد

هو العمل بقول الغير من غير حجّة ملزمة، مأخوذ من تقليده بالقلادة و جعلها في عنقه، و ذلك كالأخذ بقول العامي، و أخذ المجتهد بقول من هو مثله. و حينئذ فالرجوع إلى قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و إلى ما أجمع عليه أهل العصر من المجتهدين، و رجوع العامي إلى قول المفتي، و عمل القاضي بقول الشاهدين ليس بتقليد، لاشتماله على الحجّة الملزمة لوجوب قبول قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و وجوب الرجوع إلى حكم الإجماع بقول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الآيات الدالّة عليه، و وجوب قبول قول المفتي و الشاهدين للإجماع عليه و قيام الأدلّة كالنصوص، و قد يسمّى ذلك تقليدا بعرف الاستعمال، و النزاع لفظي.

و أمّا المفتي فهو الفقيه، و قد تقدّم، و المستفتي مقابله.

و اعلم أنّ المفتي‏ (1) إمّا أن يكون قد بلغ رتبة الاجتهاد، أو لا يكون.

____________

(1). في «ج»: المستفتى.

242

فإن كان الأوّل فما أدّى إليه اجتهاده لا يجوز له مخالفته و لا التقليد فيه؛ و إن لم يكن قد اجتهد، فقد ذهب قوم إلى أنّه لا يجوز له اتّباع غيره.

و إن كان الثاني فإن كان عامّيا صرفا فقد اختلفوا في جواز التقليد له، و كذلك اختلفوا فيما إذا بلغ دون رتبة الاجتهاد. و الحق أنّ من لم يبلغ رتبته يجوز له التقليد.

و إذا تقرّر هذا فإن كان الاجتهاد متجزيا ظهر الفرق بين المفتي و المستفتي، فإنّ كلّ من كان أعلم من غيره في مسألة فهو مفت بالنسبة إلى ذلك الغير و الغير مستفت و إن لم يقل بالتجزية فالمفتي هو الّذي يكون من أهل الاجتهاد، و أمّا ما فيه الاستفتاء فهو المسائل الاجتهادية من الشرعيات دون العقليات.

المطلب الثاني: في المفتي‏

و فيه مباحث:

البحث الأوّل: في أنّه هل يجوز خلو الزمان عن مجتهد أم لا؟

اختلف الناس في أنّه هل يجوز خلو عصر من الأعصار عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه؟

فمنع منه قوم كالحنابلة و غيرهم، و جوّزه آخرون.

243

أمّا الإمامية فإنّ الزمان عندهم لا يجوز خلوّ المعصوم منه‏ (1) مع وجود التكليف، لكنّه لا يسمّى مجتهدا، لأنّ الأحكام عندهم متلقّاة من الوحي أو مستنبطة منه.

و أمّا المعتزلة فالقائلون بوجوب التكليف أوجبوا وجود مجتهد في كلّ عصر فيه تكليف، لاستحالة التكليف بما لا يطاق.

احتجّ الموجبون بوجوه‏ (2):

الأوّل: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر اللّه و حتى يظهر الدجال». (3)

____________

(1). اتّفقت الإمامية على أنّ الأرض لا تخلو من حجّة للّه على خلقه، إمّا ظاهر مشهور أو خائف مغمور. راجع اعتقادات الصدوق: 94، باب الاعتقاد في عدد الأنبياء و الأوصياء؛ الهداية: 8؛ غيبة الطوسي: 243؛ رسائل في الغيبة للمفيد: 2/ 15؛ كشف اليقين للعلامة: 74 و 185؛ أصل الشيعة و أصولها: 228؛ الشيعة في الإسلام: 53؛ إحقاق الحق: 19/ 705.

