تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج10

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
586 /
75

في مقام موسى. أو الجانب الغربيّ منه. و الخطاب لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-، أي: ما كنت حاضرا. إِذْ قَضَيْنا إِلى‏ مُوسَى الْأَمْرَ: إذ أوحينا إلى موسى الأمر الّذي أردنا تعريفه.

وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏ (44): للوحي إليه. أو على الوحي إليه، و هم السّبعون المختارون للميقات. و المراد الدّلالة، على أن إخباره عن ذلك من قبيل الإخبار عن المغيبات، الّتي لا تعرف إلّا به. و لذلك استدرك عنه بقوله: وَ لكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، أي: و لكنّا أوحينا إليك. لأنّا أنشأنا قرونا مختلفة بعد موسى فتطاولت عليهم المدد. فحرّفت الأخبار، و تغيّرت الشّرائع، و اندرست العلوم فحذف المستدرك، و أقام سببه مقامه.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عليّ بن أحمد بن حاتم، عن الحسن بن عبد الواحد، عن سليمان بن محمّد بن أبي فاطمة، عن جابر بن إسحاق البصريّ، عن النّضر بن إسماعيل الواسطيّ، عن جوهر، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاس في قوله اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى‏ مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏. قال: بالخلافة ليوشع بن نون من بعده. ثمّ قال اللَّه: لن أدع نبيّا من غير وصيّ. و أنا باعث نبيّا عربيّا و جاعل وصيّه عليّا. فذلك قوله: وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى‏ مُوسَى الْأَمْرَ في الوصاية. و حدّثه بما هو كائن بعده. قال ابن عبّاس:

و حدّث اللَّه نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بما هو كائن. و حدّثه باختلاف هذه الأمّة من بعده. فمن زعم أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مات بغير وصيّة، فقد كذب على اللَّه- عزّ و جلّ- و على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و جاء في تفسير أهل البيت- (عليهم السلام)- قال: روى بعض أصحابنا، عن سعيد بن الخطّاب حديثا يرفعه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله اللَّه- عزّ و جلّ-:

وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى‏ مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏. قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّما هي «أو ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى‏ مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏. و قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- في بعض رسائله: ليس من موقف أوقف اللَّه- سبحانه- نبيّه فيه ليشهده و ليستشهده، الا و معه أخوه و قرينه و ابن عمّه و وصيّه‏

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 150.

76

و يؤخذ ميثاقهما معا- (صلوات اللّه عليهما) و على ذرّيّتهما الطّيّبين دائمة في كلّ أوان و حين-.

وَ ما كُنْتَ ثاوِياً: مقيما.

فِي أَهْلِ مَدْيَنَ‏: شعيب و المؤمنين به.

تَتْلُوا عَلَيْهِمْ‏: تقرأ عليهم، تعلّما منهم.

آياتِنا: الّتي فيها قصّتهم.

وَ لكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ‏ (45): إيّاك و مخبرين لك بها.

وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا: لعلّ المراد به وقت إعطائه التّوراة.

و بالأوّل حينما استنبأه. لأنّهما المذكوران في القصّة.

و في عيون الأخبار (1)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المتفرّقة، حديث طويل و فيه: أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: لمّا بعث اللَّه- عزّ و جلّ- موسى بن عمران- (عليه السلام)- و اصطفاه نجيّا و فلق له البحر و نجّى بني إسرائيل و أعطاه التّوراة و الألواح، رأى مكانه من ربّه- عزّ و جلّ- فقال: يا ربّ، لقد أكرمتني بكرامة لم تكرم بها أحدا قبلي:

فقال اللَّه- جلّ جلاله- يا موسى، أما علمت أنّ محمّدا أفضل عندي من جميع ملائكتي و جميع خلقي؟

قال موسى: يا ربّ، فإن كان محمّد أكرم عندك من جميع خلقك، فهل في آل الأنبياء- (عليهم السلام)- أكرم من آلي؟

قال اللَّه- جلّ جلاله- يا موسى، أما علمت أنّ فضل آل محمّد على [جميع‏] (2) آل النّبيّين كفضل محمّد على جميع المرسلين؟

فقال موسى: يا ربّ، فإن كان آل محمّد كذلك، فهل في أمم الأنبياء أفضل عندك من أمّتي؟ ظللت عليهم الغمام و أنزلت عليهم المنّ و السّلوى و فلقت لهم البحر.

فقال اللَّه- جلّ جلاله- يا موسى، أما علمت أنّ فضل أمّة محمّد على جميع الأمم كفضله على جميع خلقي؟

قال موسى: يا ربّ، ليتني كنت أراهم.

____________

(1) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 283.

- 284، حديث 30 الذي أوّله في ص 282.

(2) من المصدر.

77

فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه: يا موسى، إنّك لن تراهم. و ليس هذا أوان ظهورهم. و لكن سوف تراهم في الجنان، جنّات عدن و الفردوس، بحضرة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في نعيمها يتقلّبون، و في خيراتها يتبحبحون. أ فتحبّ أن أسمعك كلامهم؟

قال: نعم إلهي.

قال اللَّه- جلّ جلاله- قم بين يديّ، و اشدد مئزرك، قيام العبد الذّليل بين يدي الملك الجليل. ففعل ذلك موسى- (عليه السلام)- فنادى ربّنا- عزّ و جلّ-: يا أمّة محمّد.

فأجابوه كلّهم، و هم في أصلاب آبائهم و أرحام أمهاتهم: لبيّك اللّهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد و النّعمة و الملك لك لا شريك لك.

قال: فجعل اللَّه- عزّ و جلّ- تلك الإجابة شعار الحاجّ. ثمّ نادى ربّنا- عزّ و جلّ-: يا أمّة محمّد، إنّ قضائي عليكم، أنّ رحمتي سبقت غضبي، و عفوي قبل عقابي. فقد استجبت لكم من قبل أن تدعوني، و أعطيتكم من قبل أن تسألوني. من لقيني بشهادة أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، صادق في أقواله محقّ في أفعاله، و أنّ عليّ بن أبي طالب أخوه و وصيّه من بعده و وليّه و يلتزم طاعته كما يلتزم طاعة محمّد، و أنّ أولياءه المصطفين الطّاهرين المطهّرين المنبئين بعجائب آيات اللَّه و دلائل حجج اللَّه من بعدهما أولياؤه، أدخله جنّتي و إن كانت ذنوبه مثل زبد البحر.

قال: فلمّا بعث اللَّه- عزّ و جلّ- محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: يا محمّد وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا أمّتك بهذه الكرامة. ثمّ قال- عزّ و جلّ- لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قل الحمد للَّه ربّ العالمين على ما اختصّني به من هذه الفضيلة. و قال لأمّته: قولوا (1) الحمد للَّه ربّ العالمين على ما اختصّني به من هذه الفضائل.

و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك، عن الحسن بن عليّ بن مروان، عن ظاهر بن مدرار، عن أخيه، عن أبي سعيد المدائنيّ قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا.

قال: كتاب كتبه اللَّه- عزّ و جلّ- في ورقة، أثبته فيها قبل أن يخلق الخلق بألفي عام.

فيها مكتوب: يا شيعة آل محمّد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، و غفرت لكم قبل أن تستغفروني.

____________

(1) المصدر: قولوا أنتم.

(2) تأويل الآيات الباهرة/ 150- 151.

78

من أتى منكم بولاية محمّد و آل محمّد، أسكنته جنّتي برحمتي.

و يؤيّده ما رواه الشّيخ أبو جعفر الطّوسي- (رحمه اللّه)- بإسناده: عن الفضل بن شاذان، يرفعه إلى سليمان الديلميّ مولى جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- قال: قلت لسيّدي أبي عبد اللَّه- (صلوات اللّه عليه)-: ما معنى قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا؟

قال: كتاب كتبه اللَّه- عزّ و جلّ- قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورقة آس، فوضعها على العرش.

قلت: يا سيّدي، و ما في ذلك الكتاب؟ قال: في الكتاب مكتوب: يا شيعة آل محمّد أعطيتكم قبل أن تسألوني، و غفرت لكم قبل أن تعصوني، و عفوت عنكم قبل أن تذنبوا. من جاءني بالولاية، أسكنته جنّتي برحمتي.

وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ‏: و لكن علّمناك رحمة و قرئت، بالرّفع. على «هذه رحمة» (1).

لِتُنْذِرَ قَوْماً: متعلّق بالفعل المحذوف.

ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ‏: لوقوعهم في فترة بينك و بين عيسى- (عليه السلام)- و هي خمسمائة و خمسون سنة. أو بينك و بين إسماعيل. على أنّ دعوة موسى و عيسى كانت مختصّة ببني إسرائيل و ما حواليهم.

لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏ (46): يتّعظون.

وَ لَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا:

«لو لا» الأولى امتناعيّة. و الثّانية تحضيضيّة واقعة في سياقها. لأنّها إنّما أجيبت بالفاء تشبيها لها بالأمر. مفعول «يقولوا» المعطوف على «تصيبهم» بالفاء، المعطية معنى السّببيّه، المنبّهة على أنّ المقول هو المقصود بأن يكون سببا لانتفاء ما يجاب به. و أنّه لا يصدر عنهم حتّى تلجئهم العقوبة. و الجواب محذوف.

و المعنى: لو لا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم و معاصيهم: ربّنا هلّا أرسلت إلينا رسولا ما يبلّغنا آياتك فنتّبعها و نكون في المصدّقين ما أرسلناك، أي: إنّما أرسلناك‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 195.

79

قطعا لعذرهم، و إلزاما للحجّة عليهم.

فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (47) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا، يعنى: الرّسول المصدّق بأنواع المعجزات.

قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى‏: من الكتاب جملة، و اليد، و العصا و غيرها. اقتراحا و تعنّتا.

أَ وَ لَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى‏ مِنْ قَبْلُ‏، يعنى: أبناء جنسهم في الرّأي و المذهب. و هم كفرة زمان موسى و هارون و كان فرعون عربيّا من أولاد عاد.

قالُوا سِحْرانِ‏، يعنون: موسى و هارون. أو موسى و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

تَظاهَرا، تعاونا بإظهار تلك الخوارق. أو بتوافق الكتابين.

و قرأ الكوفيّون «سحران» بتقدير مضاف. أو جعلهما سحرين مبالغة. و إسناد تظاهرهما إلى فعلهما، دلالة على سبب الإعجاز. (1) و قرئ اظّاهرا على الإدغام. (2) و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله- عزّ و جلّ-: سِحْرانِ تَظاهَرا قال: موسى و هارون.

وَ قالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ‏ (48)، أي: بكلّ منهما. أو بكلّ الأنبياء.

قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى‏ مِنْهُما: ممّا نزل على موسى و عليّ. و إضارهما لدلالة المعنى. و هو يؤيّد أنّ المراد بالسّاحرين موسى و محمّد- (عليهما السلام)-.

أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (49): إنّا ساحران مختلقان. و هذا في الشّروط الّتي يراد بها الإلزام و التبكيت. و لعلّ مجي‏ء حرف الشّكّ، للتّهكّم بهم.

فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ‏: دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى. فحذف المفعول للعلم به. و لأنّ فعل الاستجابة يعدّى بنفسه إلى الدّعاء، و باللّام إلى الدّاعي. فإذا عدّي إليه حذف الدّعاء غالبا.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 196.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمي 2/ 141.

80

فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ‏: إذ لو اتّبعوا حجّة لأتوا بها.

وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ‏: استفهام، بمعنى النّفي.

بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ‏: في موضع الحال للتّوكيد. أو التّقييد. فإنّ هوى النّفس قد يوافق الحقّ.

و في أصول الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد [عن‏] (2) بن أبي نصر، عن أبي الحسن- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ‏ قال: يعني: من اتّخذ دينه رأيه بغير إمام من أئمّة الهدى.

عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السّنديّ‏ (3)، عن جعفر بن بشير و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن عيسى، عن ابن فضّال جميعا، عن أبي جميلة، عن خالد بن عمّار، عن سدير قال:

قال أبو جعفر- (عليه السلام)‏- يا سدير، فأريك‏ (4) الصّادّين عن دين اللَّه؟ ثمّ نظر إلى أبي حنيفة و سفيان الثّوريّ في ذلك الزّمان. و هم حلق في المسجد. فقال: هؤلاء الصّادّون عن دين اللَّه، بلا هدى في اللَّه و لا كتاب مبين. إنّ هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم، فجال النّاس، فلم يجدوا أحدا يخبرهم عن اللَّه- تبارك و تعالى- و عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى يأتونا، فنخبرهم عن اللَّه- تبارك و تعالى- و عن رسوله.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في بصائر الدّرجات‏ (5): أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ‏، يعنى: من اتّخذ دينه رأيا بغير إمام‏ (6) من أئمّة الهدى.

عبّاد بن سليمان، عن سعد بن سعد، (7) عن محمّد بن الفضيل‏ (8)، عن أبي الحسن- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ‏،

____________

(1) الكافي 1/ 374، ح 1.

(2) يوجد في المصدر. و بهذه الصورة.

