تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج10

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
586 /
475

و تزعم أنّ للَّه ولدا. فلقد شمل مبعثه من الجنّ و الإنس من العبادات، ليراها النّاس فيعبدوا نحو عبادتهم. و حرمة التّصاوير شرع مجدّد.

و روي: أنّهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيّه و نسرين فوقه. فإذا أراد أن يصعد، بسط الأسدان له ذراعيهما. و إذا قعد [على الكرسيّ‏] (1) أظلّه النّسران بأجنحتهما (2).

وَ جِفانٍ‏: و صحاف.

كَالْجَوابِ‏: كالحياض الكبار. جمع جابية. من الجباية. و هي من الصّفات الغالبة، كالدّابّة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)‏- أنّ يهوديّا من يهود الشّام و ما لا يحصى‏

و فيه‏ (4)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال السّائل: كيف صعدت الشّياطين إلى السّماء، و هم أمثال النّاس في الخلقة و الكثافة، و قد كانوا يبنون لسليمان بن داود- (عليهما السلام)- من أبناء ما يعجز عنه ولد آدم؟

قال غلظوا (5) لسليمان لمّا سخّروا (6)، و هم خلق رقيق، غذاؤهم التّنسّم‏ (7). و الدّليل على ذلك‏ (8) صعودهم إلى السّماء لاستراق السّمع، و لا يقدر الجسم الكثيف على الارتقاء إليها إلّا بسلّم أو سبب.

و في الكافي‏ (9): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن داود بن الحسين، عن الفضل بن أبي العبّاس‏ (10) قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- [: قول اللَّه- عزّ و جلّ-:] (11) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ‏ قال: ما هي تماثيل الرّجال و النّساء، و لكنّها تماثيل الشّجر و شبهه.

عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السّنديّ‏ (12)، عن جعفر بن بشير، عمّن ذكره، عن أبي‏

____________

(1) ليس في المصدر

(2) أنوار التنزيل 2/ 81

(3) الاحتجاج 1/ 330- 331.

(4) نفس المصدر 2/ 81.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: غلظن.

(6) المصدر: كما سخّروا.

(7) المصدر: النسيم.

(8) المصدر: كلّ ذلك.

(9) الكافي 6/ 476- 477، ح 3.

(10) المصدر: الفضل أبي العباس.

م و أ و س: الفضل بن أبي العيّاش.

(11) من المصدر.

(12) الكافي 6/ 477، ح 4.

476

عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كانت لعليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- وسائد و أنماط فيها تماثيل يجلس عليها.

محمّد بن يحيى، عن أحمد و عبد اللَّه‏ (1) ابني محمّد بن [عيسى، عن‏] (2) عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن أبي العبّاس‏ (3)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ‏ فقال‏ (4): و اللَّه ما هي تماثيل [الرّجال و النّساء، و لكنها الشّجر و شبهه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5)، و قوله- عزّ و جلّ-: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ‏. قال:] (6) في الشّجر. و قوله- عزّ و جلّ-: وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ‏، أي: جفنة (7) كالحفرة.

وَ قُدُورٍ راسِياتٍ‏: ثابتات على الأثافي، لا تنزل عنها لعظمها.

اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً: حكاية لما قيل لهم.

و «شكرا» نصب على العلّة، أي: اعملوا له و اعبدوه شكرا. و المصدر، لأنّ العمل له شكر. أو الوصف له. أو الحال. أو المفعول به.

وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (13): المتوفّر على أداء الشّكر بقلبه و لسانه و جوارحه أكثر أوقاته، و مع ذلك [لا يوفي حقّه. لأنّ توفيقه للشّكر نعمة تستدعي شكرا آخر لا إلى نهاية. و لذلك‏] (8) قيل: الشّكور من يرى عجزه عن الشّكر.

و في تفسير علي بن إبراهيم‏ (9): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ قُدُورٍ راسِياتٍ‏، أي: ثابتات.

ثمت قال- جلّ ذكره-: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [قال: اعملوا ما تشكرون عليه. ثمّ قال- سبحانه-:] (10) وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.

____________

(1) نفس المصدر 6/ 527، ح 7. و هكذا في المصدر. و في النسخ: «عن أحمد بن عبد اللَّه» بدل «عن أحمد و عبد اللَّه».

(2) من المصدر.

(3) ن: عن العباس.

(4) س و ن: فقال: في الشجر.

(5) تفسير القمي 2/ 199.

(6) ليس في أ.

(7) المصدر: جفون.

(8) ليس في م.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) ليس في الأصل.

477

و في أصول الكافي‏ (1) [: أبو عبد اللَّه الأشعريّ، عن‏] (2) بعض أصحابنا رفعه، عن هشام بن الحكم قال: قال [لي‏] (3) أبو الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)-: يا هشام، ثمّ مدح القلّة، فقال: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.

و في روضة الكافي‏ (4): سهل، عن عبيد اللَّه، عن أحمد بن عمر قال: دخلت على أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أنا و حسين [بن ثوير] (5) بن أبي فاختة. فقلت له: جعلت فداك، إنّا كنّا في سعة من الرّزق و غضارة من العيش، فتغيّرت الحال بعض التّغيير. فادع اللَّه- عزّ و جلّ- أن يردّ ذلك إلينا.

فقال: أيّ شي‏ء، تريدون تكونون، ملوكا؟ أ يسرّك أن تكون مثل طاهر و هرثمة (6)، و إنّك على خلاف [ما أنت عليه؟

قلت: لا، و اللَّه، ما يسرّني أنّ لي الدّنيا بما فيها ذهبا و فضّة و إنّي على خلاف‏] (7) ما أنا عليه.

قال: فقال: فمن أيسر منكم، فليشكر اللَّه. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (8): لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏ و قال- سبحانه و تعالى-: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في نهج البلاغة (9): أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه فإنّها حقّ اللَّه عليكم، و الموجبة على اللَّه حقّكم، و أن تستعينوا عليها باللَّه، و تستعينوا بها على اللَّه. فإنّ التّقوى في اليوم الحرز و الجنّة، و في غد الطّريق إلى الجنّة. مسلكها واضح، و سالكها رابح، و مستودعها حافظ. لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين منكم و الغابرين، لحاجتهم إليها غدا، إذا أعاد اللَّه ما أبدى، و أخذ ما أعطى، و سأل عمّا أسدى. فما أقلّ من قبلها، و حملها حقّ حملها! أولئك الأقلّون عددا، و هم أهل صفة اللَّه- سبحانه- إذ يقول: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.

____________

(1) الكافي 1/ 15، ضمن حديث 12.

2 و 3- من المصدر.

(4) نفس المصدر 8/ 346- 347، صدر حديث 546.

(5) من المصدر.

(6) الطّاهر هو أبو الطّيّب، أو أبو طلحة طاهر بن الحسين، المعروف بذو اليمينين، والي خراسان.

و هرثمة هو هرثمة بن أعين، و هو من أصحاب الرضا- (عليه السلام)-. و كلاهما من قوّاد المأمون و خدمته. (حاشية نور الثقلين ص 323 ج 4.)

(7) من المصدر.

(8) إبراهيم/ 7.

(9) نهج البلاغة/ 284، ضمن خطبة 191.

478

و في مصباح الشّريعة (1): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و لو كان عند اللَّه عبادة يتعبّد بها عباده المخلصون أفضل من الشّكر على كلّ حال، لأطلق لفظة فيهم من جميع الخلق بها.

فلمّا لم يكن أفضل منها، خصّها من بين العبادات و خصّ أربابها. فقال- تعالى-: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.

فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ‏، أي: على سليمان.

ما دَلَّهُمْ عَلى‏ مَوْتِهِ‏: ما دلّ الجنّ.

و قيل: آله‏ (2).

إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ‏، أي: الأرضة. أضيف إلى فعلها.

و قرئ، بفتح الرّاء. و هو تأثّر الخشبة من فعلها. يقال: أرضت الخشبة أرضا، فأرضت أرضا، مثل: أكلت القوادح الأسنان أكلا، فأكلت أكلا (3).

تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ‏: عصاه. من نسأت البعير: إذا طردته. لأنّه يطرد بها.

و قرئ، بفتح الميم و تخفيف الهمزة، قلبا و حذفا على غير قياس. إذ القياس إخراجها بين بين‏ (4).

و «منسأته» على مفعالة، كميضاءة في ميضأة. و من سأته، أي: طرف عصاه.

مشتقّا من سأة القوس. و فيه لغتان، كما في قحة و قحة.

و قرأ نافع و أبو عمرو: «منسأته» بألف ساكنة، بدلا من الهمزة. و ابن ذكوان، بهمزة ساكنة. و حمزة، إذا وقف جعلها بين بين‏ (5).

فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُ‏: علمت الجنّ بعد التباس الأمر عليهم.

أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ‏ (14): أنّهم لو كانوا يعلمون الغيب، كما يزعمون، يعلمون موته حيثما وقع، فلم يلبثوا بعده حولا في تسخيرة إلى أن خرّ أو ظهرت الجنّ.

و «أن» بما في حيّزه بدل منه، أي ظهر أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في‏

____________

(1) شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 55.

(2) أنوار التنزيل 2/ 257.

(3) نفس المصدر 2/ 257- 258.

(4) نفس المصدر 2/ 258.

(5) لم نعثر عليه في التفاسير. و لعله وجد في نسخة المفسّر من دون نسخ الموجودة من أنوار التنزيل.

كما يوجد بعض فقراته في متن بعض شروح الأنوار.

479

العذاب.

و ذلك أنّ داود أسّس بيت المقدس في موضع فسطاط موسى- (عليه السلام)-. فمات قبل تمامه. فوصّى به إلى سليمان، فاستعمل الجنّ فيه فلم يتمّ بعد إذ دنا أجله و أعلم به.

فأراد أن يعمي عليهم موته ليتمّوه، فدعاهم فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب. فقام يصلّي متّكئا على عصاه. فقبض روحه و هو متّكئ عليها. فبقي كذلك حتّى أكلتها الأرضة فخرّ. ثمّ فتحوا عنه. و أرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت يوما و ليلة مقدارا، فحسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة. و كان عمره ثلاثا و خمسين سنة.

و ملك و هو ابن ثلاث عشرة سنة. و ابتدأ عمارة بيت المقدس لأربع مضين من ملكه‏ (1).

و في عيون الأخبار (2)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار النّادرة في فنون شتّى، بإسناده إلى الحسين بن خالد: عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ- (عليهم السلام)-. قال: إنّ سليمان بن داود- (عليه السلام)- قال ذات يوم لأصحابه: إنّ اللَّه- تعالى- وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، سخّر لي الرّيح و الإنس و الجنّ و الطّير و الوحوش، و علّمني منطق الطّير، و أتاني من كلّ شي‏ء، و مع جميع ما أوتيت من الملك ما تمّ لي سرور يوم إلى اللّيل.

و قد أحببت أن أدخل قصري في غد فأصعد أعلاه و أنظر إلى ممالكي، فلا تأذنوا لأحد عليّ [بالدّخول لئلّا يرد عليّ‏] (3) ما ينغص عليّ يومي. فقالوا: نعم.

فلمّا كان من الغد، أخذ عصاه بيده و صعد إلى أعلى موضع من قصره. و وقف متّكئا على عصاه ينظر إلى ممالكه، سرورا بما أوتي، فرحا بما أعطي، إذ نظر إلى شابّ حسن الوجه و اللّباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره.

فلمّا بصر به سليمان- (عليه السلام)- قال له: من أدخلك إلى هذا القصر و قد أردت أن أخلوا فيه اليوم، فبإذن من دخلت؟

قال الشّابّ: أدخلني هذا القصر ربّه، و بإذنه دخلت.

فقال: ربّه أحقّ به منّي. فمن أنت؟

قال: أنا ملك الموت.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 258.

(2) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 265- 266، ح 24.

(3) من المصدر.

480

قال: و فيما جئت؟

قال: جئت‏ (1) لأقبض روحك.

قال: امض لما أمرت به، فهذا (2) يوم سروري، و أبي اللَّه- عزّ و جلّ- أن يكون لي سرور دون لقائه‏ (3).

فقبض ملك الموت روحه، و هو متّكئ على عصاه. فبقي سليمان متّكئا على عصاه و هو ميّت ما شاء اللَّه، و النّاس ينظرون إليه و هم يقدّرون أنّه حيّ. فافتتنوا فيه و اختلفوا.

فمنهم من قال: إنّ سليمان قد بقي متّكئا على عصاه هذه الأيّام الكثيرة [و لم يتعب و لم ينم و لم يأكل و لم يشرب‏] (4) إنّه لرّبنا الّذي يجب علينا أن نعبده.

و قال قوم: إنّ سليمان ساحر، و إنّه يرينا أنّه واقف متّكئ على عصاه يسحر أعيننا، و ليس كذلك.

فقال المؤمنون: إنّ سليمان هو عبد اللَّه و نبّيه، يدبّر اللَّه أمره بما يشاء (5).

فلمّا اختلفوا بعث اللَّه- عزّ و جلّ- دابّة الأرض‏ (6) فدبّت في عصاه. فلمّا أكلت جوفها انكسرت العصا، و خرّ سليمان من قصره على وجهه. فشكرت الجنّ الأرضة على صنيعها (7) فلأجل ذلك لا توجد الأرضة في مكان، إلّا و عندها ماء و طين. و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى‏ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ‏ (8) مِنْسَأَتَهُ‏، [يعني عصاه.] (9) فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُ‏ أن الانس‏ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ‏.

قال الصّادق- (عليه السلام)-: و اللَّه‏ (10) ما نزلت هذه الآية هكذا. و إنّما نزلت فلما خر تبينت الإنس أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (11)، مثل ما نقلنا عن عيون الأخبار، إلّا أنّ آخرها: و إنّما

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: في هذا.

