نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج5

- العلامة الحلي المزيد...
508 /
257

و عن السابع. بما تقدّم من الفرق بين ما يطلب فيه العلم و ما يطلب فيه الظن.

و أمّا عموم جواز التقليد في مسائل الاجتهاد و غيرها، فلأنّا لو كلّفناه الفصل بين الأمرين لكنّا قد ألزمناه بأن يكون من أهل الاجتهاد لتوقّف الفصل عليه، فيعود المحذور.

احتجّ الجبّائي‏ (1): بأنّ ما ليس من مسائل الاجتهاد الحقّ فيه واحد، فتجويز التقليد فيه يستلزم عدم الأمن من التقليد في خلاف الحق، بخلاف مسائل الاجتهاد لتصويب كلّ مجتهد فيها.

و الجواب. نمنع إصابة كلّ مجتهد.

سلّمنا، لكن لا نأمن في مسائل الاجتهاد من التقصير في الاجتهاد من المفتي، بل تركه و من الإفتاء بغير ما أدّاه اجتهاده إليه.

فإن قلت: مصلحة العامّي العمل بما يفتيه المفتي.

قلنا: و كذا الأمر في صورة النزاع.

____________

(1). نقله عنه الرازي في المحصول: 2/ 532.

258

البحث الثاني: في غير العامّي‏

الرجل الّذي تنزل به الواقعة إن كان عامّيا صرفا وجب عليه الاستفتاء كما تقدّم.

و إن كان عالما فإما أن يبلغ رتبة الاجتهاد، أو لا.

و الثاني يجوز له الاستفتاء على الأقوى.

و الأوّل إمّا أن يكون قد اجتهد، أو لا. فإن اجتهد و غلب على ظنّه حكم، لم يجز له أن يقلّد مخالفه و يعمل بظن غيره إجماعا.

و إن لم يجتهد لم يجز له التقليد أيضا. و هو مذهب أكثر الأشاعرة.

و قال أحمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه و سفيان الثوري: يجوز للعالم أن يقلّد العالم مطلقا. و عن أبي حنيفة في ذلك روايتان. (1)

و فصّل آخرون و ذكروا فيه وجوها (2):

الأوّل: قال الشافعي في القديم: يجوز لمن بعد الصحابة تقليد الصحابة، و لا يجوز تقليد غيرهم.

الثاني. قال محمد بن الحسن الشيباني: يجوز للعالم تقليد الأعلم.

الثالث. قال بعض العراقيين: يجوز التقليد فيما يخصّه دون ما يفتي به.

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 534- 535.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 535.

259

الرابع. قال ابن سريج: يجوز أن يقلّد فيما يخصّه إذا خاف الفوات لو اشتغل بالاجتهاد.

لنا وجوه‏ (1):

الأوّل. أنّه مأمور بالاعتبار، و لم يأت به، فيكون عاصيا. و لا ينتقض بالعامي لعجزه. و فيه ما تقدّم.

الثاني. أنّه متمكّن من الوصول بفكره إلى حكم المسألة، فيحرم عليه التقليد كما في مسائل الأصول. و الجامع وجوب الاحتراز عن الخطأ المحتمل عند القدرة على الاحتراز عنه.

لا يقال: المعتبر في الأصول اليقين و لا يحصل بالتقليد بخلاف الفروع المعتبر فيها الظن، و يمكن حصوله بالتقليد، و لهذا حرم على العامي التقليد في الأصول دون الفروع.

و ينتقض ما ذكرتموه بقضاء القاضي حيث يحرم مخالفته، و إن تمكن من معرفة الحكم، فإنّه لا معنى للتقليد سوى وجوب العمل من غير حجّة.

و ينتقض بالقريب من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإنّه يجوز أن يسأل الواسطة مع تمكّنه من سؤاله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

لأنّا نجيب عن الأوّل. بأنّا إنّما أوجبنا على المكلّف تحصيل اليقين لقدرته، و الدليل حاضر، فوجب عليه تحصيله حذرا من الخطأ المحتمل.

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 535- 536.

260

و هذا المعنى حاصل في مسألتنا للمكلّف و الدليل المعيّن للظن الأقوى حاصل، فوجب عليه تحصيله احترازا عن الخطأ المحتمل في الظن الضعيف.

و عن الثاني. أنّ الدليل لمّا دلّ على عدم قبح قضاء القاضي بالاجتهاد لم يكن العمل به تقليدا، بل لذلك الدليل.

و عن الثالث. نمنع الاكتفاء بسؤال الواسطة مع القدرة على سؤال الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

احتجّ المخالف بوجوه‏ (1):

الأوّل: قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (2).

و العالم قبل اجتهاده لا يعلم، فجاز له السؤال.

الثاني: قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (3). و العلماء من أولي الأمر لنفوذ أمرهم على الأمراء و الولاة.

الثالث: قوله تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ‏ (4). أوجب الحذر عند إنذار الفقيه مطلقا، فيتناول العالم كالعامي.

الرابع: إجماع الصحابة عليه، فإنّ عبد الرحمن بن عوف قال لعثمان:

____________

(1). ذكرها مع الأجوبة عنها الرازي في المحصول: 2/ 536- 538.

(2). النحل: 43.

(3). النساء: 59.

(4). التوبة: 122.

261

أبايعك على كتاب اللّه و سنّة رسوله و سيرة الشيخين، فقبل، و لم ينكر عليه باقي الصحابة الحاضرون.

لا يقال: إنّ عليا (عليه السلام) خالف فيه.

لأنّا نقول: إنّه لم ينكر جوازه، لكنّه لم يقبله، و لكن لا يوجبه حتى يضرّنا ذلك.

الخامس: حكم يسوغ فيه الاجتهاد، فجاز لغير العالم به تقليد العالم كالعامّيّ، و الجامع وجوب العمل بالظن المستند إلى قول المفتي.

السادس: الإجماع على قبول خبر الواحد عن المجتهد، بل عن العامّيّ.

و وجوب عمل المجتهد به اعتمادا على عقله و دينه، و هنا قد أخبر المجتهد عن منتهى اجتهاده بعد بذل الجهد، فجواز العمل به أولى.

السابع: إذا ظنّ المجتهد العمل بفتوى مجتهد آخر، فقد ظنّ أنّ حكم اللّه ذلك، فيحصل ظن العقاب بترك العمل، فيجب العمل دفعا للضرر المظنون.

و الجواب عن الأوّل. أنّ الأمر يقتضي وجوب السؤال، و هو منفي في حقّ العالم إجماعا و لأنّه يقتضي وجوب السؤال على المجتهد بعد اجتهاده، لأنّه بعد الاجتهاد غير عالم، بل ظان و هو منفي بالإجماع. و لأنّه أمر بالسؤال من غير تعيين المسئول عنه، فيحمل على السؤال عن وجه الدليل.

و فيه نظر، لأنّ المراد بالعلم هنا يحتمل ما يشتمل العلم و الظن.

262

سلّمنا، لكن سؤال‏ (1) أهل الذكر أي العالم ممنوع، و المسئول هنا ليس بعالم، فامتنع السؤال لتعذّره.

و عن الثاني. نمنع عموم وجوب الطاعة على كلّ شي‏ء و إن دلّت على وجوبها مطلقا، فيحمل على وجوب الطاعة في القضايا و الأحكام. و لو دلّت الآية على تناول صورة النزاع، لوجب التقليد، و هو منفي إجماعا.

و فيه نظر، لأنّ الغرض بالآية إنّما يتمّ بالتعميم، و لأنّ المفعول عام بالنسبة إلى اللّه تعالى، فكذا في المعطوف عليه لاتّحاد الفعل. و نمنع الإجماع على عدم وجوب التقليد مع عدم التمكّن من الاجتهاد و لضيق الوقت أو لغيره من الأعذار.

و عن الثالث. أنّ الآية دالّة على وجوب الحذر عند إنذاره لا عند كلّ إنذار، و نحن نقول بالأوّل فإنّا نوجب العمل بروايته.

و فيه نظر، لأنّ الإنذار عقيب التفقّه إنّما يفهم منه الإفتاء.

و عن الرابع. يحتمل أن يكون المراد من سيرة الشيخين طريقتهما في العدل.

و عن الخامس. بالفرق، فإنّ العامّيّ عاجز فجاز له التقليد، بخلاف العالم.

و عن السادس. أنّ المفتي ربّما بنى اجتهاده على خبر الواحد، فإذا

____________

(1). في «أ» و «ب»: المسئول.

263

تمسّك به المجتهد أوّلا كان احتمال الغلط فيه أقل ممّا إذا قلّد غيره.

و فيه نظر، إذ قد يكون اجتهاد المفتي أقوى من اجتهاده، أو مساويا، أو أضعف.

و عن السابع. أنّ مجرّد الظن يجب العمل به إذا لم يصرفنا عنه دليل سمعي، و ما ذكرناه من الأدلّة السمعية يوجب العدول عنه.

البحث الثالث: في شرائط الاستفتاء

الإجماع على أنّه لا يجوز استفتاء من اتّفق، بل يجب أن يجمع المفتي وصفين:

أ. الاجتهاد.

ب. الورع.

و لا يجب على المستفتي الاجتهاد البالغ في معرفة المجتهد المتورّع، بل يكفيه البناء على الظاهر، و ذلك بأن يراه منتصبا للفتوى بمشهد الخلق، و يرى اجتماع الخلق عليه و الانقياد إلى ما يفتيهم به، و إقبال المسلمين على سؤاله.

و قد وقع الإجماع على أنّه لا يجوز أن يقلّد من يظنّه غير عالم، و لا متديّن و إنّما وجب عليه ذلك، لأنّه بمنزلة نظر المجتهد في الأمارات.

