تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج10

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
586 /
125

قلوبهم و إسكانا للتّذلّل في أنفسهم. و ليجعل ذلك أبوابا [فتّحا] (1) إلى فضله، و أسبابا ذللا لعفوه، و فتنة. كما قال: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ‏.

و في شرح الآيات الباهرة (2): و قال- أيضا- حدّثنا جعفر بن محمّد الحسيني‏ (3)، عن إدريس بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن ثابت، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: فسّر لي قوله‏ (4)- عزّ و جلّ- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ فقال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- كان حريصا على أن يكون عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- من بعده على النّاس. و كان عند اللَّه خلاف ذلك. فقال:

و عني بذلك قوله- عزّ و جلّ-: الم* أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ‏ قال: فرضي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بأمر اللَّه- عزّ و جلّ-.

و في جوامع الجامع‏ (5): و في الحديث: كان من قبلكم يؤخذ، فيوضع المنشار على رأسه فيفرّق فرقتين، ما يصرفه ذلك عن دينه. و يمشّط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم و عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه.

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ‏: الكفر و المعاصي. فإنّ العمل يعمّ أفعال القلوب و الجوارح.

أَنْ يَسْبِقُونا: أن يفوتونا. فلا نقدر أن نجازيهم على مساوئهم.

و هو سادّ مسادّ مفعولي «حسب». أو «أم» منقطعة. و الإضراب فيها، لأنّ هذا الحسبان أبطل من الأوّل. و لهذا عقّبه بقوله: ساءَ ما يَحْكُمُونَ‏ (4): أي: بئس الّذي يحكمونه. أو حكما يحكمونه حكمهم هذا. فحذف المخصوص بالذّمّ.

مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ‏: (6).

قيل: في الجنّة.

____________

(1) من المصدر. و فيه بهذه الصورة- أيضا.

(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 154.

(3) م و أ و س: الحسيني.

(4) آل عمران/ 128.

(5) جوامع الجامع/ 350.

(6) أنوار التنزيل 2/ 204.

126

و قيل: المراد بلقاء اللَّه: الوصول إلى ثوابه. أو إلى العاقبة من الموت [و البعث‏] (1) و الحساب و الجزاء. على تمثيل حاله، بحال عبد قدم على سيّده بعد زمان مديد و قد اطّلع السّيّد على أحواله. فإمّا أن يلقاه ببشر لما رضي من أفعاله، أو يسخط [لما سخط] (2) منها.

فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ‏: فإنّ الوقت المضروب للقائه.

لَآتٍ‏: لجاء. و إذا كان وقت اللّقاء آتيا، كان كائنا لا محالة. فليبادر ما يحقّق أمله و يصدق رجاءه. أو ما يستوجب به القربة و الرّضا.

و في كتاب التّوحيد (3)، حديث طويل عن عليّ- (عليه السلام)- يقول فيه، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات و قوله: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ‏، يعني بقوله: من كان يؤمن بأنّه مبعوث، فإنّه وعد اللَّه لآت من الثّواب و العقاب. فاللّقاء هاهنا ليس بالرّؤية. و اللّقاء: هو البعث. فافهم جميع ما في كتاب اللَّه عن لقائه، فإنّه يعني بذلك:

البعث.

وَ هُوَ السَّمِيعُ‏: لأقوال العباد.

الْعَلِيمُ‏ (5): بعقائدهم و أفعالهم.

وَ مَنْ جاهَدَ: نفسه بالصّبر على مضض الطّاعة، و الكفّ عن الشّهوات.

فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ‏: لأنّ منفعته لها.

إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏ (6): فلا حاجة به إلى طاعتهم. و إنّما كلّف عباده، رحمة عليهم، و مراعاة لصلاحهم.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى [، عن محمّد] (5) بن زكريّا، عن أيّوب بن سليمان، عن محمّد بن مروان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: قوله- عزّ و جلّ-: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ‏. نزلت في عتبة و شيبة و الوليد بن عتبة و هم الّذين بارزوا عليّا و حمزة و عبيدة. و نزلت فيهم‏ مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* وَ مَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ‏ قال في عليّ و صاحبيه. (6)

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) التوحيد/ 267.

(4) تأويل الآيات الباهرة/ 154.

(5) ليس في المصدر.

(6) م و المصدر: صاحبه.

127

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ‏: الكفر بالإيمان و المعاصي بما يتبعها من الطّاعات.

وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (7): أي: أحسن جزاء أعمالهم.

وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً: بإتيانه فعلا ذا حسن. أو كأنّه حسن لفرط حسنه.

و «وصّى» يجري مجرى أمر، معنى و تصرّفا.

و قيل: (1) هو بمعنى: قال، أي: و قلنا له: أحسن بوالديك حسنا.

و قيل‏ (2): [: «حسنا»] (3) منتصب بفعل مضمر. على تقدير قول مفسّر للتّوصية، أي:

قلنا: أولهما. أو: افعل بهما حسنا. و هو أوفق لما بعده. و عليه يحسن الوقف على «بوالديه».

و قرئ: حسنا. أو إحسانا (4).

وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏: بإلهيّته. عبّر عن نفيها بنفي العلم بها، إشعارا بأنّ ما لا يعلم صحّته لا يجوز اتّباعه و إن لم يعلم بطلانه، فضلا عمّا علم بطلانه.

فَلا تُطِعْهُما: في ذلك. فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. و لا بدّ من إضمار القول إن لم يضمر قبل.

إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ‏: مرجع من آمن منكم و من أشرك. و من برّ بوالديه و من عقّ.

فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (8): بالجزاء عليه.

و الآية قيل‏ (5): نزلت في سعد بن أبي وقّاص و أمّه حمنة. فإنّها لمّا سمعت بإسلامه، خلفت أن لا تنتقل من الضّحّ‏ (6) و لا تطعم و لا تشرب حتّى يرتدّ. و لبثت ثلاثة أيّام كذلك.

و كذا الّتي في لقمان و الأحقاف.

و

قيل‏ (7): نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة المخزوميّ. و ذلك أنّه أسلم، فخاف أهل‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 204.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر 2/ 205.

(6) الضّحّ: الشّمس، أو ضوؤها إذا استمكن من الأرض.

(7) مجمع البيان 4/ 273- 274.

128

بيته. فهاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فحلفت أمّه أسماء بنت مخزمة بن أبي جندل التّميميّ، أن لا تأكل و لا تشرب و لا تغسل رأسها و لا تدخل كنّا حتّى يرجع إليها. فلمّا رأى ابناها أبو جهل و الحرث ابنا هشام- و هما أخوا عيّاش لأمّه- جزعها ركبا في طلبه حتّى أتيا المدينة. فلقياه و ذكرا له القصّة. فلم يزالا به حتّى أخذ عليهما [العهود و] (1) المواثيق، أن لا يصرفاه عن دينه و تبعهما. و قد كانت صبرت أمّه ثلاثة أيّام ثمّ أكلت و شربت. فلمّا خرجا من المدينة أخذاه و أوثقاه [كتافا.] (2) و جلده كلّ واحد منهما مائة جلدة، حتّى بري‏ء من دين محمّد جزعا من الضّرب و قال ما لا ينبغي. فنزلت الآية. و كان الحرث أشدّهما عليه، فحلف عيّاش لئن قدر عليه خارجا من الحرم ليضربنّ عنقه. فلمّا رجعوا إلى مكّة مكثوا حينا. ثمّ هاجر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و المؤمنون إلى المدينة.

و هاجر عيّاش و حسن إسلامه. و أسلم الحرث بن هشام، و هاجر إلى المدينة، و بايع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- على الإسلام و لم يحضر عيّاش. فلقيه عيّاش يوما بظهر قباء- و لم يشعر بإسلامه- فضرب عنقه. فقيل له: إنّ الرّجل قد أسلم. فاسترجع عيّاش و بكى. ثمّ أتى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أخبره بذلك. فنزل‏ وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً (3) (الآية).

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ‏ (9): في جملتهم. و الكمال في الصّلاح منتهى درجات المؤمنين، و متمنّى أنبياء اللَّه المرسلين. أو في مدخلهم، و هي الجنّة.

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ‏: عذّبهم الكفرة على الإيمان.

جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ‏: ما يصيبهم من أذيّتهم في الصّرف عن الإيمان.

كَعَذابِ اللَّهِ‏: في الصّرف عن الكفر.

وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ‏: فتح و غنيمة.

لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ‏: في الدّين فأشركونا فيه.

و المراد: المنافقون. أو قوم ضعف إيمانهم، فارتدّوا من أذى المشركين. و يؤيّد

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) من المصدر.

(3) النساء/ 92.

129

الأوّل. أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ‏ (10): من الإخلاص و النّفاق.

وَ لَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا: بقلوبهم.

وَ لَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ‏ (11): فيجازي الفريقين.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا: الّذي نسلك في ديننا.

وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ‏: [إن كان ذلك خطيئة. أو إن كان بعث و مؤاخذة. و إنّما أمروا أنفسهم بالحمل عاطفين على أمرهم بالاتّباع،] (1) مبالغة في تعليق الحمل بالاتّباع و الوعد بتخفيف الأوزار عنهم إن كانت تشجيعا لهم عليه. و بهذا الاعتبار ردّ عليهم و كذّبهم بقوله: وَ ما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏ (12):

«من» الأولى للتّبيين. و الثّانية مزيدة. و التّقدير: و ما هم بحاملين شيئا من خطاياهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ‏ قال: من أحبّ لقاء اللَّه جاءه الأجل‏ وَ مَنْ جاهَدَ [آمال‏] (3) نفسه عن اللّذّات و الشّهوات و المعاصي‏ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏. [و قوله:] (4) وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً قال: هما اللّذان ولداه.

و أمّا قوله- عزّ و جلّ- وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ‏ قال: إذا آذاه إنسان أو أصابه ضرّ أو فاقة أو خوف من الظّالمين، دخل‏ (5) معهم في دينهم. فرأى أنّ ما يفعلونه هو مثل عذاب اللَّه الّذي لا ينقطع‏ وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ‏، يعني: القائم- (صلوات اللّه عليه)- لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ‏. و قوله- عزّ و جلّ-: وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ‏ قال: كان الكفّار يقولون للمؤمنين: كونوا معنا. فإنّ الّذي تخافون أنتم ليس بشي‏ء فإن كان حقّا نتحمّل نحن ذنوبكم. فيعذّبهم اللَّه- عزّ و جلّ- مرّتين، مرّة (6) بذنوبهم [و مرّة بذنوب غيرهم.

وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ‏: أثقال ما اقترفته أنفسهم.

____________

(1) ليس في أ.

(2) تفسير القمي 2/ 148- 149.

3 و 4- من المصدر.

(5) المصدر: ليدخل.

(6) ليس في المصدر.

130

وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ‏: و أثقالا أخر معها. لما تسبّبوا] (1) له بالإضلال، و الحمل على المعاصي. من غير أن ينقص من أثقال من يتبعهم شي‏ء.

وَ لَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ: سؤال تقريع و تبكيت.

عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ‏ (13): من الأباطيل.

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً: بعد المبعث.

قيل‏ (2): إنّه بعث على رأس الأربعين. و دعا قومه تسعمائة و خمسين و عاش بعد الطّوفان ستّين‏ (3).

و إنّ المقصود من القصّة تسلية رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و تثبيته على ما يكابده من الكفرة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حديث طويل في مكالمة بينه و بين اليهود. و فيه قال لهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لقد أقام نوح في قومه و دعاهم ألف سنة إلّا خمسين عاما. ثمّ وصفهم اللَّه- تعالى- فقلّلهم، فقال‏ (5): وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏ و لقد تبعني في سنيّ القليلة و عمري اليسير ما لم يتبع‏ (6) نوحا في طول عمره و كبر سنّه.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (7)، بإسناده إلى محمّد بن الفضيل‏ (8)، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)‏- فمكث نوح- (عليه السلام)- [في قومه‏] (9) ألف سنة إلّا خمسين عاما لم يشاركه في نبوّته أحد.