(3) المصدر: لقائك.

(4) ليس في ن. و في المصدر: و لم يأكل و لم يشرب و لم يتعب و لم ينم.

(5) المصدر: بما شاء.

(6) المصدر: «الأرضة» بدل «دابّة الأرض».

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «للأرضة صنيعها» بدل «الأرضة على صنيعها».

(8) المصدر: فأكل.

(9) من المصدر.

(10) ليس في المصدر.

(11) علل الشرائع/ 73- 74، ح 2.

481

نزلت «فلمّا تبينت الجن أن الإنس‏ (1) لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.

حدّثنا أبي- رضي اللَّه عنه‏ (2)- قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أمر سليمان بن داود الجنّ، فصنعوا له قبة من قوارير. فبينا هو متّكئ على عصاه في القبّة ينظر إلى الجنّ كيف [يعملون و هم‏] (3) ينظرون إليه، إذ حانت منه التفاتة، فإذا رجل معه في القبّة.

قال له: من أنت؟

قال: أنا الّذي لا أقبل الرّضا و لا أهاب الملوك. أنا ملك الموت.

فقبضه و هو قائم متّكئ على عصاه في القبّة، و الجنّ ينظرون إليه.

قال: فمكثوا سنة يدأبون له حتّى بعث اللَّه- عزّ و جلّ- الأرضة فأكلت منسأته، و هي العصا فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ‏.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ الجنّ يشكرون الأرضة ما صنعت بعصا سليمان، فما تكاد تراها في مكان إلّا و عندها ماء و طين.

و بإسناده إلى الحسن بن عليّ‏ (4) [، عن عليّ‏] (5) بن عقبة، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لقد شكرت الشّياطين الأرضة حين أكلت عصا سليمان حتّى سقط، و قالوا: عليك الخراب و علينا الماء و الطّين. فلا تكاد تراها في موضع إلّا رأيت ماء و طينا.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6)، بإسناده إلى جعفر بن محمّد (7)، عن أبيه، عن جدّه، عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: عاش سليمان بن داود- (عليه السلام)- سبعمائة سنة و اثني عشرة سنة.

____________

(1) المصدر: «الإنس أنّ الجنّ» بدل «الجنّ أنّ الإنس». و على هذا فلا داعي لذكر آخر حديث العلل، فلا يوجد هنالك اختلاف فيما بينهما في نزول الآية.

(2) نفس المصدر/ 74، ح 3.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر 74- 75، ح 4.

(5) من المصدر.

(6) كمال الدين و تمام النعمة/ 524، ضمن حديث 3. و أوّله في ص 523.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: محمّد بن جعفر.

482

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ سليمان بن داود- (عليه السلام)- أمر الجنّ‏ (2)، فبنوا له بيتا من قوارير.

قال: فبينما هو متّكئ على عصاه ينظر إلى الشّياطين كيف يعملون و ينظرون إليه، إذ حانت منه التفاتة، فإذا هو برجل معه في القبّة ففزع منه.

فقال: من أنت؟

فقال: أنا الّذي لا أقبل الرّشا و لا أهاب الملوك. أنا ملك الموت.

فقبضه و هو متّكئ على عصاه. فمكثوا سنة يبنون و ينظرون إليه و يدأبون‏ (3) له و يعملون حتّى بعث اللَّه- تعالى- الأرضة فأكلت منسأته، و هي العصا فلما خرت تبينت الإنس‏ (4) أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا سنة في العذاب المهين. فالجنّ تشكر الأرضة بما عملت بعصا سليمان.

قال: فلا تكاد تراها في مكان إلّا و عندها (5) ماء و طين.

و في روضة الكافي‏ (6): ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الوليد بن صبيع، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إن اللَّه- عزّ و جلّ- أوحى إلى سليمان بن داود- (عليه السلام)-: أنّ آية موتك أنّ شجرة تخرج من بيت المقدس، يقال لها: الخرنوبة.

قال: فنظر سليمان يوما، فإذا الشّجرة الخرنوبة قد طلعت من بيت المقدس.

فقال لها: ما اسمك؟

قالت: الخرنوبة.

قال: فولّى سليمان مدبرا إلى محرابه، فقام فيه متّكئا على عصاه، فقبض روحه من ساعته.

قال: فجعلت الجنّ و الإنس يخدمونه و يسعون في أمره، كما كانوا. و هم يظنّون أنّه حيّ لم يمت يغدون و يروحون، و هو قائم ثابت. حتّى دبّت الأرض من عصاه، فأكلت منسأته، فانكسرت و خرّ سليمان إلى الأرض. أفلا تسمع لقوله- عزّ و جلّ-:

____________

(1) تفسير القمي 1/ 54- 55.

(2) المصدر: أمر الجن و الانس.

(3) المصدر: يدانون.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: الجن.

(5) المصدر: إلا وجد عندها.

(6) الكافي 8/ 144، ح 144.

483

فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ‏.

و في مجمع البيان‏ (1): و في الشّواذّ «تبيّنت الإنس» و هي قراءة عليّ بن الحسين و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)-.

و فيه‏ (2)، حديث آخر، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان آصف بن برخيا يدبّر أمره حتّى دبّت الأرضة.

لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ: لأولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

و منع‏ (3) الصّرف عنه ابن كثير و ابن عمرو. لأنّه صار اسم القبيلة.

و عن ابن كثير، قلب همزته ألفا. و لعلّه أخرجه بين بين، فلم يؤده الرّاوي كما وجب‏ (4).

فِي مَسْكَنِهِمْ‏: في مواضع سكناهم، و هي باليمن. يقال لها: مأرب. بينها و بين صنعاء مسيرة ثلاث.

و قرأ حمزة و حفص، بالإفراد و الفتح. و الكسائيّ، بالكسر، حملا على ما شذّ من القياس، كالمسجد و المطلع‏ (5).

آيَةٌ: علامة دالّة على وجود الصّانع المختار.

جَنَّتانِ‏: بدل من «آية»، أو خبر محذوف، تقديره: الآية جنّتان.

و قرئ، بالنّصب، على المدح. و المراد: جماعتان من البساتين‏ (6).

عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ‏: جماعة عن يمين بلدهم، و جماعة عن شماله. كلّ واحدة منهما في تقاربها و تضامّها، كأنّها جنّة واحدة. أو بستانا كلّ رجل منهم عن يمين مسكنه و عن شماله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)(7)-: و قوله: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ‏ قال: فإنّ بحرا كان من اليمن. و كان سليمان- (عليه السلام)- أمر جنوده أن يجروا لهم‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 380. و فيه: و في الشواذ قراءة ابن عبّاس و الضحّاك ...

(2) نفس المصدر 4/ 384.

(3) أنوار التنزيل 2/ 258.

(4) نفس المصدر و الموضع.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) تفسير القمي 2/ 200- 201.

484

خليجا من البحر العذب إلى بلاد الهند، فغلوا ذلك. و عقدوا له عقدة (1) من الصّخر و الكلس حتّى يفيض على بلادهم. و جعلوا للخليج مجاريا. فكانوا إذا أرادوا أن يرسلوا منه الماء، أرسلوه بقدر ما يحتاجون إليه. و كانت لهم جنّتان عن يمين و شمال عن مسيرة عشرة أيّام، فيها يمرّ [المارّ.] (2) لا يقع عليه الشّمس من التفافها.

فلمّا عملوا بالمعاصي و عتوا عن أمر ربّهم و نهاهم الصّالحون فلم ينتهوا، بعث اللَّه- عزّ و جلّ- على ذلك السّد الجرذ، و هي الفأرة الكبيرة. فكانت تقلع الصّخرة الّتي لا يستقلّها الرّجل و ترمي بها. فلمّا رأى ذلك قوم منهم، هربوا و تركوا البلاد. فما زال الجرذ يقلع الحجر حتّى خرّبوا ذلك السّد، فلم يشعروا حتّى غشيهم السّيل و خرّب بلادهم و قلع أشجارهم.

و في مجمع البيان‏ (3): و في الحديث، عن فروة بن مسيك أنّه قال: سألت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عن سبأ، أرجل هو أم امرأة؟

فقال: هو رجل من العرب ولد عشرة، تيامن منهم ستّة و تشأم منهم أربعة. فأمّا الّذين تيامنوا، فالأزد و كندة و مذحج و الأشعرون و أنمار و حمير.

فقال رجل من القوم: ما أنمار؟ قال: الّذين منهم خثعم و بجيلة. و أمّا الّذين تشأموا، فعاملة و جذام و الخم و غسّان.

كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ‏: حكاية لما قال لهم نبيّهم ذلك.

بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ (15): استئناف للدّلالة على موجب الشّكر، أي: هذه البلدة الّتي فيها رزقكم بلدة طيّبة، و ربّكم الّذي رزقكم و طلب شكركم ربّ غفور فرطات من يشكره.

و قرئ الكلّ: بالنّصب، على المدح.

و قيل‏ (4): كانت أخصب البلاد و أطيبها. لم يكن فيها عاهة و لا هامّة.

فَأَعْرَضُوا: عن الشّكر.

فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ‏.

____________

(1) المصدر: عقدة عظيمة.

(2) من المصدر.

(3) مجمع البيان 4/ 386.

(4) أنوار التنزيل 2/ 258.

485

قيل‏ (1): سيل الأمر العرم، أي: الصّعب. من عرم الرّجل، فهو عارم. و عرم: إذا شرس خلقه و صعب. أو المطر الشّديد. أو الجرذ، أضاف إليه السّبيل. لأنّه نقب عليهم سكرا (2) ضربته لهم بلقيس، فحقنت به ماء الشّجر، و تركت فيه ثقبا (3) على مقدار ما يحتاجون إليه. أو المسناة الّتي عقدت‏ (4) سكرا (5). على أنّه جمع، عرمة، و هي الحجارة المركومة.

و قيل‏ (6): اسم واد جاء السّيل من قبله. و كان ذلك بين عيسى و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ: بشع. فإنّ الخمط كلّ نبت أخذ طعما من مرارة.

و قيل‏ (7): الأراك. أو كلّ شجر لا شوك له. و التقدير: أكل أكل خمط. فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه، في كونه بدلا أو عطف بيان.

وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‏ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ‏ (16): معطوفان على «أكل» لا على «خمط». فإنّ الأثل، هو الطّرفاء و لا ثمر له.

و قرئا، بالنّصب، عطفا على «جنّتين». و وصف السّدر القلّة، فإنّ جناه، و هو النّبق ممّا يطيب أكله، و لذلك يغرس في البساتين. و تسمية البدل: «جنّتين»، للمشاكلة و التّهكّم‏ (8).

ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا: بكفران النّعمة، أو بكفرهم للرّسل. إذ نقل: أنّه بعث إليهم ثلاثة عشر نبيّا، فكذّبوهم. و تقديم المفعول، للتّعظيم، لا للتّخصيص‏ (9).

وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17): و هل يجازى بمثل ما فعلنا بهم إلّا البليغ في الكفران، أو الكفر؟

و قرأ حمزة و الكسائي و يعقوب و حفص: «نجازي» بالنّون. و «الكفور» بالنّصب‏ (10).

____________

(1) نفس المصدر 2/ 258- 259.

(2) ن و الأصل: سدّا.

السّكر: ما يسدّ به النهر و نحوه.

(3) المصدر: نقبا.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: عقلت.

(5) ن و الأصل: سدّا.

(6) نفس المصدر 2/ 259.

(7) نفس المصدر و الموضع. و في النسخ: «و قيل:

الأراك و كلّ شجر له شوك. و التقدير: أكل كل ...» و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) نفس المصدر و الموضع. و فيه، في متن الآية «يجازي» بالياء. و في المصاحف الموجودة المتداولة

486

وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها: بالتّوسعة على أهلها. و هي قرى الشّام.

قُرىً ظاهِرَةً: متواصلة. يظهر بعضها، لبعض، أو راكبة سنن الطّريق ظاهرة لأبناء السّبيل.

وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ: بحيث يقيل الغادي في قرية و يبيت الرّائح في قرية، إلى أن يبلغ الشّام، سِيرُوا فِيها: على إرادة القول بلسان الحال، أو المقال.

لَيالِيَ وَ أَيَّاماً: متى شئتم من ليل و نهار.

آمِنِينَ‏ (18): لا يختلف الأمن فيها باختلاف الأوقات. أو سيروا آمنين، و إن طالت مدّة سفركم فيها ليالي أعماركم و أيّامها، لا تلقون فيها إلّا الأمن.

و في كتاب علل الشرائع‏ (1)، بإسناده إلى أبى زاهر شيب بن أنس‏ (2) [، عن بعض أصحابه‏] (3)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة، تعرف كتاب اللَّه حقّ معرفته، و تعرف النّاسخ و المنسوخ؟

قال: نعم.

قال: يا أبا حنيفة، لقد ادّعيت علما، ويلك ما جعل اللَّه ذلك إلّا عند أهل الكتاب الّذين أنزل عليهم، ويلك و لا هو إلّا عند الخاصّ من ذرّيّة نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ما ورثك اللَّه من كتابه حرفا. فإن كنت كما تقول، و لست كما تقول، فأخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏ أين ذلك من الأرض؟

قال: أحسبه ما بين مكّة و المدينة.

فالتفت أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- إلى أصحابه، فقال: تعلمون أنّ النّاس يقطع عليهم ما بين المدينة و مكّة، فتؤخذ أموالهم و لا يؤمنون على أنفسهم و يقتلون؟

قالوا: نعم.

____________

الآن، «نجازي» بالنون، و «الكفور» بالنصب.

(1) علل الشرائع/ 90 و 91، مقطعين من ح 5.

و أوّله في ص 89.

(2) ن: أبي طاهر شيب بن أنس. و المصدر: أبي زاهر حبيب بن أنس.

(3) ليس في الأصل و أ.