و قد وردت الروايات في ذلك عن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)؛ فعن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «لا تخلو الأرض من قائم بحجّة اللّه، إمّا ظاهر مشهور، و إمّا خائف مغمور، لئلّا تبطل حجج اللّه و بيّناته». و قد ورد هذا الحديث بصيغ مختلفة و ألفاظ متعددة. راجع: الكافي: 1/ 178، باب الأرض لا تخلو من حجة؛ بصائر الدرجات: 504، باب الأرض لا تخلو من حجّة؛ أمالي الصدوق: 253 ح 15؛ أمالي المفيد: 250؛ مناقب آل أبي طالب: 1/ 211؛ بحار الأنوار: 23/ 1- 56، باب الاضطرار إلى الحجة و أن الأرض لا تخلو من حجة؛ و غيرها كثير.

(2). ذكرها الآمدي في الإحكام: 4/ 239.

(3). مسند أحمد: 4/ 99 و 252؛ سنن الدارمي: 2/ 213؛ صحيح البخاري: 4/ 178 و ج 8/ 149، كتاب الاعتصام بالكتاب و السنة؛ صحيح مسلم: 6/ 52 و 53 (عبارة: و حتّى يظهر الدجال، غير موجودة في هذه المصادر). عوالي اللآلي: 4/ 62 برقم 13؛ الإحكام: 4/ 239.

244

و فيه نظر، لعدم الملازمة بين ارتكاب الحقّ و بين وجود المجتهد، لجواز الاستناد إلى قول المعصوم، أو أن يقال: يجوز الإصابة دائما اتّفاقا.

الثاني: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «وا شوقاه إلى إخواني» قالوا: يا رسول اللّه ألسنا إخوانك؟

فقال: «أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، و يصلحون إذا فسد الناس». (1)

و فيه نظر، لعدم دلالته على وجوب وجود المجتهد في كلّ وقت، بل يدلّ على وجود قوم صلحاء حال فساد الناس، و ليس ذلك من الاجتهاد في شي‏ء.

الثالث: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «العلماء ورثة الأنبياء». (2) و أحق الأمم بالوراثة بالورثة هذه الأمة، و أحق الأنبياء بإرث العلم عنه نبينا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و فيه نظر، لدلالته على استحقاق الإرث للعلماء لا على وجوب وجود الوارث.

الرابع: التفقّه في الدين و الاجتهاد فيه فرض كفاية بحيث يأثم الكلّ لو

____________

(1). الإحكام: 4/ 239. لم نعثر عليه في المصادر الحديثية لكن ورد مضمونه في المصادر التالية:

سنن النسائي: 1/ 94؛ مجمع الزوائد: 10/ 66؛ المعجم الأوسط: 5/ 341؛ كنز العمال: 12/ 183 و 184.

(2). سنن ابن ماجة: 1/ 81 برقم 223؛ سنن أبي داود: 2/ 175؛ سنن الترمذي: 4/ 153؛ مجمع الزوائد: 1/ 126؛ الكافي: 1/ 32 و 34؛ بحار الأنوار: 1/ 164 و 2/ 92 و 151.

245

تركوه، فلو جاز خلو العصر عن من يقوم به لزم اتّفاق أهل العصر على الخطأ و الضلال، و هو ممتنع بما تقدّم في دلائل الإجماع.

و فيه نظر، إذ ترك الواجب على الكفاية قد لا يتعقّبه الإثم بأن يظن كلّ طائفة قيام الغير به، فجاز في المتنازع ذلك.

الخامس: طريق معرفة الأحكام الشرعية إنّما هو الاجتهاد، فلو خلا العصر عن مجتهد يمكن الاستناد إليه في معرفة الأحكام، لزم تعطيل الشريعة و اندراس الأحكام، و هو ممتنع.

و فيه نظر، لمنع حصر الطريق في الاجتهاد.

و اعترض‏ (1) على النصوص بالمعارضة بنقيضها كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «بدأ الإسلام غريبا و سيعود كما بدأ». (2)

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ اللّه لا يقبض العلم انتزاعا، و لكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم، اتّخذ الناس رؤساء جهّالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا و أضلّوا». (3)

____________

(1). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4/ 240.

