تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج10

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
586 /
275

المقرّبون و الأنبياء المرسلون. و قد وقع‏ (1) ذلك كلّه إلينا.

ثمّ قال: أما تقرأ: عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ؟

إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ‏: يعلم الأشياء كلّها.

خَبِيرٌ (34): يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن أبي أسامة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال [لي أبي‏]: (3) ألا أخبرك‏ (4) بخمسة لم يطلع اللَّه عليها أحدا من خلقه.

قال: قلت: بلى.

قال: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ- إلى قوله- إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ قال الصّادق- (عليه السلام)-: هذه الخمسة أشياء لم يطّلع عليها ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل. و هي من صفات اللَّه- عزّ و جلّ-.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): و قال- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ‏ فقال: من قدم إلى قدم.

و في أمالي الصّدوق- (رحمه اللّه)- (7) بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه:

- (عليه السلام)- لمّا أراد المسير إلى النّهروان أتاه منجّم فقال [له: يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه السّاعة، و سر في ثلاث ساعات يمضين من النّهار.

فقال؟] (8) له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: و لم ذاك؟

قال: أنّك إن سرت في هذه السّاعة أصابك و أصاب أصحابك أذى و ضرّ شديد.

____________

(1) المصدر: رفع.

(2) الخصال/ 290، ح 49.

(3) من المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: أخبركم.

(5) تفسير القمي 2/ 167.

(6) من لا يحضره الفقيه 1/ 84، ح 383.

(7) أمالي الصدوق/ 338- 339، ح 16، و له تتمة. و فيه ... عبد اللَّه بن عوف الأحمر قال: لمّا أراد أمير المؤمنين- (عليه السلام)- المسير إلى النهروان ...

(8) ليس في أ.

276

و إن سرت في السّاعة الّتي أمرتك ظفرت، و ظهرت و أصبت كلّما طلبت.

فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: [تدري ما في بطن هذه الدّابّة، أذكر أم أنثى؟

قال: إن حسبت علمت.

قال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-:] (1) من صدّقك على هذا القول كذّب بالقرآن.

إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. ما كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يدّعي ما ادّعيت.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (2): جاء في الحديث: إنّ مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهنّ إلّا اللَّه.

و قراء هذه الآية.

و قد روى عن أئمّة الهدى- (عليهم السلام)- (3): أنّ هذه الأشياء الخمسة لا يعلمها على التّفصيل و التّحقيق غيره- تعالى.

و في الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحجّال، عن ابن بكير، عن أبي منهال، عن الحارث بن المغيرة قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: إنّ النّطفة إذا وقعت في الرّحم بعث اللَّه- عزّ و جلّ- ملكا فأخذ من التّربة الّتي يدفن فيها فماثها في النّطفة. فلا يزال قلبه يحنّ إليها حتّى يدفن فيها.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عبد الحميد، عن الحسن بن الجهم قال: قلت للرّضا- (عليه السلام)-: أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قد عرف قاتله، و اللّيلة الّتي يقتل فيها، و الموضع الّذي يقتل فيه، و قوله لمّا سمع صياح الأوزّ في الدّار: صوائح تتبعها نوائح. و قول أمّ كلثوم: لو صلّيت اللّيلة داخل الدّار و أمرت غيرك يصلّي بالنّاس. فأبى عليها و كثر دخوله و خروجه تلك اللّيلة بلا سلاح. و قد عرف- (عليه السلام)- أنّ ابن ملجم- لعنة اللَّه عليه- قاتله بالسّيف. كان هذا ممّا لم يجز (6) تعرضه.

____________

(1) ليس في أ.

(2) مجمع البيان 4/ 324.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) الكافي 3/ 203، ح 2.

(5) نفس المصدر 1/ 259، ح 4.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: لا يحسن.

277

فقال: ذلك كان. و لكنّه‏ (1) جبن في تلك اللّيلة لتمضي مقادير اللَّه- عزّ و جلّ-.

و في كتاب مقتل الحسين- (عليه السلام)- (2) لأبي مخنف: إنّ الحسين- (عليه السلام)- لمّا نزل كربلاء و أخبر اسمها بكى بكاء شديدا. و قال: أرض كرب و بلاء. فعفوا و لا تبرحوا، و حطّوا و لا ترحلوا فههنا، و اللَّه، محطّ رحالنا. و هاهنا، و اللَّه، سفك دمائنا. و هاهنا، و اللَّه، تسبى حريمنا. و هاهنا، و اللَّه، محلّ قبورنا. و هاهنا، و اللَّه، محشرنا و منتشرنا. و بهذا وعدني جدّي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و لا خلاف لوعده.

____________

(1) المصدر: «خيّر» و قيل في هامشه: «و في بعض النسخ حير» و هو الأظهر.

(2) لم نعثر على عين النص في مقتل أبي مخنف المطبوع. و يوجد فيه/ 75 و في مقاتل أخرى كمقتل المقرم/ 229، مع زيادة في منقول هنا.

278

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

279

تفسير سورة السّجدة

280

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

281

سورة السجدة مكّيّة.

و في مجمع البيان‏ (1): ما خلا ثلاث آيات منها. فإنّها نزلت بالمدينة: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏ [إلى تمام الآيات.

و هي ثلاثون آية.

و قيل‏ (2): تسع و عشرون آيه.] (3) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (4)، بإسناده إلى الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قراء سورة السّجدة في كلّ ليلة (5) جمعة، أعطاه اللَّه كتابه بيمينه و لم يحاسبه بما كان منه. و كان من رفقاء محمّد و أهل بيته- (عليهم السلام)-.

و بإسناده، عن الصّادق- (عليه السلام)- (6) قال: من اشتاق إلى الجنّة و إلى صفتها، فليقرأ الواقعة. و من أحبّ أن ينظر إلى صفة النّار، فليقرأ سجدة (7).

____________

(1) مجمع البيان 4/ 324.

(2) أنوار التنزيل 2/ 233.

(3) ليس في أ.

(4) ثواب الأعمال/ 136، ح 1.

(5) ليس في المصدر.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

(7) هكذا في المصدر م و ن. و في سائر النسخ:

سورة لقمان.

282

و في مجمع البيان‏ (1): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: من قراء الم تنزيل و تبارك الّذي بيده الملك، فكأنّما أحيا ليلة القدر.

و روى ليث بن أبي الزّيد (2)، عن جابر قال: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لا ينام حتّى يقرأ ألم تنزيل و تبارك الّذي بيده الملك.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ العزائم أربع: اقرأ باسم ربّك الّذي خلق، و النّجم، و تنزيل السّجدة، و حم السّجدة.

الم‏ (1) إن جعل اسما للسّورة، أو القرآن، فمبتدأ خبره‏ تَنْزِيلُ الْكِتابِ‏: على أنّ التنزيل بمعنى: المنزل. و إن جعل تعديد الحروف، كان تنزيل خبر محذوف. أو مبتدأ، خبره‏ لا رَيْبَ فِيهِ‏: فيكون‏ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (2): حالا من الضّمير في «فيه».

لأنّ المصدر لا يعمل فيها بعد الخبر. و يجوز أن يكون خبرا ثانيا، و الخبر و لا رَيْبَ فِيهِ‏ حال من الكتاب، أو اعتراض. و الضّمير في «فيه» لمضمون الجملة.

و يؤيّده قوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ‏: فإنّه إنكار، لكونه من ربّ العالمين. و قوله:

بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ‏: فإنّه تقرير له.

و نظم الكلام على هذا، أنّه أشار أوّلا إلى إعجازه. ثمّ رتّب عليه أنّ تنزيله من ربّ العالمين. و قرّر ذلك بنفي الرّيب عنه. ثمّ أضرب عن ذلك إلى ما يقولون فيه على خلاف ذلك إنكارا له و تعجيبا منه. فإنّ «أم» منقطعة. ثمّ أضرب عنه إلى إثبات أنّه الحقّ المنزل من اللَّه، و بيّن المقصود من تنزيله فقال: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ‏: إذ كانوا أهل الفترة.

لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ‏ (3): بإنذارك إيّاهم.

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ‏: مرّ بيانه.

ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا شَفِيعٍ‏: ما لكم إذا جاوزتم رضا اللَّه، أحد ينصركم و يشفع لكم. أو ما لكم سواه وليّ و لا شفيع، بل هو الّذي يتولّى مصالحكم و ينصركم في مواطن نصركم على أنّ الشّفيع متجوّز به للنّاصر. فإذا خذلكم لم يبق لكم‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 324- 325.

(2) نفس المصدر و الموضع: و فيه و في ن: ليث بن أبي الزبير.

(3) الخصال/ 252، ح 124.

283

وليّ و لا ناصر.

أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ‏ (4): بمواعظ اللَّه.

يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ‏: يدبّر أمر الدّنيا بأسباب سماويّة، كالملائكة و غيرها نازلة آثارها إلى الأرض.

ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ‏:

قيل‏ (1): ثمّ يصعد إليه و يثبت في علمه موجود.

فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏ (5): في برهة من الزّمان متطاولة، يعني بذلك: استطالة ما بين التّدبير و الوقوع.

و قيل‏ (2): يدبّر الأمر بإظهاره في اللّوح. فينزل الملك بذلك. ثمّ يعرج إليه في زمان هو كألف سنة.

و قيل‏ (3): يقضي‏ (4) قضاء ألف سنة. فينزل به الملك. ثمّ يعرج بعد الألف لألف‏ (5) آخر.

و قيل‏ (6): يدبّر المأمور به من الطّاعات منزلا من السّماء إلى الأرض [بالوحي.] (7) ثمّ لا يعرج إليه خالصا كما يرتضيه، إلّا في مدّة متطاولة، لقلّة المخلصين و الأعمال الخلص‏ (8).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ. ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ‏، يعنى: الأمور الّتي يدبرّها و الأمر و النّهي الّذي أمر به و أعمال العباد كلّ هذا يظهره يوم القيامة. فيكون مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدّنيا.

و في مجمع البيان‏ (10): معناه: أنّه ينزّل الملك بالتّدبير أو الوحي: و يصعد إلى السّماء.

فيقطع في يوم واحد من أيّام الدّنيا مسافة ألف سنة ممّا تعدّونه أنتم. لأنّ ما بين السّماء و الأرض مسيرة خمسمائة عام.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 233.

(2) نفس المصدر 2/ 233- 234.

(3) نفس المصدر 2/ 234.

(4) المصدر: يقض.

(5) المصدر: الألف.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) من المصدر.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: المخلصة.

(9) تفسير القمي 2/ 168.

(10) مجمع البيان 4/ 326.

284

فهذه ستّة احتمالات لا ينافي قوله‏ (1): فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ خمسة منها.» لأنّ المراد منه يوم القيامة. و المراد في الاحتمالات غيره.

و أمّا الاحتمال الخامس: و هو ما ذكره عليّ بن إبراهيم فينافيه. و قد قيل في التّوجيه بينهما (2): إنّه جعل- سبحانه- ذلك اليوم على الكافر مقدار خمسين ألف سنة. فإنّ المقامات في يوم القيامة مختلفة.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (3) بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال في كلام طويل: فإنّ للقيامة خمسين موقفا. كلّ‏ (4) موقف مثل ألف سنة ممّا تعدّون. ثمّ تلا هذه الآية: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.

ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ: فيدبّر أمرها على وفق الحكمة (5).