487

[قال:] (1) فسكت أبو حنيفة.

فقال: يا أبا حنيفة، أخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ‏ (2)-: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً أين ذلك من الأرض؟

قال: الكعبة.

قال: أ فتعلم أنّ الحجّاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على ابن الزّبير في الكعبة فقتله، كان آمنا فيها؟

قال: فسكت.

فقال أبو بكر الحضرميّ، جعلت فداك، الجواب في المسألتين الأوّلتين.

قال: يا أبا بكر سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏ فقال: مع قائمنا أهل البيت. و أمّا قوله: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً فمن بايعه و دخل معه و مسح على يده و دخل في عدّه‏ (3) أصحابه، كان آمنا.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في شرح الآيات الباهرة (4): روى محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن الحسين بن علىّ بن زكريّاء البصريّ، عن الهيثم بن عبد اللَّه الرّمّانيّ قال: حدّثني عليّ بن موسى قال:

حدّثني أبي موسى، عن أبيه جعفر- (عليه السلام)- قال: دخل على أبي بعض من يفسّر القرآن.

فقال له: أنت فلان؟ و سمّاه باسمه.

قال: نعم.

قال: أنت الّذي تفسّر القرآن؟

قال: نعم.

قال: فكيف تفسّر هذه الآية وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ، سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏.

قال: هذه بين مكّة و منى.

فقال له أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أ يكون في هذا الموضع خوف و قطيع؟

____________

(1) من المصدر.

(2) آل عمران/ 97.

(3) المصدر: عقد.

(4) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 168- 169.

488

قال: نعم.

قال: فموضع [يقول اللَّه:] (1) يكون أمن، فيه خوف و قطيع؟

قال: فما هو (2)؟

قال: ذراك‏ (3) نحن أهل البيت. و قد سمّاكم اللَّه: ناسا. و سمّانا: قرئ‏ (4) [قال: جعلت فداك، وجدت هذا في كتاب اللَّه أنّ القرى رجال؟

فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سماكم اللَّه ناسا. و سمّى هذه: قرى‏] (5) قال أبو عبد اللَّه: أليس اللَّه- تعالى- يقول‏ (6): وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها فللجدران و الحيطان السّؤال أم للنّاس؟ و قال- تعالى‏ (7)-: وَ إِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً فمن المعذّب الرّجال أم الجدران و الحيطان؟

و يؤيّده ما رواه- أيضا-: عن أحمد بن هوذة الباهليّ‏ (8)، عن إبراهيم بن إسحاق النّهاونديّ، عن عبد اللَّه بن حمّاد الأنصاريّ، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: دخل [الحسن‏] (9) البصري على محمّد بن عليّ- (عليه السلام).

فقال له: يا أخا أهل البصرة، بلغني أنّك فسّرت‏ (10) آية من كتاب اللَّه على غير ما أنزلت. فإن كنت فعلت، فقد هلكت و استهلكت.

قال: و ما هي، جعلت فداك؟

قال: قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏. ويحك، كيف يجعل اللَّه لقوم أمانا و متاعهم يسرق. بمكّة و المدينة و ما بينهما؟ و ربّما أخذ عبد أو قتل و فاتت نفسه. ثمّ مكث مليّا ثمّ أومأ بيده إلى صدره و قال: نحن القرى الّتي بارك اللَّه فيها.

قال: جعلت فداك، أوجدت هذا في كتاب اللَّه، أنّ القرى رجال؟

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: فما هو ذاك؟

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: «قال: سمّاكم اللَّه أيّاما و سمّى هذه قرى «بدل» و قد سمّاكم ناسا و سمّانا قرى».

(5) ليس في المصدر.

(6) يوسف/ 82.

(7) الاسراء/ 58.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) من المصدر.

(10) المصدر: قرأت.

489

قال: نعم، قول اللَّه- عزّ و جلّ‏ (1)-: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَ رُسُلِهِ، فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَ عَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً فمن العاتي على اللَّه- عزّ و جلّ- الحيطان، أم البيوت، أم الرّجال؟

فقال: الرّجال.

ثمّ قال: قلت: جعلت فداك، زدني.

قال: قوله- عزّ و جلّ- في سورة يوسف‏ (2): سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها لمن أمروه أن يسأل، القرية و العير أم الرّجال؟

فقال: جعلت فداك، فأخبرني عن القرى الظّاهرة.

قال: هم شيعتنا، يعني العلماء منهم.

و قوله: سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏

روى أبو حمزة الثّماليّ‏ (3)، عن عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- أنّه قال: آمنين من الزّيغ، أي: فيها يقتبسونه منهم من العلم في [الدّنيا و] (4) الّذين.

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أبي حمزة الثّماليّ قال: دخل قاض من قضاة أهل الكوفة على علىّ بن الحسين- (عليهما السلام)-.

فقال له: جعلني اللَّه فداك، أخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏.

فقال له: يقول النّاس فيها قبلكم بالعراق‏ (6)؟

قال: يقولون: إنّها مكّة.

قال: و هل رأيت السّرق في موضع أكثر منه. بمكّة؟

قال: فما هو؟

قال: إنّما عنى الرّجال.

قال: و أين ذلك في كتاب اللَّه؟ [فقال:] (7) أو ما تسمع إلى قوله‏ (8)- عزّ و جلّ-:

____________

(1) الطلاق/ 8.

(2) يوسف/ 82.

(3) نفس المصدر/ 169.

(4) ليس في المصدر.

(5) الاحتجاج 2/ 41- 43.

(6) ليس في المصدر.

(7) من المصدر.

(8) الطلاق/ 8.

490

وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَ رُسُلِهِ‏ و قال‏ (1): وَ تِلْكَ الْقُرى‏ أَهْلَكْناهُمْ‏ و قال:

وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها أ فيسأل‏ (2) القرية [أو الرجال أو] (3) العير؟

قال: و تلا- (عليه السلام)(4)- آيات في هذا المعنى.

قال: جعلت فداك، فمن هم؟

قال: نحن هم.

قال: أو لم تسمع قوله: سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏. قال: آمنين من الزّيغ.

و عن أبي حمزة الثمالي‏ (5) قال: أتى الحسن البصريّ‏ (6) أبا جعفر- (عليه السلام)-.

فقال [: جئت‏] (7) لأسالك عن أشياء من كتاب اللَّه.

فقال له أبو جعفر: أ لست فقيه أهل البصرة؟

قال: قد يقال ذلك.

فقال له أبو جعفر- (عليه السلام)-: هل بالبصرة أحد تأخذ عنه؟

قال: لا.

قال: فجميع أهل البصرة يأخذون عنك؟

قال: نعم.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: سبحان اللَّه، لقد تقلّدت‏ (8) عظيما من الأمر (9). بلغني عنك أمر، فما أدري أ كذاك أنت أم يكذب عليك؟

قال ما هو؟

قال: زعموا أنّك تقول: إنّ اللَّه خلق العباد ففوّض إليهم أمورهم.

قال: فسكت [الحسن.] (10) فقال: أ رأيت من قال له اللَّه في كتابه: إنّك آمن. هل عليه خوف بعد هذا القول منه؟

____________

(1) الكهف/ 59.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: فليسأل.

(3) من المصدر. و في النسخ: و.

(4) ليس في المصدر.

(5) نفس المصدر 2/ 62- 63.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: أبو الحسن البصري.

(7) من المصدر.

(8) هكذا في الأصل. و في سائر النسخ: نقلت.

(9) هكذا في المصدر و س. و في سائر النسخ:

الأرض.

(10) من المصدر.

491

فقال الحسن: لا.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّي أعرض إليك آية و أنهي إليك خطبا، و لا أحسبك إلّا و قد فسّرته على غير وجهه. فإن كنت فعلت ذلك، فقد هلكت و أهلكت.

فقال له: و ما هو؟

قال: أ رأيت حيث يقول: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏. يا حسن، بلغني أنّك أفتيت النّاس، فقلت:

هي مكّة. فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: هل يقطع على من حجّ مكّة، و هل يخاف أهل مكّة، و هل تذهب أموالهم؟

[قال: بلى.

قال: (1)] فمتى يكونون آمنين؟ بل فينا ضرب اللَّه الأمثال في القرآن. فنحن القرى الّتي بارك اللَّه فيها. و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-. فمن أقرّ بفضلنا حيث [أمرهم أن يأتونا، فقال: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ‏] (2) الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً و القرى‏ (3) الظّاهرة، الرّسل و النّقلة عنّا إلى شيعتنا، و فقهاء شيعتنا إلى شيعتنا. و قوله- تعالى-: قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ فالسير مثل العلم‏ سِيرُوا فِيها (4) لَيالِيَ وَ أَيَّاماً مثل لما يسير من العلم في اللّيالي و الأيّام عنّا إليهم في الحلال و الحرام و الفرائض و الأحكام. آمِنِينَ‏ فيها إذا أخذوا [عن معدنها الّذي أمروا أن يأخذوا] (5) منه، آمنين من الشّكّ و الضّلال و النّقلة من الحرام إلى الحلال. لأنّهم أخذوا العلم ممّن وجب لهم بأخذهم‏ (6) إيّاه عنهم بالمعرفة (7)، لأنّهم أهل ميراث العلم من آدم إلى حيث انتهوا، ذرّيّة مصطفاة (8) بعضها من بعض. فلم ينته الا اصطفاء إليكم، بل إلينا انتهى. و نحن تلك الذّرّيّة المصطفاة، لا أنت و لا أشباهك.

يا حسن، فلو قلت لك حين ادّعيت ما ليس لك و ليس إليك: يا جاهل أهل البصرة. لم أقل فيك، إلّا ما علمته منك و ظهر لي عنك. و إيّاك أن تقول بالتّفويض، فإنّ‏

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في المصدر. و فيه: «بينهم و بين شيعتهم» بدلا.

(3) المصدر: القرة.

(4) المصدر: «مثل للعلم سير به» بدل «مثل العلم سيروا فيها».

(5) ليس في المصدر.

(6) ن: «بأخذه». المصدر: «أخذهم».

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: المغفرة.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: مصفاة.

492

اللَّه- عزّ و جلّ- لم يفوّض الأمر إلى خلقه وهنا منه و ضعفا، و لا أجبرهم على معاصيهم ظلما (1).

و الحديث) طويل أخذت منه موضع الحاجة (انتهى.)

و في روضة الكافي‏ (2) عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن زيد الشّحّام قال: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر- (عليه السلام)- فقال: يا قتادة، أنت فيه أهل البصرة؟

فقال: هكذا يزعمون.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: بلغني أنّك تفسّر القرآن.

قال له قتادة: نعم.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: بعلم تفسّره‏ (3) أم بجهل؟

قال: لا، بعلم.

فقال له أبو جعفر- (عليه السلام)-: فإن كنت تفسّره بعلم، فأنت أنت‏ (4)، و إلّا أنا أسألك.

قال قتادة: سل.

قال: أخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ‏ (5)-: وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏.

فقال قتادة: ذلك من خرج من بيته بزاد [حلال‏] (6) و راحلة و كراء حلال‏ (7) يريد هذا البيت، كان آمنا حتّى يرجع إلى أهله.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: نشدتك باللَّه، يا قتادة، هل تعلم أنّه قد يخرج‏

____________

(1) يوجد في هامش نسخة م:

و عن عليّ- (عليه السلام)- قال: نحن القرى التي بارك اللَّه فيها. و ذلك قوله تعالى: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً.

قال: «القرى الظاهرة»، الرسل. و النقلة عنّا إلى شيعتنا و شيعتنا إلى شيعتنا بأسمائه. (الآية)

(2) الكافي 8/ 311- 312، ح 485.

(3) ليس في الأصل.

(4) قال المجلسي- (رحمه اللّه)-: أي: فأنت العالم المتوحد الّذي لا يحتاج إلى المدح و الوصف، و ينبغي أن يرجع إليك في العلوم. (حاشية المصدر، نقلا عن مرآة العقول، للمجلسي- (رحمه اللّه)-.)

(5) هنا زيادة في المصدر. و هي: في سبأ.

(6) من المصدر.

(7) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

«أو كراحل» بدل «و كراء حلال».

493

الرّجل‏ (1) من بيته بزاد حلال و راحلة و كراء حلال‏ (2) يريد هذا البيت، فيقطع عليه الطّريق، فتذهب نفقته و يضرب مع ذلك ضربة فيها اجتياحه‏ (3)؟

قال قتادة: اللّهمّ، نعم.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: ويحك، يا قتادة، إنّ كنت إنّما فسّرت القرآن من تلقاء نفسك، فقد هلكت و أهلكت. [و إن كنت أخذته من الرّجال، فقد هلكت و أهلكت.] (4) ويحك، يا قتادة، ذلك من خرج من بيته بزاد و راحلة و كراء حلال‏ (5) يروم هذا البيت عارفا بحقّنا يهوانا قلبه، كما قال اللَّه- عزّ و جلّ- (6): فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏ و لم يعن البيت فيقول: «إليه» فنحن، و اللَّه، دعوة إبراهيم- (عليه السلام)- الّتي‏ (7) من هوانا قلبه قبلت حجّته، و إلّا فلا، يا قتادة. [فإذا كان كذلك، كان آمنا من عذاب جهنّم يوم القيامة.

قال قتادة:] (8) لا جرم، و اللَّه، لا فسّرتها إلّا هكذا.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: ويحك، يا قتادة، إنّما يعرف القرآن من خوطب به.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (9)، بإسناده إلى محمّد بن صالح الهمدانيّ قال: كتبت إلى صاحب الزّمان- (عليه السلام)-: [إنّ أهل بيتي‏] (10) يؤذونني و يقرّعونني بالحديث الّذي روي عن آبائك- (عليهم السلام)-. إنّهم قالوا: خدّامنا و قوّامنا شرار خلق اللَّه.