(2). صحيح مسلم: 1/ 90، باب أنّ الإسلام بدأ غريبا؛ سنن ابن ماجة: 2/ 1319، باب الإسلام بدأ غريبا؛ مجمع الزوائد: 7/ 277، باب أنّ الإسلام بدأ غريبا.

(3). صحيح البخاري: 1/ 34، كتاب العلم؛ صحيح مسلم: 8/ 60، باب رفع العلم؛ سنن ابن ماجة:

1/ 20؛ سنن الترمذي: 4/ 139 برقم 2790؛ مسند أحمد: 2/ 162؛ تحف العقول: 37؛ مستدرك الوسائل: 17/ 245 و 308؛ أمالي المفيد: 20، المجلس 3؛ بحار الأنوار: 2/ 83 و 110 و 121 و ج 74/ 141.

246

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «تعلّموا الفرائض و علّموها الناس، فإنّها أوّل ما ينسى». (1)

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «خير القرون القرن الّذي أنا فيه، ثمّ الّذي يليه، ثمّ الّذي يليه، ثمّ تبقى حثالة كحثالة التمر لا يعبأ اللّه بهم». (2)

و فيه نظر، لعدم دلالتها على خلو العصر من مجتهد، فإنّ غرابة الإسلام قد يجامع وجود مجتهدين قليلين، و كذا قبض العلماء يصدق مع قبض الأكثر، و نسيان الفرائض لا يستلزم نفي المجتهد، و انتهاء الحال إلى الحثالة يجامع قلة المجتهدين كما يصدق مع عدمهم.

و على الآخرين بأنّ التفقّه في الدين و التأهّل للاجتهاد فرض كفاية في كلّ عصر، إذا لم يمكن اعتماد العوام على الأحكام المنقولة إليهم في كلّ عصر عمّن سبق من المجتهدين في العصر الأوّل بالنقل المغلب على الظن، و لكن لا نسلّم امتناع ذلك.

و فيه نظر، لما يأتي من امتناع تقليد الميت.

و احتجّ المجوّزون‏ (3) بأنّ الامتناع ليس ذاتيا لعدم المحال لو فرض واقعا، و لا بغيره لأصالة عدمه.

____________

(1). سنن ابن ماجة: 2/ 908؛ مستدرك الحاكم: 4/ 332؛ سنن البيهقي: 6/ 209.

(2). الإحكام: 4/ 240. و لم نعثر عليه في المصادر الحديثية بهذا النص، و لكن ورد نحوه في المصادر التالية: عمدة القاري: 14/ 180؛ تفسير ابن كثير: 3/ 331؛ البداية و النهاية: 6/ 283.

(3). و هو مختار الآمدي في الإحكام: 4/ 239.

247

البحث الثاني: في تكرر الاجتهاد

المجتهد إذا أدّاه اجتهاده إلى حكم ما و أفتى به ثمّ سئل ثانيا عن تلك المسألة هل يجب عليه الاجتهاد ثانيا، أم لا؟

قال قوم: يجب تكرر الاجتهاد، لاحتمال أن يتغيّر اجتهاده و يطّلع على ما لم يطّلع عليه أوّلا.

و قال قوم: لا يجب، لأنّه فعل الواجب و خرج عن عهدة التكليف بالاجتهاد، و الأمر لا يقتضي التكرار، و الأصل عدم اطّلاعه على ما لم يطّلع عليه أوّلا.

و قال آخرون بالتفصيل، و هو انّه إن كان ذاكرا للطريق الأوّل فهو مجتهد و يجوز له الإفتاء، كما لو اجتهد في الحال. و إن نسيه لزم أن يستأنف الاجتهاد، لأنّه في حكم من لم يجتهد.

و فيه نظر، لأنّ غير المجتهد لا يظن الحكم و هذا ظان له، فيجب عليه العمل بما ظنّه؛ و لأنّ تجويز الاطّلاع ثانيا على ما لم يطّلع عليه أوّلا لو منع من العمل بما أدّاه اجتهاده مع الذكر أو النسيان، لم يستقر العمل بالاجتهاد إلّا مع إفادة اليقين بوجود المانع.