و إذا تعدّد المجتهدون، فإن اتّفقوا على الحكم وجب على المستفتي‏

264

العمل به، و إن اختلفوا وجب على المستفتي الاجتهاد في معرفة الأعلم الأورع، لأنّ ذلك طريق إلى قوة ظنه يجري مجرى قوة ظن المجتهد. و هو قول جماعة من الأصوليّين و الفقهاء و أحمد بن حنبل و ابن سريج من الشافعية و القفّال منهم. و الكتاب العزيز يدلّ عليه و هو قوله تعالى: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏ (1).

و قال آخرون، كالقاضي أبي بكر و جماعة من الأصوليّين و الفقهاء:

لا يجب عليه الاجتهاد، بل يتخيّر في الرجوع إلى من شاء منهم، لأنّ العلماء في كلّ عصر لم ينكروا على العوام في ترك النظر في أحوال العلماء، و هو ممنوع.

فإذا اجتهد، فإن ظنّ الاستواء مطلقا تخيّر في تقليد من شاء كالدليلين المتعارضين و لا ترجيح. و قيل: بعدم جواز وقوعه كما لا يجوز استواء أمارتي الحل و الحرمة. و قيل: يسقط التكليف، لأنّا جعلنا له أن يفعل ما شاء.

و إن ظنّ الرّجحان مطلقا تعيّن عليه العمل بقول الراجح، كما لو حصل للمجتهد رجحان إحدى الأمارتين.

و إن ظنّ رجحان كلّ منهما على الآخر باعتبار ففيه صور (2):

الأولى: أن يستويا في الدين و يتفاضلا في العلم، فالحقّ وجوب الأخذ

____________

(1). يونس: 35.

(2). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 533- 534.

265

بقول الأعلم، لمرتبته و رجحانه و لهذا تقدّم في الصلاة؛ و لأنّ ظن إصابته للحق أقوى فيتعيّن العمل بقوله.

و قيل: يتخيّر بينهما، و ليس بمعتمد.

الثانية: أن يتساويا في العلم و يتفاضلا في الدين، فالأقرب وجوب الأخذ بقول الأدين، لقوة الظن؛ و يحتمل التخيير، إذ مناط التقليد و هو الورع و العلم موجود و لا ترجيح فيما يتعلّق بالاجتهاد الّذي هو العلم.

الثالثة: أن يكون أحدهما أرجح في دينه و الآخر في علمه، فالأقرب ترجيح الأعلم، لاستفادة الحكم من علمه لا من دينه. و قيل‏ (1): يؤخذ بقول الأدين. و الوجه الأوّل.

لا يقال: العامي ربّما اغترّ بالظواهر فيقدّم المفضول على الفاضل و يستفتي من يتعيّن استفتاء غيره، فيجب عليه الاجتهاد فيمن يقلده و البحث عنه و عن اجتماع الشرائط فيه، فإنّه لو جاز أن يحكم بغير بصيرة في ترجيح بعض العلماء على بعض، فليجز أن يحكم في المسألة بما يقع له ابتداء، إذ لا فرق بين الأمرين.

لأنّا نقول: إن أردت بالاجتهاد في معرفة الأفضل استفادته من تواتر الأخبار عن الفاضل بأنّه أفضل و من إذعان المفضول له و من الأمارات الدالّة عليه و القرائن الّتي لا تخفى دون البحث عن نفس العلم، فهو مسلّم و نحن نشترط ذلك و نوجبه، و أمّا ما عدا ذلك فلا.

____________

(1). القائل هو الرازي في المحصول: 2/ 534.

266

تذنيب: في عدول المقلّد في غير ما قلّد فيه‏

إذا تبع العامّيّ بعض المجتهدين في حكم حادثة و عمل بقوله فيها، لم يجز له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك إلى غيره، إجماعا.

و الوجه عندي جواز العدول إلى غيره في مساواته لا فيه نفسه.

و هل له اتّباع غير ذلك المجتهد في حكم آخر؟

اختلفوا (1): فمنهم من جوزه و هو الوجه عندي، إذ العلماء لم يوجبوا في كلّ عصر رجوع من استفتاهم في حكم إليهم في جميع الأحكام، بل سوّغ الصحابة و غيرهم استفتاء العامّي لكلّ عالم في مسألة، و لم يحجروا على العامّة في ذلك، و لو كان ذلك واجبا لمّا سوغوا السكوت عنه؛ و لأنّ كلّ مسألة لها حكم مختصّ بها، فكما لم يتعيّن في المسألة الأولى الاتّباع لشخص معين، بل كان مخيّرا في اتّباع من شاء، فكذا باقي المسائل لعدم الربط بينها، و بعضهم منع من ذلك. و ليس بجيد.

أمّا لو عيّن العامّي لنفسه مذهبا معينا، كمذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو غيره و قال: أنا على مذهبه و ملتزم به، فهل له الرجوع إلى الأخذ بقول غيره في مسألة من المسائل؟

اختلفوا (2): فجوّزه قوم، لأنّ التزامه بمذهب معيّن غير ملزم له.

____________

(1). راجع الإحكام: 4/ 242- 243.

(2). راجع الإحكام: 4/ 243.

267

و منع منه آخرون، لأنّه بالتزامه المذهب صار لازما له كما لو التزم مذهبه في حكم حادثة. و قيل: إنّ كلّ مسألة من مذهب الأوّل اتصل عمله بها فليس له تقليد الغير فيها، و ما لم يتّصل عمله بها فلا مانع له من اتّباع غيره فيها. هذا خلاف الجمهور.

أمّا الإمامية فلمّا كانت الإمامة عندهم ركنا في الدين و أصلا من أصوله، لم يجز التقليد فيها و أوجبوا اتّباع أئمتهم و من يدين بمقالتهم خاصة في كلّ الأحكام.

البحث الرابع: في محلّه‏

قد بيّنا أنّه يجوز التقليد في المسائل الفروعية الاجتهادية و بيّنا الخلاف فيه، و أمّا المسائل الأصولية فالحقّ أنّه لا يجوز التقليد في مسائل أصول الدين- كوجود الصانع و ما يجب له و يمتنع، و النبوة، و العدل و غيرها- للمجتهد و لا للعامي، بل يجب على كلّ واحد منهما النظر و البحث خلافا لعبيد اللّه بن الحسن العنبري و الحشوية و التعليمية حيث ذهبوا إلى جوازه، بل ربّما ذهب بعضهم إلى وجوبه. (1)

لنا وجوه‏ (2):

الأوّل: أنّ تحصيل العلم في أصول الدين قد كان واجبا على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فيكون واجبا علينا.

____________

(1). راجع الإحكام: 4/ 229.

(2). راجع الإحكام: 4/ 229- 230؛ المحصول: 2/ 539.

268

أمّا الأولى فلقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ‏ (1) و أمّا الثانية فلقوله: وَ اتَّبِعُوهُ‏ (2) و غيرها من الأدلّة الدالّة على وجوب التأسّي.

لا يقال: نمنع إمكان إيجاب العلم باللّه تعالى، لأنّ المأمور إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره، و حال ما يمتنع أن يكون عالما بأمره يمتنع كونه مأمورا من قبله، و إلّا لزم تكليف ما لا يطاق. و إن كان عالما به استحال أمره بالعلم به لاستحالة تحصيل الحاصل.

لأنّا نقول: قد بيّنا أنّ الحق أنّ وجوب المعرفة و النظر عقلي لا سمعي و دلالة السمعي للمطابقة و التوافق. (3)

الثاني: القرآن دلّ على ذمّ التقليد في مواضع متعدّدة. خرج عنه التقليد في المسائل الفرعية لمشقّة الاجتهاد، فينصرف ذمّ التقليد إلى مسائل الأصول.

الثالث: الإجماع على أنّه لا يجوز تقليد غير المحقّ، و إنّما يعلم المحقّ من غيره بالنظر و الاستدلال على أنّ ما يقوله حق و صواب، فإذن لا يجوز له التقليد إلّا بعد الاستدلال، و إذا صار مستدلّا امتنع كونه مقلّدا.

اعترض، بالمعارضة بالتقليد في الأمور الشرعية، فإنّه لا يجوز له تقليد المفتي إلّا إذا كان المفتي قد أفتاه بناء على الدّليل الشرعي، فإن اكتفيت بالظن‏

____________

(1). محمد: 19.

(2). الأعراف: 158.

(3). في «أ» و «ب»: التوفيق.

269

و إن كان المفتي مخطئا لحطّ ذلك الخطأ عنه فليجز مثله في مسائل الأصول.

و فيه نظر، للفرق بين الخطأ في المسائل الأصولية و الفرعية، فإنّ الخطأ في الأولى يقتضي التكفير بخلافه في الثانية، فساغ في الثانية ما لم يسغ في الأولى.

الرابع: النظر واجب، لأنّه لمّا نزل قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ (1) الآية، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ويل لمن لاكها بين لحييه و لم يتفكّر فيها» (2) توعّد على ترك النظر و التفكّر فيها. فيكون واجبا، و التقليد ترك لهذا الواجب فيكون حراما.

الخامس: الإجماع على وجوب المعرفة و ما يجب عليه و يمتنع.

و التقليد ليس طريقا إلى المعرفة، لأنّ تقليد من ليس بمعصوم لا يوجب العلم لجواز الكذب عليه؛ و لأنّه لو أفاد التقليد العلم، لزم اجتماع الضدين على تقدير تقليد من يعتقد الحدوث و من يعتقد القدم؛ و لأنّ العلم الحاصل عن التقليد ليس ضروريا لعدم الاشتراك، و لا نظريا لعدم دليله.