فكتب- (عليه السلام)-: ويحكم، أما تقرءون‏ (11) ما قال اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً نحن، و اللَّه، القرى الّتي بارك اللَّه فيها. و أنتم أقرى الظّاهرة.

قال عبد اللَّه بن جعفر: و حدّثنا بهذا الحديث عليّ بن محمّد الكلينيّ، عن حمّد بن صالح، عن صاحب الزّمان- (صلوات اللّه عليه).

____________

(1) ليس في أوس و الأصل.

(2) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

«أو كراحل» بدل «و كراء حلال».

(3) الاجتياح: الإهلاك.

(4) ليس في أ.

(5) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ: حل.

(6) إبراهيم/ 37.

7 و 8- من المصدر.

(9) كمال الدين و تمام النعمة/ 483، ح 2.

(10) من المصدر.

(11) هكذا في المصدر. و في النسخ: «ما تعرفون» بدل «أما تقرءون».

494

فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا: أشروا النّعمة، كبني إسرائيل. فسألوا اللَّه أن يجعل بينهم و بين الشّأم مفاوز، ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرّواحل و تزوّد الأزواد.

فأجابهم اللَّه‏ (1) بتخريب القرى المتوسّطة.

و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و هشام بعد و يعقوب: «باعد» بلفظ الخبر، على أنّه شكوى منهم لبعد سفرهم إفراطا في التّرفيه و عدم الاعتداد بما أنعم اللَّه عليهم فيه. و مثله قراءة من قرأ: «ربّنا بعدّ» و «بعد» على النّداء، و إسناد الفعل إلى «بين» (2).

وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏: حيث بطروا النّعمة، أو لم يعتدّوا بها.

و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب. عن جميل بن صالح، عن سدير قال: سأل رجل أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏ (الآية.) فقال: هؤلاء، قوم، كانت لهم قرى متّصلة ينظر بعضهم إلى بعض، و أنهار جارية و أموال ظاهرة. فكفروا بأنعم اللَّه- عزّ و جلّ- و غيّروا ما بأنفسهم من عافية (4) اللَّه، فغيّر اللَّه ما بهم من نعمة. و إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏. فأرسل اللَّه عليهم سيل العرم، فغرّق قراهم و خرّب ديارهم و أذهب أموالهم، و أبدلهم مكان جنّاتهم‏ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‏ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ‏. ثمّ قال: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا، وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ.

و في روضة الكافي‏ (5): محمّد بن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب‏ (6)، عن جميل بن صالح، عن سدير قال: سأل رجل أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏.

فقال: هؤلاء قوم، كانت لهم قرى متّصلة ينظر بعضهم إلى بعض و أنهار جارية و أموال ظاهرة. فكفروا بأنعم اللَّه و غيّروا ما بأنفسهم، فأرسل اللَّه- عزّ و جلّ- عليهم سيل‏

____________

(1) هكذا في م. و في سائر النسخ: «فإذا جاء بهم» بدل «فأجابهم اللَّه».

(2) أنوار التنزيل 2/ 259.

(3) الكافي 2/ 274، ح 23.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: عاقبة.

(5) نفس المصدر 8/ 395- 396، ح 596.

(6) هكذا في المصدر، أ و م و س. و في سائر النسخ: محمّد عن أحمد عن محمد بن محبوب.

495

العرم. فغرّق قراهم و أخرب ديارهم [و أذهب بأموالهم.] (1) و أبدلهم مكان جنّاتهم‏ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‏ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ‏. ثمّ قال اللَّه- عزّ و جلّ-: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا، وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ.

و بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)(2)- خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها يقول- (عليه السلام)-: و وا أسفا من فعلا شيعتي من بعد قرب مودّتها اليوم كيف يستذلّ بعدي بعضهم‏ (3) بعضا، [و كيف يقتل بعضهم‏ (4) بعضا] (5) المتشتّتة غدا عن الأصل، النّازلة بالفرع، المؤمّلة الفتح من غير جهته، كلّ حزب منهم آخذ (6) بغصن أينما مال الغصن مال معه.

مع أنّ اللَّه- و له الحمد- سيجمع هؤلاء لشرّ يوم لبني أميّة، كما يجمع قرع الخريف يؤلّف اللَّه بينهم، ثمّ يجعلهم ركاما، كركام السّحاب ثمّ يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستشارهم، كسيل الجنّتين سيل‏ (7) العرم. حيث بعث عليه فأرة فلم يثبت عليه أكمة و لم يردّ سننه من طود.

يذعذعهم اللَّه في بطون أودية، ثمّ يسلكهم ينابيع في الأرض، يأخذ بهم من قوم حقوق قوم و يمكّن من قوم لديار (8) قوم، تشديدا لبني أميّة.

فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ‏: يتحدّث النّاس بهم تعجّبا. و ضرب مثل، فيقولون: تفرّقوا أيدي سبأ.

وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ‏: فرّقناهم غاية التّفريق، حتّى لحق غسّان‏ (9) منهم بالشّام و أنمار بيثرب و جذام بتهامة و الأزد بعمان.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (10)، بإسناده إلى أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: يا بلال، اصعد أبا قبيس فناد عليه: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حرّم الجرّيّ و الضّبّ و الحمر الأهليّة، ألا فاتّقوا اللَّه و لا تأكلوا من السّمك إلّا ما كان له قشر و مع القشر فلوس. إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- مسخ‏

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر 8/ 64- 65، ضمن حديث 22.

3 و 4- هكذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر:

بعضها.

(5) ليس في م.

(6) المصدر: آخذ [منه‏].

(7) ليس في أوس و المصدر.

(8) المصدر: «بهم قوما في ديار»، م و س و أ: «من قوم في ديار» بدل «من قوم لديار».

(9) هكذا في س. و في م و ن: «غيتان». و في أ:

«غشان». و في الأصل: «غشاه».

(10) علل الشرائع/ 461، 462، ضمن‏

496

سبعمائة أمّة عصوا الأوصياء بعد الرّسل، فأخذ أربعمائة أمّة منهم برّا، و ثلاثمائة منهم بحرا.

ثمّ تلا هذه الآية: فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ‏.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ: عن المعاصي.

شَكُورٍ (19): على النّعم.

في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن أحمد بن ثابت، عن القاسم بن إسماعيل، عن محمّد بن سنان، عن سماعة بن مهران، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ.

قال: صَبَّارٍ على مودّتنا و على ما نزل به من شدّة أو رخاء، صبور على الأذى فينا.

شَكُورٍ للَّه على ولايتنا أهل البيت.

وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ‏، أي: صدّق في ظنّه، أو صدّق يظنّ ظنّه، مثل:

فعلته جهدك.

و يجوز أن يعدّى الفعل إليه بنفسه، كما في صدق وعده. لأنّه نوع من القول. و شدّده الكوفيّون، بمعنى: حقّق ظنّه، أو وجده صادقا.

و قرئ، بنصب «إبليس» و رفع «الظّنّ» مع التّشديد (2)، بمعنى: وجده ظنّه صادقا.

و التخفيف، بمعنى: قال له ظنّه الصّدق حين خيله إغواءهم. و برفعهما و التّخفيف، على الإبدال. و ذلك إمّا ظنّه بسبإ حين رأى انهماكهم في الشّهوات، أو ببني آدم حين رأى ما ركّب فيهم من الشّهوات و الغضب، أو سمع من الملائكة أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها فقال:

لأضلّنّهم و لَأُغْوِيَنَّهُمْ‏.

فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (20): إلّا فريقا هم المؤمنون لم يتّبعوه.

و تقليلهم بالإضافة إلى الكفّار، أو إِلَّا فَرِيقاً من فرق المؤمنين لم يتّبعوه في العصيان و هم المخلصون.

و في روضة الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن سليمان، عن عبد اللَّه بن محمّد

____________

حديث 1.

(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 169.

(2) أنوار التنزيل 2/ 260.

(3) الكافي 8/ 344- 354، ح 542.

497

اليمانيّ، عن [عبد اللَّه بن‏] (1) مسمع بن الحجّاج، عن صباح الحذّاء، عن صباح المزنيّ، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا أخذ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بيد علي- (عليه السلام)- يوم الغدير، صرخ إبليس في جنوده صرخة فلم يبق منهم في برّ و لا بحر إلّا أتاه.

فقالوا: يا سيّدهم و مولاهم‏ (2)، ما ذا دهاك، فما سمعنا لك صرخة أوحش من صرختك هذه؟

فقال لهم: فعل هذا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فعلا إن ثم لم يعص اللَّه أبدا.

فقالوا: يا سيّدهم، أنت كنت لآدم.

فلمّا قال المنافقون: إنّه ينطق عن الهوى. و قال أحدهما لصاحبه: أما ترى عينيه تدوران في رأسه كأنّه مجنون، يعنون: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- صرخ إبليس صرخة بطرب فجمع أولياء (5)، فقال: أما علمتم أنّي كنت لآدم من قبل؟

قالوا: نعم.

قال: آدم نقض العهد و لم يكفر بالرّبّ، و هؤلاء نقضوا العهد و كفروا بالرسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

[و فلمّا قبض رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-] (3) و أقام النّاس غير عليّ، لبس إبليس تاج الملك و نصب منبرا و قعد في الوثبة (4) و جمع خليله‏ (5) و رجله ثمّ قال لهم: اطربوا

____________

(1) ليس في س و أ و ن و المصدر.

(2) يوجد في هامش نسخة م:

«لم ينسب إليه بقوله- (عليه السلام)- «سيّدنا».

لأنّ هذه القاعدة من قواعد الفصحاء و هم لا ينسبون الشّي‏ء القبيح إلى أنفسهم عند التكلّم.

سمعت من م ق ر ر و».

و في حاشية المصدر نقلا عن العلامة المجلسي- (رحمه اللّه)- في كتابه مرآة العقول: أي: قالوا:

«يا سيّدنا و يا مولانا». و إنّما غيّره لئلّا يوهم انصرافه إليه- (عليه السلام)-.

و هذا شائع في كلام البلغاء في نقل أمر لا يرضى القائل لنفسه، كما في قوله تعالى: أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ‏.

و قوله: «ما ذا دهاك» يقال: دهاه: إذا أصابته داهية.

(3) ليس في م.

(4) هكذا في المصدر. و في سائر النسخ: الزينة.

الوثبة: الوسادة.

(5) هكذا في المصدر و م. و في سائر النسخ: جميع خيله.

498

لا يطاع اللَّه حتّى يقوم الإمام.

و تلا أبو جعفر- (عليه السلام)-: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏.

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: كان تأويل هذه الآية لمّا قبض رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. و الظّنّ من إبليس حين قالوا الرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّه ينطق عن الهوى. فظنّ بهم إبليس ظنّا فصدّقوا ظنّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لمّا أمر اللَّه نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أن ينصب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- للنّاس في قوله‏ (2): يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏ في عليّ بغدير خمّ، فقال: من كنت مولاه، فعليّ مولاه.

فجاءت الأبالسة إلى إبليس الأكبر (3)، و حثّوا التّراب على رؤوسهم.

فقال لهم إبليس: ما لكم؟

قالوا: إنّ هذا الرّجل قد عقد اليوم عقدة لا يحلّها شي‏ء إلى يوم القيامة.

فقال لهم إبليس: كلّا، إنّ الّذين حوله قد وعدوني فيه عدة (4) لن يخلفوني. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- على رسول اللَّه: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ‏ (الآية).

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا الحسين بن أحمد المالكيّ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن أبي فضّال‏ (6)، عن عبد الصّمد بن بشير، عن عطيّة العوفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لمّا أخذ بيد عليّ- (عليه السلام)- بغدير خمّ فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، كان إبليس حاضرا بعفاريته.

فقالت له- حيث قال: من كنت مولاه، فعليّ مولاه-: و اللَّه، ما هكذا قلت لنا، لقد أخبرتنا إنّ هذا إذا مضى افترق‏ (7) أصحابه، و هذا أمر مستقرّ كلّما أراد أن يذهب واحد

____________

(1) تفسير القمي 2/ 201.

(2) المائدة/ 67.

(3) ليس في أ.

(4) الأصل: مدّة.

(5) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 169.

(6) المصدر: ابن فضّال.

(7) المصدر: افترقت.

499

بدر آخر.

فقال: افترقوا، فإن أصحابه قد وعدوني أن لا يقرّوا له بشي‏ء ممّا قال. و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏.

وَ ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ‏: تسلّط و استيلاء بوسوسة و استغواء إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍ‏: إلّا يتعلّق علمنا بذلك تعلّقا يترتّب عليه الجزاء، أو ليتميّز المؤمن من الشّاكّ. و المراد من حصول العلم، حصول متعلّقه مبالغة.

وَ رَبُّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَفِيظٌ (21)» محافظ. و الزّنتان متآخيتان.

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ‏، اي: زعمتموهم آلهة.

و هما مفعولا «زعم». حذف الأوّل لطول الموصول بصلته، و الثّاني لقيام صفته مقامه. و لا يجوز أن يكون «هو» مفعوله الثّاني، لأنّه لا يلتئم مع الضّمير كلاما. و لا «لا يملكون» لأنّهم لا يزعمونه‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏.

و المعنى: ادعوهم فيما يهمّكم من جلب نفع أو دفع ضرّ لعلّهم يستجيبون لكم إن صحّ دعواكم.

ثمّ أجاب عنهم إشعارا بتعيّن الجواب و أنّه لا يقبل المكابرة، فقال: لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ: من خير أو شرّ.

فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ‏: في أمرنا (1). و ذكرهما، للعموم العرفيّ. أو لأنّ آلهتهم بعضها سماويّة، كالملائكة و الكواكب، و بعضها أرضيّة، كالأصنام. أو لأنّ الأسباب القريبة للخير و الشّرّ سماويّة و أرضيّة. و الجملة استئناف لبيان حالهم.

