تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج10

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
586 /
325

قال: بكتاب اللَّه المنزل.

قلت: فيقول اللَّه- جلّ و عزّ- كيف؟

قال: أراك قد تكلّمت في هذا قبل اليوم؟

قلت: أجل، قال: فذكر ما أنزل اللَّه في عليّ- (عليه السلام)- و ما قال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في حسن و حسين- (عليهما السلام)- و ما خصّ اللَّه به عليّا- (عليه السلام)- و ما قال فيه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من وصيّته إليه، و نصبه إيّاه، و ما يصيبهم، و إقرار الحسن و الحسين بذلك، و وصيّته إلى الحسن و [تسليم‏] (1) الحسين له. يقول اللَّه: النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏

و الحديث طويل أخذت منه وضع الحاجة.

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقيّ‏ (2). و علي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن القاسم بن محمّد الاصبهانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه، و عليّ أولى به من بعدي. فقيل له: ما معنى ذلك؟ فقال: قول النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من ترك دينا أو ضياعا، فعليّ و من ترك مالا، فلورثته. فالرّجل ليست له على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال، و ليس على عياله أمر و لا نهي إذا لم يجر عليهم النّفقة.

و النّبيّ و أمير المؤمنين و من بعدهما- (سلام اللَّه عليهم)- ألزمهم هذا. فمن هناك صاروا أولى لهم من أنفسهم. و ما كان سبب إسلام عامّة اليهود إلّا من بعد هذا القول من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و إنّهم آمنوا على أنفسهم و عيالاتهم.

و في روضة الكافي‏ (3)، بإسناده إلى عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و في آخره يقول- (عليه السلام)-: كان عليّ أفضل النّاس بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أولى النّاس بالنّاس- حتّى قالها ثلاثا.

و في نهج البلاغة (4): قال- (عليه السلام)-: فو اللَّه، إنّي لأولى النّاس بالنّاس.

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر 1/ 406، ح 6.

(3) نفس المصدر 8/ 80، ذيل حديث 36، و أيضا في ص 333، ذيل حديث 520 ببعض الاختلاف.

(4) نهج البلاغة/ 175، ذيل خطبة 118.

326

و في كتاب الاحتجاج‏ (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب حديث طويل. و فيه قال: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم. من كنت أولى به من نفسه، فأنت [يا أخي‏] (2) أولى به من نفسه. و عليّ بين يديه- (عليهم السلام)- في البيت.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- حدّثنا الحسين [بن محمّد] (4) بن عامر، عن محمّد بن الحسين، عن أحمد بن أبي نصر (5) عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الرّحيم بن روح القصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّه سأل عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ‏ قال: نزلت في ولد الحسين- (عليه السلام).

قال: قلت: جعلت فداك، أنزلت في الفرائض؟

قال: لا.

قلت: ففي المواريث؟

قال: لا، قال: نزلت في إلّا مرة.

و قال- أيضا- (6): حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن الفضل، عن جعفر بن الحسين الكوفيّ، عن أبيه، عن محمّد بن زيد مولى أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألت مولاي، فقلت: قوله- عزّ و جلّ-: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ [فِي كِتابِ اللَّهِ‏] (7) قال: هو عليّ- (عليه السلام).

معناه: أنّه رحم النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فيكون أولى به من المؤمنين و المهاجرين.

و قال- أيضا- (8): حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه بن أسد (9)، عن إبراهيم بن محمّد، عن محمّد بن‏

____________

(1) عنه في تفسير نور الثقلين 4/ 241، ح 26.

(2) ليس في المصدر.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 160.

(4) ليس في المصدر.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: أحمد بن أبي بصير.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) ليس في المصدر.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) المصدر: عليّ بن عبد اللَّه بن راشد.

327

عليّ المقري‏ (1)، بإسناده يرفعه الى زيد بن عليّ- (عليه السلام)- في قول اللَّه- عزّ و جلّ- وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ‏.

قال: رحم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أولى بالإمارة و الملك و الايمان.

إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى‏ أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً: استثناء من أعمّ ما يقدّر الألويّة فيه من النّفع. و المراد بفعل المعروف: التّوصية. أو منقطع به.

كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (6): كان ما ذكر في الآيتين ثابتا في اللّوح، أو القرآن.

و قيل‏ (2): في التّوراة.

و في الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى و غيره، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن الجهم، عن حنان قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أيّ شي‏ء للموالي؟

فقال: ليس لهم من الميراث إلّا ما قال اللَّه- عزّ و جلّ-: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى‏ أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً.

محمّد بن يحيى، أحمد بن محمّد (4)، عن ابن أبي الحمراء قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أيّ شي‏ء للموالي من الميراث؟

فقال: ليس لهم شي‏ء إلّا التّرباء، يعني: التّراب.

و المراد منهم: الأولياء بحسب الإيمان.

وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ‏: مقدّر «باذكر».

و «ميثاقهم»: عهودهم بتبليغ الرّسالة و الدّعاء إلى الدّين القيّم.

و في روضة الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كانت شريعة نوح- (عليه السلام)- (6) أن يعبد اللَّه بالتّوحيد و الإخلاص. و خلع الأنداد. و هي الفطرة الّتي فطر النّاس عليها. و أخذ اللَّه ميثاقه على نوح و على النّبيّين- صلّى اللَّه عليهم أجمعين- أن يعبدوا اللَّه‏

____________

(1) المصدر و ن: المنقريّ.

(2) أنوار التنزيل 2/ 239.

(3) الكافي 7/ 135، ح 3.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

(5) الكافي 8/ 282- 283، صدر حديث 424.

(6) الأصل: شريعته- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

328

- تعالى- و لا يشركوا به شيئا. و أمر بالصّلاة و الأمر بالمعروف و النهّي عن المنكر و الحلال و الحرام. و لم يفوّض عليه أحكام حدود و لا فرائض‏ (1) مواريث. فهذه شريعة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ‏: خصّهم بالذّكر، لأنّهم مشاهير أرباب الشّرائع و قدّم نبيّنا، تعظيما له.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: هذه «الواو» زيادة في قوله: «و منك» إنّما هو مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ‏ فأخذ اللَّه- عزّ و جلّ- الميثاق لنفسه على الأنبياء [، ثمّ أخذ لنبيّه على الأنبياء] (3) و الأئمة- (صلوات اللّه عليهم)- ثمّ أخذ الأنبياء على رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (7): عظيم الشّأن، أو مؤكّدا باليمين. و التّكرير لبيان هذا الوصف.

لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ‏، أي: فعلنا ذلك ليسأل اللَّه يوم القيامة الأنبياء الذّين صدقوا عهدهم عمّا قالوه لقومهم. أو تصديقهم إيّاهم تبكيتا لهم. أو المصدّقين لهم عن تصديقهم، فإنّ مصدّق الصّادق صادق. أو المؤمنين الّذين صدقوا عهدهم حين أشهدهم على أنفسهم عن صدقهم عهدهم.

وَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (8): عطف على «أخذنا»، من جهة أنّ بعثة الرّسل و أخذ الميثاق منهم لإثابة المؤمنين. أو على ما دلّ عليه «ليسأل» كأنّه قال: فأثاب المؤمنين و أعدّ للكافرين.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ، يعني:

الأحزاب. و هم قريش و غطفان و يهود قريضة و النّضير. و كانوا زهاء اثني عشر ألفا.

فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً: ريح الصّبا.

وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها: الملائكة.

روي‏ (4): أنّه- (عليه السلام)‏- لمّا سمع [بإقبالهم‏] (5) ضرب الخندق على المدينة، ثمّ خرج إليهم في ثلاثة آلاف و الخندق بينه و بينهم، و مضى على‏

____________

(1) المصدر: لا فرض.

(2) تفسير القمي 2/ 176.

(3) من المصدر.

(4) أنوار التنزيل 2/ 240.

(5) من المصدر.

329

الفرقين قريب [من‏] (1) شهر لا حرب بينهم إلّا التّرامي بالنّبل و الحجارة، حتّى بعث اللَّه عليهم ريحا (2) باردة في ليلة شاتية فأخضرتهم‏ (3) و سفّت التّراب في وجوههم و أطفات نيرانهم و قلعت خيامهم و ماجت الخيل بعضها في بعض و كبّرت الملائكة في جوانب العسكر. فقال طلحة بن خويلد الأسديّ: أمّا محمّد فقد بدأكم بالسحر، فالنّجاء النّجاء. فانهزموا من غير قتال.

وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ‏: من حفر الخندق.

و قرأ البصريّان بالياء، أي: بما يعمل المشركون من التّحزّب و المحاربة (4).

بَصِيراً (9): رائيا.

إِذْ جاؤُكُمْ‏: بدل من «إذ جاءتكم».

مِنْ فَوْقِكُمْ‏: من أعلى الوادي، من قبل المشرق بنو غطفان.

وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ‏: من أسفل الوادي، من قبل المغرب قريش.

وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ: مالت عن مستوى نظرها، حيرة و شخوصا.

وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ: رعبا. فإنّ الرّئة تنتفخ من شدّة التّروّع، فترتفع بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، و هي: منتهى الحلقوم مدخل الطّعام و الشّراب.

و في مجمع البيان‏ (5): و قال أبو سعيد الخدري: قلنا يوم الخندق: يا رسول اللَّه، هل من شي‏ء نقوله فقد بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ؟

فقال: قولوا: اللّهمّ، استر عوراتنا و أمن روعاتنا.

قال: فقلناها، فضرب وجوه أعداء اللَّه بالرّيح فهزموا.

وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10): الأنواع من الظّنّ. المخلصون أنّه ينصر محمّد، و ظنّ المنافقون أنّه يتأصل، و ظنّ بعضهم النّصر و بعضهم البؤس.

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن ابائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا هود قد انتصر اللَّه له من أعدائه بالرّيح، فهل فعل‏

____________

(1) من المصدر.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: صبا.

(3) أخصره: أبرده.

(4) أنوار التنزيل 2/ 240.

(5) مجمع البيان 4/ 340.

(6) الاحتجاج 1/ 316- 317.

330

لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- شيئا منه هذا؟

قال له عليّ- (عليه السلام)-: [لقد كان كذلك، و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)‏] (1) أعطي ما هو أفضل من هذا. إنّ اللَّه- عزّ ذكره- قد انتصر له من أعدائه بالرّيح يوم الخندق، إذ أرسل عليهم ريحا تذر و الحصى و جنودا لم يروها. فزاد اللَّه- تبارك و تعالى- محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- [على هود] (2) بثمانية آلاف ملك، و فضّله على هود بأنّ ريح عاد [ريح‏] (3) سخط و ريح محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- [ريح‏] (4) رحمة. قال اللَّه- تبارك و تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها.

و في كتاب التّوحيد (5)، حديث طويل عن عليّ- (عليه السلام)- يقول فيه، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: و أمّا قوله‏ (6): إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ‏ و قوله‏ (7):

يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ‏ و قوله للمنافقين: وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا فإنّ قوله: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ‏ يقول: إني أيقنت‏ (8) أنّي أبعث فأحاسب. و قوله للمنافقين: وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا فهذا الظّنّ ظنّ شكّ، و ليس الظّنّ‏ (9) ظنّ يقين. و الظّنّ [ظنّان:] (10) ظنّ شكّ، و ظنّ يقين. فما كان من أمر معاد من الظّنّ، فهو ظنّ يقين.

و ما كان من أمر الدّنيا، فهو ظنّ شكّ. فافهم ما فسّرت لك.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11): قوله- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها، وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً. إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ‏ الآية فإنّها نزلت في قصّة الأحزاب من قريش و العرب، الذّين تحزّبوا على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

قال: و ذلك أنّ قريشا تجمّعت‏ (12) في سنة خمس من الهجرة، و ساروا في العرب،

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في المصدر.

3 و 4- من المصدر.

(5) التوحيد/ 267.

(6) الحاقّة/ 20.

(7) النور/ 25.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: ظننت.

(9) ليس في المصدر.

(10) من المصدر.

(11) تفسير القمي 2/ 176- 188.

(12) أ، س و ن: أجمعت.

م: أجمعت.

331

و جلبوا و استفزّوهم لحرب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). فوافوا في عشرة آلاف، و معهم كنانة و سليم و فزارة. و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حين أجلى بني النّضير، و هم بطن من اليهود من المدينة، و كان رئيسهم حيّ بن أخطب، و هم يهود من بني هارون- على نبيّنا و (عليه السلام)-، فلمّا أجلاهم من المدينة، صاروا إلى خيبر.

و خرج حيّ بن أخطب و همّ إلى قريش بمكّة و قال لهم: إنّ محمّدا قد وتركم و وترنا، و أجلانا من المدينة من ديارنا و أموالنا، و أجلا بني عمّنا بني قنيقاع، فسيروا في الأرض و اجمعوا حلفائكم و غيرهم حتّى نسير (1) إليهم، فإنّه قد بقي من قومي بيثرب سبعمائة فقاتل و هم بنو قريضة، و بينهم و بين محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عهد و ميثاق، و أنا أحملهم على نقض العهد بينهم و بين محمّد، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و يكونون معنا عليهم، فتأتونه أنتم من فوق و هم من أسفل.

و كان موضع بني قريضة من المدينة على قدر ميلين، و هو الموضع الّذي يسمّى: بئر بني المطلّب‏ (2). فلم يزل يسير معهم حيّ بن أخطب في قبائل العرب، حتّى اجتمعوا قدر عشرة آلاف من قريش و كنانة. و الأقرع بن حابس في قومه، و العباس بن مرداس في بني سليم. فبلغ ذلك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فاستشار أصحابه و كانوا سبعمائة رجل.

فقال سلمان- رضي اللَّه عنه- يا رسول اللَّه، إنّ القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة.

قال: فما نصنع؟

قال: نحفر خندقا يكون بيننا و بينهم حجابا، فيمكنك منعهم في المطاولة، و لا يمكنهم أن يأتونا من كلّ وجه. فإنّا كنّا- معاشر العجم- في بلاد فارس إذا دهمنا دهم من عدوّنا، نحفر الخنادق فتكون الحرب من مواضع معروفة.

فنزل جبرائيل- (عليه السلام)- على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال:

أشار [سلمان‏] (3) بصواب.

فأمر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بحفره من ناحية أحد إلى راتج‏ (4).