و في روضة الكافي‏ (10) بإسناده إلى أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- مثله.

____________

(1) ليس في أ.

(2) أنوار التنزيل 2/ 205- 206.

(3) هكذا في ن. و في سائر النسخ: سنتين.

(4) الاحتجاج 1/ 57.

(5) هود/ 40.

(6) المصدر: ما لم تتبع.

(7) كمال الدين و تمام النعمة/ 215. و أوّل الحديث في ص 213.

(8) م و أ و س و ن: محمد بن الفضل.

(9) من المصدر.

(10) الكافي 8/ 115، ضمن حديث 92.

131

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، (1) عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لبث فيهم نوح ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم سرّا و علانية. فلمّا أبوا و عتوا قال: ربّ: (2) أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في عيون الأخبار (3)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ و ما سأله عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة حديث طويل. و فيه: و سأله عن اسم نوح ما كان؟

فقال: اسمه السّكن. و إنّما سمّي نوحا، لأنّه ناح على قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما.

و في كتاب علل الشّرائع، (4) بإسناده إلى أحمد بن الحسن الميثميّ، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان اسم نوح- (عليه السلام)- عبد الغفّار. و إنّما سمّي نوحا، لأنّه كان ينوح على نفسه.

و بإسناده إلى سعيد بن جناح‏ (5): عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: اسم نوح عبد الملك. و إنّما سمّي نوحا، لأنّه بكى خمسمائة عام.

و بإسناده إلى محمّد بن أورقة (6): عمّن ذكره، عن سعيد بن جناح، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: اسم نوح عبد الملك. و إنّما سمّي نوحا، لأنّه بكى خمسمائة عام.

و بإسناده إلى محمّد بن أورقة (7)): عمّن ذكره، عن سعيد بن جناح، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان اسم نوح عبد الأعلى. و إنّما سمّي نوحا، لأنّه بكى خمسمائة عام.

و اختلاف الأخبار في اسم نوح- (عليه السلام)- محمول على تعدّد اسمه.

و لا اختلاف في معنى بكائه. لأنّه يمكن اجتماع جميع معانيه.

فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ‏: طوفان الماء. و هو لمّا طاف بكثرة، من سيل أو ظلام أو نحوهما.

____________

(1) نفس المصدر 8/ 283، ضمن حديث 424.

(2) القمر/ 10.

(3) عيون الأخبار 1/ 244.

(4) علل الشرائع/ 28، ح 1.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 2. و في النسخ:

«سعد بن جناج.» ر. تنقيح المقال 2/ 26، رقم 4820.

6، 7 نفس المصدر و الموضع، ح 3.

132

وَ هُمْ ظالِمُونَ‏ (14): بالكفر.

فَأَنْجَيْناهُ‏، أي: نوحا.

وَ أَصْحابَ السَّفِينَةِ: و من أركب معه من أولاده و أتباعه.

قيل‏ (1): كانوا ثمانين. و قيل: ثمانية و سبعين. و قيل: عشرة، نصفهم ذكور و نصفهم إناث.

وَ جَعَلْناها، أي: السّفينة. أو الحادثة.

آيَةً لِلْعالَمِينَ‏ (15): يتّعظون، و يستدلّون بها.

وَ إِبْراهِيمَ‏: عطف على «نوحا». أو نصب بإضمار «اذكر» (2).

و قرئ، بالرّفع على تقدير: من المرسلين إبراهيم. (3) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ‏: ظرف «لأرسلنا»، أي: أرسلناه حين كمل عقله و تمّ نظره، بحيث عرف الحقّ و أمر النّاس به. أو بدل منه بدل الاشتمال، إن قدّر «باذكر».

وَ اتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ‏: مما أنتم عليه.

إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ (16): الخير و الشّرّ، و تميّزون ما هو خير ممّا هو شرّ. أو كنتم تنظرون في الأمور بنظر العلم، دون نظر الجهل.

إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً: و تكذبون كذبا في تسميتها آلهة، و ادّعاء شفاعتها عند اللَّه. أو تعملونها و تنحتونها للإفك. و هو استدلال على شرارة ما هم عليه، من حيث أنّه زور و باطل.

و قرئ «تخلقون» من خلق للتّكثير. «و تخلقون» من تخلّق للتّكلّف. «و إفكاً» على أنّه مصدر كالكذب. أو نعت بمعنى: ذا إفك‏ (4).

إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً: دليل ثان على شرارة ذلك، من حيث أنّه لا يجدي بطائل.

و «رزقا» يحتمل المصدر. بمعنى: لا يستطيعون أن يرزقوكم، و أن يراد المرزوق.

و تنكيره، للتّعميم.

فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ‏: كلّه. فإنّه المالك.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 206.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

133

وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ‏: متوسّلين إلى مطالبكم بعبادته، مقيّدين لما حفّكم من لنّعم بشكره. أو مستعدّين للقائه بهما. فإنّه‏ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ (17):

و قرئ، بفتح التّاء (1) وَ إِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ‏: من قبلي من الرّسل فلم يضرّهم‏ (2) تكذيبهم. إنّما ضرّ أنفسهم، حيث تسبّب لما حلّ بهم من العذاب. فكذا تكذيبكم.

وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ‏ (18): الّذي زال معه الشّكّ، و ما عليه أن يصدّق و لا يكذّب.

فالآية و ما بعدها من جملة قصّة إبراهيم إلى قوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ‏ و يحتمل أن يكون اعتراضا بذكر شأن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و قريش و هدم مذهبهم و الوعيد على سوء صنيعهم، توسّط بين طرفي قصّته. من حيث أنّ مساقها تسلية رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و تنفيس عنه. بأنّ أباه خليل اللَّه كان ممنوّا بنحو ما مني به من شرك القوم و تكذيبهم. و تشبيه حاله فيهم بحال إبراهيم في قومه.

أَ وَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ‏: من مادة و غيرها.

و قرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر، بالتّاء على تقدير القول‏ (3).

و قرئ، يبدأ (4) ثُمَّ يُعِيدُهُ‏: إخبار بالإعادة بعد الموت. معطوف على «أو لم يروا» لا على «يبدئ» فإنّ الرّؤية غير واقعة عليه.

و يجوز أن تؤوّل الإعادة بأن ينشئ في كلّ سنة مثل ما كان في السّنّة السّابقة من النّبات و الثّمار و نحوهما. و يعطف عليه‏ إِنَّ ذلِكَ‏: الإشارة إلى الإعادة. أو إلى ما ذكر من الأمرين.

عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19): إذ لا يفتقر في فعله إلى شي‏ء.

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏: حكاية كلام اللَّه لإبراهيم. أو محمّد- صلّى اللَّه عليهما-.

فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ‏: على اختلاف الأجناس و الأحوال.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) هكذا في ن. و في سائر النسخ: فلا يضرّهم.

(3) نفس المصدر 2/ 207.

(4) نفس المصدر و الموضع.

134

ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ: بعد النّشأة الأولى، الّتي هي الإبداء. فإنّه و الإعادة نشأتان، من حيث أنّ كلّا اختراع و إخراج من العدم. و الإفصاح باسم «اللَّه» مع إيقاعه مبتدأ، بعد إضماره في «بدأ» و القياس، الاقتصاد عليه. للدّلالة على أنّ المقصود بيان الإعادة. و أنّ من عرف بالقدرة على الإبداء، ينبغي أن يحكم له بالقدرة عليها. لأنّها أهون.

و الكلام في العطف ما مرّ.

و قرئ: «النّشاءة»، كالرّآفة. (1) إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (20): لأنّ قدرته لذاته. و نسبة ذاته إلى كلّ الممكنات على سواء. فيقدر على النشأة الأخرى، كما قدر على النّشأة الأولى.

يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ: تعذيبه.

وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ رحمته.

وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ‏ (21): تردّون.

وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ‏: ربّكم عن إدراككم.

فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ: إن فررتم من قضائه، بالتّواري في الأرض و الهبوط في مهاويها و التّحصّن في السّماء و القلاع الذاهبة فيها.

و قيل‏ (1): و لا من في السّماء. كقول حسّان: (2)

أمن يهجو رسول اللَّه منكم‏* * * و يمدحه و ينصره سواء

وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (22): يحرسكم عن بلاء يظهر من الأرض، أو ينزل من السّماء و يدفعه عنكم.

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ‏: بدلائل وحدانيّته أو بكتبه.

وَ لِقائِهِ‏: بالبعث.

أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي‏، أي: يئسوا منها يوم القيامة. فعبّر عنه بالماضي، للتّحقيق و المبالغة. أو أيسوا في الدّنيا لإنكار البعث و الجزاء.

وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (23): بكفرهم.

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ‏: قوم إبراهيم له.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 207.

(2) نفس المصدر و الموضع.

135

و قرئ، بالرّفع على أنّه الاسم. و الخبر إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ‏: (1) كان ذلك قول بعضهم. لكن لمّا قيل فيهم و رضى به الباقون، أسند إلى كلّهم.

فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ، أي: قذفوه في النّار، فأنجاه منها. بأن جعلها عليه بردا و سلاما.

إِنَّ فِي ذلِكَ‏: في إنجائه منها.

لَآياتٍ‏: هي حفظه من أذى النّار، و إخمادها مع عظمها في زمان يسير، و إنشاء روض مكانها.

لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ (24): لأنّهم المنتفعون بالفحص عنها و التّأمل.

وَ قالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:

لتتوادّوا بينكم و تتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها.

و ثاني مفعولي «اتّخذتم» محذوف. و يجوز أن يكون «مودّة» المفعول الثّاني، بتقدير مضاف. أو بتأويلها بالمودودة، أي: اتّخذتم أوثانا سبب المودّة بينكم.

و قرأها نافع و ابن عامر و أبو بكر، منوّنة ناصبة «بينكم» و الوجه ما سبق. و ابن كثير و أبو عمرو و الكسائي و رويس، مرفوعة مضافة. على أنّها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي مودودة. أو سبب [مودّة بينكم. و الجملة صفة «أوثانا». أو خبر «إنّ» على أنّ «ما» مصدرية، أو موصولة. و العائد محذوف. و هو المفعول الأوّل. (2) و قرئت، مرفوعة منوّنة و مضافة بفتح «بينكم». كما قرئ: «لقد تقطّع بينكم».

و قرئ: «إنّما مودّة (3) بينكم».] (4) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، أي:

يقوم التّناكر و التّلاعن بينكم. أو بينكم و بين الأوثان، على تغليب المخاطبين. كقوله‏ (5):

وَ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، (7) عن أبي عمر و الزّبيريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: و الوجه الخامس من‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) ليس في ن.

(5) مريم/ 82.

(6) الكافي 1/ 390 و 391.

(7) المصدر: «القاسم بن يزيد» ر. تنقيح المقال‏

136

الكفر، كفر البراءة. وَ قالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، يعني: يتبرّأ بعضكم من بعض.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في روضة الكافي‏ (1): يحيى الحلبيّ، عن ابن مسكان، عن مالك الجهنّي قال: قال لي أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- يا مالك، إنّه ليس من قوم ائتمّوا بإمام في الدّنيا، إلّا جاء يوم القيامة يلعنهم و يلعنونه. إلّا أنتم و من كان على مثل حالكم.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب التّوحيد (2)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)‏- و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: و أمّا قوله‏ (3): يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً. و قوله‏ (4): وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ‏. و قوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً (5) و قوله:

إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ و قوله‏ (6): لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ و قوله‏ (7): الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏. فانّ ذلك في مواطن غير واحد، من مواطن ذلك اليوم الّذي كان مقداره خمسين ألف سنة. يجمع اللَّه الخلائق يومئذ في مواطن يتفرّقون، و يكلّم بعضهم بعضا، و يستغفر بعضهم لبعض.

أولئك الّذين كان منهم الطّاعة في دار الدّنيا، الرّؤساء (8) و الأتباع. و يلعن أهل المعاصي الّذين بدت منهم البغضاء و تعاونوا على الظّلم و العدوان في دار الدّنيا، المستكبرين و المستضعفين. يكفر بعضهم ببعض، و يلعن بعضهم بعضا. و الكفر في هذه الآية: البراءة.