وَ ما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ‏: من شركة، لا خلقا و لا ملكا.

وَ ما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) يعينه على تدبير أمرهما.

وَ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ‏: و لا تنفعهم شفاعة أيضا، كما يزعمون. إذ لا تنفع الشّفاعة عند اللَّه.

____________

(1) هكذا في النسخ. و في تفسير الصافي 4/ 218:

«أمرهما». و في أنوار التنزيل 2/ 260: «أمر ما».

و الأخير أظهر بدلالة: لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ.

و «أمرهما» أقوى بدلالة: «في السماوات و لا في الأرض». و اللَّه العالم.

500

إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏: أن يشفع، أو أذن أن يشفع له لعلوّ شأنه. و لم يثبت ذلك.

و اللّام على الأوّل، كاللّام في قولك: الكرم لزيد. و الثّاني، كاللّام في: جئتك لزيد.

و قرأ أبو عمرو و حمزة و الكسائي، بضمّ الهمزة (1).

حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ‏: غاية لمفهوم الكلام من أنّ ثمّة توقّفا و انتظارا للإذن، أي يتربّصون فزعين، حتّى إذا كشف الفزع عن قلوب، الشّافعين و المشفوع لهم بالإذن.

و قيل‏ (2): الضّمير للملائكة، و قد تقدّم ذكرهم ضمنا.

و قرأ ابن عامر و يعقوب: «فزّع» على البناء للفاعل. و قرئ: «فرغ»، أي: نفي الوجل من فرغ الزّاد إذا فني‏ (3) قالُوا: بعضهم لبعض.

ما ذا قالَ رَبُّكُمْ‏: في الشّفاعة.

قالُوا الْحَقَ‏: قالوا: قال القول الحقّ. و هو الإذن بالشّفاعة لمن ارتضى، و هم المؤمنون.

و قرئ، بالرّفع، أي: مقوله الحقّ‏ (4).

وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23): ذو العلوّ و الكبرياء. ليس لملك و لا نبيّ أن يتكلّم ذلك اليوم‏ (5) إلّا بإذنه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): في قوله- عزّ و جلّ-: وَ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏ قال: لا يشفع أحد من أنبياء اللَّه و رسله يوم القيامة [حتّى يأذن اللَّه له. إلّا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فإنّ اللّه- تعالى- قد أذن له في الشّفاعة من قبل يوم القيامة] (7) فالشّفاعة له و للأئمّة- (عليهم السلام)- ثمّ بعد ذلك للأنبياء- (عليهم السلام)-.

قال‏ (8): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي العبّاس المكبّر دخل مولى لا امرأة عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يقال له: أبو أيمن.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 260.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر 2/ 261.

(5) من ن و م.

(6) تفسير القمي 2/ 201- 202.

(7) ليس في ن.

(8) نفس المصدر و الموضع.

501

فقال له: يا أبا جعفر، تغرّون النّاس و تقولون: شفاعة محمّد شفاعة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فغضب أبو جعفر- (عليه السلام)- حتّى تربّد (1) وجهه. ثمّ قال له: ويحك يا أبا أيمن، أغرّك أن عفّ بطنك و فرجك. أما لو قد رأيت أفزاع يوم القيامة لقد احتجت إلى شفاعة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. ويلك، و هل يشفع إلّا لمن وجبت له النّار (2).

ثمّ قال: ما من أحد من الأوّلين و الآخرين إلّا و هو محتاج إلى شفاعة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يوم القيامة.

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الشّفاعة [في أمّته، و لنا الشّفاعة في شيعتنا، و لشيعتنا الشفاعة (3) في أهاليهم.

ثمّ قال: و إنّ المؤمن ليشفع في مثل ربيعة و حضر. و إنّ المؤمن ليشفع حتّى لخادمه، و يقول: يا ربّ، حقّ خدمتي، كان يقيني: الحرّ و البرد.

و في‏ (4) رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر] (5)- (عليه السلام)‏- في قوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ، قالُوا الْحَقَّ وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. و ذلك أنّ أهل السّماوات لم يسمعوا وحيا فيما بين أن بعث عيسى بن مريم إلى أن بعث اللَّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله).

فلمّا بعث اللَّه جبرائيل- (عليه السلام)- إلى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)(6)- أهل السّماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصّفا، فصعق أهل السّماوات. فلمّا فرغ من الوحي انحدر جبرائيل- (عليه السلام)- [كلّما مرّ (7) بأهل سماء فزّع عن قلوبهم، يقول: كشف عن قلوبهم. فقال بعضهم للبعض: ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَ‏] (8) وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ.

و في شرح الآيات الباهرة (9): قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-: روي عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: لا تقبل الشّفاعة يوم القيامة لأحد من الأنبياء و الرّسل حتّى يأذن له في الشّفاعة، إلّا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فإنّ اللَّه قد أذن له في‏

____________

(1) تربّد: تغيّر.

(2) ليس في الأصل و ن.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: شفاعة.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في أ.

(6) المصدر: فسمع.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: أمر.

(8) ليس في أ.

(9) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 170.

502

الشّفاعة من قبل يوم القيامة (1). فالشّفاعة له و لأمير المؤمنين و للأئمّة من ولده- (عليهم السلام)-. ثمّ بعد ذلك للأنبياء- (عليهم السلام)-.

و روى- أيضا (2)- عن أبيه، عن عليّ بن مهران، عن زرعة، عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن شفاعة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يوم القيامة.

قال: يحشر النّاس يوم القيامة في صعيد واحد، فيلجمهم‏ (3) العرق. فيقولون: انطلقوا بنا إلى- (عليه السلام)- ليشفع‏ (4) لنا. فيأتون آدم فيقولون له: اشفع لنا عند ربّك.

فيقول: إنّ لي ذنبا و خطيئة [فأستحي‏ (5) من ربّي، فعليكم بنوح.

فيأتون نوحا، فيردّهم إلى من يليه، و يردّهم كلّ نبي إلى من يليه من الأنبياء،] (6) حتّى ينتهوا إلى عيسى.

فيقول: عليكم بمحمّد.

فيأتون محمّدا، فيعرضون أنفسهم عليه و يسألونه أن يشفع لهم.

فيقول لهم: انطلقوا بنا.

فينطلقون حتّى يأتي باب الجنّة، فيستقبل وجه الرّحمن‏ (7) سبحانه و يخرّ ساجدا، فيمكث ما شاء اللَّه.

فيقول [اللَّه‏] (8) له: ارفع رأسك، يا محمّد، و اشفع تشفّع و سل تعط. فيشفع فيهم.

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: يريد به تقرير قوله: لا يَمْلِكُونَ‏.

قُلِ اللَّهُ‏: إذ لا جواب له سواه. و فيه إشعار بأنّهم إن سكتوا أو تلعثموا في الجواب مخافة الإلزام، فهم مقرّون به بقلوبهم.

وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى‏ هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (24)، أي: و إنّ أحد الفريقين من الموحدّين المتوحّد بالرّزق و القدرة الذاتيّة بالعبادة و المشركين به الجماد النّازل في أدنى المراتب الإمكانيّة، لعلى أحد الأمرين من الهدى و الضّلال المبين. و هو بعد ما تقدّم من‏

____________

(1) المصدر: في يوم القيامة.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) أ و م و س: فيحمهم.

المصدر: فيسيل منهم.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: يشفع.

(5) المصدر: و أنا أستحيي.

(6) ليس في أ.

(7) المصدر: وجه الرحمن الرحيم.

(8) من م و المصدر.

503

التقرير البليغ الدّالّ على من هو على الهدى و من هو في ضلال أبلغ من التّصريح، لأنّه في صورة الإنصاف المسكت للخصم المشاغب.

و اختلاف الحرفين، لأنّ الهادي، كمن صعد ضارا ينظر الأشياء و يتطلّع عليها، أو ركب جوادا يركضه حيث يشاء. و الضّالّ، كأنّه منغمس في ظلام‏ (1) من قبل أنّه لا يرى شيئا، أو محبوس في مطمورة لا يستطيع أن يتفصّى‏ (2) منها.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كلام طويل. و فيه: و أمّا قولكم «أنّي شككت في نفسي حيث قلت للحكمين: انظرا، فإن كان معاوية أحقّ بها منّي فأثبتاه‏ (4).» فإنّ ذلك لم يكن شكّا منيّ، و لكنّي أنصفت بالقول.

قال اللَّه: وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى‏ هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏. و لم يكن ذلك شكّا، و قد علم اللَّه أنّ نبيّه على الحقّ.

قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَ لا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏ (25): هذا أدخل في الإنصاف و أبلغ في الإخباث، حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم و العمل إلى المخاطبين.

قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا: يوم القيامة.

ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِ‏: يحكم و يفصل. بأن يدخل‏ (5) المحقّين الجنّة و المبطلين النّار.

وَ هُوَ الْفَتَّاحُ‏: الحاكم الفيصل في القضايا المنغلقة.

الْعَلِيمُ‏ (26): بما ينبغي أن يقضي به.

قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ: لأرى بأيّ صفة ألحقتموهم باللَّه في استحقاق العبادة. و هو استفسار عن شبهتهم بعد إلزام الحجّة عليهم، زيادة في تبكيتهم.

كَلَّا: ردع لهم عن المشاركة، بعد إبطال المقايسة. بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ (27): الموصوف بالغلبة و كمال القدرة. و الضّمير «للَّه» أو للشّأن.

وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ‏: إلّا إرسالة (6) عامّة لهم. من الكفّ، فإنّها إذا عمّتهم فقد كفّتهم أن يخرج منها أحد. أو إلّا جامعا لهم في الإبلاغ. فهي حال من الكافّ.

و التّاء للمبالغة. و لا يجوز جعلها حالا من «النّاس» على المختار.

____________

(1) ن: ضلال.

(2) تفصّى من الشي‏ء، و عنه: تخلّص منه.

(3) الاحتجاج 1/ 277- 278.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: فأشتباه.

(5) هكذا في م و ن. و في سائر النسخ: يداخل.

(6) ن: رسالة.

504

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثنا عليّ بن جعفر قال: حدّثني محمّد بن عبد اللَّه الطّائيّ قال: حدّثنا محمّد بن أبي عمير قال: حدّثنا حفص الكنانيّ قال: سمعت أبا عبد اللَّه بن بكير الأرجانيّ‏ (2) قال: قال لي الصّادق جعفر بن محمّد- (صلوات اللّه عليهما)-: أخبرني عن الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- كان عامّا للنّاس بشيرا، أليس قد قال اللَّه- عزّ و جلّ‏ (3): وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ‏ لأهل الشّرق و الغرب و أهل السّماء و الأرض من الجنّ و الإنس، هل بلّغ رسالته إليهم كلّهم؟

[قلت: لا أدري.

قال: يا ابن بكير، إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لم يخرج من المدينة، فكيف أبلغ أهل الشّرق و الغرب؟] (4) قلت: لا أدري.

قال: إنّ اللَّه- تعالى- أمر جبرائيل فاقتلع الأرض بريشة من جناحه و نصبها لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فكانت بين يديه مثل راحته في كفّه، ينظر أهل الشّرق و الغرب، و يخاطب كلّ قوم بألسنتهم و يدعوهم إلى اللَّه- عزّ و جلّ- و إلى نبوّته بنفسه، فما بقيت قرية و لا مدينة إلّا و دعاهم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بنفسه.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن محمّد بن مروان جميعا، عن أبان بن عثمان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- أعطى محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- شرائع نوح و إبراهيم و موسى و عيسى- إلى أن قال-: و أرسله كافّة إلى الأبيض و الأسود و الجنّ و الإنس.

و في كتاب الخصال‏ (6): عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) تفسير القمي 2/ 202- 203.

(2) هكذا في ن. و في سائر النسخ: «الرجاني».

و في المصدر: «الدجاني». و لعل الأصوب:

«عبد اللَّه بن بكر الأرجانى» ر. تنقيح المقال 2/ 172، رقم 6769 و ص 170، رقم 6766.

(3) هنا زيادة في المصدر. و هي: في محكم كتابه.

(4) ليس في ن.

(5) الكافي 2/ 17، ضمن حديث 1.

(6) الخصال/ 201، صدر و ذيل حديث 14.

505

و سلّم-: فضّلت بأربع خصال‏ (1): جعلت لي‏ (2) الأرض مسجدا- إلى قوله: و أرسلت إلى النّاس كافّة.

و في مجمع البيان‏ (3): عن ابن عبّاس، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أعطيت خمسا و لا أقول فخرا، بعثت إلى الأحمر و الأصفر (4). (الحديث.)

و في روضة الواعظين‏ (5)، للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-: سئل أبو طالب‏ (6): سلّه‏ (7)، أرسله اللَّه إلينا خاصّة أم إلى النّاس كافّة؟

فقال أبو طالب: يا ابن أخ، إلى النّاس كافّة أرسلت أم إلى قومك خاصّة؟

قال: لا، بل إلى النّاس أرسلت كافّة، الأبيض و الأسود (8) و العزليّ و العجميّ.

و الّذي نفسي بيده، لأدعونّ إلى هذا الأمر الأبيض و الأسود و من على رؤوس الجبال و من في لجج البحار، و لأدعونّ ألسنة فارس و الرّوم.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (9)، بإسناده إلى أبي حمزة الثّماليّ: عن أبي جعفر (10) الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و إنّ الأنبياء بعثوا خاصّة و عامّة: فأمّا نوح، فإنّه أرسل إلى من في الأرض بنبوّة عامّة و رسالة عامّة. أو أمّا هود، فإنّه أرسل [إلى عاد] (11) بنبوّة خاصّة. و أمّا صالح، فإنّه أرسل إلى ثمود، و هي قرية واحدة لا تكمل أربعين بيتا على ساحل البحر صغيرة. و أمّا شعيب، فإنّه أرسل إلى مدين، و هي لا تكمل أربعين بيتا. و أمّا إبراهيم نبوّته بكوثا، و هي قرية من قرى السّواد فيها بدأ أوّل أمره ثمّ هاجر منها و ليست بهجرة. فقال في ذلك‏ (12) قوله- عزّ و جلّ-: إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى‏ رَبِّي‏ ... سَيَهْدِينِ‏ (13). و كانت هجرة

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: لأمتي.

