نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج5

- العلامة الحلي المزيد...
508 /
307

لأنّ دينه كما يمنعه من اعتماد الكذب كذا علو منصبه يمنعه منه أيضا، و لهذا كان علي (عليه السلام) يحلّف بعض الرواة دون أبي بكر.

ثانيها: غير المدلّس أرجح من المدلّس.

ثالثها: صاحب الاسمين مرجوح بالنسبة إلى صاحب الاسم الواحد.

رابعها: رواية معروف النسب راجحة على رواية المجهول.

خامسها: رواية غير المتلبّس برجال ضعفاء أرجح من رواية من تلبّس اسمه باسم رجال ضعفاء مع صعوبة التمييز بينهم.

و أمّا التراجيح المستندة إلى زمان الرواية فأمور (1):

الأوّل: رواية البالغ في جميع زمان الرواية أرجح من رواية الصّبي في بعض أوقات الرواية البالغ في الآخر.

الثاني: رواية البالغ وقت التحمّل و الرواية أرجح من رواية المتحمّل وقت الصغر و الكبر إذا لم يرو إلّا حالة البلوغ.

الثالث: من انتفى عنه احتمال هذين الوجهين أرجح رواية ممّن يحتمل فيه الوجهان.

و أمّا التراجيح العائدة إلى كيفية الرواية فأمور (2):

أحدها: أن يقع الخلاف في أحدهما أنّه موقوف على الراوي أو مرفوع‏

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 457.

(2). راجع المحصول: 2/ 457- 458.

308

إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فالمتّفق على رفعه أرجح.

ثانيها: الخبر المنسوب إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قولا أرجح من المنسوب إليه اجتهادا، بأن يروي أنّه وقع ذلك في مجلس الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلم ينكر عليه، فالأوّل أولى، لقلة الاحتمال فيه و عدم الخلاف عنه.

ثالثها: المقترن بالسبب بأن يذكر الراوي سبب نزول ذلك الحكم أرجح من المجرد عنه، لشدة اهتمام الأوّل بمعرفة ذلك الحكم بخلاف الثاني.

رابعها: الخبر المنقول بلفظه راجح على المنقول معناه خاصة و على ما يحتمل انّه نقل معناه، للإجماع على قبول الأوّل و الخلاف في الثاني، و لأنّ تطرّق الغلط إلى الثاني أكثر، فالظنّ فيه أضعف.

خامسها: المعتضد بحديث سابق أرجح من غيره.

سادسها: إذا أنكر الراوي الأصلي الرواية عنه كان مرجوحا بالقياس إلى ما لا يكون كذلك. و قد تقدّم تفصيل القول فيه.

سابعها: المسند أرجح من المرسل إن عملنا (1) بالمرسل على المذهب الحق. و قال عيسى بن أبان: المرسل أولى، و قال القاضي عبد الجبار بالتساوي.

لنا: إنّ المرسل عدالته معلومة لرجل واحد و هو الراوي عنه، و المسند

____________

(1). في «أ» و «ب» و «د»: علمنا، و في المحصول: قبلنا.

309

عدالته معلومة لكلّ أحد لتمكن كل واحد من البحث عنه و عن سبب جرحه و عدالته، و معلوم رجحان رواية من علمت عدالته عند الجميع على رواية من اختصت المعرفة بعدالته لرجل واحد، فإنّ العدالة من الأمور الباطنة قد تخفى على شخص واحد و يبعد خفاؤها عن الأكثر.

احتجّ المخالف بوجهين‏ (1):

الأوّل: الثقة لا يسند القول إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و يشهد به إلّا مع القطع و الجزم أو مقاربة بأنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال ذلك، بخلاف ما إذا استند و ذكر الواسطة فإنّه لم يحكم على ذلك الخبر بالصحّة، و لم يزد على الحكاية بأنّ فلانا زعم أنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال ذلك، فكان الأوّل أولى.

الثاني: قال الحسن البصري: إذا حدّثني أربعة نفر من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بحديث تركتهم و قلت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). فأخبر عن نفسه أنّه لا يستجيز هذا الإطلاق إلّا مع شدة الوثوق.

و الجواب عن الأوّل: أنّ قول الراوي: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كذا، يقتضي ظاهره الجزم بصحّة خبر الواحد، و هو جهل غير جائز فلا يمكن إجراؤه على ظاهره، فيحمل على إرادة الظّن أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال ذلك أو سمعت أو رويت، كان الإسناد المشتمل على ذكر الراوي أولى لمعرفة عدالته للكلّ.

و هو الجواب عن الثاني [بعينه‏].

و اعلم أنّ رجحان المرسل على المسند إنّما يصحّ لو قال الراوي: قال‏

____________

(1). ذكرهما الرازي مع الإجابة عنهما في المحصول: 2/ 458- 459.

310

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، أمّا لو قال: عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإنّه لا يترجّح، لأنّه في معنى قوله روي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

[و] لو كان أحد الراويين لا يرسل إلّا عن عدل و عرف منه ذلك، و الآخر لا يعرف منه ذلك؛ فالأوّل أرجح، و هذا يختص بالأخبار المرسلة. و قد رجّح قوم بالحرية و الذكورة قياسا على الشهادة و لا بأس به.

البحث الثاني: في الترجيح المستند إلى حال ورود الخبر

و هو من وجوه‏ (1):

الأوّل: إذا كان أحد الخبرين أو الآيتين مدنيا و الآخر مكّيّا قدّم المدني، لأنّ غالب المكّي وقع قبل الهجرة و المدني متأخّر عنها، و المكّي المتأخّر عن المدني قليل، و القليل ملحق بالكثير، فيكون العمل على المدني لظن تأخّره، فيكون ناسخا.

الثاني: الوارد بعد قوة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و شدّة شوكته و علو شأنه راجح على الخبر الّذي لا يكون كذلك، لتأخّر الأوّل فيكون العمل عليه، لأنّ علو شأنه كان في آخر زمانه، فقد يتضمّن الخبر الوارد بعد علو شأنه ما يقتضي تأخّره عن الأوّل.

و فصّل آخرون فقالوا: إن دلّ الأوّل على علو الشأن و الثاني على الضعف كان الأوّل مقدّما، أمّا إن لم يدلّ الثاني لا على القوة و لا

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 459- 461.

311

على الضعف فمن أين يجب تقديم الأوّل عليه.

و فيه نظر، لأنّ الأوّل معلوم أنّه في آخر وقته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الثاني مشكوك فيه، و المعلوم مقدّم على المظنون.

الثالث: أن يكون راوي أحدهما متأخّر الإسلام و يعلم أنّ سماعه حصل بعد إسلامه، و راوي الآخر متقدّم الإسلام، فيقدّم الأوّل، لأنّه أظهر تأخّرا.

و قيل: إذا كان المتقدّم موجودا مع المتأخّر لم يمنع تأخّر روايته عن رواية المتأخّر، و هو حسن. أمّا إذا علم موت المتقدّم قبل إسلام المتأخّر، أو علمنا أنّ أكثر روايات المتقدّم متقدّمة على روايات المتأخّر حكم بالرجحان، لأنّ النادر ملحق بالغالب.

الرابع: أن يحصل إسلام الراويين معا، كإسلام خالد و عمرو بن العاص، لكن يعلم أنّ سماع أحدهما بعد إسلامه و لا يعلم ذلك في سماع الآخر، فيقدّم الأوّل لظهور تأخّره.

الخامس: المؤرّخ مقدّم على المطلق لظهور تأخّره.

و فيه نظر، لإمكان تأخّر المطلق. نعم لو كان المؤرّخ في آخر زمانه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإنّه أولى من المطلق بظن تأخّر الأوّل.

السادس: أن يكون أحدهما مؤقّتا بوقت متقدّم و الآخر مطلق، فالمطلق أرجح، لأنّه أشبه بالمتأخّر.

312

السابع: إذا وردت حادثة كان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يغلظ فيها زجرا لهم عن العادات القديمة ثمّ خفف فيها نوع تخفيف قيل: يرجّح التخفيف على التغليظ لظهور تأخّره. و يضعف بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يغلظ آخر أمره عند علو شأنه، فيظن تأخيره حينئذ.

الثامن: العموم الوارد ابتداء أرجح من العموم الوارد على السبب، لوقوع الخلاف في أنّ الثاني هل هو مقصور على سببه أو لا؟ و هو و إن كان ضعيفا إلّا أنّه مرجّح. و هذه الوجوه ضعيفة الترجيح.

البحث الثالث: فيما يرجع إلى اللفظ

و هو على وجوه‏ (1):

الأوّل: الفصيح راجح على الركيك، لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان أفصح العرب. و ردّ بعضهم الركيك لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لفصاحته لا يتكلّم بغير الفصيح، و منهم من قبله و حمل الركيك على أنّ الراوي رواه بلفظ نفسه. و على كلّ تقدير فالفصيح راجح عليه إجماعا.

الثاني: قال بعضهم: الأفصح يقدّم على الفصيح. و ليس بمعتمد، لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يتكلّم بهما معا، و كذا وجد في القرآن العزيز.

الثالث: الخاص مقدّم على العام. و قد تقدّم.

الرابع: قيل: الحقيقة تقدّم على المجاز، لأنّ دلالتها أظهر فإذا اشتمل‏

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 461- 464.

313

أحد الخبرين على الحقيقة و الآخر على المجاز، قدّم الأوّل. و هو ضعيف، لأنّ المجاز الراجح أظهر في الدلالة من الحقيقة المرجوحة، و لأنّ المجاز الّذي هو الاستعارة أظهر دلالة من الحقيقة، فإنّ قولنا: فلان ينحر أقوى دلالة من قولنا: يضحي.

الخامس: أن يكونا حقيقتين إلّا أنّ أحدهما أظهر في المعنى، لكثرة ناقليه، أو لكون ناقله أقوى و أتقن من غيره أو لغير ذلك و الترجيحات العائدة إلى الراوي آتية هنا.

السادس: أن يكون وضع أحدهما على مسمّاه مجمعا عليه و وضع الآخر مختلف فيه، فالأوّل أرجح.

السابع: المستغني عن الإضمار أرجح من المفتقر إليه.

و فيه نظر، لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يتكلّم بهما معا.

