تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج10

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
586 /
175

قال: فقال: يا أبا عبيدة إنّ لهذا تأويلا لا يعلمه إلّا اللَّه و الرّاسخون في العلم من آل محمّد- (عليهم السلام)- إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لمّا هاجر إلى المدينة و أظهر الإسلام، كتب إلى ملك الرّوم كتابا و بعث به مع رسول يدعوه إلى الإسلام. و كتب إلى ملك فارس كتابا يدعوه إلى الإسلام، و بعثه إليه مع رسوله. فأمّا ملك الرّوم، فعظّم كتاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أكرم رسوله. و أمّا ملك فارس، فإنّه استخفّ بكتاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و مزّقه و استخفّ برسوله.

و كان ملك فارس يومئذ يقاتل ملك الرّوم. و كان المسلمون يهوون أن يغلب ملك الرّوم ملك فارس. و كانوا لناحيته أرجى منهم لملك فارس. فلمّا غلب ملك فارس ملك الرّوم، كره ذلك المسلمون فاغتمّوا به. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- بذلك كتابا قرآنا: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ‏، يعني: غلبتها فارس في أدنى الأرض. و هي الشّامات و ما حولها. وَ هُمْ‏، يعني: و فارس‏ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ‏ الرّوم‏ سَيَغْلِبُونَ‏، يعني: يغلبهم المسلمون. [فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ فلما غزا المسلمون‏] (1) فارس و افتتحوها فرح المسلمون بنصر اللَّه- عزّ و جلّ-.

قال: قلت: أليس اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: فِي بِضْعِ سِنِينَ‏ و قد مضى للمؤمنين سنون كثيرة مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و في إمارة أبي بكر، و إنّما غلب المؤمنون فارس في إمارة عمر؟

فقال: ألم أقل لك: إنّ لهذا تأويلا و تفسيرا؟ و القرآن- يا أبا عبيدة- ناسخ و منسوخ. أما تسمع لقول اللَّه- عزّ و جلّ-: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ، يعني: إليه المشيئة في القول. أن يؤخّر ما قدّم، و يقدّم ما أخّر في القول إلى يوم يحتم القضاء بنزول النّصر فيه على المؤمنين. و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ‏، أي: يوم يحتم القضاء بالنّصر.

و في شرح الآيات الباهرة (2): قال محمّد بن العبّاس حدّثنا الحسن بن محمّد بن جمهور القمّيّ، عن أبيه، عن جعفر بن بشير، عن الوشّاء، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن تفسير الم* غُلِبَتِ الرُّومُ‏ قال: هم بنو أميّة. و إنّما أنزلها اللَّه- عزّ و جلّ- الم* غلبت الروم بنو أمية* في أدنى‏

____________

(1) ليس في أ.

(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 156.

176

الأرض و هم من بعد غلبهم سيغلبون* في بضع سنين لله الأمر من قبل و من بعد و يومئذ يفرح المؤمنين* بنصر الله عند قيام القائم- (عليه السلام)-.

وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏ (5): ينتقم من عباده بالنّصر عليهم تارة، و يتفضّل عليهم بنصرهم أخرى.

وَعْدَ اللَّهِ‏: مصدر مؤكد لنفسه. لأنّ ما قبله في معنى الوعد.

لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ‏: لامتناع الكذب عليه.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (6): وعده، و لا صحّة وعده. لجهلهم، و عدم تفكّرهم.

يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا: ما يشاهدونه منها و التّمتّع بزخارفها.

و في مجمع البيان‏ (1): و سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قوله- عزّ و جلّ- يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا.

فقال: الزّجر و النّجوم.

وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ: التّي هي غايتها و المقصود منها هُمْ غافِلُونَ‏ (7): لا تخطر ببالهم.

و «هم» الثّانية تكرير للأولى. أو مبتدأ و «غافلون» خبره. و الجملة خبر الأولى.

و هو على الوجهين مناد على تمكّن غفلتهم عن الآخرة، المحقّقة لمقتضى الجملة المتقدّمة المبدلة من قوله: «لا يعلمون»: تقريرا لجهالتهم، و تشبيها لهم بالحيوانات المقصور إدراكها من الدّنيا ببعض ظاهرها. فإنّ من العلم بظاهرها، معرفة حقائقها و صفاتها و خصائصها و أفعالها و أسبابها و كيفيّة التّصرّف فيها. فلذلك قال: «ظاهرا» و أمّا باطنها، فإنّها مجاز إلى الآخرة و وصلة إلى نيلها و أنموذج لأحوالها. و إشعارا بأنّه لا فرق بين عدم العلم و العلم الّذي يختصّ بظاهر الدّنيا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (2): يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا، يعني:

ما يرونه حاضرا. وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ‏ قال: يرون حاضر الدّنيا و يتغافلون عن الآخرة.

أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ‏: أ و لم يحدّثوا التّفكّر فيها. أو أو لم يتفكّروا في أمر

____________

(1) مجمع البيان 4/ 295.

(2) تفسير القمي 2/ 153.

177

أنفسهم، فإنّها أقرب إليهم من غيرها و مرآة يجتلي فيها للمستبصر ما يجتلي له في الممكنات بأسرها. ليتحقّق له قدرة مبدعها على إعادتها من قدرته على إبدائها.

ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ‏: متعلّق بقول. أو علم محذوف، يدلّ عليه الكلام.

وَ أَجَلٍ مُسَمًّى‏: تنتهي عنده. و لا تبقي بعده.

وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ‏: بلقاء جزائه. عند انقضاء قيام الأجل المسمّى، أو قيام السّاعة.

لَكافِرُونَ‏ (8): جاحدون. يحسبون أنّ الدّنيا أبديّة، و الآخرة لا تكون.

أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏:

تقرير لسيرهم في أقطار الأرض، و نظرهم إلى آثار المدمّرين قبلهم.

و في كتاب الخصال‏ (1): سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- تعالى-:

أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏.

فقال: معناه: أ و لم ينظروا في القرآن.

كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً: كعاد و ثمود.

وَ أَثارُوا الْأَرْضَ‏: قلبوا وجهها. لاستنباط المياه، و استخراج المعادن و زرع البذور و غيرها.

وَ عَمَرُوها: و عمروا الأرض.

أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها: من عمارة أهل مكّة إيّاها. فإنّهم أهل واد غير ذي زرع لا تبسّط لهم في غيرها. و فيه تهكّم بهم، من حيث أنّهم مغترّون بالدّنيا مفتخرون بها و هم أضعف حالا فيها. إذ مدار أمرها على التّبسّط في البلاد و التّسلّط على العباد و التّصرّف في أقطار الأرض بأنواع العمارة، و هم ضعفاء ملجئون الى دار لا نفع بها.

وَ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ‏: بالمعجزات. أو الآيات الواضحات.

فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ‏: ليفعل بهم ما يفعل الظّلمه. فيدمرهم من غير جرم و لا تذكير.

وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ (9): حيث عملوا ما أدّى إلى تدميرهم.

____________

(1) الخصال 2/ 396، ذيل حديث 102.

178

ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى‏، أي: ثمّ كان عاقبتهم العاقبة السّوأى. أو الخصلة السّوأى. فوضع الظّاهر موضع الضّمير، للدّلالة على ما اقتضى أن تكون تلك عاقبتهم و أنّهم جاؤوا بمثل أفعالهم.

«و السّوأى» تأنيث الأسوأ. كالحسنى. أو مصدر. كالبشرى. نعت بها.

أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ‏ (10): علّة. أو بدل. أو عطف بيان «للسّوأى». أو خبر «كان».

و «السّوأى» مصدر «أساؤوا». أو مفعوله، بمعنى: ثمّ كان عاقبة الّذين اقترفوا الخطيئة، أن طبع اللَّه على قلوبهم حتّى كذّبوا الآيات و استهزؤوا بها.

و يجوز أن تكون «السّوأى» صلة الفعل. «و أن كذّبوا» تابعها. و الخبر محذوف للإبهام و التهويل. و أن تكون «أن» مفسّرة. لأنّ الإساءة إذا كانت مفسّرة بالتّكذيب و الاستهزاء، كانت متضمّنة معنى القول.

و قرأ ابن عامر و الكوفيّون: «عاقبة» بالنّصب. على أنّ الاسم «السّوأى» و «أن كذّبوا» على الوجوه المذكورة (1).

اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ‏: ينشئهم.

ثُمَّ يُعِيدُهُ‏: يبعثهم.

ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ (11): للجزاء و العدول إلى الخطاب، للمبالغة في المقصود.

و قرأ أبو عمرو و أبو بكر و روح، بالياء على الأصل‏ (2).

وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ‏ (12): يسكتون، متحيّرين آيسين.

يقال: ناظره فأبلس: إذا سكت و أيس من أن يحتجّ. و منه النّاقة المبلاس: الّتي لا ترغو.

و قرئ، بفتح اللّام. من أبلسه: إذا أسكته‏ (3).

وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ‏: ممّن أشركوهم باللَّه.

شُفَعاءُ: يجيرونهم من عذاب اللَّه. و مجيئه بلفظ الماضي، لتحقّقه.

وَ كانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ‏ (13): يكفرون بآلهتهم حين يئسوا منهم.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 217 و في المصاحف الموجودة و المطبوعة الآن، أيضا، بالنصب. و أمّا في تفسير الصافي 4/ 128، رفعها. فتلاحظ.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) أنوار التنزيل 2/ 217- 218.

179

و قيل‏ (1): كانوا في الدّنيا كافرين بسببهم. و كتب في المصحف «شفعواء» و «علمؤا» بني إسرائيل بالواو. و كذا «السّوأى» بالألف. إثباتا للهمزة على صورة الحرف الّذي منه حركتها.

وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ‏ (14): أي: المؤمنون و الكافرون.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: تقوم السّاعة يوم الجمعة، بين صلاة الظّهر و العصر.

و عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)(3)- قال: السّبت لنا و الأحد لشيعتنا- إلى أن قال- (عليه السلام)-: و تقوم القيامة يوم الجمعة (4).

عن أبي لبابة بن عبد المنذر (5) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّ يوم الجمعة سيّد الأيّام- إلى قوله-: و ما من ملك مقرّب و لا سماء و لا أرض و لا رياح و لا جبال و لا برّ و لا بحر، إلّا و هنّ يشفقن من يوم الجمعة أن تقوم فيه السّاعة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ‏. قال: إلى الجنّة و النّار.

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ: أرض ذات أزهار و أنهار.

يُحْبَرُونَ‏ (15): يسرّون سرورا تهلّلت له وجوههم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (7): فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ‏. أي: يكرمون.

و في مجمع البيان‏ (8): فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ‏. قيل: يلذّذون بالسّماع.

____________

(1) نفس الموضع 2/ 218.

(2) الخصال.

(3) نفس المصدر 2/ 394، ح 101.

(4) يوجد في هامش نسخة م:

و الاثنين لأعداءنا و الثلاثاء لبني أميّة و الأربعاء يوم شرب الدواء الخميس تقضى فيه الحوائج و الجمعة للتنظيف و التطيّب. و هو عيد المسلمين. و هو أفضل من الفطر. و يوم غدير خمّ أفضل الأعياد. و هو الثامن عشر من ذي الحجة. و يخرج قائمنا أهل البيت يوم الجمعة. و تقوم القيامة يوم الجمعة.

الخصال.

(5) نفس المصدر، 2/ 315، ح 97.

(6) تفسير القمي 2/ 153.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) مجمع البيان 4/ 298.

180

عن يحيى بن أبي كثير الأوزاعيّ‏ (1): أخبرنا أبو الحسن عبد اللَّه بن محمّد بن أحمد البيهقيّ قال: أخبرنا جدّى الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقيّ قال: حدّثنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الزّاهد قال: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن بندار قال: أخبرنا جعفر بن محمّد بن الحسن القربانيّ قال: حدّثنا سليمان بن عبد الرّحمن الدّمشقيّ قال: حدّثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة الباهليّ أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: ما من عبد يدخل الجنّة، إلّا و يجلس عند رأسه و عند رجليه ثنتان من الحور العين تغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس و الجنّ. و ليس بمزمار الشّيطان، و لكن بتحميد اللَّه و تقديسه.

و عن أبي الدّرداء (2) قال: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يذكر النّاس. فذكر الجنّة و ما فيها من الأزواج و النّعيم، و في القوم أعرابيّ. فجثا لركبته، و قال: يا رسول اللَّه، هل في الجنّة من سماع؟

قال: نعم، يا أعرابيّ. إنّ في الجنّة نهرا حافّتاه الأبكار من كلّ بيضاء يتغنّين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قطّ. فذلك أفضل نعيم الجنّة.

قال الرّاوي: سألت أبا الدّرداء بم يتغنّين؟

قال: بالتّسبيح.

وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ لِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ‏ (16): مدخلون لا يغيبون عنه.

فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ‏ (17) وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ‏ (18): إخبار في معنى الأمر، بتنزيه اللَّه- تعالى- و الثّناء عليه في هذه الأوقات الّتي تظهر فيها قدرته و تتجدّد فيها نعمته. أو دلالة على ما يحدث فيها من الشّواهد النّاطقة، و تنزيهه، و استحقاقه الحمد ممّن له تمييز من أهل السّموات و الأرض.

و تخصيص التّسبيح بالمساء و الصّباح، لأنّ آثار القدرة و العظمة فيها أظهر.