و جعل على كلّ عشرين خطوة و ثلاثين خطوة قوما من المهاجرين و الأنصار يحفرونه. فأمر، فحملت المساحي و المعاول. و بدأ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أخذ معولا،

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: سيروا.

(2) المصدر: بئر لمطلّب.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: رائج (راتج ظ)

332

فحفر في موضع المهاجرين بنفسه و أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- ينقل التّراب من الحفرة حتّى عرق رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و عيسى. و قال: لا عيش إلّا عيش الآخرة. اللّهمّ اغفر للأنصار و المهاجرين.

فلمّا نظر النّاس إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يحفر، اجتهدوا في الحفر و نقلوا التّراب. فلمّا كان في اليوم الثّاني بكروا إلى الحفر، و قعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في مسجد الفتح. فبينا المهاجرون و الأنصار يحفرون، إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه. فبعثوا جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ- رضي اللَّه عنه- إلى رسول اللَّه يعلمه بذلك.

قال جابر: فجئت إلى المسجد و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- مستلق على قفاه و رداؤه تحت رأسه، و قد شدّ على بطنه حجرا. فقلت: يا رسول اللَّه، إنّه قد عرض لنا جبل لم تعمل المعامل فيه.

فقام مسرعا حتّى جاءه، ثمّ دعا بماء في إناء فغسل وجهه و ذراعيه و مسح على رأسه و رجليه، ثم شرب و مجّ في ذلك الماء، ثمّ صبّه على ذلك الحجر، ثمّ أخذ معولا فضرب ضربة فبرقت برقة فنظرنا فيها إلى قصور الشّام، ثمّ ضرب أخرى‏ (1) فبرقت برقة نظرنا فيها إلى قصور المدائن، ثمّ ضرب ضربة أخرى [فبرقت برقة أخرى‏] (2) فنظرنا فيها إلى قصور اليمن.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أما إنّه سيفتح اللَّه عليكم هذه المواطن الّتي برقت فيها البرق. ثمّ انهال علينا الجبل كما ينهال علينا الرّمل.

فقال جابر: فعلمت أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- مقو، أي: جائع.

لمّا رأيت على بطنه الحجر. فقلت: يا رسول اللَّه، هل لك في الغذاء؟

قال: ما عندك، يا جابر؟

فقلت: عناق و صاع من شعير.

فقال: تقدّم و أصلح ما عندك.

قال جابر: فجئت إلى أهلي فأمرتها، فطحنت الشّعير و ذبحت العنز و سلختها. و أمرتها أن تخبز و تطبخ و تشوي. فلما فرغت من ذلك جئت إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

ضربة.

(2) ليس في الأصل.

333

و سلم- فقلت: بأبي أنت و أميّ يا رسول اللَّه قد فرغنا فاحضر مع من أحببت.

فقام- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إلى شفير الخندق، ثمّ قال: يا معاشر المهاجرين و الأنصار، أجيبوا جابرا.

قال جابر: فكان في الخندق سبعمائة رجل فخرجوا كلّهم، ثمّ لم يمّر بأحد من المهاجرين و الأنصار إلّا قال: أجيبوا جابرا.

قال جابر: فتقدّمت و قلت لأهلي: قد و اللَّه أتاك محمّد رسول اللَّه بما لا قبل لك به.

فقالت: أعلمته أنت بما عندنا؟

قال: نعم.

قالت: فهو أعلم بما أتى.

قال جابر: فدخل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فنظر في القدر ثمّ قال:

أغرفي و أبقي. ثمّ نظر في التّنّور ثمّ قال: أخرجي و أبقي. ثمّ دعا بصحفة (1) فثرد فيها و غرف.

فقال: يا جابر، أدخل عليّ عشرة عشرة (2) فأدخلت عشرة، فأكلوا حتّى نهلوا و ما يرى في القصعة إلّا آثار أصابعهم.

ثمّ قال: يا جابر، عليّ بالذّراع. فأتيته بالذّراع فأكلوا و خرجوا (3).

ثمّ قال: أدخل عليّ عشرة. فأدخلتهم‏ (4) فأكلوا حتّى نهلوا و ما يرى في القصعة إلّا آثار أصابعهم.

ثمّ قال: يا جابر [عليّ بالذّراع. فأتيته بالذّراع‏ (5) فأكلوا و خرجوا.

ثمّ قال: أدخل عليّ عشرة. فأدخلتهم فأكلوا حتّى نهلوا، و ما ير في القصعة إلّا آثار أصابعهم.

ثمّ قال: يا جابر، عليّ بالذّراع. فأتيته بالذّراع‏ (6)] (7) فقلت: يا رسول اللَّه، كم للشّاة من ذراع؟

قال: ذراعان.

____________

(1)- المصدر: بصحنة.

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: «فأكلوه» بدل «فأكلوا و خرجوا.»

(4) المصدر: فدخلوا.

(5) ليس في ن.