على كلّ تقدير إذا عرفت هذا فلو اجتهد لم يمنع منه إجماعا، فإن أدّاه اجتهاده الثاني إلى خلاف فتواه في الأوّل رجع عن الأوّل و أفتى بالثاني، و يعرّف المستفتي أوّلا برجوعه عن ذلك القول، لأنّ المستفتي إنّما يعوّل‏

248

على قوله، فإذا ترك هو قول نفسه بقي عمل المستفتي بغير موجب.

و قد روي عن ابن مسعود أنّه كان يقول في تحريم أمّ المرأة مشروط بالدخول، فذاكر الصحابة فكرهوا أن يتزوّجوا، فرجع ابن مسعود إلى المستفتي و قال: سألت أصحابي فكرهوا.

البحث الثالث: في الإفتاء عن الحكاية

اختلفوا في أنّ من ليس من أهل الاجتهاد هل يجوز له الإفتاء بمذاهب غيره من المجتهدين، و بما يحكيه عن الغير؟

فمنع منه أبو الحسين البصري‏ (1) و جماعة من الأصوليّين، لأنّه إنّما يسأل عمّا عنده لا عمّا عند غيره، و لأنّه لو جاز الإفتاء بطريق الحكاية عن مذهب الغير لجاز للعامي ذلك. و التالي باطل بالإجماع، فالمقدّم مثله، و الشرطية ظاهرة.

و قال آخرون بالجواز إذا ثبت ذلك عنده بنقل من يثق بقوله.

و قال آخرون بالتفصيل و هو من وجهين:

الأوّل: قال قوم‏ (2): إن كان المفتي مجتهدا في المذهب بحيث يكون له أهلية الاطّلاع على مأخذ المجتهد المطلق الّذي يقلّده، و قدرة التفريع على قواعد إمامه و أقواله، متمكّنا من الجمع و الفرق و النظر و المناظرة كان له‏

____________

(1). نقله عنه الآمدي في الإحكام: 4/ 241.

(2). و هو مختار الآمدي في الإحكام: 4/ 241.

249

الإفتاء تميّزا له عن العامّي، لانعقاد الإجماع من أهل كلّ عصر على قبول مثل هذا النوع من الفتوى، و إن لم يكن كذلك فلا.

الثاني: قال آخرون‏ (1): إن حكى عن ميت لم يجز الأخذ بقوله، إذ لا قول للميت، لانعقاد الإجماع مع خلافه بعد موته دون حياته، فدلّ على أنّه لم يبق له قول.

و فائدة تصنيف الكتب مع موت مصنّفها استفادة طريقة الاجتهاد من تصرّفهم في الحوادث، و كيفية بناء بعضها على بعض. و معرفة المجمع عليه من المختلف فيه.

و اعترض بأنّ الراوي إذا كان ثقة متمكّنا من فهم كلام المجتهد الفقيه العالم الّذي مات ثمّ روى للعامّي قوله، حصل عند العامّي ظنّ صدقه. فيظن أنّ حكمه تعالى ما روى له، و العمل بالظن واجب، فيجب على العامّي العمل به. و لانعقاد الإجماع في زماننا على جواز العمل بهذا النوع من الفتوى، لعدم المجتهد في هذا الزمان، و الإجماع حجة.

و فيه نظر، لأنّ غير المجتهد عامّي، فلا عبرة بالإجماع حينئذ.

و إن حكى عن حي مجتهد فإن سمعه منه مشافهة، جاز له العمل به، و جاز للغير المحكى له العمل أيضا، و لهذا ساغ للحائض الرجوع إلى قول زوجها فيما يحكيه عن المجتهدين.

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 526- 527.

250

و إن رجع إلى حكاية من يوثق به، فحكمه حكم السماع كما أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان ينفذ الآحاد إلى القبائل لتعريف الأحكام، و لو لا وجوب القبول عليهم لما كان للإنفاذ فائدة.