و تخصيص الحمد بالعشيّ، الّذي هو آخر النّهار من عشى العين: إذا نقص نورها.

و الظّهيرة الّتي هي وسطه، تجدّد النّعم فيها أكثر.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

181

و يجوز أن يكون «عشيّا» معطوفا على «حين تمسون» و قوله: وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ اعتراضا.

و عن ابن عبّاس- رضي اللَّه عنه‏ (1)- أنّ الآية جامعة للصّلوات [الخمس «] (2) تمسون» صلاتا المغرب و العشاء. و «تصبحون» صلاة الفجر. «و عشيّا» صلاة العصر و «تظهرون» صلاة الظّهر. و لذلك زعم الحسن أنّها مدنيّة. لأنّه كان يقول: كان الواجب بمكّة ركعتين في أي وقت اتّفقت، و إنّما فرضت الخمس بالمدينة. و الأكثر على أنّها فرضت بمكّة. و قرئ: «و حينا تمسون و حينا تصبحون»، أي: تمسون فيه و تصبحون فيه‏ (3).

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4): و روي عن الحسن بن عليّ أبي طالب- (عليهما السلام)- أنه قال: جاء نفر من اليهود إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فسأله أعلمهم عن مسائل. فكان فيما سأله: أخبرني عن اللَّه- عزّ و جلّ- لأىّ شي‏ء فرض هذه الخمس الصّلوات في خمس مواقيت على أمّتك في ساعات اللّيل و النّهار؟

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّ الشّمس عند الزّوال لها حلقة تدخل فيها إلى أن قال- (عليه السلام)- و أمّا صلاة المغرب، فهي السّاعة الّتي تاب اللَّه- عزّ و جلّ- فيها على آدم- (عليه السلام)- و كان ما بين ما أكل من الشّجرة و بين ما تاب اللَّه- عزّ و جلّ- عليه ثلاثمائة سنة من أيّام الدّنيا. و في أيّام الآخرة يوم كألف سنة ما بين العصر إلى العشاء.

فصلّى آدم ثلاث ركعات ركعة لخطيئته و ركعة لخطيئة حوّاء و ركعة لتوبته. ففرض اللَّه- عزّ و جلّ- هذه الثّلاث ركعات على أمّتي. و هي الساعة الّتي يستجاب فيها الدّعاء.

فوعدني ربّي- عزّ و جلّ- أن يستجيب من دعاه فيها. و هي الصّلاة الّتي أمرني ربّي بها في قوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (5): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: من قال حين يمسي ثلاث مرّات: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ* وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ‏. لم يفته خير يكون في تلك اللّيلة (6) و صرف عنه جميع شرّها.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 218.

(2) من م و ن.

(3) أنوار التنزيل 2/ 218.

(4) من لا يحضره الفقيه 1/ 137، ح 1.

(5) ثواب الأعمال/ 199، ح 1.

(6) ن: في ذلك اليوم.

182

و من قال مثل ذلك حين يصبح، لم يفته خير يكون في ذلك اليوم و صرف عنه جميع شرّه.

يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ‏: كالإنسان من النّطفة. و الطّائر من البيضة.

وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ‏: النّطفة و البيضة. أو يعقب الحياة بالموت و بالعكس.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (1) في قوله- عزّ و جلّ-: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ‏ قال: يخرج المؤمن من الكافر. و يخرج الكافر من المؤمن.

وَ يُحْيِ الْأَرْضَ‏: بالنّبات.

بَعْدَ مَوْتِها: يبسها.

وَ كَذلِكَ‏: و مثل ذلك الإخراج. تُخْرَجُونَ‏ (19): من قبوركم فإنّه- أيضا- تعقيب الحياة بالموت.

و قرأ حمزة و الكسائيّ، بفتح التّاء (2).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (3): وَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ كَذلِكَ تُخْرَجُونَ‏. ردّ على الدّهريّة (4).

و في جوامع الجامع‏ (5): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من سرّه أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ‏ إلى قوله: تُخْرَجُونَ‏.

و في الكافي‏ (6): أحمد بن مهران، عن محمّد بن عليّ، عن موسى بن سعدان، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج، عن أبي إبراهيم- (عليه السلام)‏- في قوله اللَّه- عزّ و جلّ-: يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قال: ليس يحييها بالقطر. و لكن يبعث اللَّه رجالا فيحيون العدل، فتحيا الأرض لإحياء العدل. و لإقامة العدل فيه‏ (7)، أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحا.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة، (8) بإسناده إلى حكيمة بنت محمّد بن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عمّة أبي محمّد الحسن- (عليهما السلام)- أنّها قالت: كنت عند أبي‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 154.

(2) أنوار التنزيل 2/ 218.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) المصدر: «و هو ردّ على أصناف الزنادقة» بدل «ردّ على الدهرية.»

(5) جوامع الجامع/ 357.

(6) الكافي 7/ 174، ح 2.

(7) المصدر: «الحد للَّه» بدل «العدل فيه.»

(8) كمال الدين و تمام النعمة 2/ 427، ح 2.

183

محمّد- (عليه السلام)- فقال: بيتي اللّيل عندنا. فإنّه سيلد المولود الكريم على اللَّه- عزّ و جلّ- الّذي يحي اللَّه الأرض بعد موتها.

فقلت: ممّن يا سيّدي. و لست أرى بنرجس شيئا من أثر الحبل؟

فقال: من نرجس، لا من غيرها.

قالت: فوثبت إليها، فقلّبتها ظهرا البطن. فلم أر بها أثر الحبل. فعدت إليه- (عليه السلام)- فأخبرته بما فعلت.

فتبسّم ثمّ قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك الحبل. كان‏ (1) مثلها مثل أمّ موسى، لم يظهر بها الحبل، و لم يعلم بها أحد الى وقت ولادتها. لأنّ فرعون كان يشقّ بطون الحبالى في طلب موسى- (عليه السلام)- و هذا نظير موسى- (عليه السلام)

- و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ‏، أي: في أصل الإنشاء. لأنّه خلق أصلهم منه.

ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ‏ (20): ثمّ فاجأتم وقت كونكم بشرا منتشرين في الأرض.

وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً: لأنّ النّساء خلقن من نطف الرّجال. أو لأنّهنّ من جنسهم، لا من جنس آخر.

لِتَسْكُنُوا إِلَيْها: لتميلوا إليها و تألفوا بها. فإنّ الجنسيّة علّة للضّمّ، و الاختلاف سبب للتّنافر.

وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ‏، أي: بين الرّجال و النّساء. أو بين أفراد الجنس.

مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً: بواسطة الزّواج، حال الشّبق و غيرها- بخلاف سائر الحيوانات- نظما لأمر المعاش. أو بأنّ تعيّش الإنسان متوقّف على التّعارف و التّعاون، المحوج إلى التّوادّ و التّراحم.

و قيل‏ (2): المودة: كناية عن الجماع. و «الرّحمة» عن الولد. كقوله‏ (3): رحمة منا.

و في الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن معاوية بن‏

____________

(1) ص و أ: لأنّ.

(2) أنوار التنزيل 2/ 219.

(3) ص/ 43.

(4) الكافي 5/ 506، ح 1.

184

وهب قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: انصرف رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من سريّة، قد كان أصيب فيها ناس كثير من المسلمين. فاستقبلته النّساء. يسألنه عن قتلاهنّ. فدنت منه امرأة، فقالت: يا رسول اللَّه، ما فعل فلان؟

فقال و ما هو منك؟

قالت: أبي.

قال: احمدي اللَّه و استرجعي، فقد استشهد.

ففعلت ذلك. ثمّ قالت: يا رسول اللَّه، ما فعل فلان؟

فقال: و ما هو منك؟

قالت: زوجي.

قال: احمدي اللَّه و استرجعي، فقد استشهد.

فقالت: وا ويلي.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: ما كنت أظنّ أنّ المرأة تجد بزوجها هذا كلّه، حتّى رأيت هذه المرأة.

أحمد بن محمّد، عن معمّر بن خلّاد (1) قال: سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول:

قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لابنة جحش: قتل خالك حمزة. قال:

فاسترجعت و قالت: أحتسبه عند اللَّه. ثمّ قال لها: قتل أخوك. فاسترجعت و قالت:

أحتسبه عند اللَّه. ثمّ قال لها: قتل زوجك. فوضعت يدها على رأسها و صرخت.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: ما يعدل الزّوج عند المرأة شي‏ء.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ (21): فيعلمون ما في ذلك من الحكم.

وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ‏: لغاتكم. بأن علّم كلّ صنف لغة. أو ألهمه وضعها، و أقدره عليها. أو أجناس نطقكم و أشكاله. فإنّه لا تكاد تسمع منطقين متساويين في الكيفيّة.

وَ أَلْوانِكُمْ‏: بياض الجلد و سواده. أو تخطيطات الأعضاء و هيئاتها و ألوانها و حلاها. بحيث وقع التّمايز و التّعارف. حتّى أنّ التّوأمين مع توافق موادّهما و أسبابهما و الأمور

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

185

الملاقية لهما في التّخليق، يختلفان في شي‏ء من ذلك لا محال.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ‏ (22): لا تكاد تخفى على عاقل، من ملك و إنس و قرأ حفص، بكسر اللّام. و يؤيّده قوله‏ (1): وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏. (2)

و في أصول الكافي‏ (3): أحمد بن إدريس و محمّد بن يحيى، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عيسى‏ (4) بن هشام، عن عبد اللَّه بن سليمان‏ (5)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ الإمام إذا بصر إلى الرّجل عرفه، و عرف لونه. و إن سمع كلامه من خلق حائط، عرفه و عرف ما هو. إنّ اللَّه يقول: وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ‏. و هم العلماء. فليس يسمع شيئا من الأمر ينطق به، إلّا عرفه أنّه ناج أو هالك. فلذلك يجيبهم بالّذي يجيبهم.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده إلى أبي جعفر- (عليه السلام)- (6) قال: كفى لأولي الألباب بخلق الرّبّ المسخّر و ملك الرّبّ القاهر- إلى قوله-: و ما أنطق به ألسن العباد، و ما أرسل به الرّسل، و ما أنزل على العباد دليلا على الرّبّ.

و في توحيد المفضّل بن عمر (7) المنقول عن أبي عبد اللَّه الصّادق- (عليه السلام)- في الرّدّ على الدّهريّة: تأمّل- يا مفضّل- ما أنعم اللَّه تقدّست أسماؤه به على الإنسان من هذا النّطق. الّذي يعبّر به عمّا في ضميره، و ما يخطر بقلبه، و نتيجة فكره. به يفهم غيره ما في نفسه. و لو لا ذلك، كان بمنزلة البهائم المهملة الّتي لا تخبر عن نفسها بشي‏ء و لا تفهم عن مخبر شيئا.

و كذلك الكتابة، الّتي بها تفيد أخبار الماضين للباقين و أخبار الباقين للآتين. و بها تجلّد (8) الكتب في العلوم و الآداب و غيرها. و بها يحفظ الإنسان ذكرى ما يجري بينه و بين غيره من المعاملات و الحساب. و لولاها لانقطع أخبار بعض الأزمنة عن بعض و أخبار الغائبين عن أوطانهم، و درست العلوم، و ضاعت الآداب، و عظم ما يدخل على النّاس من‏

____________

(1) العنكبوت/ 43.

(2) أنوار التنزيل 2/ 219.

(3) الكافي 1/ 438- 439، ضمن حديث 3.

(4) م: عميس.

س، أ: قيس. ر. تنقيح المقال 2/ 243، رقم 7713.

(5) س و أ و م و ن: أبي عبد اللَّه بن سليمان.

(6) نفس المصدر 1/ 81، ح 6.

(7) بحار الأنوار 3/ 81- 82.

(8) المصدر: تخلد.

186

الخلل في أمورهم و معاملاتهم، و ما يحتاجون إلى النّظر فيه من أمر دينهم، و ما روى لهم ممّا لا يسعهم جهله. و لعلّك تظنّ أنّها ممّا يخلص إليه بالحيلة و الفطنة، و ليس ممّا أعطيه الإنسان من خلقه و طباعه.

و كذلك الكلام. إنّما هو شي‏ء يصطلح عليه النّاس، فيجري بينهم. و لهذا صار يختلف في الأمم المختلفة بألسن مختلفة. و كذلك بالكتابة، ككتابة العربيّ و السّريانيّ و العبرانيّ و الرّوميّ و غيرها من سائر الكتابة الّتي هي متفرّقة في الأمم إنّما اصطلحوا عليها، كما اصطلحوا على الكلام. فيقال لمن ادّعى ذلك: إنّ الإنسان و إن كان له في الأمرين جميعا فعل أو حيلة، فانّ الشي‏ء الّذي يبلغ به ذلك الفعل و الحيل عطيّة و هبة من اللَّه- عزّ و جلّ- له في خلقه. فإنّه لو لم يكن له لسان مهيّا للكلام و ذهن يهتدي به للأمور لم يكن ليتكلّم أبدا. و [و لو لم يكن له كفّ مهيّأة و أصابع لكتابة، لم يكن ليكتب أبدا. و] (1) اعتبر ذلك من البهائم التي لا كلام لها و لا كتابة. فأصل ذلك فطرة البارئ- جلّ و عزّ- و ما تفضّل به على خلقه. فمن شكر أثيب. وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏ (2).