(6) «فأتيته بالذراع» ليس في المصدر.

(7) ليس في المصدر.

334

فقلت: و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا، لقد أتيتك بثلاثة.

فقالت: أما لو سكتّ، يا جابر، لأكل النّاس كلّهم من الذّراع.

قال جابر: فأقبلت أدخل‏ (1) عشرة عشرة فيأكلون‏ (2)، حتّى أكلوا كلّهم. و بقي، و اللَّه، لنا من ذلك الطّعام ما عشنا به أيّاما.

قال: و حفر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الخندق، و جعل له ثمانية أبواب، و جعل على كلّ باب رجلا من المهاجرين و رجلا من الأنصار مع جماعة يحفظونه.

و قدمت قريش و كنانة و سليم و هلال فنزلوا الزّغابة. ففرغ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من حفر الخندق قبل قدوم قريش بثلاثة أيّام. و أقبلت قريش و معهم حيّ بن أخطب.

فلمّا نزلوا العقيق، جاء حيّ بن أخطب إلى بني قريظة في جوف اللّيل. و كانوا في حصنهم قد تمسّكوا بعهد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فدقّ باب الحصن، فسمع كعب بن أسد قرع الباب. فقال لأهله: هذا أخوك قد شأم قومه، و جاء الآن يشأمنا و يهلكنا، و يأمرنا بنقض العهد بيننا و بين محمّد، و قد وفى لنا محمّد و أحسن جوارنا. فنزل إليه من غرفته فقال له: من أنت؟

قال: حيّ بن أخطب، قد جئتك بعزّ الدّهر.

فقال كعب: بل جئتني بذلّ الدّهر.

فقال: يا كعب، هذه قريش في قادتها و سادتها قد نزلت بالعقيق مع حلفائهم من كنانة، و هذه فزارة مع قادتها و سادتها قد نزلت الزّغابة، و هذه سليم و غيرهم قد نزلوا حصن بني ذبيان، و لا يفلت محمّد و أصحابه من هذا الجمع أبدا. فافتح‏ (3) الباب و انقض العهد الّذي بينك و بين محمّد.

قال كعب: لست بفاتح الباب، ارجع من حيث جئت.

فقال حيّ: ما يمنعك من فتح الباب إلّا جشيشتك‏ (4) الّتي في التّنّور تخاف أن‏

____________

(1)- هكذا في المصدر. و في النسخ: «فأدخلت» بدل «فأقبلت أدخل.»

(2) المصدر: فدخلوا فيأكلون.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: فانفتح.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: «خسيستك.» و الجشيشة: طعام يصنع من الجشيش و هو البرّ يطحن غليظا.

335

أشاركك فيها، فافتح فإنّك آمن من ذلك.

فقال له كعب: لعنك اللَّه، لقد دخلت عليّ من باب دقيق. ثمّ قال: افتحوا له الباب، ففتحوا (1) له.

فقال: ويلك، يا كعب، انقض العهد الّذي بينك و بين محمّد و لا تردّ رأيي. فأنّ محمّدا لا يفلت من هذه الجموع‏ (2) أبدا. فإن فاتك هذا الوقت، لا تدرك مثله أبدا.

قال: و اجتمع كلّ من كان في الحصن من رؤساء اليهود، مثل: غزال بن شمول، و ياسر بن قيس، و رفاعة بن زيد، و الّزبير بن ياطا.

فقال لهم كعب: ما ترون؟

قالوا: أنت سيّدنا و المطاع فينا، و أنت صاحب عهدنا. فإن نقضت، نقضنا. و إن أقمت، أقمنا معك. و إن خرجت، خرجنا معك.

فقال الزّبير بن ياطا، و كان شيخا كبيرا مجرّبا و قد ذهب بصره: قد قرأت التّوراة الّتي أنزلها اللَّه في سفرنا، بأنّه يبعث نبيّا في آخر الزّمان يكون مخرجه بمكّة و مهاجرته إلى المدينة في هذه البحيرة (3)، يركب الحمار العريّ و يلبس الشّملة و يجتزي بالكسيرات و التّميرات، و هو الضّحوك القتّال، في عينيه حمرة، و بين كتفيه خاتم النّبوة، يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقاه، يبلغ سلطانه منقطع الخفّ و الحافر. فإن كان هذا هو، فلا يهولنّه هؤلاء و جمعهم و لو ناوأته هذه الجبال الرّواسي لغلبها.

فقال حيّ: ليس هذا ذاك، ذاك النّبيّ من بني إسرائيل و هذا من العرب من ولد إسماعيل. و لا يكون بنو إسرائيل أتباعا لولد إسماعيل أبدا، لأنّ اللَّه قد فضّلهم على النّاس جميعا و جعل لهم النّبوة و الملك. و قد عهد إلينا موسى، أن لا نؤمن لرسول حتّى يأتينا بقربان تأكله النّار. و ليس مع محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله)‏] آية، و إنّما جمعهم جمعا و سحرهم و يريد أن يغلبهم بذلك. فلم يزل يقلّبهم عن رأيهم حتّى أجابوه.