الْعَزِيزُ: الغالب على أمره.

الرَّحِيمُ‏ (6): على العباد في تدبيره.

الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ‏: خلقه موّفرا عليه ما يستعدّه و يليق به على وفق الحكمة و المصلحة.

و «خلقه» بدل من «كلّ» بدل الاشتمال.

و قيل‏ (6): علم كيف يخلقه من‏

قوله- عليه الصّلاة و السّلام-: «قيمة المرء ما يحسنه»

، أي: يحسن معرفته. و «خلقه» مفعول ثان.

و قرأ نافع و الكوفيّون بفتح اللّام على الوصف. «فالشّي‏ء» على الأوّل مخصوص بمنفصل، و على الثّاني بمتّصل. (7) وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ‏ (7):

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8) قال: هو آدم.

و في عيون الأخبار (9)، في باب مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع سليمان المروزيّ يقول‏

____________

(1) المعارج/ 4.

(2) نفس المصدر و الموضع، ببعض الاختلاف.

(3) أمالي الطوسي 1/ 34.

(4) المصدر: لكلّ.

(5) ن: على وفق الحكمة و المصلحة.

(6) أنوار التنزيل 2/ 234.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) تفسير القمي 2/ 168.

(9) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 180- 181.

285

فيه المأمون بعد كلام طويل: يا عمران هذا سليمان المروزيّ متكلّم خراسان.

قال عمران: يا أمير المؤمنين، إنّه يزعم انّه واحد خراسان في النّظر. و ينكر البداء.

قال: فلم لا تناظر (1).

قال عمران: ذلك إليك‏ (2).

فدخل الرّضا- (عليه السلام)- فقال: في أيّ شي‏ء أنتم‏ (3)؟

قال عمران: يا ابن رسول اللَّه، هذا سليمان المروزيّ.

فقال له سليمان: أ ترضى بأبي الحسن و بقوله فيه؟

فقال عمران: قد رضيت بقول أبي الحسن في البداء، على أن يأتيني فيه. بحجّة أحتجّ بها على نظرائي من أهل النّظر.

قال المأمون: يا أبا الحسن، ما تقول فيما تشاجرا فيه؟

قال: و ما أنكرت من البداء، يا سليمان؟ و اللَّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (4): أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً؟ و يقول- عزّ و جلّ- (5) وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏ و يقول‏ (6): بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ و يقول- عزّ و جلّ‏ (7)-: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ.

و يقول‏ (8): وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ‏. و يقول- عزّ و جلّ- (9): وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ‏. و يقول- عزّ و جلّ- (10): ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ‏: ذرّيّته سمّيت به لأنّها تنسل منه، أي: تنفصل.

مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ‏ (8): ممتهن.

ثُمَّ سَوَّاهُ‏: قوّمه بتصوير أعضائه على ما ينبغي.

وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ‏: أضافه إلى نفسه تشريفا و إشعارا بأنّه خلق عجيب،

____________

(1) المصدر: لا تناظروه.

(2) المصدر: «إليه.» و فيه: و في بعض النسخ «اليك».

(3) المصدر: كنتم.

(4) مريم/ 67.

(5) الروم/ 27.

(6) البقرة/ 117.

(7) فاطر/ 1.

(8) السجدة/ 7.

(9) التوبة/ 106.

(10) فاطر/ 11.

286

و أنّ له شأنا له مناسبة ما إلى الحضرة الرّبوبيّة. و لأجله قيل: من عرف نفسه فقد عرف ربّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ‏، أي: ولده من سلالة. و هو الصّفوة (2) من الطّعام و الشّراب، مِنْ ماءٍ مَهِينٍ‏. قال: النّطفة [المني.] (3) ثُمَّ سَوَّاهُ‏، أي: استحاله من نطفة إلى علقة و من علقة إلى مضغة حتّى نفخ فيه الرّوح.

وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ: خصوصا لتسمعوا و تبصروا و تعقلوا.

قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ‏ (9): شكرا قليلا.

وَ قالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ‏، أي: صرنا ترابا مخلوطا بتراب الأرض لا نتميّز منه. أو غبنا فيه.

و قرئ، «ضللنا» بالكسر. من ضلّ يضلّ. (4)

و في جوامع الجامع‏ (5): روى عن عليّ- (عليه السلام)- و ابن عبّاس: «صللنا» بالصّاد و كسر اللّام. من صلّ اللّحم، و أصلّ اللّحم: إذا أنتن.

و قرأ ابن عامر: «إذا» على الخبر و العامل فيه ما دلّ عليه‏ (6).

أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ: و هو أ نبعث أو يجدّد خلقنا.

و قرأ نافع و الكسائيّ و يعقوب: «إنّا» على الخبر. و القائل أبيّ بن خلف.

و إسناده إلى جميعهم لرضاهم به. (7) بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ‏: بالبعث، أو بتلقيّ ملك الموت و ما بعده.

كافِرُونَ‏ (10): جاحدون.

قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ‏: يستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئا. أو لا يبقى منكم أحد.

و «التفعّل» و «الاستفعال» يلتقيان كثيرا، كتقصّيته و استقصيته و استعجلته.

مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‏: بقبض أرواحكم و إحصاء آجالكم.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 168.

(2) المصدر: الصنو.

(3) من المصدر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 234.

(5) جوامع الجامع/ 365.

(6) أنوار التنزيل 2/ 234.

(7) نفس المصدر و الموضع.

287

ثُمَّ إِلى‏ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ‏ (11): للحساب و الجزاء.

و في كتاب التّوحيد (1): عن عليّ- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: فأمّا قوله‏ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ‏، يعني: البعث. فسمّاه اللَّه- عزّ و جلّ- لقاء. و أمّا قوله‏ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‏ و قوله‏ (2): اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها و قوله‏ (3): تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ‏ و قوله‏ (4): الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏ و قوله‏ (5): الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ‏ فإنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يدبّر الأمور كيف يشاء، و يوكّل من خلقه من يشاء. و أمّا ملك الموت، فإنّ اللَّه يوكّله بخاصّة من يشاء من خلقه، و يوكّل رسله من يشاء من‏ (6) خاصّته بمن يشاء من خلقه‏ (7) يدبّر الأمور كيف يشاء.

و ليس كلّ العلم يستطيع صاحب العلم أن يفسّره لكلّ النّاس. لأنّ فيهم‏ (8) القويّ و الضّعيف. و لأنّ منه ما يطاق حمله و منه ما لا يطاق حمله، إلّا أن يسهّل اللَّه له حمله و أعانه عليه من خاصّة أوليائه. و إنّما تكفيك أن تعلم أنّ اللَّه هو المحيي المميت، و أنّه يتوفّى الأنفس على يدي من يشاء من خلقه من ملائكة و غيرهم.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (9): و سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- (10):

اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها و عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- (11) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ‏ و عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ‏ و الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ‏ (12) و عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- (13) تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا و عن قوله- عزّ و جلّ- (14): وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ و قد يموت في الدّنيا في السّاعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلّا اللَّه- عزّ و جلّ-. فكيف هذا؟

____________

(1) التوحيد/ 267 و 268- 269.

(2) الزمر/ 42.

(3) الأنعام/ 61.

(4) النحل/ 28.

(5) النحل/ 32.

(6) المصدر: «الملائكة» بدل «يشاء من.»

(7) هنا زيادة في المصدر. و هي: و الملائكة الذين سمّاهم اللَّه- عزّ ذكره- و كلّهم بخاصّة من يشاء من خلقه. إنّه- تبارك و تعالى-».

(8) المصدر: منهم.

(9) من لا يحضره الفقيه 1/ 82، ح 371.

(10) الزمر/ 42.

(11) النحل/ 32.

(12) نفس السورة/ 28.

(13) الأنعام/ 61.

(14) الأنفال/ 50.

288

فقال: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- جعل لملك الموت أعوانا من الملائكة يقبضون الأرواح بمنزلة صاحب الشّرطة له أعوان من الإنس، يبعثهم في حوائجه فتتوفّاهم الملائكة، و يتوفّاهم ملك الموت من الملائكة، مع ما يقبض هو، و يتوفّاهم اللَّه- تعالى- من ملك الموت.

و في الكافي‏ (1): أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أسباط بن سالم مولى أبان قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك، يعلم ملك الموت بقبض من يقبض؟

قال: لا، إنّما هي صكاك تنزل من السّماء اقبض نفس فلان بن فلان بن فلان.

علىّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (2)، عن عمرو بن عثمان، عن المفضّل بن صالح، عن زيد الشحّام قال: سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن ملك الموت، يقال: الأرض بين يديه كالقصعة يمد يده منها حيث يشاء.

فقال: نعم.

محمّد، عن أحمد بن محمّد (3)، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن لحظة ملك الموت.

قال: أما رأيت النّاس يكونون جلوسا فتعتريهم السّكينة (4) فما يتكلّم أحد منهم؟ فتلك لحظة [ملك الموت‏] (5) حيث يلحظهم.

عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (6)، عن بعض أصحابه، عن محمّد بن سكين قال: سئل أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن الرّجل يقول: استأثر اللَّه بفلان.

فقال: ذا مكروه.

فقيل: فلان يجود بنفسه؟

فقال: لا بأس. أما تراه يفتح فاه عند موته مرّتين أو ثلاثا؟ فذلك حين يجود بها لما يرى من ثواب اللَّه- عزّ و جلّ- و قد كان بها ضنينا.

____________

(1) الكافي 3/ 255، ح 21.

(2) نفس المصدر 3/ 256، ح 24.

(3) نفس المصدر 3/ 259، ح 31.

(4) ن و المصدر: السكتة.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر 3/ 260، ح 35.

289

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لمّا أسري بي إلى السّماء رأيت ملكا من الملائكة بيده لوح من نور لا يلتفت يمينا و لا شمالا مقبلا عليه كهيئة الحزين. [فقلت: من هذا يا جبرئيل؟

فقال: هذا ملك الموت. مشغول في قبض الأرواح.] (2) فقلت أدنني منه، يا جبرائيل، لأكلّمه.

فأدناني منه. فقلت له: يا ملك الموت، أكلّ من مات أو هو ميّت فيما بعد أنت تقبض روحه؟

قال: نعم.

قلت: و تحضرهم بنفسك؟

قال: نعم، ما الدّنيا كلّها عندي فيما سخرّها اللَّه- عزّ و جلّ- لي و مكّنني منها إلّا كالدّرهم في كفّ الرّجل يقلّبه كيف يشاء. و ما من دار في الدّنيا، إلّا و أدخلها كلّ يوم خمس مرّات. و أقول إذا بكى أهل الميّت على ميّتهم: لا تبكوا عليه. فإنّ لي إليكم عودة و عودة حتّى لا يبقى منكم أحد.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: كفى بالموت طامّة، يا جبرائيل.

فقال جبرائيل: ما بعد الموت اطمّ و أعظم من الموت.

و في نهج البلاغة (3): هل تحسّ به إذا دخل منزلا؟ أم هل تراه إذا توفّى أحدا؟ بل كيف يتوفّى الجنين في بطن أمّه؟ أ يلج عليه من بعض جوارحها؟ أم الرّوح أجابته بإذن ربّها؟ أم هو ساكن معه في أحشائها؟ كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله!؟

و في مجمع البيان‏ (4): و روى عكرمة عن ابن عبّاس: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: الأمراض و الأوجاع كلّها بريد الموت‏ (5) و رسل الموت‏ (6). فإذا حان‏ (7) الأجل أتى ملك الموت بنفسه و قال: يا أيّها العبد، كم خبر بعد خبر، و كم رسول بعد رسول‏ (8)؟ أنا الخبر الّذي‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 168.