و إن رجع إلى كتاب، فإن وثق به جرى مجرى المكتوب من جواب المفتي في جواز العمل به، و لهذا كان (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يكتب الكتب و ينفذها إلى الأقطار.

و إن لم يثق به لم يجز العمل، لكثرة ما يتّفق من الغلط في الكتب، و هذا هو الأجود عندي.

المطلب الثالث: في المستفتي و شرائط الاستفتاء و محلّه‏

و فيه مباحث:

[البحث‏] الأوّل: في العامّي‏

اتّفق المحقّقون على أنّه يجوز للعامّي تقليد المجتهدين في فروع الشرع، و كذا من ليس بمجتهد و إن كان محصلا لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد، بل يجب عليه ذلك و الأخذ بقول المفتي.

و قال بعض معتزلة بغداد: لا يجوز ذلك إلّا بعد أن يتبيّن له صحّة اجتهاده بدليله.

و قال أبو علي الجبّائي: يجوز ذلك في مسائل الاجتهاد دون غيرها كالعبادات الخمس. (1)

____________

(1). للاطّلاع على الأقوال راجع الإحكام: 4/ 234.

251

لنا وجوه‏ (1):

الأوّل: قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (2) أمر بالسؤال، و هو عام لكلّ من لا يعلم و هو عام أيضا.

و فيه نظر أمّا أوّلا: فللمنع من العموم، إذ ليست الصيغة من صيغ العموم.

و أمّا ثانيا: فلوروده عقيب إرسال الرجال‏ (3) فيعود عليه.

الثاني: الإجماع فإنّه لم تزل العامّة في زمن الصحابة و التابعين قبل حدوث المخالفين يرجعون في الأحكام إلى قول المجتهدين و يستفتونهم في الأحكام الشرعية، و العلماء يسارعون إلى الأجوبة من غير إشارة إلى ذكر دليل و لا ينهونهم عن ذلك، فكان إجماعا.

الثالث: العامّي إذا حدثت به حادثة [فإن لم يكن‏] متعبّدا بشي‏ء [فهو باطل‏] و ليس مجازا إجماعا، بل لا بدّ من طريق [الاستدلال‏]، و ليس البحث و النظر في الدليل المثبت للحكم [أمرا ميسورا] للإفضاء ذلك إلى تعطيل المعاش و الاشتغال بالفكر في فروع المسائل عن مصالح العباد، و هو يستلزم خراب الدنيا و فساد الحرث و النسل، و ذلك من أعظم الحرج المنفي بقوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (4) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا ضرر

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 527؛ الإحكام: 4/ 234.

(2). النحل: 43.

(3). إشارة إلى قوله سبحانه: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ النحل: 43.

(4). الحج: 78.

252

و لا إضرار في الإسلام» (1)، و لا يكفي التمسّك بالبراءة الأصلية إجماعا.

[فتعيّن الثاني أي التقليد] (2).

الرابع: لو لزمه الاستدلال لم يكن حال كمال عقله لوجهين:

أ. أنّ الصحابة لم يلوموا تارك طلب العلم و لم يطلب رتبة المجتهد في أوّل كمال عقله.

ب. يمنعه ذلك من الاشتغال بأمور الدنيا كما بيّنّا.

و لا حال حدوث الواقعة، و إلّا لوجب عليه اكتساب صفة المجتهد عند نزول الحادثة، و هو غير مقدور.

لا يقال: المانعون من جواز التقليد لا يقولون بالإجماع و لا بخبر الواحد، و لا يجوز التمسّك بالظواهر المحتملة. و حينئذ يسهل الأمر عليهم، فإنّهم قالوا: ثبت أنّ الأصل عقلا في اللّذات الإباحة، و في المضار التحريم؛ فإن ورد في بعض الحوادث نصّ قاطع في متنه و دلالته يقتضي ترك ذلك الأصل، عملنا به. و إلّا وجب البقاء عليه، فالعامّي إذا حدث به نازلة و به شي‏ء من الذكاء، عرف حكم العقل فيه؛ و إن كان في غاية البلادة، نبّهه المفتي على حكم العقل.