الثامن: الدالّ على المقصود منه بالوضع الشرعي أو العرفي أولى من الدالّ عليه بالوضع اللغوي. و الوجه أن يقال: حمل اللفظ الّذي صار شرعيا في غير ما وضع له في اللغة على الشرعي أولى من حمله على اللغوي، لأنّ اللغوي منسوخ حينئذ. أمّا الّذي ليس كذلك مثل أن يكون لفظ يدلّ بوضعه الشرعي على حكمه و لفظ آخر يدلّ بوضعه اللغوي على حكمه، و لا عرف للشرع في هذا اللفظ فإنّه لا يترجّح الأوّل عليه، لأنّ هذا اللغوي حيث لم ينقله الشرع يكون لغويا عرفيا شرعيا. و الأوّل شرعي لا غير، و النقل على خلاف الأصل فلا ترجيح حينئذ.

314

التاسع: أكثر المجازين شبها بالحقيقة أرجح من مقابله.

العاشر: إذا تعارض خبران و لا يمكن العمل بأحدهما إلّا بمجازين و يمكن العمل بالآخر بمجاز واحد، كان الثاني أولى لقلّة مخالفته للأصل.

الحادي عشر: ما لم يدخله التخصيص أرجح ممّا دخله، لصيرورة الثاني مجازا بخلاف الأوّل لبقائه في تمام مسمّاه.

الثاني عشر: الدالّ على المراد بوجهين أرجح ممّا يدل بوجه واحد، لأنّ الظنّ الحاصل منه أقوى.

و فيه نظر، فإنّ قوة الدلالة لا توجب التأخير في التاريخ.

الثالث عشر: الحكم إذا اقترن بالعلّة كان راجحا على المنفرد عنها؛ و من هذا الباب أن يقترن أحدهما بالمعنى المناسب و الآخر يكون معلّقا بمجرد الاسم، فإنّ الأوّل أولى.

الرابع عشر: أن يكون أحدهما تنصيصا على الحكم مع اعتباره بمحلّ الآخر و الآخر ليس كذلك، يقدّم الأوّل في المشبّه و المشبّه به معا، لأنّ اعتبار محلّ بمحلّ إشارة إلى وجود علّة جامعة. كقول الحنفي في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أيّما إهاب دبغ فقد طهر» (1) كالخمر يتخلّل فيحلّ، رجّحناه في المشبّه على قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب و لا عصب» (2)، و في‏

____________

(1). مسند أحمد: 1/ 219 و 270 و 343؛ سنن الدارمي: 2/ 85؛ سنن ابن ماجة: 2/ 1193؛ سنن الترمذي: 3/ 135 برقم 1782؛ سنن النسائي: 7/ 173.

(2). مسند أحمد: 4/ 310 و 311؛ سنن ابن ماجة: 2/ 1194؛ سنن أبي داود: 2/ 274 و 275؛ سنن الترمذي: 3/ 136؛ سنن النسائي: 7/ 175.

315

المشبّه به في مسألة تخليل الخمر على قوله: «أرقها».

الخامس عشر: المؤكّد أرجح من غيره كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «و اللّه لأغزون قريشا و اللّه لأغزون قريشا و اللّه لأغزون قريشا». (1)

السادس عشر: أن يكون أحدهما تنصيصا على الحكم مع ذكر المقتضي لضدّه كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها» (2) فإنّه مقدّم على ما ليس كذلك، لدلالة اللفظ على ترجيح مدلوله على ضده، و لأنّ تقديمه يقتضي وحدة النسخ و تقديم ضده يقتضي تعدّده مرّتين و الأوّل أولى.

السابع عشر: المقترن بتهديد مقدّم على غيره كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم» (3). و كذا ما كثر التهديد فيه راجح على ما قلّ فيه.

الثامن عشر: الدليل المقتضي للحكم بغير واسطة راجح على ما يقتضيه بواسطة، كما إذا كانت المسألة ذات صورتين فالمعلّل إذا فرض الكلام في صورة و أقام الدليل، فالمعترض إذا أقام الدليل على خلافه في الصورة الثانية ثم توسّل إلى الصورة الأخرى بواسطة الإجماع يقول المعلّل: دليلي أرجح،

____________

(1). سنن أبي داود: 2/ 98؛ سنن البيهقي: 10/ 47 و 48؛ مجمع الزوائد: 4/ 182؛ كنز العمال:

4/ 438 و 443.

(2). مستدرك الحاكم: 1/ 374 و 376؛ المعجم الأوسط: 3/ 219؛ الجامع الصغير: 2/ 297؛ عوالي اللآلي: 1/ 45 و ج 2/ 61؛ بحار الأنوار: 10/ 441 و ج 96/ 286.

(3). صحيح البخاري: 2/ 229، كتاب الصوم؛ مستدرك الحاكم: 1/ 424؛ سنن البيهقي: 4/ 208.

316

لأنّه بغير واسطة و دليل المعترض بواسطة. و الأوّل راجح، لأنّ كثرة الوسائط الظنّية تقتضي كثرة الاحتمالات، فيكون مرجوحا.

التاسع عشر: المنطوق مقدّم على المفهوم إن قلنا بأنّه حجّة، لأنّ المنطوق أقوى دلالة على الحكم من المفهوم.

العشرون: يرجّح المجاز على المجاز الآخر لشهرته أو قوته أو قرب جهته أو رجحان دليله أو شهرة استعماله.

الحادي و العشرون: المجاز راجح على المشترك. و قد تقدم الخلاف فيه.

الثاني و العشرون: الحقيقة المشهورة أرجح من غيرها.

الثالث و العشرون: إذا كان أحد الخبرين قد اشتمل على لفظ موضوع في اللغة لمعنى و الشارع قد استعمله في ذلك المعنى، و الآخر قد اشتمل على لفظ قد وضعه الشارع لمعنى من غير وضع أهل اللغة له، فالأوّل راجح؛ لأنّ الأصل موافقة الشرع اللغة. و هذا بخلاف ما إذا كان اللفظ واحدا منفردا و استعمل في اللغة لمعنى و في الشرع الآخر فإنّ المعهود من الشرع أنّه إذا أطلق اللفظ فإنّما يريد به معناه الّذي وضعه هو بازائه.

الرابع و العشرون: أن يدلّا بجهة الاقتضاء إلّا أنّ العمل بأحدهما في مدلوله لضرورة صدق المتكلّم أو لضرورة وقوع الملفوظ به عقلا و الآخر لضرورة وقوع الملفوظ به شرعا، فالأوّل أرجح؛ لأنّ الخلف في كلام الشارع و مخالفة المعقول ممتنعان، بخلاف مخالفة المشروع.

317

الخامس و العشرون: أن يدلّا بجهة التنبيه و الإيماء إلّا أنّ أحدهما لو لم يفد كون المذكور علّة للحكم لكان ذكره عبثا و حشوا فإنّه راجح على الإيماء بما رتّب فيه الحكم بفاء التعقيب.

السادس و العشرون: أن يدلّا من حيث المفهوم إلّا أنّ أحدهما يدلّ من حيث مفهوم الموافقة و الآخر بمفهوم المخالفة، فالأوّل راجح للإجماع عليه بخلاف الثاني. و قيل: الثاني أولى، لأنّ فائدة مفهوم الموافقة التأكيد و فائدة مفهوم المخالفة شرع الحكم ابتداء، و هو أولى من التأكيد.

السابع و العشرون: الدال من حيث الاقتضاء راجح على الدال من قبيل الإشارة، لترجّحها بقصد المتكلّم لها بخلاف الثاني.

الثامن و العشرون: دلالة الاقتضاء أرجح من دلالة الإيماء، لتوقّف صدق المتكلّم أو مدلول منطوقه عليه بخلاف الثاني.

التاسع و العشرون: دلالة الاقتضاء أولى من دلالة المفهوم، للإجماع على الأوّل و الخلاف في الثاني.

الثلاثون: إذا كان العمل بأحدهما يقتضي تخصيص العام و العمل بالآخر يقتضي تأويل الخاصّ، و الأوّل أولى لكثرته بخلاف الثاني.

الحادي و الثلاثون: إذا كان عموم أحدهما من قبيل الشرط و الجزاء و الآخر من قبيل النكرة المنفية و غيرها، فالأوّل أولى، لأنّ الشرط كالعلّة و المعلّل أولى من غيره.

318

الثاني و الثلاثون: الجمع المفيد للعموم، و من و ما أرجح دلالة على العموم من المعرّف بلام الجنس عليه، للاتّفاق بين القائلين بالعموم في الأوّل دون الثاني.

الثالث و الثلاثون: أن يكون أحدهما إجماعا و الآخر نصا، فالأوّل أولى للأمن من النسخ في الأوّل بخلاف الثاني.

الرابع و الثلاثون: الإجماع راجح على غيره من الأدلّة.

البحث الرابع: في التراجيح العائدة إلى الحكم‏

و هي من وجوه‏ (1):

الأوّل: إذا كان أحد الخبرين مقرّرا لحكم الأصل و كان الآخر ناقلا عنه، اختلفوا: فالأكثر ترجيح الناقل، و قال بعضهم: بل المقرر أولى‏ (2).

احتجّ الأوّلون بوجهين‏ (3):

أ. الناقل يستفاد منه ما لا يعلم إلّا منه و المقرّر حكم معلوم بالعقل، فكان اعتبار الأوّل أولى.

ب. العمل بالناقل يقتضي تقليل النسخ، لأنّه يقتضي إزالة حكم العقل فقط؛ أمّا لو جعلنا المقرر متأخّرا تكثير النسخ، لأنّ الناقل أزال‏

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 464- 469.

(2). و هو مختار الرازي في المحصول: 2/ 464.

(3). راجع المحصول: 2/ 465.

319

حكم العقل، ثمّ المقرر أزال حكم الناقل مرة أخرى.

اعترض على أ. لو جعلنا المبقي متأخّرا استفدنا منه ما لا يستقل العقل به، و لو جعلناه متقدّما استفدنا منه ما يتمكّن العقل من معرفته.

و على ب. أنّ ورود الناقل بعد ثبوت حكم الأصل ليس بنسخ، لأنّ دلالة العقل إنّما تقيّد بشرط عدم دليل السمع، فإذا وجد انتفى دليل العقل، فلا يكون الدليل السمعي رافعا لحكم العقل، بل يكون مبيّنا لانتهائه، فلا يكون ذلك خلاف الأصل.

و لأنّه معارض بأنّا لو جعلنا المبقي متقدّما لكان المنسوخ حكما ثبت بدليلين: العقل، و السمع و هو أشدّ مخالفة، لأنّه نسخ للأقوى بالأضعف.