احتجّ المخالف بوجوه‏ (3):

الأوّل: النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يكلّف الأعرابي الجاهل بأكثر من تلفّظه بالشهادتين، و كان يحكم بإيمانه باعتبار تلفّظه بهما، و ما ذلك إلّا للتقليد.

____________

(1). البقرة: 164.

(2). تخريج الأحاديث و الآثار: 1/ 261؛ الإحكام: 4/ 229.

(3). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 539- 540؛ و الآمدي في الإحكام: 4/ 230.

270

الثاني: معلوم أنّ هذه العلوم إنّما تحصل بعد الممارسة الشديدة و البحث الطويل، و أكثر الصحابة لم يمارسوا شيئا منها فيستند اعتقادهم إلى التقليد.

الثالث: إنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يسأل أحدا تلفظ بكلمة الشهادة هل علمت حدوث الأجسام أم لا؟ و هل علمت أنّه تعالى قادر أو لا؟ إلى غير ذلك من المسائل. فعلم أنّ حضور تلك المسائل غير معتبر في الإيمان لا تقليدا و لا علما.

الرابع: النظر غير واجب للنهي عنه في قوله تعالى: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا (1) و النظر يفتح باب الجدال.

و لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رأى الصحابة يتكلّمون في مسألة القدر فنهاهم عن الكلام فيها و قال: «إنّما هلك من كان قبلكم لخوضهم في هذا» (2).

و لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «عليكم بدين العجائز» (3) و المراد ترك النظر، فلو كان واجبا لم يكن منهيا عنه.

و لأنّه لم ينقل عن أحد من الصحابة الخوض في مسائل الكلام مطلقا، و لو وجد ذلك منهم لنقل كما نقل عنهم النظر في المسائل الفقهية، و لو كان واجبا لكانوا أولى بالمحافظة عليها.

____________

(1). غافر: 4.

(2). الإحكام: 4/ 230. لم نعثر عليه في المصادر الحديثية.

(3). البداية و النهاية: 12/ 189؛ تفسير الرازي: 2/ 95؛ الإحكام: 4/ 230.

271

و لأنّه لم ينقل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا عن أحد من الصحابة و التابعين و من بعدهم الإنكار على العوام في ترك النظر، بل حكموا بإسلامهم و أقرّوهم على جهلهم.

الخامس: النظر مظنّة الوقوع في الشبهات و التورّط في الضلال، بخلاف التقليد فإنّه أقرب إلى السلامة، فيكون أولى.

السادس: الأصول أغمض أدلّة من الفروع و أخفى، فإذا جاز التقليد في الأسهل كان الجواز في الأصعب أولى.

السابع: الأصول و الفروع سواء في التكليف بهما، و قد جاز التقليد في الفروع فليجز في الأصول.

و الجواب عن الأوّل. أنّ فيه نظرا لمنع الاكتفاء بالشهادتين، لورود الأمر بالنظر و الفكر كما في قوله تعالى: قُلِ انْظُرُوا (1)، أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ (2)، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ (3)، إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ‏ (4) إلى غير ذلك من الآيات.

و في الثاني نظر لأنّ الصحابة لمشاهدتهم المعجزات و قوة معارفهم‏

____________

(1). يونس: 101.

(2). الروم: 8.

(3). الزمر: 9.

(4). الرعد: 19.

272

و شدة ذكائهم لا يحتاجون إلى تعب شديد في إدراك معارفهم، فلهذا لم يحتاجوا إلى الطلب الشديد.

و في الثالث نظر، لاحتمال أن يكون (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) علم من حاله العلم بشرائط الإسلام، أو أنّه كان يقبل منه ذلك للتمرس ثمّ يتبين له بعد وقت ما يحتاج إليه من المعارف.

و عن الرابع: بأنّ المراد الجدال بالباطل كما في قوله تعالى: وَ جادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ‏ (1) و لم يرد الجدال بالحقّ لقوله: وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ (2)، وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ (3).

و لو كان الجدال مطلقا منهيا عنه لما أمر به.

و النظر غير منهي عنه لورود الثناء على فاعله في قوله تعالى:

وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ (4).

و لم يثبت اسناد قوله: «عليكم بدين العجائز»، و لو ثبت حمل على إرادة التفويض إلى اللّه تعالى.

و لو لم ينظر الصحابة لزم نسبتهم إلى الجهل بمعرفة اللّه تعالى و صفاته فيكون الواحد منّا أفضل منهم، و هو باطل إجماعا. و إذا كانوا عالمين و ليس‏

____________

(1). غافر: 5.

(2). النحل: 125.

(3). العنكبوت: 46.

(4). آل عمران: 191.

273

بالضرورة فهو بالاستدلال، و لم ينقل المناظرة عنهم في ذلك لاتّفاقهم على المطالب الحقّة و صحّة عقائدهم و عدم من يحوجهم إلى ذلك، بخلاف مسائل الفروع لتفاوت الظنون، و هي اجتهادية متفاوتة.

و إنّما لم ينكر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الصحابة و من بعدهم على العوام بترك النظر بحصول المعرفة الواجبة لهم، و هي المعرفة المستندة إلى الدليل.

و عن الخامس: أنّ اعتقاد المقلّد إن كان عن تقليد لزم إمّا التسلسل، أو الانتهاء إلى من يعتقد عن نظر لانتفاء الضرورة، فيلزم ما ذكرتم من المحذور مع زيادة آخر و هو احتمال كذب المقلّد فيما يخبر المقلّد به، بخلاف الناظر مع نفسه فإنّه لا يكابر نفسه فيما أدّى إليه نظره.

و عن السادس: أنّ المطلوب في الأصول القطع و اليقين، و ذلك لا يحصل بالتقليد، بخلاف الفروع المطلوب فيها الظن. و هو الجواب عن السابع.

274

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

275

الفصل الثالث: في التعادل‏

و فيه بحثان:

[البحث‏] الأوّل: في جوازه‏

الإجماع على أنّه لا يجوز تعادل الأدلّة العقلية المتقابلة بالنفي و الإثبات لوجوب حصول المدلول عند وجود الدليل، فلو تعادل دليلان في نفسهما لزم حصول مدلوليهما، و هو يستلزم اجتماع النقيضين.

و أمّا الأمارات الظنّية فقد اختلفوا في تعادلها، فمنعه الكرخي و أحمد بن حنبل، و جوّزه الباقون. ثمّ اختلف المجوّزون في حكمه عند وقوعه فقال الجبّائيان و القاضي أبو بكر من الأشاعرة: حكمه التخيير، و عند بعض الفقهاء أنّهما يتساقطان و يرجع إلى مقتضى العقل.

و اعلم أنّ تعادل الأمارتين قد يقع في حكمين متنافيين و الفعل واحد، كتعارض الأمارتين الدالّتين على كون الفعل قبيحا و مباحا. و قد يكون في فعلين متنافيين و الحكم واحد، كوجوب التوجه إلى جهتين غلب في ظنّه أنّهما جهتا القبلة.

276

و الحق أن يقول: أمّا بالنسبة إلى مجتهدين، فإنّه جائز مطلقا و لا يعلم فيه خلافا. و أمّا بالنسبة إلى مجتهد واحد فنقول بالجواز في القسمين معا، لكن الأوّل غير واقع شرعا.

أمّا جواز الأوّل فالوجدان دال عليه، إذ لا نمنع أن يخبرنا رجلان بالنفي و الإثبات و يستويان في العدالة و الصدق بحيث لا يتميّز أحدهما عن الآخر بمائز في ذلك.

و أمّا جواز الثاني فلقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في زكاة الإبل: «في كلّ أربعين بنت لبون، و في كلّ خمسين حقّة» فمن ملك مائتين مخير في إخراج أيّهما شاء، لأنّه بأيّهما فعل أدّى الواجب و لا أولوية لأحدهما.

و المصلّي في الكعبة، يتخيّر في استقبال أي الجدران شاء.

و الولي إذا لم يجد من اللبن إلّا ما يكفي أحد الصغيرين، و لو صرفه إليهما معا ماتا، و لو صرفه إلى واحد منهما عاش دون الآخر، فإنّه يتخيّر لعدم الأولوية.

و لأنّ ثبوت الحكم في الفعلين المتنافيين يقتضي إيجاب أحد الضدين و ذلك يقتضي إيجاب فعل كلّ منهما بدلا عن الآخر.

و أمّا عدم وقوع الأوّل شرعا، فلأنّه لو تعادلت أمارتان على الحظر و الإباحة:

فإمّا أن يعمل بهما، و هو محال، و إلّا لزم إباحة الفعل و حظره في‏

277

وقت واحد لمكلّف واحد، و هو محال.

أو لا يعمل بهما، و هو محال، لأنّهما لمّا كانتا في نفسيهما بحيث لا يمكن العمل بهما البتّة كان وضعهما عبثا، و هو غير جائز على اللّه تعالى.

أو يعمل بأحدهما دون الأخرى فإمّا على التعيين، و هو ترجيح من غير مرجّح، فيكون قولا في الدين بمجرد التشهّي؛ أو لا على التعيين، و هو يقتضي العمل بإحدى الأمارتين، لأنّا إذا خيّرناه بين الفعل و الترك فقد أبحنا له الفعل، فيكون ذلك ترجيحا لأمارة الإباحة بعينها على أمارة الحظر، و هو القسم الّذي تقدّم بطلانه.

اعترض من وجوه‏ (1):

الأوّل: (يجوز العمل) (2) بإحدى الأمارتين على التعيين إمّا لأنّها أحوط، أو أخذ بالأولى.