(3) نفس المصدر 1/ 393، ذيل حديث 3. أوله في ص 392.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: أ فرأيت.

(5) بصائر الدرجات/ 33، ح 1.

(6) المصدر: «من يتخذ دينه رأيه بغير هدى أئمة» بدل «من اتخذ دينه رأيا بغير إمام.»

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 5.

(8) س، أ، ن: محمد بن الفضل.

81

يعنى: من اتّخذ دينه هواه بغير هدى من أئمّة الهدى.

إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ (50): الّذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتّباع الهوى.

وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ‏: أتبعنا بعضه بعضا في الإنزال، ليتّصل التّذكير. أو في النّظم، لتتقرّر الدّعوة بالحجّة و المواعظ و المواعيد، و النّصائح بالعبر.

لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏ (51) فيؤمنون و يطيعون.

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد عن معلى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن حمّاد بن عيسى، عن عبد اللَّه بن جندب قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏.

قال: إمام إلى إمام.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد، عن معاوية بن حكيم، عن أحمد بن محمّد، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- تعالى-: وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏. قال: إمام بعد إمام.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا الحسين بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن حمران، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏. قال: إمام بعد إمام.

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ‏ (52):

قيل‏ (4): نزلت في مؤمني أهل الكتاب، كعبد اللَّه بن سلام و تميم الدّارميّ و الجارود العبديّ و سلمان الفارسيّ. فإنّهم لمّا أسلموا نزلت الآيات.

و قيل‏ (5): في أربعين من أهل الإنجيل، اثنان و ثلاثون جاؤوا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، و ثمانية من الشّام.

و الضّمير في «من قبله» للقرآن. كالمستكنّ في‏ وَ إِذا يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ‏،

____________

(1) الكافي 1/ 415، ح 18.

(2) تفسير القمي 2/ 141.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 152.

(4) مجمع البيان 4/ 258، أنوار التنزيل 2/ 196.

(5) أنوار التنزيل 2/ 196- 197.

82

أي: أنّه كلام اللَّه.

إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا: استئناف، لبيان ما أوجب إيمانهم به.

إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ‏ (53): استئناف آخر، للدّلالة على أنّ إيمانهم به ليس ممّا أحدثوه حينئذ. و إنّما هو أمر تقادم عهده لمّا رأوا ذكره في الكتب المتقدّمة، و كونهم على دين الإسلام قبل نزول القرآن. أو تلاوته عليهم، باعتقادهم صحّته في الجملة.

أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ‏: مرّة على إيمانهم بكتابهم، و مرّة على إيمانهم بالقرآن.

بِما صَبَرُوا: بصبرهم و ثباتهم على الإيمانين. أو على الإيمان بالقرآن قبل النّزول و بعده. أو على أذى المشركين و من هاجرهم من أهل دينهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (1) في قوله- عزّ و جلّ-: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا قال: الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)-

و قال الصّادق- (عليه السلام)-: نحن صبراء (2) و شيعتنا أصبر منّا. و ذلك أنّا صبرنا على ما نعلم، و صبروا على ما لا يعلمون.

وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ:

قيل‏ (3): و يدفعون بالطّاعة المعصية.

لقوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أتبع السّيّئة الحسنة (4) تمحها.

و قيل‏ (5): الحسن في الكلام، الكلام القبيح الّذي يسمعونه من الكفّار.

و قيل: يدفعون بالمعروف المنكر.

و قيل:

يدفعون بالحلم جهل الجاهل. و معناه: يدفعون بالمداراة مع التّأنّي أذاهم عن أنفسهم.

و في مجمع البيان‏ (6): و روى مثل ذلك عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)‏- (7) و قوله- عزّ و جلّ-:

____________

(1) تفسير القمي 2/ 141.

(2) المصدر: صبرنا.

(3) أنوار التنزيل 2/ 197.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: الحسنة السيئة.

(5) مجمع البيان 4/ 258.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) تفسير القمي 2/ 141- 142.

83

وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، أي: يدفعون سيّئة من أساء إليهم بحسناتهم.

و في أصول الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بن أبي عمير، عن هشام بن سالم و غيره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا قال: بما صبروا على التّقيّة. وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ قال: «الحسنة» التّقيّة. «و السّيّئة» الإذاعة.

وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏ (54): في سبيل الخير.

وَ إِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ‏: تكرّما.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (2): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ‏ قال: «اللّغو» الكذب. و اللّهو، الغناء. [و المؤمنون‏] (3) و هم الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- يعرضون عن ذلك كلّه.

وَ قالُوا للّاغين.

لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ‏: متاركة لهم، و توديعا.

و دعاء لهم بالسّلامة عمّا هم فيه.

لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ‏ (55): لا نطلب صحبتهم، و لا نريدها.

إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ‏: لا تقدر أن تدخله في الإسلام.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (4) و قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ‏ قال: نزلت في أبي طالب. كان‏ (5) رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول: يا عمّ، قل لا إله إلّا اللَّه‏ (6)، أنفعك بها يوم القيامة. فيقول: يا بن أخي، أنا أعلم بنفسي. فلمّا مات شهد العبّاس بن عبد المطّلب عند رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنّه تكلّم بها عند الموت‏ (7): فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أمّا أنا فلم أسمعها منه، و أرجو أن أنفعه يوم القيامة. و قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لو قمت المقام المحمود، لشفعت في أمّي و أبي و عمّي و أخ كان لي مؤاخا في الجاهليّة.

____________

(1) الكافي 2/ 217، ح 1.

(2) تفسير القمي 2/ 142.

(3) ليس في م و أ و س و ن. و لا داعي لوجودها.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المصدر: فانّ.

(6) المصدر: قل لا إله إلّا اللَّه بالجهر.

(7) المصدر: بأعلى صوته عند الموت.

84

و في مجمع البيان‏ (1): قيل: نزل قوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ‏ في أبي طالب.

فإنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- كان يحبّ إسلامه، فنزلت هذه الآية. و كان يكره إسلام وحشيّ قاتل حمزة، فنزلت فيه: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ (2) اللَّهِ‏ (الآية) فلم يسلم أبو طالب و أسلم وحشيّ. و رووا ذلك عن ابن عبّاس و غيره.

و في هذا نظر كما ترى. فإنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا يجوز أن يخالف اللَّه- سبحانه- في إرادته كما لا يجوز أن يخالف أوامره‏ (3) و نواهيه. و إذا كان اللَّه- تعالى- على ما زعم القوم لم يرد إيمان أبي طالب و أراد كفره، و أراد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إيمانه، فقد حصل غاية الخلاف بين إرادتي الرّسول و المرسل. و كان- سبحانه- يقول على مقتضى اعتقادهم: إنّك يا محمّد، تريد إيمانه. و أنا لا أريد إيمانه. و لا أخلق فيه الإيمان مع تكفّله بنصرتك، و بذل مجهوده في إعانتك، و الذّبّ عنك، و محّبته لك، و نعمته عليك.

و تكره أنت إيمان وحشيّ، لقتله حمزة عمّك. و أنا أريد إيمانه، و أخلق في قلبه الإيمان.

و في هذا ما فيه. و قد ذكرنا في سورة الأنعام: أنّ أهل البيت- (عليهم السلام)- قد أجمعوا، على أنّ طالب مات مسلما. و قد تظاهرت الرّوايات بذلك عنهم. و أوردنا هناك طرفا من أشعاره الدّالّة على تصديقه للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- توحيده. فإنّ استيفاء جميعه، لا يتّسع له الطوامير. و ما روى من ذلك في كتب المغازي و غيرها أكثر من أن يحصى، يكاشف فيها من كاشف النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و يناضل عنه و يصحّح نبوّته.

و قال بعض الثّقاة: أنّ قصائده في هذا المعنى الّتي تنفث في عقد السّحر و تغبر في وجه شعراء الدّهر، تبلغ قدر مجلّد و أكثر من هذا و لا شكّ في أنّه لم يختر تمام مجاهرة الأعداء، استصلاحا لهم، و حسن تدبيره في دفع كيادهم. لئلّا يلجئوا الرّسول إلى ما ألجأوه إليه بعد موته.

و في جوامع الجامع‏ (4): و قالوا: إنّ الآية في نزلت في أبي طالب.

و قد ورد عن أئمّة الهدى- (عليهم السلام)-: أنّ أبا طالب مات مسلما.

و أجمعت الإماميّة على ذلك. و أشعاره مشحونة بالإسلام، و تصديق النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ: فيدخله في الإسلام.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 259- 260.

(2) الزمر/ 53.

(3) المصدر: يخالفه في أوامره.

(4) جوامع الجامع/ 347.

85

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (2) عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبيه قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: اجعلوا أمركم هذا (3) للَّه، و لا تجعلوه للنّاس. فأمّا ما كان للَّه، فهو للَّه. و ما كان للنّاس، فلا يصعد إلى السّماء (4).

و لا تخاصموا بدينكم النّاس‏ (5)، فإنّ المخاصمة ممرضة للقلب. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- قال لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ و قال‏ (6): أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏. ذروا النّاس، فإنّ النّاس أخذوا عن النّاس. و إنّكم أخذتم عن رسول اللَّه [و عليّ- (عليهما السلام)- و لا سواء. و] (7) إنّي سمعت أبي- (عليه السلام)- يقول: إذا كتب اللَّه‏ (8) على عبد أن يدخله‏ (9) في هذا الأمر، كان أسرع إليه من الطّير إلى و كره.

و في كتاب التّوحيد (10) مثله سواء.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (11) بإسناده إلى جبر بن نوف: أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كتب إلى معاوية و أصحابه يدعوهم إلى الحقّ. و ذكر الكتاب بطوله. قال: فكتب إليه معاوية أمّا بعد إنّه‏

ليس بيني و بين عمر (12) و عتاب‏* * * غير طعن الكلى و جزّ

الرّقاب‏

فلمّا وقف أمير المؤمنين- (عليه السلام)- على جوابه بذلك قال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى صراط مستقيم.

وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ‏ (56)، أي: القابلين للهدي. فيدبّر الأمور على ما يعلمه من مصالح العباد.

وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى‏ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا: نخرج منها.

____________

(1) الكافي 1/ 166، ح 3.

(2) المصدر: «عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد» بدل «محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى.»

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: اللَّه.

(5) المصدر: «لدينكم» بدل «بدينكم الناس.»

(6) يونس/ 99.

(7) ليس في المصدر.

(8) ليس في المصدر. و فيه: إن اللَّه- عزّ و جلّ- إذا كتب.

(9) المصدر: يدخل.

(10) التوحيد/ 414- 415، ح 13.

(11) أمالي الطوسي 1/ 188. و أوله في ص 186.

(12) المصدر: و بين قيس.

86

نزلت في الحرث‏ (1) بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف. أتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: نحن نعلم أنّك على الحقّ. و لكن نخاف إن اتّبعناك و خالفنا العرب- و إنّما نحن أكلة رأس- أن يتخطّفونا من أرضنا (2). فردّ اللَّه عليهم بقوله: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً: أو لم نجعل مكانهم حرما ذا أمن بحرمة البيت الّذي فيه؟ يتناحر العرب‏ (3) حوله و هم آمنون فيه.

يُجْبى‏ إِلَيْهِ‏: يحمل إليه و يجمع.

و قرأ نافع و يعقوب في رواية، بالتّاء (4).

ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ: من كلّ أوب.

رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا: فإذا كان هذا حالهم و هم عبدة الأصنام، فكيف نعرّضهم‏ (5) للخوف و التّخطّف إذا ضمّوا إلى حرمة البيت حرمة التّوحيد؟

وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ (57): جملة. لا يتفطّنون له، و لا تفكّرون ليعلموا.

و قيل‏ (6): إنّه متعلّق بقوله: «من لدنّا»، أي: قليل منهم يتدبّرون، فيعلمون أنّ ذلك رزق من عند اللَّه [و أكثرهم لا يعلمون.] (7) إذ لو علموا، لما خافوا غيره.

و انتصاب «رزقا» على المصدر في معنى: يجبى. أو حال من «الثّمرات» لتخصّصها بالإضافة. ثمّ بيّن أنّ الأمر بالعكس. فإنّهم أحقّاء بأن يخافوا في بأس اللَّه- تعالى- على ما هم عليه بقوله: وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي: و كم من أهل قرية كانت حالهم كحالكم في الأمن و خفض العيش، حتّى أشروا فدمرّ اللَّه عليهم و خرّب ديارهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): و قوله: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى‏ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا قال: نزلت في قريش حين دعاهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إلى الإسلام و الهجرة وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى‏ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏.

____________

(1) ن: الحارث.

(2) أنوار التنزيل 2/ 197.

(3) م، أ، س، و ن: يتفاخر العرب.

(4) أنوار التنزيل 2/ 197.

(5) ن: يعرّضهم.

(6) أنوار التنزيل 2/ 197.

(7) من المصدر.

(8) تفسير القمي 2/ 142.

87

و في كشف المحجّة (1) لابن طاوس- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: فأمّا الآيات اللّواتي في قريش، فهي قوله- إلى قوله-: و الثّالثة، في قول قريش لنبيّ اللَّه حين دعاهم إلى الإسلام و الهجرة فقالوا: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى‏ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا فقال اللَّه: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏.