احتجّ الآخرون بأنّ حمل الحديث على ما لا يستفاد إلّا من الشرع أولى من حمله على ما يستقلّ العقل بمعرفته، إذ فائدة التأسيس أقوى من فائدة التأكيد، و حمل كلام الشارع على ما هو أكثر فائدة أولى، فلو جعلنا المبقي متقدّما على الناقل لكنّا قد جعلناه واردا حيث لا حاجة إليه، لأنّا نعرف ذلك الحكم بالعقل. و لو جعلنا المبقي واردا بعد الناقل لكان واردا حيث يحتاج إليه، فكان الحكم بتأخيره أولى.

تذنيب‏

قال قاضي القضاة (1): العمل بالناقل كما ذهب إليه الجمهور، أو

____________

(1). نقله عنه الرازي في المحصول: 2/ 465- 466.

320

بالمنفي كما ذهب إليه الآخرون، ليس من باب الترجيح لوجهين:

أ. أنّا نعمل بالناقل على أنّه ناسخ، و العمل بالناسخ ليس من باب الترجيح.

ب. لو كان العمل بالناقل ترجيحا لوجب العمل بالآخر لولاه، لأنّه حكم كل خبرين رجح أحدهما على الآخر. و معلوم أنّه لو لا الناقل لكنّا عاملين بموجب الخبر الآخر لدلالة العقل لا للخبر. (1)

و اعترض على أ. بأنّ النسخ يلزم لو علمنا تأخّر الناقل لكنّا لا نقطع بذلك، بل نقول: الظاهر بآخره مع جواز خلافه، فهو حينئذ داخل في باب الأوّل، و هذا ترجيح.

و على ب. بأنّه لو لا الناقل لعلمنا بالآخر لأجله، لأنّا نجعله حكما شرعيا، و لهذا لا يصحّ رفعه إلّا بما يصحّ النسخ به، و لو لا صيرورته شرعيا بعد ورود الخبر، و إلّا لما كان كذلك.

*** [الوجه‏] الثاني‏ (2): إذا كان أحد الخبرين يقتضي الإثبات و الآخر النفي و كانا شرعيّين، قال القاضي عبد الجبار: إنّهما سواء. و ضرب لذلك أمثلة ثلاثة:

____________

(1). في المحصول: 2/ 466 العبارة كما يلي: و معلوم أنّه لو لا الخبر الناقل لكنّا إنّما نحكم بموجب الخبر الآخر لدلالة العقل، لا لأجل الخبر.

(2). الوجه الثاني من وجوه التراجيح العائدة إلى الحكم.

321

أ. إذا اقتضى العقل حظر الفعل، ثمّ ورد خبران أحدهما في إباحته و الآخر في وجوبه.

ب. أن يقتضي العقل وجوب الفعل، ثمّ يرد خبران أحدهما يدلّ على الحظر و الآخر على الإباحة.

ج. أن يقتضي العقل إباحة الفعل، ثم يرد خبران أحدهما يقتضي الوجوب و الآخر الحظر.

قال أبو الحسين: لقائل أن يقول لا بد و أن يكون أحدهما مطابقا لحكم العقل، إذ كلّ فعل له في العقل له حكم الحسن أو القبح أو ما زاد على الحسن، و لا يكون أحد الخبرين نفيا و الآخر إثباتا إلّا و النفي منهما نفي لواحد من الأحكام، و الإثبات منهما إثبات لبعضها. (1)

و قال فخر الدين الرازي: هذا يستقيم على مذهبنا في أنّ العقل لا يستقلّ بشي‏ء من الأحكام إثباتا و نفيا، بل إنّما يستفاد ذلك من الشرع فحينئذ لا مزية لأحدهما على الآخر. و لا يتمّ على مذهب المعتزلة، لأنّ كلّ نفي و إثبات تواردا على حكم واحد فلا بدّ و أن يكون أحدهما عقليا.

فإنّ الإباحة تشارك الوجوب في جواز الفعل، و تخالفه في جواز الترك؛ و تشارك الحظر في جواز الترك و تخالفه في جواز الفعل. فهي تشارك كلّ واحد من الوجوب و الحظر بما به تخالف الآخر. و إذا تقرر هذا فنقول: إذا اقتضى العقل الحظر اقتضى جواز الترك لصدق جائز الترك على المحظور،

____________

(1). المعتمد في أصول الفقه: 2/ 184.

322

فإذا ورد خبر الإباحة و الوجوب كانت الإباحة منافية للوجوب من حيث إنّها تقتضي جواز الترك، لا من حيث إنّها تقتضي جواز الفعل. و جواز الترك حكم عقلي، فثبت أنّه لا بدّ في النفي و الإثبات هنا من كون أحدهما عقليا.

و أمّا إذا اقتضى العقل الوجوب ثمّ ورد خبران في الحظر و الإباحة فالكلام فيه كما تقدم.

و أمّا إذا اقتضى العقل الإباحة ثمّ ورد خبران في الوجوب و التحريم، فنقول: ثبت أنّ الإباحة تشارك كلّا من الوجوب و التحريم بما به تخالف الآخر، فإذا كانت الإباحة مقتضى العقل لزم أن يكون الوجوب مقررا للحكم العقلي من وجه، و ناقلا من آخر. و كذا التحريم فهنا أيضا لا بدّ في النفي و الإثبات المتواردين على أمر واحد من أن يكون أحدهما عقليا، و إذا ثبت أنّ النفي و الإثبات لا بدّ و أن يكون أحدهما عقليا رجع الترجيح إلى ما تقدّم من أنّ الناقل أرجح أم المبقي. (1)

و فيه نظر، لأنّ الإباحة بالمعنى الأخص منافية لكلّ من الحظر و الوجوب، و هي المراد بالحكم الشرعي.

تذنيب‏

إذا اقتضى العقل الحظر ثمّ ورد خبران بالإباحة و الوجوب، و قد عرفت مشاركة الإباحة للحظر من وجه و مخالفتها له من آخر، فخبر الإباحة يقتضي‏

____________

(1). المحصول: 2/ 466- 467.

323

بقاء حكم العقل من وجه هو الّذي حصلت به المشاركة، و النقل من وجه هو الذي حصلت به المباينة. و أمّا الوجوب فإنّه يخالف الحظر في القيدين معا، فيكون مقتضيا للنقل من وجهين فمن رجّح الناقل رجّح خبر الوجوب، و من رجّح المقرر رجّح خبر الإباحة.

و كذا القول لو اقتضى العقل الوجوب ثمّ ورد خبران بالإباحة و الحظر.

و أمّا لو كان مقتضى العقل الإباحة ثمّ ورد خبران بالوجوب و التحريم و كلّ منهما يشارك الإباحة من وجه دون آخر، فيكون كلّ منهما ناقلا من وجه و مقررا من آخر، فيحصل التساوي.

قال أبو الحسين‏ (1): و قد مثل قاضي القضاة الخبرين الوارد أحدهما بالإثبات و الآخر بالنفي بما روي أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صلّى في الكعبة و ما روي: أنّه لم يصل، و ما روت أم سلمة أنّه لم يقبّلها و هو صائم و ما روت عائشة أنّه قبّلها و هو صائم، قال: و ليس هذا بمثال للمسألة، لأنّ القبلة و الصلاة و نفيهما أفعال لا أحكام فيقال إنّها عقلية أو شرعية و إنّما الأحكام جواز الصلاة و نفي جوازها، و العقل لو تجرّد لكان مطابقا لنفي جوازها لأنّها (2) غير مصلحة، و كون القبلة غير مفسدة للصوم هو مقتضى العقل، و كذا تزويج النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ميمونة و هو حلال أو حرام هو إيقاع فعل في أحوال، و ليس ذلك بحكم و إنّما الحكم هو حسن ذلك مع الإحرام أو قبحه، و مقتضى العقل هو حسنه، هذا إذا كان هو الأصل في العقل.

____________

(1). المعتمد في أصول الفقه: 2/ 184.

(2). في «أ» و «ب»: فإنّها.

324

أمّا ما يكون الأصل من حال المروي عنه نحو ما روي أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يصلّ في الكعبة و لم يقبّل و هو صائم، و أنّه تزوّج ميمونة و هو حلال، لأنّ الأصل منه عدم ذلك.

فالخبر المروي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صلّى في الكعبة أولى، و تحمل رواية من لم يصل على حسب اعتقاده و أنّه خفي عليه بعض أحوال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و رواية القبلة راجحة على رواية نفيها، لأنّ أم سلمة روت عن حالها معه فلا تعارض رواية عائشة أنّه قبّلها و هو صائم.

و عدالة راوي تزويج النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو حرام تقتضي أن يثبت رواية «تزويجه إياها و هو حلال» إلى أنّه استدام الأصل، فكانت هذه الرواية أولى أن تثبت العدالة.

*** [الوجه‏] الثالث: إذا تعارض خبران في الحظر و الإباحة و كانا شرعيّين، قال أبو هاشم و عيسى بن أبان: إنّهما يستويان فيطرحان فيرجع المجتهد إلى غيرهما من الأدلّة.

و قال الكرخي و جماعة من الفقهاء: خبر الحظر راجح لوجوه‏ (1):

الأوّل: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما اجتمع الحرام و الحلال إلّا و غلب الحرام الحلال». (2)

____________

(1). راجع المحصول: 2/ 468.

(2). عوالي اللآلي: 3/ 466 برقم 17؛ بحار الأنوار: 62/ 144؛ مستدرك الوسائل: 13/ 68.

325

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». (1) و لا يريبه جواز ترك هذا الفعل، لأنّه بين أن يكون حراما و مباحا، و إنّما يريبه جواز فعله فيجب تركه.

الثاني: لو طلق واحدة من نسائه و نسيها حرم عليه وطء الجميع، و كذا لو أعتق إحدى إمائه.

الثالث: دار بين ارتكاب الحرام أو ترك المباح، و ترك المباح أولى، فكان الترجيح للمحرم احتياطا.

لا يقال: يحتمل أن يكون الفعل مباحا، فاعتقاد تحريمه إقدام على ما لا يؤمن كونه جهلا.

لأنّا نقول: إذا استباح المحظور أقدم على محظورين: الفعل، و اعتقاد إباحته؛ أمّا إذا امتنع عن المباح فقد أقدم على محظور واحد هو اعتقاد التحريم.

قال أبو الحسين: و قد نصر هذا القول بوجوه:

أوّلها: الحظر أدخل في التعبّد من الإباحة، لأنّه أشق.

و اعترضه بأنّ الفعل قد يتعبّدنا اللّه بحظره، و قد يتعبّدنا باعتقاد إباحته، و يرد الشرع بإباحته، و قد يرد الشرع بإباحة ما لم يكن في العقل مباحا كما

____________

(1). مسند أحمد 3/ 112 و 153؛ مستدرك الحاكم: 1/ 51 و ج 2/ 13؛ مجمع الزوائد: 1/ 238 و ج 5/ 56.