الثاني: لم لا يجوز اقتضاء التعادل التخيير و ليس ذلك إباحة لجواز أن يقول اللّه تعالى: «أنت مخيّر في الأخذ بأمارة الإباحة و بأمارة الحظر، لكن متى أخذت بأمارة الإباحة فقد أبحت لك الفعل، و إن أخذت بأمارة الحظر فقد حرمته عليك» و ليس هذا إذنا في الفعل و الترك مطلقا، بل هو إباحة و حظر في حالين متغايرين، كالمسافر المخيّر في التمام و التقصير في أحد الأماكن إن‏

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 435- 440.

(2). في «أ»: بجواز الأخذ، و في «د»: لم لا يجوز العمل.

278

شاء صلّى أربعا فرضا و إن شاء صلّى ركعتين، فالركعتان واجبتان و يجوز تركهما بشرط قصد الترخّص؛ و كذا من عليه درهمان إذا قال له المالك:

تصدّقت عليك بدرهم إن قبلت و إن أبيت فالاثنين أخذتهما منك عن الدين الواجب، فإن شاء قبل الصدقة و دفع درهم، و إن شاء دفع الدرهمين عن الواجب. فكذا هنا إذا سمع المكلّف قوله تعالى: وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ‏ (1) حرم عليه الجمع بين المملوكتين، و إنّما يجوز له الجمع إذا قصد العمل بموجب الدليل الثاني، و هو قوله تعالى: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‏ (2)، كما قال عثمان: أحلّتهما آية و حرمتهما آية.

الثالث: سلّمنا، لكن هذه الدلالة تتمّ عند تعارض أمارة الحظر و الإباحة، و أمّا عند تعارض أمارة الحظر و الوجوب فإنّ التخيير يستلزم الترجيح من غير مرجّح، فدليلكم على امتناع التعادل غير متناول لكلّ الصور.

الرابع: سلّمنا فساد القول بالتخيير فلم لا يجوز التساقط، و العبث غير لازم لجواز أن يكون للّه تعالى فيه حكمة خفية لا يطّلع عليها.

الخامس: التعادل في نفس الأمر و إن كان ممتنعا، لكن لا شك في وقوع التعادل بحسب أذهاننا، فإذا انتفى العبث عن التعادل الذهني جاز أن لا يكون التعادل الخارجي عبثا.

السادس: يشكل ما ذكرتموه بما إذا أفتى أحد المفتيين بالإباحة و الآخر

____________

(1). النساء: 23.

(2). النساء: 24.

279

بالتحريم و استويا عند المستفتي فإنّهما بالنسبة إلى العامي كالأمارة.

و الجواب عن الأوّل: إن جاز الترجيح بالأحوط أو بالأخف فوجوده بنفي التعادل، و إن لم يجز بطل كلامكم.

و عن الثاني: إنّما كان التخيير إباحة، لأنّ المحظور هو الّذي منع من فعله و المباح هو الّذي لا يمنع منه، و إذا حصل الإذن في الفعل لا يقع الحجر فلا يبقى حظر البتة، و هو معنى الإباحة.

قوله: الفعل محظور بشرط الأخذ بأمارة الحظر، و مباح بشرط الأخذ بأمارة الإباحة مطلقا.

قلنا: إنّه باطل؛ لأنّ أمارتي الحظر و الإباحة إن قامتا على ذات الفعل و ماهيته باعتبار واحد، فإن رفعنا الحظر عن ماهيّة الفعل كان ذلك إباحة، فيكون ترجيحا لإحدى الأمارتين بعينها؛ و إن لم يرفع الحظر كان حظرا و هو ترجيح الأمارة الأخرى.

و إن لم تقم الأمارتان على ذات الفعل باعتبار واحد بل قامت أمارة الإباحة على الفعل المقيّد بقيد ما، و قامت أمارة الحظر على الفعل المقيّد بقيد آخر، كان ذلك غير المتنازع، لأنّ صورة النزاع أن تقوم الأمارتان على إباحة شي‏ء و حظره، و على تقدير ما ذكروه تقوم أمارة الإباحة على شي‏ء و أمارة الحظر على آخر، فإنّهم لما قالوا عند الأخذ بأمارة الحرمة: يحرم الفعل، كان معناه أنّ أمارة الحرمة قائمة على حرمة هذا الفعل حال الأخذ بأمارة الحرمة؛ و أمارة الإباحة قائمة على إباحة هذا الفعل حال عدم الأخذ بأمارة الحرمة،

280

فالأمارتان إنّما قامتا على شيئين متباينين غير متلازمين، لا على شي‏ء واحد، و كلامنا في أمارتين قامتا على حكمين متنافيين في شي‏ء واحد لا في شيئين.

و أيضا: إن عنيتم بالأخذ بإحدى الأمارتين اعتقاد رجحانها فهو باطل، لأنّها إذا لم تكن راجحة كان اعتقاد رجحانها جهلا. و لأنّا نفترض الكلام فيما إذا حصل العلم بانتفاء الرجحان، ففي هذه الصورة يمتنع حصول اعتقاد الرجحان. و إن عنيتم به العزم على الإتيان بمقتضاها، فإن كان عزما جزما بحيث يتّصل بالفعل لا محالة، كان الفعل في ذلك الوقت واجب الوقوع، فيمتنع ورود الإباحة و الحظر، لأنّه يكون ذلك إذنا في إيقاع ما يجب وقوعه، أو منعا عن وقوع ما يجب وقوعه. و إن لم يكن جازما جاز له الرجوع، لأنّه إذا عزم عزما غير جازم على الترك، فلو أراد الرجوع عنه و قصد الإقدام على الفعل جاز له ذلك.

و عن الثالث: أنّه لا قائل بالفرق بين أمارتي الوجوب و الإباحة، و بين أمارتي الوجوب و الحظر. و لأنّ الإباحة منافية للوجوب و الحظر، فعند تعادل أمارتي الوجوب و الحظر لو حصلت الإباحة كان ذلك قولا بتساقطهما معا و إثباتا لحكم لم يدلّ عليه دليل البتة.

و عن الرابع: أنّ المقصود من وضع الأمارة التوسّل بها إلى المدلول، فإذا كان في ذاته بحيث يمتنع التوسّل به إلى الحكم كان خاليا عن المقصود الأصلي، و هو معنى العبث. و هذا بخلاف وقوع التعارض في أفكارنا، لأنّ الرجحان حاصل في نفس الأمر فلم يكن وضعه عبثا، نعم لمّا قصرنا في‏

281

النظر لم ننتفع به. أمّا إذا كان الرجحان منتفيا في نفس الأمر، كان الوضع عبثا.

و أمّا وقوع الثاني فلما تقدم من الصور.

و احتجّ المانع من التخيير بأنّ أمارات وجوب كلّ من الفعلين اقتضت وجوبه على وجه لا يسوغ الإخلال به، و التخيير بينه و بين ضده يقتضي تسويغ الإخلال به، فالتخيير مخالف لمقتضى الأمارتين.

و الجواب أمارة وجوب الفعل يقتضي وجوبه فقط، و المنع من الإخلال به على كلّ حال موقوف على عدم الدلالة على قيام غيره مقامه، و حينئذ لا يكون التخيير مخالفا لمقتضى الأمارتين.

و فيه نظر، إذ مقتضى الوجوب المنع من التخيير.

تذنيب‏

التعادل إن وقع للإنسان في عمل نفسه تخيّر.

و للمفتي: تخيير المستفتي في العمل بأيّهما شاء، كما يلزمه في حقّ نفسه.

و للحاكم: معيّن لأنّه نصب لقطع التنازع، فتخيير الخصمين يفتح باب المخاصمة، لأنّ كلا منهما يختار الأوفق له بخلاف المفتي.

و لا يمتنع عقلا أن يقضي الحاكم بحكم إحدى الأمارتين في قضية ثم يقض بالأخرى في غيرها إلّا أن يمنع منه مانع شرعي كما روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال‏

282

لأبي بكر: «لا تقض في شي‏ء واحد بحكمين مختلفين» (1).

و ما روي عن عمر أنّه قضى في مسألة بحكمين و قال: ذاك على ما قضينا و هذا على ما نقضي‏ (2)، يحتمل أن لا يكون ذلك لتعادل الأمارتين، بل لأنّه ظن في الأوّل قوة أمارة، و في الثاني قوة الأخرى.

البحث الثاني: في تعدّد أقوال المجتهد

إذا نقل عن مجتهد واحد قولان في مسألة واحدة، فإمّا أن يكون في موضعين بأن يقول في كتاب بتحريم الشي‏ء و في آخر بتحليله، أو في موضع واحد.

و الأوّل إن علم التاريخ، كان الثاني رجوعا عن الأوّل ظاهرا.

و إن لم يعلم حكى عنه القولان، و لا يحكم عليه برجوع عن واحد منهما بعينه للجهل به، بل يحكم بالرجوع المطلق عن أحدهما لا بعينه. و إن كان الثاني بأن يقول في موضع واحد: في المسألة قولان، فإن عقب بما يشعر بتقوية أحدهما كان ذلك قولا له، لأنّ قول المجتهد ليس إلّا ما يترجّح عنده، و إن لم يعقب قال بعض الناس: إنّه يقتضي التخيير، و هو باطل لما تقدّم.

و لأنّه حينئذ يكون له في المسألة قول واحد هو التخيير لا قولان، بل الوجه دلالة ذلك على توقّفه في المسألة و لم يظهر له وجه رجحان.

____________

(1). المحصول: 2/ 440. لم نعثر عليه في المصادر الحديثية.

(2). المحصول: 2/ 440. لم نعثر عليه في المصادر الحديثية.

283

و المتوقّف في المسألة لا يكون له فيها قول فضلا عن القولين. أمّا إذا لم يعرف قوله في المسألة و عرفنا قوله في نظيرها، فالظاهر أنّه إن لم يكن بين المسألتين فرق يجوز أن يذهب إليه ذاهب، كان قوله في إحدى المسألتين هو قوله في الأخرى، و إن كان بينهما فرق لم يحكم بأنّ قوله في المسألة كقوله في نظيرها لجواز أن يذهب إلى الفرق.