و في روضة الواعظين‏ (2) للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-: كان أبو طالب يضرب عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إلى أن قال: فقال أبو طالب: يا ابن أخي، إلى النّاس كافّة أرسلت، أم إلى قومك خاصّة؟

قال: لا بل إلى النّاس أرسلت كافّة الأبيض و الأسود و العربيّ و العجميّ. و الّذي نفسي بيده، لأدعونّ إلى هذا الأمر الأبيض و الأسود و من على رؤوس الجبال و من في لجج البحار. و لأدعونّ ألسنة فارس و الرّوم. فتحيّرت‏ (3) قريش و استكبرت، و قالت: أما تسمع إلى ابن أخيك و ما يقول؟ و اللَّه، لو سمعت بهذا فارس و الرّوم لاختطفتنا في أرضنا. و لقلعت الكعبة حجرا حجرا. فأنزل اللَّه- تبارك و تعالى- وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى‏ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ (إلى آخر الآية).

فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ‏: خاوية.

لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ‏: من السّكنى. إذ لا يسكنها إلّا المارّة، يوما أو بعض يوم.

أو لا يبقى من يسكنها.

إِلَّا قَلِيلًا: من شؤم معاصيهم.

وَ كُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ‏ (58): منهم. إذ لم يخلفهم أحد يتصرّف تصرفهم في ديارهم، و سائر متصرّفاتهم.

و انتصاب «معيشتها» بنزع الخافض. أو بجعلها ظرفا بنفسها. كقولك: زيد ظنّي مقيم. أو بإضمار زمان مضاف إليه. أو مفعول على تضمين «بطرت» معنى: كفرت.

وَ ما كانَ رَبُّكَ‏: و ما كانت عادته.

مُهْلِكَ الْقُرى‏ حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها:

____________

(1) كشف المحجّة لثمرة المهجة/ 175.

(2) روضة الواعظين للنيسابوري الملقب بالمفيد في بعض الأحيان/ 54.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: فجبرت.

88

قيل‏ (1): في أصلها، الّتي هي أعمالها. لأنّ أهلها تكون أفطن و أنبل.

و قيل‏ (2): إنّ معنى أمّها: أمّ القرى. و هي مكّة. و قيل: يريد معظم القرى من سائر الدّنيا. رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا: لإلزام الحجّة، و قطع المعذرة.

وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى‏ إِلَّا وَ أَهْلُها ظالِمُونَ‏ (59): بتكذيب الرّسل، و العتوّ في الكفر.

وَ ما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ: من أسباب الدّنيا.

فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ زِينَتُها: تمتّعون و تزيّنون به مدّة حياتكم المنقضية.

وَ ما عِنْدَ اللَّهِ‏: و هو ثوابه.

خَيْرٌ: خير في نفسه من ذلك. لأنّه لذّة خالصة. و بهجة كاملة.

وَ أَبْقى‏: لأنّه أبديّ.

أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ (60): فتستبدلون الّذي هو أدنى بالّذي هو خير.

و قرئ، بالياء و هو أبلغ في الموعظة (3).

أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً: وعدا بالجنّة. فإنّ حسن الوعد بحسن الموعود.

فَهُوَ لاقِيهِ‏: مدركه لا محالة. لامتناع الخلف في وعده. و لذلك عطفه «بالفاء» المعطية معنى السّببيّة.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن هشام بن عليّ، عن إسماعيل بن عليّ المعلّم، عن بدل بن البحير، عن شعبة، عن أبان بن تغلب، عن مجاهد قال: قوله- عزّ و جلّ- أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ‏ نزلت في عليّ و حمزة- (عليهما السلام)-.

و يؤيّده ما رواه الحسن بن أبي الحسن الّديلميّ- (رحمه اللّه)- بإسناده: عن رجاله إلى محمّد بن عليّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ‏ قال: الموعود عليّ بن أبي طالب. وعده اللَّه أن ينتقم له من أعدائه في الدّنيا، و وعده الجنّة له و لأوليائه في الآخرة.

و ذكر أبو عليّ الطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- ما يؤيّد الحديث الأوّل في سبب النّزول. قال:

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 198.

(2) مجمع البيان 4/ 261.

(3) أنوار التنزيل 2/ 198.

(4) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 152.

89

و قيل: إنّها نزلت في حمزة و في عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا: الّذي هو مشوب بالآلام، مكدّر بالمتاعب، مستعقب للتّعسّر على الانقطاع.

ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ‏ (61): للحساب. أو العذاب. «و ثمّ» للتّراخي في الزّمان، أو الرّتبة.

و قرأ نافع و ابن عامر في رواية و الكسائيّ: «ثمّ هو» بسكون الهاء بتشبيها للمنفصل بالمتّصل. و هذه الآية كالنّتيجة للّتي قبلها، و لذلك رتّب عليها «بالفاء». (1)

وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ‏: عطف على «يوم القيامة». أو منصوب «باذكر».

فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ‏ (62)، أي: الّذين كنتم تزعمونهم شركائي. فحذف المفعولان لدلالة الكلام عليهما.

قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ‏: [بثبوت مقتضاه و حصول مؤدّاه. و هو قوله‏ (2):

لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ‏] (3) أَجْمَعِينَ‏ و غيره من آيات الوعيد.

رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا: أغويناهم. فحذف الرّاجع إلى الموصول.

أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا: أي: هؤلاء الّذين أغويناهم، فغووا غيّا مثل ما غوينا. و هو استيناف للّدلالة على أنّهم غووا باختيارهم. و أنّهم لم يفعلوا بهم إلّا وسوسة و تسويلا.

و يجوز أن يكون «الّذين» صفة. «و أغويناهم» الخبر لأجل ما اتّصل به، فأفاده زيادة على الصّفة. و هو و إن كانت فضلة، لكنّه صار من اللّوازم.

تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ‏: منهم و ممّا اختاروه من الكفر هو منهم. و هي تقرير للجملة المتقدّمة. و لذلك خلت عن العاطف. و كذا ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ‏ (63): بل أهواءهم.

قيل‏ (4): «ما» مصدريّة متّصلة «بتبّرأنا»، أي: تبرّأنا من عبادتهم إيّانا.

وَ قِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ‏: من فرط الحيرة.

فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ‏: بعجزهم عن الإجابة و النّصرة.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 198.

(2) هود/ 119.

(3) ليس/ في أ.

(4) أنوار التنزيل 2/ 199.

90

وَ رَأَوُا الْعَذابَ‏: لأربابهم.

لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ‏ (64): لوجه من الحيل، يدفعون به العذاب. أو إلى الحقّ لمّا رأوا العذاب. و قيل‏ (1): «لو» للتّمنّي، أي: تمنّوا أنّهم كانوا مهتدين.

وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ‏ (65): عطف على الأوّل.

فإنّه- تعالى- ليسأل أوّلا عن إشراكهم، ثمّ عن تكذيبهم الأنبياء.

فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ: فصارت الأنباء كالعمى عليهم، لا تهتدي إليهم. و أصله: فعموا عن الأنباء. لكنّه عكس مبالغة، و دلالة على أنّ ما يحضر الذّهن إنّما يفيض و يرد عليه من خارج. فإذا أخطأه لم يكن له حيلة إلى استحضاره.

و المراد بالأنباء: ما أجابوا به الرّسل. أو ما يعمها. [و إذا كانت الرّسل يتعتعون في الجواب عن مثل ذلك من الهول، و يفوّضون إلى علم اللَّه- تعالى- فما ظنّك بالضّلّال من أممهم.] (2) و تعدية الفعل «بعلى» لتضمّنه معنى الخفاء.

فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ‏ (66): لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب، لفرط الدّهشة.

أو العلم بأنّه مثله.

فَأَمَّا مَنْ تابَ‏: من الشّرك.

وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً: و جمع بين الإيمان و العمل الصّالح.

فَعَسى‏ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ‏ (67): عند اللَّه و «عسى» تحقيق على عادة الكرام. أو ترجّ من التّائب. بمعنى: فليتوقّع أن يفلح.

وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ: لا موجب عليه، و لا مانع له.

ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، أي: التّخيّر. كالطّيرة، بمعنى: التّطيّر. و ظاهره نفي الاختيار عنهم رأسا، و الأمر كذلك.

قيل‏ (3): المراد، أنّه ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. و لذلك خلا عن العاطف.

و يؤيّده ما روي: أنّه نزل في قولهم‏ (4): لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ليس في الأصل.

(3) أنوار التنزيل 2/ 199.

(4) الزخرف/ 31.

91

و قيل: «ما» موصولة مفعول «ليختار» و الرّاجع إليه محذوف. و المعنى: و يختار الّذي كان لهم فيه الخيرة، أي: الخير و الصّلاح.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله- عزّ و جلّ- وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ‏. فإن العامّة قد رووا: أنّ ذلك في القيامة. و أمّا الخاصّة، فإنّه‏

حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد الحميد الطائيّ، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ العبد إذا دخل قبره جاءه منكر و فزع منه، يسأل عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فيقول له: ما ذا تقول في هذا الرّجل كان بين أظهركم؟

فإن مؤمنا قال: أشهد أنّه رسول اللَّه، جاء بالحقّ. فيقال له: ارقد رقدة لا حلم فيها. و يتنحّى عنه الشّيطان. و يفسح له في قبره سبعة أذرع. و يرى‏ (2) مكانه في الجنّة. قال: و إذا كان كافرا، قال: ما أدري. فيضرب ضربة يسمعها كلّ من خلق اللَّه إلّا الإنسان. و يسلّط عليه الشّيطان. و له عينان من نحاس أو نار تلمعان كالبرق الخاطف فيقول له: أنا أخوك. و يسلّط عليه الحّيات و العقارب. و يظلم عليه قبره، ثمّ يضغطه ضغطة تختلف أضلاعه عليه. ثمّ قال بأصابعه فشرجها.

و قوله- عزّ و جلّ-: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ. قال: و يختار اللَّه- عزّ و جلّ- الإمام. و ليس لهم أن يختاروا. سُبْحانَ اللَّهِ‏: تنزيها له. أن ينازعه أحد، أو يزاحم اختياره اختيار.

وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (68): عن إشراكهم. أو مشاركة ما يشركون به.

و في أصول الكافي‏ (3): أبو القاسم بن العلاء- (رحمه اللّه)- عن عبد العزيز بن مسلم، عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل في فضل الإمام- (عليه السلام)- و صفاته. يقول فيه- (عليه السلام)-: هل يعرفون قدر الإمامة و محلّها من الأمّة، فيجوز فيها اختيارهم؟ إلى قوله- (عليه السلام)-: لقد امرا صعبا، و قالوا إفكا، و ضلّوا ضلالا بعيدا، و وقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة، و زيّن لهم الشّيطان أعمالهم فصدّهم عن السّبيل و ما كانوا مستبصرين. رغبوا عن اختيار اللَّه و اختيار رسول اللَّه [و أهل بيته‏] (4) إلى اختيارهم، و القرآن‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 143.

(2) المصدر: رأى.

(3) الكافي 1/ 199- 201، ضمن حديث 1 و أوّله في ص 198. و فيه «محمد القاسم بن العلاء» «أبو القاسم بن العلاء.»

(4) من المصدر.

92

يناديهم: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [من أمرهم‏] (1) سُبْحانَ اللَّهِ وَ تَعالى‏ عَمَّا [يُشْرِكُونَ‏. و قال عزّ و جلّ‏ (2): وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.] (3)

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4)، بإسناده إلى سعد بن عبد اللَّه القمّيّ، عن الحجّة القائم- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه‏ قلت: أخبرني يا ابن مولاي عن العلّة الّتي تمنع القوم من اختيار الإمام لأنفسهم.

قال: مصلح أو مفسد؟

قلت: مصلح.

قال: فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟

قلت: بلى.

قال: فهي العلّة. و أوردها لك ببرهان ينقاد له عقلك. ثمّ قال- (عليه السلام)- أخبرني عن الرّسل الّذين اصطفاهم اللَّه- عزّ و جلّ- و أنزل عليهم الكتب‏ (5) و أيّدهم بالوحي و العصمة. إذ هم أعلام الأمم و أهدى إلى الاختيار منهم، مثل: موسى و عيسى- (عليهم السلام)- هل يجوز مع وفور عقلهما [و كمال علمهما] (6) إذ همّا بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق، و هما يظنّان أنّه مؤمن؟

قلت: لا.

قال: هذا موسى كليم اللَّه، مع وفور عقله و كمال علمه و نزول الوحي عليه، اختار في أعيان قومه و وجوه عسكره لميقات ربّه- عزّ و جلّ- سبعين رجلا ممّن لا يشكّ في إيمانهم و إخلاصهم. و وقع خيرته على المنافقين. قال‏ (7) اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ اخْتارَ مُوسى‏ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا إلى قوله: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ‏ فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللَّه- عزّ و جلّ- للنّبوّة واقعا على الأفسد دون الأصلح،

____________

(1) من ن.