326

يرد بحظر ما لم يكن محظورا فليس أحدهما أدخل في التعبّد من الآخر.

ثانيها: إذا تعارض خبر حظر و إباحة فقد حصلت جهة حظر و جهة إباحة. و هاتان الجهتان متى اجتمعتا كان الحظر أولى، فإنّ الأمة بين الشريكين لمّا اجتمع فيها ملكه و هو مبيح و ملك الآخر و هو محرم، قدّم الحظر.

و اعترضه بأنّ ملك أحد الشريكين لبعض الأمة ليس بجهة مبيحة للوطء، بل الجهة المبيحة ملك الجميع فلم يحصل في هذه الأمة جهتان إحداهما لو انفردت أباحت، و الأخرى لو انفردت حظرت، بخلاف الخبرين فإنّ كلّ واحد منهما لو انفرد لثبت حكمه.

ثالثها: لو غرق جماعة من الأقارب و خفي المتقدّم جعلناهم كأنّهم غرقوا معا، و لم نورّث بعضهم من بعض و غلبنا حظر التوارث بينهم.

و اعترضه بأنّ ذلك حجّة للمخالف، لأنّهم قد نزلوا منزلة من لم يموتوا. و فرّق قاضي القضاة بجواز أن يكونوا قد غرقوا دفعة فجاز أن يجريهم هذا المجرى، بخلاف الخبر المبيح مع المحرم فإنّه لا يجوز ورودهما معا، فلا يصحّ تقديرهما هذا التقدير.

لا يقال: ليس إذا تعارضت البينتان في الملك لم يسقطا و عمل عليهما، فهلّا وجب مثله في الخبرين؟

لأنّا نقول: إنّه يمكن العمل على البيّنتين في الملك فيجعل بينهما، و أجاب قاضي القضاة بأنّ البيّنتين يجوز صدقهما بأن تستند الشهادة إلى‏

327

التصرف و يكون المتداعيان قد تصرفا، فيثبت لكلّ منهما الملك بحكم اليد، بخلاف الحظر و الإباحة معا. (1)

[الوجه‏] الرابع: إذا كان أحد الخبرين مثبتا للطلاق و العتاق و الآخر نافيا لهما، قال الكرخي: نقدّم المثبت لهما على النافي، و قال آخرون بالتسوية.

احتجّ الكرخي: أنّ مشروعية ملك النكاح و اليمين على خلاف الأصل، فيكون زوالهما على وفق الأصل. و الخبر المتأيّد بموافقة الأصل راجح على الواقع بخلاف الأصل. (2)

و قيل: النافي لهما أولى، لأنّه على وفق الدليل المقتضي لصحّة النكاح و إثبات ملك اليمين الراجح على النافي له.

[الوجه‏] الخامس: النافي للحد مقدّم على المثبت له عند بعض الفقهاء، خلافا للمتكلّمين لوجوه‏ (3):

أحدها: الحد ضرر فتكون مشروعيته على خلاف الأصل، و النافي له على وفق الأصل، فيكون النافي راجحا.

ثانيها: ورود الخبر في نفي الحد إن لم يوجب الجزم بذلك النفي فلا أقل من إفادته الشبهة، و إذا حصلت الشبهة سقط الحد لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ادرءوا الحدود بالشبهات» (4).

____________

(1). المعتمد في أصول الفقه: 2/ 187- 188.

(2). راجع المحصول: 2/ 469.

(3). راجع المحصول: 2/ 469؛ الإحكام: 4/ 259.

(4). من لا يحضره الفقيه: 4/ 74 برقم 5146؛ مستدرك الوسائل: 18/ 26 ح 3 و 4؛ عوالي اللآلي: 1/ 236 برقم 147 و ج 2/ 349 برقم 4.

328

ثالثها: إذا كان الحدّ يسقط بتعارض البيّنتين مع ثبوته في أصل الشرع فليس يسقط بتعارض الخبرين في الجملة، و لم يتقدّم له ثبوت أولى.

رابعها: النهي من حيث هو نهي راجح على الأمر، لأنّ طلب الترك أشدّ، إذ القائل بالمرّة في الأمر قائل بالتكرار في النهي، و لقلّة تردّد النهي في محامله التي هي التحريم و الكراهة و كثرة محامل الأمر الّتي هي الوجوب و الندب و الإباحة؛ و لأنّ غالب النهي طلب دفع المفسدة و غالب الأمر تحصيل المصلحة، و اهتمام العقلاء بدفع المفاسد أكثر من اهتمامهم بتحصيل المصالح.

خامسها: الأمر راجح على المبيح لانتفاء الضرر بمخالفة المبيح دون مخالفة الأمر. و قد يرجح المبيح باتّحاد مدلوله و تعدّد مدلول الأمر؛ و لأنّ في العمل بالمبيح تأويل الأمر على بعض محامله، و في العمل بالأمر تعطيل المبيح بالكلية، و التأويل أولى من التعطيل.

سادسها: الخبر راجح على الأمر، لاتّحاد مدلول الخبر فيبعد عن الاضطراب؛ و لأنّه أقوى في الدلالة، و لهذا امتنع نسخه عند بعضهم؛ و لأنّ في ترك العمل به محذور الكذب في خبر الشارع، و هو فوق المحذور اللازم من فوات مقصود الأمر، فكان الخبر أولى.

سابعها: المبيح مقدّم على النهي، كما تقدّم في الأمر مع المبيح و فيه ما تقدّم.

ثامنها: الخبر مقدّم على النهي كما في الأمر، و على المبيح.

329

تاسعها: الخبر المشتمل على الزيادة أرجح لإمكان خفائها عن الآخر، كرواية من روى أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كبّر في العيد سبعا (1) فإنّها مقدّمة على رواية من روى أربعا. (2)

عاشرها: إذا اقتضى أحدهما الحظر و الآخر الوجوب فالأوّل راجح، لأنّ غالب الحرمة دفع مفسدة ملازمة للفعل أو تقليلها، و في الوجوب تحصيل مصلحة ملازمة للفعل أو تكميلها، و اهتمام الشارع و العقلاء بدفع المفاسد أتمّ. و لأنّ إفضاء الحرمة إلى مقصودها أتمّ من إفضاء الوجوب إلى مقصوده، لأنّ مقصود الحرمة يتأتى بالترك، سواء كان مع قصد أو غفلة بخلاف فعل الواجب.

حادي عشر: المقتضي للتحريم راجح على المقتضي للكراهة للمساواة بينهما في طلب الترك و زيادة التحريم بما يدلّ على الذم عند الفعل؛ و لأنّ المقصود منهما الترك لما يلزم من دفع المفسدة الملازمة للفعل، و الحرمة أولى بتحصيل ذلك المقصود فكانت أولى بالمحافظة؛ و لأنّ العمل بالمحرم لا يستلزم إبطال دلالة المقتضي للكراهة و هو طلب الترك، و العمل بالمقتضي للكراهة بما يجوز معه الفعل، و فيه إبطال دلالة المحرم.

و لا يخفى أنّ العمل بما لا يفضي إلى الإبطال يكون أولى.

____________

(1). مسند أحمد: 1/ 73 و ج 6/ 65؛ سنن أبي داود: 1/ 256، باب التكبير في العبدين؛ سنن ابن ماجة: 1/ 407؛ سنن البيهقي: 3/ 285؛ الإحكام: 4/ 266.

(2). سنن أبي داود: 1/ 256 برقم 1153؛ سنن البيهقي: 3/ 289؛ الإحكام: 4/ 266.

330

و فيه نظر، لأنّ دلالة مقتضي الكراهة ليس هو مطلق طلب الترك، بل الطلب غير المانع من النقيض.

ثاني عشر: معقول المعنى أرجح لسرعة القبول و سهولة الانقياد، و ما شرعه أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع يكون أولى، و لهذا كان شرع المعقول أغلب من شرع غيره حتى قيل انّ كلّ حكم فهو معقول المعنى حتى في ضرب الدية على العاقلة و غيره ممّا يظن أنّه غير معقول المعنى، و لاشتماله على فائدة التعدية مطلقا عند قوم، و إلى عموم‏ (1) الموافقة عندنا.

ثالث عشر: التكليفي و إن ترجّح باعتبار اشتماله على زيادة الثواب المنوط بالتكليف، إلّا أنّ الوضعي راجح من حيث إنّه لا يتوقّف على ما يتوقّف عليه التكليفي من أهلية المخاطب و فهمه و تمكّنه من الفعل.

رابع عشر: قيل الأخف أولى، لأنّ مبنى الشريعة على التخفيف، كما قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2)، وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (3).

و قيل: الأثقل أرجح، لأنّ القصد بالشرع مصالح المكلّفين و إنّما تحصل المصلحة التامّة بالأشقّ لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ثوابك على قدر مشقتك» (4)، و لأنّ الغالب تأخّر الأثقل.

____________

(1). «أ» و «ب»: مفهوم.

(2). البقرة: 185.

(3). الحج: 78.

(4). الإحكام: 4/ 273. و لم نجده في المصادر الحديثية.

331

البحث الخامس: في التراجيح بالأمور الخارجية

و هي من وجوه‏ (1):

الأوّل: الترجيح بكثرة الأدلّة. و قد سبق.

الثاني: لو عمل بعض الفضلاء من الصحابة أو قال بخلافه و الخبر ممّا لا يخفى عنه، قال بعضهم: يحمل على نسخه، أو أنّه لا أصل له. و إلّا لما خالف، و الحقّ أنّه ليس كذلك، نعم إذا عارضه خبر آخر لا يكون كذلك كان راجحا عليه. و به قال الشافعي.

الثالث: إذا عمل بأحد الخبرين أكثر السلف ممّن لا يجب تقليده، قال عيسى بن أبان: يجب ترجيحه لأنّ الأكثر يوفّق للصواب ما لا يوفّق له الأقل.

و به قال بعض علماء الإمامية.

و قال آخرون: لا يحصل به الترجيح، لأنّه لا يجب تقليدهم. و الأوّل أنسب، لأنّ عدم وجوب التقليد لا يستلزم نفي الترجيح.

الرابع: خبر الواحد فيما تعمّ به البلوى مرجوح، لأنّ كونه ممّا تعمّ به البلوى، و إن لم يوجب القدح فلا أقل من إفادة المرجوحية، و لأنّ فيه خلافا بخلاف غيره.

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 470.