و في بصائر الدّرجات‏ (3): أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن حمّاد بن عبد اللَّه الفرّاء، عن معتب أنّه أخبره: أنّ أبا الحسن الأوّل لم يكن يرى له ولد. فأتاه يوما إسحاق و محمّد أخواه، و أبو الحسن يتكلّم بلسان ليس بعربي. فجاء غلام سقلابيّ، فكلّمه بلسانه.

فذهب فجاء بعليّ ابنه، فقال لإخوته: هذا عليّ ابني. فضموه إليه واحدا بعد واحد فقبّلوه.

ثمّ كلّم الغلام بلسانه. فذهب به ثمّ تكلّم بلسان غير ذلك اللّسان. فجاء غلام أسود فكلّمه بلسانه. فذهب فجاء بإبراهيم فقال: هذا إبراهيم ابني فكلّمه بكلام. فجمله فذهب به. فلم يزل يدعو بغلام بعد غلام و يكلّمهم، حتّى جاء بخمسة أولاد. و الغلمان مختلفون في أجناسهم و ألسنتهم.

محمّد بن عيسى، عن عليّ بن مهزيار (4) قال: أرسلت إلى أرسلت إلى أبي الحسن- (عليه السلام)- غلامي، و كان سقلابيّا. قال: فرجع الغلام إليّ متعجّبا.

فقلت له: ما لك يا بنيّ؟

قال: كيف لا أتعجّب؟! ما زال يكلّمني بالسّقلابيّة، كأنّه واحد منّا. فظننت‏

____________

(1) من المصدر.

(2) آل عمران/ 97.

(3) بصائر الدرجات/ 333، ح 2.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

187

أنّه إنّما دار بينهم.

أحمد بن محمّد، عن أبي القاسم و عبد اللَّه بن عمران‏ (1)، عن محمّد بن بشير، عن رجل، عن عمّار السّاباطيّ قال: قال لي أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: يا عمّار «أبو مسلم فظلله فكسا فكسحه فسطورا» قلت: جعلت فداك، ما رأيت نبطيّا أفصح منك.

فقال: يا عمّار، و بكلّ لسان.

و روى: يعقوب بن يزيد (2)، عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- يرفع الحديث إلى الحسن بن عليّ- (صلوات اللّه عليهما و على آبائهما) - أنّه قال: إنّ للَّه مدينتين. إحداهما بالمشرق، و الأخرى بالمغرب. عليهما سور من حديد. و على كلّ مدينة ألف ألف مصراع من ذهب. و فيها سبعون ألف ألف لغة يتكلّم كلّ لغة بخلاف صاحبه. و أنا أعرف جميع اللّغات. و ما فيها، و ما بينهما، فما عليهما حجّة غيري و الحسين أخي.

و في كتاب علل الشّرائع، (3) بإسناده إلى عبد اللَّه بن يزيد بن سلام‏ أنّه سأل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: فأخبرني عن آدم، لم سمّي آدم؟

قال: لأنّه من طين الأرض و أديمها.

قال: فآدم خلق من الطّين كله أو من طين واحد؟

قال: بل من الطّين كلّه. و لو خلق من طين واحد لما عرف النّاس بعضهم بعضا، و كانوا على صورة واحدة.

قال: فلهم في الدّنيا مثل؟

قال: التّراب. فيه أبيض، و فيه أخضر، و فيه أشقر، و فيه أغبر، و فيه أحمر، و فيه أزرق، و فيه عذب، و فيه ملح، و فيه خشن، و فيه ليّن، و فيه أصهب. فلذلك صار النّاس فيهم لين، و فيهم خشن، و فيهم احمر و ابيض، و فيهم أصغر و أصهب و أسود على ألوان التراب.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

(2) نفس المصدر/ 339، ذيل حديث 4.

(3) علل الشرائع/ 471، ح 33.

188

و بإسناده إلى سهل بن زياد الآدميّ‏ (1) قال حدّثنا عبد العظيم بن عبد اللَّه الحسنيّ قال:

سمعت عليّ بن محمّد العسكريّ (عليه السلام)- يقول: عاش نوح ألفين و خمسمائة سنة. و كان يوما في السّفينة نائما، فهبّت ريح فكشف عورته. فضحك حام و يافث، فزجرهما سام (عليه السلام)- و نهاهما عن الضّحك. كان كلّما غطّى سام شيئا تكشفه الرّيح، كشفه حام و يافث. فانتبه نوح (عليه السلام)- فرآهم و هم يضحكون، فقال: ما هذا؟ فأخبره سام بما كان: فرفع نوح يده إلى السّماء يدعو و يقول: اللّهمّ، غيّر ماء صلب حام حتّى لا يولد له ولد إلّا السّودان. اللّهمّ، غيّر ماء صلب يافث. فغيّر اللَّه ماء صلبيهما. فجميع السّودان حيث كانوا من حام. و جميع التّرك و السّقالب و يأجوج و مأجوج و الصّين من يافث حيث كانوا.

و جميع البيض سواهم من سام.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ‏: منامكم في الزّمانين، لاستراحة القوى النّفسانيّة و قوّة القوى الطّبيعية و طلب معاشكم فيهما. أو مناكم باللّيل و ابتغاؤكم بالنّهار، فلفّ و ضمّ بين الزّمانين و الفعلين بعاطفين، إشعارا بأنّ كلّا من الزّمانين و إن اختصّ بأحدهما صالح للآخر عند الحاجة. و يؤيّده سائر الآيات الواردة فيه‏ (2).

____________

(1) نفس المصدر/ 32- 33، 1.

(2) يوجد في هامش نسخة م:

عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ العباد إذا ناموا خرجت أرواحهم إلى سماء الدّنيا. فما رأت الرّوح في سماء الدّنيا، فهو حقّ. و ما رأت في الهواء، فهو الأضغاث.

قال: سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول: إنّ المرء إذا نام، خرجت روحه. فإنّ روح الحياة (المصدر: روح الحيوان) باقية في البدن. فالّذي يخرج منه روح العقل، و كذلك هو في المنام- أيضا.

قال: عبد الغفّار الأسلمي: يقول اللَّه- عزّ و جل- [الزمر/ 42]: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها إلى قوله: إلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏ أ فليس ترى الأرواح كلّها تصير إليه عند منامها فيمسك ما يشاء و يرسل ما يشاء؟

فقال له أبو الحسن: إنّما يصير إليه أرواح العقول. فأمّا أرواح الحياة، فإنّها في الأبدان لا تخرج إلّا بالموت. و لكنّه إذا قضى على نفس الموت، فقبض الرّوح الّذي فيه روح العقل. و لو كانت روح الحياة خارجة، لكان بدنا ملقى لا يتحرّك. و لقد ضرب اللَّه لهذا مثلا في كتابه في أصحاب الكهف حيث قال: [الكهف/ 18]:

وَ نُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَ ذاتَ الشِّمالِ‏ أفلا ترى أنّ أرواحهم فيهم بالحركات؟ من كتاب جامع الأخبار [ص 199- 200، في فصل 136]

ما يأتى في سورة السّجدة أحاديث النّوم و الموت المناسبة للمقام.

189

و في توحيد الفضّل بن عمر (1) المنقول عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- في الرّدّ على الدّهرّية: و الكرى يقتضى‏ (2) النّوم الّذي فيه راحة البدن و إجمام قواه- إلى أن قال (عليه السلام)-: و كذلك لو كان إنّما يصير إلى النّوم، بالتّفكّر في حاجته إلى راحة البدن و إجمام قواه، كان عسى أن يتثاقل عن ذلك فيدفعه حتّى يهنك‏ (3) بدنه.

و في كتاب علل الشّرائع، (4) بإسناده إلى يعقوب بن شعيب قال: سمعت أبا عبد اللَّه (عليه السلام)- يقول: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: في بني آدم ثلاثمائة و ستّين عرقا. ثمانون و مائة متّحركة، و ثمانون و مائة ساكنة. فلو سكن المتحرّك، لم ينم. أو تحرّك السّاكن، لم ينم. فكان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا أصبح قال: الحمد للَّه ربّ العالمين كثيرا على كلّ حال. ثلاثمائة و ستّين مرّة. و إذا أمسى، قال مثل ذلك.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (5)، حديث طويل، يقول فيه الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- مجيبا للخضر- (عليه السلام)- بأمر أبيه أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه و آله)- و قد سأله عن مسائل: أمّا ما سألت عنه من أمر الإنسان إذا نام أين تذهب روحه.

فإنّ روحه متعلّقة بالرّيح. و الرّيح متعلّقة (6) بالهواء إلى وقت ما يتحرّك صاحبها لليقظة. فإن أذن اللَّه- عزّ و جلّ- بردّ تلك الرّوح على صاحبها [جذبت تلك الرّوح الرّيح و جذبت تلك الرّيح الهواء، فرجعت الرّوح فأسكنت في بدن صاحبها] (7) و إن لم يأذن اللَّه- عزّ و جلّ- بردّ تلك الرّوح على صاحبها، جذب الهواء الرّيح، و جذبت الرّيح الرّوح، فلم تردّ على صاحبها إلى وقت ما يبعث.

و في عيون الأخبار (8)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ، و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة، حديث طويل، و فيه: و سأله عن النّوم، على كم وجه هو؟

____________

(1) بحار الأنوار 3/ 79.

(2) المصدر: يقضي.

(3) هكذا في المصدر. و في م و ن: «ينهلك». و في سائر النسخ: «يهلك».

(4) علل الشرائع/ 353- 354، ح 1.

(5) كمال الدين و تمام النعمة 1/ 213- 214، ح 1.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: معلّقة.

(7) ليس في أ.

(8) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 193، ح 1.

190

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: النّوم على أربعة أصناف: الأنبياء تنام على أقفيتها مستقبلة، و أعينها لا تنام، متوقّعة لوحي ربّها- عزّ و جلّ- و المؤمنون ينامون على يمينهم، مستقبلين القبلة. الملوك و أبناؤها على شمائلها ليستمرءوا ما يأكلون. و إبليس و إخوانه و كلّ مجنون و ذو عاهة ينامون على وجوههم منبطحين.

و في كتاب الخصال: (1) عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- قالت: أمّ سليمان بن داود لسليمان: إيّاك و كثرة النّوم باللّيل. فأنّ كثرة النّوم باللّيل تدع الرّجل فقيرا يوم القيامة.

عن أبي الحسن- (عليه السلام)- (2) قال: لعن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ثلاثة: الآكل زاده وحده، و الرّاكب في الفلاة وحده، و النّائم في بيت وحده.

و فيما أوصى به النّبيّ عليّا- (عليه السلام)(3)-: يا علّى، ثلاث يتخوّف منهنّ:

الجنون- إلى قوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الرّجل ينام وحده.

و فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب‏ (4): إذا نام أحدكم‏ (5) فليضع يده اليمنى تحت خدّه الأيمن. فإنّه لا يدري أ ينتبه من رقدته أم لا.

لا ينام الرّجل على المحجنة (6).

لا ينام الرّجل على وجهه. من رأيتموه نائما على وجهه، فأنبهوه و لا تدعوه. (7)

إذا أراد أحدكم النّوم، فليضع يده اليمنى تحت خدّه الأيمن و ليقل: بسم اللَّه وضعت جنبي للَّه على ملّة إبراهيم و دين محمّد و ولاية من افترض اللَّه طاعته، ما شاء اللَّه كان و ما لم يشأ لم يكن. فمن قال ذلك، حفظ من اللّصّ المغير و الهدم و استغفرت له الملائكة (8).

من قرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حين يأخذ مضجعه، وكّل اللَّه- عزّ و جلّ- به خمسين ألف ملك يحرسونه ليلته‏ (9).

____________

(1) الخصال 1/ 28، ح 99.

(2) نفس المصدر 1/ 93، ح 38.

(3) نفس المصدر 1/ 125، ح 122.

(4) نفس المصدر/ 636.

(5) المصدر: إذا أراد أحدكم النوم.

(6) نفس المصدر/ 613. و فيه: المحجّة.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) نفس المصدر/ 631.

(9) نفس المصدر و الموضع.

191

و إذا أراد أحدكم النّوم، فلا يضعنّ جنبه على الأرض حتّى يقول: أعيذ نفسي و ديني و أهلي [و ولدي‏] (1) و مالي و خواتيم عملي و ما رزقني ربّي و خوّلني، بعزة اللَّه و عظمة اللَّه و جبروت اللَّه و سلطان اللَّه و رحمة اللَّه و رأفة اللَّه و غفران اللَّه و قوّة اللَّه و قدرة اللَّه و جلال اللَّه و بصنع اللَّه و أركان اللَّه و بجمع اللَّه و برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و بقدرة اللَّه على ما يشاء، من شرّ السّامّة و الهامّة، و من شرّ الإنس و الجنّ، و من شر ما يدبّ في الأرض و ما يخرج منها، و ما ينزل من السّماء و ما يعرج فيها، و من [شرّ] (2) كلّ دابّة ربّي‏ (3) آخذ بناصيتها، إنّ ربّ على صراط مستقيم، و هو على كلّ شي‏ء قدير، و لا حول و لا قوّة إلّا باللَّه العليّ العظيم. فإنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- [كان يعوّذ الحسن و الحسين.