____________

(1). مسند أحمد: 1/ 313؛ مجمع الزوائد: 4/ 110؛ من لا يحضره الفقيه: 3/ 233 و ج 4/ 334 برقم 5718؛ عوالي اللآلي: 1/ 383 برقم 11 و ج 2/ 74 برقم 195؛ بحار الأنوار: 73/ 345.

(2). ما بين المعقوفتين إضافة منا يقتضيه كمال المعنى؛ و العبارة في جميع النسخ مشوشة و تمّ تصحيحها وفق «المحصول» و «الإحكام».

253

و كما أنّ طلب المعاش غير مانع من الاشتغال في مسائل الأصول، كذا لا يمنع من معرفة هذا القدر اليسير، لأنّ وجود نص قاطع المتن و الدلالة يدركه بأدنى إشارة من قول المفتي. و إن لم يوجد نبّهه على حكم الأصل.

نعم المنع من التقليد يصعب عند الموجبين للعمل بالقياس و خبر الواحد، أمّا من يمنعهما فلا صعوبة و لو منع المعاش عن ذلك لكان منعه عن وجوب النظر في مسائل الأصول أولى، لما فيها من الصعوبة و الافتقار إلى الكدّ الشديد، و معلوم أنّ الصحابة كانوا يلومون من لم يتعلّم علم الكلام في أوّل زمان بلوغه.

لأنّا نقول‏ (1): الواجب في معرفة مسائل الأصول معرفة أدلّة التوحيد و النبوة إجمالا لا تفصيلا، و هو سهل يحصل بأدنى تأمّل، بخلاف فروع الشرع المفتقرة إلى علوم كثيرة و بحث شديد. و إنّما يتمّ هذا الفرق إذا حصل الفرق بين صاحب الجملة و التفصيل. و هو باطل، لأنّ الدليل المركّب من مقدّمات عشر مثلا، لو حصلت مقدّماته للمستدلّ بأسرها حصل العلم من غير زيادة، لأنّ العشرة مستقلة بالانتاج فيستحيل ضم أخرى إليها مؤثّرة فيه.

و إن لم يحصل العلم بأسرها، بل حصل بعضها بالضرورة أو بالدليل و البعض بالتقليد، كانت النتيجة مستندة إلى التقليد، فالتمسّك بالدليل لا يقبل الزيادة و لا النقصان، كما يقال: صاحب الجملة يكفيه الاستدلال على ثبوت الصانع بالحوادث المتجدّدة. و هو باطل، لأنّ هذه الحوادث لا بدّ لها من مؤثر،

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 528- 530.

254

و هو معلوم للعوام؛ و ذلك المؤثر مختار، و هو غير معلوم لهم، فإنّه ما لم يثبت أنّه ليس بموجب لم يجب اسناده إلى المختار، فقطع العامّي بأنّه مختار من دون الاستدلال عليه، يكون تقليدا في هذه المقدّمة و في النتيجة.

و إذا شاهد فعلا خارقا للعادة صدر عن بشر أو استدلّ به على ثبوته من غير أن يبرهن على أنّه من فعله تعالى دون خاصية نفس الرسول، أو خاصية دواء أو فعل جنّي، أو ملك.

و على أنّه تعالى فعله لغرض التصديق لا غير كان مقلّدا في بعض المقدّمات، فكذا في النتيجة فبطل فرقهم بين صاحب الجملة و التفصيل. فلم يبق إلّا أن يقال: «أدلّة الأصول على التفصيل سهل» (1) و هو مكابرة، أو أنّه يجوز التقليد فيهما، فينتفي الفرق بينهما.

احتجّ المانعون بوجوه‏ (2):

الأوّل: قوله تعالى: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (3). و التقليد قول بغير المعلوم فكان منهيا عنه.