إذا عرفت هذا فقد وجد للشيخ أبي جعفر الطوسي (رحمه اللّه) و لغيره من الفقهاء أقوال مختلفة في مسألة واحدة و يحمل على وجوه‏ (1):

الأوّل: أن يكون قد ذكر في كتبه القديمة شيئا و في الجديدة غيره و نقلهما المتأخّرون و جعلوهما قولين و يكون المتأخّر ناسخا، و هو يدلّ على قوة دينه و شدة طلبه، لأنّه يدلّ على اشتغاله بالطلب في كلّ وقت، و أنّه متى ظهر له شي‏ء من أمور الدين أظهره، و لم يتعصّب لما قاله أوّلا، بل رجع عنه.

الثاني: أن يتّحد الموضع فيذكر في كتاب واحد قولين، و ينصّ على الترجيح لقوله عقيب ذكر القولين: و هذا أولى، أو أشبهه بالحق، أو به أقول. أو يفرع على أحدهما و ترك التفريع على الآخر، و هو يدلّ على أنّ الّذي فرّع عليه أقوى عنده.

الثالث: أن يذكر في المسألة قولان و لا يبيّن الترجيح، و يحتمل وجوها:

أحدهما: أن يكونا لبعض الناس، و يذكرهما للتنبيه على مأخذهما

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 441.

284

و إيضاح القول فيما لكلّ منهما و عليهما. و لأنّه لو لم يذكرهما لتعطّل الإفتاء بأحدهما، إذ قد يقوى أحدهما عند بعض الناظرين و لا يمكنه القول به، لظنّه أنّه قول حادث، خارق للإجماع، فإذا نقل عرف أنّه لم يخرق الإجماع.

ثانيهما: لعلّ المراد احتمال قولين يمكن أن يقول بهما قائل لقوتهما و بطلان ما عداهما، فالتمييز بينهما غير ممكن إلّا للبالغ في التحقيق، فلهذا أفرد بالذكر دون سائر الوجوه الممكنة. و كما يقال: الخمر مسكر و هو في الدن، و السكين قاطع و هو لم يقطع على إرادة الصلاحية، كذا هنا.

و اعلم أنّه لا خلاف في إمكان اعتقاد الوجوب و التحريم أو النفي و الإثبات معا في مسألتين مختلفتين، كوجوب الصلاة و تحريم الزنا؛ و في إمكان اعتقاد الجمع بين الأحكام المختلفة الّتي لا تقابل بينها في شي‏ء واحد، كالتحريم و وجوب الحد و نحوه؛ و في اعتقاد وجوب فعلين متضادين على البدل كالاعتداد بالطهر و الحيض، أو فعلين غير متضادين كخصال الكفّارة؛ و أمّا اعتقاد حكمين متقابلين في شي‏ء واحد على سبيل البدل ففيه الخلاف.

285

الفصل الرابع: في التراجيح‏

و فيه مطالب:

المطلب الأوّل: في مقدّماته‏

و فيه مباحث:

البحث الأوّل: في ماهيته‏

الترجيح: تقوية أحد الطريقين على الآخر، ليعلم الأقوى فيعمل به و يترك الأضعف. إنّما قلنا أحد الطريقين، لأنّه لا يصحّ الترجيح بين أمرين إلّا بعد تكامل كونهما طريقين، لو انفرد كلّ منهما، إذ لا يصحّ ترجيح الطريق على ما ليس بطريق.

و قيل: إنّه عبارة عن اقتران أحد الصّالحين للدلالة على المطلوب مع تعارضهما بما يوجب العمل به و إهمال الآخر.

فقولنا: «اقتران أحد الصالحين» احتراز عمّا ليس بصالح للدلالة، أو أحدهما صالح دون الآخر، فإنّ الترجيح إنّما يتحقّق مع تحقّق التعارض، و لا

286

تعارض مع عدم الصلاحية لهما أو لأحدهما.

و قولنا: المتعارضان ليخرج الصالحان اللّذان ليس بينهما تعارض، فإنّ الترجيح يطلب عند التعارض لا عند عدمه، و هو عام للمتعارضين مع التوافق في الاقتضاء، كالعلل المتعارضة في أصل القياس. و للمتعارضين مع التنافي في الاقتضاء كالأدلّة المتعارضة في الصور المختلف فيها نفيا و إثباتا.

و قولنا: «بما يوجب العمل بأحدهما و إهمال الآخر» احتراز عمّا اختصّ به أحد الدليلين عن الآخر من الصفات الذاتية و العرضية، و لا مدخل له في التقوية و الترجيح.

البحث الثاني: في جوازه‏

المحقّقون على وجوب العمل بالراجح من الطريقين على جواز الترجيح، و أنكر بعضهم.

لنا وجوه‏ (1):

الأوّل: الإجماع على العمل بالترجيح و المصير إلى الراجح من الدليلين فإنّهم قدّموا خبر التقاء الختانين على خبر أبي هريرة: «إنّما الماء من الماء» (2). و قدّم بعضهم خبر أبي هريرة: «من أصبح جنبا فلا صوم له» على‏

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 443- 444؛ و الآمدي في الإحكام: 4/ 246.

(2). صحيح مسلم: 1/ 186، باب إنّما الماء من الماء؛ صحيح ابن خزيمة: 1/ 117 عن أبي سعيد الخدري؛ كنز العمال: 9/ 376 برقم 26545.

287

خبر عائشة (1) أنّه كان (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يصبح جنبا و هو صائم. (2) و قوّى علي (عليه السلام) خبر أبي بكر فكان لا يحلّفه و كان يحلّف غيره من الرواة. و قوّى عمر خبر أبي موسى في الاستيذان بموافقة أبي سعيد الخدري.

الثاني: إذا تعارض الظنّان ثمّ رجح أحدهما تعيّن العمل بالراجح عرفا فكذا شرعا، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن». (3)

الثالث: لو لم يعمل بالراجح لزم العمل بالمرجوح، و لقبح عقلا ترجيح المرجوح على الراجح.

الرابع: تقرير النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) معاذا لمّا بعثه قاضيا إلى اليمن في ترتيب الأدلّة و تقديم بعضها على بعض.

احتجّ المنكرون بوجهين‏ (4):

الأوّل: إنّما قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا (5) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «نحن نحكم بالظاهر» (6) يقتضي عدم الالتفات إلى زيادة الظن فإنّ‏

____________

(1). في الإحكام: 4/ 246: تقديم خبر عائشة على خبر أبي هريرة لكونها أعرف بحال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حسب ما قال، فراجع.

(2). مسند أحمد: 6/ 184 و 203 و 266 و 313؛ سنن البيهقي: 4/ 213، باب من أصبح جنبا في شهر رمضان؛ سنن النسائي: 2/ 176، باب صيام من أصبح جنبا.

(3). مستدرك الحاكم: 3/ 78؛ مجمع الزوائد: 1/ 177.

(4). ذكرهما الرازي في المحصول: 2/ 444؛ و الآمدي في الإحكام: 4/ 246- 247.

(5). الحشر: 2.

(6). عمدة القاري: 7/ 249؛ تفسير الرازي: 3/ 215؛ تفسير الآلوسي: 1/ 103؛ المحصول: 2/ 444.

288

الدليل المرجوح ظاهر و حصل فيه الاعتبار.

الثاني: لو اعتبر الترجيح في الأمارات لاعتبر في البيّنات المتعارضة في الحكومات. و التالي باطل لعدم تقديم شهادة الأربعة على الاثنين، فالمقدّم مثله.

و بيان الشرطية. انّ العلّة و هي ترجيح الأظهر على الظاهر موجود هنا.

و الجواب: أنّ ما ذكرناه دليل قطعي و ما ذكرتموه ظنّي، فلا يعارضه.

على أنّ غاية الآية دلالتها على وجوب النظر و الاعتبار، و ليس فيها ما ينافي القول بوجوب العمل بالراجح.

و الخبر يدلّ على جواز العمل بالظاهر، و الظاهر هو ما ترجّح أحد طرفيه على الآخر، و مع وجود الدليل الراجح فالمرجوح المخالف له لا يكون راجحا من جهة مخالفته للراجح، فلا يكون ظاهرا فيه.

و نمنع نفي الترجيح في باب الشهادة فإنّه يقدّم عندنا قول الأربعة على قول الاثنين.

سلّمنا لكن عدم الترجيح في الشهادة ربّما كان مذهب أكثر الصحابة، و قد ألف منهم اعتبار الترجيح في تعارض الأدلة دون الشهادة.

289

البحث الثالث: في محلّه‏

الترجيح لا يجري في الأمور اليقينية لوجوه‏ (1):

الأوّل: الدليل اليقيني إنّما يحصل لو كانت مقدّماته ضرورية، أو لازمة عنها لزوما ضروريا، إمّا ابتداء أو بواسطة شأنها ذلك، إمّا واحدة أو متعدّدة.

و هذا إنّما يصحّ عند اجتماع علوم أربعة:

أ. العلم ضروري بحقيقة تلك المقدّمات إمّا ابتداء، أو بواسطة شأنها ذلك.

ب. العلم الضروري بصحّة تركيبها.

ج. العلم الضروري بلزوم النتيجة عنها.

د. العلم الضروري بأنّ ما لزم عن الضروري لزوما ضروريا فهو ضروري. و هذه العلوم الأربعة يستحيل حصولها في النقيضين معا، و إلّا لزم القدح في الضروريات، و إذا استحال ثبوتها انتفى التعارض.

الثاني: الترجيح هو التقوية، و اليقين لا يقبل التقوية، لأنّه إن قارنه احتمال النقيض و لو على وجه ما، كان ظنا لا علما، و إن لم يقارنه لم يقبل التقوية.