و بذلك أرنا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-]. (4)

إذا انتبه أحدكم من نومه، فليقل: لا إله إلّا اللَّه الحليم‏ (5) الكريم الحّي القيّوم، و هو على كلّ شي‏ء قدير، سبحان ربّ النّبيّين و إله المرسلين، سبحان ربّ السّموات السّبع و ما فيهنّ و ربّ الأرضين السّبع و ما فيهنّ و ربّ العرش العظيم، و الحمد للَّه ربّ العالمين. و إذا جلس من نومه، فليقل قبل أن يقوم: حسبي اللَّه، حسبي الرّبّ من العباد، حسبي الّذي هو حسبي مذ كنت، حسبي اللَّه و نعم الوكيل. (6)

عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- (7) قال: ثلاث خصال فيهنّ المقت من اللَّه- تعالى-:

نوم من غير سهر. و ضحك من غير عجب. و أكل على الشّبع.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ‏ (23): سماع تفهّم و استبصار. فإنّ الحكمة فيه ظاهرة.

وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ: مقدّر «بأن» كقوله:

ألا أيّهذا الزّاجريّ أحضر الوغى‏* * * و أن أشهد اللّذّات هل أنت مخلد.

أو الفعل فيه منزّل منزلة المصدر. كقولهم: تسمع المعيديّ خير من أن تراه. أو صفة

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: أنت.

(4) من المصدر. و الحديث في نفس المصدر و الموضع.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: الحكيم.

(6) نفس المصدر/ 625.

(7) نفس المصدر/ 89، ح 26.

192

لمحذوف، تقديره: آية يريكم بها البرق. كقوله:

فما الدّهر إلّا تارتان فمنهما أموت‏* * * و أخرى أبتغي العيش أكدح‏

خَوْفاً: من الصّاعقة، للمسافر.

وَ طَمَعاً: للغيث، للمقيم.

و نصبهما على العلّة لفعل يلزم المذكور (1). فإنّ إراءتهم تستلزم رؤيتهم. أوّله على تقدير مضاف، نحو: إرادة خوف، أو طمع. أو تأويل الخوف و الطّمع، بالإخافة و الإطماع.

كقولك: فعلته رغما للشّيطان. أو على الحال، مثل: كلّمته شفاها.

وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً:

و قرئ، بالتّشديد (2).

فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ‏: بالنّبات:

بَعْدَ مَوْتِها: يبسها.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ (24): يستعملون عقولهم في استنباط أسبابه، و كيفيّة تكوّنها. ليظهر لهم كمال قدرة الصّانع و حكمته.

وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ‏: قيامهما بإقامته لهما و إرادته لقيامهما في حيّزهما المعيّنين، من غير مقيم محسوس. و التّعبير بالأمر، للمبالغة في كمال القدرة و الغنى عن الآلة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (3): وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ‏، يعني: السّماء و الأرض هاهنا.

ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ‏ (25): عطف على «أن تقوم» على تأويل مفرد. كأنّه قيل: و من آياته قيام السّموات و الأرض بأمره، ثمّ خروجكم من القبور إذا دعاكم دعوة واحدة. فيقول: أيّها الموتى، اخرجوا.

و المراد، تشبيه سرعة ترتّب حصول ذلك على تعلّق إرادته. بلا توقّف و احتياج إلى تجشّم عمل، بسرعة ترتّب إجابة الدّاعي المطاع على دعائه.

____________

(1) هكذا في ن. و في سائر النسخ: الذكور.

(2) أنوار التنزيل 2/ 220.

(3) تفسير القمي 2/ 154.

193

و «ثمّ» إمّا لتراخي زمانه. أو لعظم ما فيه.

و «من الأرض» متعلّق «بدعا». كقوله: دعوته من أسفل الوادي، فطلع عليّ. لا «بتخرجون». لأنّ ما بعد «إذا» لا يعمل فيما قبلها. «و إذا» الثّانية للمفاجأة. و لذلك نابت مناب «الفاء» في جواب الأولى.

و في عوالي اللئالي‏ (1) و في الحديث عنه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: من قراء حين يصبح: فسبحان الله حين تمسون و حين تصبحون الآيات الثلاث إلى تخرجون أدرك ما فاته في يومه. و إن قالها حين يمسي، أدرك ما فاته في ليلته.

وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ‏ (26): منقادون لفعله.

فهم لا يمتنعون عليه.

وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏: بعد هلاكهم.

وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ‏: و الإعادة أسهل عليه من الأصل، بالإضافة إلى قدركم و القياس إلى أصولكم. و إلّا فهما عليه سواء. و لذلك قيل: «الهاء» للخلق.

و قيل‏ (2): «أهون» بمعنى: هيّن. و تذكير «هو» «لأهون». أو لأنّ الإعادة بمعنى: أن يعيد.

وَ لَهُ الْمَثَلُ‏ الوصف العجيب الشّأن. كالقدرة العامّة، و الحكمة التّامّة. و من فسّره يقول: لا إله إلّا اللَّه، أراد به الوصف بالوحدانيّة.

الْأَعْلى‏: ليس لغيره ما يساويه، أو يدانيه.

و في كتاب التّوحيد (3)، بإسناده إلى حنان بن سدير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه: و قوم وصفوه بيدين، فقالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ (4). و قوم وصفوه بالرّجلين، فقالوا: وضع رجله على صخرة بيت المقدس، فمنها ارتقى إلى السّماء. و قوم‏ (5) وصفوه بالأنامل، فقالوا: إنّ محمّدا قال: إنّي وجدت برد أنامله على قلبي‏ (6). فلمثل هذه الصّفات‏

____________

(1) عوالي اللآلئ 1/ 181، ح 239.

(2) أنوار التنزيل 2/ 220.

(3) التوحيد/ 323- 324، ضمن حديث.

(4) المائدة/ 64.

(5) المصدر: قوما.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: قلبه.

194

قال‏ (1): رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ‏. يقول: ربّ المثل الأعلى عمّا به مثّلوه. وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏ (2) الّذي لا يشبهه شي‏ء و لا يوصف و لا يتوهّم. فذلك المثل الأعلى.

و في عيون الأخبار (3) بإسناده إلى ياسر الخادم: عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لعليّ- (عليه السلام)- يا عليّ، أنت حجّة اللَّه. و أنت باب اللَّه. و أنت الطّريق إلى اللَّه. و أنت النّبأ العظيم. و أنت الصّراط المستقيم. و أنت المثل الأعلى.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في عيون الأخبار (4)- أيضا- في الزّيارة الجامعة لجميع الأئمّة- (عليهم السلام)- المنقولة: عن الجواد- (عليه السلام)- (5): السّلام على أئمّة الهدى- إلى قوله-: و ورثة الأنبياء و المثل الأعلى.

عن عبد اللَّه بن العبّاس‏ (6) قال: قام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فينا خطيبا. فقال في آخر خطبته: نحن كلمة التّقوى، و سبيل الهدى، و المثل الأعلى، و الحجّة العظمى، و العروة الوثقى.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: يصفه به ما فيهما، دلالة و نطقا.

وَ هُوَ الْعَزِيزُ: القادر. الّذي لا يعجز عن إبداء ممكن، و إعادته.

الْحَكِيمُ‏ (27): الّذي يجري الأفعال على مقتضى حكمته.

ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏: منتزعا من أحوالها. الّتي هي أقرب الأمور إليكم.

هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‏: من مماليككم.

مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ‏: من الأموال و غيرها.

فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ: فتكونون أنتم و هم فيه شرعا. يتصرّفون فيه كتصرّفكم. مع أنّهم بشر مثلكم، و أنّها معارة لكم.

____________

(1) الأنبياء/ 22. و الزخرف/ 82.

(2) النحل/ 60.

(3) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 6، ح 13.

(4) نفس المصدر 2/ 277، ح 1.

(5) المصدر: عن الهادي- (عليه السلام).

(6) لم نعثر عليه في العيون و لكن في الخصال/ 432، ضمن حديث 14. و أورده عن الخصال في البحار 26/ 244، ح 5.

195

و «من» الأولى، للابتداء. و الثّانيّة، للتّبعيض. و الثّالثة، مزيدة لتأكيد الاستفهام، الجاري مجرى النّفي.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (1): فأمّا قوله- عزّ و جلّ-: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ‏ فإنّه كان سبب نزولها:

أنّ قريشا و العرب كانوا إذا حجّوا يلبّون. و كانت تلبيتهم: لبيّك اللّهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد و النّعمة لك و الملك لا شريك [لك.] (2) و هي تلبية إبراهيم- (عليه السلام)- و الأنبياء- (عليهم السلام)- فجاءهم إبليس في صورة شيخ فقال لهم:

ليس هذه تلبية أسلافكم.

قالوا: و ما كانت تلبيتهم؟

قال: كانوا يقولون: لبّيك اللّهمّ لبّيك، لا شريك لك إلّا شريك هو لك. فتفرّق قريش من هذا القول. فقال لهم إبليس: على رسلكم حتّى آتي على آخر كلامي.

فقالوا: ما هو؟

[فقال:] (3) إلّا شريك هو لك، تملكه و ما يملك. ألا ترون أنّه يملك الشّريك و ما ملكه. فرضوا بذلك و كا نوا يلبّون بهذا قريش خاصّة. فلمّا بعث اللَّه- عزّ و جلّ- رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنكر ذلك عليهم و قال: هذا شرك. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ، أي: ترضون أنتم فيما تملكون أن يكون لكم فيه شريك. و إذا لم ترضوا أنتم أن يكون لكم فيما تملكونه فيه شريك، فكيف ترضون أن تجعلوا لي شريكا فيما أملك.

تَخافُونَهُمْ‏: يستبدّوا بتصرّف فيه.

كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ‏: كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض.

كَذلِكَ‏: مثل ذلك التّفصيل.

نُفَصِّلُ الْآياتِ‏: نبيّنها. فإنّ التّمثيل ممّا يكشف المعاني و يوضّحها.

لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ (28): يستعملون عقولهم في تدبّر الأمثال.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 154.

(2) من ن.

(3) من س، أ، م.

196

بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا: بالإشراك.

أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏: جاهلين. لا يكفّهم شي‏ء. فإنّ العالم إذا اتّبع هواه ربّما ردعه عنه.

فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ‏: فمن يقدر على هدايته.

وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ‏ (29): يخلّصونهم من الضّلالة، و يحفظونهم عن آفاتها.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً: فقوّمه له، غير ملتفت، أو ملتفت عنه. و هو تمثيل للإقبال و الاستقامة عليه‏ (1)، و الاهتمام به.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و قوله- عزّ و جلّ-: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً، أي:

طاهرا.

أخبرنا الحسين بن محمّد، (3) عن المعلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن جعفر بن بشير، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً:

قال: هي الولاية.

أخبرنا أحمد بن إدريس‏ (4)، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن حمّاد بن عثمان النّاب و خلف بن حمّاد، عن الفضيل بن يسار و ربعي بن عبد اللَّه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً.

قال: يقيم‏ (5) في الصّلاة. لا يلتفت يمينا و لا شمالا.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السّنديّ، عن جعفر بن بشير، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً:

قال: هي الولاية.

و في تهذيب الأحكام: (7) عليّ بن الحسن الطّاطريّ، عن محمّد بن أبي حمزة، عن ابن‏

____________

(1) م: الاستدامة عليه.

(2) تفسير القمي 2/ 154.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر 2/ 154- 155.

(5) المصدر. قم.

(6) الكافي 1/ 418، ح 35.

(7) تهذيب الأحكام 2/ 42، ح 1.

197

مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً قال: أمره أن يقيم وجهه للقبلة. ليس فيه شي‏ء من عبادة الأوثان. (1)

فِطْرَتَ اللَّهِ‏: خلقته. نصب، على الإغراء. أو المصدر. بما دلّ عليه ما بعدها.

الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها: خلقهم عليها. و في قبولهم للحقّ، و تمكّنهم من إدراكه. أو ملّة الإسلام، فإنّهم لو خلوا و ما خلقوا عليه أدّى بهم إليها.

و قيل‏ (2): العهد المأخوذ من آدم و ذرّيّته.

و في أصول الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قلت: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قال: التّوحيد.

عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى‏ (4)، عن يونس بن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ما تلك الفطرة؟

قال هي الإسلام فطرهم اللَّه حين أخذ ميثاقهم على التّوحيد. قال‏ (5): أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ‏ و فيه المؤمن و الكافر.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، (6) عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: فطرهم جميعا على التّوحيد.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (7)، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: فطرهم على التّوحيد.

____________

(1) في المصدر زيادة و هي: خالصا مخلصا.

(2) أنوار التنزيل 2/ 221.

(3) الكافي 2/ 12، ح 1.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

(5) الاعراف/ 172.

(6) نفس المصدر و الموضع،

(7) نفس المصدر 2/ 13، ح 5.

198

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (1)، عن الحسن بن محبوب، عن الحسين بن نعيم الصّحّاف قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: لم يكون الرّجل عند اللَّه مؤمنا قد ثبّت له الإيمان عنده، ثمّ ينقله اللَّه بعد من الإيمان إلى الكفر؟

قال: فقال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- هو العدل. إنّما دعا العباد إلى الإيمان به، لا إلى الكفر. و لا يدعو أحدا إلى الكفر. فمن آمن باللَّه ثمّ ثبت له الإيمان عند اللَّه، لم ينقله اللَّه- عزّ و جلّ- من الإيمان إلى الكفر.

قلت له: فيكون الرّجل كافرا قد ثبت له الكفر عند اللَّه، ثمّ ينقله اللَّه بعد ذلك من الكفر إلى الإيمان؟

قال: فقال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- خلق النّاس كلّهم على الفطرة الّتي فطرهم عليها.