(2) من المصدر.

(3) نهج البلاغة/ 42، خطبة 112.

(4) مجمع البيان 4/ 329.

5 و 6- المصدر: للموت.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: جاءت.

(8) هنا زيادة في المصدر. و هي: و كم بريد بعد بريد؟

290

ليس بعدي خبر. و أنا الرّسول أجب ربّك طائعا أو مكرها.

فإذا قبض روحه و تصارخوا عليه، قال: على من تصرخون؟ و على من تكبون؟ فو اللَّه ما ظلمت له أجلا و لا أكلت له رزقا. بل دعاه ربّه. فليبك الباكي على نفسه. و إنّ لي فيكم عودات و عودات حتى لا أبقي منكم أحدا.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1): و قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إنّ آية المؤمن إذا حضره الموت أن يبيضّ وجهه أشد من بياض لونه، و يرشح جبينه، و يسيل من عينيه كهيئة الدّموع. ذلك آية خروج روحه. و إنّ الكافر تخرج روحه سيلا من شدقه، كزبد البعير كما تخرج نفس الحمار.

و سئل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- (2): كيف يتوفّى ملك الموت المؤمن؟

فقال: إنّ ملك الموت ليقف من المؤمن عند موته موقف العبد الذّليل من المولى.

فيقوم هو و أصحابه لا يدنو منه حتى يبدأ بالتّسليم و يبشّره بالجنّة.

و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)(3)-: إنّ المؤمن إذا حضره الموت وثقه ملك الموت.

فلولا ذلك لم يستقرّ.

و في عوالي اللّئالي‏ (4): و في الحديث‏ أنّ إبراهيم- (عليه السلام)- لقى ملكا فقال له: من أنت؟

فقال: أنا ملك الموت.

فقال: أ تستطيع أن تريني الصّورة الّتي تقبض فيها روح المؤمن؟

قال: نعم. أعرض عنّي.

فأعرض عنه [ثمّ التفت إليه.] (5). فإذا هو شابّ حسن الصّورة، حسن الثّياب، حسن الشّمائل، طيّب الرّائحة.

فقال: يا ملك الموت، لو لم يلق المؤمن إلّا حسن صورتك لكان حسبه.

ثمّ قال له: هل تستطيع أن تريني الصّورة الّتي تقبض فيها روح الفاجر (6)؟

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1/ 81، ح 366.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 368.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 369.

(4) عوالي اللئالي 1/ 274، ح 100.

(5) من ن.

(6) هنا زيادة في المصدر و النسخ إلّا ن. و هي:

قال لا تطيق.

291

فقال: بلى. [ثمّ‏] (1) قال: أعرض عنّي.

فأعرض عنه. ثمّ التفت إليه. فإذا هو رجل أسود، قائم الشّعر، منتن الرّائحة، أسود الثّياب، يخرج من فيه و من مناخره النيّران‏ (2) و الدّخان. فغشى على إبراهيم. ثمّ أفاق. و قد عاد ملك الموت ألى حالته الأولى.

فقال: يا ملك الموت، لو لم يلق الفاجر إلّا صورتك هذه لكفته.

وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏: من الحياء و الخزي.

رَبَّنا: قائلين: ربّنا.

أَبْصَرْنا: ما وعدتنا.

وَ سَمِعْنا: منك تصديق رسلك.

فَارْجِعْنا: إلى الدّنيا.

نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ‏ (12): إذ لم يبق لنا شكّ بما شاهدنا.

و جواب «لو» محذوف. تقديره: لرأيت أمرا فظيعا. و يجوز أن تكون للتّمنّي و المضيّ فيها و في «إذ». لأنّ الثّابت في علم اللَّه بمنزلة الواقع. و لا يقدّر لترى مفعولا. لأنّ المعنى: لو تكون منك رؤية في هذا الوقت. أو يقدّر ما دلّ عليه صلة «إذ». و الخطاب لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أو لكلّ أحد.

وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها: ما هدي به إلى الإيمان و العمل الصالح بالتّوفيق له.

وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي‏: ثبت قضائي و سبق وعيدي. و هو لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏ (13): لعلمي بأنّهم ينسون لقاء يومهم هذا، و يرتكبون ما يوجب لهم هذا.

فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا: فإنّه من الوسائط و الأسباب المقتضية له.

إِنَّا نَسِيناكُمْ‏: تركناكم من الرّحمة. أو في العذاب ترك المنسيّ.

و في استئنافه و بناء الفعل على «إنّ» و اسمها، تشديد في الانتقام منهم.

وَ ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (14): كرّر الأمر للتّأكيد و لما نيط به من التّصريح بمفعوله و تعليله بأفعالهم السّيّئة من التّكذيب و المعاصي، كما علّله بتركهم تدبّر أمر

____________

(1) من ن.

(2) المصدر: النار.

292

العاقبة و التّفكّر فيها دلالة على أنّ كلّا منهما يقتضي ذلك.

إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها: وعّظوا بها.

خَرُّوا سُجَّداً: خوفا من عذاب اللَّه.

وَ سَبَّحُوا: ترّهوه عمّا لا يليق به، كالعجز عن البعث.

بِحَمْدِ رَبِّهِمْ‏: حامدين له شكرا، على ما وفّقهم للإسلام و آتاهم الهدى.

وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ‏ (15): عن الإيمان و الطّاعة، كما يفعل من يصير مستكبرا.

تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ‏: ترتفع و تتنحّى.

عَنِ الْمَضاجِعِ‏: الفرش و مواضع النوم.

يَدْعُونَ رَبَّهُمْ‏: داعين إيّاه.

خَوْفاً: من سخطه.

وَ طَمَعاً: في رحمته.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً لعلّك ترى أنّ القوم لم يكونوا ينامون.

قال: قلت: اللَّه و رسوله و ابن رسوله أعلم.

قال: فقال: لا بدّ لهذا البدن أن تريحه حتّى يخرج [نفسه. فإذا خرج‏] (2) النّفس استراح البدن و رجع الرّوح فيه قوة على العمل. فإنّما ذكرهم‏ تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً أنزلت في أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و أتباعه من شيعتنا. ينامون في أوّل اللّيل، فإذا ذهب ثلثا اللّيل أو ما شاء اللَّه فزعوا إلى ربّهم راغبين مرهبين طامعين فيما عنده. فذكرهم اللَّه في كتابه. فأخبرك اللَّه بما أعطاهم أنّه‏ (3) أسكنهم في جواره، و أدخلهم جنّته، و آمن‏ (4) خوفهم‏ (5)، و أذهب رعبهم.

قال: قلت: جعلت فداك، إن أنا قمت في آخر اللّيل أيّ شي‏ء أقول إذا قمت؟

____________

(1) علل الشرائع/ 365، ح 4.

(2) ليس في س و أ.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فأخبرك بما أعطاهم اللَّه» بدل «فأخبرك اللَّه بما أعطاهم أنّه.»

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: آمنهم.

(5) ن و م: خوفه.

293

قال: قل: «الحمد للَّه ربّ العالمين و آله المرسلين. و الحمد للَّه الّذي يحيي الموتى و يبعث من في القبور.» فإنّك إذا قلتها، ذهب عنك رجز الشّيطان و وسواسه- إن شاء اللَّه.

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن علىّ بن النّعمان، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: ألا أخبرك بالإسلام أصله و فرعه و ذروة سنامه؟

قلت: بلى- جعلت فداك.

قال: أمّا أصله، فالصّلاة. و فرعه، الزّكاة. و ذروة سنامه، الجهاد.

ثمّ قال: إن شئت أخبرتك بأبواب الخير.

قلت: نعم- جعلت فداك.

قال: الصّوم جنّة [من النّار.] (2) و الصّدقة تذهب بالخطيئة. و قيام الرّجل في جوف اللّيل يذكر اللَّه. ثمّ قرأ: تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ‏

علىّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (3)، عن ابن محبوب، عن جميل، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: العبادة ثلاثة: قوم عبدوا اللَّه- عزّ و جلّ- خوفا فتلك [عبادة] (4) العبيد، و قوم عبدوا اللَّه- تبارك و تعالى- طلب الثّواب، فتلك [عبادة] (5) الأجراء، و قوم عبدوا اللَّه- عزّ و جلّ- حبّا له، فتلك عبادة الأحرار. و هي أفضل العبادة.

و في كتاب الخصال‏ (6): عن يونس بن ظبيان قال: قال الصّادق جعفر بن محمّد- (عليه السلام)-: إنّ النّاس يعبدون اللَّه على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه، فتلك عبادة الخرصاء. و هو الطّمع، و آخرون يعبدون فرقا [من النار،] (7) فتلك عبادة العبيد.

و هي الرّهبة، و لكنّى أعبده حبّا له، فتلك عبادة الكرام. و هو الأمن‏

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ (8): روى الواحديّ بالإسناد عن معاذ بن جبل قال: بينا نحن مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في غزوة تبوك، و قد أصابنا الحرّ. فتفرّق القوم. فإذا

____________

(1) الكافي 2/ 23- 24، ح 15.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر 2/ 84، ح 5.

4 و 5- من المصدر و م.

(6) الخصال/ 188، صدر حديث 259.

(7) من المصدر.

(8) مجمع البيان 4/ 331.

294

رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أقربهم منّى. فدنوت منه.

فقلت: يا رسول اللَّه، أنبئني بعمل يدخلني الجنّة و يباعدني من النّار.

قال: لقد سألت عن عظيم- و أنّه ليسير على من يسّره‏ (1) اللَّه عليه-: تعبد (2) اللَّه و لا تشرك به شيئا، و تقيم الصّلاة المكتوبة، و تؤدّى الزّكاة المفروضة، و تصوم شهر رمضان.

قال: و إن شئت أنبأتك عن أبواب‏ (3) الخير.

قال: قلت: أجل، يا رسول اللَّه.

قال: الصّوم جنّة [من النّار.] (4) و الصّدقة تكفّر الخطيئة. و قيام الرّجل في جوف اللّيل يبتغي وجه اللَّه.

ثمّ قرأ هذه الآية: تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ‏.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(5)- بإسناده قال: قال الصّادق- (عليه السلام)‏- في قوله: تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ‏ قال: كانوا لا ينامون حتّى يصلّوا العتمة.

و في كتاب المناقب‏ (6)، لابن شهر آشوب كلام طويل‏ في تزويج فاطمة- (عليها السلام)- من علىّ- (عليه السلام)- و فيه: و باتت عندها أسماء بنت عميس أسبوعا، بوصيّة خديجة إليها.

فدعا لها النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في دنياها و آخرتها. ثمّ أتاهما في صبيحتهما. (7) و قال: السّلام عليكم. أدخل- رحمكم اللَّه؟

ففتحت له أسماء الباب. و كانا نائمين تحت كساء.

فقال: على حالكما. فأدخل رجليه بين أرجلهما. فأخبر اللَّه عن أورادهما تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ‏ (الآية) فسأل عليّا: كيف وجدت أهلك؟

قال: نعم العون على طاعة اللَّه.