(2) الأحزاب/ 36.

(3) ليس في أ.

(4) كمال الدين و تمام النعمة/ 461- 462، ضمن حديث الذي أوّله في ص 454.

(5) المصدر: الكتاب.

(6) من المصدر.

(7) الأعراف/ 155.

93

و هو يظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد، علمنا أنّ الاختيار لا يجوز أن يفعل‏ (1) إلّا لمن يعلم ما تخفي الصدور و تكنّ الضّمائر و تتصرّف عليه السّرائر. و أنّ لا خطر لاختيار المهاجرين و الأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لمّا أرادوا أهل الصّلاح.

و في مصباح الشّريعة (2): قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل-: و نعلم أنّ نواصي الخلق بيده. فليس لهم نفس و لا لحظة إلّا بقدرته و مشيئته. و هم عاجزون عن إتيان أقلّ شي‏ء في مملكته إلّا بإذنه [و مشيئته‏] (3) و إرادته. قال اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ من أمرهم‏ سُبْحانَ اللَّهِ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏.

وَ رَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ‏: كعداوة الرّسول و حقده.

وَ ما يُعْلِنُونَ‏ (69): كالطّعن فيه.

وَ هُوَ اللَّهُ‏: المستحقّ للعبادة.

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: لا أحد يستحقّها، إلّا هو.

لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى‏ وَ الْآخِرَةِ: لأنّه المولى للنّعم كلّها عاجلها و آجلها.

يحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدّنيا. بقولهم: الحمد للَّه الّذي أذهب عنّا الحزن، الحمد للَّه الّذي صدقنا وعده. ابتهاجا بفضله، و التذاذا بحمده.

وَ لَهُ الْحُكْمُ‏: القضاء النّافذ في كلّ شي‏ء.

وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ (70): بالنّشور.

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً: دائما. من السّرد: و هو المتابعة. و «الميم» مزيدة. كميم «دلامص».

إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ: بإسكان الشّمس تحت الأرض. أو تحريكها فوق الأفق الغائر.

مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ: كان حقّه، هل إله. فذكر «بمن» على زعمهم: أنّ غيره آلهة.

و عن ابن كثير «بضئاء» بهمزتين‏ (4).

____________

(1) المصدر: «لا اختيار» بدل «الاختيار لا يجوز أن يفعل.»

(2) شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 115- 116.

(3) من المصدر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 200.

94

أَ فَلا تَسْمَعُونَ‏ (71): سماع تدبّر و استبصار.

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ:

بإسكانها في وسط السّماء. أو تحريكها على مدار فوق الأفق.

مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ‏: استراحة عن متاعب الأشغال.

و لعلّه لم يصف الضياء بما يقابله، لأنّ [الضّوء، نعمة في ذاته مقصود في نفسه، و لا اللّيل كذلك. و لأنّ منافع‏] (1) الضّوء أكثر ممّا يقابله، و لذلك قرن به‏ أَ فَلا تَسْمَعُونَ‏. و باللّيل‏ أَ فَلا تُبْصِرُونَ‏ (72): لأنّ استفادة العقل من السّمع أكثر من استفادته من البصر.

وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ‏: في اللّيل.

وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ‏: بالنّهار، بأنواع المكاسب.

وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (73): و لكي تعرفوا نعمة اللَّه في ذلك، فتشكروا عليها.

وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ‏ (74): تقريع بعد تقريع. للإشعار بأنّه لا شي‏ء أجلب لغضب اللَّه- تعالى- في الإشراك به. أو الأوّل، لتقرير فساد رأيهم. و الثّاني، لبيان أنّه لم يكن عن سند، و إنّما كان محض تشهّي و هوى.

وَ نَزَعْنا: و أخرجنا.

مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً: و هو نبيّهم. يشهد عليهم بما كانوا عليه.

فَقُلْنا: للأمم.

هاتُوا بُرْهانَكُمْ‏: على صحّة ما كنتم تدينون به.

فَعَلِمُوا: حينئذ.

أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ‏: في الألوهيّة. لا يشاركه فيها أحد.

وَ ضَلَّ عَنْهُمْ‏: و غاب عنهم [غيبة الضائع.] (2).

ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏ (75): من الباطل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: وَ نَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يقول: من كلّ فرقة من هذه الأمّة

____________

(1) ليس في أ، ن و الأصل.

(2) من م و أ و س و ن.

(3) تفسير القمي 2/ 143.

95

إمامها (1) فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏.] (2)

إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏:

قيل‏ (3): ابن عمّه يصهر بن قاهث بن لاوي. و كان ممّن أمن به.

و قيل‏ (4): كان موسى ابن أخيه. و قارون عمّه.

و في مجمع البيان‏ (5): إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏، أي: كان من بني إسرائيل، ثمّ من سبط موسى. و هو ابن خالته. عن عطاء، عن ابن عبّاس. و روي ذلك عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

فَبَغى‏ عَلَيْهِمْ‏: فطلب الفضل عليهم، و أن يكونوا تحت أمره. أو تكبّر عليهم. أو ظلمهم. قيل‏ (6): ذلك حين ملّكه فرعون على بني إسرائيل. أو حسدهم، لما روى أنّه قال له:

لك الرّسالة، و لهارون الحبورة، و أنا في غير شي‏ء. إلى متى أصبر؟

وَ آتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ: من الأموال المدّخرة.

في مجمع البيان‏ (7) قال: عطاء: أصاب كنزا من كنوز يوسف.

ما إِنَّ مَفاتِحَهُ‏: مفاتيح صناديقه. جمع، مفتح. بالكسر: و هو ما يفتح به.

و قيل‏ (8): خزائنه و قياس واحدها المفتح.

لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ: خبر «إنّ». و الجملة صلة «ما». و هو ثاني مفعولي «أتى».

و ناء به الحمل: إذا أثقله حتّى أماله.

و العصبة، و العصابة: الجماعة الكثيرة. و اعتصبوا: اجتمعوا.

و قرئ «لينوء» بالياء. على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه. (9) و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10) 1: وَ آتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: إماما.

(2) ليس في الأصل.

(3) أنوار التنزيل 2/ 200.

(4) مجمع البيان 4/ 266.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) أنوار التنزيل 2/ 200.

(7) مجمع البيان 4/ 266.

(8) أنوار التنزيل 2/ 200 و فيه: و قيل: خزائنه و قياسه المفتح.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) تفسير القمي 2/ 144.

96

و العصبة: ما بين العشرة إلى تسعة عشر. [قال: كان يحمل مفاتيح خزائنه العصبة أولو القوّة.

و في مجمع البيان: (1) قيل: ما بين عشرة إلى خمسة عشر.] (2) و قيل‏ (3): ما بين عشرة إلى أربعين. و قيل: أربعون رجلا. و قيل: ما بين الثّلاثة إلى العشرة. و قيل: إنّهم جماعة يتعصّب بعضهم لبعض.

و روى الأعمش عن خثيمة قال: كانت مفاتح قارون من جلود. كلّ مفتاح مثل الإصبع.

إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ‏: منصوب «بتنوء».

لا تَفْرَحْ: لا تبطر. و الفرح بالدّنيا مذموم مطلقا. لأنّه نتيجة حبّها و الرّضا بها و الذّهول عن ذهابها. فإنّ العلم بأنّ ما فيها من اللّذّة مفارقة لا محالة، يوجب التّرح كما قال:

أشدّ الغمّ عندي في سرور* * * تيقّن عنه صاحبه انتقالا

و لذلك قال اللَّه- تعالى-: وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ‏ (4) و عللّ النّهي هاهنا بكونه مانعا من محبّة اللَّه، فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ‏ (76): أي: بزخارف الدّنيا.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (5) بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: و ما يكون أولو قوّة إلّا عشرة آلاف [قال عزّ من قائل-: إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ‏.] (6)

و في كتاب الخصال‏ (7): عن أبي عبد اللَّه، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: أوحى اللَّه- تبارك و تعالى- إلى موسى- (عليه السلام)-: لا تفرح بكثرة المال، و لا تدع ذكري على كلّ حال. فإنّ كثرة المال تنسي الذّنوب، و ترك ذكري يقسي القلوب.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 266.

(2) ليس في س.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) الحديد/ 23.

(5) كمال الدين و تمام النعمة/ 654، ذيل حديث 20 و الحديث قصير.

(6) ليس في المصدر. و لعلها زيادة. فالظاهر أنّ حديث كمال الدين نقل بواسطة نور الثقلين. ثم أنّ صاحب نور الثقلين أورد بعده مباشرة هذه الآية ليورد تفسيرها. فاشتبه المفسر- رحمة اللَّه- عند النقل.

و ظنّ أنّها تتبع لكمال الدين. و اللَّه العالم.

(7) الخصال/ 39، ح 23.

97

عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (1) حديث طويل. و فيه: و الفرح مكروه عند اللَّه- عزّ و جلّ-.

و في كتاب التّوحيد (2)، بإسناده إلى أبان الأحمر، عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليه السلام)‏- أنّه جاء رجل إليه فقال له: بأبي أنت و أمّي، عظني موعظة.

فقال- (عليه السلام)- إن كانت العقوبة من اللَّه- عزّ و جلّ- حقّا، فالفرح لما ذا؟

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ ابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ‏: من الغنى.

الدَّارَ الْآخِرَةَ: بصرفه فيما يوجبها لك. فإنّ المقصود منه، أن يكون وصلة إليها. (3)

و في الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن أبي الحسن عليّ بن يحيى، عن أيّوب بن أعين، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يؤتى يوم القيامة برجل، فيقال: احتج.

فيقول: يا ربّ، خلقتني و هديتني و أوسعت‏ (5) عليّ، فلم أزل أوسع على خلقك و أيسر عليهم. لكي تنشر عليّ هذا اليوم رحمتك و تيسّره.

فيقول الرّبّ- جلّ ثناؤه و تعالى-: صدق عبدي. أدخلوه الجنّة.

وَ لا تَنْسَ‏: و لا تترك ترك المنسيّ.

نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا: و هو أن تحصّل بها آخرتك. أو تأخذ منها ما يكفيك. (6)

____________

(1) عنه في تفسير نور الثقلين 4/ 138، ح 106.

(2) التوحيد/ 376، ضمن حديث 21.

(3) يوجد في هامش نسخة م:

مشكل: ينبغي أن لا يكون لكلّ من الفقرات المثلث، أعني: «و اتّبع»، «و لا تنس»، «و أحسن» معنى يغاير الاخرى، و لا أقلّ أن يكون بينها عموم من وجه. فليكن معنى‏ وَ ابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ نفع الناس به مع بقاء عليه، كالاقراض و الإسكان و الاعانة. فاعارة الأدوات و المماليك و المراكب و الحلّي و نحو ذلك و كذلك الكفّ عن التكبّر و الفساد فانّ الموجب لهما و الموجد في الغالب، الغنى. و لا يوجد ان مع الفقر إلّا نادرا.

و سيجي‏ء في هذه السورة بعد تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً مع وجود المعّد و المقتضى فقد طلب الآخرة في الدنيا. فافهم.

(4) الكافي 4/ 40، ح 8.

(5) المصدر: فأوسعت.

(6) يوجد في هامش نسخة م:

قد كنت قلت في سنّ الشباب من قصيدة لي:

فما ذاخر الّذي أنت باذل‏* * * و ما باذل الّا الّذي أنت ذاخره‏

98

و في كتاب معاني الأخبار (1) بإسناده إلى موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا قال: لا تنس صحّتك و قوّتك و فراغك و شبابك و لا نشاطك، أن تطلب بها (2) الآخرة.

وَ أَحْسِنْ‏: إلى عباد اللَّه.

كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ‏: فيما أنعم عليك.

و قيل‏ (3): أحسن بالشّكر و الطّاعة، كما أحسن إليك بالإنعام.

وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ‏: بأمر يكون علّة للظّلم و البغي.

إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ‏ (77): لسوء أفعالهم.

و في مصباح الشّريعة (4): قال الصّادق- (عليه السلام)-: فساد الظّاهر، من فساد الباطن. و من أصلح سريرته، أصلح اللَّه علانيته: و من خان اللَّه في السّر هتك اللَّه ستره في العلانيّة (5) و أعظم الفساد، أن يرضى العبد (6) بالغفلة عن اللَّه- تعالى- و هذا الفساد يتولّد من طول الأمل و الحرص و الكبر. كما أخبر اللَّه- تعالى- في قصّة قارون في قوله: وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ‏. و كانت هذه الخصال من صنع قارون و اعتقاده. و أصلها: من حبّ الدّنيا و جمعها، و متابعة النّفس و هواها، و إقامة شهواتها، و حبّ المحمدة، و موافقة الشّيطان، و اتّباع خطراته. و كلّ ذلك مجتمع تحت الغفلة عن اللَّه و نسيان مننه‏ (7).

____________

ثم فطنت في أثناء التلاوة لقوله- جلّ شأنه-: وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا. فصغر في عيني ذلك البيت و استحقرته. و معنى الآية الشريفة- و اللَّه أعلم: أن ما تعمله لآخرتك من فضل مالك و قواك فهو نصيبك من دنياك و الباقي إن لم يذهب من يدك قبل موتك بقي لوارثك و كثيرا ما يجوّزه عدوّك. صدر الدين الموسويّ.