لا يعرفون إيمانا بشريعة و لا كفرا. بجحود ثمّ بعث اللَّه- عزّ و جلّ- الرّسل يدعو العباد إلى الإيمان به. فمنهم من هدى اللَّه، و منهم من لم يهده.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- (2): حدّثنا الحسين بن عليّ بن ذكريّا، قال:

حدّثنا الهيثم بن عبد اللَّه الرّمّانيّ قال: حدّثنا عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه محمّد بن عليّ- (صلوات اللّه عليهم)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: هو لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، عليّ أمير المؤمنين وليّ اللَّه. إلى هاهنا التّوحيد.

و في بصائر الدّرجات‏ (3): أحمد بن موسى، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قال: فقال: على التّوحيد، و محمّد رسول اللَّه، و عليّ أمير المؤمنين- (عليهما السلام)-.

و في كتاب التّوحيد (4): أبي- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن العلا بن فضيل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: على التّوحيد.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 416، ح 1.

(2) تفسير القمي 2/ 254 و 255.

(3) بصائر الدرجات/ 78، ح 7.

(4) التوحيد/ 328، ح 1.

199

[حدّثنا محمّد بن الحسن أحمد بن الوليد- رضي اللَّه عنه‏ (1)- قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن إبراهيم بن هاشم و يعقوب بن يزيد، عن ابن فضّال، عن بكير، عن زرارة عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: فطرهم على التّوحيد.

[حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- رضي اللَّه عنه- (2): قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن عليّ بن حسّان الواسطيّ، عن الحسن بن يونس، عن عبد الرّحمن [بن كثير] (3) مولى أبي جعفر، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: على‏ (4) التّوحيد] (5) و محمّد رسول اللَّه، و عليّ أمير المؤمنين- (عليهما السلام)-.

أبي- (رحمه اللّه)- قال‏ (6): حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن المغيرة، عن ابن مسكان، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-:

أصلحك اللَّه، قول اللَّه- عزّ و جلّ- في كتابه: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: فطرهم على التّوحيد عند الميثاق، و على معرفة أنّه ربّهم.

قلت: و خاطبوه؟

قال: فطأطأ رأسه. ثمّ قال: فلولا ذلك، لم يعلموا من ربّهم و لا من رازقهم.

حدثنا أبو أحمد القاسم بن محمّد بن أحمد السّرّاج الهمدانيّ‏ (7) قال: حدّثنا أبو القاسم جعفر بن محمّد بن إبراهيم السّرنديبيّ قال: حدّثنا أبو الحسن محمّد بن عبد اللَّه بن هارون الرّشيد بحلب قال: حدّثنا محمّد بن آدم بن أبي إياس قال [: حدّثنا] (8) ابن أبي أديب، عن ابن عمر (9) قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏- لا تضربوا أطفالكم على بكائهم.

فإنّ بكاءهم أربعة أشهر، شهادة أن لا إله إلّا اللَّه. و أربعة أشهر، الصّلاة على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أربعة أشهر، الدّعاء لوالديه.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 7.

(3) من المصدر.

(4) ليس في المصدر.

(5) ليس في ن.

(6) نفس المصدر/ 330، ح 8.

(7) نفس المصدر/ 331، ح 10.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: «ابن أبي ذئب عن نافع» بدل «ابن أبي أديب عن ابن عمر.»

200

حدّثنا عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقاق- رضي اللَّه عنه- (1) قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللَّه الكوفيّ قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل البرمكيّ قال: حدّثنا (2) عليّ بن العبّاس قال: حدّثنا (3) جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن فتح بن يزيد الجرجانيّ قال: كتبت إلى أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أسأله عن شي‏ء من التّوحيد، فكتب إليّ بخطّه.

قال جعفر، و إنّ فتحا أخرج إليّ الكتاب، فقرأته بخطّ أبي الحسن- (عليه السلام)-:

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم، الحمد للَّه الملهم عباده الحمد، و فاطرهم على معرفة ربوبيّته.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في روضة الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كانت شريعة نوح- (صلوات اللّه عليه)- أن يعبد اللَّه بالتّوحيد و الإخلاص و خلع الأنداد. و هي الفطرة الّتي فطر النّاس عليها.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (5) و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن زياد الكرخيّ قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ إبراهيم- (عليه السلام)- كان مولده بكوثى ربا. و كان أبوه من أهلها. و كانت أمّ إبراهيم و أمّ لوط سادة و ورقة- و في نسخة رقيّة- أختين. و هما ابنتان للاحج. و كان اللّاحج نبيّا منذرا، و لم يكن رسولا. و كان إبراهيم- (عليه السلام)- في شبيبته على الفطرة الّتي فطر اللَّه- عزّ و جلّ- الخلق عليها. حتّى هداه اللَّه- تبارك و تعالى- إلى دينه و اجتباه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (6): عن مسعدة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ- (7): كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً (الآية) و ذكر حديثا طويلا. و في آخره قلت:

أ فضلّالا كانوا قبل النّبيّين، أم على هدى؟

قال: لم يكونوا على هدى. كانوا على فطرة اللَّه الّتي فطرهم عليها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏

____________

(1) نفس المصدر/ 56، صدر حديث 14.

2 و 3- المصدر: حدثني.

(4) الكافي 8/ 282، صدر حديث 424.

(5) نفس المصدر 8/ 370، صدر حديث 560.

(6) تفسير العياشي 1/ 105، ذيل حديث 309 و أوله في ص 104.

(7) البقرة/ 213.

201

و لم يكونوا ليهتدوا حتّى يهديهم اللَّه أما تسمع لقول إبراهيم‏ (1). لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ‏، ناسيا للميثاق.

و في محاسن البرقيّ‏ (2): عن أبيه، عن عليّ بن النّعمان، عن عبد اللَّه بن مسكان، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: فطرهم على معرفته، أنّه ربّهم. و لولا ذلك، لم يعلموا إذا سئلوا من ربّهم و من رازقهم.

و في شرح الآيات الباهرة: (3) محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا أحمد بن الحسن المالكيّ، عن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن سعيد (4)، عن جعفر بن بشير، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: هي الولاية.

و روى محمّد بن الحسن الصّفّار (5)، بإسناده عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

قال: على‏ (6) التّوحيد. و أنّ محمّدا رسول اللَّه. و أنّ عليّا أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليهما) و على ذرّيّتهما الطّيّبين صلاة دائمة إلى يوم الدّين.

لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏: لا يقدر أحد أن يغيّره. أو ما ينبغي أن يغيّره.

و في أصول الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينه، عن زرارة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول‏ (8) اللَّه- عزّ و جلّ- حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ‏.

قال: الحنيفيّة من الفطرة الّتي فطر اللَّه النّاس عليها. لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏ قال:

____________

(1) الانعام/ 77.

(2) المحاسن/ 241، ح 224.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 156.

(4) م و الأصل: الحسين بن سعيد.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: هي.

(7) الكافي 2/ 12- 13، ح 4.

(8) الحج/ 31.

202

فطرهم على المعرفة.

فقال زرارة: و سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- (1): وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏.

قال: أخرج من ظهر آدم ذرّيّته إلى يوم القيامة، فخرجوا كالذّرّ. فعرّفهم و أراهم نفسه. و لو لا ذلك لم يعرف أحد ربّه. قال: و قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-:

كلّ مولود يولد على الفطرة، يعني: على المعرفة بأنّ اللَّه- عزّ و جلّ- خالقه. و كذلك قوله‏ (2):

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏.

ذلك: إشارة إلى الدّين المأمور بإقامة الوجه له. أو الفطرة، إن فسّرت بالملّة.

الدِّينُ الْقَيِّمُ‏: المستوي‏ (3)، الّذي لا عوج فيه.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (30): استقامته، لعدم تدبّرهم.

مُنِيبِينَ إِلَيْهِ‏: راجعين إليه. من أناب: إذا رجع مرّة بعد أخرى.

و قيل‏ (4): منقطعين إليه.

و الإنابة: الانقطاع إلى اللَّه بالطّاعة. فأصله على هذا: القطع. و منه، النّاب. لأنّه قاطع و ينيب في الأمر: إذا نشب فيه، كما ينشب القاطع.

و هو حال من الضّمير في النّاصب المقدّر «لفطرة اللَّه». أو في «أقم» لأنّ الآية خطاب للرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و لأمّته، لقوله: وَ اتَّقُوهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ (31): غير أنّها صدّرت بخطاب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- تعظيما له، يعني: فأقيموا وجوهكم منيبين إليه، راجعين إلى كلّ ما أمر به، مع التّقوى و أداء الفرض و الإخلاص في التّوحيد.

مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ‏: بدل من «المشركين»، أي: الّذين فرقوا عن دينكم.

و قيل‏ (5): تفريقهم: اختلافهم فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم. فبعضهم يعبدونه بطريق، و بعضهم بطريق آخر.

____________

(1) الأعراف/ 172.

(2) لقمان/ 25.

(3) م: السويّ.

(4) أنوار التنزيل 2/ 221.

(5) نفس المصدر و الموضع.

203

و قيل‏ (1): معناه: الّذين أوقعوا في دينهم الاختلاف، و صاروا ذوي أديان مختلفة.

فصار بعضهم يعبد وثنا، و بعضهم يعبد نارا، و بعضهم يعبد شمسا إلى غير ذلك.

و قرأ حمزة و الكسائي: «فارقوا»، بمعنى: تركوا دينهم الّذي أمروا به‏ (2). و هو يؤيّد المعنى الأوّل.

وَ كانُوا شِيَعاً: فرقا. تشايع كلّ إمامها، الّذي أضلّ دينها.

كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ‏ (32): راضون معجبون مسرورون. ظنّا بأنّه الحقّ.

قيل‏ (3): و يجوز أن يجعل «فرحون» صفة «كلّ» على أنّ الخبر «من الّذين فرّقوا».

وَ إِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ: شدّة.

دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ‏: راجعين إليه من دعاء غيره.

ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً: خلاصا من تلك الشّدائد.

إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ‏ (33): فاجأ فريق منهم بالإشراك بربّهم الّذي عافاهم.

لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ‏:

«اللّام» فيه، للعاقبة.

و قيل‏ (4): للأمر، بمعنى: التّهديد. لقوله: فَتَمَتَّعُوا: غير أنّه التفت فيه مبالغة.

و قرئ: «و ليتمتّعوا» (5).

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ‏ (34): عاقبة تمتّعكم.

و قرئ، بالياء. على أنّ «تمتّعوا» ماض‏ (6).

أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً: حجّة.

و قيل‏ (7): ذا سلطان، أي: ملكا معه برهان.

فَهُوَ يَتَكَلَّمُ‏: تكلّم دلالة على الأوّل. و تكلّم نطق على الثّاني.

بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ‏ (35): بإشراكهم و صحّته. أو بالأمر الّذي بسببه يشركون به في ألوهيّته.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 304.

(2) أنوار التنزيل 2/ 221.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

5 و 6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

204

و المعنى: أنّهم لا يقدرون على تصحيح ذلك بوجه.

وَ إِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً: من نعمة و سعة و صحّة.

فَرِحُوا بِها: بطروا بسببها.

وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ: شدّة.

بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ‏: بشؤم معاصيهم.

إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ‏ (36): فاجئوا القنوط من رحمته.

و إنّما قال: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ‏ و لم يقل: بما قدّموا، على التّغليب للأكثر الأظهر.

فإنّ أكثر العمل لليدين. و العمل للقلب و إن كان كثيرا، فإنّه أخفى.

أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ: و يضيّق لمن يشاء على حسب ما يقتضيه مصالح العباد. فما لهم لم يشكروا و لم يحتسبوا في السّرّاء و الضّرّاء كالمؤمنين.

إِنَّ فِي ذلِكَ‏: في بسط الرّزق لقوم، و تضييقه لقوم آخرين.

لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ (37): فيستدلّون بها على كمال القدرة و الحكمة.

فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏، أي: أعط ذوي قرباك يا محمّد حقوقهم، الّتي جعلها اللَّه لهم من الأخماس.

و في مجمع البيان: (1) «روى أبو سعيد الخدريّ و غيره: أنّه لمّا نزلت هذه الآية على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أعطى فاطمة فدكا، و سلّمه إليها. و هو المروىّ عن أبي عبد اللَّه و أبي جعفر- (عليهما السلام)-.

و قيل‏ (2): إنّه خطاب له و لغيره. و المراد بالقربى: قرابة الرّجل. و هو أمر بصلة الرّحم بالمال و النّفس.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن عثمان بن عيسى و حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: لمّا بويع لأبي بكر و استقام له الأمر على جميع المهاجرين و الأنصار، بعث إلى فدك فأخرج وكيل فاطمة بنت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- منها.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 306.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمي 2/ 155- 159.

205

فجاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت: يا أبا بكر، منعتني‏ (1) ميراثي من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أخرجت وكيلي من فدك، و قد جعلها (2) لي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بأمر اللَّه- عزّ و جلّ-.

فقال لها: هاتي على ذلك شهودا.

فجاءت بأمّ أيمن فقالت: لا أشهد حتّى أحتجّ- يا أبا بكر- عليك بما قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقالت: أنشدك اللَّه- يا أبا بكر- أ لست تعلم أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: إنّ أمّ أيمن امرأة من أهل الجنّة؟

قال: بلى.