(3) مجمع البيان 4/ 391.

(4) المصدر: الأسود.

(5) روضة الواعظين للنيسابوري/ 54، في حديث طويل.

(6) المصدر: «فقالوا يا أبو طالب» بدل «سئل أبو طالب».

(7) ليس في الأصل و م.

(8) هنا زيادة في المصدر. و هي: و الأحمر.

(9) كمال الدين و تمام النعمة/ 219- 220، ضمن حديث 1. و أوّله في ص 213.

(10) المصدر: أبي جعفر محمد بن عليّ.

(11) من المصدر.

(12) المصدر: «و ليست بهجرة قتال. و ذلك» بدل «و ليست بهجرة. فقال في ذلك».

(13) هكذا في النسخ و المصدر. و أمّا في المصحف:

إِنِّي ذاهِبٌ ... (الصافات/ 99)، أو كما وردت فوق و لكن بدون «سيهدين» فتكون في سورة العنكبوت/ 26. و الاحتمال الأوّل أظهر.

506

إبراهيم بغير قتال. و أمّا إسحاق، فكانت نبوّته بعد إبراهيم.

و أمّا يعقوب، فكانت نبوّته بأرض كنعان، ثمّ هبط إلى أرض مصر فتوفّي فيها، ثمّ حمل بعد ذلك جسده حتّى دفن بأرض كنعان. و الرّؤيا الّتي رأى يوسف الأحد عشر كوكبا و الشّمس و القمر له ساجدين، فكانت نبوّته في أرض مصر بدؤها، ثمّ أنّ اللَّه- تبارك و تعالى- أرسل الأسباط اثني عشر بعد يوسف. ثمّ موسى و هارون إلى فرعون و ملائه إلى أرض‏ (1) مصر وحدها. ثمّ أنّ اللَّه- تبارك و تعالى- أرسل يوشع بن نون إلى بني إسرائيل من بعد موسى، فنبّوته بدؤها في البرّيّة الّتي تاه فيها بنو إسرائيل. ثمّ كانت أنبياء كثيرون، منهم من قصّه اللَّه- عزّ و جلّ- على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و منهم من لم يقصصه على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. ثمّ إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أرسل عيسى إلى بني إسرائيل خاصّة، و كانت نبوّته ببيت المقدس و كان من بعده الحواريّون اثنا عشر. يزل الإيمان يستتر (2) في بقية أهله منذ رفع اللَّه عيسى- (عليه السلام)-. ثمّ أرسل اللَّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إلى الجنّ و الإنس عامّة، و كان خاتم الأنبياء.

و بإسناده إلى محمّد بن الفضيل‏ (3)، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ [الباقر-] (4) (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)-: فمكث نوح- (عليه السلام)- [في قومه‏] (5) ألف سنة إلّا خمسين عاما، لم يشاركه في نبوّته أحد.

و في روضة الكافي‏ (6) عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثل ما نقلنا من كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة أخيرا سواء.

بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (28): فيحملهم جهلهم على مخالفتك.

وَ يَقُولُونَ‏: من فرط جهلهم.

مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ: يعني: المبشّر به و المنذر عنه. أو الموعود بقوله‏ (7):

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) م و أ: يستر. و المصدر: يستسر.

(3) نفس المصدر/ 215، ضمن حديث 1. و هو نفس الحديث السابق.

4 و 5- من المصدر.

(6) الكافي 8/ 115، ضمن حديث 92.

(7) سبأ/ 26.

507

يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (29): يخاطبون به رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و المؤمنين.

قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ‏: وعد يوم، أو زمان وعد. فإضافته إلى «يوم» للتّبيين.

و يؤيّده أنّه قرئ: «يوم» على البدل. و قرئ: «يوما» بإضمار أعني‏ (1).

لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَ لا تَسْتَقْدِمُونَ‏ (30): إذا جاءكم. و هو جواب تهديد، جاء مطابقا لما قصدوه بسؤالهم من التّعنّت و الإنكار.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَ لا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ‏: و لا بما تقدّمه من الكتب الدّالّة على النّعت.

قيل‏ (2): إنّ كفّار مكّة سألوا أهل الكتاب عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فأخبروهم أنّهم يجدون نعته في كتبهم. فغضبوا و قالوا ذلك.

و قيل‏ (3): الّذي بين يديه يوم القيامة.

وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏، أي: في موضع المحاسبة.

يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ الْقَوْلَ‏: يتحاورون و يراجعون القول.

يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا: يقول الابتاع.

لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: للرّؤساء.

لَوْ لا أَنْتُمْ‏: إضلالكم و صدّكم إيّانا عن الإيمان.

لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ‏ (31): باتّباع الرّسول.

قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى‏ بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ‏ (32): أنكروا أنّهم كانوا صادّين لهم عن الإيمان، و أثبتوا أنّهم هم الّذين صدوا أنفسهم حيث أعرضوا عن الهدى و آثروا التّقليد عليه. و لذلك بنوا الإنكار على الاسم.

وَ قالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ: إضراب عن إضرابهم، أي: لم يكن إجرامنا الصّادّ، بل مكركم لنا دائما ليلا و نهارا حتّى أغرتم علينا

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 262.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر و الموضع.

508

رأينا.

إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَ نَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً:

و إضافة المكر إلى الظّرف على الاتّساع.

و قرئ: «مكر اللّيل» بالنّصب على المصدر. و مكر اللّيل، بالتّنوين و نصب الظّرف. و مكر اللّيل، من الكرور (1).

وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ‏: و أضمر الفريقان النّدامة على الضّلال و الإضلال، و أخفاها كلّ، عن صاحبه مخافة التّعيير. أو أظهروها. فإنّه من الأضداد. إذا الهمزة تصلح للإثبات و السّلب، كما في: أشكيته.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قوله: وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ‏ قال: يسرّون النّدامة في النّار إذا رأوا وليّ اللَّه.

فقيل: يا رسول اللَّه، و ما يغنيهم إسرارهم النّدامة و هم في العذاب؟

قال: يكرهون شماتة الأعداء.

وَ جَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا: [، أي: في أعناقهم.] (3) فجاء بالظّاهر، تنويها بذمّهم، و إشعارا بموجب أغلالهم.

هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (33)، أي: لا يفعل بهم ما يفعل إلّا جزاء على أعمالهم.

و تعدية «يجزي» إمّا لتضمين معنى: يقضي. أو بنزع الخافض.

وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها: تسلية لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ممّا مني به من قومه.

و تخصيص المتنعّمين بالتّكذيب، لأنّ الدّاعي إليه التّكبّر و المفاخرة بزخارف الدّنيا و الانهماك في الشّهوات و الاستهانة بمن لم يحظ منها. و لذلك ضمّوا التّهكّم و التّفاخر إلى التّكذيب فقالوا: إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ‏ (34): مقابلة الجمع بالجمع.

وَ قالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً: فنحن أولى بما تدعونه إن أمكن.

وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ‏ (35): إمّا لأنّ العذاب لا يكون. أو لأنّه أكرمنا بذلك، فلا

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمي 2/ 203.

(3) ليس في الأصل.

509

يهيننا بالعذاب.

و في نهج البلاغة (1): و أمّا الأغنياء من مترفة الأمم فتعصّبوا لآثار مواقع النّعم فقالوا:

نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ‏. فإن كان لا بدّ من العصبيّة، فليكن تعصّبكم لمكارم الخصال و محامد الأفعال و محاسن الأمور، الّتي تفاضلت فيها المجداء و النّجداء (2) من بيوتات العرب و يعاسيب‏ (3) القبائل بالأخلاق الرّغيبة (4) و الأحلام‏ (5) العظيمة و الأخطار الجليلة و الآثار المحمودة.

قُلْ‏: ردّ لحسبانهم.

إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ: و لذلك يختلف فيه الأشخاص المتماثلة في الخصائص و الصّفات. و لو كان ذلك لكرامة و هوان يوجبانه، لم يكن بمشيئته. وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (36): فيظنّون أنّ كثرة الأموال و الأولاد، للشّرف و الكرامة. و كثيرا ما يكون للاستدراج كما قال: وَ ما أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى‏: قربة.

و «الّتي» إمّا لأنّ المراد: و ما جماعة أموالكم و الأولاد. أو لأنّها صفة محذوف، كالتّقوى و الخصلة.

و قرئ: «بالّذي»، أي: بالشّي‏ء الّذي يقرّبكم‏ (6).

إِلَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً: استثناء من مفعول «تقرّبكم»، أي: الأموال و الأولاد لا تقرّب أحدا، إلّا المؤمن الصّالح الّذي ينفق ماله في سبيل اللَّه و يعلّم ولده الخير و يربّيه على الصّلاح. أو من «أموالكم و أولادكم» على حذف المضاف، أي: أموال و أولاد من آمن و عمل صالحا.

فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ‏، أي: يتجاوز (7) الضّعف إلى عشر فما فوقه. و الأصل إضافة المصدر إلى المفعول.

____________

(1) نهج البلاغة/ 295، ضمن خطبة 192.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فيه المجد و النجد» بدل «فيها المجداء و النجداء».

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: تعاصيب.

اليعاسيب- جمع يعسوب-: و هو أمير النحل.

و يستعمل مجازا في رئيس القوم كما هنا.

(4) الأخلاق الرغيبة: المرضية المرغوبة.

(5) الأحلام: العقول.

(6) أنوار التنزيل 2/ 263.

(7) الأظهر: يجازوا.

510

و قرئ، بالإعمال على الأصل. و عن يعقوب، دفعهما على إبدال الضّعف‏ (1). و نصب الجزاء على التّمييز أو المصدر، لفعله الّذي دلّ عليه «لهم».

بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ‏ (37): من المكاره.

و قرئ، بفتح الرّاء و سكونها (2).

و قرأ حمزة: «في الغرفة» على إرادة الجنس‏ (3).

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4)، بإسناده إلى أبي بصير قال: ذكرنا عند أبي جعفر- (عليه السلام)- من الأغنياء من الشّيعة، فكأنّه كره ما سمع منّا فيهم.

قال: يا أبا محمّد، إذا كان المؤمن غنيّا رحيما وصولا له معروف إلى أصحابه، أعطاه اللَّه أجر ما ينفق في البرّ أجره مرّتين ضعفين. لأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول في كتابه: وَ ما أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى‏ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و ذكر رجل عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- الأغنياء و وقع فيهم.

فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- اسكت، فإنّ الغنيّ إذا كان وصولا لرحمه‏ (6) بارّا بإخوانه، أضعف اللَّه له الأجر ضعفين. لأنّ اللَّه يقول: وَ ما أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى‏ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ‏.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(7)-، بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: حتّى إذا كان يوم القيامة حسب لهم [حسناتهم‏] (8) ثمّ أعطاهم بكلّ واحدة عشر (9) أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال اللَّه- عزّ و جلّ‏ (10)-: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً. و قال:

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 263.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) علل الشرائع/ 604، ح 73.

(5) تفسير القمي 2/ 203- 204.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: برحمه.

(7) أمالي الطوسي 1/ 25.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: عشرة.

(10) النبأ/ 36.

511

فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ‏.

وَ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا: بالرّدّ و الطّعن فيها.

مُعاجِزِينَ‏: سابقين لأنبيائنا. أو ظانّين أنّهم يفوتوننا.

أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ‏ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ‏: يوسّع عليه تارة و يضيّق عليه أخرى. فهذا في شخص واحد باعتبار وقتين، و ما سبق في شخصين. فلا تكرير.

وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ‏: عوضا. إمّا عاجلا أو آجلا.

وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏ (39): فإنّ غيره وسط في إيصال رزقه، لا حقيقة لرازقيّته.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏.

قال:

فإنّه حدّثني أبي، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الرّبّ- تبارك و تعالى- ينزل أمره في كلّ ليلة جمعة إلى السّماء الدّنيا من أوّل اللّيل، و في كلّ ليلة في الثّلث الأخير، و أمامه ملك ينادي: هل من تائب يتاب عليه، هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل فيعطى سؤله‏ (2)؟ اللّهمّ، أعط كلّ منفق خلفا، و كلّ ممسك تلفا. إلى أن يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد أمر الرّبّ- تبارك و تعالى- إلى عرشه، فيقسّم الأرزاق بين العباد.

ثمّ قال للفضيل بن يسار: يا فضيل، نصيبك من ذلك، و هو قول اللَّه: وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ‏ إلى قوله: أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ‏ (3).

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم [، عن أبيه،] (5) عن عثمان بن عيسى، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت: آيتين في كتاب اللَّه أطلبهما و لا أجدهما.

قال: و ما هما؟

____________

(1) تفسير القمي 2/ 204.

(2) يوجد في هامش نسخه م:

السؤال بالضّمّ: المسئول، كالخبر و المخبور. كذا في ق. و قال في الوافي: الأنس بالضمّ: جمع مأنوس. (جعفر- عفا عنه.)

(3) المصدر: وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏ [نهاية آية 39] بدل «إلى قوله‏ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ‏ [نهاية آية 41]

(4) الكافي 2/ 486، ح 8.

(5) من المصدر.

512

قلت: قول اللَّه- عزّ و جلّ‏ (1)-: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏ إلى أن قال: ثمّ قال: و ما الآية الاخرى؟

قلت: قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏.