(1) معاني الأخبار/ 325، ح 1.

(2) ن، م: تطلب عنها.

(3) أنوار التنزيل 2/ 201.

(4) شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 446- 448.

(5) المصدر: «علانيته» بدل «ستره في العلانية.»

(6) هكذا في أ و س و م و ن و في المصدر، و الأصل: الخلق.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: منته.

99

قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى‏ عِلْمٍ‏: فضّلت به على النّاس. و استوجبت به التّفوّق‏ (1) عليهم بالجاه و المال.

و «على علم» في موضع الحال. و هو علم التّوراة. و كان أعلم بها. و قيل‏ (2): هو علم الكيمياء. و قيل: علم النّجارة و الدّهقنة و سائر المكاسب.

و قيل‏ (3): العلم بكنوز يوسف.

عِنْدِي‏: صفة له. أو متعلّق «بأوتيته». كقولك: جاز هذا عندي، أي: في ظنّي و اعتقادي.

أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً: تعجّب و توبيخ، على اغتراره بقوّته و كثرة ماله مع علمه بذلك. لأنّه قرأه في التّوراة، و سمعه من حفّاظ التّواريخ. أو ردّ لادّعائه العلم و تعظّمه به، بنفي هذا العلم منه أي: أ عنده مثل ذلك العلم الّذي ادّعاه و لم يعلم هذا حتّى يقي به نفسه مصارع الهالكين.

وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ‏ (78): سؤال استعلام، فإنّه- تعالى- مطّلع عليها. أو معاتبة، فإنّهم يعذّبون بها بغتة.

قيل‏ (4): يعني: أنّهم يدخلون النّار بغير حساب. و أنّ الملائكة يعرفونهم بسيماهم، فلا يسألون عنم لعلامتهم. و يأخذونهم بالنّواصي و الأقدام، فيصيّرونهم إلى النّار.

فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ‏:

قيل‏ (5): إنّه خرج على بغلة شهباء عليه الأرجوان، و عليها سرج من ذهب. و معه أربعة آلاف فارس على زينته‏ (6). و الأرجوان: صمغ أحمر.

قيل‏ (7) [: خرج‏] (8) في جوار بيض، على سرج من ذهب، على قطف أرجوان، على بغال بيض. عليهن ثياب حمر و حليّ من ذهب.

و قيل‏ (9): خرج في سبعين ألفا عليهم المعصفرات.

____________

(1) هكذا في س و أ. و في سائر النسخ: التقوى.

(2) أنوار التنزيل 2/ 201.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) مجمع البيان 4/ 267.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) المصدر: «على زيّه» بدل «فارس على زينته.»

(7) مجمع البيان 4/ 267.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر و الموضع.

100

قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا: على ما هو عادة النّاس من الرّغبة.

يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ‏: تمنّوا مثله لا عينه، حذرا عن الحسد.

إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏ (79): من الدّنيا.

وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏: بأحوال الآخرة، للمتّقين.

وَيْلَكُمْ‏: دعاء بالهلاك. استعمل للزّجر عمّا لا يرتضى.

ثَوابُ اللَّهِ‏: في الآخرة.

خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً: ممّا أوتي قارون. بل من الدّنيا و ما فيها.

وَ لا يُلَقَّاها:

الضّمير فيه، للكلمة الّتي تكلّم بها العلماء. أو للثّواب، فإنّه بمعنى: المثوبة. أو الجنّة. أو للإيمان و العمل الصّالح، فإنّهما في معنى: السّيرة و الطّريقة.

إِلَّا الصَّابِرُونَ‏ (80): على الطّاعات، و عن المعاصي.

فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ‏:

نقل‏ (1): أنّه كان يؤذي موسى- (عليه السلام)- كلّ وقت. و هو يداريه، لقرابته.

حتّى نزلت الزّكاة، فصالحه عن كلّ ألف على واحد. فحسبه فاستكثره. فعمد إلى أن يفضح موسى- (عليه السلام)- بين بني إسرائيل، ليرفضوه. فبرطل بغيّة لترميه بنفسها. فلمّا كان يوم العيد قام موسى خطيبا، فقال: من سرق قطعناه. [و من افترى جلدناه‏] (2) و من زني غير محصن جلدناه. و من زنى محصنا رجمناه.

فقال قارون: و لو كنت؟

قال: و لو كنت.

قال: إنّ بني إسرائيل يزعمون أنّك فجرت بفلانة. فاستحضرت. فناشدها موسى باللَّه أن تصدق.

فقالت: جعل لي قارون جعلا، على أن أرميك بنفسي. فخرّ موسى شاكيا منه إلى ربّه. فأوحى اللَّه إليه: أن مر الأرض بما شئت.

فقال: يا أرض خذيه. [و هو على سريره و فرشه. فأخذته حتّى غيّبت سريره. ثمّ قال: خذيه. فأخذته حتّى غيّبت قدميه. ثمّ قال: خذيه.] (3) فأخذته إلى ركبتيه. ثمّ قال:

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 202.

2 و 3- ليس في المصدر.

101

خذيه. فأخذته إلى وسطه. ثمّ قال: خذيه. فأخذته إلى عنقه. ثمّ قال: خذيه، فخسفت به. و كان [قارون‏] (1) يتضرّع إليه في هذه الأحوال، فلم يرحمه. فأوحى اللَّه إليه: ما أفظّك! استرحمك مرارا، فلم ترحمه. و عزّتي و جلالي، لو دعاني مرّة لأجبته. ثمّ قال بنو إسرائيل: إنّما فعله ليرثه.

فدعا اللَّه، حتّى خسف بداره و أمواله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): فقال قارون كما حكى اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى‏ عِلْمٍ عِنْدِي‏، يعني: ماله. و كان يعمل الكيمياء. فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ‏.، أي: لا يسأل من كان قبلهم عن ذنوب هؤلاء فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ‏ قال:

في الثّياب المصبّغات، يجرّها بالأرض. قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏. فقال لهم الخلّص‏ (3) من أصحاب موسى- (عليه السلام)-:

وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً وَ لا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ. فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ‏.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في الجامع بالكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء و التّطيّر منه و ثقله، و أيّ أربعاء هو؟

فقال- (عليه السلام)- آخر أربعاء في الشّهر. و هو المحاق. و فيه قتل قابيل هابيل أخاه و يوم الأربعاء ألقي إبراهيم- (عليه السلام)- في النّار. و يوم الأربعاء خسف اللَّه بقارون.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (5)، في مناهي النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: و نهى أن يختال الرّجل في مشيه. و قال: من لبس ثوبا فاختال فيه، خسف اللَّه به من شفير جهنم و كان قرين قارون. لأنّه أوّل من اختال، فخسف اللَّه به و بداره الأرض.

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير القمي 2/ 144.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: الخاص.

(4) الخصال/ 388، ضمن حديث 78. و فيه:

قال حدّثنا عليّ بن موسى الرضا قال: حدّثنا موسى بن جعفر قال: حدّثنا جعفر بن محمّد قال:

حدّثنا محمّد بن على قال حدّثنا: علي بن الحسين قال: حدّثنا الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)-» بدل «عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-».

(5) من لا يحضره الفقيه 4/ 7.

102

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و كان سبب هلاك قارون، أنّه لمّا خرج موسى- (عليه السلام)- ببني إسرائيل من مصر و أنزلهم البادية (2) و كانوا يقومون من أوّل اللّيل و يأخذون في قراءة التّوراة و الدّعاء و البكاء، و كان قارون منهم. و كان يقرأ التّوراة و لم يكن فيهم أحسن صوتا منه، و كان يسمّى المنون لحسن قراءته، و كان يعمل الكيمياء، فلما طال الأمر على بني إسرائيل في التّيه و التّوبة. و كان قارون قد امتنع من الدخول معهم في التوبة [و كان موسى- (عليه السلام)- يحبّه، فدخل إليه موسى فقال له: يا قارون قومك في التّوبة] (3) و أنت قاعد هاهنا، ادخل معهم و إلّا نزل‏ (4) بك العذاب. فاستهان به و استهزأ بقوله.

فخرج موسى من عنده مغتمّا و جلس في فناء قصره. و علي جبّة شعر، و نعلان من جلد حمار شراكهما من خيط شعر (5)، بيده العصا. فأمر قارون أن يصبّ عليه رمادا قد خلطه بالماء فصبّ عليه. فغضب موسى- (عليه السلام)- غضبا شديدا. و كان في كتفه شعرات، كان إذا غضب خرجت من ثيابه و قطر منها الدّم.

فقال موسى: يا ربّ، إن لم تغضب لي فلست لك بنبي.

فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ- إليه: قد أمرت الأرض‏ (6) أن تطيعك، فمرها بما شئت.

و قد كان قارون قد أمر أن يغلق باب القصر. فأقبل موسى- (عليه السلام)- فأومى إلى الأبواب فانفرجت‏ (7) و دخل عليه. فلمّا نظر إليه قارون، علم أنّه قد أوتي. قال: يا موسى، أسألك بالرّحم الّذي بيني و بينك.

فقال له موسى: يا بن لاوي، لا تزدني من كلامك. يا أرض، خذيه. فدخل القصر بما فيه في الأرض [و دخل قارون في الأرض‏] (8) إلى ركبتيه. فبكى و حلّفه بالرّحم. فقال‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 144- 146.

(2) في المصدر زيادة و هي:

أنزل اللَّه عليهم المّن و السّلوى و انفجر لهم من الحجر اثنتا عشرة عينا، بطروا و قالوا: لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربّك يخرج لنا ممّا تنبت الأرض من بقلها و قثائها و فومها و عدسها و بصلها. قال لهم موسى:

أ تستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم. فقالوا كما حكى اللَّه: إنّ فيها قوما جبارين و إنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها.

ثم قالوا لموسى: اذهب أنت و ربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون. ففرض اللَّه عليهم دخولها و حرّمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض.

(3) ليس في أ.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: دخل.

(5) المصدر: «خيوط سعر» بدل «خيط شعر.»

(6) المصدر: السموات و الأرض.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: فأوحى إلى الباب فانفجرت.

(8) ليس في م.

103

موسى- (عليه السلام)-: يا بن لاوي، لا تزدني من كلامك. يا أرض، خذيه و ابتلعيه بقصره و خزائنه.

و هذا ما قال موسى- (عليه السلام)- لقارون يوم أهلكه اللَّه- عزّ و جلّ- فعيّر اللَّه- تبارك و تعالى- بما قاله لقارون. فعلم موسى أنّ اللَّه- تبارك و تعالى- قد عيّره بذلك، فقال موسى: يا ربّ، إنّ قارون دعاني بغيرك. و لو دعاني بك، لأجبته.

فقال اللَّه- عزّ و جلّ- [: ما قلت:] (1) يا ابن لاوي لا تزدني من كلامك؟

فقال: موسى- (عليه السلام)-: يا ربّ، لو علمت أنّ ذلك لك رضى لأجبته.

فقال اللَّه- عزّ و جلّ- [: يا موسى،] (2) و عزّتي و جلالي و حقّ‏ (3) جودي و مجدي و علوّ مكاني لو أنّ قارون كما دعاك دعاني، لأجبته و لكنّه لمّا دعاك، وكّلته إليك. يا ابن عمران، لا تجزع من الموت. فإنّي كتبت الموت على كلّ نفس. و قد مهدّت لك مهادا، لو قد وردت عليه لقرّت عيناك.

فخرج موسى- (عليه السلام)- إلى جبل طور سيناء مع وصيّه. و صعد موسى الجبل، فنظر (4) إلى رجل قد أقبل و معه مكتل و مسحاة. فقال له موسى- (عليه السلام)-:

ما تريد؟

قال: رجل من أولياء اللَّه قد توفّي. و أنا أحضر له قبرا.

فقال له موسى: أفلا أعينك عليه؟

قال: بلى.

قال: فحفرا القبر. فلمّا فرغا، أراد الرّجل أن ينزل إلى القبر. فقال له موسى- (عليه السلام)-: ما تريد؟

قال: أدخل القبر، فأنظر كيف مضجعه.

فقال له موسى- (عليه السلام)-: أنا أكفيك. فدخل موسى- (عليه السلام)- فاضطجع فيه، فقبض ملك الموت روحه و انضمّ عليه الجبل.

و فيه‏ (5): قد سأل بعض اليهود أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عن سجن طاف أقطار

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) هكذا في م و أ و س و ن. و في الأصل و المصدر: فنزل.

(5) نفس المصدر 1/ 318- 319.

104

الأرض بصاحبه.

فقال: يا يهوديّ، أمّا السّجن الّذي طاف أقطار الأرض بصاحبه فإنّه الحوت الّذي حبس يونس في بطنه. فدخل في بحر القلزم، ثمّ خرج إلى بحر مصر، ثمّ دخل بحر طبرستان، ثمّ خرج في دجلة الغور (1). قال: ثمّ مرّت به تحت الأرض حتّى لحقت بقارون.