قالت: فأشهد بأنّ اللَّه أوحى إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏ فجعل فدكا لفاطمة بأمر اللَّه. و جاء عليّ، فشهد بمثل ذلك. فكتب لها كتابا بفدك و دفعه إليها. فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟

فقال أبو بكر: إنّ فاطمة ادّعت في فدك. و شهدت لها أمّ أيمن و عليّ. فكتبت لها بفدك. فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فمزّقه، و قال: هذا في‏ء للمسلمين. و قال: أوس بن الحدثان‏ (3) و عائشة و حفصة يشهدون على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنّه قال: إنّا معاشر الأنبياء لا نورث. ما تركناه صدقة. و إنّ عليّا زوجها يجرّ إلى نفسه. و أمّ أيمن فهي امرأة صالحة. لو كان معها غيرها، لنظرنا فيه.

فخرجت فاطمة- (عليهما السلام)- من عندهما باكية حزينة. فلمّا كان بعد هذا، جاء عليّ- (عليه السلام)- إلى أبي بكر و هو في المسجد و حوله المهاجرون و الأنصار. فقال: يا أبا بكر لم منعت فاطمة من ميراثها من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و قد ملكته في حياة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

فقال أبو بكر: هذا في‏ء للمسلمين. فإنّ أقامت شهودا أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- جعله لها، و إلّا فلا حقّ لها فيه.

فقال أمير المؤمنين: تحكم- يا أبا بكر- فينا بخلاف حكم اللَّه في المسلمين؟

قال: لا.

____________

(1) ن: منعت.

(2) ن: وهبه.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أويس بن الحدثان» ر. تنقيح المقال 1/ 156، رقم 1119.

206

قال: فإنّ كان في يد المسلمين شي‏ء يملكونه و ادّعيت أنا فيه، ممّن تسأل البيّنة؟

قال: إيّاك كنت أسأل البيّنة على ما تدّعيه على المسلمين.

قال: و إذا كان في يدي شي‏ء فادّعى فيه المسلمون، فتسألني البيّنة على ما في يدي و قد ملكته في حياة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و بعده، و لم تسأل المسلمين [البيّنة] (1) على ما ادّعوا عليّ شهودا كما سألتني على ما ادّعيت عليهم؟

فسكت أبو بكر. ثمّ قال عمر: يا عليّ، دعنا من كلامك. فإنّا لا نقوى على حججك‏ (2). فإن أتيت شهودا عدولا، و إلّا فهو في‏ء للمسلمين. و لا حقّ لك و لفاطمة فيه.

فقال أمير المؤمنين: يا أبا بكر أ تقرأ (3) كتاب اللَّه؟

قال: نعم.

قال: فأخبرني عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- (4) إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فيمن نزلت، فينا أم في غيرنا؟

قال: بل فيكم.

قال: فلو أنّ شاهدين شهدا على فاطمة بفاحشة ما كنت صانعا؟

قال: كنت أقيم عليها الحدّ، كما أقيم على سائر المسلمين.

قال: كنت إذا عند اللَّه من الكافرين.

قال: و لم؟

قال: لأنّك رددت شهادة اللَّه لها بالطّهارة، و قبلت شهادة النّاس عليها. كما رددت حكم اللَّه و حكم رسوله أن جعل لها فدكا (5) و قبضته في حياته، ثمّ قبلت شهادة أعرابيّ بائل على عقبيه عليها. فأخذت منها فدكا (6) و زعمت أنّه في‏ء للمسلمين‏ (7). و قد قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: البيّنة على من ادّعى و اليمين على من ادّعي عليه.

قال: فدمدم النّاس و بكى بعضهم. فقالوا: صدق- و اللَّه- عليّ- (عليه السلام)- و رجع عليّ- (صلوات اللّه عليه)- إلى منزله.

____________

(1) من المصدر.

(2) هكذا في ن و المصدر. و في سائر النسخ:

حجّتك.

(3) المصدر: تقرأ.

(4) الأحزاب/ 23.

5 و 6- المصدر و النسخ: فدك.

(7) المصدر: المسلمين.

207

قال: فدخلت فاطمة- (عليها السلام)- المسجد و طافت بقبر أبيها- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و هي تبكي و تقول:

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها* * * و اختلّ قومك فاشهدهم و لا تغب‏

قد كان بعدك أنباء و هنبثة* * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

قد كان جبرائيل بالآيات يؤنسنا* * * فغاب عنّا فكلّ الخير محتجب‏

و كنت بدرا منيرا (1) يستضاء به‏* * * عليك تنزّل من ذي العزّة الكتب‏

تهضّمتنا رجال و استخفّ بنا* * * إذ غبت عنّا فنحن اليوم نغتصب‏

فكلّ أهل لهم‏ (2) قربى و منزلة* * * عند الإله لدى الأدنين مقترب‏

أبدت رجال لنا نجوى‏ (3) صدورهم‏* * * لمّا مضيت و حالت دونك التّرب‏ (4)

فقد رزئنا به بما لم يرزه‏ (5) أحد* * * من البريّة لا عجم و لا عرب‏

فقد رزئنا به محضا خليقته‏* * * صافي الضّرائب و الأعراق و النّسب‏

فأنت خير عباد اللَّه كلّهم‏* * * و أصدق النّاس حين الصّدق و الكذب‏

فسوف نبكيك ما عشنا و ما بقيت‏* * * منّا العيون بهمّال لها سكب‏ (6)

سيعلم المتوّلي‏ (7) ظلم حامتنا* * * يوم القيامة انّى كيف ينقلب‏

فرجع أبو بكر إلى منزله. و بعث إلى عمر، فدعاه. فقال: أما رأيت مجلس عليّ بنا اليوم. و اللَّه لئن قعد مقعدا مثله ليفسدنّ [علينا] (8) أمرنا. فما الرّأي؟

قال عمر: الرّأي أن نأمر بقتله.

قال: فمن يقتله؟

قال: خالد بن الوليد.

فبعثا إلى خالد، فأتاهما. فقالا: نريد أن نحملك على أمر عظيم.

____________

(1) المصدر: و نورا.

(2) المصدر: له.

(3) المصدر: فحوى.

(4) المصدر: الكثب.

(5) المصدر: «يرزأه.» و النسخ: «يزروه.»

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «همال و هي تنسكب». و يمكن أن يكون الأظهر: «بتهمال» بدل «بهمال» و «همال.»

(7) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

الموتى.

(8) من م.

208

قال: حمّلاني على ما شئتما، و لو قتل عليّ بن أبي طالب.

قالا: هو ذاك.

قال خالد (1): متى أقتله؟

قال أبو بكر: إذا حضر المسجد، فقم بجنبه في الصّلاة. فإذا أنا سلّمت، فقم إليه فاضرب عنقه.

قال: نعم.

فسمعت أسماء بنت عميس ذلك، و كانت تحت أبي بكر. فقالت لجاريتها: اذهبي إلى منزل عليّ و فاطمة فاقرئيهما السّلام. و قولي لعليّ- (عليه السلام)- (2): إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ‏.

فجاءت الجارية إليهما. فقالت لعليّ- (صلوات اللّه عليه)-: إنّ أسماء بنت عميس تقرأ عليكما (3) السّلام، و تقول لك: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ‏.

فقال علّي- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه يحول بينهم و بين ما يريدون. ثمّ قام و تهيّأ للصلاة، و حضر المسجد. و وقف خلف أبي بكر، و صلّى لنفسه، و خالد بن الوليد لجنبه و معه السّيف. فلمّا جلس أبو بكر للتّشهّد، ندم على ما قال. و خاف الفتنة و شدّة عليّ- (عليه السلام)- و بأسه. فلم يزل متفكّرا لا يجسر أن يسلّم، حتّى ظنّ النّاس أنّه قد سهى. ثمّ التفت إلى خالد، فقال: يا خالد، لا تفعل ما أمرتك به. السّلام عليكم و رحمة اللَّه و بركاته.

فقال أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: يا خالد، ما الّذي أمرك به؟

قال: أمرني بضرب عنقك.

قال: أ و كنت فاعلا (4)؟

قال: إي و اللَّه، لولا أنّه قال لي: لا تفعل. لقتلتك بعد التّسليم.

قال: فأخذه عليّ فضرب به الأرض. و اجتمع [النّاس‏] (5) عليه.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: خالد بن وليد.

(2) القصص/ 20.

(3) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

عليك.

(4) المصدر: تفعل.

(5) من المصدر.

209

فقال عمر: يقتلنّه السّاعة، و ربّ الكعبة.

فقال النّاس: يا أبا الحسن، اللَّه بحقّ صاحب هذا القبر. فخلّى عنه.

قال: فالتفت إلى عمر فأخذ بتلابيبه، و قال: يا ابن صهاك، لولا عهد من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و كتاب من اللَّه- عزّ و جلّ- سبق، لعلمت‏ (1) أيّنا أَضْعَفُ ناصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً (2) ثمّ دخل منزله.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا عليّ بن العبّاس المقانعيّ‏ (4)، عن أبي كريب، عن معاوية بن هشام، عن فضل بن مرزوق، عن عطيّه، عن أبي سعيد الخدريّ. قال: لمّا نزلت‏ فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏ دعى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فاطمة- (عليها السلام)- و أعطاها فدكا.

وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ‏: و المسافر المحتاج. ما وظّف لهما من الزّكاة.

و الخطاب للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أو لمن بسط له.

ذلِكَ‏، أي: إعطاء الحقوق مستحقّيها.

خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ‏: ذاته. أو جهته، أي: يقصدون بمعروفهم إيّاه خالصا. أو جهة التّقرّب إلى اللَّه- تعالى- لا جهة أخرى من الرّياء و السّمعة و غيرهما.

وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ (38): الفائزون بثواب اللَّه. حيث حصلوا بما بسط لهم النّعيم المقيم.

وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً: من عطيّة، يتوقّع بها مزيد مكافأة. أو زيادة محرّمة في المعاملة.

و قرأ ابن كثير، بالقصر، بمعنى: ما جئتم به من إعطاء ربا. (5)

و في الكافي‏ (6): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: الرّبا رباءان: ربا يؤكل، و ربا لا يؤكل.

فأمّا الّذي يؤكل، فهديّتك إلى الرّجل تطلب منه الثّواب أفضل منها. فذلك الرّبا

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: لعلمنا.

(2) الجنّ/ 24.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 156.

(4) المصدر: «المعانقي.» م، الأصل: «المقانقي.» ن: «المقاتلي.» أو س: «المقاتي» ر. تنقيح المقال 2/ 294، رقم 8340.

(5) أنوار التنزيل 2/ 222.

(6) الكافي 5/ 145- 146، ح 6.

210

الّذي يؤكل. و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ‏.

و أمّا الّذي لا يؤكل، فهو الّذي نهى اللَّه عنه و أوعد عليه النّار.

و في تهذيب الأحكام‏ (1): الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في هذه الآية. فقال: هو هديّتك إلى الرّجل، تطلب منه الثّواب أفضل منها. فذلك ربا يؤكل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن القاسم بن محمّد [، عن سليمان‏] (3) بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- الرّبا رباءان:

أحدهما حلال، و الآخر حرام.

فأمّا الحلال، فهو أن يقرض الرّجل أخاه قرضا، طمعا أن يزيده و يعوّضه بأكثر ممّا يأخذه بلا شرط بينهما. فإن أعطاه أكثر ممّا أخذه على غير شرط بينهما، فهو مباح له. و ليس له عند اللَّه ثواب فيما أقرضه. و هو قول اللَّه: فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ‏.

و أمّا الحرام، فالرّجل يقرض قرضا و يشترط أن يردّ أكثر ممّا أخذه: فهذا هو الحرام.

و في مجمع البيان‏ (4): قيل‏ في الرّبا المذكور في الآية قولان: أحدهما، أنّ ربا حلال.

و هو أن يعطي الرّجل العطيّة، أو يهدي الهدّية ليثاب أكثر منها. فليس فيها أجر و لا وزر. و هو المرويّ عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.

لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ‏: ليزيد و يزكو في أموالهم.

فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ‏: و لا يبارك فيه: و قرأ نافع و يعقوب: «لتربوا»، أي: لتزيدوا.

أو لتصيروا ذوي ربا. (5) وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ‏: تبتغون به وجهه خالصا، و لا تطلبون بها المكافأة.

فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ‏ (39): ذوو أضعاف من الثّواب. و نظيره: المقويّ لذي القوّة، و الموسر لذي اليسار. أو الّذين ضعفوا ثوابهم و أموالهم ببركة الزّكاة،

كما يأتي في‏

____________

(1) تهذيب الأحكام 7/ 15، ح 67.

(2) تفسير القمي 2/ 159.

(3) من ن و المصدر.

(4) مجمع البيان 4/ 306.

(5) أنوار التنزيل 2/ 222.

211

الخبر: إنّ اللَّه- تعالى- جعل الزّكاة سببا لزيادة المال.

و قرئ، بفتح العين. على لفظ اسم المفعول.

و تغييره عن سنن المقابلة عبارة و نظما، للمبالغة و الالتفات للتّعظيم. كأنّه خاطب به الملائكة و خواصّ الخلق، تعريفا لحالهم. أو للتّعميم. كأنّه قال: فمن فعل ذلك فأولئك هم المضعفون.