فقال لهم: اخرجوا الكتاب الّذي بينكم و بين محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] فأخرجوه، فأخذه حيّ بن أخطب فمزّقه و قال: قد وقع الأمر فتجهّزوا و تهيّئوا للقتال.

و بلغ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ذلك، فغمّه غمّا شديدا و فزع أصحابه.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: ففتح.

(2) المصدر: هذا الجمع.

(3) المصدر: «بالمدينة إلى هذه البحيرة» بدل «إلى المدينة في هذه البحيرة.»

336

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لسعد بن معاذ و أسيد بن حصين، و كانا من الأوس، و كانت بنو قريظة حلفاء الأوس، فقال لهما: ائتيا بني قريظة، فانظر (1) ما صنعوا. فإن كانوا نقضوا العهد، فلا تعلما أحدا إذا رجعتما إليّ و قولا: عضل و القارة (2).

فجاء سعد بن معاذ و أسيد بن حصين إلى باب الحصن. فأشرف عليهما كعب من الحصن، فشتم سعدا و شتم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال له سعد: إنّما أنت ثعلب في جحر. لتولينّ قريش و ليحاصرنّك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ثمّ لينزلنّك على الصّغر و القماء (3) و ليضر بنّ عنقك.

ثمّ رجعا إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: فقالا له: عضل و القارة (4).

[فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لعناء نحن أمرناهم بذلك. و ذلك أنّه كان على عهد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عيون لقريش يتجسّسون أخباره‏ (5).

و كانت‏] (6) عضل و القارة قبيلتان من العرب، دخلا في الإسلام ثمّ غدرا. فكان إذا غدر أحد ضرب بهما المثل، فيقال: عضل و القارة.

و رجع حيّ بن أخطب إلى أبي سفيان و قريش، فأخبرهم بنقض بني قريظة العهد (7)

____________

(1) المصدر: فانظروا.

(2) في هامش نور الثقلين 4/ 248، ح 38:

عضل و القارة: قبيلتان من كنانة. غدروا بأصحاب الرجيع، خبيب و أصحابه. حيث طلبت من رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نفرا من المسلمين ليعلّموهم، فقالوا: يا رسول اللَّه إنّ فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقّهوننا في الدين. فبعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عشرة من أصحابه فيهم خبيب بن عديّ، ستّة من المهاجرين و أربعه من الأنصار. فخرجوا حتّى إذا كانوا على الرجيع- و هو ماء- غدروا بهم و قتلوا منهم ستّة أو ثمانية و أسروا خبيب ... إلى آخر ما ذكره المؤخرون.

(3) القماء: الذلّ و الصغار.

(4) أي: غدروا كغدر عضل و القارة بأصحاب الرجيع.

(5) المصدر: «خبره.» و في هامش نور الثقلين 4/ 248، ح 38: قوله «لعناء» قال المجلسيّ- (رحمه اللّه)- أي: لعن العضل و القارة. و المراد كلّ من غدر. ثم‏

قال- (صلّى اللّه عليه و آله)- على سبيل التّورية: «نحن أمرناهم بذلك»

، أي: نحن أمرنا بني قريضة أن يظهروا الغدر للمصلحة. و هم موافقون لنا في الباطن. و إنّما قال ذلك لئلّا يكون هنالك عين من عيون قريش فيعلموا بالغدر فيصير سببا لجرأتهم.

(6) ليس في أ.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «عهد بني قريظة» بدل «بني قريظة العهد.»

337

بينهم و بين رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ففرحت قريش بذلك.

فلمّا كان في جوف اللّيل، جاء نعيم بن مسعود الأشجعيّ إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و قد كان أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيّام. فقال: يا رسول اللَّه، قد آمنت باللَّه و صدّقتك و كتمت إيماني عن الكفرة. فإن أمرتني أن آتيك بنفسي و أنصرك بنفسي، فعلت. و إن أمرت أن أخذل بين اليهود و بين قريش، فعلت حتّى لا يخرجوا من حصنهم.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: اخذل بين اليهود و بين قريش، فإنّه أوقع عندي.

قال: فتأذن لي أن أقول فيك ما أريد؟

قال: قل ما بدا لك.

فجاء إلى أبي سفيان، فقال له: تعرف‏ (1) مودّتي لكم و نصحي و محبّتي أن ينصركم اللَّه على عدوّكم. و قد بلغني أنّ محمّدا قد وافق اليهود أن يدخلوا بين عسكركم و يميلوا عليكم، و وعدهم إذا فعلوا ذلك أن يردّ عليهم. جناحهم‏ (2) الّذي قطعه‏ (3) بني النّظير (4) و قينقاع. فلا أرى أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتّى تأخذوا منهم رهنا تبعثوا به‏ (5) إلى مكّة، فتأمنوا مكرهم و عذرهم.