و سأل فاطمة، فقالت: خير بعل.

فقال: اللّهمّ اجمع شملهما، و ألّف بين قلوبهما، و اجعلهما و ذرّيّتهما من ورثة جنّة النّعيم،

____________

(1) هكذا في ن. و في سائر النسخ: «يستره» و في المصدر: يسيره.

(2) هكذا في المصدر و م. و في سائر النسخ:

تعبدوا.

(3) المصدر و الأصل: بأبواب.

(4) ليس في المصدر.

(5) أمالي الطوسي 1/ 300.

(6) مناقب آل أبي طالب 3/ 355- 356.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أتاها في صبيحتها.»

295

و ارزقهما ذرّيّة طاهرة طيّبة مباركة، و اجعل في ذرّيّتهما البركة، و اجعلهم أئمّة يهدون بأمرك إلى طاعتك و يأمرون بما يرضيك.

ثمّ أمر بخروج أسماء و قال: جزاك اللَّه خيرا.

ثمّ خلا بها بإشارة الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏ (16): في وجوه الخير.

و في محاسن البرقيّ‏ (1): عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن علىّ بن عبد العزيز قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ألا أخبرك بأصل الإسلام و فرعه و ذروته و سنامه‏ (2)؟

قال: قلت: بلى- جعلت فداك.

قال: أصله، الصّلاة. و فرعه، الزّكاة. و ذروته و سنامه‏ (3)، الجهاد في سبيل اللَّه. ألا أخبرك بأبواب الخير؟

[قلت: نعم- جعلت فداك.

قال:] (4) الصّوم جنّة [من النار.] (5) و الصّدقة تحطّ الخطيئة. و قيام الرّجل في جوف اللّيل يناجي ربّه. ثمّ قرأ: تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏.

فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ‏: لا ملك و لا نبيّ مرسل.

مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ‏: ممّا تقرّبه عيونهم.

و قرأ حمزة و يعقوب: «أخفى» على أنّه مضارع، أخفيت‏ (6).

و قرئ: «نخفي، و أخفي». و الفاعل في الكلّ هو اللَّه- تعالى‏ (7). و «العلم» بمعنى المعرفة. و «ما» موصولة، أو استفهامية، معلّق عنها الفعل.

جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (17)، أي: جوزوا جزاء، أو أخفى للجزاء. فإنّ إخفاءه لعلو شأنه.

____________

(1) المحاسن/ 289، ح 434.

2 و 3- هكذا في المصدر. و في النسخ: «ذروة سنامه» بدل «ذروته و سنامه.»

4 و 5- من المصدر.

(6) أنوار التنزيل 2/ 236.

(7) نفس المصدر و الموضع.

296

و قيل‏ (1): هذا القوم أخفوا أعمالهم، فأخفى اللَّه ثوابهم‏ (2).

و في تفسير علىّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله عزّ و جلّ‏ (4): [وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا في الدّنيا و لم نعمل به. فَارْجِعْنا إلى الدّنيا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ.] (5) وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها قال: و لو شئنا أن نجعلهم كلّهم معصومين لقدرنا. و قوله- عزّ و جلّ‏ (6)-: فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ‏، اي: تركناكم. و قوله- عزّ و جلّ- تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏. فإنّه حدّثني أبي، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- قال: ما من عمل حسن يعمله العبد إلّا و له ثواب في القرآن إلّا صلاة اللّيل. فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- لم يبيّن ثوابها لعظم خطرها (7) عنده. فقال- جلّ ذكره-: تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏- إلى قوله- يَعْمَلُونَ‏.

ثمّ قال: إنّ للَّه- عزّ و جلّ- كرامة في عبادة المؤمنين في كلّ يوم جمعة. فإذا كان يوم الجمعة بعث اللَّه إلى المؤمن ملكا معه حلّتان فينتهي إلى باب الجنّة.

فيقول: استأذنوا لي على فلان.

فيقال له: هذا رسول ربّك على الباب.

فيقول لأزواجه: أيّ شي‏ء ترين عليّ أحسن؟

فيقلن: يا سيّدنا و الّذي أباحك الجنّة ما رأينا عليك أحسن من هذا. قد بعث إليك ربّك.

فيتّزر بواحدة [و يتعطّف بالأخرى. فلا يمرّ بشي‏ء إلّا أضاء له حتّى ينتهي إلى الموعد. فإذا اجتمعوا تجلّى لهم الرّب- تبارك و تعالى.] (8) فإذا نظروا إليه، أي: إلى رحمته خرّوا سجّدا.

____________

(1) نفس المصدر، و الموضع.

(2) أ: لقاءهم.

(3) تفسير القمي 2/ 168- 170.

(4) السجدة/ 12.

(5) ليس في المصدر.

(6) السجدة/ 14.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «العظيم خطره» بدل «لعظم خطرها.»

(8) ليس في أ.

297

فيقول: عبادي، ارفعوا رؤوسكم. ليس هذا يوم سجود و لا عبادة. قد رفعت عنكم المؤنة.

فيقولون: يا ربّ، و أي شي‏ء أفضل ممّا أعطيتنا (1) الجنّة (2)؟

فيقول: لكم مثل ما في أيديكم سبعين ضعفا.

فيرجع‏ (3) المؤمن في كلّ جمعة بسبعين‏ (4) ضعفا مثل ما في يده. و هو قوله‏ (5): وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ. و هو يوم الجمعة. إنّها ليلة عزّاء، و يوم أزهر. فأكثروا فيها من التّسبيح و التّهليل و التّكبير و الثّناء على اللَّه- عزّ و جلّ- و الصّلاة على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

قال: فيمرّ المؤمن. فلا يمرّ بشي‏ء إلّا أضاء له حتّى ينتهي إلى أزواجه.

فيقلن: و الّذي أباحنا (6) الجنّة، يا سيّدنا، ما رأيناك أحسن منك السّاعة!؟

فيقول: إنّي قد نظرت إلى نور ربّي.

ثمّ قال: إنّ أزواجه لا يغرن و لا يحضن و لا يصلفن.

قلت: جعلت فداك، إنّي أردت أن أسألك عن شي‏ء أستحي منه.

قال: سل.

قلت: جعلت فداك، ثم قلت هل في الجنّة غناء (7)؟

قال: إنّ في الجنة شجرا يأمر اللَّه رياحها، فتهبّ. فتضرب تلك الشّجرة بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها حسنا.

ثمّ قال: هذا عوض لمن ترك السّماع للغناء في الدّنيا مخافة اللَّه.

قال: قلت: جعلت فداك، زدني.

فقال: إنّ اللَّه خلق جنّة بيده. و لم ترها عين. و لم يطلع عليها مخلوق. يفتحها الرّبّ كلّ صباح. و يقول: ازدادي ريحا. و ازدادي طيبا. و هو قول اللَّه: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: أعطيتنا.

(2) تفسير نور الثقلين 4/ 226، ح 27، نقلا عن المصدر: أعطيتنا الجنة.

(3) المصدر: فيرى.

(4) المصدر: سبعين.

(5) ق/ 35.

(6) ن: أباحك.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «ثم قلت: أفي الجنة غناء» بدل «قال: سل». قلت: جعلت فداك هل في الجنّة غناء.»

298

و في مجمع البيان‏ (1) و روي في الشّواذّ، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: قرّات أعين.

و روي عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- (2) أنّه قال: ما من حسنة إلّا و لها ثواب مبيّن في القرآن إلّا صلاة اللّيل. فإنّ اللَّه- عزّ اسمه- لم يبيّن ثوابها لعظم خطرها. قال: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ‏ (الآية).

و في جوامع الجامع‏ (3): و في الحديث: يقول اللَّه تعالى: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر بله‏ (4) ما أطلعتكم عليه اقرأوا إن شئتم‏ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ‏ (الآية).

و في محاسن البرقي‏ (5): عنه، عن أبيه، عن الحسن بن علىّ بن فضّال، عن علىّ بن النّعمان، عن الحارث بن محمّد الأحوال، عمّن حدّثه، عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام)- قالا: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لعلىّ: [يا علىّ،] (6) إنّه لمّا أسري بي رأيت في الجنّة نهرا أبيض من اللّبن و أحلى من العسل و أشدّ استقامة من السّهم. فيه أباريق عدد النّجوم. على شاطئه قباب‏ (7) الياقوت الأحمر و الدّرّ الأبيض. فضرب جبرائيل بجناحيه [إلى جناحه‏] (8) فإذا هو مسكة زفرة.

ثمّ قال: و الّذي نفس محمّد بيده، إنّ في الجنّة لشجرا (9) يتصفّق بالتّسبيح بصوت لم يسمع الأوّلون و الآخرون [بمثله.] (10) يثمر ثمرا كالرّمّان. يلقي ثمره إلى الرّجل، فيشقّها عن سبعين حلّة. و المؤمنون على كراسيّ و هم الغرّ المحجّلون. أنت إمامهم يوم القيامة. على الرّجل منهم نعلا شراكهما من نور يضي‏ء أمامه‏ (11) حيث شاء (12) من الجنّة. فبيناهم كذلك إذ

____________

(1) مجمع البيان 4/ 330.

(2) نفس المصدر 4/ 331.

(3) جوامع الجامع/ 366.

(4) بلة: اسم فعل بمعنى: دع. و يكون ما بعدها منصوبا. و مصدر، و يكون ما بعدها مجرورا.

أو بمعنى: كيف. و يكون ما بعدها مرفوعا.

(المعجم الوسيط)

(5) المحاسن/ 180- 181، ح 172. و فيه: عنه، عن أبيه، و الحسن بن عليّ بن فضّال، جميعا، عن على بن النعمان ...

(6) من المصدر.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: شياطبه قبات.

(8) من المصدر.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: أشجارا.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: أمامهم.

(12) المصدر: شاءوا.

299

أشرقت‏ (1) عليه امرأة من فوقه، تقول: سبحان اللَّه، يا عبد اللَّه، أ ما لنا منك دولة؟

فيقول: من أنت؟

فتقول: أنا من اللّواتي قال اللَّه: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏.

ثم قال: و الّذي نفس محمّد بيده، إنّه ليجيئه كلّ يوم سبعون ألف ملك يسمّونه باسمه و اسم أبيه.

و في شرح الآيات الباهرة (2): روى الشّيخ أبو جعفر محمّد بن بابويه، عن محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن محمّد بن الحسن الصّفّار، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن الحسن بن علىّ بن النّعمان، عن الحارث بن محمّد الأحول، عن أبي عبد اللَّه، عن أبي جعفر- (عليهما السلام)- بأدنى تغيير.

ثمّ قال: و ذلك‏

ما ذكره الطّوسيّ- رضي اللَّه عنه- في أماليه، بإسناده عن جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لعليّ- (عليه السلام)-: يا علىّ، ألا أبشّرك؟ ألا أمنحك؟

قال: بلى، يا رسول اللَّه.

قال: خلقت أنا و أنت من طينة واحدة. ففضلت منها فضلة. فخلق اللَّه منها شيعتنا.

فإذا كان يوم القيامة يدعى النّاس بأمّهاتهم إلّا شيعتك. فإنّهم يدعون بآبائهم لطيب.