الثاني: أنّه تعالى ذمّ المقلّدين في قوله تعالى: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى‏ آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ‏ (4) فلا يكون جائزا لقبح الذم على الجائز.

____________

(1). أي أنّ الإحاطة بالأدلة على تفصيلها و تدقيقها شي‏ء سهل و يسير.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 531- 532.

(3). البقرة: 169.

(4). الزخرف: 23.

255

الثالث: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم و مسلمة» (1) خرج بعض العلوم عنه، للإجماع، فيبقى العلم بفروع الشريعة داخلا فيه.

الرابع: القول بجواز التقليد يفضي إلى بطلانه، لأنّه يقتضي جواز تقليد من يمنع من التقليد، فيكون باطلا.

الخامس: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «اجتهدوا فكلّ ميسّر لما خلق له» (2) أمر بالاجتهاد مطلقا.

السادس: التقليد ارتكاب لما لا يؤمن معه الخطأ و الضرر، فيكون منهيا عنه.

بيان ذلك: أنّه لا يأمن فسق من قلّده و كذبه و غلطه في الاجتهاد، فيلزم أمر العامّي باتّباع الخطأ و الكذب و الفسق، و هو غير صادر من الشارع لقبحه.

السابع: لو جاز التقليد في الأمور الشرعية لجاز في مسائل الأصول.

و التالي باطل، فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّ المقتضي لجواز التقليد هناك ليس إلّا حصول أمارة

____________

(1). سنن ابن ماجة: 1/ 81؛ مجمع الزوائد: 1/ 119 و 120؛ كنز العمال: 10/ 130 و 131 و 138؛ الكافي: 1/ 30 و 31؛ بحار الأنوار: 1/ 171 و 172 و 177 و 179 و 180.

(2). صحيح البخاري: 6/ 86، تفسير سورة الانشراح؛ صحيح مسلم: 8/ 47، باب كيفية خلق الآدمي؛ سنن ابن ماجة: 1/ 30؛ سنن الترمذي: 3/ 302 برقم 2219؛ مسند أحمد: 1/ 82 و 157 و ج 3/ 304. و قد علّق على هذا الحديث العلّامة الطباطبائي و ناقشه في الميزان: 11/ 35 و ما بعدها، فراجع.

256

توجب ظن صدق المفتي، و العمل بالظن واجب، و هذا المقتضي ثابت هنا، فثبت الاكتفاء بالفتوى في الأصول.

و الجواب عن الأوّل. النقض بالظنون الّتي يجب العمل بها، كالأمور الدنيوية و قيم المتلفات و أروش الجنايات، و خبر الواحد و القياس لو جوّزوا العمل بهما. و ينتقض بالشهادة، و لأنّه مشترك الإلزام فإنّ النظر و الاجتهاد إنّما يثمر الظن، و هو قول بما ليس بمعلوم و لا بدّ من سلوك أحدهما، و ليس في الآية دليل على تعيين امتناع أحدهما، فإذن الواجب حملها على ما لا يعلم فيما يشترط فيه العلم.

و عن الثاني. بالحمل على ذمّ التقليد فيما يطلب فيه العلم جمعا بين الأدلّة.

و عن الثالث. أنّه متروك بالإجماع في صورة النزاع، فإنّ الناس بين قائلين: قائل بوجوب التقليد، و قائل بوجوب النظر و الاجتهاد، و كلاهما لا يفيدان العلم.

و عن الخامس. نمنع دلالته على الوجوب، و لو دلّ على الاجتهاد فلا عموم له بالنسبة إلى كلّ مطلوب، فلا يلزم دخول صورة النزاع فيه.

سلّمنا عمومه، لكن يحمل على من له أهلية الاجتهاد جمعا بين الأدلة.

و عن السادس. أنّه مشترك الإلزام، فإنّ العامّي و إن اجتهد فلا يأمن من وقوع الخطأ فيه، بل هو أقرب إلى الخطأ لعدم أهليته.