اعترض بجواز كون أحد النقيضين‏ (2) راجحا.

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 445؛ و الآمدي في الإحكام: 4/ 247- 248.

(2). في «أ» و «ب»: اليقينين.

290

الثالث: الترجيح إنّما يكون بين متعارضين و هو غير متصوّر في القطعي، لأنّ المعارض له لا يجوز أن يكون قطعيا، و إلّا لكان العمل بهما جمعا بين النقيضين، و تركهما رفعا للنقيضين، و العمل بأحدهما دون الآخر ترجيحا من غير مرجّح. و لا أن يكون ظنيا لامتناع ترجيح الظني على القطعي، و امتناع طلب الترجيح في القاطع، كيف و الدليل القاطع لا يكون في مقابلته دليل صحيح، فإذن محلّ الترجيح الطرق الظنية.

تذنيب‏

المشهور أنّ العقليات لا يجري فيها الترجيح. و فيه تفصيل فإنّ العوام إن اقتنع منهم بالاعتقاد الجازم الحاصل عن تقليد أمكن تطرق التقوية إليه، فجرى فيه الترجيح.

البحث الرابع: في الترجيح بكثرة الأدلّة

اعلم أنّ الترجيح في الأدلّة يحصل بالكثرة، فإذا كان أحد الحكمين مدلولا عليه بعدّة أدلّة كان أولى من الحكم الّذي يستدلّ عليه بأدلّة أقل. و به قال الشافعي، خلافا لبعضهم حيث قال: لا يحصل بكثرة الأدلة ترجيح و من صور النزاع ترجيح أحد الخبرين بكثرة الرّواة.

لنا وجهان‏ (1):

____________

(1). ذكرهما الرازي في المحصول: 2/ 446- 447.

291

الأوّل: الظن التابع للأمارة يقوى بكثرتها و يضعف بقلّتها، و العمل بأقوى الظنين واجب.

بيان الصغرى من وجوه:

أ. كثرة الرواة قد ينتهي إلى حصول العلم، فكلّما كانت المقارنة إلى ذلك الحد أشد كان اعتقاد صدقهم أقوى.

ب. قول كلّ واحد يفيد قدرا من الظن، فعند الاجتماع يستحيل حصول ذلك القدر خاصة، و إلّا لزم اجتماع المؤثرات على أثر واحد، و هو محال، فلا بدّ من الزيادة.

ج. احتراز العدد عن تعمّد الكذب أكثر من احتراز الواحد، و تطرق الخطأ و الغلط إلى العدد أبعد من تطرّقه إلى الواحد، فالظن الحاصل بخبر العدد أقوى من ظن الواحد.

د. العاقل يحترز عن كذب يطّلع عليه غيره أكثر من احترازه من كذب لا يطّلع عليه سواه، و إذا كان احتراز الكذب هناك أكثر كان الظن أقوى.

ه. إذا فرضنا تعارض دليلين متساويين في القوة ذهنا ثم اعتضد أحدهما بآخر يساوي أحدهما فالمجموع زائد على ذلك الواحد، لأنّ مجموعهما أعظم من كلّ واحد منهما، و كلّ واحد منهما يكون لذلك الآخر، و الأعظم من المساوي أعظم.

و. إجماع الصحابة على أنّ الظن الحاصل بقول الاثنين أقوى من الظن‏

292

الحاصل بقول الواحد؛ فإنّ أبا بكر لم يعمل بخبر المغيرة في مسألة الجد حتى شهد له محمد بن مسلمة، و عمر لم يقبل خبر أبي موسى حتّى شهد له أبو سعيد الخدري، فلو لا أنّ كثرة الرواة يؤثر [في‏] قوة الظن لما كان كذلك.

فثبت بذلك أنّ الظن أقوى فيجب العمل به للإجماع على جواز الترجيح بقوة الدليل، و إنّما يكون لزيادة القوة في أحد الجانبين، و هذا حاصل في الترجيح بكثرة الأدلّة، إلّا أنّ ترجيح القوة يستلزم حصول الزيادة مع المزيد عليه في محل واحد، و ترجيح الكثرة يختلف محل الزيادة و المزيد عليه فيه، و لا أثر لذلك بالضرورة.

الثاني: مخالفة الدليل على خلاف الأصل، فإذا تعدّدت الأدلّة في طرف و اتّحدت في آخر كانت المخالفة في الأوّل أشد محذورا منها في الثاني، فاشترك المحذوران في قدر و اختصّ أحدهما بزيادة منفية عن الآخر، فلولا الترجيح لزم ارتكاب القدر الزائد من المحذور لا لموجب، و هو محال.

احتجّوا بوجوه‏ (1):

الأوّل: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «نحن نحكم بالظاهر» (2) يدلّ بإيمائه على أنّ المعتبر أصل الظهور، و أنّ الزائد عليه ملغى ترك العمل به في الترجيح بقوة الدليل، لاتّحاد محلّ الزيادة مع المزيد عليه و القوى تتزايد عند اجتماعها في محل و تتناقص حال التفرد، أمّا كثرة الأدلّة فإنّ المحلّ في الزيادة و المزيد

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 447.

(2). مرّ مصدره. راجع ص 188 و 208 من هذا الجزء.

293

عليه لمّا تعدّد، ضعفت القوة و لم يحصل كمالها.

الثاني: القياس على الشهادة و الفتوى، فإنّ الإجماع دلّ على عدم الترجيح فيها بالكثرة، فكذا هنا.

الثالث: القياس على خبر الواحد لو عارضه قياسات متعدّدة كثيرة فإنّه يترجّح على الجميع، و هو يدلّ على أنّ الترجيح لا يحصل بكثرة الأدلّة.

و الجواب عن الأوّل. أنّه متروك في الترجيح بالقوة فيترك بالترجيح بالكثرة لجامع قوة الظن، إذ هو المعتبر، و المحل في الكثرة و إن تعدّد و اتّحد في القوة لكن مجموع الزيادة مع المزيد عليه يؤثر في قوة الظن. و بهذا لو أخبر عدل بأمر حصل ظن وقوعه، فإذا وافقه ثان زاد الظن، فإذا تظاهر ثالث قوي الظن، ثمّ لا يزال الظن بتزايد ترادف الأخبار إلى أن ينتهي إلى العلم، فعلم أنّ الفرق الّذي ذكروه غير قادح في تقوية الظن.

و فيه نظر، فإنّ لمانع أن يمنع استناد الترجيح هنا إلى كثرة الأدلّة، بل إلى قوتها؛ و لأنّ الإجماع لا يؤثر في شي‏ء واحد، بل قول الواحد أفاد ظنّا ما، و الثاني أفاد ظنا آخر، و هكذا حتى حصل العلم.

و عن الثاني. بالمنع من عدم الترجيح بكثرة الشهود، فإنّ الإمامية و مالك بن أنس ذهبوا إلى حصول الترجيح فيها بكثرة الشهود، و فرّق الباقون بأنّ مقتضى الدليل منع كون الشهادة حجّة لما فيه من توهّم الكذب و تطرق الخطأ، و جعل قول شخص نافذا في آخر مثله، إلّا أنّ الشرع اعتبرها لقطع‏

294

الخصومات فوجب اعتبارها على وجه لا يفضي إلى تطويل الخصومة، لئلّا يرجع على موضوعه بالنقض، فلو أثر كثرة العدد في الترجيح طالت الخصومة، فإنّهما لو أقاما الشهادة في الطرفين على السواء كان لأحدهما طلب الإمهال ليأتي بعدد زائد، فإذا أمهل و أقام بعد المدة كان للآخر ذلك أيضا فلا تنقطع الخصومة البتة، فأسقط الشرع اعتبار الترجيح بالكثرة دفعا لهذا المحذور.

و فيه نظر، إذ يمكن دفع هذا المحذور بضابط مدة كما ضبط المدة في مدّعي البيّنة بالقبض.

و أمّا الترجيح بكثرة المقتضي فقد جوّزه بعض العلماء.

و عن الثالث. أنّ أصول تلك القياسات إن كانت شيئا واحدا قدّم الخبر عليها، لعدم تغاير تلك الأقيسة، لما عرفت من أنّه لا يجوز تعليل الحكم الواحد بعلّتين مستنبطتين، و إن تعدّدت منعنا عدم الترجيح.

و فيه نظر، فإنّ الوجه في الجواب أنّ شرط العمل بالقياس عدم الوجدان في الكتاب و السنّة كما دلّ عليه خبر معاذ، و خبر الواحد من السنة، فلهذا قدّم على الأقيسة الكثيرة.

295

البحث الخامس: في الجمع بين الأدلّة المتعارضة

إذا تعارض دليلان لم يمكن العمل بكلّ منهما من كلّ وجه و إلّا فلا تعارض بل لا بدّ من إبطال أحدهما من كلّ وجه أو من بعض الوجوه، أو إبطالهما معا من كلّ وجه أو من بعض الوجوه. فإن أمكن العمل بكلّ منهما من وجه دون وجه كان أولى من العمل بأحدهما و إبطال الآخر بالكلية، لأنّ دلالة اللفظ على جزء المفهوم تابعة لدلالته على كلّ مفهومه الّتي هي دلالة أصلية. فإذا عمل بكلّ منهما من وجه دون آخر فقد تركنا العمل بالدلالة التبعية، و إذا عملنا بأحدهما دون الثاني فقد تركنا العمل بالدلالة الأصلية، و الأوّل أولى.

فالعمل بكلّ منهما من وجه دون وجه أولى من العمل بأحدهما من كلّ وجه دون الثاني.