مولدهم. (3)

و في أصول الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن عبد اللَّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من أطعم مؤمنا حتّى يشّبّعه لم يدر أحد من خلق اللَّه ما له من الأجر في الآخرة لا ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل إلّا اللَّه ربّ العالمين.

أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً: خارجا عن الإيمان.

لا يَسْتَوُونَ‏ (18): في الشّرف و المثوبة تأكيد و تصريح و الجمع للحمل على المعنى.

____________

(1) هكذا في س و م و أ. و في سائر النسخ:

و المصدر: أشرفت.

(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 158.

و فيه: «تأويله ما رواه» بدل «روى.»

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: ولادتهم.

(4) الكافي 2/ 201، صدر حديث 6.

300

و في كتاب الاحتجاج‏ (1)، للطّبرسيّ- رضي اللَّه عنه-، عن الحسن بن علىّ- (عليه السلام)-. حديث طويل و فيه يقول- (عليه السلام)-: و أمّا أنت يا وليد بن عقبة، فو اللَّه، ما ألومك أن تبغض عليّا، و قد جلدك في الخمر ثمانين جلدة، و قتل أباك صبرا [بيده‏] (2) يوم بدر. أم كيف تسبّه فقد سمّاه اللَّه مؤمنا في عشر آيات من القرآن و سمّاك فاسقا؟

و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏.

و في أصول الكافي: (3) علىّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)-: و نزل بالمدينة (4): وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏. فبرّأه اللَّه ما كان مقيما على الفرية أن يسمّى بالإيمان. قال اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏.

و في تفسير علىّ بن إبراهيم‏ (5): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏ قال: فذلك إنّ علي بن أبي طالب- (عليه السلام)- و الوليد بن عقبة بن أبي معيط تشاجرا. فقال الفاسق الوليد بن عقبة:

أنا، و اللَّه، أبسط (6) منك لسانا و أحدّ منك سنانا و أمثل منك حشوا (7) في الكتيبة.

فقال علىّ- (عليه السلام)-: اسكت. فإنّما أنت فاسق.

فأنزل اللَّه: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ. أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى‏ نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ فهو علىّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى‏: الحقيقيّ. و الدّنيا منزل مرتحل عنها لا محالة.

____________

(1) الاحتجاج 1/ 412.

(2) من المصدر.

(3) الكافي 2/ 32، ضمن حديث 1، و أوّله في ص 28.

(4) النور/ 4- 5.

(5) تفسير القمي 2/ 170.

(6) م: أنشط.

(7) المصدر: جثوا.

301

و قيل‏ (1): «المأوى» جنّة من الجنان‏ (2).

نُزُلًا: سبق في آل عمران.

بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (19): بسبب أعمالهم، أو على أعمالهم.

وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ: مكان جنّة المأوى للمؤمنين.

كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها: عبارة عن خلودهم فيها.

وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏ (20): إهانة و زيادة لغيظهم.

و في شرح الآيات الباهرة: (3) قال محمّد بن العبّاس- رضي اللَّه عنه-: حدّثنا إبراهيم بن عبد اللَّه، عن الحجّاج بن منهال، عن حمّاد بن سلمة، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس [- (رحمه اللّه)- قال: إنّ الوليد بن أبي معيط قال لعلّى: أنا أقسط منك لسانا و أحدّ منك سنانا و أملأ منك حشوا في الكتيبة.

فقال له عليّ- (عليه السلام)-: أسكت يا فاسق.

فأنزل اللَّه- جلّ اسمه-: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏- إلى قوله- تُكَذِّبُونَ‏.

و قال- أيضا-: حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه بن أسد، عن إبراهيم بن محمّد الثقفيّ، عن عمرو بن حمّاد، عن أبيه، عن فضيل، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس‏] (4) في قوله- عزّ و جلّ- أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏ قال: نزلت في رجلين:

أحدهما من أصحاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و هو المؤمن. و الآخر فاسق.

فقال الفاسق للمؤمن: أنا و اللَّه احدّ منك سنانا و أقسط (5) منك لسانا و أملى منك حشوا في الكتيبة.

فقال المؤمن للفاسق: اسكت يا فاسق.

فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏. ثمّ بيّن حال المؤمن فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى‏ نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 236.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: الجنات.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 158- 159.

(4) من المصدر.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: أنشط.

302

و بيّن حال الفاسق فقال: أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏.

و ذكر أبو مخنف- رضي اللَّه عنه‏ (1) أنّه جرى عند معاوية بين الحسن بن عليّ- (صلوات اللّه عليهما)- و بين الفاسق الوليد بن عقبه كلام. فقال له الحسن- (عليه السلام)-: لا ألومك أن تسبّ عليّا و قد جلدك في الخمر ثمانين سوطا و قتل أباك صبرا مع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في يوم بدر، و قد سمّاه اللَّه- عزّ و جلّ- في غير آية مؤمنا و سمّاك فاسقا.

وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏: من عذاب الدّنيا.

قيل‏ (2): إنّه المصائب و المحن في الأنفس و الأموال.

و قيل‏ (3): هو القتل يوم بدر بالسّيف.

و قيل‏ (4): يريد به ما محنوا به من السنة سبع سنين بمكّة حتّى أكلوا الجيف و الكلاب.

و قيل‏ (5): هو الحدود.

دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ: عذاب الآخرة.

لَعَلَّهُمْ‏: من بقي منهم.

يَرْجِعُونَ‏ (21): يتوبون عن الكفر.

و قيل‏ (6): ليرجع الآخرون عن أن يدنبوا مثل ذنوبهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7)، في قوله- عزّ و جلّ- وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها [- إلى قوله- بِهِ تُكَذِّبُونَ‏] (8) قال: إنّ جهنّم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاما. فإذا بلغوا أسفله زفرت بهم جهنم. فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد. فهذه حالهم.

و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) مجمع البيان 4/ 332.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) أنوار التنزيل 2/ 236.

(5) مجمع البيان 4/ 332.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) تفسير القمي 2/ 170.

(8) من المصدر.

303

(الآية) قال‏ (1): العذاب الأدنى عذاب الرّجعة بالسّيف. و معنى قوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏ يعني فأنّهم يرجعون في الرّجعة حتّى يعذّبوا.

و في مجمع البيان‏ (2): و أمّا العذاب الأدنى، ففي الدّنيا. و اختلف فيه- الى قوله- و قيل: هو عذاب القبر- عن مجاهد.

و روي- أيضا- (3) عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- و الأكثر في الرّواية عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أنّ‏ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ الدّابّة و الدّجّال.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن العبّاس- رضي اللَّه عنه-: حدّثنا عليّ بن حاتم، عن حسن بن محمّد بن عبد الواحد، عن جعفر بن عمر بن سالم، عن محمّد بن حسين بن عجلان، عن مفضّل بن عمر قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ قال: الأدنى، غلاء السّعر. و الأكبر، المهديّ بالسّيف.

و قال- أيضا (5)-: حدّثنا الحسن بن أحمد (6)، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن مفضّل بن صالح، عن زيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دابّة الأرض.

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها: فلم يتفكّر فيها.

و «ثمّ» لاستبعاد الإعراض عنها مع فرط وضوحها و إرشادها إلى أسباب السّعادة بعد التّذكير بها عقلا.

إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ‏ (22): فكيف بمن كان أظلم من كلّ ظالم!؟

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ‏: كما آتيناك.

فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ: شك.

مِنْ لِقائِهِ‏: من لقائك الكتاب، لقوله‏ (7): وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ‏. فإنّا آتيناك من الكتاب مثل ما آتيناه منه. فليس ذلك ببدع ممّا لم يكن قطّ حتّى ترتاب فيه. أو من‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) مجمع البيان 4/ 332.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 159.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) م و المصدر: الحسين بن أحمد.

(7) النمل/ 6.

304

لقاء موسى الكتاب. أو من لقائك موسى في الآخرة. أو من لقائك الأذى: كما لقي موسى الأذى. أو من لقائك موسى ليلة أسري بك إلى السّماء.

و في جوامع الجامع‏ (1): فقد روي أنّه- عليه الصّلاة و السّلام- قال: رأيت ليلة أسري بي موسى- (عليه السلام)- رجلا آدم طوالا جعدا كأنّه من رجال شنوءة (2).

وَ جَعَلْناهُ‏، أي: المنزل على موسى.

هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ‏ (23) وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ‏ النّاس إلى ما فيه من الحكم و الأحكام.

بِأَمْرِنا: إيّاهم به أو بتوفيقنا له.

لَمَّا صَبَرُوا:

[و قرأ حمزة و الكسائيّ و رويس: لما صبروا (3)(4) أي: لصبرهم على الطّاعة، أو عن الدّنيا.

وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ‏ (24): لإمعانهم فيها النّظر.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و عليّ بن محمّد القاسانيّ، جميعا، عن القاسم بن محمّد الإصبهانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: يا حفص، إنّ من صبر، صبر قليلا. و إنّ من جزع، جزع قليلا.

ثمّ قال: عليك بالصّبر في جميع أمورك. فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فأمره بالصّبر و الرّفق- إلى قوله-: فصبر [رسول اللَّه‏] (6)- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حتّى نالوه بالعظائم. [و رموه بها] (7) فضاق صدره. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ‏ (8)-: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ‏. ثم كذّبوه و رموه فحزن لذلك. فأنزل اللَّه‏ (9): [قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ‏] (10)

____________

(1) جوامع الجامع/ 366.

(2) شنوءة: موضع باليمن تنسب إليها قبائل من الأزد يقال لهم: أزد شنوءة. (هامش تفسير نور الثقلين 4/ 232)

(3) أنوار التنزيل 2/ 236.

(4) ليس في م.

(5) الكافي 2/ 88، ح 3.

6 و 7- من المصدر.

(8) الحجر/ 97- 98.

(9) الانعام/ 33- 34.

(10) من المصدر.

305

وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى‏ ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا. فألزم‏ (1) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- نفسه الصّبر. فتعدّوا فذكروا اللَّه- تبارك و تعالى-. و كذّبوه.

فقال: قد صبرت في نفسي و أهلي و عرضي و لا صبر لي على ذكر إلهي. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ‏ (2)-: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ‏. فصبر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في جميع أحواله. ثمّ بشّر في عترته بالأئمّة و وصفوا بالصّبر. فقال- جلّ ثناؤه-: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ‏. [فعند ذلك قال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الصّبر من الإيمان كالرّأس من الجسد.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.] (3) و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4)، و قوله: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا قال: كان في علم اللَّه أنّهم يصبرون على ما يصيبهم. فجعلهم أئمّة.

حدثنا حميد بن زياد (5) قال: حدّثنا محمّد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه [، عن آبائه‏] (6)- (عليهم السلام)- قال: الائمّة في كتاب اللَّه إمامان: إمام عدل، و إمام جور، قال اللَّه- تعالى-: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لا بأمر النّاس. يقدّمون أمر اللَّه قبل أمرهم و حكم اللَّه قبل حكمهم.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب المناقب‏ (7)، لابن شهر آشوب: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- دعا لعليّ- (عليه السلام)- و فاطمة- (عليها السلام)- فقال: اللّهمّ اجمع شملهما، و ألّف بين قلوبهما، و اجعلهما و ذرّيّتهما من ورثة جنّة النّعيم، و ارزقهما ذرّيّة طيّبة طاهرة مباركة، و اجعل في ذرّيّتهما البركة، و اجعلهم أئمّة يهدون بأمرك إلى طاعتك و يأمرون بما يرضيك.