و كان قارون هلك في أيّام موسى. و وكّل اللَّه به ملكا يدخله في الأرض كلّ يوم قامة رجل.

و كان في بطن الحوت يسبح اللَّه و يستغفره، فسمع قارون صوته فقال للملك الموكّل به:

أنظرني، فإنّي أسمع كلام آدميّ. فأوحى اللَّه إلى الملك الموكّل به: أنظره. فأنظره. ثمّ قال قارون: من أنت؟

قال يونس: أنا المذنب الخاطئ، يونس بن متّى.

قال: فما فعل شديد الغضب للَّه موسى بن عمران؟ قال: هيهات، هلك.

قال: فما فعل الرّؤوف الرّحيم على قومه، هارون بن عمران؟

قال: هلك.

قال: فما فعلت كلثم بنت عمران، الّتي كانت سمّيت لي؟

قال: هيهات، ما بقي من آل عمران أحد.

فقال قارون: وا أسفا على آل عمران. فشكر اللَّه له ذلك. فأمر اللَّه الملك الموكّل به أن يرفع عنه العذاب أيّام الدّنيا. فرفع عنه.

و في تفسير العيّاشيّ: (2) عن الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ يونس لمّا آذاه قومه. و ذكر حديثا طويلا. و فيه: فألقى نفسه، فالتقمه الحوت. فطاف به البحار السبعة حتّى صار إلى البحر المسجور، و به يعذّب قارون. فسمع قارون رويّا، فسأل الملك عن ذلك. فأخبره [أنّه يونس. و أنّ اللَّه قد حبسه في بطن الحوت. فقال له قارون: أ تأذن لي أن أكلّمه؟ فأذن له. فسأله عن موسى. فأخبره‏] (3) أنّه مات، فبكى. ثمّ سأله عن هارون.

فأخبره أنه مات، فبكى و جزع جزعا شديدا. و سأله عن أخته كلثم، و كانت مسمّاة له.

فأخبره أنّها ماتت فبكى و جزع جزعا شديدا (4). قال فأوحى اللَّه إلى الملك الموكّل به: أن ارفع‏

____________

(1) المصدر: الغورا.

(2) تفسير العياشي 2/ 136- 137، ح 46.

(3) ليس في ن.

(4) المصدر: [فقال: وا أسفا على آل عمران‏] بدل «فبكى و جزع جزعا شديدا.»

105

عنه العذاب بقيّة أيّام‏ (1) الدّنيا لرقّته على قرابته.

و في كتاب جعفر بن محمّد الدّوريستي‏ (2)، بإسناده إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حديث طويل، يذكر فيه خروجه- (عليه السلام)- للمباهلة. و فيه: فلمّا رجع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بأهله‏] (3) و صار إلى مسجده هبط جبرائيل- (عليه السلام)- و قال: يا محمّد، إنّ اللَّه يقرئك السّلام، و يقول: إنّ عبدي موسى باهل عدوّه قارون بأخيه هارون و بنيه، فخسف بقارون و أهله و ماله و من وازره من قومه.

و بعزّتي أقسم و جلالي يا أحمد، لو باهلت بك و بمن تحت الكساء من أهلك أهل الأرض و الخلائق جميعا لتقطّعت السّماء كسفا و الجبال زبرا و لساخت الأرض، فلم تستقرّ أبدا إلّا أن أشاء ذلك.

فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ: أعوان. مشتقّة من فأوت رأسه: إذا ميّلته.

يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏: فيدفعون عنه عذابه.

وَ ما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ‏ (81): الممتنعين منه. من قولهم: نصره من عدوّه، فانتصر: إذا منعه منه، فامتنع.

وَ أَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ‏: منزلته.

بِالْأَمْسِ‏: منذ زمان قريب.

يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ: يبسط و يقدر بمقتضى مشيئته. لا لكرامة تقتضي البسط، و لا لهوان يوجب القبض.

و «ويكأنّ» عند البصريّين مركب. من «وي» للتّعجب، «و كأنّ» للتّشبيه.

و المعنى: ما أشبه الأمر، أنّ اللَّه يبسط الرّزق.

و قيل‏ (4): من «ويك» بمعنى: ويلك و أنّ تقديره: ويك أعلم أنّ اللَّه.

لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا: فلم يعطنا ما تمنّينا.

لَخَسَفَ بِنا: لتوليده فينا ما ولده فيه. فخسف به لأجله.

وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ‏ (82): لنعمة اللَّه. أو المكذّبون برسله و بما وعد لهم من ثواب الآخرة.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) تفسير نور الثقلين 4/ 142، ح 117، نقلا عنه‏

(3) ليس في الأصل.

(4) أنوار التنزيل 2/ 202.

106

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ: إشارة تعظيم. كأنّه قال: تلك الّتي سمعت خبرها و بلغك وصفها. و الدّار الآخرة صفة. و الخبر. نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ‏: غلبة و قهرا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- يا حفص، ما منزلة الدّنيا من نفسي إلّا بمنزل الميتة. إذا اضطررت إليها، أكلت منها. يا حفص، إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- علم ما العباد عاملون‏ (2) و إلى ما هم صائرون، فحلم عنهم عند أعمالهم السّيّئة لعلمه السّابق فيهم. فلا يغرنّك حسن الطّلب ممّن لا يخاف الفوت. ثمّ تلا قوله:

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ. (الآية) و جعل يبكي و يقول: ذهبت و اللَّه الأماني عند هذه الآية.

قلت: جعلت فداك، فما حدّ الزّهد في الدّنيا؟

فقال: حدّ اللَّه- عزّ و جلّ- في كتابه، فقال اللَّه- عزّ و جلّ- (3) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ‏ و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ لا فَساداً: ظلما على النّاس. كما أراد فرعون و قارون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (4): و قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- أيضا في قوله: عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً العلوّ: الشّرف. و الفساد: البناء (5).

وَ الْعاقِبَةُ: المحمودة.

لِلْمُتَّقِينَ‏ (83): عن ما لا يرضاه اللَّه.

و في نهج البلاغة (6): فلمّا نهضت بالأمر، نكثت طائفة و مرقت أخرى و قسط (7) آخرون.

كأنّهم لم يسمعوا اللَّه- سبحانه- إذ يقول: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏. بلى و اللَّه لقد سمعوها و وعوها. و لكنّهم حليت الدّنيا في أعينهم و راقهم زبرجها.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (8) بإسناده إلى ابن مسعود أنّه قال: قال رسول‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 146.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: عليه عالمون.

(3) الحديد/ 23.

(4) تفسير القمي 2/ 147.

(5) المصدر: و الفساد النساء.

(6) نهج البلاغة/ 49- 50، ضمن خطبة 3.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: فسق.

(8) أمالي الطوسي 1/ 210.

107

اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في كلام طويل: أوصيكم بتقوى اللَّه، و أوصي اللَّه بكم‏ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ‏ (1) أن لا تعلوا على اللَّه في عباده و بلاده. فإنّ اللَّه- تعالى- قال لي و لكم: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏.

و في مجمع البيان‏ (2): و روى ذاذان: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه كان يمشي في الأسواق وحده، و هو وال‏ (3). يرشد الضّالّ، و يعين الضّعيف، و يمرّ بالبيّاع و البقّال فيفتح عليه القرآن و يقرأ: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً و يقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل و التّواضع من الولاة، و أهل القدرة من سائر النّاس.

و روى أبو سلام الأعرج‏ (4): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أيضا قال: إنّ الرّجل ليعجبه شراك نعله، فيدخل في هذه الآية. تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ (الآية).

و في كتاب سعد السّعود (5) لابن طاوس- (رحمه اللّه)- يقول عليّ بن موسى بن طاوس: رأيت في تفسير الطّبرسيّ عند ذكر هذه الآية قال: و روى عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ الرّجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحتها.

مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها: ذاتا و قدرا و وصفا.

وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ‏ وضع فيه الظّاهر موضع المضمر، تهجينا لحالهم بتكرير إسناد السّيّئة إليهم.

إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (84)، أي: إلّا مثل ما كانوا يعملون. فحذف المثل و أقام مقامه «ما كانوا يعملون» مبالغة في المماثلة.

إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ‏: أوجب عليك تلاوته، و تبليغه، و العمل بما فيه.

لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ:

قيل‏ (6)، أي: معادله و هو المقام المحمود، الّذي وعدك أن يبعثك فيه. أو مكّة الّتي‏

____________

(1) نوح/ 2.

(2) مجمع البيان 4/ 268- 269.

(3) المصدر: دالّ.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) سعد السعود/ 88.

(6) أنوار التنزيل 2/ 202- 203.

108

اعتدت بها، على أنّه من العادة ردّه إليها يوم الفتح. كأنّه لمّا حكم بأنّ العاقبة للمتّقين، و أكّد ذلك بوعد المحسنين و وعيد المسيئين، وعده بالعاقبة الحسنى في الدّارين.

نقل: أنّه لمّا بلغ جحفة في مهاجره، اشتقاق إلى مولده و مولد آبائه فنزلت.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن حريز، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أنّه سئل عن جابر.

فقال: رحم اللَّه جابرا. بلغ من فقهه أنّه كان يعرف تأويل هذه الآية. إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ، يعني: الرّجعة.

قال‏ (2): و حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد الحميد الطّائيّ، عن أبي خالد الكابليّ، عن عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليه)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ: قال: يرجع إليكم نبيّكم- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم).

حدّثني أبي‏ (3)، عن أحمد بن النّضر، عن عمرو بن شمر (4) قال: ذكر عند أبي جعفر- (عليه السلام)- جابر.

فقال: (رحمه اللّه) جابرا لقد بلغ من علمه أنّه كان يعرف تأويل هذه الآية إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ، يعني: الرّجعة.

و في شرح الآيات الباهرة (5): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا حميد بن زياد، عن عبد اللَّه بن أحمد بن نهيك، عن عيسى بن هشام، عن أبان، عن عبد الرّحمن بن سيابة، عن صالح بن ميثم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- حدثني.

قال: أ و ليس قد سمعت من أبيك؟

قلت: هلك أبي و أنا صبيّ. قال: فأقول. فإن أصبت، قلت: نعم. و إن أخطأت، رددتني عن الخطأ.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 147.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر 1/ 25.

(4) م و س و المصدر: عمر بن شمر.

(5) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 152- 153.

109

قال: ما أشدّ شركك! قلت: فأقول. فإن أصبت، سكتّ. و إن أخطأت، رددتني عن الخطأ.

قال: هذا أهون.

قال: قلت فإنّي أزعم أنّ عليّا- (عليه السلام)- دابّة الأرض و سكتّ.

فقال: أبو جعفر- (عليه السلام)-: أراك و اللَّه تقول: إنّ عليّا- (عليه السلام)- راجع إلينا (1)؟

قال: فقلت: قد جعلتها فيما أريد أن أسألك عنه فنسيتها.

فقال أبو جعفر- (عليه السلام)- أفلا أخبرك بما هو أعظم من هذا؟

قوله‏ (2)- عزّ و جلّ-: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً و ذلك أنّه لا يبقى أرض، إلّا و يؤذّن فيها بشهادة أن لا إله إلّا اللَّه و أنّ محمّدا رسول اللَّه. و أشار بيده إلى آفاق الأرض.

و قال- أيضا (3)- حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك، عن الحسن بن عليّ بن مروان، عن سعد بن عمر (4)، عن أبي مروان قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ.

قال: فقال لي: لا و اللَّه لا تنقضي الدّنيا و لا تذهب، حتّى يجتمع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و عليّ- (عليه السلام)- بالثّويّة. (5) فيلتقيان، و يبنيان بالثّويّة (6) مسجدا له اثنا عشر ألف‏ (7) باب، يعني: موضعا بالكوفة.

و قال عليّ بن إبراهيم في تفسيره‏ (8): و أمّا قوله: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ فإنّ العامّة رووا: أنّه معاد القيامة. و أمّا الخاصّة فإنّهم رووا: أنّه في الرّجعة.

قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى‏: و ما يستحقّه من الثّواب و النّصر.

و «من» منتصب بفعل يفسّره «أعلم».

وَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (85): و ما استحقّه من العذاب و الإذلال، يعني:

____________

(1) في المصدر زيادة و هي: و يقرأ «إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معادك.»

(2) سباء/ 28.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) المصدر: سعيد بن عمر.

5 و 6- المصدر: بالتوبة.

(7) ليس في المصدر.

(8) نفس المصدر و الموضع.

110

به نفسه و المشركين. و هو تقرير للوعد السّابق. و كذا قوله: وَ ما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى‏ إِلَيْكَ الْكِتابُ‏، أي: سيردّك إلى معاد، كما ألقى إليك الكتاب و ما كنت ترجوه.

إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ‏: و لكن ألقاه رحمة منه. و يجوز أن يكون استثناء محمولا على المعنى. كأنّه قال: و ما ألقى إليك الكتاب إلّا رحمة.

فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ‏ (86): بمداراتهم، و التّحمّل عنهم، و الإجابة إلى طلبهم. وَ لا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ‏: عن قراءتها و العمل بها.

بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ‏:

و قرئ: «يصدّنك». من أصدّ (1).

وَ ادْعُ إِلى‏ رَبِّكَ‏: إلى عبادته و توحيده.

وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ (87): بمساعدتهم.

وَ لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ: هذا و ما قبله، للتّهيج و قطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (2): و قوله- عزّ و جلّ-: فلا تكونن يا محمد ظهيرا للكافرين. فقال: المخاطبة للنّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و المعنى للنّاس‏ (3): و هو

قول الصّادق- (عليه السلام)-: إِنّ اللَّه- عزّ و جلّ- بعث نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بإيّاك أعني و اسمعي يا جارة.

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏:

قيل‏ (4): إلّا ذاته. فإنّ ما عداه ممكن هالك في حدّ ذاته معدوم.

و في أصول الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن النّعمان، عن سيف بن عميرة، عمّن ذكره، عن الحارث بن المغيرة النّصريّ‏ (6) قال: سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- تبارك و تعالى-: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏.

فقال: ما يقولون فيه؟

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 203.

(2) تفسير القمي 2/ 147.

(3) في المصدر زيادة و هي: و قوله‏ وَ لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ المخاطبة للنبي و المعنى للناس.

(4) أنوار التنزيل 2/ 203.

(5) الكافي 1/ 143، ح 1.

(6) النسخ: «النضري» و تنقيح المقال: 1/ 147، رقم 2135.

111

قلت: يقولون: يهلك كلّ شي‏ء إلّا وجه اللَّه.

[فقال: سبحان اللَّه، لقد قالوا قولا عظيما. إنّما عنى بذلك وجه اللَّه‏] (1) الّذي يؤتى منه.

أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار (2)، عن صفوان بن يحيى، عن فضيل بن عثمان، عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ و قلت: أمّا الأوّل فقد عرفناه. و أمّا الآخر فبيّن لنا تفسيره.

فقال: إنّه ليس شي‏ء إلّا يبيد أو يتغيّر، أو يدخله التّغيير و الزّوال، أو ينتقل من لون إلى لون، و من هيئة إلى هيئة، و من صفة إلى صفة، و من زيادة إلى نقصان، و من نقصان إلى زيادة، إلّا ربّ العالمين. فإنّه لم يزل و لا يزال بحالة واحدة. هو الأوّل قبل كلّ شي‏ء و هو الآخر على ما لم يزل. و لا تختلف عليه الصّفات و الأسماء، كما تختلف على غيره، مثل الإنسان. الّذي يكون ترابا مرّة، و مرّة لحما و دما، و مرّة رفاتا و رميما. و كالبسر الّذي يكون مرّة بلحا، و مرّة بسرا، و مرّة رطبا، و مرّة تمرا فتتبدّل‏ (3) عليه الأسماء و الصّفات.

و اللَّه- عزّ و جلّ- بخلاف ذلك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (4): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ قال: فيفنى كلّ شي‏ء و يبقى الوجه اللَّه أعظم من أن يوصف. لا، و لكن معناها: كلّ شي‏ء هالك إلّا دينه. و نحن الوجه، الّذي يؤتى اللَّه منه. لم نزل في عباده، ما دام اللَّه له فيهم روبة. فإن لم يكن له فيهم روبة، فرفعنا إليه، ففعل بنا ما أحبّ.

قلت: جعلت فداك، فما الرّوبة؟

قال: الحاجة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-

____________

(1) ليس في م و أ و س و ن.

(2) نفس المصدر 1/ 115، ح 5.

(3) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

فتبدل.

(4) تفسير القمي 2/ 147.

(5) الاحتجاج 1/ 377.

112

حديث طويل. و فيه: و أمّا قوله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ فالمراد (1): كلّ شي‏ء هالك إلّا دينه. لأنّ من المحال أن يهلك منه كلّ شي‏ء و يبقى الوجه. هو أجلّ [و أكرم‏] (2) و أعظم من ذلك. و إنّما يهلك من ليس منه. ألا ترى أنّه قال‏ (3): كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‏ ففصل بين خلقه و وجهه.

و في كتاب التّوحيد (4) بإسناده إلى أبي حمزة قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- قول اللَّه- عزّ و جلّ-: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏.

قال: يهلك كلّ شي‏ء و يبقى الوجه. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أعظم من أن يوصف بالوجه. و لكن معناه: كلّ شي‏ء هالك إلّا دينه. و الوجه الّذي يؤتى منه.

و بإسناده إلى الحارث بن المغيرة النّصري‏ (5) قال: سألت أبا عبد الّله- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏.

قال: كلّ شي‏ء هالك، إلّا من أخذ طريق الحقّ.

و في محاسن البرقي‏ (6)، مثله، إلّا أنّ آخره: من أخذ الطّريق الّذي أنتم عليه.

و في كتاب التّوحيد، (7) بإسناده إلى صفوان الجمّال، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ- كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ قال: من أتى اللَّه بما أمر به من طاعة محمّد و الأئمّة من بعده- (صلوات اللّه عليهم)- فهو الوجه الّذي لا يهلك. ثمّ قراء مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏. (8)

و بإسناده- أيضا- إلى صفوان‏ (9) قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- نحن وجه اللَّه الّذي لا يهلك.

و بإسناده إلى صالح بن سعيد (10): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ [قال: نحن.

____________

(1) المصدر: «فانّما أنزلت» بدل «فالمراد».

(2) من س و أ و ن.

(3) الرحمن/ 26.

(4) التوحيد/ 149، ح 1.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 2. و في النسخ:

«النضريّ.» ر. تنقيح المقال 1/ 147، رقم 2135.

(6) المحاسن/ 199، ح 30.

(7) التوحيد/ 149، ح 30.

(8) النساء/ 80.

(9) نفس المصدر/ 150، ح 4.

(10) المصدر: صالح بن سهل.

113

و بإسناده إلى خيثمة (1) قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏] (2).

قال: دينه. و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- دين اللَّه. و وجهه و عينه في عباده. و لسانه الّذي ينطق به.

و يده على خلقه. و نحن وجه اللَّه، الّذي يؤتى منه لن نزال في عباده ما دامت للَّه فيهم روبة.

قلت: و ما الرّوبة؟

قال: الحاجة. فإذا لم يكن للَّه فيهم حاجة، رفعنا إليه و صنع ما أحبّ.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عبد اللَّه بن همام، عن عبد اللَّه بن جعفر، عن إبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن الأحول، عن سلام بن المستنير قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏.

قال: نحن [و اللَّه وجهه‏] (4) الّذي قال. و لن يهلك إلى يوم القيامة، بما أمر اللَّه به من طاعتنا و موالاتنا. فذلك وجه اللَّه‏ (5) الّذي قال: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ و ليس منّا ميّت يموت، إلّا و خلفه عاقبة منه إلى يوم القيامة.

و قال‏ (6)- أيضا- أخبرنا عبد اللَّه بن العلا، عن المذاريّ‏ (7)، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد اللَّه بن عبد الرّحمن، عن عبد اللَّه بن القاسم، عن صالح بن سهيل‏ (8)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ قال: نحن وجه اللَّه- عزّ و جلّ-.

و قال‏ (9)- أيضا-: حدّثنا الحسن بن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن يونس بن يعقوب عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ‏ إلّا ما أريد به وجه اللَّه. و وجه اللَّه‏

____________

(1) نفس المصدر/ 151، ح 7.

(2) ليس في أ.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 153.

(4) ليس في المصدر.

(5) المصدر: «و اللَّه الوجه» بدل «وجه اللَّه.»

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) م و المصدر: المزاريّ.

(8) المصدر: صالح بن سهل.

(9) نفس المصدر و الموضع.

114

عليّ- (عليه السلام)-.

لَهُ الْحُكْمُ‏: القضاء النّافذ في الخلق.

وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ (88): للجزاء بالحقّ.

115

تفسير سورة العنكبوت‏

116

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

117

سورة العنكبوت مكّيّة كلّها. و قيل: مدنيّة كلّها. و قيل: مكّيّة، إلّا عشر آيات في أوّلها فإنّها مدنيّة. و هي تسع و ستّون آية.» (1) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2) بإسناده، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة العنكبوت و الرّوم في شهر رمضان في ليلة ثلاث و عشرين، فهو- و اللَّه يا أبا محمّد- من أهل الجنّة. لا استثني فيه أبدا، و لا أخاف أن يكتب اللَّه عليّ في عيني إثما. و إنّ لهاتين السّورتين من اللَّه مكانا.

و في مجمع البيان‏ (3): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: و من قراء سورة العنكبوت، كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ المؤمنين و المنافقين.

الم‏ (1) سبق القول فيه. و وقوع الاستفهام بعده، دليل استقلاله بنفسه. أو بما يضمر معه.

أَ حَسِبَ النَّاسُ‏:

الحسبان ممّا يتعلّق بمضامين الجمل، للدّلالة على جهة ثبوتها. و لذلك اقتضى مفعولين متلازمين. أو ما يسدّ مسدّهما كقوله: أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 271.

(2) ثواب الأعمال/ 136، ح 1.

(3) مجمع البيان 4/ 271.

118

(2): فإنّ معناه: أ حسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم: آمنا. فالترّك أوّل مفعوليه و غير مفتونين من تمامه. و لقولهم: أمنا، هو الثّاني، كقولك: حسبت ضربه للتّأديب. أو أنفسهم متروكين غير مفتونين لقولهم: آمنا. بل يمتحنهم اللَّه بمشاقّ التّكاليف. كالمهاجرة، و المجاهدة، و رفض الشّهوات، و وظائف الطّاعات، و أنواع المصائب في الأنفس و الأموال. ليتميزّ المخلص من المنافق و الثّابت في الدّين من المضطرب فيه. و لينالوا بالصّبر عليها عوالي الدّرجات. فإن مجرّد الإيمان و إن كان عن خلوص، لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب.

قيل‏ (1): إنّها نزلت في ناس من الصّحابة، جزعوا من أذى المشركين.

و قيل: في عمّار بن ياسر، قد عذّب في اللَّه.

و قيل: في مهجع مولى عمر بن الخطّاب، رماه عامر بن الحضرميّ‏ (2) بسهم [يوم بدر] (3) فقتله. فجزع عليه أبواه و امرأته.

وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏: متّصل «بأحسب» أو «بلا يفتنون».

و المعنى أنّ ذلك سنّة قديمة جارية في الأمم كلّها. فلا ينبغي أن يتوقّع خلافه.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4) توقيع من صاحب الزّمان- (عليه السلام)- كان خرج إلى العمريّ و ابنه- رضى اللَّه عنه- رواه سعد بن عبد اللَّه. قال الشّيخ أبو [عبد اللَّه‏] (5) جعفر: وجدته مثبتا بخطّ سعد بن عبد اللَّه‏ (6) (رحمه اللّه): وفّقكما اللَّه [لطاعته،] (7) و ثبّتكما على دينه، و أسعدكما بمرضاته. انتهى إلينا ما ذكرتما، أنّ الميثمي أخبركما عن المختار و مناظرته من لقى. و احتجاجه، بأنّه لا خلف غير جعفر بن عليّ و تصديقه إيّاه. و فهمت جميع ما كتبتما به ممّا قال أصحابكما (8) عنه و أنا أعوذ باللَّه من العمى بعد الجلاء، و من الضّلالة بعد الهدى، و في موبقات الأعمال و مرديات الفتن. فإنّه- عزّ و جلّ- يقول: الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏. كيف يتساقطون في الفتنة، و يتردّدون في‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 204. و فيه: «روى» بدل «قيل.»

(2) المصدر: عمار بن الحضرمّي.

(3) من المصدر.

(4) كمال الدين و تمام النعمة/ 510- 511، ح 42.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: «عنه» بدل «بخطّ سعد بن عبد اللَّه.»

(7) من المصدر.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: أصحابكم.

119

الحيرة، و يأخذون يمينا و شمالا. فارقوا دينهم، أم ارتابوا، أم عاندوا الحقّ، أم جهلوا ما جاءت به الرّوايات الصّادقة و الأخبار الصّحيحة، أو علموا فتناسوا.

و التّوقيع طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في أصول الكافي‏ (1)- عدّة من أصحابنا، عن احمد بن محمّد، عن معمّر بن خلّاد قال:

سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏. ثمّ قال لي: ما الفتنة؟

قلت: جعلت فداك، الفتنة في الدّين.

فقال: يفتنون كما يفتن الذّهب. ثمّ قال. يخلصون كما يخلص الذّهب.

و في نهج البلاغة (2): و قام إليه- (عليه السلام)- رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن الفتنة، و هل سألت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عنها؟

فقال- (عليه السلام)-: لمّا أنزل اللَّه- سبحانه- قوله: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏. علمت أنّ الفتنة لا تنزل بنا، و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بين أظهرنا. فقلت: يا رسول اللَّه، ما هذه الفتنة الّتي أخبرك اللَّه بها؟

فقال: يا عليّ، إنّ أمتي سيفتنون من بعدي.