و الرّاجع فيه محذوف، إن جعلت «ما» موصولة. تقديره: المضعفون به. أو فمؤتوه أولئك هم المضعفون. (1)

و في من لا يحضره الفقيه‏ (2)، خطبة للزّهراء- (عليها السلام)- و فيها: ففرض اللَّه الإيمان تطهيرا من الشّرك، و الصّلاة تنزيها عن الكبر، و الزّكاة زيادة في الرّزق.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال الصّادق- (عليه السلام)-: على باب الجنّة مكتوب: القرض بثماني عشرة، و الصّدقة بعشرة.

و في مجمع البيان‏ (4): في الحديث: ما نقص مال من صدقة.

و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (5): فرض اللَّه- تعالى- الصّلاة تنزيها عن الكبر، و الزّكاة تسبيبا (6) للرّزق، و الصّيام ابتلاء لإخلاص الخلق، و صلة الأرحام منماة للعدد. في كلام طويل.

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ‏: عود إلى دليل التّوحيد، أي: أوجدكم.

ثُمَّ رَزَقَكُمْ‏: أعطاكم أنواع النّعم.

ثُمَّ يُمِيتُكُمْ‏: ليفتح أبصاركم إلى ما عرّضكم له من الثّواب الدّائم.

ثُمَّ يُحْيِيكُمْ‏: ليجازيكم على أعمالكم.

و في مصباح الشّريعة (7): قال الصّادق- (عليه السلام)-: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: الحريص محروم. و مع حرمانه مذموم في أيّ شي‏ء كان. و كيف لا يكون‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) من لا يحضره الفقيه 3/ 372، ضمن حديث 1754.

(3) تفسير القمي 2/ 159- 160.

(4) مجمع البيان 4/ 306.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) المصدر: تسببا.

(7) شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 187.

212

محروما، و قد فرّ من وثاق اللَّه- تعالى- و خالف قول اللَّه- عزّ و جلّ- حيث يقول اللَّه: الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ‏.

هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ‏: الّتي عبدتموها من دونه. (1) مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ: فيجوز لذلك توجيه العبادة إليه. أثبت له لوازم الألوهيّة، و نفاها رأسا اتّخذوه شركاء له من الأصنام و غيرها مؤكّدا بالإنكار على ما دلّ عليه البرهان و العيان و وقع عليه الوفاق، ثمّ استنتج من ذلك تقدّسه عن أن يكونوا له شركاء فقال: سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (40):

قيل‏ (2): و يجوز أن تكون الكلمة الموصولة (3) صفة. و الخبر هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ‏. و الرّابط «من ذلكم». لأنّه بمعنى: من أفعاله.

و «من» الأولى و الثّانية، تفيدان شيوع الحكم في جنس الشّركاء و الأفعال.

و الثّالثة، مزيدة لتعميم النّفي. فكلّ منها مستقلّة بتأكيد، لتعجيز الشّركاء.

ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ:

قيل‏ (4): «الفساد» كالجدب، و الموتان، و كثرة الحرق و الغرق، و إخفاق الغاصّة، و محق البركات، و كثرة المضار. أو الضّلالة و الظّلم.

و قيل‏ (5): ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ بقتل قابيل ابن آدم أخاه. و في البحر، بأنّ [ملك عمان‏] (6) جلندا كان يأخذ كلّ سفينة غصبا» و هو ضعيف.

و قيل‏ (7): «المراد بالبحر قرى السّواحل» حيث ظهر القحط بدعاء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

و قرئ: البحور (8).

بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ‏: بشؤم معاصيهم. أو بكسبهم إيّاها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): في هذه الآية قال: في البر فساد الحيوان إذا لم تمطر،

____________

(1) هنا زيادة في أ، و هي: «هل من شركائكم التي عبدتموها من دونه.» و لا داعي لوجودها.

(2) أنوار التنزيل 2/ 222.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «يكون الموصول» بدل «تكون الكلمة الموصولة.»

(4) نفس المصدر 2/ 223.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) ليس في المصدر.

7 و 8- نفس المصدر و الموضع.

(9) تفسير القمي 2/ 160

213

و كذلك هلاك دوابّ البحر بذلك. و قال الصّادق- (عليه السلام)- (1): حياة دوابّ البحر بالمطر. فإذا كفّ المطر ظهر الفساد في البرّ و البحرّ. و ذلك إذا كثرت الذّنوب و المعاصي.

أخبرنا أحمد بن إدريس‏ (2) قال: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن عليّ بن النّعمان، عن ابن ميسر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ‏.

قال: ذلك- و اللَّه- يوم قالت الأنصار: منّا أمير (3) و منكم أمير (4).

و في روضة الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين‏ (6)، عن عليّ بن النّعمان، عن ابن مسكان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية.

قال: ذاك- و اللَّه- حين قالت الأنصار: منّا أمير و منكم أمير.

لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا: بعض جزائه. فإنّ تمامه في الآخرة.

«و اللّام» للعلّة. أو للعاقبة.

و عن ابن كثير و يعقوب: «لنذيقهم» بالنّون. (7) لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏ (41): عمّا هم عليه في المستقبل.

و قيل‏ (8): معناه: ليرجع من يأتي بعدهم عن المعاصي.

قُلْ‏: يا محمّد.

سِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏: ليس المراد الأمر، بل المبالغة في العظة.

و عن ابن عبّاس‏ (9): من قرأ القرآن و علمه، سار في الأرض. لأنّ فيه أخبار الأمم.

فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ‏: من الملوك العاتية و القرون العاصية. كيف أهلكهم اللَّه، و كيف صارت قصورهم و محاصرهم قبورهم. فلم يبق لهم عين و لا أثر.

كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ‏ (42): استئناف. للدّلالة على أنّ سوء عاقبتهم كان‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

3 و 4- المصدر: رجل.

(5) الكافي 8/ 58، ح 19.

(6) هكذا في المصدر و الأصل و في سائر النسخ:

محمد بن الحسن.

(7) أنوار التنزيل 2/ 223.

(8) مجمع البيان 4/ 307.

(9) نفس المصدر و الموضع.

214

لفشو الشّرك و غلبته فيهم. أو كان الشّرك في أكثرهم و ما دونه من المعاصي في قليل منهم.

و في روضة الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى [، عن محمّد بن عيسى،] (2) عن محمّد بن خالد و الحسين بن سعيد جميعا، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد اللَّه بن مسكان، عن يزيد بن الوليد الخثعميّ، عن أبي الرّبيع الشّاميّ قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ‏.

فقال: عنى بذلك، أي: انظروا في القرآن، فاعلموا كيف كان عاقبة الّذين من قبلكم و ما أخبركم عنه.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ‏، أي: استقم للدّين، البليغ الاستقامة بصاحبه إلى الجنّة. الّتي لا يعدل عنه يمينا و لا شمالا.

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ‏: لا [يقدر أن‏] (3) يردّه أحد. و قوله: مِنَ اللَّهِ‏: متعلّق «بيأتي». و يجوز أن يتعلّق‏ (4) «بمردّ». لأنّه مصدر. على معنى: لا يردّه اللَّه، لتعلّق إراداته بمجيئه. و هو يوم القيامة.

يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ‏ (43): يتصدّعون. من الصّدع: و هو الشّقّ. و تصدّع القوم: تفرّقوا، أي: يتفرّقون. فريق في الجنّة و فريق في السّعير. كما قال: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ‏، أي: وباله. و هو النّار المؤبّدة. لا يعاقب أحد بذنبه.

وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ‏ (44): يسوّون منزلا في الجنّة، يعني: ثواب ذلك يصل إليهم لا إلى غيرهم.

و في مجمع البيان‏ (5): و روى منصور بن حازم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ العمل الصّالح ليسيق صاحبه إلى الجنّة، فيمهّد له كما يمهّد لأحدكم خادمه فراشه.

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏: علّة «ليمهدون». أو «ليصّدّعون».

____________

(1) الكافي 8/ 249، ضمن حديث 349، و أوّله في ص 248.

(2) ليس في المصدر.

(3) من م.

(4) هكذا في م. و في سائر النسخ: «أو متعلّق» بدل «و يجوز أن يتعلّق.»

(5) مجمع البيان 4/ 307.

215

مِنْ فَضْلِهِ‏:

قيل: (1) يجزيهم على قدر استحقاقهم و يزيدهم من فضله.

و قيل‏ (2): معناه: بسبب فضله. لأنّه خلقهم و هداهم و مكّنهم و أزاح علّتهم، حتّى استحقّوا الثّواب. (3) و قيل‏ (4): [من فضله،] (5) يعني: فضلا من فضله و ثوابا لا ينقطع‏ (6).

و الاقتصار على جزاء المؤمنين، للإشعار بأنّه المقصود بالذّات. و الاكتفاء على فحوى قوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ‏ (45): فإنّ فيه إثبات البغض لهم و المحبّة للمؤمنين.

و تأكيد اختصاص الصّلاح‏ (7) المفهوم من [ترك‏] (8) ضميرهم إلى التّصريح بهم، تعليل له.

وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ‏: إرسال الرّياح: تحريكها، و إجراءها في الجهات المختلفة. تارة شمالا و تارة جنوبا، و مرّة صبا و أخرى دبورا. على حسب ما يعلمه اللَّه في ذلك من المصلحة.

و قرأ ابن كثير و حمزة و الكسائيّ: «الرّيح» على إرادة الجنس‏ (9).

مُبَشِّراتٍ‏: بالمطر. فكأنّها ناطقات بالبشارة، لما فيها من الدّلالة عليه.

وَ لِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ‏، يعني: المنافع التّابعة لها.

و قيل‏ (10): الخصب، التّابع لنزول الطر المسبّب عنها. أو الرّوح الّذي هو مع هبوبها.

و العطف على علّة محذوفة، دلّ عليها «مبشّرات». أو عليها، باعتبار المعنى. أو على «يرسل» بإضمار فعل، أي: ليمطر (11).

وَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ‏: بالرّياح.

وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ‏:

____________

(1) نفس المصدر 4/ 307- 308.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المصدر: «لأنّه خلقه و هداه و مكّنه و أزاح علّته حتى استحق الثواب» بدل «لأنّه خلقهم و هداهم و مكّنهم و أراح علتهم حتى استحقوا الثواب.»

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) من المصدر.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «و هو الثواب الغير المنقطع» بدل «و ثوابا لا ينقطع».

(7) هكذا في ن. و في سائر النسخ: صلاح.

(8) من ن.

(9) أنوار التنزيل 2/ 223.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) المصدر: «دلّل عليه» بدل «أي: ليمطر».

216

قيل‏ (1): لتطلبوا بركوب السّفن أرباح التجارات‏ (2). و قيل‏ (3): لتطلبوا بالأمطار فيما تزرعونه من فضل اللَّه.

و الحمل على العموم، أولى.

وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (46): و لتشكروا نعمة اللَّه فيها. تلطّف- سبحانه- بلفظ «لعلّكم» في الدّعاء إلى الشّكر، كما تلطّف في الدّعاء إلى البرّ بقوله‏ (4): مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا: يا محمّد، تسلية له.

مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى‏ قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ‏: بالمعجزات و الآيات الباهرات. و ها هنا حذف، تقديره: فكذّبوهم، فاستحقّوا (5) العذاب.

فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا: بالتّدمير. و إيراد الظّاهر موضع المضمر، للتّعليل و التخصيص.

وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ‏ (47): و رفعنا عنهم السّواء و العذاب.

و كان واجبا علينا نصرهم، بإعلاء الحجّة و دفع الأعداء عنهم. و قد يوقف على «حقّا» على أنّه متعلّق بالانتقام.

و في مجمع البيان‏ (6): و جاءت الرّواية عن أمّ الدّرداء قالت: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يقول: ما من امرئ مسلم يردّ عن عرض أخيه، إلّا كان حقّا على اللَّه أن يردّ عنه نار جهنّم يوم القيامة. ثمّ تلا (7) ذلك.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (8): و روى ابن أبي عمير، عن أبي زياد النّهديّ، عن عبد اللَّه بن وهب، عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: حسب المؤمن نصرة، أن يرى عدوّه يعمل بمعاصي اللَّه- عزّ و جلّ-.

اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ: تهيج.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 309.

(2) المصدر: «الأرباح» بدل «أرباح التجارات.»

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) البقرة/ 245. و الحديد/ 11.

(5) الأصل: «فاستحبّوا.» و ما أثبتناه في المتن موافق سائر النسخ.

(6) مجمع البيان 4/ 309.

(7) المصدر: قراء.

(8) من لا يحضره الفقيه 4/ 284، ح 847.

217

سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ: إن شاء، بسطه مسيرة يوم. و إن شاء، بسطه مسيرة يومين. و يجريها إلى أيّ بلد شاء، و إلى أيّ جهة شاء.

وَ يَجْعَلُهُ كِسَفاً:

قيل‏ (1): قطعا متفرّقة.

و قيل‏ (2): متراكبا بعضه على بعض حتّى يغلظ.

و قيل‏ (3): قطعا (4)، يغطي ضوء الشّمس.

و قراء ابن عامر، بالسّكون. على أنّه مخفّف. أو جمع، كصفة. أو مصدر وصف به‏ (5).

فَتَرَى الْوَدْقَ‏: المطر.

يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ‏:

في مجمع البيان‏ (6): و روى عن علي- (عليه السلام)-: «خلله».

فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ‏، أي: بلادهم و أراضيهم.

ف إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ‏ (48): بمجي‏ء الخصب.

وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ‏: المطر.