332

تذنيب‏

ما يرجّح به الخبر قد يكون بعضه أقوى من بعض، فإذا استوى الخبران في كمية وجوه الترجيح وجب اعتبار الكيفية، فإن ترجح أحدهما فيها تعيّن العمل به، و إن تساويا تساقطا و رجع إلى غيرهما إن وجدا و وجب التخيير أو الوقف، و كذا إن تساويا في الكيفية و تفاوتا في الكمية وجب العمل بالأكثر كمية. و إن كان أحدهما أكثر كيفية و أقل كمية أو بالعكس وجب على المجتهد أن يقابل ما في أحد الجانبين من الرجحان بما في الجانب الآخر منه فإن رجح أحدهما تعيّن العمل به، و إلّا فالحكم ما تقدّم من التساقط أو التخيير أو الوقف، و يعتبر حال قوة الظن.

البحث السادس: في بقايا تراجيح الأخبار

و هي من وجوه:

الأوّل: ما يوافقه دليل أقوى أرجح ممّا يوافقه الأضعف، كما أنّ ما يوافقه دليل آخر أقوى ممّا لا يوافقه شي‏ء البتّة.

الثاني: ما يوافق عمل علماء المدينة أو الأفضل أرجح، لأنّ أهل المدينة أعرف بالتنزيل و أخبر بمواقع الوحي و التأويل.

الثالث: ما تأويله أقوى أرجح ممّا تأويله أضعف.

الرابع: العامّان إذا ورد أحدهما على سبب خاص و تعارضا بالنسبة إلى‏

333

ذلك السبب، فالوارد عليه أقوى، لكونه أخصّ به؛ و لأنّ محذور المخالفة فيه أشد من حيث اشتماله على تأخير البيان عن وقت الحاجة. و إن تعارضا في غيره فالمطلق أولى، لأنّ عمومه أقوى من عموم مقابله لاستوائهما في صيغة العموم، و حصول الشك بتخصيص ما ورد على الواقعة بها نظر إلى بيان ما دعت الحاجة إليه و إلى أصالة مطابقة ما ورد في معرض البيان لما نسب إليه الحاجة و للخلاف فيه.

الخامس: أن يكون أحدهما قد وردت به المخاطبة على سبيل الإخبار بالوجوب أو التحريم أو غيره كما في قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ‏ (1)، أو في معرض الشرط و الجزاء كقوله تعالى: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً (2)، و الآخر وردت به المخاطبة شفاها كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ‏ (3)، يا أَيُّهَا النَّاسُ‏ (4)، فإن تقابلا في حق من وردت المخاطبة إليه شفاها فخطاب المشافهة أولى، و إن كان بالنظر إلى غيره من وردت المخاطبة إليه شفاها كان الآخر أولى لما تقدّم من أولوية العام المطلق على الوارد على السبب. و لأنّ الشفاهي إنّما هو للحاضرين و تعميمه بالنسبة إلى غيرهم إنّما هو بالنظر إلى دليل آخر إمّا من إجماع الأمّة على عدم التفرقة، أو من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة».

____________

(1). المجادلة: 3.

(2). آل عمران: 97.

(3). البقرة: 178 و 183.

(4). البقرة: 21 و 168، و ...

334

و فيه نظر، للتساوي من هذا الوجه، إذ التكليف منوط بالوجود الشفاهي.

السادس: ما وقع الخلاف في نسخه أو جاز تطرّق النسخ إليه أضعف من مقابله لقلّة تطرّق المنافي إليه.

السابع: العامّان إذا اتّفق على العمل بأحدهما في صورة من صور موارده و إن غلب على الظن زيادة اعتباره على مقابله إلّا أنّ العمل بما لم يعمل به في صورة متّفق عليها أولى، لعدم إفضاء العمل به إلى تعطيل الآخر لكونه قد عمل به في الجملة، و العمل بما عمل به يفضي إلى تعطيل ما لم يعمل به، و ما يفضي إلى التأويل أولى ممّا يفضي إلى التعطيل، و ما عمل به في صورة الوفاق و إن ترجح فيها على الآخر إلّا أنّه يحتمل استناد الرجحان إلى أمر خارج لا وجود له في محل النزاع.

الثامن: أن يكون أحدهما قد قصد فيه بيان الحكم المختلف فيه بخلاف الآخر فهو أولى من الآخر، لأنّه أمسّ بالمقصود لقوله تعالى: وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ‏ (1)، فإنّه قصد به بيان تحريم الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين، فيقدّم على قوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‏ (2) حيث لم يقصد به بيان الجمع.

التاسع: ما هو أقرب إلى الاحتياط و براءة الذمّة أرجح، لكونه أقرب إلى تحصيل المصلحة و دفع المضرة.

____________

(1). النساء: 23.

(2). النساء: 3.

335

العاشر: ذاكر السبب في ورود ذلك النصّ أولى من غيره لشدّة اهتمامه بما رواه، و كذا المقترن بتفسير الراوي بفعله أو قوله فإنّه يكون راجحا على ما ليس كذلك.

الحادي عشر: إذا كان الراوي من كبار الصحابة فروايته أرجح من رواية من هو من صغارهم، لأنّ الغالب قرب الأوّل إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حالة السماع لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ليليني منكم أولوا الأحلام و النهى». (1) و لأنّ محافظته على منصبه يوجب التحرّز عن الكذب أكثر من الأصغر، و كذا متقدّم الإسلام أرجح رواية من متأخّره لزيادة أصالته في الإسلام و تحرّزه فيه.

الثاني عشر: من زكّاه الأكثر أو الأعدل أو الأفقه أرجح، و كذا من زكّي بصريح المقال أرجح ممّن زكّي بالرواية عنه أو بالعمل بروايته أو الحكم بشهادته عنه، و رواية من زكّي بالحكم بشهادته أرجح من رواية من زكّي بالرواية عنه.

الثالث عشر: المتواتر واجب العمل به دون الآحاد لو تعارضا.

و المعنعن أولى من الخبر الّذي طريقه مشهور مع عدم التنكير، و من الّذي طريقه الإسناد إلى كتاب من كتب المحدّثين لبعده عن الغلط و التصحيف.

____________

(1). صحيح مسلم: 2/ 30؛ مسند أحمد: 1/ 457 و ج 4/ 122؛ سنن الدارمي: 1/ 29؛ سنن ابن ماجة: 1/ 313؛ سنن أبي داود: 1/ 158؛ سنن الترمذي: 1/ 144 برقم 228؛ سنن النسائي:

2/ 87 و 90.

336

و ما طريقه الشهرة أولى من المستند إلى كتاب من كتب المحدّثين.

و المستند إلى كتاب مشهور بالصحّة أولى من غيره.

و الذي روايته بقراءة الشيخ عليه أولى من الّذي يقرأ هو على الشيخ، أو بخبره له، أو مناولته، أو يراه بخطّه.

و المناولة أولى من الإجازة، لأنّ المناولة غير كافية و هو أن يقول: «خذ هذا الكتاب» ما لم يقل: «و حدّث به عنّي فقد سمعته من فلان» و على هذا يكون إجازة و زيادة.

و الإجازة راجحة على رواية الخط في الكتاب، لأنّ الخطوط ممّا يشتبه. و كذا لو قال الشيخ: «هذا خطّي» فالإجازة أولى، لأنّ دلالة لفظ الشيخ على الرواية عمّن روى عنه أظهر من دلالة خطّه عليها.

و الخبر الّذي لم ينكره راوي الأصل أرجح من الّذي أنكره، و الّذي أنكره راوي الأصل إنكار نسيان و توقّف أرجح من الّذي أنكره الأصل إنكار تكذيب و جحود.

البحث السابع: في تراجيح الإجماعات‏

اعلم أنّ بعض الإجماعات قد يرجّح على بعض، و هو من وجوه‏ (1):

الأوّل: الإجماع الّذي دخل فيه أهل العصر أرجح من الّذي دخل فيه‏

____________

(1). راجع الإحكام: 4/ 266- 268.

337

أهل الحل و العقد خاصة، لأنّه أغلب على الظن و أبعد عن الخلاف.

و اعلم أنّ لنا في ترجيح بعض الإجماعات على البعض الآخر نظرا، و ذلك أنّهما إن لم يتعارضا فلا ترجيح، و إن تعارضا لزم أن يكون أحد الإجماعين خطاء، و هو باطل بما تقدّم.

الثاني: الإجماع الّذي دخل فيه مع أهل الحل و العقد الفقهاء الذين ليسوا أصوليّين و الأصوليّين الذين ليسوا فقهاء و خرج عنه العوام راجح على العكس، لقربهم من المعرفة و الإحاطة بأحكام الشرع و استنباطها من مداركها. و كذا ما دخل فيه الأصولي الّذي ليس بفقيه و لم يدخل فيه الفقيه أرجح من العكس، لأنّ الأصولي أعرف بمدارك الأحكام و كيفية تلقّيها من المنطوق و المفهوم و الأمر و النهي و غير ذلك.

الثالث: ما دخل فيه المجتهد المبتدع الّذي ليس بكافر أولى ممّا لم يدخل فيه، لبعده عن الخلاف.

الرابع: إجماع الصحابة أولى من إجماع التابعين، و كذا إجماع التابعين أولى من إجماع تابعي التابعين، و هكذا.

الخامس: الإجماع الّذي انقرض عصره أولى، لاستقراره و بعده عن الخلاف.

السادس: الإجماع على إثبات القول الثالث أولى من انقسام الأمّة إلى قسمين في أنّه إجماع على نفي الثالث، لبعده عن اللبس.

338

السابع: الإجماع غير المسبوق بالخلاف راجح على المسبوق به.

الثامن: ما لم يرجع فيه بعض المجتهدين إلى دليل ظهر له عن موافقة الباقين أرجح ممّا قد رجع فيه البعض.

خاتمة

لمّا كان الكتاب العزيز متواترا لم يقع فيه الترجيح بسبب النقل بل بسبب المتن، و لمّا تطرّق إليه النسخ و كان حكم المنسوخ مرتفعا لم يقع بينه و بين الناسخ ترجيح، لوجوب العمل بالناسخ، فبقي الترجيح في الدلالة من حيث العموم و الخصوص، فيقدّم الخاص على العام في مورده خاصّة جمعا بين الأدلّة. و من حيث المطلق و المقيد فيعمل بالمقيد و يحمل المطلق عليه، لأنّه أولى من جعل المقيد للندب.

و إذا تعارض الكتاب و خبر الواحد فإن كان الكتاب معلوم المتن كما هو معلوم النقل تعيّن العمل به، لأنّه معلوم و خبر الواحد مظنون فلا يعارضه.