يقول: فيبرأ بعضهم من بعض. و نظيرها في سورة إبراهيم قول الشّيطان‏ (9): إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ‏ و قول إبراهيم خليل الرّحمن‏ (10): كَفَرْنا بِكُمْ‏، أي: تبّرأنا.

____________

2/ 18، رقم 9555.

(1) نفس المصدر 8/ 146، ضمن حديث 122.

(2) التوحيد/ 260.

(3) النبأ/ 38.

(4) الأنعام/ 23.

(5) ص/ 64.

(6) ق/ 28.

(7) يس/ 65.

(8) المصدر: للرؤساء.

(9) ابراهيم/ 22.

(10) الممتحنة/ 4.

137

و في محاسن البرقي‏ (1): عنه، عن أبيه عن حمزة بن عبد اللَّه، عن جميل بن درّاج، عن مالك بن أعين، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- يا مالك، أما ترضون أن يأتي كلّ قوم يلعن بعضهم بعضا إلّا أنتم و من قال بمقالتكم‏ (2).

وَ مَأْواكُمُ النَّارُ وَ ما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ‏ (25): يخلّصونكم منها.

فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ: هو ابن أخته، و أوّل من آمن به.

و قيل‏ (3): إنّه آمن به حين رأى النّار لم تحرقه.

وَ قالَ إِنِّي مُهاجِرٌ: من قومي.

إِلى‏ رَبِّي‏: إلى حيث يأمرني ربّي.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة، (4) بإسناده إلى محمّد بن الفضل، عن أبي حمزة الثّمالي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- (عليهما السلام)- حديث طويل. يقول في آخره- (عليه السلام)‏- و إنّ الأنبياء بعثوا خاصّة و عامّة. أمّا إبراهيم نبوّته بكوثى [ربّا.] (5) و هي قرية من قرى السّواد فيها بدأ أوّل أمره، ثمّ هاجر منها و ليست بهجرة. فقال‏ (6): و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إني مهاجر إلى ربي سيهدين. (7) و كانت هجرة إبراهيم بغير قتال.

و أمّا إسحاق فكانت نبوّته بعد إبراهيم. و أمّا يعقوب فكانت نبوّته بأرض كنعان، ثمّ هبط إلى مصر فتوفّي فيها.

و في أصول الكافي‏ (8): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن هشام [بن سالم‏] (9) و درست بن أبي منصور، عنه قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- الأنبياء و المرسلون على أربع طبقات: فنبيّ منبّأ في نفسه لا يعدو غيرها. و نبيّ يرى في النّوم و يسمع الصّوت و لا يعاينه في اليقظة، و لم يبعث إلى أحد، و عليه إمام مثل ما كان إبراهيم على لوط- (عليهما السلام)

- و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) المحاسن/ 144، ح 43.

(2) المصدر: بقولكم.

(3) أنوار التنزيل 2/ 208.

(4) كمال الدين و تمام النعمة/ 219 و 220.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: قتال.

(7) هكذا في النسخ و المصدر. و الحق ما قال محقق المصدر في هامشه: سهو من المؤلف او الراوي. و في المصحف «إنى ذاهب» أو بدون «سيهدين».

(8) الكافي 1/ 174- 175، صدر حديث 1.

(9) من المصدر.

138

و في روضة الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخيّ قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: كانت أمّ إبراهيم و أمّ لوط- (عليهما السلام)- سادة (2) و ورقة- و في نسخة رقيّة- أختين. و هما ابنتان للاحج. و كان اللاحج نبيّا منذرا، و لم يكن رسولا

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ: الّذي يمنعني عن أعدائي.

الْحَكِيمُ‏ (26): الّذي لا يأمرني إلّا بما فيه صلاحي.

روي‏ (3): أنّه هاجر من كوثى من سواد الكوفة مع لوط و امرأته سارة ابنة عمّه إلى حرّان ثمّ منها إلى الشّأم. فنزل فلسطين، و نزل لوط سدوم.

وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ‏: ولدا و نافلة، حين أيس عن الولادة من عجوز عاقر. و لذلك لم يذكر إسماعيل.

وَ جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ: فكثر منهم الأنبياء.

وَ الْكِتابَ‏: يريد به الجنس، ليتناول الكتب الأربعة.

وَ آتَيْناهُ أَجْرَهُ‏: على هجرته إلينا.

فِي الدُّنْيا: بإعطاء الولد في غير أوانه، و الذّرّيّة الطّيّبة، و استمرار النّبوّة فيهم، و انتماء أهل الملل إليه، و الثّناء و الصّلاة عليه إلى آخر الدّهر.

وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏ (27): لفي عداد الكاملين في الصّلاح.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (4) بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: اعلموا (5) يا عباد اللَّه، أنّ المؤمن من يعمل لثلاث من الثّواب: إمّا الخير، فإنّ اللَّه يثيبه بعمله في دنياه. قال- سبحانه- لإبراهيم: وَ آتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏. فمن عمل للَّه- تعالى- أعطاه أجره في الدّنيا و الآخرة و كفاه الهمّ فيهما.

وَ لُوطاً: عطف على «إبراهيم». أو على ما عطف عليه.

____________

(1) نفس المصدر 8/ 370، ضمن حديث 560.

(2) المصدر: سارة.

(3) أنوار التنزيل 2/ 208.

(4) أمالي الطوسي 1/ 25.

(5) هكذا في ن، و م. و في سائر النسخ: اعملوا.

139

إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ: الفعلة البالغة في القبح.

ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ‏ (28): استئناف مقرّر لفاحشتها. من حيث أنّها ممّا اشمأزّت منه الطّباع، و تحاشت عنه النّفوس حتّى أقدموا عليها لخبث طينتهم.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى أبي بصير، عن أحدهما- (عليهما السلام)‏- في قول لوط: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ‏.

فقال: إنّ إبليس أتاهم في صورة حسنة، فيه تأنيث، عليه ثياب حسنة. فجاء إلى شبان منهم، فأمرهم أن يقعوا به. و لو طلب إليهم أن يقع بهم لأبوا عليه، لكن طلب إليهم أن يقعوا به. فلما وقعوا به التذّوه. ثمّ ذهب عنهم و تركهم، فأحال بعضهم على بعض.

و في الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أحدهما- (عليهما السلام)- مثله.

أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَ تَقْطَعُونَ السَّبِيلَ‏: و تتعرّضون للسّابلة بالقتل و أخذ المال. أو بالفاحشة، حتّى انقطعت الطّرق. أو تقطعون سبيل النّسل، بالإعراض عن الحرث و إتيان ما ليس بحرث.

وَ تَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ‏: في مجالسكم الغاصّة. و لا يقال: النّادي، إلّا لما فيه أهله.

الْمُنْكَرَ: كالجماع، و الضّراط، و حلّ الإزار، و غيرها من القبائح عدم مبالاة بها.

و قيل‏ (3): الخذف و رمي البنادق.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): «و قوله- جلّ ذكره-: وَ تَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قال: هم قوم لوط. [كان يضرّط بعضهم على بعض‏] (5).

و في عوالي اللّئالي‏ (6): و روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏- أنّه رأى رجلا يخذف بحصاة في المسجد، فقال- (عليه السلام)-: ما زالت تلعنه حتّى وقعت. ثمّ قال:

الخذف في النّادي من أخلاق قوم لوط. ثمّ تلا قوله- تعالى- وَ تَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ

____________

(1) علل الشرائع/ 548، ح 3.

(2) الكافي 5/ 544، ح 4.

(3) أنوار التنزيل 2/ 209.

(4) تفسير القمي 2/ 150.

(5) ليس في المصدر.

(6) عوالي اللئالي 1/ 327، ح 72.

140

قال: هو الخذف.

و في مجمع البيان‏ (1): وَ تَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قيل: فيه وجوه: أحدهما، هو أنّهم كانوا يتضارطون في مجالسهم من غير حشمة و لا حياء. عن ابن عبّاس و روي ذلك عن الرّضا- (عليه السلام)-.

و في جوامع الجامع‏ (2): و في الحديث: من ألقى جلباب الحياء، فلا غيبة له.

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29): في استقباح ذلك. أو في دعوة النّبوّة، المفهومة من التّوبيخ.

قالَ رَبِّ انْصُرْنِي‏: بإنزال العذاب.

عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30): بابتداع الفاحشة، و سنّها فيمن بعدهم.

وصفهم بذلك، مبالغة في استنزال العقاب، و إشعارا بانّهم أحقّاء بأن يعجّل لهم العذاب.

وَ لَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى‏: بالبشارة بالولد و النّافلة.

قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ: قرية سدوم. و الإضافة لفظيّة، لأنّ المعنى على الاستقبال.

إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (31): تعليل لإهلاكهم. بإصرارهم و تماديهم في ظلمهم، الّذي هو الكفر و أنواع المعاصي.

قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً: اعتراض عليهم، بأنّ فيها من لم يظلم. أو معارضة للموجب بالمانع، و هو كون النّبيّ بين أظهرهم.

قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ‏: تسليم، لقوله. مع ادّعاء مزيد العلم به، و أنّهم ما كانوا غافلين عنه. و جواب عنه بتخصيص الأهل بمن عداه.

إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (32): الباقين في العذاب. أو القرية.

و في الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن داود بن فرقد، عن أبي يزيد الحمّاد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- بعث أربعة أملاك في إهلاك قوم لوط: جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل و كروبيل. فمرّوا بإبراهيم- (عليه السلام)- و هم معتمّون، فسلّموا عليه. فلم يعرفهم و رأى هيئة حسنة، فقال: لا يخدم هؤلاء إلّا أنا

____________

(1) مجمع البيان 4/ 280.

(2) جوامع الجامع/ 353.

(3) الكافي 5/ 546- 547، صدر حديث 6.

141

بنفسي. و كان صاحب ضيافة. فشوى لهم عجلا سمينا حتّى أنضجه، ثمّ قرّبه إليهم. فلمّا وضعه بين أيديهم، رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم و أوجس منهم خيفة. فلمّا رأى ذلك جبرائيل- (عليه السلام)- حسر العمامة عن وجهه. فعرفه إبراهيم- (عليه السلام)- فقال:

أنت هو؟

فقال: نعم و مرّت سارة امرأته‏ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ‏ (1).

فقالت ما قال اللّه- عزّ و جلّ- فأجابوها بما في الكتاب.

فقال لهم إبراهيم: لما ذا جئتم؟

قالوا: في إهلاك قوم لوط.

فقال لهم: إن كان فيها مائة من المؤمنين أ تهلكونهم؟

فقال جبرائيل- (عليه السلام)-: لا.

قال- (عليه السلام)- فإن كان فيها خمسون؟

قال: لا.

[قال: فإن كان فيها ثلاثون؟

قال: لا.] (2) قال: فإن كان فيها عشرون؟

قال: لا.

قال: كان فيها عشرة؟

قال: لا.

قال: فإن كان فيها خمسة؟

قال: لا.

قال: فإن كان فيها واحد؟

قال: لا قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ‏ قال الحسن بن عليّ: لا أعلم هذا القول إلّا و هو يستبقيهم‏ (3). و هو قول اللّه- عزّ و جلّ- (4): يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ.

____________

(1) هود/ 71.

(2) من ن و المصدر.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: يستفهم.

(4) هود/ 74.