و في شرح الآيات الباهرة (8): قال محمّد بن العبّاس- رضي اللَّه عنه-: حدّثنا عليّ بن‏

____________

(1) هكذا في المصدر و م. و في سائر النسخ:

فأنزل.

(2) ق/ 38- 39.

(3) ليس في ن.

(4) تفسير القمي 2/ 170.

(5) نفس المصدر 2/ 170- 171.

(6) ليس في المصدر.

(7) مناقب آل أبي طالب 3/ 356.

(8) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 159.

306

[عبد اللَّه بن أسد عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن عليّ بن هلال الأحمسيّ، عن الحسن بن وهب العبسيّ، عن‏] (1) جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ- (عليهما السلام)- قال: نزلت هذه الآية في ولد فاطمة- (عليها السلام)- خاصّة: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ‏، أي: لمّا صبروا على البلاء في الدّنيا و علم اللَّه منهم الصّبر، جعلهم أئمّة يهدون بأمره عبادة إلى طاعته المؤدّية إلى جنّته- فعليهم من ربّهم صلواته و أكمل تحيّته.

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ: يقضي فيميّز الحقّ من الباطل بتمييز المحقّ من المبطل.

فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏ (25) من أمر الدّين.

أَ وَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ‏ الواو، للعطف على منويّ من جنس المعطوف. و الفاعل منويّ، دلّ عليه‏ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ‏، أي: كثرة من أهلكناهم من القرون الماضية. أو ضمير «اللَّه» بدليل القراءة بالنّون‏ (2).

يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ‏: يعنى: أهل مكّة، يمرّون في متاجرتهم على ديارهم.

و قرئ يمشّون بالتّشديد (3).

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ‏ (26): سماع تدبّر و اتّعاظ.

أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ: الّتي جرز نباتها، أي: قطع و ازيل. لا الّتي لا تنبت لقوله: فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً:

و قيل‏ (4): اسم موضع باليمن.

تَأْكُلُ مِنْهُ‏: من الزّرع.

أَنْعامُهُمْ‏: كالتّين و الورق.

وَ أَنْفُسُهُمْ‏: كالحبّ و الثّمر.

أَ فَلا يُبْصِرُونَ‏ (27): فيستدلّون به على كمال قدرته و فضله.

____________

(1) ليس في ن.

(2) أنوار التنزيل 2/ 237.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

307

وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هذَا الْفَتْحُ‏: النّصر. أو الفصل بالحكومة من قوله‏ (1): رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (28): في الوعد به.

قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ‏ (29) قيل‏ (2): هو يوم القيامة. فإنّه يوم نصر المسلمين على الكفرة و الفصل بينهم.

و قيل‏ (3): يوم بدر. أو يوم فتح مكّة. و المراد ب الَّذِينَ كَفَرُوا المقتولون منهم فيه. فإنّهم لا ينفعهم إيمانهم حال القتل و لا يمهلون. و انطباقه جوابا عن سؤالهم من حيث المعنى باعتبار ما عرف من غرضهم. فإنّهم لمّا أرادوا به الاستعجال تكذيبا و استهزاء، أجيبوا بما يمنع الاستعجال.

و في شرح الآيات الباهرة (4): قال محمّد بن يعقوب- رضي اللَّه عنه-: حدّثنا الحسين بن عامر، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن محمّد بن سنان، عن ابن درّاج قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول‏ في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ‏ قال: يوم الفتح، يوم تفتح الدّنيا على القائم- (عليه السلام)- لا ينفع أحدا تقرّب بالإيمان ما لم يكن قبل ذلك مؤمنا و بهذا الفتح موقنا. فذلك الّذي ينفعه إيمانه و يعظم عند اللَّه قدره و شأنه و تزخرف له يوم القيامة: جنانه و تحجب عنه نيرانه. و هذا أجر الموالين لأمير المؤمنين و لذّريّته الطّيّبين- (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ‏ و لا تبال بتكذيبهم.

و قيل‏ (5): هو منسوخ بآية السّيف.

وَ انْتَظِرْ: النّصرة عليهم.

إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ‏ (30): الغلبة عليك.

و قرئ، بالفتح. على معنى أنّهم أحقّاء بأن ينتظر هلاكهم، أو أنّ الملائكة ينتظرونه‏ (6).

____________

(1) الأعراف/ 89.

2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 237.

(4) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 159.

(5) أنوار التنزيل 2/ 237.

(6) نفس المصدر و الموضع.

308

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قال عليّ بن إبراهيم في قوله:- عزّ و جلّ- أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ قال: الأرض الخراب. و هو مثل ضربة اللَّه- عزّ و جلّ- في الرّجعة و القائم- (عليه السلام)-. فلمّا أخبرهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بخبر الرّجعة قالوا: مَتى‏ هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏؟ و هذه معطوفة على قوله: وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ فقالوا: مَتى‏ هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏. فقال اللَّه- عزّ و جلّ- قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ‏، يا محمّد، وَ انْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 171.

309

تفسير سورة الأحزاب‏

310

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

311

سورة الأحزاب مدنيّة. و هي ثلاث و سبعون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب، كان يوم القيامة في جوار محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أزواجه.

ثمّ قال: سورة الأحزاب فيها فضائح الرّجال و النّساء من قريش و غيرهم. يا أبن سنان، إنّ سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب. و كانت أطول من سورة البقرة، و لكن نقّصوها و حرّفوها.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: و من قرأ سورة الأحزاب و علّمها أهله و ما ملكت يمينه، أعطي الأمان من عذاب القبر

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ‏: ناداه بالنّبي و أمره بالتّقوى، تعظيما له و تفخيما لشأن التّقوى.

و المراد به، الأمر بالثّبات عليه. ليكون مانعا عمّا نهى عنه بقوله: وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ‏، أي: فيما يعود بوهن في الدّين.

إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً: بالمصالح و المفاسد.

____________

(1) ثواب الأعمال/ 137، ح 1.

(2) مجمع البيان 4/ 334.

312

حَكِيماً (1): لا يحكم إلّا بما تقتضيه الحكمة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم: (1) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً و هذا هو الّذي‏

قال الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه بعث نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بإيّاك أعني و اسمعي يا جارة. فالمخاطبة للنّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و المعنى للنّاس.

و في مجمع البيان‏ (2): نزلت في أبي سفيان بن حرب، و عكرمة بن أبي جهل، و أبي الأعور السّلمي. قدموا المدينة، و نزلوا على عبد اللَّه بن أبي بعد غزوة أحد بأمان من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ليكلّموه. فقاموا، و قام معهم عبد اللَّه بن أبيّ و عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح و طعمة بن أبيرق. فدخلوا على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقالوا: يا محمّد، ارفض ذكر آلهتنا اللّات و العزّى و مناة، و قل: إنّ لها شفاعة لمن عبدها، و ندعك و ربك.

فشقّ ذلك على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال عمر بن الخطّاب: ائذن لنا يا رسول اللَّه في قتلهم.

فقال: إنّي أعطيتهم الأمان. و أمر- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فأخرجوا منه المدينة. و نزلت الآية وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ‏ من أهل مكّة، أبا سفيان و أبا الأعور و عكرمة وَ الْمُنافِقِينَ‏ ابن أبيّ و ابن سعد (3) و طعمة

وَ اتَّبِعْ ما يُوحى‏ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏: كالنّهي عن طاعتهم.

إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (2): فموح إليك ما تصلحه و تغني من الاستماع إلى الكفرة. و قرأ أبو عمرو، بالياء. على أنّ الواو ضمير «الكفرة و المنافقين»، أي: إنّ اللَّه خبير بمكائدهم، فيدفعها عنك‏ (4) وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ‏: وكّل أمرك إلى تدبيره.

وَ كَفى‏ بِاللَّهِ وَكِيلًا (3): موكولا إليه الأمور كلّها.

ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏ أي: ما جمع قلبين في جوف. لأنّ القلب معدن الرّوح الحيوانيّ المتعلّق بالنّفس الانسانيّ أوّلا، و منبع القوى بأسرها. و ذلك يمنع‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 171.

(2) مجمع البيان 4/ 335.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: ابن سعيد.

(4) أنوار التنزيل 2/ 238.

313

التّعدّد.

و في مصباح الشّريعة: (1) قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل-: فمن كان قلبه‏ (2) متعلّقا في صلاته بشي‏ء دون اللَّه، فهو قريب من ذلك الشي‏ء بعيد عن حقيقة ما أراد اللَّه منه في صلاته. قال اللَّه- عزّ و جلّ-: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(3)- بإسناده إلى صالح بن ميثم التّمّار- رضي اللَّه عنه- قال: وجدت في كتاب ميثم- رضي اللَّه عنه- يقول: تمسّينا ليلة عند أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال لنا: إنّ عبدا لن يقصّر في حبّنا لخير جعله اللَّه في قلبه، و لن يحبّنا من يحبّ مبغضينا. إنّ ذلك لا يجتمع في قلب واحد ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏ يحبّ. لهذا قوما، و يحبّ بالآخر عدوّهم. و الّذي يحبّنا، فهو يخلص حبّنا كما يخلص الذّهب لا غش فيه. و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏ قال علّي بن أبي طالب- (عليه السلام)-:

لا يجتمع حبّنا و حبّ عدوّنا في جوف إنسان. إنّ اللَّه لم يجعل لرجل قلبين في جوفه، فيحبّ هذا و يبغض هذا. فأمّا محبّنا، فيخلص الحبّ لنا كما يخلص الذّهب بالنّار لا كدر فيه. فمن أراد أن يعلم حبّنا، فليمتحن قلبه. فإن شارك‏ (5) في حبّنا حبّ عدوّنا، فليس منّا و لسنا منه.

و اللَّه عدوّهم و جبرائيل و ميكائيل. و اللَّه عدّو للكافرين.

و في مجمع البيان‏ (6): قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ‏ يحبّ لهذا قوما و يحبّ لهذا أعدائهم. و فيه: و قوله‏ (7): ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏ نزل في أبي معمّر [جميل بن معمّر] (8) بن حبيب الفهريّ. و كان لبيبا حافظا لما يسمع. و كان يقول: إنّ في جوفي لقلبين، أعقل بكلّ واحد منهما أفضل من عقل محمّد. و كانت قريش تسمية: ذا القلبين. فلمّا كان يوم بدر و هزم المشركون و فيهم أبو معمّر، تلقّاه أبو سفيان بن حرب‏

____________

(1) شرح فارسي مصباح الشريعة و مفتاح الحقيقة/ 112- 113.

(2) المصدر: ظنّه.

(3) أمالي الطوسي 1/ 147- 148.

(4) تفسير القمي 2/ 171- 172.

(5) المصدر: شاركه.

(6) مجمع البيان 4/ 336.

(7) نفس المصدر 4/ 335.

(8) من المصدر.

314

و هو آخذ بيديه إحدى نعليه و الأخرى في رجله.

فقال له: يا أبا معمّر، ما حال النّاس؟

قال: انهزموا.

قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك و أخرى في رجلك؟

فقال أبو معمّر: ما شعرت إلّا أنّهما في رجلي.

فعرفوا يومئذ، أنّه لم يكن له إلّا قلب واحد لمّا نسي نعله في يده.