و إن كان مظنون الدلالة كالعام مع خبر الواحد الخاص، كان الجمع بينهما أولى بأن يخص العموم به، و قد سبق.

الباب الثاني: في تراجيح الأقيسة

قد بيّنّا فيما سلف أنّ القياس لا يجوز العمل به إلّا إذا كانت العلّة منصوصة، خلافا للأكثر، و التفريع هنا على قول الأكثر.

339

و اعلم أنّ الترجيح في الأقيسة إمّا أن يكون بحسب ماهية العلّة، أو بحسب ما يدلّ على وجودها، أو بحسب ما يدلّ على علّتها، أو بحسب ما يدلّ على ثبوت الحكم في الأصل، أو بحسب ماهية ذلك الحكم، أو بحسب محلّ ذلك الحكم، أو بحسب محالّ العلّة، أو بحسب أمور خارجة. فهنا مباحث:

[البحث‏] الأوّل: في التراجيح المعتبرة بحسب ماهيّة العلّة

اعلم أنّ العلّة إمّا أن تكون وصفا حقيقيا، أو حكمة، أو حاجة، أو وصفا عدميا، أو إضافيا، أو تقديريا، أو حكما شرعيا. و على كلّ تقدير فإمّا أن تكون مفردة، أو مركبة من أمرين، أو أزيد. و قد تقدّم البحث في ذلك كلّه. و اعتمد بعضهم في الترجيح على أمرين:

أحدهما: أن يكون أحدهما أشبه بالعلل العقلية فإنّه راجح على ضده، لأنّ العقل أصل للنقل، و الفرع كلّما كان أشبه بالأصل كان أقوى.

ثانيهما: المتّفق عليه أولى من المختلف فيه، لأنّ المتّفق عليه تكون المقدّمة فيه يقينية، و لا شك في أنّ القياس الّذي يكون بعض مقدّماته يقينيا و بعضها ظنيا أقوى من الّذي يكون جميع مقدّماته ظنّيا، لأنّ الاحتمال في الأوّل أقل فيكون الطريق أقوى.

و فيه نظر، لأنّه إنّما يكون أقوى لو كانت النسبة بين الظنّين محفوظة، أمّا على تقدير زيادة ظن ما تكون مقدّماته ظنّية على ظنّ المقدّمة الظنّية من‏

340

الآخر فلا يلزم ذلك، لجواز أن يكون في غلبة الظن هنا وفاء برجحان اليقين هناك و زيادة. إذا ثبت هذا فنقول الترجيح يقع من وجوه‏ (1):

الأوّل: الوصف الحقيقي أولى في التعليل به من باقي الأوصاف، للإجماع عليه بين القائسين، و الخلاف في البواقي.

الثاني: التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالوصف العدمي، لأنّ العلم بالعدم لا يدعو إلى شرع ذلك الحكم إلّا إذا حصل العلم باشتمال ذلك العدم على نوع مصلحة، و حينئذ يبقى الداعي إلى شرع الحكم في الحقيقة إنّما هو تلك المصلحة لا العدم، فيكون التعليل بها أولى من التعليل بالعدم.

لا يقال: يلزم ذلك في الوصف الثبوتي.

لأنّا نقول: قد كان الواجب ذلك، إلّا أنّ الوصف الثبوتي لمّا كان أدخل في الضبط من الحاجة و أبعد من الاضطراب بخلاف المصلحة رجع إليه في التعليل دون المصلحة، و أمّا العدم المحض فإنّه غير منضبط و لا يتقيد إلّا بالإضافة إلى الوجود، و إذا لم يكن منضبطا لم يكن صالحا للتعليل.

الثالث: التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالوصف الإضافي، لأنّ الإضافات ليست ثبوتية، بل هي أمور عدمية، و قد سبق رجحان التعليل بالحكمة على التعليل بالعدمي.

الرابع: التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالوصف التقديري و الحكم‏

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 471- 473.

341

الشرعي، لأنّ التعليل بالحاجة تعليل بنفس المؤثر، و هذا يقتضي منع التعليل بغيره ترك العمل به في الوصف الثبوتي، للإجماع عليه و لاشتماله على الضبط؛ و لأنّه أشبه بالعلل العقلية فيبقى في غيره على الأصل.

الخامس: لمّا كان العدمي أشبه بالأمور الحقيقية من الحكم الشرعي، و كان الشرعي أشبه بالوجود من العدمي، احتمل أولوية كلّ منهما على صاحبه بهذين الاعتبارين.

السادس: الأقرب أولوية التعليل بالعدم على الصفات التقديرية، لأنّ المقدّر معدوم أعطى حكم الموجود، فكلّ محذور ثبت في المعدوم ثبت في المقدّر مع زيادة محذور آخر، و هو إعطاؤه حكم الوجود مع كونه عدميا.

السابع: تعليل الحكم الوجودي بالعلّة الوجودية أولى من تعليل الحكم العدمي بالوصف العدميّ، و من تعليل الحكم العدميّ بالوصف الوجوديّ، و من تعليل الحكم الوجوديّ بالوصف العدميّ، لأنّ كون العلّة و المعلول عدميّين يستدعي تقدير كونهما وجوديّين، إذ العلّيّة و المعلولية وصفان ثبوتيّان، فحملهما على المعدوم لا يمكن إلّا إذا قدّر المعدوم موجودا. و تعليل العدم بالعدم أولى من القسمين الباقيين، للمشابهة. و أمّا أنّ تعليل العدم بالوجود أولى من تعليل الوجود بالعدم، ففيه احتمال، و نمنع كون العلّية و المعلولية ثبوتيّين، و قد تقدّم.

الثامن: التعليل بالحكم الشرعي أولى من التعليل بالوصف المقدّر، لاشتماله على وفق الأصل بخلاف الثاني.

342

التاسع: العلّة المفردة أولى من المركّبة، لقلّة الاحتمال في المفردة و كثرته في المركّبة. فإنّ المفرد لو وجد لوجد بتمامه، و لو عدم عدم بتمامه؛ و أمّا المركّب إذا كان من قيدين يحتمل في جانب الوجود أمورا ثلاثة: أن يوجد هذا الجزء بدلا عن ذلك، و بالعكس، و أن يوجد المجموع. و كذا في طرف العدم و المركّب من قيود ثلاثة فيه احتمالات تسعة (1) في طرف الوجود و كذا في طرف العدم، و لا شك أنّ ما قلّ الاحتمال فيه أولى.

البحث الثاني: في الترجيح العائد إلى ما يدلّ على وجود ذات العلّة

العلم بوجود ذات العلّة إمّا أن يكون بديهيا، أو حسيا، أو استدلاليا.

و الاستدلالي إمّا أن يفيد علما، أو ظنا. و على التقديرين فذلك الدليل إمّا أن يكون عقليا محضا، أو نقليا محضا، أو مركّبا منهما. أمّا إذا كان الطريق يفيد اليقين فإنّه لا يقبل الترجيح، سواء كان بديهيا أو حسيّا أو استدلاليا يقينيا، و سواء كان عقليا محضا أو نقليا محضا أو مركبا، و سواء كثرت مقدّماته أو قلّت، خلافا لأبي الحسين‏ (2)، لأنّ القطعيات لا تقبل الترجيح على ما سبق.

لا يقال: الضروري أولى من النظري، لأنّ الضروري لا يقبل الشك و الشبهة و النظري يقبلهما.

لأنّا نقول: كلّ من البديهي و الكسبي واجب الحصول، فالأوّل عقيب‏

____________

(1). في المحصول: 2/ 473: سبعة.

(2). نقله عنه الرازي في المحصول: 2/ 474.

343

تصوّر طرفيه، و الثاني عقيب حصول مقدّمتيه، و كما يزول النظري عند زوال بعض ما لا بد في حصوله منها كذا الضروري يزول عند زوال أحد تصوراته الّتي يتوقّف عليها، فلا بد في وجوب الجزم من حصول موجباته في البابين.

نعم النظري يتوقّف على أمور أكثر ممّا يتوقّف عليه الضروري، فلا جرم كان زوال النظري أكثر من زوال الضروري. أمّا في جانب الوجود و العدم فلا فرق بينهما في وجوب الوجود و امتناع العدم عند حصول كلّ ما لا بدّ منه. فإذن لا فرق بين الضروري و النظري.

و فيه نظر، إذ الحكم ترجيح العلّة المفردة في القياس على المركبة باعتبار قلّة شرط وجود الأولى، و كثرة شرط الثانية تناقض عدم الترجيح هنا.

أمّا إذا كان الطريق الدالّ على وجود العلّة ظنيا، فقد أطلق بعضهم القول فيه بقوة القياس المشتمل على مقدّمات أقل النتيجة لذلك الظن على ما اشتمل على مقدّمات أكثر، لأنّ قلّة المقدّمات يستلزم قلّة احتمال الغلط، و قلّة احتمال الغلط يستلزم قوة ظن الصواب و هذا على عمومه ليس بحق، لقبول الظن الشدة و الضعف، فإذا كان ذو المقدّمات القليلة مشتملا على ظن ضعيف في كلّ مقدماته، و كان ذو المقدّمات الكثيرة مشتملا على ظن قوي في كلّ مقدّماته، حصل التعادل أو الترجيح للثاني على الأوّل، إذ أحدهما أزيد في الكيفية و الآخر في الكمية.

إذا ثبت هذا فالدليل الظنّي الدال على وجود العلّة إمّا أن يكون نصا، أو إجماعا، أو قياسا.

344

و القياس الكلام فيه كما في الأوّل و لا يتسلسل، بل ينتهي إلى النصّ أو الإجماع.

و أمّا النصّ فقد تقدّم طريق الترجيح فيه.

و أمّا الإجماع فإن كانا قطعيّين أو أحدهما لم يقبل الترجيح، لاستحالة تعارض الأدلة القطعية، و وجوب العمل بالمعلوم دون المظنون. و أمّا إن كانا ظنيّين فإنّه يقع على وجهين‏ (1):

الأوّل: أن يكون أحدهما من الإجماعات المختلف فيها عند المجتهدين، كالإجماع الحادث عن قول بعض و سكوت الباقين.

الثاني: الإجماع المنقول بالآحاد. فهذان في محلّ الترجيح. و أمّا ما يقال من أنّ أحدهما متّفق عليه و الآخر مختلف فيه، فإن أريد به عدم الاختلاف في أحدهما و وقوعه في الآخر فليس من الترجيح، لأنّ تقديم المعلوم على المظنون قطعي. و إن عني قلّة الاختلاف في أحدهما و كثرته في الآخر، منعنا وجوب الترجيح به.