فقلت: يا رسول اللَّه، أ و ليس قد قلت لي يوم أحد، حيث استشهد من استشهد من المسلمين و حيزت عنّي الشّهادة، فشقّ ذلك علىّ، فقلت لي: أبشر، فإنّ الشّهادة من ورائك؟

فقال لي: إنّ ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذا؟

فقلت: يا رسول اللَّه، ليس هذا من مواطن الصّبر و لكن من مواطن البشرى و الشّكر.

و قال: يا عليّ [، إنّ القوم‏] (3) سيفتنون بأموالهم‏ (4)، و يمنّون بدينهم على ربّهم، و يتمنّون رحمته، و يأمنون سطوته، و يستحلّون حرامه بالشّبهات الكاذبة و الأهواء السّاهية. (5) فيستحلّون الخمر بالنّبيذ، و السّحت بالهدّية، الرّبا بالبيع.

____________

(1) الكافي 1/ 370، ح 4.

(2) نهج البلاغة/ 220، أواخر خطبة 156.

(3) من المصدر.

(4) م: بأموالهم و بحقّهم.

(5) هكذا في المصدر و م. و في سائر النسخ:

التاهية.

120

قلت: يا رسول اللَّه، فبأيّ المنازل أنزلهم عند ذلك، أ بمنزلة ردّة أم بمنزلة فتنة؟ قال:

بمنزلة فتنة.

و في شرح الآيات الباهرة (1): قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-: حدّثني محمّد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏.

قال: صار العبّاس إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: امش حتّى يبايع لك النّاس.

فقال له: أ تراهم فاعلين؟

قال نعم.

قال: فأين قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏.

و قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- (2): حدّثنا أحمد بن محمّد، عن سعيد، عن أحمد بن الحسين، عن أبيه، عن حصين بن مخارق، عن عبيد اللَّه بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسين بن عليّ، عن أبيه- (صلوات اللّه عليهم)- قال: لمّا نزلت‏ الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏. قال: قلت: يا رسول اللَّه، ما هذه الفتنة؟

قال: يا عليّ، إنّك مبتلى بك. و إنّك مخاصم قاعدّ (3) للخصومة.

و قال‏ (4)- أيضا-: حدّثنا أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللَّه بن حمّاد، عن سماعة بن مهران قال: رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏- كان ذات ليلة في المسجد فلمّا كان قريب‏ (5) الصّبح، دخل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فناداه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: يا عليّ.

قال: لبيّك.

قال: هلّم إليّ. فلمّا دنا منه قال: يا عليّ، بت الليلة حيث تراني. فقد سألت ربّي‏

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 154.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) هكذا في م و س و المصدر. و في سائر النسخ:

فأعدّ.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) هكذا في المصدر، و أ. و في سائر النسخ:

قرب.

121

ألف حاجة، فقضاها لي. و سألت لك مثلها، فقضاها. و سألت لك ربّي، أن يجمع لك أمّتي من بعدي فأبى عليّ ربّي. فقال: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏.

و في إرشاد المفيد (1): الفضل بن شاذان، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: لا يكون ما تمدّون إليه أعناقكم حتّى تميّزوا و تمحّصوا.

و لا يبقى منكم إلّا القليل. ثمّ قرأ: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏. ثمّ قال: إنّ من علامات الفرج، حدث يكون بين المسجدين و يقتل فلان من ولد فلان خمسة عشر كبشا من العرب.

فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ‏ (3):

قيل‏ (2): فليتعلّقنّ علمه بالامتحان تعلّقا حاليّا، ليتميّز به الّذين صدقوا في الإيمان و الّذين كذبوا فيه و ينوط بهم ثوابهم و عقابهم. و لذلك قيل المعنى: و ليميّزنّ. أو ليجازين.

و يجوز أن يكون المعنى: ليصير معلومه موجودا من صدق جماعة و كذب آخرين. بناء على أنّ المراد، و هو العلم التّفصيليّ. الّذي هو عين المعلوم. الّذي هو الموجود الخارجيّ.

و قرئ: «و ليعلمنّ» من الإعلام، أي: و ليعرّفنّهم، كبياض الوجوه و سوادها (3). و في مجمع البيان‏ (4): و هو المرويّ عن جعفر بن محمّد، و محمّد بن عبد اللَّه بن الحسن.

الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏

و في تفسير عليّ بن إبراهيم: (5) حدّثني أبي، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: جاء العبّاس إلى أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- فقال:

انطلق نبايع لك النّاس.

فقال له أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: أو تراهم فاعلين؟

قال: نعم.

قال: فأين قوله عزّ و جلّ: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏، أي: اختبرناهم.

____________

(1) الإرشاد/ 360.

(2) أنوار التنزيل 2/ 204.

(3) نفس المصدر و الموضع. و فيه: و قرئ: «و ليعلمن» من «الاعلام»، أي: و ليعرفنهم الله الناس أو يسمنهم بسمة يعرفون بها يوم القيامة، كبياض الوجوه و سوادها.

(4) مجمع البيان 4/ 271.

(5) تفسير القمي 2/ 148.

122

فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ‏.

و في مجمع البيان‏ (1): عند قوله. أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً و في تفسير الكلبيّ: أنّه لمّا نزلت هذه الآية قام النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فتوضّأ و أسبغ وضوءه. ثمّ قال فصلّى فأحسن صلاته. ثمّ سأل اللَّه- سبحانه- أن لا يبعث عذابا من فوقهم، أو من تحت أرجلهم، و لا يلبسهم شيعا، و لا يذيق بعضهم بأس بعض. فنزل جبرائيل- (عليه السلام)- [فقال: يا محمّد، إنّ اللَّه- تعالى- سمع مقالتك. و أنّه قد أجارهم من خصلتين، و لم يجرهم من خصلتين.

أجارهم من أن يبعث عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم.] (2) و لم يجرهم من الخصلتين الأخيرتين.

فقال- (عليه السلام)-: يا جبرائيل، ما بقاء أمّتي مع قتل بعضهم بعضا. فقام و عاد إلى الدّعاء، فنزل‏ الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏. (الآيتين) فقال: لا بدّ من فتنة تبتلي بها الأمّة بعد نبيّها، ليتعيّن‏ (3) الصّادق من الكاذب. لأنّ الوحي انقطع و بقي السّيف و افتراق الكلمة إلى يوم القيامة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (4): عن جابر قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)- [: قوله‏ (5) لنبيّه:] (6) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ فسّره لي.

قال: فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا جابر، إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- كان حريصا على أن يكون عليّ- (عليه السلام)- من بعده على النّاس. و كان عند اللَّه خلاف ما أراد رسول اللَّه.

قال: قلت: فما معنى ذلك؟

قال: نعم، عنى بذلك قول اللَّه لرسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ يا محمّد في عليّ. الأمر إليّ في عليّ و في غيره. ألم أنزل‏ (7) عليك يا محمّد فيما أنزلت من كتابي إليك‏ الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏. إلى قوله: وَ لَيَعْلَمَنَ‏ قال: فوّض رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الأمر إليه.

____________

(1) مجمع البيان 2/ 315.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: ليتبيّن.

(4) تفسير العياشي 1/ 197- 198، ح 140.

(5) آل عمران/ 128.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: ألم أتل (أنزل خ. ل.)

123

و في إرشاد المفيد- (رحمه اللّه)- (1) و قد جاءت الرّواية: أنّه لمّا تمّ لأبي بكر ما تمّ و بايعه من بايع، جاء رجل إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هو يسوّي قبر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بمسحاة في يده، و قال له: إنّ القوم قد بايعوا أبا بكر، و وقعت الخذلة في الأنصار (2) لاختلافهم، و بدر الطّلقاء للعقد (3) للرّجل خوفا من إدراككم الأمر. فوضع طرف المسحاة على الأرض‏ (4) و يده عليها، ثمّ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ* أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ‏.

و في الكافي‏ (5): روي أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال في خطبة له: و لو أراد اللَّه- سبحانه- بأنبيائه- حيث بعثهم- أن يفتح لهم كنوز الذّهبان و معادن البلدان‏ (6) و مغارس الجنان و أن يحشر طير السّماء و وحش الأرض معهم، لفعل. و لو فعل لسقط البلاء و اضمحلّ الجزاء (7) و بطل الابتلاء (8) و لما وجب للقائلين‏ (9) أجر المبتلين‏ (10) و لا لحق المؤمنين ثواب المحسنين. و لا لزمت الأسماء أهاليها على معنى مبيّن. و لذلك لو أنزل اللَّه‏ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏. (11) و لو فعل لسقط البلوى عن النّاس أجمعين. و لكنّ اللَّه- جلّ ثناؤه- جعل رسله أولي قوّة في عزائم نيّاتهم، و ضعفه فيما ترى الأعين من حالاتهم. من قناعة تملأ القلوب و العيون غناؤه، و خصاصة تملأ الأسماع و الأبصار أداؤه.

و لو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام و عزّة لا تضام و ملك يمدّ نحوه أعناق الرّجال و يشدّ إليه عقد الرّجال، لكان أهون على الخلق في الاختبار و أبعد لهم في الاستكبار. و لأمنوا عن رهبة (12) قاهرة لهم أو رغبة (13) مائلة بهم. فكانت النّيّات‏ (14) مشتركة و الحسنات مقتسمة.

و لكنّ اللَّه أراد أن يكون الاتّباع لرسله و التّصديق بكتبه و الخشوع لوجهه و الاستكانة لأمره‏

____________

(1) الإرشاد/ 101- 102.

(2) المصدر: للأنصار.

(3) المصدر: بالعقد.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: في الأرض.

(5) الكافي 4/ 198- 201، ح 2.

(6) المصدر: معادن العقيان.

(7) المصدر و ن: بطل الجزاء.

(8) المصدر: اضمحلّت الأنباء و في ن: اضمحلّ الابتلاء.

(9) «القائلين» من القيلولة، يعني: لو لم يكن ابتلاء لكانوا مستريحين، فلا ينالون أجور المبتلين.

(10) أجور المبتلين.

(11) الشعراء/ 4.

(12) هكذا في المصدر. و في النسخ: رغبة.

(13) هكذا في المصدر. و في النسخ: رهبة.

(14) ن: السيئات.

124

و الاستسلام إليه‏ (1)، أمورا خاصّة لا يشوبها من غيرها مشائبة. و كلّما كانت البلوى و الاختبار أعظم، كانت المثوبة و الجزاء أجزل.

ألا ترون أنّ اللَّه- جلّ ثناؤه- اختبر الأوّلين من لدن آدم إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار ما تضرّ و لا تنفع و لا تبصر و لا تسمع فجعلها بيته الحرام، الّذي جعله للنّاس قياما.

ثمّ جعله بأوعر بقاع الأرض حجرا، و أقل نتائق الدّنيا مدرا، و أضيق بطون الأودية معاشا، و أغلظ محالّ المسلمين [مياها. بين جبال خشنة، و رمال دمثة، و عيون و شلة، و قرئ منقطعة، و أثر من مواضع قطر السّماء و اثر ليس يزكو به خفّ و لا ظلف‏] (2) و لا حافر. ثمّ أمر آدم و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه. فصار مثابة لمنتجع أسفارهم، و غاية لملقى رحالهم، و تهوي إليه ثمار الأفئدة في مغاوز قفار متّصلة و جزائر بحار منقطعة و مهاوي فجاج عميقة. حتّى يهزّوا مناكبهم ذللا. يهلّلون اللَّه‏ (3) حوله. و يرملون على أقدامهم شعثا غبرا له. قد نبذوا القنع و السّراويل وراء ظهورهم و حسروا بالصعود (4) حلقا عن رؤوسهم، ابتلاء عظيما و اختيارا كبيرا و امتحانا شويدا و بليغا و قنوتا مبينا. جعله اللَّه سببا لرحمته، و وصلة (5) [و وسيلة] (6) جنّته، و علّة لمغفرته، و ابتلاء للخلق برحمته.

فلو كان اللَّه- تعالى- وضع بيته الحرام و مشاعره العظام بين جنّات و أنهار و سهل و قرار جمّ الأشجار داني الثّمار ملتفّ النبات متّصل القرى من برّة سمراء و روضة خضراء و أرياف محدقة و عراض‏ (7) مغدقة و زروع ناضرة و طرق عامرة و حدائق كثيرة، لكان قد صغر الجزاء على حسب ضعف البلاء. ثمّ لو كانت الأساس المحمول عليها أو الأحجار المرفوع بها بين زمرّدة خضراء و ياقوتة حمراء و نور و ضياء، لخفّف مصارعة الشّك‏ (8) في الصّدور و لوضع مجاهدة إبليس عن القلوب و لنفي معتلج الرّيب من النّاس. و لكنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يختبر عبيده بأنواع الشّدائد و يتعبّدهم بألوان المجاهدة. و يبتليهم بضروب المكاره، إخراجا للتّكبّر من‏

____________

(1) المصدر: لطاعته.

(2) ليس في أ.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «اللَّه» بدل «يهللون للَّه.»

(4) ن، و المصدر: بالشعور.

(5) ليس في المصدر.

(6) من ن و المصدر.

(7) المصدر: أعراض.

(8) هكذا في المصدر، و ن. و في سائر النسخ:

الشكر.