في شرح الآيات الباهرة (1): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا محمّد بن الحسين بن حميد بن الرّبيع‏ (2)، عن جعفر بن عبد اللَّه المحمّدي، عن كثير بن عيّاش‏ (3)، عن أبي الجارود، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏ قال: قال عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)-: ليس عبد من عبيد اللَّه ممّن امتحن قلبه للأيمان إلّا و هو يجدّد (4) مودّتنا على قلبه، فهو يودّنا. و ما من عبد من عبيد اللَّه ممّن سخط اللَّه عليه إلّا و هو يجدّد (5) بغضنا على قلبه، فهو يبغضنا. فأصبحنا نفرح بحبّ المحبّ و نغتفر له، و نبغض المبغض. و أصبح محبّنا ينتظر رحمة اللَّه- عزّ و جلّ- فكأن أبواب الرّحمة قد فتحت له. و أصبح مبغضنا على شفا جرف من النّار، فكان ذلك الشّفا قد انهار به في نار جهنّم. فهنيئا لأهل الرّحمة رحمتهم، و تعسا لأهل النّار مثواهم. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (6):

فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ‏.

و إنّه ليس عبد من عبيد اللَّه يقصّر في حبّنا لخير جعله اللَّه عنده. إذ لا يستوي‏ (7) من يحبنا و يبغضنا، و لا يجتمعان في قلب رجل أبدا. إنّ اللَّه لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، يحب. بهذا و يبغض بهذا. أمّا محبّنا، فيخلص الحبّ لنا كما يخلص الذّهب بالنّار لا كدر فيه، و مبغضنا على تلك المنزلة. نحن النّجباء، و أفراطنا أفراط الأنبياء، و أنا وصيّ الأنبياء (8).

و الفئة الباغية من حزب الشّيطان، و الشّيطان منهم. فمن أراد أن يعلم حبّنا، فليمتحن قلبه.

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 159- 160.

(2) المصدر: محمد بن الحسين بن جميل بن الربيع.

(3) المصدر: كثير بن عبّاس. ر. تنقيح المقال 2/ 360، رقم 9838.

(4) المصدر: يجده.

(5) المصدر: يجد.

(6) النحل/ 29.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: لا يسوّي.

(8) المصدر و م و س و أ: الأوصياء.

315

فإن شارك في حبّنا عدوّنا، فليس منّا و لسنا منه. و اللَّه عدوّه و جبرائيل و ميكائيل. و اللَّه عدوّ للكافرين.

و قال علىّ- (عليه السلام)- [: لا يجتمع‏] (1) حبّنا و حبّ عدوّنا في جوف إنسان إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏

وَ ما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَ ما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ‏: و ما جمع الزوجيّة و الأمومة في امرأة، و لا الدّعوة و البنّوة في رجل.

و المعنى: كما لم يجعل اللَّه قلبين في جوفه لأدائه إلى تناقض- و هو أن يكون كلّ منهما أصلا لكلّ القوى و غير أصل- لم يجعل الزّوجة و الدّعيّ اللّذين لا ولادة بينهما و بينه و أمّه و ابنه اللّذين بينهما و بينه ولادة.

و قرأ أبو عمرو: «و اللّاي» بالياء [وحده‏] (2)، على أنّ أصله «اللّاء» (3) لهمزة، فخففت. و عن الحجازّيين، مثله. و عنهما و عن يعقوب، بالهمزة وحده. و أصل «تظهرون» تتظهّرن، فأدغمت التّاء الثّانية في الظّاء (4).

و قرأ ابن عامر: «تظاهرون» بالإدغام. و حمزة و الكسائي، بالحذف. و عاصم «تظاهرون» من ظاهر (5).

و قرئ: «تظهرون» من ظهر، بمعنى: ظاهر، كعقد بمعنى: عاقد. و «تظهرون» من الظّهور (6).

و معنى الظّهار، أن يقول للزّوجة: أنت عليّ كظهر أمّي. مأخوذة من «الظّهر» باعتبار للّفظ، كالتّلبية من «لبّيك».

و تعديته «بمن» لتضمّنه معنى التّجنّب. لأنّه كان طلاقا في الجاهليّة، و هو في الإسلام يقتضي الطّلاق أو الحرمة إلى أداء الكفّارة، كما عدّي «الى» بها. و هو بمعنى:

الحلف.

و ذكر الظّهر، للكناية عن البطن الّذي هو عموده، فإنّ ذكره يقارب ذكر الفرج.

أو التغّليظ في التّحريم، فإنّهم يحرّمون إتيان المرأة و ظهرها إلى السّماء. و الأدعياء، جمع دعيّ،

____________

(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: اللائي.

(4) أنوار التنزيل 2/ 238.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) نفس المصدر و الموضع.

316

على الشّذوذ. و كأنّه شبّه بفعيل، بمعنى: فاعل. فجمع جمعه‏ ذلِكُمْ‏: إشارة إلى كلّ ما ذكر. أو إلى الأخير.

قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ‏: لا حقيقة له في الأحيان، كقول الهاذي.

وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَ‏: ما له حقيقة عينيّة مطابقة له‏ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ (4):

سبيل الحقّ.

و في تفسير علّى بن إبراهيم‏ (1): و قال علىّ بن ابراهيم- رضي اللَّه عنه‏- في قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ‏ قال: فانّه حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: كان سبب [نزول‏] (2) ذلك، أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لمّا تزوّج بخديجة بنت خويلد، خرج إلى سوق عكاظ في تجارة لها، و رأى زيدا يباع، و رآه غلاما كيسا حصيفا، فاشتراه.

فلمّا نبّئ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- دعاه إلى الإسلام، فأسلم. و كان يدعى زيد مولى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فلمّا بلغ حارثة بن شراحيل‏ (3) الكلبيّ خبر ولده زيد، قدم مكّة. و كان رجلا جليلا.

فأتى أبا طالب فقال: يا أبا طالب، إنّ ابني وقع عليه السّبي، و بلغني أنّه صار إلى ابن أخيك. فسله، إمّا أن يبيعه، و إما أن يفاديه، و إمّا أن يعتقه.

فكلّم أبو طالب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: هو حرّ، فليذهب حيث‏ (4) شاء.

فقام حارثة، فأخذ بيد زيد. فقال له: يا بنىّ، الحق بشرفك و حسبك.

فقال زيد: لست أفارق رسول اللَّه [أبدا.

فقال له أبوه: فتدع حسبك و نسبك و تكون عبدا لقريش.

فقال زيد: لست أفارق رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-] (5) ما دمت حيّا.

فغضب أبوه، فقال: يا معشر قريش، اشهدوا أنّي قد برئت منه و ليس هو ابني.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: اشهدوا أنّ زيدا ابني، أرثه و يرثني.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 172- 175.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: شراحبيل.

(4) المصدر: كيف.

(5) ليس في ن.

317

فكان زيد يدعى ابن محمّد. و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يحبّه، و سمّاه: زيد الحّب.

فلمّا هاجر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إلى المدينة، زوّجه زينب بنت جحش و أبطأ عنه يوما، فأتى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- منزله يسأل عنه فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبها بفهر. [فدفع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الباب‏] (1) و نظر إليها. و كانت جميلة حسنة.

فقال: سبحان اللَّه خالق النّور، و تبارك اللَّه أحسن الخالقين. ثمّ رجع رسول اللَّه إلى منزله. و وقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا.

و جاء زيد إلى منزله، فأخبرته زينب بما قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال لها زيد: هل لك أن أطلّقك حتّى يتزوّجك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-؟ فلعلك قد وقعت في قلبه.

فقالت: أخشى أن تطلّقني، و لا يتزوّجني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فجاء زيد إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللَّه، أخبرتني زينب بكذا و كذا. فهل لك أن أطلّقها حتّى تتزوّجها؟

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لا، اذهب فاتّق اللَّه و أمسك عليك زوجك. ثمّ حكى اللَّه- عزّ و جلّ- فقال: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ، فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها إلى قوله- تعالى-: وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا فزوّجه اللَّه- عزّ و جلّ- من فوق عرشه.

فقال المنافقون: يحرّم علينا نساء أبنائنا و يتزوّج امرأة ابنه زيد. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- في هذا وَ ما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ‏ إلى قوله- تعالى-: يَهْدِي السَّبِيلَ‏

ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ‏: انسبوهم إليهم. و هو إفراد للمقصود من أقواله الحقّه.

هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ‏: تعليل له. و الضّمير لمصدر «ادعو».

و «أقسط» أفعل تفضيل، قصد به الزّيادة مطلقا. من القسط، بمعنى: العدل. و

____________

(1) ليس في المصدر.

318

معناه: البالغ‏ (1) في الصّدق.

و في عيون الأخبار (2)، في باب ذكر ما كتب به الرّضا- (عليه السلام)- محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل: و علّة تحليل مال الولد لوالده بغير إذنه و ليس ذلك للولد، لأنّ الولد موهوب‏ (3) للوالد في قول اللَّه- تعالى‏ (4)-: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ.

مع أنّه المأمور (5) بمؤنته صغيرا أو كبيرا. و المنسوب إليه و المدعوّ له، لقوله- عزّ و جلّ-: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ‏. و قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أنت و مالك لأبيك.

و ليس الوالدة كذلك، لا تأخذ من ماله إلّا بإذنه أو بإذن الأب. لأنّ الأب مأخوذ بنفقة الولد و لا تؤخذ المرأة بنفقة ولدها.

فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ‏: فتنسبوهم إليهم.

فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَ مَوالِيكُمْ‏: و أولياؤكم فيه. فقولوا: هذا أخي و مولاي.

بهذا التأويل.

و قيل‏ (6): بني أعمامكم. و قيل: معناه: معتقوكم و محرّروكم. إذا أعتقتموهم من دقّ، فلكم ولاؤهم.

وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ‏: و لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين من قبل النّهي، أو بعده على النّسيان، أو سبق اللّسان.

وَ لكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ‏: و لكنّ الجناح فيما تعمّدت قلوبكم. أو و لكن ما تعمّدت فيه الجناح.

وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً: لما سلف من قولكم.

رَحِيماً (5) بكم.

و في الاية دلالة على أنّه، لا يجوز الانتساب إلى غير الأب. و قد وردت السّنّة بتغليظ الأمر فيه.

و في مجمع البيان‏ (7): قال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من: انتسب إلى أبيه أو

____________

(1) هكذا في أ. و في سائر النسخ: المبالغ.

(2) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 96.

(3) المصدر: مولود.

(4) الشورى/ 49.

(5) المصدر: المأخوذ.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) مجمع البيان 4/ 337.

319

انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة اللَّه.

النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏: في الأمور كلّها. فإنّه لا يأمرهم و لا يرضى منهم إلّا بما فيه صلاحهم و نجاحهم، بخلاف النفّس. فلذلك أطلق. فيجب أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم، و أمره أنفذ فيهم من أمرها، و شفقتهم عليه أتمّ من شفقتهم عليها.

وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ‏: منزلات منزلتهم في التّحريم و استحقاق التّعظيم. و فيما عدا ذلك فكالأجنبيّات.

وَ أُولُوا الْأَرْحامِ‏: و ذو القرابات.

بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ‏ في التّوارث.

[فِي كِتابِ اللَّهِ‏: في اللّوح. أو فيما أنزل، و هو هذه الاية أو آية المواريث. أو فيما فرض اللَّه.