و إنّي أنفق و لا أرى خلفا.

قال: أفترى اللَّه- عزّ و جلّ- أخلف وعده؟

قلت: لا.

قال: فممّ ذلك؟

قلت: لا أدري.

قال: لو أنّ أحدكم أكتسب المال من حلّة [و أنفقه في حلّه،] (2) لم ينفق درهما إلّا أخلف عليه.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (3) [، عن عثمان بن عيسى،] (4) عن يحيى، عن أبي عبد الّله- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: من بسط يده بالمعروف إذا وجده، يخلف اللَّه له ما أنفق في دنياه و يضاعف له في آخرته.

و الحديثان طويلان أخذت منهما موضع الحاجة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (5)، بإسناده إلى أبان [بن عثمان‏] (6) الأحمر، عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)‏- أنّه جاء إليه رجل فقال له: بأبي أنت و أمّي [يا بن رسول اللَّه،] (7) عظني‏ (8) موعظة.

فقال- (عليه السلام)-: فإن كان الحساب حقّا، فالجمع لما ذا. و إن كان الخلف من اللَّه- عزّ و جلّ- حقّا، فالبخل لما ذا؟ (الحديث).

و في الكافي‏ (9): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن النّوفليّ، عن السكونيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من صدّق‏

____________

(1) المؤمن/ 60.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر 2/ 154، ضمن حديث 19.

(4) من المصدر.

(5) من لا يحضره الفقيه 4/ 281، ضمن حديث 832.

6 و 7- من المصدر.

(8) المصدر: علّمني.

(9) الكافي 4/ 2، ح 4.

513

بالخلف، جاد بالعطيّة.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (1)، عن عليّ بن الحكم، عن موسى بن راشد، عن سماعة، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من أيقن بالخلف، سخت نفسه بالنّفقة.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (2)، عن عثمان بن عيسى، عن بعض من حدّثه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)(3)- في كلام له: و من بسط يده بالمعروف إذا وجده، يخلف اللَّه له ما أنفق في دنياه و يضاعف له في آخرته.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (4)، عن حمّاد بن عيسى، عن عمر بن أذينة رفعه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أو أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ينزل اللَّه المعونة من السّماء إلى العبد بقدر المؤنة، فمن أيقن بالخلف سخت نفسه بالنّفقة.

أحمد بن محمّد، عن أبيه‏ (5)، عن الحسين بن أيمن، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال: يا حسين، أنفق و أيقن بالخلف من اللَّه. فإنّه لم يبخل عبد و لا أمة بنفقة فيما يرضى اللَّه- عزّ و جلّ- إلا أنفق أضعافها فيما يسخط اللَّه.

محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين‏ (6)، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: دخل عليه مولى له.

فقال له: هل أنفقت اليوم شيئا؟

فقال: لا، و اللَّه.

فقال أو الحسن [الرّضا] (7)- (عليه السلام)-: فمن أين يخلف اللَّه علينا؟

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (8) و أحمد بن محمّد بن خالد جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن مهزم، عن رجل، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ الشّمس لتطلع و معها أربعة أملاك، ملك ينادي: يا صاحب الخير، أتمّ و أبشر.

____________

(1) نفس المصدر 4/ 43، ح 3.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

(3) المصدر: «أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-» بدل «رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-».

(4) نفس المصدر 4/ 44، ح 8.

(5) نفس المصدر 4/ 43، ح 7. و هنا في المصدر زيادة. و هي: عن سعدان.

(6) نفس المصدر 4/ 44، ح 9. و له ذيل.

(7) من ن.

(8) نفس المصدر 4/ 42، ح 1.

514

و ملك ينادي: يا صاحب الشّرّ، أنزع‏ (1) و أقصر. و ملك ينادي: أعط منفقا خلفا و آت ممسكا تلفا. و ملك ينضحها (2) بالماء. و لو لا ذلك، اشتعلت‏ (3) الأرض.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (4)، عن محمّد بن سنان، عن معاية بن وهب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من يضمن أربعة بأربعة أبيات في الجنّة: أنفق و لا تخلف فقرا، و أنصف النّاس من نفسك، و أفش السّلام في العالم، و اترك المراء و إن كنت محقّا.

و في مجمع البيان‏ (5): عن جابر، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: كلّ معروف صدقة، و ما وقى الرّجل به عرضه فهو صدقة، و ما أنفق المؤمن من نفقة فعلى اللَّه خلفها ضامنا إلّا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية.

و عن أبي أمامة (6) قال: إنّكم تأوّلون هذه الآية في غير تأويلها وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ‏ و قد سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و إلّا فصمّتا يقول: إيّاكم و السّرف في المال و النّفقة، و عليكم بالاقتصاد.

فما افتقر قوم قطّ اقتصدوا.

وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً: المستكبرين و المستضعفين.

ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ‏ (40): تعريضا للمشركين، و تبكيتا لهم، و إقناطا عمّا يتوقّعون من شفاعتهم.

و تخصيص الملائكة، لأنّهم أشرف شركائهم و الصّالحون للخطاب، و لأنّ عبادتهم مبدأ الشّرك و أصله.

و قرأ حفص، بالياء، فيهما (7).

قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ‏: أنت الّذي نواليه من دونهم لا موالاة بيننا و بينهم، كأنّهم بيّنوا بذلك براءتهم عن الرّضا بعبادتهم، ثمّ أضربوا عن ذلك و نفوا أنّهم عبدوهم على الحقيقة بقولهم: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ‏، أي: الشّياطين، حيث أطاعوهم في عبادة غير اللَّه.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: أفزغ.

(2) الأصل: «ينزحها» و ما أثبتناه في المتن موافق سائر النسخ و المصدر.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: الشعلت.

(4) نفس المصدر 4/ 44، ح 10.

(5) مجمع البيان 4/ 394.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) أنوار التنزيل 2/ 263.

515

و قيل‏ (1): كانوا يتمثّلون لهم و يخيّلون إليهم أنّهم الملائكة، فيعبدونهم.

أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ‏ (41):

الضّمير الأوّل للإنس، أو للمشركين. و «الأكثر» بمعنى: الكلّ. و الثّاني للجنّ.

فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا: إذ الأمر فيه كلّه له. لأنّ الدّار دار جزاء، و هو المجازي وحده.

وَ نَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ‏ (42): عطف على «يملك» مبيّن للمقصود من تمهيده.

وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا، يعنون: محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ‏: فيستتبعكم بما يستبدعه.

وَ قالُوا ما هذا، يعنون: القرآن.

إِلَّا إِفْكٌ‏: لعدم مطابقة ما فيه الواقع.

مُفْتَرىً‏: بإضافته إلى اللَّه- سبحانه-.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ‏: لأمر النّبوة، أو للإسلام، أو للقرآن.

و الأوّل باعتبار معناه، و هذا باعتبار لفظه و إعجازه.

إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ‏ (43): ظاهر سحريّته.

و في تكرير الفعل و التّصريح بذكر الكفرة و ما في «اللّامين» من الإشارة إلى القائلين و المقول فيه و ما في «لمّا» من المبادهة إلى البتّ تمهيدا للقول، إنكار عظيم له و تعجيب بليغ منه.

وَ ما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها: و فيها دليل على صحّة الإشراك.

وَ ما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44): يدعوهم إليه و ينذرهم على تركه. و قد بان من قبل أن لا وجه له، فمن أين وقع لهم هذه الشّبهة. و هذا في غاية التّجهيل‏ (2) لهم و التّسفيه لرأيهم.

ثمّ هدّدهم فقال: وَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏: كما كذّبوا.

وَ ما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ‏: و ما بلغ هؤلاء عشر ما آتينا أولئك من القوّة و طول‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) هكذا في م و ن. و في سائر النسخ: التجهيد.

516

العمر و كثرة المال. أو ما بلغ أولئك عشر ما آتينا هؤلاء من البيّنات و الهدى.

فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (45): فحين كذّبوا رسلي، جاءهم إنكاري بالتّدمير فكيف كان نكيري لهم. فليحذر هؤلاء من مثله. و لا تكرير في «كذّب»، لأنّ الأوّل للتّكثير و الثّاني للتكذيب. أو الأوّل مطلق و الثّاني مقيّد، و لذلك عطف عليه بالفاء.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثنا عليّ بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن عبد اللَّه‏ (2)، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن حسّان، عن هشام بن عمّار يرفعه في قوله: وَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ ما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ.

قال: كذّب الّذين من قبلهم رسلهم، و ما بلغ ما آتينا رسلهم معشار ما آتينا محمّدا و آل محمّد- (عليه السلام)-.

قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ: رشدكم و أنصح لكم. بخصلة واحدة. و هي ما دلّ عليه: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ‏.

قيل‏ (3): و هو القيام من مجلس رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. أو الانتصاب في الأمر خالصا لوجه اللَّه، معرضا عن المراء و التّقليد.

و محلّه الجرّ، على البدل أو البيان. و الرّفع و النّصب، بإضمار «هو» أو «أعني».

مَثْنى‏ وَ فُرادى‏: متفرّقين اثنين، و واحدا واحدا. فإنّ الإزدحام يشوّش الخاطر و يخط القول.

و في تفسير علىّ بن إبراهيم‏ (4): حدّثنا جعفر بن أحمد قال: حدّثنا عبد الكريم بن عبد الرّحيم، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى-: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ [بِواحِدَةٍ قال: إنّما أعظكم‏] (5) بولاية عليّ- (عليه السلام)-. هي الواحدة الّتي قال اللَّه- تبارك و تعالى‏ (6)-.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 204.

(2) المصدر: أحمد بن أبي عبد اللَّه.

(3) أنوار التنزيل 2/ 264.

(4) تفسير القمي 2/ 204.

(5) ليس في الأصل و م.

(6) هنا زيادة في النسخ سوى ن. و هي: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ. و في كتاب الاحتجاج، للطبرسي- (رحمه اللّه)- إلى بواحدة. قال: إنّما أعظكم بولاية عليّ. هي الواحدة التي قال اللَّه- عزّ و جلّ-.

517

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قوله- تعالى-: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ [بِواحِدَةٍ.

فقال: إنّما أعظكم‏] (2) بولاية عليّ- (عليه السلام)-. هي الواحدة الّتي قال اللَّه- تبارك و تعالى-: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و أمّا قوله: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ فإنّ اللَّه- جلّ ذكره- نزّل عزائم‏ (4) الشّرائع و آيات الفرائض في أوقات مختلفة، فكان أوّل ما قيّدهم به الإقرار بالوحدانيّة و الرّبوبيّة و الشّهادة بأن لا إله إلّا اللَّه. فلمّا أقرّوا بذلك تلاه بالإقرار لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بالنّبوّة و الشّهادة له بالرّسالة. فلمّا انقادوا لذلك فرض عليهم الصّلاة، ثمّ الصّوم، ثمّ الحجّ، ثمّ الجهاد، ثمّ الزّكاة، ثمّ الصّدقات و ما يجري مجراها من مال الفي‏ء.

فقال المنافقون: هل بقي لربّك علينا- بعد الّذي فرض علينا- شي‏ء آخر يفترضه فتذكره، لتسكن أنفسنا إلى أنّه لم يبق غيره؟

فأنزل اللَّه في ذلك: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ، يعني: الولاية. [فأنزل اللَّه‏ (5) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏.] (6)

و في كتاب المناقب‏ (7) لابن شهر آشوب، عن الباقر و الصّادق- (عليهما السلام)‏- في قوله- تعالى-: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ قال: الولاية: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى‏ قال: الأئمّة من‏ (8) ذرّيّتهما.

و في شرح الآيات الباهرة (9): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا أحمد بن محمّد النّوفليّ، عن يعقوب بن يزيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول‏

____________

(1) الكافي 1/ 420، ح 41.

(2) من المصدر.

(3) الاحتجاج 1/ 379.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أنزل العزائم» بدل «نزّل عزائم».

(5) المصدر: «و أنزل» بدل «فأنزل اللَّه». و الآية في سورة المائدة/ 55.

(6) ما بين المعقوفتين و هي الآية ترتبط بموضوع آخر في المصدر. و يمكن أن يكون إيرادها هنا زائد.

(7) مناقب آل أبي طالب 4/ 180.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: و.

(9) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط،

518

اللَّه- عزّ و جلّ-: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى‏ وَ فُرادى‏ قال: بالولاية.

قلت: و كيف ذاك؟

قال: إنّه لمّا نصّب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أمير المؤمنين- (عليه السلام)- للنّاس فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اغتابه رجل و قال: إنّ محمّدا ليدعو كلّ يوم إلى أمر جديد، و قد بدأ بأهل بيته يملّكهم رقابنا. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بذلك قرآنا، فقال له: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ فقد أدّيت إليكم ما افترض ربّكم عليكم.

قلت: فما معنى قوله- عزّ و جلّ-: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى‏ وَ فُرادى‏؟

فقال: أمّا مثنى، يعني: طاعة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و طاعة أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و أمّا فرادى، فيعني: طاعة الإمام من ذرّيّتهما من بعدهما. و لا، و اللَّه يا يعقوب، ما عنى غير ذلك.

و روى الشّيخ محمد بن يعقوب- (رحمه اللّه)(1)- عن الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ.

فقال: إنّما أعظكم [بولاية (2) عليّ- (عليه السلام)-. هي الواحدة الّتي قال اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّما أَعِظُكُمْ‏] (3) بِواحِدَةٍ.

ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا: في أمر محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ما جاء به، لتعلموا حقيقته.

ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ: فتعلموا ما به جنون يحمله على ذلك.

و قيل‏ (4): «ما» استفهاميّة. و المعنى: ثمّ تتفكّروا أيّ شي‏ء به من آثار الجنون.

إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (46): قدامه. و هو عذاب يوم القيامة.

____________

ص 170- 171.