و فيه نظر، لأنّ الاختلاف مظنّة الخطاء، فكلّما كان أقلّ كان احتمال الخطأ فيه أقل، فحصل به الرجحان.

و اعلم أنّ وجود العلّة إذا كان معلوما في أحد القياسين كان راجحا على الآخر، لأنّ الّذي بعض مقدّماته معلوم راجح على ما كانت مقدّماته كلّها ظنّية.

____________

(1). ذكرهما الرازي في المحصول: 2/ 475.

345

البحث الثالث: في الترجيح العائد إلى دلائل طريق العلّيّة في الأصل‏

قد عرفت فيما تقدّم أنّ الطريق الدالّ على علّية الوصف في الأصل قد يكون نقليا، و قد يكون عقليا. و النقلي إمّا نص، أو إيماء.

و النصّ قد لا يحتمل سوى العلّيّة، مثل: لعلّه كذا، و بسبب كذا، و لموجب كذا و هو مقدّم على جميع الطرق، لعدم الاحتمال فيه و وجوده في غيرها.

و أمّا الّذي يحتمل غير العلّيّة لكنّه ظاهر فيها فألفاظه ثلاثة: اللام، و إنّ، و الباء.

و اللّام مقدّم عليهما، لظهوره في التعليل، و لفظة «إنّ» قد ترد للتأكيد المحض. و «الباء» للإلصاق، مثل: «كتبت بالقلم». و قد يفيد كونه محكوما به، نحو أنا أقضي بالظاهر.

و فيه نظر، فإنّ الإلصاق التقديري هنا ثابت، و هو أولى من جعله مشتركا.

و إذا لم تأت «لا» للآلة و لا لكونه محكوما به، فإنّها مرادفة للام لعدم الفرق بين قتله بجنايته و لجنايته، و في أولوية تقديم «الباء» على «أنّ» و بالعكس احتمال. و أمّا الإيماءات فتشتمل على مسائل:

346

الأولى: قد عرفت أنّ دلالة الإيماء على علّيّة الوصف في الأصل لا تتوقّف على كونه مناسبا، لكنّ المناسب راجح على ما لا يكون كذلك.

الثانية: إيماء الدلالة اليقينيّة راجح على إيماء الدلالة الظّنية، إذ قد ثبت أولوية ما بعض مقدّماته قطعية ممّا يكون جميع مقدّماته ظنّية. و أمّا إذا ثبت عليه الوصفين بإيماء خبر الواحد، فالترجيح بينهما باعتبار تراجيح الأخبار الظنّية. و قد تقدّم.

الثالثة: ما ظهرت علّيّته بالإيماء راجح على ما ظهرت علّيّته بغيره من الوجوه العقلية، كالمناسبة و الدوران. و يشكل بأنّ الإيماء لمّا لم يوجد فيه لفظ يدلّ على العلّيّة فلا بد و أن يكون الدالّ على علّيّته شيئا آخر سوى اللفظ، و لمّا بحثنا لم نجد شيئا يدل على العلّيّة سوى المناسبة و الدوران و السبر على ما تقدّم في باب الإيماءات. و إذا ثبت أنّ الإيماء إنّما يدلّ بواسطة أحد هذه الطرق، و لا شك في أولوية الأصل على الفرع لوجود مفاسد الأصل في الفروع دون العكس. و كان كلّ واحد من الثلاثة أقوى من الإيماءات.

الرابعة: أقسام الإيماءات خمسة كما تقدّم، و يندرج تحت كلّ واحد منها أمور كثيرة، و لا يمكن الاستقصاء في هذا الباب إلّا بعد الكلام في تفاصيل كلّ واحد منها و نسبته إلى صاحبه، ثمّ يتكلّم في كلّ واحد من جزئيات تلك الأقسام مع مشاركته في جنسه و ما هو خارج عنه، لإمكان أن‏

347

يكون أحد الجنسين أقوى من الآخر، و يكون بعض أنواع الضعيف أقوى من بعض أنواع القوي، و لمّا كثرت تركناها للاختصار.

و أمّا الطرق العقلية فقد ذكر منها ستة: المناسب، و المؤثر، و الشبه، و الدوران، و السبر، و الطرد. فهنا مسائل‏ (1):

الأولى: المناسبة أقوى من الدوران، خلافا لقوم حيث قالوا العلّة المطردة المنعكسة أقوى ممّا لا تكون كذلك.

لنا: أنّ المناسبة علّة لكون الوصف علّة، فهي علّة العلّة، و ليس تأثير الوصف لاطّراده مع الحكم وجودا و عدما، لأنّ الدوران ليس من لوازم العلّة، فإنّها قد تكون أخصّ فتنفك عن الدوران. و الدوران قد ينفك عن العلّة و قد سبق ذكر أمثلته. فإذن الاستدلال بالمناسبة أقوى.

احتجّوا بوجهين:

أ. العلّة المطّردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية فتكون أرجح، لما تقدّم من رجحان المشبهة للعقلية دون غيرها.

ب. الإجماع على صحّة المطّرد المنعكس. و قد أنكر بعضهم عليه ما لا يكون منعكسا.

و الجواب عن أ. نمنع وجوب العكس في العلل العقلية.

سلّمنا، لكن لا نسلّم أولوية الأشبه بالعلل العقلية.

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 478- 480.

348

و عن ب. أنّ ذلك يقتضي ترجيح المناسب المطّرد المنعكس على الّذي لا يكون مطّردا أو منعكسا و لا نزاع فيه. و لا يقتضي ترجيح الدوران المنفك عن المناسبة على المناسب المنفك عن الدوران، فإنّه إذا وجد الدوران بدون المناسبة فقد لا تحصل العلّة، كرائحة الخمر مع حرمتها.

الثانية: المناسب أقوى من التأثير، إذ معنى التأثير ليس إلّا أنّه قد عرف تأثير هذا الوصف في نوع هذا الحكم و في جنسه، و كون الشي‏ء مؤثّرا في شي‏ء لا يقتضي كونه مؤثرا فيما يشاركه في جنسه. و أمّا المناسبة فهي الموجبة لكون الوصف مؤثرا في الحكم فكان الاستدلال على العلّيّة بالمناسبة أقوى من التأثير.

الثالثة: السبر إن كان قطعيا في جميع مقدّماته تعيّن العمل به، و ليس ترجيحا. و إن كان مظنونا في الجميع بأن يظن تعليل الحكم، و يظن انحصار العلّة في هذين الوصفين، و يظن انتفاء العلّيّة عن أحدهما فيحصل ظن ثبوتها للآخر، فالمناسبة أولى، لأنّ الدليل الدال على المقدّمات الثلاث ليس النصّ، و إلّا كانت يقينية و قد فرضت ظنّية. هذا خلف.

و إن كان إيماء فقد عرفت أنّه مرجوح بالنسبة إلى المناسبة.

و إن كان بعض الطرق العقلية فالمناسبة أولى، لاستقلال المناسبة بانتاج العلّيّة، و السبر لا ينتجها إلّا بعد مقدّمات كثيرة. فالمثبت لتلك المقدّمات إن كان المناسبة كانت المناسبة أولى من السبر، للاكتفاء بالمناسبة الواحدة في ثبوت الحكم، و الافتقار في السبر إلى ثلاث مقدّمات. و إن كان غيرها

349

فالمناسبة أولى، لأنّها علّة لعلّيّة العلّة، و غير المناسبة ليس كذلك.

و إن كان مظنونا في بعض المقدّمات معلوما في البعض جاء (1) الترجيح في تلك المقدّمات المظنونة.

الرابعة: المناسبة أقوى من الشبه و الطرد، و هو ظاهر.

هذا فيما يرجع إلى الطرق الستّة العقلية بحسب الجنس، أمّا ترجيح الأنواع فاعلم أنّ ترجيح بعض المناسبات على البعض إمّا أن يكون بأمور عائدة إلى ماهياتها، أو بأمور خارجة عنها.

أمّا الأوّل فتقريره: أنّ كون الوصف مناسبا إمّا لمصلحة ترجع إلى الدنيا، أو إلى الدين.

و الأوّل إمّا أن يكون في محلّ الضرورة، أو الحاجة، أو الزينة. و لا شك في رجحان المناسبة الضرورية على الحاجة، و الحاجة على الزينة.

و الضرورية خمسة و أولاها ما يتعلّق بحفظ أصل الدين نظرا إلى ثمرته من حصول السعادة الأبدية.

اعترض‏ (2) بأنّ ما يفضي إلى حفظ مقصود النفس أولى و أرجح، لأنّ مقصود الدين حقّ اللّه تعالى و غيره حقّ الآدمي، و هو مرجّح على حقّه تعالى، لأنّ حقّ الآدمي مبني على الشح و المضايقة، و حقوقه تعالى مبنية على المسامحة و المساهلة، فإنّه تعالى لا يتضرّر بفوات حقّه بخلاف الآدمي، و ما

____________

(1). في المحصول: 2/ 480: عاد.

(2). ذكره الآمدي و أجاب عنه في الإحكام: 4/ 287.

350

يتضرّر بفوات حقّه أولى بالمحافظة من حقّ لا يتضرّر مستحقّه بفواته، و لهذا لو كفر و قتل فإنّا نقتله قصاصا لا بكفره.

و رجّحنا مصلحة النفس على مصلحة الدين في المسافر حيث أسقط عنه ركعتان، و أداء الصوم في رمضان، و أسقط عن المريض الصوم و القيام في الصّلاة، و رجّحنا مصلحة النفس على مصلحة الصلاة في إنجاء الغريق، بل رجّحنا مصلحة المال على الدين حيث سوّغنا ترك الجمعة و الجماعة لحفظ قليل من المال، و رجّحنا مصالح المسلمين المتعلّقة ببقاء الذمّي بين أظهرهم على مصلحة الدّين حتى عصمنا دمه و ماله مع وجود الكفر المبيح.

و أجيب بأنّ النفس و إن كانت متعلّق حق الآدمي بالنظر إلى بعض الأحكام، فهي متعلّق حقّ اللّه تعالى بالنظر إلى أحكام أخر، و لهذا يحرم عليه قتل نفسه و التصرف بما يفضي إلى تفويتها، فالتقديم إنّما هو لمتعلّق الحقّين، و لا امتناع في تقديم حقّ اللّه تعالى و حقّ الآدمي على حقّه تعالى.