142

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- سأل جبرائيل: كيف كان مهلك قوم لوط؟

فقال: إنّ قوم لوط كانوا أهل قرية لا يتنظّفون من الغائط، و لا يتطهّرون من الجنابة، بخلاء أشحّاء على الطّعام. و إنّ لوطا لبث فيهم ثلاثين سنة. و إنّما كان نازلا عليهم، و لم يكن منهم. و لا عشيرة له [فيهم ثلاثين سنة] (2) و لا قوم. و إنّه دعاهم إلى اللّه- عزّ و جلّ- و إلى الإيمان و اتّباعه، و نهاهم عن الفواحش، و حثّهم على طاعة اللّه، فلم يجيبوه و لم يطيعوه. و إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لمّا أراد عذابهم، بعث إليهم رسلا منذرين عذرا نذرا. فلمّا عتوا عن أمره، بعث إليهم ملائكة ليخرجوا من كان في قريتهم من المؤمنين. فما وجدوا فيها غير بيت من المسلمين، فأخرجوهم‏ (3) منها. و قالوا للوط فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ‏ من هذه القرية اللّيلة بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ‏ (4) أَحَدٌ وَ امْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ‏ (5).

فلمّا انتصف اللّيل، سار لوط ببناته. و تولّت امرأته مدبرة، فانقطعت إلى قومها تسعى بلوط و تخبرهم أنّ لوطا قد سار ببناته. و إنّي نوديت من تلقاء العرش لمّا طلع الفجر:

يا جبرائيل، حقّ القول من اللّه بختم‏ (6) عذاب قوم لوط. فاهبط إلى قرية قوم لوط و ما حوت، فاقلبها (7) من تحت سبع أرضين. ثمّ اعرج بها إلى السّماء، فأوقفها حتّى يأتيك أمر الجبّار في قلبها. و دع منها آية بيّنة من منزل لوط، عبرة للسّيّارة. فهبطت على أهل القرية الظّالمين.

فضربت بجناحي الأيمن على ما حوى عليها شرقها (8) و ضربت بجناحي الأيسر على ما حوى عليه غربها (9). فاقتلعتها- يا محمّد- من تحت سبع أرضين، إلّا منزل لوط آية للسّيّارة. ثمّ عرجت بها في خوافي جناحي، حتّى أوقفتها حيث يسمع أهل السّماء زقاء ديوكها و نباح كلابها. فلمّا طلعت الشّمس نوديت من تلقاء العرش: يا جبرائيل، اقلب القرية على القوم فقلبتها عليهم، حتّى صار أسفلها أعلاها. و أمطر اللّه عليهم‏ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ‏

____________

(1) علل الشرائع/ 550- 551، ح 5. و له ذيل.

(2) ليس في المصدر. و الظاهر أنها زائدة.

(3) المصدر: فأخرجهم.

(4) هود/ 81.

(5) الجحر/ 65.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: تحتم.

(7) المصدر: فاقلعها.

(8) المصدر: شرقيها.

(9) المصدر: غربيها.

143

مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ‏ من أمّتك‏ بِبَعِيدٍ (1).

وَ لَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِي‏ءَ بِهِمْ‏: جاءته المساءة و الغمّ بسببهم. مخافة أن يقصدهم قومه بسوء.

و «أن» صلة. لتأكيد الفعلين و اتّصالهما.

وَ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً: و ضاق بشأنهم و تدبير أمرهم ذرعه، أي: طاقته. كقوله:

ضاقت يده. و بإزائه رحب ذرعه بكذا: إذا كان مطيقا له. و ذلك، لأنّ طويل الذّراع ينال ما لا يناله قصير الذّراع.

وَ قالُوا: لمّا رأوا فيه أثر الضّجرة.

لا تَخَفْ وَ لا تَحْزَنْ‏: على تمكّنهم منّا.

إِنَّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (33):

و قرأ ابن كثير و حمزة و الكسائيّ و يعقوب: «لنجينّه، و منجوك» بالتّخفيف.

و وافقهم أبو بكر في الثّاني. و موضع «الكاف» على المختار الجرّ. و نصب «أهلك» بإضمار فعل. أو بالعطف على محلّها، باعتبار الأصل‏ (2).

إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى‏ أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ: عذابا منها. سمّي بذلك، لأنّه يقلق المعذّب. من قولهم: ارتجز: إذا ارتجس، أي: اضطرب.

و قرأ ابن عامر: «منزّلون» بالتّشديد (3).

بِما كانُوا يَفْسُقُونَ‏ (34): بسبب فسقهم.

وَ لَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً:

قيل‏ (4): هي حكايتها الشّائعة. أو آثار الدّيار الخربة.

و قيل: الحجارة الممطورة. فإنّها كانت باقية بعد.

و قيل: بقيّة أنهارها المسودّة.

لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35): يستعملون عقولهم في الاستبصار و الاعتبار. و هو متعلّق «بتركنا». أو «آية». أو «بيّنة».

وَ إِلى‏ مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ:

____________

(1) هود/ 82- 83.

(2) أنوار التنزيل 2/ 209.

(3) نفس الموضع و المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

144

و افعلوا ما ترجون ثوابه. فأقيم المسبّب مقام السّبب.

و قيل‏ (1): إنّه من الرّجاء، بمعنى: الخوف.

وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ:

الزّلزلة الشّديدة.

و قيل‏ (2): صيحة جبرائيل، لأنّ القلوب ترجف لها.

فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ‏: في بلدهم أو دورهم. و لم يجمع، لأمن اللّبس.

جاثِمِينَ (37): باركين على الرّكب، ميّتين.

وَ عاداً وَ ثَمُودَ: منصوبان بإضمار «اذكر». أو فعل دلّ عليه ما قبله، مثل:

أهلكنا.

و قرأ حمزة و حفص و يعقوب: «و ثمود» غير مصروف. على تأويل القبيلة.

وَ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ‏، أي: تبيّن لكم بعض مساكنهم. أو إهلاكهم من جهة مساكنهم، إذا نظرتم إليها عند مروركم بها.

وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ‏: من الكفر و المعاصي.

فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ‏: السّويّ. الّذي بيّن الرّسل لهم.

وَ كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38): متمكّنين من النّظر و الاستبصار، و لكنّهم لم يفعلوا.

أو متبيّنين أنّ العذاب لاحق بهم بإخبار الرّسل لهم، و لكنّهم لجّوا حتّى هلكوا.

و في مصباح الشّريعة: (3) قال الصّادق- (عليه السلام)‏- بعد أن ذكر الشّيطان:

و لا يغرّنّك تزيينه الطّاعات عليك. فإنّه يفتح لك تسعة و تسعين بابا من الخير، ليظفر بك عند تمام المائة. فقابله بالخلاف، و الصّدّ عن سبيله، و المضادّة باستهوائه‏ (4).

وَ قارُونَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ‏: معطوفون على «عادا». و تقديم قارون، لشرف نسبه.

وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى‏ بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ما كانُوا سابِقِينَ‏ (39): فائتين. بل أدركهم أمر اللّه. من سبق طالبه: إذا فاته.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 210.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) شرح فارسى مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 228- 229.

(4) المصدر: بأهوائه.

145

فَكُلًّا: من المذكورين.

أَخَذْنا بِذَنْبِهِ‏: عاقبنا بذنبه.

فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً: ريحا عاصفا فيها حصباء. أو ملكا رماهم بها، كقوم لوط.

وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ: كمدين و ثمود.

وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ‏: كقارون.

وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا: كقوم نوح و فرعون و قومه.

وَ ما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ‏: ليعاملهم معاملة الظّالم. فيعاقبهم بغير جرم، إذ ليس ذلك من عادته.

وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40): بالتّعريض للعذاب.

و في كتاب الخصال‏ (1): عن جعيد الهمدانيّ قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- إنّ في التّابوت الأسفل [من النّار اثني عشر]: (2) ستّة من الأوّلين، و ستّة من الآخرين. فأمّا السّتّة من الأوّلين: فابن آدم قاتل أخيه، و فرعون الفراعنة، و السّامريّ، و الدّجّال كتابه في الأوّلين و يخرج في الآخرين، و هامان، و قارون.

و فيه‏ (3): قال أبو ذرّ: ألستم تشهدون أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: شرّ الأوّلين و الآخرين اثنا عشر: ستّة من الأوّلين، و ستّة من الآخرين. ثمّ سمّي ستّة من الأوّلين: ابن آدم الّذي قتل أخاه، و فرعون، و هامان، و قارون، و السّامريّ، و الدّجّال اسمه في الأوّلين و يخرج في الآخرين،

و الحديثان طويلان أخذت منهما موضع الحاجة.

مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ: فيما اتّخذوه معتمدا متّكلا.

كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً: إذ مثلهم بالإضافة إلى الموحّد، كمثلها بالإضافة إلى رجل بنى من حجر و جصّ فيما نسجته من الوهن و الخور، بل ذاك أوهن. فإنّ لهذا حقيقة و انتفاعا عامّا.

و «العنكبوت» يقع على الواحد، و الجمع، و المذكّر، و المؤنّث. و التّاء فيه، كتاء طاغوت. و يجمع على عناكيب، و عناكب، و عكاب، و عكبة، و أعكب.

____________

(1) الخصال/ 485، ح 59. و له ذيل.

(2) ليس في المصدر.

(3) نفس المصدر/ 458، ضمن حديث 2.

146

و في كتاب الخصال‏ (1): عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: المسوخ من بني آدم ثلاثة عشر صنفا- إلى أن قال-: و أمّا العنكبوت، فكانت امرأة سيّئة الخلق عاصية لزوجها مولّية عنه. فمسخها اللّه عنكبوتا.

عن جعفر بن محمّد (2)، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- قال: سألت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عن المسوخ. فقال: هم ثلاثة عشر- إلى أن قال- صلى اللّه عليه و آله و سلم- و أمّا العنكبوت، فكانت امرأة تخون زوجها.

عن سعيد بن علاقة (3) قال: سمعت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول: ترك نسج العنكبوت في البيت يورث الفقر.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4)، بإسناده إلى عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن‏ (5) جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)‏- و أمّا العنكبوت، فكانت امرأة سحرت زوجها.

بإسناده إلى عليّ بن جعفر (6) عن معتب مولى جعفر، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- مثله.

وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ‏: لا بيت أوهن و أقلّ وقاية للحرّ و البرد منه.

لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏ (41): يرجعون إلى علم، لعلموا أنّ هذا مثلهم. أو أنّ دينهم أوهن من ذلك.

و يجوز أن يكون المراد ببيت العنكبوت: دينهم سمّاه به، تحقيقا للتّمثيل. فيكون المعنى: و إنّ أوهن ما يعتمد في الدّين دينهم.

و في شرح الآيات الباهرة (7): محمّد بن خالد البرقيّ، عن سيف بن عميرة، عن أخيه، عن أبيه، عن سالم بن مكرم، عن أبيه، قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول‏ في‏

____________

(1) نفس المصدر/ 493، ضمن حديث 1.

(2) نفس المصدر/ 494، ضمن حديث 2.

(3) نفس المصدر/ 504، صدر حديث 2. و في النسخ: «سعد بن علاقة.» و هي خطأ. ر. تنقيح المقال 2/ 29، رقم 4853.

(4) علل الشرائع/ 486، ضمن حديث 2.

(5) المصدر: موسى بن جعفر بن محمد- (عليهما السلام).

(6) نفس المصدر/ 488، ضمن حديث 5.

(7) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 155.

147

قوله- عزّ و جلّ-: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ‏ قال: هي الحميراء.

إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ: على إضمار القول، أي: قل للكفرة: إنّ اللّه يعلم.

و قرأ البصريان و يعقوب، بالياء. حملا على ما قبله‏ (1).

«و ما» استفهاميّة، منصوبة «بيدعون» و «يعلم» معلّقة عنها.

و «من» للتّبيين. أو نافية. و «من» مزيدة. و «شي‏ء» مفعول «تدعون». أو مصدريّة. و «شي‏ء» مصدر. أو موصولة مفعول «ليعلم» و مفعول «يدعون» عائدها المحذوف. و الكلام على الأوّلين تجهيل لهم، و توكيد للمثل. و على الآخرين وعيد لهم.

وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42): تعليل على المعنيين. فإنّ من فرط الغباوة إشراك ما لا يعدّ شيئا، بمن هذا شأنه. و إنّ الجماد بالإضافة إلى القادر على كلّ شي‏ء البالغ في العلم و اتّقان الفعل الغاية كالمعدوم. و إنّ من هذا صفته قادر على مجازاتهم.

وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ‏، يعني: هذا المثل و نظائره.

نَضْرِبُها لِلنَّاسِ‏: تقريبا لما بعد منه أفهامهم.

وَ ما يَعْقِلُها: و لا يعقل حسنها و فائدتها.

إِلَّا الْعالِمُونَ (43): الّذي يتدبّرون الأشياء على ما ينبغي.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏.، يعني: آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-.

و في مجمع البيان‏ (3): وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏. و

روى الواحديّ بالإسناد: عن جابر قال: تلا النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- هذه الآية و قال: العالم الّذي عقل عن اللّه، فعمل بطاعته و اجتنب سخطه.

و في بصائر الدّرجات‏ (4): محمّد بن الحسين، عن يزيد بن سعد، عن هارون بن حمزة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ قال: هم الأئمّة خاصّة وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏ فزعم أنّ من عرف الإمام‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 210- 211.

(2) تفسير القمي 2/ 150.

(3) مجمع البيان 4/ 284.

(4) بصائر الدرجات/ 227، ح 17.

148

و الآيات ممّن يعقل ذلك.

و في شرح الآيات الباهرة (1): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا الحسين بن عامر، عن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن مالك بن عطيّة، عن محمّد بن مروان، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏ قال: نحن هم صدقا- (صلوات اللّه عليهم)- لأنّ منتهى العلم جميعه يرجع إليهم.

لأنّهم الرّاسخون في العلم، و إليهم الأمر فيه و الحكم.

خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ‏: غير قاصد به باطلا. فإنّ المقصود بالذّات من خلقها، إفاضة الخير و الدّلالة على ذاته و صفاته. كما أشار إليه بقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44): لأنّهم المنتفعون بها.

اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ‏: تقرّبا إلى اللّه بقراءته، و تحفّظا لألفاظه، و استكشافا لمعانيه. فإنّ القارئ المتأمّل، قد ينكشف له بالتّكرار ما لم ينكشف له أوّل ما قرع سمعه.

وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ: بأن تكون سببا للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها و غيرها. من حيث أنّها تذكّر اللّه، و تورث النّفس خشية منه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (2): ثمّ خاطب اللّه- عزّ و جلّ- نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال- جلّ ذكره-: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ قال: من لم تنهه الصّلاة عن الفحشاء و المنكر، لم تزده‏ (3) من اللّه- عزّ و جلّ- إلّا بعدا.

و في كتاب التّوحيد (4): و قد روي عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: الصّلاة حجزة اللّه. و ذلك أنّها تحجز المصلّي عن المعاصي ما دام في صلاته. قال اللّه- عزّ و جلّ-:

إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ.

و في مجمع البيان‏ (5): و روى أنس بن مالك [الجهنّي:] (6) عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه‏

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة/ 155.

(2) تفسير القمي 2/ 150.

(3) المصدر: يزدد.

(4) التوحيد/ 166، ح 4.

(5) مجمع البيان 4/ 285.

(6) من المصدر.

149

و آله و سلم- أنّه قال: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم يزد من اللّه إلّا بعدا.

و- أيضا- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- (1) أنّه قال: لا صلاة لمن لم يطع الصلاة. و طاعة الصلاة أن ينتهي عن الفحشاء و المنكر.

و روى أنس‏ (2): أنّ فتى من الأنصار كان يصلّي الصّلوات‏ (3) مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و يرتكب الفواحش: فوصف ذلك لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: إنّ صلاته تنهاه يوما.

و عن جابر قال: قيل لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّ فلانا يصلّي بالنّهار و يسرق باللّيل.

فقال: إنّ صلاته لتردعه.

و روى أصحابنا، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)(4)- قال: من أحبّ أن يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل، فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء و المنكر. فبقدر ما منعته قبلت منه.

و في كتاب سعد السّعود (5) لابن طاوس- (رحمه اللّه)-: و قد روينا في الجزء الأوّل من كتاب المهمّات و التّتمّات صفة الصّلاة النّاهية عن الفحشاء و المنكر.

وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ:

قيل‏ (6): و الصّلاة أكبر من سائر الطّاعات و إنّما عبّر عنها به، للتّعليل بأنّ اشتمالها على ذكره هي العمدة في كونها مفضّلة على الحسنات ناهية عن السّيّئات. أو لذكر اللّه إيّاكم برحمته أكبر من ذكركم إيّاه بطاعته.

و في أصول الكافي‏ (7): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسين بن عبد الرّحمن، عن سفيان الحريريّ، عن أبيه، عن سعد الخفّاف، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: جعلت فداك يا أبا جعفر، و هل يتكلّم القرآن؟

فتبسّم ثمّ قال: رحم اللّه الضّعفاء من شيعتنا، إنّهم أهل التّسليم. ثمّ قال: نعم يا سعد، و الصّلاة تتكلّم، و له صورة و خلق، تأمر و تنهى.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المصدر: الصلاة.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) سعد السعود/ 176.

(6) أنوار التنزيل 2/ 211.

(7) الكافي 2/ 598، ذيل حديث 1، و أوّله في ص 596.

150

قال: فتغيّر لذلك لوني، و قلت: هذا شي‏ء لا أستطيع أن‏ (1) أتكلّم به في النّاس.

فقال أبو جعفر: و هل النّاس إلّا شيعتنا. فمن لم يعرف الصّلاة، فقد أنكر حقّنا (2). ثمّ قال: يا سعد، أسمعك كلام القرآن؟

قال سعد: فقلت بلى- صلّى اللّه عليك-.

فقال: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ فالنّهي كلام.

و الفحشاء و المنكر رجال. و نحن ذكر اللّه. و نحن أكبر.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ يقول: ذكر اللّه لأهل الصّلاة أكبر من ذكرهم إيّاه. ألا ترى أنّه يقول‏ (4): فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ‏.

و في مجمع البيان‏ (5): و روى أصحابنا، عن أبي عبد الّله- (عليه السلام)- قال: وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال: ذكر اللّه عند ما أحلّ أو حرّم.

و عن معاذ بن جبل‏ (6) قال: سألت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أيّ الأعمال أحبّ إلى اللّه؟

قال: أن تموت و لسانك رطب من ذكر اللّه- عزّ و جلّ-.

و قال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا معاذ: إنّ السّابقين، الّذين يسهرون بذكر اللّه- عزّ و جلّ- و من أحبّ أن يرتع‏ (7) في رياض الجنّة، فليكثر ذكر اللّه- عزّ و جلّ-.

وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ‏ (45): منه و من سائر الطّاعات. فيجازيكم به أحسن المجازاة.

وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏: إلّا بالخصلة الّتي هي أحسن‏ (8). كمعارضة الخشونة باللّين، و الغضب بالكظم، و المشاغبة بالنّصح.

____________

(1) المصدر: [أنا].

(2) ن: حقّها.

(3) تفسير القمي 2/ 150.

(4) البقرة/ 152.

(5) لم نعثر عليه في مجمع البيان و لكن: في تفسير نور الثقلين، 4/ 162، ح 61 و تفسير الصافي 4/ 119 نقلا عنه.

(6) مجمع البيان 4/ 285- 286.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: يرتفع.

(8) يوجد في هامش نسخة م: في أواخر توحيد ابن‏

151

و قيل‏ (1): هو منسوخ بآية السّيف، إذ لا مجادلة أشدّ منه. و جوابه أنّه آخر الدّواء.

و قيل: المراد به، ذووا العهد منهم.

و في كتاب الاحتجاج‏ (2)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: و روي عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنّه قال: نحن المجادلون في دين اللّه على لسان سبعين نبيّا.

و قال أبو محمّد الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- (3): ذكر عند الصّادق- (عليه السلام)- الجدال في الدّين، و أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و الأئمّة- (عليهم السلام)- قد نهوا عنه.

فقال الصّادق- (عليه السلام)-: لم ينه عنه مطلقا. و لكنّه نهى عن الجدال بغير الّتي هي أحسن. أما تسمعون اللّه- تعالى- يقول: وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ [و قوله‏ (4): ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ فالجدال بالّتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدّين و الجدال بغير الّتي هي أحسن محرّم حرّمه اللّه على شيعتنا. و كيف يحرم اللّه [الجدال‏] (5) جملة و هو يقول‏ (6): وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى‏ قال اللّه- تعالى‏ (7)- تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ فجعل اللّه علم الصّدق و الإيمان بالبرهان. و هل يؤتى ببرهان إلّا بالجدال بالّتي هي أحسن؟] (8) قيل: يا ابن رسول اللّه، فما الجدال بالّتي هي أحسن و بالّتي ليست بأحسن؟

____________

بابويه، في باب النهي عن الكلام و الجدال و المراء في اللّه- عزّ و جلّ-

[التوحيد/ 459، ح 26]: أبي (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال:

حدّثنا محمّد بن عيسى قال: قرأت كتاب عليّ بن بلال أنّه سأل الرجل، يعني: أبا الحسن- (عليه السلام)- أنّه روي عن آبائك- (عليهم السلام)- أنّهم نهوا عن الكلام في الدين. فتأوّل مواليك المتكلّمون بأنّه إنّما نهى من لا يحسن أن يتكلّم فيه. فأمّا من يحسن أن يتكلّم فلم ينه. فهل ذلك كما تأوّلوا، أولا؟

فكتب- (عليه السلام)-: المحسن و غير المحسن لا يتكلّم فيه. فانّ إثمه اكثر من نفعه.

(1) أنوار التنزيل 2/ 211.

(2) الاحتجاج 1/ 5.

(3) نفس المصدر 1/ 14- 16.

(4) النحل/ 125.

(5) من المصدر.

(6) النحل/ 125.

(7) البقرة/ 111.

(8) ليس في ن.

152

قال: أمّا الجدال بغير الّتي هي أحسن، بأن تجادل‏ (1) مبطلا فيورد عليك باطلا. فلا تردّه بحجّة قد نصبها اللّه- تعالى- و لكن تجحد قوله. أو تجحد حقّا يريد ذلك‏ (2) المبطل أن يعين به باطله. فتجحد ذلك الحقّ، مخافة أن يكون له عليك فيه حجّة. لأنّك لا تدري كيف المخلص منه. فذلك حرام على شيعتنا، أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم و على المبطلين. أمّا المبطلون، فيجعلون ضعف الضّعيف منكم إذا تعاطى مجادلته و ضعف في يده حجّة له على باطله. و أمّا الضّعفاء منكم، فتعمى‏ (3) قلوبهم لما يرون من ضعف المحقّ في يد المبطل.

و أمّا الجدال بالّتي هي أحسن، فهو ما أمر اللّه- تعالى- به نبيّه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت و إحياءه له. فقال‏ (4) اللّه- تعالى- حاكيا عنه: وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ‏ فقال اللّه- تعالى- في الرّدّ عليه: قل يا محمّد يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ‏ فأراد اللّه من نبيّه، أن يجادل المبطل الّذي قال: كيف يجوز أن يبعث هذه العظام و هي رميم؟ فقال اللّه- تعالى-: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ أ فيعجز من ابتدأ به لا من شي‏ء أن يعيده بعد أن يبلى. بل ابتداؤه أصعب عندكم من إعادته. ثمّ قال- عزّ و جلّ-: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً أي: إذ أكمن النّار الحارّة في الشّجر الأخضر الرّطب ثمّ يستخرجها، فعرّفكم أنّه على إعادة (5) من بلي أقدر.

ثمّ قال‏ (6): أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى‏ وَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ‏، أي: إذا كان خلق السّموات و الأرض أعظم و أبعد في أهامكم و قدركم أن تقدروا عليه من إعادة البالي، فكيف جوّزتم من اللّه خلق هذا الأعجب عندكم و الأصعب لديكم و لم تجوّزوا منه ما هو أسهل عندكم من إعاد البالي؟

قال الصّادق- (عليه السلام)-: فهذا (7) الجدال بالّتي هي أحسن. لأنّ فيها قطع عذر الكافرين‏ (8)، و إزالة شبههم. و أمّا الجدال بغير الّتي هي أحسن، فأن تجحد حقّا لا يمكنك أن‏

____________

(1) المصدر: فان تجادل.