فقال له أبو سفيان: وفّقك اللَّه و أحسن جزاك، مثلك من أهدى النّصائح. و لم يعلم أبو سفيان بإسلام نعيم و لا أحد من اليهود.

ثمّ جاء من فوره ذلك إلى بني قريظة، فقال: يا كعب، تعلم مودّتي لكم. و قد بلغني أنّ أبا سفيان قال: نخرج بهؤلاء اليهود فنضعهم في نحر محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] فإن ظفروا، كان الذّكر لنا دونهم. و إن كانت علينا، كانوا هؤلاء مقاديم الحرب. فما أرى لكم أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتّى تأخذوا منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم. إنّهم إن لم يظفروا بمحمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] لم يرجعوا (6) حتّى يردّوا عليكم [عهدكم و] (7) عقدكم بين محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] و بينكم. لأنّه إن ولّت قريش و لم يظفروا

____________

(1)- هكذا في المصدر. و في النسخ: أتعرف.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: خيامهم.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: قطعهم.

(4) المصدر: لبني النظير.

(5) المصدر: بهم.

(6) المصدر: لم يبرحوا.

(7) من المصدر.

338

بمحمّد، غزاكم محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] فيقتلكم.

فقالوا: أحسنت و أبلغت في النّصيحة. لا نخرج من حصننا. حتّى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا.

و أقبلت قريش. فلمّا نظروا إلى الخندق، قالوا هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها قبل ذلك.

فقيل لهم: هذا من تدبير الفارسيّ الّذي معه. فوافى عمرو بن عبد ودّ و هبيرة بن وهب و ضرار بن الخطّاب إلى الخندق، و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قد صفّ أصحابه بين يديه، فصاحوا بخيلهم حتّى طفروا الخندق إلى جانب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فصار أصحاب رسول اللَّه كلّهم خلفا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-، و قدّموا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بين أيديهم.

و قال رجل من المهاجرين، و هو فلان، لرجل بجنبه إخوانه: أما ترى هذا الشّيطان عمروا، لا و اللَّه ما يفلت من يديه أحد، فهلمّوا ندفع إليه محمّدا ليقتله و نلحق نحن بقومنا.

فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- على نبيّة- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في ذلك الوقت‏- قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ الْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَ لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ إلى قوله‏ (1) [: أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ‏] (2) وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً. و ركز عمرو بن عبد ودّ رمحه في الأرض، و أقبل يجول حوله و يرتجز و يقول:

و لقد بجحت من النّداء بجمعكم هل من مبارز* * * و وقفت إذ جبن الشّجاع مواقف القرن

المناجز.

إنّي كذلك لم أزل متسرّعا نحو الهزاهز* * * إنّ الشّجاعة في الفتى و الجود من خير الغرائز

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من لهذا الكلب؟ فلم يجبه أحد.

فوثب‏ (3) إليه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: أنا له، يا رسول اللَّه.

فقال: يا عليّ، هذا عمرو بن عبد ودّ فارس يليل‏ (4).

قال: أنا علّي بن أبي طالب.

____________

(1) الأحزاب/ 18.

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: فقام.

(4) يليل: واد قريب من بدر.

339

فقال له رسول اللَّه: ادن منّي. فدنا منه، فعمّمه بيده، و دفع إليه سيفه ذا الفقار، و قال له: اذهب و قاتل لهذا. و قال: اللّهمّ، احفظه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و من فوقه و من تحته.

فمرّ أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- يهرول في مشيه و هو يقول:

لا تعجلنّ فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز* * * ذو نيّة و بصيرة و الصّدق منجى كلّ

فائز

إنّي لأرجو أن أقيم عليك ناحية الجنائز* * * من ضربة نجلاء يبقى صيتها بعد الهزاهز.

فقال: له عمرو: من أنت؟

قال: أنا علّي بن أبي طالب، ابن عمّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ختنه.

فقال: و اللَّه، إنّ أباك كان لي صديقا قديما (1)، و إنّي أكره أن أقتلك. ما أمن ابن عمّك حين بعثك إليّ أن أختطفك برمحي هذا، فأترك شائلا بين السّماء و الأرض لا حيّ و لا ميّت.

فقال له أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)-: قد علم ابن عمّي أنّك إن قتلتني دخلت الجنّة، و أنت في النّار، و إن قتلتك فأنت في النّار و أنا في الجنّة.

فقال عمرو: كلتاهما لك، يا عليّ، تلك إذا قسمة ضيزى.

فقال عليّ- (عليه السلام)-: دع هذا، يا عمرو، إنيّ سمعت منك و أنت متعلّق بأستار الكعبة تقول: لا يعرضنّ عليّ أحد في الحرب ثلاثة خصال، إلّا أجبته إلى واحدة منها. و أنا أعرض عليك ثلاث خصال، فأجبني إلى واحدة.