كيف و أنّ مقصود الدين متحقّق بأصل شرعية القتل و قد تحقّق، و القتل بالفعل انما هو لتحقّق الوعيد به، و المقصود بالقصاص إنّما هو التشفّي و الانتقام، و لا يحصل ذلك للوارث بشرع القتل دون القتل بالفعل على ما يشهد به العرف، فكان الجمع بين الحقّين أولى من تضييع أحدهما.

كيف و أنّ تقديم حقّ الآدمي هنا لا يفضي إلى تفويت حقّ اللّه تعالى فيما يتعلّق بالعقوبة البدنية مطلقا، لبقاء العقوبة الأخروية؛ و تقديم حقّ اللّه‏

351

تعالى ممّا يفضي إلى فوات حق الآدمي من العقوبة البدنية مطلقا، فكان لذلك أولى.

و تخفيف المسافر و المريض ليس تقديما لمقصود النفس على مقصود أصل الدين، بل على فروعه، و فروع الشي‏ء ليست كأصله، على أنّ مشقّة الركعتين في السفر تقوم مقام مشقّة الأربع في الحضر، و كذا صلاة المريض قاعدا بالنسبة إليه قائما صحيحا.

و أداء الصوم لا يفوت مطلقا، بل إلى خلف هو القضاء.

و كذا إنقاذ الغريق، و ترك الجمعة و الجماعة، و بقاء الذمّي بين أظهر المسلمين معصوم الدم و المال لا لمصلحة المسلمين، بل لاطّلاعه على محاسن الشريعة و قواعد الدين ليسهل انجذابه و يتيسّر استرشاده، و ذلك مصلحة دينية.

و كما أنّ مقصود الدين مقدّم على غيره من مقاصد الضرورة، فكذا ما يتعلّق به مقصود النفس فيكون مقدّما على غيره من باقي المقاصد الضرورية.

أمّا بالنسبة إلى حفظ النسب، فلأنّ حفظ النسب إنّما قصد لأجل حفظ الولد فلا يبقى ضائعا لا كافل له فلا يطلب لعينه، بل لأدائه إلى بقاء النفس.

و أمّا بالنسبة إلى المال فكذلك، لأنّ بقاءه ليس مطلوبا لذاته، بل لأجل بقاء النفس مترفّهة منعّمة حتى يأتي بوظائف التكليف و فروض العبادات.

352

و أمّا بالنسبة إلى حفظ العقل، فلأنّ النفس أصل و العقل تبع، و المحافظة على الأصل أولى، و كذا حفظ النسب أولى من المقصود في حفظ العقل، و المال لكونه عائدا إلى حفظ النفس، و ما يفضي إلى حفظ العقل مقدّم على ما يفضي إلى حفظ المال، لكونه محلّا للأمانة و مناط التكليف و المقصود بالخطاب للعباد بنفسه من غير واسطة بخلاف المال.

و اعلم أنّ الوصف المناسب للحكم قد يكون نوعه مناسبا لنوع الحكم، و قد يناسب جنسه نوع الحكم، و قد يناسب نوعه جنس الحكم، و قد يناسب جنسه جنس الحكم. و قد عرفت ذلك فيما تقدّم و معلوم تقدّم الأوّل على الثلاثة الأخيرة، و الثاني و الثالث كالمتعارضين، و لا شك في تقدّمهما على الرابع.

ثمّ الجنس إمّا قريب أو بعيد، و المناسبة المتولّدة من القريب متقدّمة على المتولّدة من البعيد.

ثمّ المناسبة في كلّ واحدة من هذه قد تكون جلية، و هي الّتي يلتفت الذهن إليها في أوّل سماع الحكم، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يقضي القاضي و هو غضبان». (1) فإنّ الذهن يلتفت عند سماع هذا الكلام إلى أن الغضب إنّما منع من الحكم، لكونه مانعا من استيفاء الفكرة.

____________

(1). صحيح البخاري: 8/ 108، باب هل يقضي الحاكم و هو غضبان؛ سنن ابن ماجة: 2/ 776، باب لا يحكم و هو غضبان؛ سنن أبي داود: 2/ 161؛ سنن الترمذي: 2/ 396؛ من لا يحضره الفقيه:

3/ 11 برقم 3234؛ تهذيب الأحكام: 6/ 226 برقم 542.

353

و قد تكون خفية، و هي ما لا تكون كذلك. و لا شك في تقدّم الجلي على الخفي.

و أمّا الثاني: و هو ترجيح بعض المناسبات على بعض بأمور خارجة، فهو على وجوه‏ (1):

الأوّل: المناسبة المعتضدة بسائر الطرق من الإيماء و الدوران و السبر راجحة على ما لا تكون كذلك، و يرجع حاصله إلى الترجيح بكثرة الأدلّة.

الثاني: المناسبة الخالية عن المعارض راجحة على ما لا تكون كذلك، فإنّ المناسبة و إن لم تبطل بالمعارضة لكنّها مرجوحة بالنسبة إلى ما لا يكون كذلك.

الثالث: المناسب من وجهين راجح على المناسب من وجه واحد، و كذا ما زاد على الاثنين بالنسبة إلى الاثنين، و هكذا.

أمّا الدوران فإنّ الحاصل في صورة واحدة راجح على الحاصل في صورتين، لقلّة احتمال الخطأ في الأوّل دون الثاني، فإنّ العصير لمّا لم يكن مسكرا فلم يكن محرّما، فإذا كان مسكرا صار محرما، فإذا زالت صفة الإسكار زالت الحرمة، فها هنا يعلم أنّ شيئا من الصفات الباقية في الأحوال الثلاثة لا يصلح لعلّيّة هذا الحكم، و إلّا وجدت العلّة بدون الحكم، و هو خلاف الأصل‏ (2).

____________

(1) ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 481.

(2). في «أ»: الصواب.

354

و أمّا الدوران في الصورتين فهو كقول الحنفي في مسألة الحلي: «كونه ذهبا موجب للزكاة، لأنّ التبر لمّا كان ذهبا وجب الزكاة فيه، و الثياب لمّا لم تكن ذهبا لم تجب الزكاة فيها». و هنا لا يمكن القدح في علّيّة الصفات الباقية بمثل ما ذكرناه في الصورة الأولى. فيثبت أنّ احتمال المعارض في الصورة الأولى أقلّ، فكان الظنّ فيها أقوى.

و أمّا الشبه فقد يكون شبها في الحكم الشرعي، و قد يكون شبها في الصفة و اختلفوا في الراجح. و الظاهر أنّ الشبه في الصفة أولى، لأنّها بالعلل العقلية أشبه.

البحث الرابع: في التراجيح العائدة إلى دليل الحكم‏

في الأصل دليل الحكم الشرعي يكون شرعيا، فإمّا أن يكون في القياسين المتعارضين قطعيا، أو ظنيا، أو بالتفريق. فإن كان قطعيا استحال الترجيح في ذلك، لما تقدّم. و إن كان ظنّيا فإمّا أن يكون الدليل الدالّ عليه لفظيا، أو إجماعا، أو قياسا.

فإن كان إجماعا فقد ذهبوا إلى أنّ القياس الّذي ثبت الحكم في أصله بالإجماع أقوى من الّذي ثبت الحكم في أصله بالدلائل اللفظية، لقبولها التخصيص و التأويل بخلاف الإجماع، و يشكل بأنّا أثبتنا الإجماع بالدلائل القطعية، فالفرع لا يكون أقوى حالا من الأصل.

و فيه نظر، فإنّ الإجماع قد ثبت كونه حجّة، و قد دلّت الأدلّة عليه فلا يقبل المعارضة.

355

و اعلم أنّا قد بيّنا أنّ حكم الأصل لا يجوز أن يثبت بالقياس، خلافا لقوم حيث جوزوه لكنّهم اتّفقوا على أنّ القياس الثابت حكمه بالنص راجح على ما ثبت حكم أصله بالقياس، لأنّ ذلك الحكم لا يتفرّع على قياس آخر إلى غير النهاية، بل لا بدّ من الانتهاء إلى ما ثبت حكم أصله بالنصّ، فالنصّ أصل للقياس و الأصل راجح على الفرع.

و فيه نظر، فإنّا قد بيّنّا أنّ بعض الجزئيات الضعيف قد يقوى على بعض الجزئيات القوي إذا تقاربت الأنواع فيها بالشدّة و الضعف.

إذا عرفت هذا فالأدلّة اللفظية إن كانت متواترة، لم يمكن ترجيح بعضها على بعض إلّا بما يرجع إلى المتن.

و إن كانت آحادا، أمكن الترجيح بما يتعلّق بالمتن و الإسناد. و قد تقدّمت.

و إذا كان ثبوت الحكم في الأصل أقوى كان القياس أرجح فإن كان ثبوت حكم الأصل في أحد القياسين مقطوعا به و في الآخر مظنونا، كان الأوّل أرجح.

و فيه نظر، فإنّ حكم الأصل مقدّمة و لا يلزم من الترجيح في مقدّمة الترجيح المطلق، إلّا مع التساوي في باقي المقدّمات في القوة و الضعف، أو تكون مقدّمات الأقوى أقوى.

و إذا ثبت الحكم في أحد الأصلين بإيماء خبر متواتر كان راجحا على‏

356

ما ثبت بإيماء خبر واحد بشرط التعادل في الإيمائين، و لو ثبت حكم الأصلين بخبر الواحد، كان المشتمل على الحقيقة راجحا على المشتمل على المجاز.

البحث الخامس: في ترجيح الحاصل بسبب كيفية الحكم‏

و هو يقع على وجوه‏ (1):

الأوّل: القياس الموجب للحكم الشرعي راجح على الموجب للعقلي، لأنّ القياس دليل شرعي، و لأنّ تقدير تقديم العلّة المثبتة للحكم الشرعي [على‏] المثبتة للعقلي يستلزم النسخ مرتين، و تقديم العقلي يستلزمه مرة.

لا يقال: كيف يجوز أن يستخرج من أصل عقلي علّة شرعية؟

لأنّا نقول: يجوز ذلك إذا لم ينقلنا عنه الشرع، فنستخرج العلّة الّتي لأجلها لم ينقلنا عنه الشرع. أمّا لو كان أحد الحكمين نفيا و الآخر إثباتا و كانا شرعيّين فقال قوم إنّهما يتساويان، و قد سلف وجوب كون أحدهما عقليا.

الثاني: الترجيح بكون الحكم في أحد الفرعين تحريما؛ فإن كان شرعيا كان راجحا على الإباحة، لأنّه شرعي، و لأنّ الاحتياط يقتضيه. و إن كان عقليا اجتمع فيه جهتان: راجحية التحريم و مرجوحية العقلي، فيرجع إلى‏

____________

(1). ذكرها الرازي في المحصول: 2/ 483.