(2) المصدر: بذلك.

(3) م: فعمى المصدر: فتعم.

(4) يس/ 78- 80.

(5) المصدر: ما.

(6) يس/ 81.

(7) المصدر: فهو.

(8) أ: عذرا للكافرين.

153

تفرّق بينه و بين باطل من تجادله. و إنّما تدفعه عن باطله، بأن تجحد الحقّ. فهذا هو المحرّم.

لأنّك مثله، جحد هو حقّا و جحدت أنت حقّا آخر.

قال أبو محمّد الحسن العسكري- (عليه السلام)-: فقام إليه رجل آخر، فقال: يا ابن رسول اللّه، أ فجادل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

فقال الصّادق- (عليه السلام)-: مهما ظننت برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من شي‏ء، فلا تظنّنّ به مخالفة اللّه- تعالى- أليس اللّه قال‏ (1): وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏. و قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ (2) لمن ضرب اللّه مثلا. أ فتظنّ أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- خالف ما أمره اللّه به، فلم يجادل ما أمره به، و لم يخبر عن أمر اللّه بما أمره أن يخبر به؟

إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ‏: بالإفراط في الاعتداء و الفساد. أو بإثبات الولد، و قولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ (3): أو بنقض العهد و منع الجزية.

وَ قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ‏: هو من المجادلة بالّتي هي أحسن.

و عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- (4): لا تصدّقوا أهل الكتاب و لا تكذّبوهم، و قولوا: آمنّا باللّه و بكتبه و رسله. فإن قالوا باطلا لم تصدّقوهم، و إن قالوا حقّا لم تكذّبوهم.

وَ إِلهُنا وَ إِلهُكُمْ واحِدٌ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏ (46): مطيعون له خاصّة. و فيه تعريض باتّخاذهم أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون اللّه.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن صالح، عن القاسم بن بريد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر فيه حديثا طويلا. قال فيه- (عليه السلام)- بعد أن قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرّقه فيها: [و فرض اللّه على اللّسان القول و التّعبير عن القلب، بما عقد عليه و أقرّ به.] (6) و قال اللّه- تبارك و تعالى- (7):

____________

(1) النحل/ 125.

(2) يس/ 79.

(3) المائدة/ 64.

(4) أنوار التنزيل 2/ 211.

(5) الكافي 2/ 35، ح 1.

(6) ليس في م.

(7) البقرة/ 83.

154

وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً و قال: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ‏ و ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ إِلهُنا وَ إِلهُكُمْ واحِدٌ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏. فهذا ما فرض اللّه على اللّسان. و هو عمله.

وَ كَذلِكَ‏: و مثل ذلك الإنزال.

أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ‏: وحيا مصدّقا لسائر الكتب الإلهيّة. و هو تحقيق لقوله:

فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏: هم عبد اللّه بن سلام و أضرابه. أو من تقدّم عهد الرّسول- (عليه السلام) و آله- من أهل الكتاب.

وَ مِنْ هؤُلاءِ: و من العرب. أو أهل مكّة. أو ممّن في عهد الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من أهل الكتابين.

مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ‏: بالقرآن.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (1): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-. فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏ فهم آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- وَ مِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ‏، يعني:

أهل الإيمان من أهل القبلة.

و في شرح الآيات الباهرة (2): حدّثنا أبو سعيد، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن حصين‏ (3) بن مخارق، عن أبي الورد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏ قال: هم آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)-.

وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا: مع ظهورها، و قيام الحجّة عليها.

إِلَّا الْكافِرُونَ (47):

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4)، يعني: ما يجحد بأمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- و الأئمّة- (عليهم السلام)- إلّا الكافرون.

و قيل‏ (5): إلّا المتوغّلون في الكفر. فإنّ جزمهم به، يمنعهم عن التّأمّل فيما يفيد لهم صدقها. لكونها معجزة. بالإضافة إلى الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- كما أشار إليه بقوله: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ‏: فإنّ ظهور هذا

____________

(1) تفسير القمي 2/ 150.

(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 155.

(3) هكذا في ن و المصدر. و في سائر النسخ:

«الحسين بن مخارق.» ر. تنقيح 1/ 350، رقم 3141.

(4) تفسير القمي 2/ 151.

(5) أنوار التنزيل 2/ 212.

155

الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشّريفة على أمّيّ لم يعرف بالقراءة و التّعلّم، خارق للعادة.

و ذكر اليمين، زيادة تصوير للمنفيّ. و نفي للتّجوّز في الإسناد.

إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ‏ (48)، أي: لو كنت ممّن يخطّ و يقرأ، لقالوا: لعلّه تعلّمه، أو التقطه من كتب الأقدمين. و إنّما سمّاهم مبطلين، لكفرهم. أو لارتيابهم بانتفاء وجه واحد من وجوه الإعجاز المتكاثرة.

و قيل‏ (1): لارتاب أهل الكتاب، لوجدانهم نعتك على خلاف ما في كتبهم، فيكون إبطالهم باعتبار الواقع، دون المقدّر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- رضي اللّه عنه- (2): في قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ‏. و هو معطوف على قوله- تعالى- في سورة الفرقان‏ (3): اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى‏ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا فردّ اللّه عليهم فقال: كيف يدّعون أنّ الّذي تقرأه أو تخبر به تكتبه عن غيرك، و أنت‏ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ‏.، أي: شكّوا.

و في عيون الأخبار (4)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع أهل الأديان و الحقالات في التّوحيد، قال الرّضا- (عليه السلام)- في أثناء المحاورات: كذلك أمر محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ما جاء به، و أمر كلّ نبيّ بعثه اللّه. و من آياته، أنّه كان يتيما فقيرا راعيا أجيرا. لم يتعلّم كتابا و لم يختلف إلى معلّم. ثمّ جاء بالقرآن الّذي فيه قصص الأنبياء- (عليهم السلام)- و أخبارهم حرفا حرفا، و أخبار من مضى و من بقي إلى يوم القيامة.

بَلْ هُوَ: بل القرآن.

آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏: يحفظونه. لا يقدر أحد تحريفه.

و في أصول الكافي‏ (5): عن أحمد بن مهران، عن محمّد بن عليّ، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول‏ في هذه الآية: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ [فأومى بيده إلى صدره.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمي 2/ 151.

(3) الفرقان/ 5.

(4) عيون أخبار الرّضا- (عليه السلام)- 1/ 136، ح 1.

(5) الكافي 1/ 213، ح 1.

156

عنه‏ (1)، عن محمّد بن عليّ، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدّي، عن أبي عبد الّله- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏] (2) قال: هم الأئمة- (عليهم السلام)-.

و عنه‏ (3)، عن محمّد بن عليّ، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير قال:

قال أبو جعفر- (عليه السلام)‏- في هذه الآية: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ ثمّ قال: [هم الائمة- (عليهم السلام)-.

محمّد بن عليّ، عن عثمان بن عيسى‏ (4)، عن سماعة، عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)‏- هذه الآية بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ ثمّ قال:] (5) أما و اللّه يا أبا محمّد ما قال بين دفتي المصحف.

قلت: من هم، جعلت فداك؟ (6) قال: من عسى أن يكون غيرنا؟

محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين‏ (7)، عن بريد (8)، عن هارون بن حمزة، عن أبي عبد الّله- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قال: هم الأئمّة خاصّة.

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد (9)، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن الفضيل قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ قال: هم الأئمّة- (عليهم السلام)- [خاصّة.] (10)

____________

(1) نفس المصدر 1/ 214، ح 2.

(2) ليس في ن.

(3) هذا الحديث مجموع و ملتقط من سند الحديث السابق و متن الحديث الآتي. و ليس في المصدر. فتلاحظ.

(4) نفس المصدر و الموضع. ح 3

(5) من س. و ليس في سائر النسخ.

(6) يوجد في هامش نسخة م:

الظاهر ان من الاستفهام الانكاري فيلتام الأخبار. لكنّ الهمزة أكثر استعمالا في الاستفهام الانكاري. و يحتمل أن يكون موصوليا فاخع- (عليهم السلام)- أمرهم. جعفر.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

(8) المصدر: يزيد شعر.

(9) نفس المصدر و الموضع، ح 5.

(10) من المصدر.

157

و في بصائر الدّرجات‏ (1): يعقوب بن يزيد و محمّد بن الحسين، عن ابن بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

[قال: إيّانا عنى.] (2) من عسى أن يكونوا؟

أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد (3)، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن حجر، عن حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللّه البرقيّ، عن أبي الجهيم، عن أسباط، عن أبي عبد الّله- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- تبارك و تعالى-: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قال: نحن.

أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد (4)، عن عثمان بن عيسى، عن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- أنّه قرأ هذه الآية: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ [فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قال: يا أبا محمّد، ما قال بين دفتي المصحف.

قلت: من هم، جعلت فداك؟

قال: من عسى‏] (5) أن يكونوا غيرنا؟

محمّد بن الحسين، عن جعفر بن بشير (6) و الحسن بن عليّ بن فضّال، عن مثنّى بن الحنّاط، عن الحسن الصّيقل قال: قلت لأبي عبد الّله- (عليه السلام)-: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قال: نحن و إيّانا عنى.

أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد (7)، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن أيوب بن حسن، عن حمران قال: سألت أبا عبد الّله- (عليه السلام)- عن قول اللّه- تبارك‏

____________

(1) بصائر الدرجات/ 204، ح 1.

(2) من المصدر. و في النسخ: «فقال: أنتم هم.

من عسى أن يكونوا» و هي ذيل حديث 2 الذي ذكر بعد الحديث هذا في المصدر. فراجع.

(3) نفس المصدر/ 205، ح 4.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

(5) ليس في أ.

(6) نفس المصدر/ 207، ح 16. و فيه: «جعفر بن بشر.» ر. تنقيح المقال 1/ 213، رقم 1765.

(7) نفس المصدر/ 205، ح 6.

158

و تعالى-: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ [قلت:] (1) أنتم هم؟

قال: من عسى أن يكونوا؟

محمّد بن الحسين، عن يزيد شعر (2)، عن هارون بن حمزة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قال: هم الأئمّة خاصّة وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏ فزعم أنّ من عرف الإمام و الآيات ممّن يعقل.

محمّد بن خالد الطّيالسيّ، عن سيف بن عميرة (3)، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قلت: أنتم هم؟

قال: من عسى أن يكونوا (4)؟

أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد (5)، عن القاسم بن محمّد الجوهريّ، عن محمّد بن يحيى، عن عبد الرّحيم‏ (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ هذا العلم انتهى إليّ في القرآن. ثمّ جمع أصابعه. ثمّ قال: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

و في شرح الآيات الباهرة (7): حدّثنا أحمد بن القاسم الهمدانيّ، عن أحمد بن محمّد السّياريّ، عن محمّد بن خالد البرقيّ، عن عليّ بن أسباط قال: سأل رجل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قال: نحن هم.

فقال الرّجل: جعلت فداك، متى يقوم القائم- (عليه السلام)

قال: كلّنا قائم بأمر اللّه- عزّ و جلّ- واحد بعد واحد، حتّى يجي‏ء صاحب‏

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر/ 207، ح 17.

(3) نفس المصدر/ 206، ضمن حديث 13.

(4) المصدر: يكون.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 14.

(6) المصدر: عبد الرحمن.

(7) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 155- 156.

159

السّيف. فإذا جاء صاحب السّيف [، جاء] (1) أمر غير هذا.

و قال- أيضا- (2): حدّثنا أحمد بن هوذة الباهليّ، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن عبد العزيز العبديّ قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏.

قال: هم الأئمّة من آل محمد- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- باقية دائمة في كلّ حين.

وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49): إلّا المتوغّلون في الظّلم. بالمكابرة بعد وضوح دلائل إعجازها حتّى لم يعتدّوا بها.

وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ‏: مثل ناقة صالح، و عصا موسى، و مائدة عيسى- (عليهم السلام)-.

و قرأ نافع و ابن عامر و البصريان و حفص: آيات‏ (3).

قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ‏: ينزلها كيف يشاء. لست أملكها، فآتيكم بما تقترحونه.

وَ إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50): ليس من شأني، إلّا الإنذار و إبانته بما أعطيت من الآيات.

أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ‏: آية مغنية عمتا اقترحوه.

أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ‏: تدوم تلاوته عليهم، متحدّين به.

فلا يزال معهم آية ثابتة لا تضمحلّ، بخلاف سائر الآيات. أو يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ‏، يعني اليهود.

بتحقيق ما في أيديهم من نعتك و نعت دينك.

إِنَّ فِي ذلِكَ‏: في ذلك الكتاب. الّذي هو آية مستمرّة، و حجّة مبيّنة.

لَرَحْمَةً: لنعمة عظيمة.

وَ ذِكْرى‏ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51): و تذكرة لمن همّه الإيمان دون التّعنّت.

____________

(1) من م و ن.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) أنوار التنزيل 2/ 212. و لا داعي لهذه القراءة لأنّ كلمة «آيات» موجودة في نفس الآية. أمّا البيضاوي فقد أورد كلمة «آية» بدل «آيات» في الآية القرآنية و لذلك قال: و قرأ نافع (إلى آخره.)

160

و في مجمع البيان‏ (1): إن في ذلك لآية قيل: إنّ قوما من المسلمين كتبوا شيئا من كتب أهل الكتاب. فهدّدهم- سبحانه- في هذه الآية و نهاهم عنه.

و قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏- (2) جئتكم بها بيضاء نقيّة.

قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ شَهِيداً: بصدقي. و قد صدّقني بالمعجزات. أو بتبليغي ما أرسلت به إليكم و نصحي، و مقابلتكم إيّاي بالتّكذيب و التّعنّت.

يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: فلا يخفى عليه حالِى و حالكم.

وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ‏: و هو ما يعبدون من دون اللّه.

وَ كَفَرُوا بِاللَّهِ‏: منكم.

أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (52): في صفقتهم. حيث اشتروا الكفر بالإيمان.

وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ‏: بقولهم: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ (3).

وَ لَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى‏: لكلّ عذاب. أو قوم.

لَجاءَهُمُ الْعَذابُ‏: عاجلا.

وَ لَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً: فجاءة في الدّنيا، كوقعة بدر. أو الآخرة، عند نزول الموت.

وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (53): بإتيانه.

يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ‏ (54): ستحيط بهم يوم يأتيهم العذاب. أو هي كالمحيطة بهم الآن، لإحاطة الكفر و المعاصي الّتي توجبها بهم.

و «اللّام» للعهد. على وضع الظّاهر موضع المضمر، للدّلالة على موجب الإحاطة. أو للجنس. فيكون استدلالا بحكم الجنس على حكمهم.

يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ‏: ظرف «لمحيطة». أو مقدّر، مثل: كان كيت و كيت.

مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ‏: من جميع جوانبهم.

وَ يَقُولُ‏: اللّه. أو بعض ملائكته بأمره.

و قرأ ابن كثير و ابن عامر و البصريون، بالنّون‏ (4).

ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55)، أي: جزاءه.

يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ‏ (56)، أي:

____________

(1) مجمع البيان 4/ 289.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) الأنفال/ 32.

(4) أنوار التنزيل 2/ 213.

161

إذا لم يتسهّل لكم العبادة في بلدة و لم يتيسّر لكم إظهار دينكم، فهاجروا إلى حيث يتمشّى لكم ذلك.

و «الفاء» جواب شرط محذوف. إذ المعنى: إنّ أرضي واسعة إن لم تخلصوا العبادة لي في أرض، فأخلصوها في غيرها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ يقول: لا تطيعوا أهل الفسق من الملوك. فإن خفتموهم أن يفتنوكم عن دينكم، فإنّ‏ أَرْضِي واسِعَةٌ] (2) و هو يقول‏ (3): فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ‏ فقال: أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها.

و في مجمع البيان‏ (4): و قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: معناه: إذا عصي اللّه في أرض أنت بها، فاخرج منها إلى غيرها.

و في جوامع الجامع‏ (5): و عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏- من فرّ بدينه من أرض إلى أرض و إن كان شبرا من الأرض، استوجب الجنّة. و كان رفيق إبراهيم و محمّد- (عليهما السلام)-.

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ‏: تناله لا محالة.

ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (57): للجزاء. و من هذا عاقبته، ينبغي أن يجتهد في الاستعداد له.

و في عيون الأخبار (6)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة، و بإسناده قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لمّا أنزلت هذه الآية (7) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏. قلت: يا ربّ، أ تموت الخلائق كلّهم و تبقى‏ (8) الأنبياء؟

فنزلت‏ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ‏.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 151.

(2) ليس في س.

(3) النساء/ 97.

(4) مجمع البيان 4/ 291.

(5) جوامع الجامع/ 355.

(6) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 31، ح 51.

(7) الزّمر/ 30.

(8) المصدر: يبقى.

162

و في تفسير العيّاشيّ‏ (1): عن زرارة قال: كرهت أن أسأل أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الرّجعة، و استخفيت ذلك. قلت: لأسألنّ مسألة لطيفة أبلغ فيها حاجتي. فقلت: أخبرني عمّن قتل، أمات؟

قال: لا. الموت موت، و القتل قتل.

قلت: ما أحد يقتل إلّا و قد مات.

فقال: قول اللّه أصدق من قولك. فرّق بينهما في القرآن، فقال: أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ‏. و قال: وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ‏. و ليس كما قلت يا زرارة، الموت موت و القتل قتل.

قلت:] (2) فإنّ اللّه يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ‏.

قال: من قتل لم يذق الموت. ثمّ قال: لا بدّ من أن يرجع حتّى يذوق الموت.

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ‏: لننزلنّهم.

مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً: علاليّ.

و قراء حمزة و الكسائي: «لنثوينّهم»، أي: لنقيمنّهم. من الثّواء. فيكون انتصاب «غرفا» لإجرائه مجرى «لننزلنّهم». أو بنزع الخافض. أو تشبيه الظّرف المؤقّت بالمبهم. (3)

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (4): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن العلا، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يقول: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- حتّى تسيل على خدّه، بوّأه اللّه بها في الجنّة غرفا يسكنه أحقابا.

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (58):

و قرئ: «فنعم». و المخصوص بالمدح محذوف، دلّ عليه ما قبله‏ (5).

الَّذِينَ صَبَرُوا: على أذيّة المشركين، و الهجرة للّدين. إلى غير ذلك من المحن و المشاقّ. وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59): و لا يتوكّلون، إلّا على اللّه.

وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا: لا تطيق حمله، لضعفها، أو لا تدّخره، و إنّما

____________

(1) تفسير العياشي 1/ 202، ضمن حديث 160.

(2) ليس في س.

(3) أنوار التنزيل 2/ 213.

(4) تفسير القمي 2/ 291.

(5) أنوار التنزيل 2/ 213.

163

تصبح و لا معيشة عندها.

اللَّهُ يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ‏: ثمّ أنّها مع ضعفها و توكلّها، و إيّاكم مع قوّتكم و اجتهادكم، سواء في أنّه لا يرزقها و إيّاكم إلّا اللّه. لأنّ رزق الكلّ بأسباب، هو المسبّب لها وحده. فلا تخافوا على معاشكم بالهجرة. فإنه لمّا أمروا بالهجرة قال بعضهم: كيف نقدم بلدة ليس لنا فيه معيشة؟ فنزلت. (1) وَ هُوَ السَّمِيعُ‏: لقولكم هذا.

الْعَلِيمُ (60) بضميركم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)(2): في قوله- عزّ و جلّ-: وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ‏ قال: كانت العرب يقتلون أولادهم مخافة الجوع. فقال اللّه- عزّ و جلّ-: اللَّهُ يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ‏.

و في مجمع البيان‏ (3): و عن عطاء، عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حتّى دخلنا (4) بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التّمر و يأكل.

فقال: يا بن عمر، ما لك لا تأكل؟

فقلت: لا أشتهيه، يا رسول اللّه.

قال: لكنّي أشتهيه. و هذه صبيحة رابعة منذ لم أذق طعاما. و لو شئت لدعوت ربّي، فأعطاني مثل ملك كسرى و قيصر. فكيف بك- يا ابن عمر- إذا بقيت مع قوم يخبّئون‏ (5) رزق سنتهم لضعف اليقين. فو اللّه ما برحنا حتّى نزلت‏ وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏.

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ:

المسئول عنهم أهل مكّة.

لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏: لما تقرّر في العقول، وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود.

فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61): يصرفون عن توحيده، بعد إقرارهم بذلك.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 213- 214.

(2) تفسير القمي 2/ 151.

(3) مجمع البيان 4/ 291.

(4) المصدر: دخل.

(5) هكذا في ن و المصدر. و في م، س، أ:

«يحتازون». و في الأصل: يختارون.

164

اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ‏: يحتمل أن يكون الموسّع له و المضيّق عليه واحدا. على أنّ البسط و القبض على التّعاقب. و أن لا يكون على وضع الضّمير موضع «من يشاء» و إبهامه. لأنّ «من يشاء» مبهم.

إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (62): يعلم مصالحهم و مفاسدهم.

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏: معترفين بأنّه الموجد للممكنات بأسرها، أصولها و فروعها. ثمّ أنّهم يشركون به بعض مخلوقاته، الّذي لا يقدر على شي‏ء من ذلك.

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ‏: على ما عصمك من مثل هذه الضّلالة. أو على تصديقك و إظهار حجّتك.

بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ‏ (63): فيتناقضون. حيث يقرّون بأنّه المبدئ لكلّ ما عداه، ثمّ أنّهم يشركون به الصّنم.

و قيل‏ (1): لا يعقلون ما تريد بتحميدك عند مقالهم‏ (2).

وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا: إشارة تحقير. و كيف لا، و هي لا تزن عند اللَّه جناح بعوضة.

إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ‏: إلّا كما يلهى و يلعب به الصّبيان، و يجتمعون عليه، و يبتهجون به ساعة. ثمّ يتفرّقون متعبين.

وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ‏: لهي دار الحياة الحقيقيّة، لامتناع طريان الموت عليها. أو هي في ذاتها حياة، للمبالغة.

و «الحيوان» مصدر حيي. سمّي به ذو الحياة. و أصله: حييان، فقبلت الياء الثّانية واوا. و هو أبلغ من الحياة، لما في بناء «الفعلان» من الحركة و الاضطراب اللّازم للحياة.

و لذلك اختير عليها هاهنا.

لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏ (64): لم يؤثروا عليها الدّنيا، الّتي أصلها عدم الحياة.

و الحياة فيها عارضة سريعة الزّوال.

فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ‏: متّصل بما دلّ عليه شرح حالهم، أي: هم على ما وصفوا به من الشّرك. فإذا ركبوا البحر دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏: كائنين في‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 214.

(2) المصدر: مقالتهم.

165

صورة من أخلص دينه من المؤمنين. حيث لا يذكرون إلّا اللَّه، و لا يدعون سواه. لعلمهم بأنّه لا يكشف الشّدائد، إلّا هو.

فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ‏ (65): فاجئوا المعاودة إلى الشّرك.

لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ‏:

«اللّام» فيه، لام كي، أي: يشركون، ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النّجاة.

وَ لِيَتَمَتَّعُوا: باجتماعهم على عبادة الأصنام و توادّهم عليها. أو «لام» الأمر على التّهديد. و يؤيّده قراءة ابن كثير و حمزة و الكسائيّ و قالون عن نافع: «و ليتمتّعوا» بالسّكون‏ (1).

فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏ (66): عاقبة ذلك حين يعاقبون.

أَ وَ لَمْ يَرَوْا، يعني: أهل مكّة.

أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً، أي: جعلنا بلدهم مصونا عن النّهب و التّعدّي، آمنا أهله عن القتل و السّبي.

وَ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ‏: يختلسون قتلا و سبيا. إذ كانت العرب حوله في تغاور و تناهب.

أَ فَبِالْباطِلِ‏: أ فبعد هذه النّعمة المكشوفة و غيرها من لا يقدر عليه إلّا اللَّه؟

يُؤْمِنُونَ‏: بالصّنم. أو الشّيطان.

وَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ‏ (67): حيث أشركوا به غيره. و تقديم الصّلتين، للاهتمام. أو الاختصاص، على طريق المبالغة.

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً: بأن زعم له شريكا.

أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ‏، يعني: الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أو الكتاب.

و في «لمّا» تسفيه لهم. بأن لم يتوقّفوا و لم يتأمّلوا قطّ حين جاءهم، بل سارعوا إلى التّكذيب أوّل ما سمعوه.

أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ‏ (68): تقدير لثوائهم. كقوله:

ألستم خير من ركب المطايا (2).

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر 2/ 215.

166

أي: ألا يستوجبون الثّواء فيها، و قد افتروا مثل هذا الكذب على اللَّه و كذّبوا بالحقّ مثل هذا التّكذيب؟ أو لاجترائهم، أي: ألم يعلموا أنّ‏ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ‏، حتّى اجترءوا هذه الجرأة.

وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا، أي: في حقّنا. و إطلاق المجاهدة، لتعمّ جهاد الأعادي الظّاهرة و الباطنة بأنواعه.

لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا: سبل السّير إلينا، و الوصول إلى جنابنا. أو لنزيدنّهم هداية إلى سبيل الخير، توفيقا لسلوكها. كقوله‏ (1): وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً‏.

و في الحديث‏ (2): من عمل بما علم، ورثه اللَّه علم ما لم يعلم.

وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏ (69): بالنّصر و الإعانة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ‏، أي: صبروا و جاهدوا مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لَنَهْدِيَنَّهُمْ‏، أي:

لنثبّتنّهم. وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏.

و في رواية أبي الجارود (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: هذه الآية لآل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- و لأشياعهم.

و في كتاب معاني الأخبار (5)، بإسناده إلى عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: ألا و إنّي مخصوص في القرآن بأسماء احذروا أن تغلبوا عليها، فتضلّوا في دينكم. أنا المحسن، بقول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في شرح الآيات الباهرة (6): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن عمرو بن محمّد بن زكيّ، عن محمّد بن الفضيل، عن محمّد بن شعيب، عن قيس بن الرّبيع، عن منذر الثّوريّ، عن محمّد بن الحنفيّة، عن أبيه عليّ- (عليه السلام)- قال: يقول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏. فأنا ذلك المحسن.

____________

(1) محمّد/ 17.

(2) أنوار التنزيل 2/ 215، بحار الأنوار 2/ 30، ح 14، بتفاوت يسير.

(3) تفسير القمي 2/ 151.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) معاني الأخبار/ 59، ضمن حديث 9.

(6) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 156.

167

و قال- أيضا-: حدّثنا محمد بن الحسين الخثعميّ، عن عبّاد بن يعقوب، عن الحسن بن حمّاد، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-:

وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏. قال: نزلت فينا.

و قال- أيضا (1)-: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن أحمد بن الحسن، عن أبيه، عن حصين بن مخارق، عن مسلم الحذّاء، عن زيد بن عليّ- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏. قال: نحن هم.

قلت: و إن لم تكونوا و إلّا فمن؟ [قال: نعم.] (2)

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) من ن.

168

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

169

تفسير سورة الرّوم‏

170

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

171

سورة الرّوم مكّيّة، إلّا قوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ‏. و هي ستّون، أو تسع و خمسون آيه.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قراء سورة العنكبوت و الرّوم في شهر رمضان ليلة ثلاث و عشرين، فهو- و اللَّه يا أبا محمّد- من أهل الجنّة. لا أستثني فيه أبدا. و لا أخاف أن يكتب اللَّه عليّ ما في يميني إثما. و إنّ لهاتين السّورتين من اللَّه مكانا.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: و من قرأها، كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ ملك سبّح للَّه ما بين السّماء و الأرض.

و أدرك ما ضيّع في يومه و ليلته.

الم‏ (1): مرّ تفسيره.

غُلِبَتِ الرُّومُ‏ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ‏:

قيل‏ (3): أَدْنَى الْأَرْضِ‏ من أرض العرب.

و قيل‏ (4): في أدنى الأرض، من أرض الشّام إلى أرض فارس. يريد الجزيرة. و هي أقرب أرض الرّوم إلى أرض فارس.

____________

(1) ثواب الأعمال/ 136، ح 1.

(2) مجمع البيان 4/ 294.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

172

و قيل‏ (1): يريد أذرعات و كسكر.

و في شرح الآيات الباهرة (2): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن أحمد بن محمّد بن سعيد، عن الحسن بن القاسم قراءة عن عليّ بن إبراهيم المعلّى، عن فضيل بن إسحاق، عن يعقوب بن شعيب، عن عمران بن ميثم‏ (3)، عن عباية، عن عليّ- (صلوات اللّه عليه)- قال: قوله- عزّ و جلّ-: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ‏. هي فينا و في بني أميّة.

وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ‏: من إضافة المصدر إلى المفعول.

و قرئ «غلبهم» و هو لغة. كالجلب. (4) سَيَغْلِبُونَ‏ (3):

و قرئ: «غلبت» بالفتح. و «سيغلبون» بالضّمّ. (5) و معناه: أنّ الرّوم غلبوا على ريف الشّام، و المسلمون سيغلبونهم. و في السّنة التّاسعة من نزوله، غزاهم المسلمون و فتحوا بعض بلادهم. و على هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل.

و في كتاب الاستغاثة، (6) للشّيخ ميثم: و لقد روينا من طريق علماء أهل البيت- (عليهم السلام)- في أسرارهم و علومهم الّتي خرجت منهم إلى علماء شيعتهم: أنّ قوما ينسبون إلى قريش. و ليسوا من قريش بحقيقة النّسب- و هذا ممّا لا يجوز أن يعرفه إلّا معدن النّبوّة و ورثة علم الرّسالة- و ذلك مثل بني أميّة. ذكروا: أنّهم‏ (7) ليسوا من قريش.

و أنّ أصلهم من الرّوم. و فيهم تأويل هذه الآية الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ‏. معناه: أنّهم غلبوا على الملك. و سيغلبهم على ذلك بني العبّاس.

فِي بِضْعِ سِنِينَ‏:

في مجمع البيان‏ (8): قال: كان المشركون [يجادلون المسلمون، و هم بمكّة. يقولون: إنّ الرّوم أهل الكتاب، و قد غلبهم الفرس. و أنتم تزعمون أنّكم ستغلبون‏] (9) بالكتاب الّذي نزل‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 156.

(3) المصدر: «عمر بن الميثم.» ر. تنقيح المقال 2/ 352، رقم 9123.

(4) أنوار التنزيل 2/ 215. و فيه: «كالحلب» و في مجمع البيان، 4/ 294: قال الزجاج: الغلب و الغلبة مصدر غلبت، مثل: الجلب و الجلبة.

(5) نفس المصدر 2/ 216.

(6) تفسير نور الثقلين 4/ 169، ح 3، نقلا عنه.

(7) هنا زيادة في النسخ و هي: من قريش و.

(8) مجمع البيان 4/ 295. و فيه: عن الزهريّ قال.

(9) ليس في أ.

173

على نبيّكم فسنغلبكم كما غلب قوم فارس من الرّوم. فأنزل اللَّه- تعالى- الم* غُلِبَتِ الرُّومُ‏. إلى قوله: فِي بِضْعِ سِنِينَ‏.

قال: فأخبرني عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، أنّ أبا بكر ناصب بعض المشركين قبل أن يحرّم القمار على شي‏ء إن لم تغلب فارس في سبع سنين.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لم فعلت؟ فكلّ ما دون العشر بضع. فكان ظهور فارس على الرّوم في تسع سنين. ثمّ أظهر اللَّه الرّوم على فارس زمن الحديبية، ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب.

و روى أبو عبد اللَّه الحافظ (1) بالإسناد: عن ابن عبّاس في قوله: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ‏. قال: قد مضى. و كان ذلك في أهل فارس و الرّوم. و كانت فارس قد غلبت عليهم، ثمّ غلبت الرّوم بعد ذلك. و لقي نبيّ اللَّه مشركي العرب، و التقت الرّوم و فارس. فنصر اللَّه النّبيّ و من معه على مشركي العرب، و نصر أهل الكتاب على مشركي العجم ففرح المسلمون بنصر اللَّه إيّاهم، و نصر أهل الكتاب على العجم.

قال: عطيّة: و سألت أبا سعيد الخدريّ عن ذلك.

فقال: التقينا مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و مشركو العرب، و التقت الرّوم و فارس فنصرنا اللَّه على مشركي العرب، و نصر أهل الكتاب على المجوس. ففرحنا بنصر اللَّه إيّانا على مشركي العرب، و نصر أهل الكتاب على المجوس. فذلك قوله: يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ‏.

و قيل‏ (2): لما غلب فارس على الرّوم و بلغ الخبر مكّة، فرح المشركون و شمتوا بالمسلمين. و قالوا: أنتم و النّصارى أهل كتاب. و نحن و فارس أمّيّون. و قد ظهر إخواننا على إخوانكم. و لنظهرنّ عليكم فنزلت.

فقال لهم أبو بكر: لا يقرّنّ اللَّه أعينكم. فو اللَّه ليظهرنّ الرّوم على فارس بعد بضع سنين فقال له أبّي بن خلف: كذبت اجعل بيننا و بينك أجلا أناحبك عليه. فناحبه على عشر قلائص من كلّ واحد منهما. و جعلا الأجل ثلاث سنين. فأخبر أبو بكر رسول‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) أنوار التنزيل 2/ 216، بتصرف في أوّل المنقول هنا.

174

اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال: البضع: ما بين الثّلاث إلى التّسع. فزايده في الخطر و مادة في الأجل، فجعلاه مائة قلوص إلى تسع سنين. و مات أبيّ بن خلف من جرح رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بعد قفوله من أحد. و ظهرت الرّوم على فارس يوم الحديبية. فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أبيّ، و جاء به إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال: تصدّق به.

لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ: من قبل كونهم غالبين، و من بعد كونهم غالبين.

و هو وقت كونهم غالبين، أي: له الأمر حين غلبوا و حين يغلبون. ليس شي‏ء منهما إلّا بقضائه.

و قرئ: «من قبل و من بعد» من غير تقدير مضاف إليه. كأنّه قيل: قبلا و بعدا، أي: أوّلا و آخرا. (1)

و في الخرائج و الجرائح، (2) في أعلام الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- و منها ما قال أبوه: سأل محمّد بن صالح أبا محمّد- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- تعالى- لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ.

فقال: له الأمر من قبل أن يأمر به. و له الأمر من بعد أن يأمر به بما يشاء.

وَ يَوْمَئِذٍ: و يوم يغلب الرّوم.

يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ‏ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ‏ قيل‏ (3): من له كتاب على من لا كتاب له. لما فيه من انقلاب التّفاؤل، و ظهور صدقهم فيما أخبروا به المشركين، و غلبتهم في رهانهم، و ازدياد يقينهم، و ثباتهم في دينهم.

و قيل‏ (4): بنصر اللَّه المؤمنين، بإظهار صدقهم. أو بأن ولي بعض أعدائهم بعضا حتّى تفانوا.

يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ: فينصر هؤلاء تارة و هؤلاء أخرى.

و في روضة الكافي‏ (5): ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الم غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ‏.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير نور الثقلين 4/ 170، ح 5، نقلا عنه.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) الكافي 8/ 269، ح 397.