و فيه نظر، لأنّ العمل بكلّ منهما من وجه دون وجه عمل بالدلالة التبعية و إبطال للأصلية من الدليلين، و العمل بأحدهما دون الآخر عمل بالدلالة الأصلية و التبعية في أحد الدّليلين و إبطال لهما في الآخر، و لا شكّ في أولوية العمل بأصل و تابع على العمل بالتابعين و إبطال الأصلين.

إذا تقرر هذا فنقول: العمل بكلّ منهما من وجه على أقسام ثلاثة (1):

الأوّل: الاشتراك و التوزيع إن كان قبل التعارض يقبل ذلك.

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 449- 450.

296

الثاني: أن يقتضي كلّ واحد منهما أحكاما فيعمل بكلّ منهما في حقّ بعض الأحكام.

الثالث: العامّان المتعارضان يعمل بكلّ منهما في بعض الصور، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أ لا أنبّئكم بخير الشهود؟»، قيل: نعم يا رسول اللّه، قال: «أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد». (1)

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد» (2).

فيعمل بالأوّل في حقوقه تعالى، و بالثاني في حقوق عباده.

البحث السادس: في تقسيم الأدلّة المتعارضة

إذا تعارض الدليلان فإمّا أن يكونا عامّين على الإطلاق، أو خاصّين، أو يكون أحدهما عاما و الآخر خاصا، أو يكون كلّا منهما أعمّ من الآخر من وجه و أخصّ من وجه. فالأقسام أربعة. (3)

و على هذه التقادير الأربعة فإمّا أن يكونا معلومين، أو مظنونين، أو بالتفريق.

و على التقادير كلّها إمّا أن يكون المتقدّم معلوما أو المتأخّر، أو لا يكون واحد منهما معلوما.

____________

(1). صحيح مسلم: 5/ 133، باب استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين؛ سنن أبي داود: 2/ 163 برقم 3596؛ سنن الترمذي: 3/ 373 برقم 2397؛ مسند أحمد: 5/ 193؛ كنز العمال: 7/ 12 برقم 17730.

(2). مجمع الزوائد: 5/ 225؛ المعجم الأوسط: 7/ 193.

(3). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 450- 453.

297

الأوّل: أن يكونا عامّين:

فإن كانا معلومين، فإن علم التاريخ و كان المدلول قابلا للنسخ كان المتأخّر ناسخا، (سواء القرآن و السنّة في ذلك). (1)

و الشافعي و إن منع من نسخ القرآن بالخبر المتواتر و من عكسه فإنّه يجوّز ذلك بحيث لو وقع لكان المتأخّر ناسخا لكنّه ينفي الوقوع لا الجواز.

و إن لم يقبل المدلول النسخ تساقطا و وجب الرجوع إلى غيرهما. و لو تقارنا فإن أمكن التخيير بينهما تعيّن، لأنّه إذا امتنع الجمع لم يبق إلّا التخيير.

و لا يترجّح أحدهما بقوة الاسناد، لما ثبت من أنّ المعلوم لا يقبل الترجيح؛ و لأنّ ما يرجع إلى الحكم بأن يكون أحدهما يقتضي التحريم أو إثبات حكم شرعي لاستلزامه طرح المعلوم بالكلية.

و إن جهل التاريخ وجب الرجوع إلى غيرهما، لأنّا نجوّز تأخّر كلّ واحد منهما، فيكون ناسخا للمتقدّم و لا أولوية، فيطرحان معا.

و إن كانا مظنونين، فالمتأخّر ناسخ، و لو تقارنا أو جهل التاريخ وجب الرجوع إلى الترجيح فيعمل بالأقوى، و إن تساويا وجب التخيير.

و فيه نظر، إذ مع جهالة التاريخ يمكن تأخير أحدهما فيكون ناسخا.

و إن كان أحدهما معلوما و الآخر مظنونا فإن كان المعلوم متأخرا كان‏

____________

(1). العبارة في المحصول: 2/ 450 كما يلي: سواء كانا آيتين، أو خبرين، أو أحدهما آية و الآخر خبرا متواترا.

298

ناسخا للمتقدم و إن كان بالعكس لم يكن المتأخر ناسخا فإنّ المعلوم لا ينسخ بالمظنون، و إن جهل التاريخ تعيّن المعلوم، لأنّه إن كان متأخرا كان ناسخا و إن كان متقدما لم يكن منسوخا، و إن تقارنا كان المعلوم راجحا فيتعين العمل به على كلّ تقدير.

الثاني: أن يكونا خاصّين، و تفصيله كما تقدّم في تفصيل العامّين.

الثالث: أن يكون كلّ منهما عاما و خاصا باعتبارين كما في قوله تعالى:

وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ‏ (1) مع قوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‏ (2).

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها» (3) مع نهيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن الصلاة في الأوقات الخمسة المكروهة، فالأوّل عام في الأوقات، خاص في صلاة القضاء؛ و الثاني عام في الصلاة خاص في الأوقات؛ فإن علم تقدّم أحدهما و كانا معلومين، أو مظنونين، أو كان المتأخّر معلوما كان المتأخّر ناسخا للمتقدّم عند من قال: العام ينسخ الخاص المتقدّم، لأنّ المتأخّر و إن كان أعم من وجه لكنّه أخص من آخر، فإن كان العام من كلّ وجه ينسخ الخاص المتقدّم و العام‏ (4) من وجه أولى بجواز النسخ. و إن كان المتقدّم معلوما وجب الرجوع إلى الترجيح عندهم، و لم ينسخ الثاني الأوّل، لامتناع نسخ المعلوم بالمظنون.

____________

(1). النساء: 23.

(2). النساء: 24.

(3). سنن الدارمي: 1/ 280، باب من نام عن صلاة أو نسيها؛ سنن البيهقي: 2/ 216؛ عمدة القاري: 4/ 29.

(4). في «ج»: في العام، و في «ب»: كالعام.

299

أمّا من بنى العام المتأخّر على الخاص المتقدّم و أخرج بالخاص المتأخّر بعض ما دخل تحت العام المتقدّم، فالأنسب بمذهبه عدم النسخ في شي‏ء من هذه الأقسام، بل يرجع إلى الترجيح، إذ لا يتخلّص كون المتأخّر أخصّ من المتقدّم حتى يخرج من المتقدّم ما دخل تحت المتأخّر.

و إن جهل التاريخ فإن كانا معلومين لم يجز الترجيح بقوة الإسناد، بل بما يتضمّنه أحدهما من كونه محظورا، أو مثبتا بحكم شرعي، لأنّ الحكم بذلك طريقة الاجتهاد، و ليس في ترجيح أحدهما على الآخر إطراح للمرجوح؛ بخلاف ما لو تعارضا من كلّ وجه، و إن لم يترجّح أحدهما على الآخر فالحكم التخيير.

و إن كانا مظنونين جاز الترجيح بقوة الإسناد، و بما يتضمّنه من الحكم.

فإن لم يترجّح فالتخيير، و إن كان أحدهما معلوما و الآخر مظنونا، جاز ترجيح المعلوم لكونه معلوما. فإن ترجّح المظنون عليه بما يتضمّنه من الحكم، كالمحرم و الشرعي حتى حصل التعارض، فالحكم ما تقدّم.

الرابع: أن يكون أحدهما عاما و الآخر خاصا، فإن اتّفقا علما أو ظنّا و تأخّر الخاص كان ناسخا للعام المتقدّم في مورد الخاص. و إن تأخّر العام كان ناسخا للخاص المتقدّم عند أبي حنيفة. و الحق عندنا و عند الشافعي بناء العام على الخاص و قد تقدّم. و إن وردا معا كان الخاص مخصّصا للعام بالإجماع. و إن جهل التاريخ بني العام على الخاص، و عند الحنفية الوقف‏ (1).

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 453.

300

و إن كان أحدهما معلوما و الآخر مظنونا قدّم المعلوم على المظنون إجماعا، إلّا إذا كان المعلوم عامّا و المظنون خاصا و وردا معا، كتخصيص الكتاب و السنّة المتواترة بخبر الواحد، و قد تقدّم.

المطلب الثاني: في وجوه التراجيح‏

قد عرفت فيما تقدّم أنّ التعارض إنّما يقع في الأدلّة الظنّية إمّا من كلّ وجه كخبر الواحد العام، أو من بعض الوجوه كالآيات العامّة و أخبار الآحاد الخاصّة. فإنّ الأوّل و إن كان قطعيا في متنه إلّا أنّ دلالته على موارده ظنّية، و الثاني بالعكس.

و إذا ثبت هذا فقد يقع التعارض بين الكتاب العزيز و السنّة المتواترة و بين غيرهما من الأدلّة الظنّية؛ و لمّا كانت أنواع الأدلّة هي الكتاب و السنّة و الإجماع و القياس عند بعضهم و الاستدلال عند آخرين، وجب النظر في الترجيح بينها، فهاهنا أبواب:

[الباب‏] الأوّل: في الترجيح بين الأدلّة النقلية

و فيه مقدّمة و مباحث.

[المقدّمة:]

أمّا المقدّمة: فاعلم أنّ الأدلّة النقلية لمّا اشتملت على نقل هو السند، و منقول هو المتن، و منقول عنه و كان العائد إلى السند منه ما يعود إلى الراوي، و منه ما يعود إلى نفس الرواية. و ما يعود إلى الراوي إمّا أن يعود إلى نفسه، أو إلى تزكيته، وجب النظر في ذلك كلّه.