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) المصدر: «قال: ولاية» بدل «فقال: إنّما أعظكم بولاية».

(3) ليس في أ.

(4) أنوار التنزيل 2/ 264.

519

قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ:

قيل‏ (1): أيّ شي‏ء سألتكم من أجر على الرّسالة فَهُوَ لَكُمْ‏.

و المراد نفي السّؤال. فإنّه جعل الشّي‏ء مستلزما لأحد الأمرين، إمّا الجنون، و إمّا توقّع نفع دنيويّ عليه. لأنّه إمّا أن يكون لغرض، أو غيره. و أيّا ما كان، يلزم أحدهما. ثمّ نفى كلّا منهما.

و قيل‏ (2): «ما» موصولة. مراد بها: ما سألهم، بقوله‏ (3): ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِيلًا. و قوله‏ (4): لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏.

و اتّخاذ السّبيل ينفعهم. و قرباه قرباهم.

و في روضة الكافي‏ (5): علىّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن علىّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ- (6)-: وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً.

قال: من تولّى الأوصياء من آل محمّد و اتّبع آثارهم، فذاك يزيده ولاية من مضى من النّبيّين و المؤمنين الأوّلين حتّى تصل ولايتهم إلى آدم- (عليه السلام)-. و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ‏ (7)-: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها تدخله‏ (8) الجنّة. و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ‏ يقول: أجر المودّة الّتي أسألكم غيره، فهو لكم تهتدون به و تنجون من عذاب يوم القيامة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (9): قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ‏ إلى قوله: و قال الماورديّ:

معناه: أنّ أجر ما دعوتكم إليه من إجابتي و ذخره هو لكم دوني. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-

____________

(1) نفس المصدر 2/ 263.

(2) نفس المصدر 3/ 265.

(3) الفرقان/ 57.

(4) الشورى/ 23.

(5) الكافي 8/ 379، صدر حديث 574.

(6) الشورى/ 23.

(7) النمل/ 89.

(8) ن: يدخل. م: ندخله. المصدر: يدخله.

م: ندخله. المصدر: يدخله.

(9) مجمع البيان 4/ 396.

(10) تفسير القمي 2/ 204.

520

في قوله: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ‏ و ذلك أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- سأل قومه أن يودّوا أقاربه و لا يؤذهم. و أمّا قوله: فَهُوَ لَكُمْ‏ يقول: ثوابه لكم‏

إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ (47): مطّلع، يعلم صدقي و خلوص نيّتي.

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِ‏: يلقيه و ينزله على من يجتبيه من عباده. أو يرمي به الباطل، فيدمغه. أو يرمي به إلى أقطار الآفاق، فيكون وعدا بإظهار الإسلام و إفشائه.

عَلَّامُ الْغُيُوبِ‏ (48): صفة محمولة على «إنّ و اسمها». أو بدل المستكنّ في «يقذف». أو خبر ثان. أو خبر محذوف.

و قرئ، بالنّصب، صفة «لربّي». أو مقدّر «بأعني‏ (1)».

و «الغيوب» بالكسر، كالبيوت. و بالضّمّ، كالعشور. و بالفتح، كالصّيود. على أنه مبالغة غائب.

قُلْ جاءَ الْحَقُ‏، أي: الإسلام.

وَ ما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَ ما يُعِيدُ (49):

قيل‏ (2): و زهق الباطل، أي: الشّرك، بحيث لم يبق له أثر. مأخوذ من هلاك الحيّ، فإنّه إذا هلك لم يبق له إبداء و لا إعادة.

و قيل‏ (3): «الباطل» إبليس، أو الصّنم. و المعنى: لا ينشئ خلقا و لا يعيده أو لا يبدئ خيرا لأهله و لا يعيده.

و قيل‏ (4): «ما» استفهاميّة، منتصبة (5) بما بعدها.

و في الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان قال:

أو لم إسماعيل.

فقال له أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: عليك بالمساكين، فأشبعهم. فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ ما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَ ما يُعِيدُ.

و في مجمع البيان‏ (7): قال ابن مسعود: دخل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 265.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) المصدر: منصبه.

(6) الكافي 6/ 299، ح 16.

(7) مجمع البيان 4/ 397.

521

مكّة، و حول البيت ثلاثمائة و ستّون صنما. فجعل يطعنها بعود في يده و يقول: جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (1) جاءَ الْحَقُّ وَ ما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَ ما يُعِيدُ.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(2)-، بإسناده إلى عليّ بن موسى، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد [، عن أبيه،] (3) عن آبائه- (عليهم السلام)- مثل ما نقلنا عن مجمع البيان.

قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ‏: عن الحقّ.

فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى‏ نَفْسِي‏: فإنّ وبال ضلالي عليها، فإنّه بسببها، إذ هي الجاهلة بالذّات و الأمّارة بالسّوء. و بهذا الاعتبار قابل الشّرطيّة بقوله: وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي‏: فإنّ الاهتداء بهدايته و توفيقه.

إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ‏ (50): يدرك قول كلّ ضالّ و مهتد و فعله و إن أخافه.

وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا: عند الموت، أو البعث، أو يوم بدر. و جواب «لو» محذوف، مثل: لرأيته فضيعا.

فَلا فَوْتَ‏: فلا يفوتون اللَّه بهرب أو تحصّن.

وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ‏ (51) من ظهر الأرض إلى بطنها، أو من الموقف إلى النّار، أو من صحراء بدر إلى القليب.

و العطف على «فزعوا». أو «لا فوت»، و يؤيّده أنّه قرئ: «و أخذ» عطفا على محلّه، أي: فلا فوت هناك و هناك أخذوا (4).

وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ‏: بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. و قد مرّ ذكره في قوله: ما بِصاحِبِكُمْ‏.

و في مجمع البيان‏ (5) وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ‏.

قال أبو حمزة الثّماليّ: سمعت عليّ بن الحسين و [الحسن بن‏] (6) الحسن بن عليّ- (عليهم السلام)- يقولان: هو جيش البيداء، يؤخذون من تحت أقدامهم.

و روي عن حذيفة بن اليمان‏ (7): أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ذكر فتنة تكون بين أهل المشرق و المغرب.

____________

(1) الاسراء/ 81.

(2) أمالي الطوسي 1/ 346.

(3) من المصدر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 265.

(5) مجمع البيان 4/ 397.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر 4/ 398.

522

قال: فبينما هم كذلك، يخرج عليهم السّفيانيّ من الوادي اليابس في فور ذلك حتّى ينزل دمشق. فيبعث جيشين: جيشا إلى المشرق، و آخر إلى المدينة حتّى ينزلوا بأرض بابل‏ (1) من المدينة الملعونة، يعني: بغداد. فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف، و يفضحون أكثر من مائة امرأة، و يقتلون فيها ثلاثمائة [كبش من بني العبّاس، ثمّ ينحدرون إلى الكوفة، فيخرّبون ما حولها. ثمّ يخرجون متوجّهين إلى الشّام، فتخرج راية هدى من الكوفة] (2) فتلحق ذلك الجيش فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر، و يستنقذون ما في أيديهم من السّبي و الغنائم. و يحلّ الجيش الثّاني بالمدينة، فينهبونها ثلاثة أيّام بلياليها. ثمّ يخرجون متوجّهين إلى مكّة، حتّى إذا كانوا بالبيداء بعث اللَّه- عزّ و جلّ- جبرائيل. فيقول: يا جبرائيل، اذهب فأبدهم. فيضربها برجله ضربة يخسف اللَّه بهم عندها. و لا يفلت منهم إلّا رجلان من جهنية، فلذلك جاء القول: و عند جهينة الخبر اليقين. فلذلك قوله: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا (إلى آخره.) أورده الثّعلبيّ في تفسيره.

و روى أصحابنا في أحاديث المهديّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- مثله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- في قوله: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ‏: فإنّه‏

حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي خالد الكابليّ قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: و اللَّه، لكأنّي أنظر إلى القائم و قد أسند ظهره إلى الحجر ثمّ ينشد اللَّه حقّه.

ثمّ يقول: يا أيّها النّاس، من يحاجّني في اللَّه فأنا أولى باللَّه. أيّها النّاس، من يحاجّني في آدم- (عليه السلام)- فأنا أولى بآدم. أيّها النّاس، من يحاجّني في نوح فأنا أولى بنوح. أيّها النّاس، من يحاجّني في إبراهيم. أيّها النّاس، من يحاجّني في موسى فأنا أولى بموسى. أيّها النّاس، من يحاجّني في عيسى فأنا أولى بعيسى. أيّها النّاس، من يحاجّني في محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فأنا أولى بمحمّد. أيّها النّاس، من يحاجّني في كتاب اللَّه فأنا أولى بكتاب اللَّه.

ثمّ ينتهي إلى المقام، فيصلّي ركعتين و ينشد اللَّه حقّه.

____________

(1) يوجد في هامش نسخة م: «و فيه: أنّ بابل من أراضي بغداد.

أقول: قريبة من الحلّة بثلاثة فراسخ تقريبا. و فيها أشجار يق (كذا. و لعل الصواب: بنق) أنّها من أوتاد فيمه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (جعفر)».

(2) ليس في أ.

(3) تفسير القمي 2/ 204- 205.

523

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: هو، و اللَّه، المضطرّ في كتاب اللَّه في قوله‏ (1): أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ‏. فيكون أوّل من يبايعه جبرائيل- (عليه السلام)- ثمّ الثّلاثمائة و الثّلاثة عشر رجلا. فمن كان ابتلى بالمسير وافاه، و من لم يبتل بالمسير فقد عن فراشه. و هو قول أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: هم المفقودون عن فرشهم. و ذلك قول اللَّه‏ (2): فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً قال:

الْخَيْراتِ‏ الولاية. و قال في موضع آخر (3): وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‏ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ و هم و اللَّه أصحاب القائم- (عليه السلام)- يجتمعون و اللَّه إليه في ساعة واحدة. فإذا جاء إلى البيداء يخرج إليه جيش السّفيانيّ، فيأمر اللَّه- عزّ و جلّ- الأرض فتأخذ بأقدامهم. و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ‏، يعني:

بالقائم من آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-.

و في رواية أبي الجارود (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ‏ قال: من الصّوت، و ذلك الصّوت من السّماء. و قوله- عزّ و جلّ-:

وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ‏ قال: من تحت أقدامهم خسف بهم.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثنا محمّد بن الحسن بن على بن‏ (6) الصّباح المدائنيّ، عن الحسن بن محمّد بن شعيب، عن موسى بن عمر بن زيد (7)، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي خالد الكابليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: يخرج القائم- (عليه السلام)- فيسير حتّى يمرّ بمزّ (8)، فيبلغه أنّ عامله‏ (9) قد قتل، فيرجع إليهم فيقتل المقاتلة و لا يزيد على ذلك شيئا. ثمّ ينطلق فيدعو النّاس حتّى ينتهي إلى البيداء، فيخرج جيشان للسّفيانيّ، فيأمر اللَّه- عزّ و جلّ- الأرض أن تأخذ بأقدامهم. و هو قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ‏، يعني: بقيام القائم‏ وَ قَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ‏، يعني‏

____________

(1) النمل/ 62.

(2) البقرة/ 148.

(3) هود/ 8.

(4) نفس المصدر 2/ 205- 206.

(5) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 171.

(6) من المصدر. و في الأصل: «عن». و هما ليسا في سائر النسخ.

(7) المصدر: «عن يزيد» بدل «بن زيد».

(8) المصدر: بمرّ.

(9) المصدر: عالمه.

524

بقيام القائم من‏ (1) آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم).

وَ أَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ‏: و من أين لهم أن يتناولوا الإيمان تناولا سهلا؟

مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (52): فإنّه في حيّز التّكليف و قد بعد عنهم أوانه. تمثيل حالهم في الاستخلاص بالإيمان بعد ما فات عنهم، بحال من يريد أن يتناول الشّي‏ء من غلوة تناوله من ذراع في الاستحالة.

و قرأ أبو عمرو و الكوفيّون غير حفص، بالهمزة، على قلب الواو لضمّتها. أو لأنّه من نأشت الشّي‏ء: إذا طلبته: أو من نأشت: إذا تأخّرت. فيكون بمعنى التّناول من بعد (2).

وَ قَدْ كَفَرُوا بِهِ‏:

قيل‏ (3) بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. أو بالعذاب.

مِنْ قَبْلُ‏: ذلك، أوان التّكليف.

وَ يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ‏:

قيل‏ (4): و يرجمون بما لم يظهر لهم في الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. [من المطاعن. أو في العذاب، من البتّ على نفيه.

مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (53): من أمره. و هو الشّبه الّتي تمحّلوها في أمر الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.] (5) أو حال الآخرة، كما حكاه من قبل. و لعلّه تمثيل لحالهم في ذلك، بحال من يرمي شيئا لا يراه من مكان بعيد لا مجال للظّنّ في لحوقه.

و قرئ: «و يقذفون» على أنّ الشّيطان يلقي إليهم و يلقّنهم ذلك‏ (6).

و العطف على‏ وَ قَدْ كَفَرُوا على حكاية الحال الماضية. أو على «قالوا» فيكون تمثيلا لحالهم، بحال القاذف في تحصيل ما ضيّعوه من الإيمان في الدّنيا وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ‏: من نفع الإيمان و النّجاة.

و قرأ ابن عامر و الكسائيّ، بإشمام الضّمّة للحاء (7).

كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ‏: من كفرة الأمم الدّارجة.

____________

(1) المصدر: «قائم» بدل «القائم من».

(2) أنوار التنزيل 2/ 265- 266.

(3) نفس المصدر 2/ 266.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في ن.

(6) أنوار التنزيل 2/ 266.

(7) نفس المصدر و الموضع. و في م و أ و س و ن:

للهاء.