مِنْ قَبْلِهِ‏:

قيل: تكرير، للتّأكيد و الدّلالة على تطاول عهدهم بالمطر و استحكام يأسهم.

و قيل‏ (7): الضّمير للمطر (8). أو السّحاب. أو الإرسال. لَمُبْلِسِينَ‏ (49): قانطين و آيسين من نزول المطر.

فَانْظُرْ إِلى‏ آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ‏: و هو الغيث. من النّبات و الأشجار و أنواع الثّمار. و لذلك جمعه ابن عامر و حمزة و الكسائيّ و حفص‏ (9). كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ‏:

بظهور النّبات و الشّجر.

بَعْدَ مَوْتِها: بعد يبسها. جعل اليبوسة و الجدوبة بمنزلة الموت و ظهور النّبات فيها

____________

(1) مجمع البيان 4/ 309.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: قلعا.

(5) أنوار التنزيل 2/ 224.

(6) نفس المصدر 4/ 308.

(7) أنوار التنزيل 2/ 224.

(8) هكذا في المصدر و م. و في سائر النسخ: «إنّ الأوّل من إنزال المطر» بدل «الضمير للمطر.»

(9) نفس المصدر و الموضع.

218

بمنزلة الحياة، توسّعا و استعارة. و هي في الفعل تبعيّة، و في الموت أصليّة.

و قرئ الفعل، بالتّاء. على إسناده إلى ضمير «الرّحمة». (1) إِنَّ ذلِكَ‏: أي: الّذي قدر على إحياء الأرض بعد موتها.

لَمُحْيِ الْمَوْتى‏: لقادر على إحيائهم في الآخرة بعد كونهم رفاتا.

وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (50): لأنّ نسبة قدرته إلى جميع الممكنات على السّواء.

وَ لَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً: باردة مؤدّية إلى الهلاك. فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا:

قيل‏ (2): فرأوا الزّرع و النّبت، الّذي كان من آثار (3) رحمته مصفرّا من البرد بعد الخضرة و النّظارة. فإنّه مدلول عليه بما تقدّم.

و قيل‏ (4): «الهاء» تعود إلى السّحاب. و معناه: فرأوا السّحاب مصفرّا. لأنّه إذا كان كذلك، لم يكن فيه مطر.

«و اللّام» توطئه للقسم، دخلت على حرف الشّرط. و قوله: لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ‏ (51): جواب، سدّ مسدّ الجزاء. و لذلك فسّر بالاستقبال.

و هذه الآيات ناعية على الكفّار بقلّة تثبّتهم و عدم تدبّرهم و سرعة تزلزلهم، لعدم تفكّرهم و سوء رأيهم. فإنّ النّظر السّويّ يقتضي، أن يتوكّلوا على اللَّه و يلتجئوا إليه بالاستغفار إذا احتبس القطر عنهم و لم ييأسوا من رحمته، و أن يبادروا إلى التّكثّر و الاستدامة بالطّاعة إذا أصأبهم. برحمته و لم يفرّطوا في الاستبشار، و أن يصبروا على بلائه إذا ضرب زروعهم بالاصفرار و لم يكفروا نعمه.

فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏: و هم مثلهم. لمّا سدّوا عن الحقّ مشاعرهم.

وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ: و هم مثلهم. إذ لا ينتفعون بدعائك. لكن لا مطلقا، بل‏ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ‏ (52): قيّد الحكم به، ليكون أشدّ استحالة. فإنّ الأصمّ المقبل و إنّ لم يسمع الكلام، يفطن منه بواسطة الحركات شيئا.

وَ ما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ‏: سمّاهم عميا، لفقدهم المقصد الحقيقي من الإبصار. أو لعمي قلوبهم.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) مجمع البيان 4/ 310.

(3) المصدر: أثر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

219

إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا: فإنّ إيمانهم يدعوهم إلى تلقّي اللّفظ و تدبّر المعنى. و يجوز أن يراد بالمؤمن: المشارف للإيمان.

فَهُمْ مُسْلِمُونَ‏ (53): منقادون لأمر اللَّه.

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ‏: خلقكم من أصل ضعيف. و هو النّطفة.

و قيل‏ (1): ابتدأكم ضعفاء. و جعل الضّعفة أساس أمركم، بأن خلقكم أطفالا لا تقدرون على البطش و المشي و التّصرّفات.

ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً: و ذلك إذا تعلّق الرّوح بأبدانكم، و إذا بلغتم الحلم.

ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً: في حال الشّيخوخة و الكبر.

و فتح عاصم و حمّزة الضّاد في جميعها. و هما لغتان. كالفقر و الفقر. و التّنكير مع التّكرير، لأنّ المتأخّر ليس عين المتقدّم‏ (2).

يَخْلُقُ ما يَشاءُ: من ضعف، و قوّة، و شيبة.

وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54): فإنّ التّرديد في الأحوال المختلفة مع إمكان غيره، دليل العلم و القدرة.

وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ: القيامة.

قيل‏ (3): سمّيت بها، لأنّها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدّنيا. أو لأنّها تقع بغتة.

و صارت علما لها، بالغلبة. كالكوكب للزّهرة.

يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ‏: يحلفون.

ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ: واحدة في الدّنيا. أو في القبور. أو فيما بين فناء الدّنيا و البعث و انقطاع [عذابهم، و استقلّوا مدّة لبثهم إضافة إلى مدّة عذابهم في الآخرة. أو نسيانا.

قال البيضاويّ‏ (4): و في الحديث: ما بين‏] (5) فناء الدّنيا و البعث أربعون. و هو محتمل للسّاعات و الأيام و الأعوام. أقول: و يحتمل أن يكون المراد: و أربعون عقبة تمكّن.

كَذلِكَ‏: مثل ذلك الصّرف عن الصّدق و التّحقيق.

كانُوا يُؤْفَكُونَ‏ (55): يصرفون. صرفهم جهلهم عن الحقّ في الدّارين.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 225.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) أنوار التنزيل 2/ 225.

(5) ليس في ن.

220

و قيل‏ (1): أي: يكذبون.

و من استدلّ بهذه الآية على نفي عذاب القبر، فقد أبعد لاحتمال أن يراد: أنّهم ما لبثوا بعد عذاب اللَّه إلّا ساعة. أو عدوّا مكثهم في عذاب القبر ساعة، بالقياس إلى مكثهم في عذاب جهنّم‏ (2).

وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ‏:

قيل‏ (3): من الملائكة. أو من الإنس.

و قيل‏ (4): هم الأنبياء.

و قيل‏ (5): هم المؤمنون و قيل‏ (6): إنّ هذا على التّقديم. و تقديره: و قال الذين أوتوا العلم في كتاب الله و هم الّذين يعلمون كتاب اللَّه و الإيمان. و هو قول عليّ بن إبراهيم في تفسيره.

لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ‏: في علمه. أو قضائه. أو ما كتبه لكم، أي:

أوجبه. أو اللّوح. أو القرآن. و هو قوله‏ (7): وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ‏.

إِلى‏ يَوْمِ الْبَعْثِ‏: ردّوا بذلك ما قالوه و حلفوا عليه.

فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ‏: الّذي أنكرتموه.

وَ لكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (56): أنّه حقّ. لتفريطكم في النّظر.

و «الفاء» لجواب شرط محذوف. تقديره: إن كنتم منكرين البعث فهذا يومه، أي: فقد تبيّن بطلان إنكاركم.

و في عيون الأخبار (8)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- في وصف الإمام و الإمامة، و ذكر فضل الإمام و رتبته، حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: ثمّ أكرمه اللَّه- عزّ و جلّ- بأن جعلها في ذرّيّته و أهل الصّفوة و الطّهارة. فقال- عزّ و جلّ- (9):

____________

(1) مجمع البيان 4/ 310.

(2) هكذا في ن. و في سائر النسخ: «بالقياس إلى عذاب جهنّم» بدل «في عذاب جهنم.»

(3) أنوار التنزيل 2/ 225.

(4) الكشاف 3/ 227.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير القمي 2/ 160 و تفسير الصافي 4/ 138، نقلا عنه.

(7) المؤمنون/ 100.

(8) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 171- 172، ح 1.

(9) الأنعام/ 84- 85.

221

وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً وَ كُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ* وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ. فلم يزل في ذرّيّته. يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا، حتّى ورثها النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال اللَّه- جلّ جلاله- (1): إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ. فكانت له خاصّة فقلّدها- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عليّا- (عليه السلام)- بأمر اللَّه- عزّ و جلّ- على رسم ما فرض‏ (2) اللَّه- تعالى- فصارت في ذرّيّته الأصفياء، الّذين آتاهم اللَّه- تعالى- العلم و الإيمان بقوله: وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى‏ يَوْمِ الْبَعْثِ‏ فهي في ولد عليّ- (عليه السلام)- خاصّة إلى يوم القيامة. إذ لا نبيّ بعد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

و في أصول الكافي‏ (3): عن الرّضا- (عليه السلام)- مثله سواء.

فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ‏:

و قراء الكوفيّون، بالياء. لأنّ المعذرة بمعنى: العذر. أو لأنّ تأنيثها غير حقيقيّ، و قد فصل بينهما. (4) وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ‏ (57): لا يدعون إلى ما يقتضي إعتابهم، أي: إزالة عتبهم من التّوبة و الطّاعة، كما دعوا إليه في الدّنيا. من قولهم: استعتبني فلان فأعتبته، أي:

استرضاني فأرضيته.

وَ لَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ‏: و لقد وصفناهم فيه بأنواع الصّفات، الّتي هي في الغرابة كالأمثال، مثل: صفة المبعوثين يوم القيامة، و ما يقولون، و ما يقال لهم، و ما لا يكون لهم من الانتفاع بالمعذرة و الاستعتاب. أو بيّنّا لهم من كلّ مثل، ينبّههم على التّوحيد و البعث و صدق الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

وَ لَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ: من آيات القرآن.

لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا: من فرط عنادهم، و قساوة قلوبهم.

إِنْ أَنْتُمْ‏، يعنون: الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و المؤمنين.

إِلَّا مُبْطِلُونَ‏ (58): مزوّرون.

____________

(1) آل عمران/ 68.

(2) المصدر: فرضها.

(3) الكافي 1/ 199، ح 1.

(4) أنوار التنزيل 2/ 225.

222

كَذلِكَ‏: مثل ذلك.

يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ (59): لا يطلبون العلم، و يصرّون على خرافات اعتقدوها. فإنّ الجهل المركّب، يمنع إدراك الحقّ و يوجب تكذيب المحقّ.

فَاصْبِرْ: على أذاهم.

إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ‏: بنصرتك، و إظهار دينك على الدّين كلّه.

حَقٌ‏: لا بدّ من إنجازه.

وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ‏: و لا يحملنّك على الخفّة و القلق.

الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ‏ (60): بتكذيبهم و إيذائهم. فإنّهم شاكّون ضالّون لا يستبعد منهم ذلك.

و عن يعقوب بتخفيف النّون. (1) و قرئ: «و لا يستخفّنّك»، أي: لا يزيغنّك فيكونوا أحقّ بك من المؤمنين. (2)

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): لا يَسْتَخِفَّنَّكَ‏، أي: لا يغضبنّك قال: كان عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)- يصلّي و ابن الكواء خلفه و أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- يقرأ.

فقال ابن الكواء (4): وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ. فسكت أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- حتّى سكت ابن الكواء.

ثمّ عاد في قراءته. ثمّ فعل ابن الكواء ثلاث مرّات. فلمّا كان في الثّالثة، قال أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ.

و في أصول الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين بن الجارود، عن موسى بن بكر، عمّن حدّثه، عن أبي جعفر (عليه السلام)-: «أنّ زيد بن عليّ بن الحسين دخل على أبي جعفر محمّد بن عليّ و معه كتب من أهل الكوفة.

يدعون فيها إلى أنفسهم و يخبرونه باجتماعهم. و يأمرونه بالخروج.

فقال له أبو جعفر: هذه الكتب ابتداء منهم أو جواب ما كتبت به إليهم و دعوتهم إليه؟

فقال: بل ابتداء من القوم. لمعرفتهم بحقّنا و بقرابتنا من رسول اللَّه- صلّى اللَّه عليه‏

____________

1 و 2- نفس المصدر 2/ 226.

(3) تفسير القمي 2/ 160.

(4) الزمر/ 65.

(5) الكافي 1/ 356- 357، صدر حديث 16.

223

و آله و سلم- و لما يجدون في كتاب اللَّه- عزّ و جلّ- من وجوب مودّتنا و فرض طاعتنا، و لما نحن فيه من الضّيق و الضّنك و البلاء.

فقال له أبو جعفر: إنّ الطّاعة مفروضة من اللَّه- عزّ و جلّ- و سنة أمضاها في الأوّلين، و كذلك يجريها في الآخرين. و الطّاعة لواحد منّا و المودّة للجميع. و أمر اللَّه يجري لأوليائه بحكم موصول‏ (1)، و قضاء مفصول، و حتم مقضيّ، و قدر مقدور، و أجل مسمّى لوقت‏ (2) معلوم ف لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ. إنّهم لن يغنوا عنك من اللَّه شيئا. فلا تعجل. فإنّ اللَّه لا يجعل لعجلة العباد. و لا تسبقنّ‏ (3) اللَّه، فتعجلك‏ (4) البليّة فتصرعك.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: مفصول.

(2) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ: أو وقت.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ لا تستبقن.

(4) المصدر: فتعجزك.

224

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}