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ‏ بيان لأولي الأرحام. أو صلة لأولي، أي: أولو الأرحام بحقّ القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحقّ الدّين، و المهاجرين بحقّ الهجرة (1).] و هو نسخ لما كان في صدر إسلام من التّوارث بالهجرة و الموالاة في الدّين، و بالمؤاخاة.

و في مجمع البيان‏ (2): قال الكلبيّ: آخى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بين النّاس. فكان يؤاخي بين الرّجلين. فإذا مات أحدهما، ورثه الثّاني دون أهله. فمكثوا بذلك ما شاء اللَّه حتّى نزلت‏ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ‏ فنسخت هذه الاية الموارثة بالمؤاخاة و الهجرة، ورث الأدنى فالأدنى من القرابات.

و قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، و كان لا يرث الأعراب المسلم من المهاجرين‏ (3) شيئا، فنزلت هذه الآية فصار المواريث بالقرابات.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل، يذكر فيه الكبائر. يقول فيه- (عليه السلام)-: و أمّا عقوق الوالدين فقد أنزل اللَّه في كتابه‏ النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ‏ فعقّوا رسول اللَّه في ذرّيّته،

____________

(1) ليس في الأصل و ن.

(2) مجمع البيان 4/ 338.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: المسلمين.

(4) الخصال/ 364، ضمن حديث 56.

320

و عقّوا أمهّم خديجة في ذرّيّتها.

و في مجمع البيان‏ (1): و روي أنّ النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لمّا أراد غزوة تبوك و أمر النّاس بالخروج، قال قوم: نستأذن آباءنا و أمّهاتنا. فنزلت هذه الآية.

و

روى عن أبيّ و ابن مسعود و ابن عبّاس‏ أنّهم كانوا يقرءون: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجه أمهاتهم هو أب لهم. و كذلك هو في و مصحف أبي. و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه- (عليهما السلام).

و في كتاب سعد السّعود (2) لابن طاوس- (رحمه اللّه)-: روي عنه- (صلوات اللّه عليه)-: أنا و عليّ أبوا هذه الأمّة.

و في تفسير علّي بن إبراهيم‏ (3): و قوله- عزّ و جلّ-: النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ‏ قال: فنزلت «و هو أب لهم.» و معنى‏ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ‏ [: أنّها بمنزلتهم في الحرمة و التعّظيم‏] (4) فجعل اللَّه- عزّ و جلّ- المؤمنين أولاد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و جعل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أباهم لمن لم يقدر أن يصون نفسه و لم يكن له مال و ليس له على نفسه ولاية. فجعل اللَّه- تبارك و تعالى- لنبيّه الولاية على المؤمنين من أنفسهم.

و

قول رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بغدير خمّ: أيّها النّاس، أ لست أولى بكم من أنفسكم؟

قالوا: بلى.

ثم أوجب لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- ما أوجبه لنفسه عليهم من الولاية فقال: ألا من كنت مولاه فعلي مولاه.

فلمّا جعل اللَّه- عزّ و جلّ- النّبي أبا للمؤمنين، ألزمه مؤنتهم و تربية أيتامهم. فعند ذلك صعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- المنبر فقال: من ترك مالا، فلورثته. و من ترك دينا أو ضياعا، فعليّ و إلىّ. فألزم اللَّه- عزّ و جلّ- نبيّه للمؤمنين ما يلزم‏ (5) الوالد. و ألزم‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 338.

(2) سعد السعود/ 275.

(3) تفسير القمي 2/ 175- 176.

(4) يوجد في الأصل، فقط. و ليس في سائر النسخ و المصدر.

(5) المصدر: يلزمه.

321

المؤمنين من الطّاعة له ما يلزم الولد للوالد.

فكذلك ألزم أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- ما ألزم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من بعد ذلك، و بعده الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- واحدا واحدا.

و الدّليل على أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- هما والدان‏ (1) قوله‏ (2): وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً. فالوالدان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و قال الصّادق- (عليه السلام)-: فكان إسلام عامّة اليهود لهذا السّبب لأنّهم أمنوا على أنفسهم و عيالاتهم.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (3)، بإسناده إلى سعد بن عبد اللَّه القمّي، عن الحجة القائم- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: قلت: فأخبرني، يا ابن مولاي، عن معنى الطّلاق الّذي فوّض رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حكمه إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

قال: إنّ اللَّه- تقدّس اسمه- عظّم شأن نساء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فخصّهنّ بشرف الأمّهات. فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا أبا الحسن، إنّ هذا الشّرف باق لهنّ ما دمن للَّه على الطّاعة. فأيّتهنّ عصت اللَّه بعدي بالخروج عليك، فأطلق لها في الأزواج و أسقطها [من تشرّف الأمّهات و] (4) من شرف أمومة المؤمنين.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5)، بإسناده إلى علي بن الحسن بن فضّال، عن أبيه قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- فقلت له: لم كنّي النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بأبي القاسم؟

فقال: لأنّه كان له ابن يقال له: قاسم، فكنّي به.

قال: فقلت: يا ابن رسول اللَّه، فهل تراني أهلا للزّيادة؟

فقال: نعم، أما علمت أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: أنا و علي أبوا هذه الأمّة؟

____________

(1) ن و المصدر: الوالدان.

(2) النساء/ 36.

(3) كمال الدين و تمام النعمة/ 459، في حديث طويل.

(4) ليس في المصدر.

(5) علل الشرائع/ 127، ح 2.

322

قلت: بلى‏ (1).

قال: أما علمت أنّ عليّا- (عليه السلام)- قاسم الجنّة و النّار؟

قلت: بلى.

قال: فقيل له: أبو القاسم، لأنّه أبو قسيم الجنّة و النّار.

فقلت: ما معنى ذلك؟

فقال: إنّ شفقة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- على أمّته كشفقة (2) الآباء على الأولاد. و أفضل أمّته علّي- (عليه السلام)- و شفقته‏ (3) عليهم كشفقته- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لأنّه وصيّه و خليفته و الامام بعده. فذلك قال: أنا و علّي أبوا هذه الأمّة. و صعد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- المنبر فقال: من ترك دينا أو ضياعا، فعليّ واليّ. و من ترك مالا، فلورثته. فصار بذلك أولى من آبائهم و أمّهاتهم، و صار (4) أولى لهم منهم بأنفسهم.

و كذلك أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بعده، جرى ذلك له مثل ما جرى لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

و بإسناده إلى عبد الرّحمن بن القصير (5)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللَّه- عزّ و جلّ- النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏ فيمن نزلت [هذه الاية؟] (6) قال: نزلت في الامرة. إنّ هذه الاية جرت في الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- و في ولد الحسين من بعده. فنحن أولى بالأمر و برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من المؤمنين و المهاجرين.

قلت: لولد جعفر فيها نصيب؟

فقال: لا

____________

(1) هنا في المصدر زيادة. و هي: قال: أما علمت أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أب لجميع أمتّه و عليّ- (عليه السلام)- فيهم بمنزلته؟ فقلت:

بلى.

(2) المصدر: شفقة.

(3) المصدر: و من بعده شفقة عليّ- (عليه السلام)-.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: صاروا.

(5) نفس المصدر/ 206- 207، ح 4. و فيه:

و بإسناده إلى عبد الرحيم القصير.

(6) ليس في المصدر.

323

فقال: فعددت عليه بطون بني عبد المطّلب، كلّ ذلك يقول: لا. و نسيت ولد الحسن. فدخلت عليه بعد ذلك [فقلت: هل لولد الحسن- (عليه السلام)- فيها نصيب؟

قال: لا، يا عبد الرّحمن‏ (1)، ما لمحمّدي فيها نصيب غيرنا.

و في أصول الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى،] (3) عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن المغيرة، عن ابن مسكان، عن عبد الرّحيم بن روح القصير (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏ فيمن نزلت؟

قال: نزلت في الامرة. إنّ هذه الآية جرت في ولد الحسين من بعده. فنحن أولى بالأمور و برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من المؤمنين و المهاجرين و الأنصار.

قلت: فلولد (5) جعفر لهم فيها نصيب؟

فقال: لا [قلت: فولد العبّاس لهم فيها نصيب؟

فقال: لا] (6) فعدّدت عليه بطون بني عبد المطلب، كلّ ذلك يقول: لا. قال: و نسيت ولد الحسن- (عليه السلام)-. فدخلت بعد ذلك عليه فقلت له: هل لولد الحسن فيها نصيب؟

فقال: لا و اللَّه، يا عبد الرّحيم، ما لمحمّديّ فيها نصيب غيرنا.

عليّ بن إبراهيم‏ (7)، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس. و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عمير، عن عمر أذينة. و عليّ بن محمّد، عن أحمد بن هلال، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن ابن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس قال: سمعت عبد اللَّه بن جعفر الطّيّار يقول: كنّا عند معاوية أنا و الحسن و الحسين و عبد اللَّه بن عبّاس و عمر بن أمّ سلمة و أسامة بن زيد، فجرى بيني و بين معاوية كلام. فقلت لمعاوية: سمعت رسول اللَّه- صلّى اللَّه‏

____________

(1) المصدر: يا أبا عبد الرحمن.

(2) الكافي 1/ 288، ح 2.

(3) ليس في م.

(4) ن: عبد الرحمن بن روح القصير.

(5) المصدر: فولد.

(6) ليس في م.

(7) نفس المصدر 1/ 529، ح 4.

324

عليه و آله و سلّم- يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثمّ أخي علّي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين منه أنفسهم. فإذا استشهد علّي‏ (1) فالحسن بن عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثمّ ابني الحسين من بعده أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فإذا استشهد- (عليه السلام)- فابنه علّي بن الحسين- (عليه السلام)- أولى بالمؤمنين من أنفسهم و ستدركه يا عليّ، ثمّ ابنه محمّد بن عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم و ستدركه يا حسين، ثمّ تكملة اثني عشر إماما، تسعة من ولد الحسين.

قال عبد اللَّه بن جعفر: و استشهدت الحسن و الحسين و عبد اللَّه بن عبّاس و عمر بن امّ سلمة و أسامة بن زيد، فشهدوا لي عند معاوية.

قال سليم: و قد سمعت ذلك من سلمان و أبي ذرّ و المقداد ذكروا أنّهم سمعوا ذلك من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى‏ (2)، عن يونس بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا حمّاد، عن عبد الأعلى قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول العامّة: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: من مات و ليس له إمام ميتة جاهليّة.

قال: الحقّ و اللَّه.

قلت: فإنّ إماما هلك و رجل بخراسان لا يعلم من وصيّه، لم يسعه ذلك؟

قال: لا يسعه. إنّ الإمام إذا هلك، وقعت حجّة وصيّه على من هو معه في البلد، و حقّ النّفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (3): فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏.

قلت: فنفر قوم فهلك بعضهم قبل أن يصل فيعلم؟

قال: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (4): وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ‏.

قلت: فبلغ البلد بعضهم، فوجدك مغلقا عليك بابك و مرخى عليك سترك لا تدعوهم إلى نفسك و لا يكون من يدلّهم عليك، فبما يعرفون ذلك؟

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: (عليه السلام).

(2) نفس المصدر 1/ 378- 379، صدر حديث 2.

(3) التوبة/ 123.

(4) النساء/ 100.