301

البحث الأوّل: في التراجيح الحاصلة بسبب الراوي‏

اعلم أنّ الترجيح لأحد الخبرين على الآخر بالنظر إلى الراوي إمّا أن يقع بكثرة الرواة، أو بأحوالهم. أمّا الواقع بالكثرة فمن وجهين‏ (1):

الأوّل: أن يكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر فيكون أرجح، خلافا للكرخي، لأنّ الظن الحاصل به أكثر من الآخر، لأنّ احتمال وقوع الغلط و الكذب على العدد الأكثر أقل من احتمال وقوعه في العدد الأقل، إذ خبر كلّ واحد يفيد الظن و الظنون المجتمعة أقوى من الواحد، و لهذا لمّا كان الحد الواجب بالزنا من أكبر الحدود و آكدها جعلت الشهادة عليه أكثر عددا من غيره، و لم يعمل أبو بكر بخبر المغيرة: «أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أطعم الجدّ السدس»، حتى اعتضد بخبر محمد بن مسلمة.

الثاني: أن يكون أحد الخبرين أعلى إسنادا فإنّه أرجح من الآخر، و إنّه كلّما كانت الرواة أقل كان احتمال الغلط و الكذب أقل، و مهما كان ذلك أقل كان احتمال الصحّة أظهر، و حينئذ يجب العمل به؛ فعلو الإسناد راجح من هذا الوجه، إلّا أنّه مرجوح باعتبار ندوره.

و فيه نظر، فإنّ احتمال الغلط و الخطاء في العدد الأقل إنّما يكون أقل لو اتّحدت أشخاص الرواة في الخبرين أو تساووا في الصفات، أمّا إذا تعدّدت أو كانت صفات الأكثر أكثر فلا.

____________

(1). ذكرهما الرازي في المحصول: 2/ 453.

302

و أمّا الواقعة بأحوال الراوي فهي: إمّا العلم، أو الورع، أو الذكاء، أو الشهرة، أو زمان الرواية، أو كيفية الرواية.

أمّا الحاصلة بالعلم فمن وجوه‏ (1):

الأوّل: رواية الفقيه راجحة على رواية غيره مطلقا عند قوم و هو الحق، لأنّه يميّز بين ما يجوز و ما لا يجوز، فإذا حضر المجلس و سمع كلاما لا يجوز إجراؤه على ظاهره بحث عنه و سأل عن مقدّمته و سبب نزوله، فيطّلع على سبب يزيل الإشكال. أمّا من لم يكن عالما فإنّه لا يعرف الجائز من غيره، فينقل ما سمعه فربّما كان ذلك القدر وحده سببا للضلال.

و قال آخرون: هذا الترجيح إنّما يعتبر في خبرين مرويين بالمعنى، أمّا اللفظ فلا. و الحق ما تقدّم.

الثاني: رواية الأفقه راجحة على رواية الفقيه، لأنّ احترازه عن الغلط أكثر، فالظن الحاصل بخبره أقوى.

الثالث: العالم بالعربية أرجح رواية من غيره، لتمكّنه من التحفّظ عن مواقع الزلل، و قدرته على ما لا يقدر غيره عليه. و قيل: بل غيره أرجح، لأنّ العارف بالعربية يعتمد على معرفته فلا يبالغ في الحفظ اعتمادا على خاطره، و الجاهل يكون خائفا فيبالغ في الحفظ.

و فيه نظر، فإنّ معرفته تقتضي اختلاف دلالات الألفاظ باختلاف‏

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 454؛ و الآمدي في الإحكام: 4/ 252- 253.

303

أحوالها و تغيّر المعاني بتغيّر أدنى سبب في إعرابها، و تشوقه إلى تحقيق ما يسمعه أكثر من الجاهل بالفرق بين المعاني المختلفة بسبب تغير الإعراب.

الرابع: رواية الأعلم بالعربية راجحة على رواية العالم بها، لأنّ ظن احترازه أقوى.

الخامس: أن يكون أحدهما صاحب الواقعة فتترجح روايته على رواية الآخر. كما روت ميمونة قالت تزوجني النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و نحن حلالان. فإنّها مقدّمة على رواية ابن عباس: انّه نكحها و هو حرام. (1) لكونها أعرف بحال العقد من غيرها، لشدة اهتمامها به. خلافا للجرجاني من الحنفية.

السادس: أن يكون أحدهما مباشرا و الآخر غير مباشر فالمباشر أولى، لأنّه أعرف بما روى. كرواية أبي رافع أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نكح ميمونة و هو حلال، فإنّه راجح على رواية ابن عباس، لأنّ أبا رافع كان هو السّفير بينهما و القابل نكاحها عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فكان أعرف بالقضية؛ و لهذا رجّحنا حديث عائشة و أوجبنا الغسل من التقاء الختانين على رواية غيرها عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«إنّما الماء من الماء»، لأنّ عائشة مباشرة، فكانت أشد علما بذلك. (2)

السابع: الّذي يسمع مشافهة أرجح رواية من غيره. كرواية القاسم بن‏

____________

(1). سنن الدارمي: 2/ 38؛ سنن أبي داود: 1/ 413 برقم 1843 و 1844؛ سنن البيهقي: 7/ 211، باب نكاح المحرم؛ الإحكام: 4/ 253.

(2). الإحكام: 4/ 253؛ ورود باختلاف في سنن البيهقي: 5/ 66 و ج 7/ 210.

304

محمد بن أبي بكر (1) عن عائشة أنّ بريرة عتقت و كان زوجها عبدا، فإنّها راجحة على رواية الأسود فإنّه روى عنها أنّه كان حرّا، لأنّها عمة القاسم بخلاف الأسود فإنّه سمع من وراء الحجاب. (2)

الثامن: أن يكون أحدهما أقرب إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عند سماعه. كرواية ابن عمر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه أفرد و كان تحت ناقته حين لبى. (3)

التاسع: رواية من مجالسته للعلماء أكثر راجحة على رواية غيره، لتفطّن الأوّل لما لا يتفطّن له الآخر، فيقوى الظن بخبر الأوّل على الظن بخبر الثاني.

العاشر: رواية من مجالسته للمحدثين أكثر أرجح من رواية غيره.

الحادي عشر: من طريقه أقوى أرجح رواية إذا روى ما يقلّ اللبس فيه.

كما إذا روى أنّه شاهد زيدا وقت الظهر بالبصرة، و روى الآخر أنّه رآه في ذلك اليوم ببغداد. فالأوّل أرجح، لأنّ تطرق الاشتباه إلى الثاني أكثر.

و أمّا الحاصلة بالورع فمن وجوه‏ (4):

____________

(1). القاسم بن محمد بن أبي بكر عدّه الشيخ تارة في أصحاب السجاد (عليه السلام)، و أخرى في أصحاب الباقر (عليه السلام)، و ذكره البرقي في أصحاب الصادق، و هو جد الإمام الصادق (عليه السلام) لأمّه أم فروة، أحد الفقهاء السبعة في المدينة، ولد فيها و توفي بقديد (بين مكّة و المدينة) حاجّا أو معتمرا، كان صالحا ثقة من سادات التابعين. معجم رجال الحديث: 15/ 48 برقم 9558؛ الأعلام: 5/ 181.

(2). الإحكام: 4/ 257. و لم نعثر عليها في المصادر الحديثية.

(3). الإحكام: 4/ 253. و لم نعثر عليها في المصادر الحديثية.

(4). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 455.

305

الأوّل: رواية الأعدل أرجح من رواية العدل، لأنّ الظن بقول الأوّل أقوى.

الثاني: رواية من عرفت عدالته بالاختبار أرجح من رواية مستور الحال عند من يقبل روايته.

الثالث: رواية من عرفت عدالته بالاختبار أولى من رواية من عرفت عدالته بالتزكية، لإمكان غلط المزكّي و خطائه.

الرابع: رواية من زكّاه كثير أولى من رواية من زكّاه قليل.

الخامس: رواية من عرفت عدالته بتزكية من يكثر بحثه عن أحوال الرجال و يداوم على التطلّع عليها أولى من رواية من عرفت عدالته بتزكية من ليس كذلك.

السادس: رواية من عرفت عدالته بتزكية الأعلم الأزهد أولى من رواية من عرفت عدالته بتزكية العالم الزاهد.

السابع: رواية من ذكر المزكّي سبب عدالته أرجح من رواية من أطلق المزكّي العدالة.

الثامن: رواية من استندت تزكيته إلى عمل المزكّي بخبره أولى من رواية من استندت تزكيته إلى الرواية عنه.

التاسع: رواية العدل غير المبتدع أرجح من رواية العدل المبتدع و إن لم توجب بدعته كفرا.

306

و أمّا الحاصلة بسبب الذكاء فوجوه‏ (1):

الأوّل: رواية زائد الضبط، الأقل نسيانا أرجح من رواية ضده.

الثاني: لو كان أحدهما أشدّ ضبطا لكنّه أكثر نسيانا، و الآخر أضعف ضبطا لكنّه أقل نسيانا، و لم تكن قلة الضبط و لا كثرة النسيان مانعة من قبول خبره، قيل يتعارضان، و يحتمل ترجيح الأوّل.

الثالث: أن يكون أحدهما أقوى حفظا لألفاظ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإنّه أرجح من غيره، إذ الحجّة في قول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

الرابع: الجازم بالرواية أولى من الظان.

الخامس: دائم سلامة العقل من الاختلال أرجح رواية ممّن يعتوره اختلاط العقل، إذا لم يعرف أنّه أدّى الخبر حال سلامة العقل أو حال الاختلال.

السادس: رواية حافظ الحديث أرجح من رواية المعول على المكتوب، لأنّه أبعد من الشبهة، و يحتمل الضد.

السابع: رواية ذاكر الحديث راجحة على رواية المستند إلى خط.

و أمّا الحاصلة بسبب شهرة الراوي فأمور (2):

أحدها: رواية الكبير من الصحابة أو غيرهم أرجح من غيره في طبقته،

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 456.

(2). راجع المحصول: 2/ 457.