قال: هات، يا عليّ.

قال: أحدها، تشهد أن لا إله إلّا اللَّه و أنّ محمّدا رسول اللَّه.

قال: نحّ عنّي هذه، فاسال الثّانية.

فقال: أن ترجع و تردّ هذا الجيش عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فإن يك صادقا، فأنتم أعلى به عينا. و إن يك كاذبا، كفتكم ذؤبان العرب أمره.

قال: إذا لا تتحدّث نساء قريش بذلك، و لا تنشد الشّعراء في أشعارها، إنّي‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ سوى ن: «و نديما» و هو ليس في ن.

340

جبنت‏ (1) و رجعت على عقبي من الحرب و خذلت قوما رأسوني عليهم.

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فالثّالثة، أن تنزل إليّ‏ (2). فإنّك فارس‏ (3)، و أنا راجل حتّى أنابذك.

فوثب عن فرسه و عرقبه، و قال: هذه خصلة ما ظننت أنّ أحدا من العرب يسومني عليها. ثمّ بدأ فضرب أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- بالسّيف على رأسه، فاتّقاه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بالدّرقة فقطعها و ثبت السّيف على رأسه.

فقال له عليّ- (صلوات اللّه عليه)-: يا عمرو، أما كفاك أنّي بارزتك، و أنت فارس العرب، حتّى استعنت عليّ بظهير. فالتفت عمرو إلى خلفه. فضربه أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- مسرعا على ساقيه فقطعهما جميعا، و ارتفعت بينهما عجاجة.

فقال المنافقون: قتل عليّ بن أبي طالب.

ثمّ انكشفت العجاجة و نظروا، فإذا أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- على صدره قد أخذ بلحيته يريد أن يذبحه فذبحه. ثمّ أخذ رأسه و أقبل إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و الدّماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو. و سيفه يقطر منه الدّم. و هو يقول و الرّأس بيده:

أنا [عليّ و] (4) ابن عبد المطّلب‏* * * الموت خير للفتى من الهرب‏

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا علّي، ماكرته؟

قال: نعم، يا رسول اللَّه، الحرب خديعة.

و بعث رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الزّبير إلى هبيرة بن وهب فضربه على رأسه ضربة فلق هامته و أمر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عمر بن الخطّاب أن يبارز ضرار بن الخطّاب. فلمّا برز إليه [ضرار] (5) انتزع له عمر سهما. فقال له ضرار: ويلك، يا ابن صهاك، أ ترميني في المبارزة (6)؟ و اللَّه لئن رميتني لا تركت عدويّا بمكّة إلّا قتلة. فانهزم عند ذلك‏ (7)

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: جئت.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: إليّ قتالي.

(3) المصدر: راكب.

(4) من المصدر.

(5) من المصدر.

(6) مبارزة.

(7) المصدر: «عنه» بدل «عند لك.»

341

عمر. و مرّ نحوه ضرار و ضربه ضرار على رأسه بالقناة ثمّ قال: احفظها، يا عمر، فإنّي آليت أن لا أقتل قريشيّا ما قدرت عليه. فكان عمر يحفظ له ذلك بعد ما ولي، فوّلاه.

فبقي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يحاربهم في الخندق خمسة عشر يوما.

فقال أبو سفيان لحيّ بن أخطب: ويلك يا يهوديّ، أين قومك؟

فصار حيّ بن أخطب إليهم، فقال: ويلكم اخرجوا، فقد نابذكم‏ (1) محمّد الحرب، فلا أنتم مع محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] لم يرجعوا (2) حتّى يردّ محمّد علينا عهدنا [و عقدنا] (3) فإنّا لا نأمن أن تفّر (4) قريش و نبقى نحن في عقر دارنا و يغزونا محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] فيقتل رجالنا و يسبي نساءنا و ذرارينا. و إن لم نخرج لعلّه يردّ علينا عهدنا.

فقال له حيّ بن أخطب: تطمع في غير مطمع قد نابذت العرب محمّدا الحرب، فلا أنتم مع محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] و لا أنتم مع قريش.

فقال كعب: هذا من شؤمك، إنّما أنت طائر تطير مع قريش غدا و تتركنا في عقر دارنا و يغزونا محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).] فقال له: لك عهد اللَّه عليّ و عهد موسى، إنّه إن لم تظفر قريش بمحمّد أنيّ أرجع معك إلى حصنك يصيبني ما يصيبك.

فقال كعب: هو الّذي قد قلته لك، إن أعطتنا قريش رهنا يكونون عندنا و إلّا لم نخرج.

فرجع حيّ بن أخطب إلى قريش، فأخبرهم. فلمّا قال: يسألون الرّهن، قال أبو سفيان: هذا، و اللَّه، أوّل الغدر. قد صدق نعيم بن مسعود. لا حاجة لنا في إخوان القردة و الخنازير.

فلمّا طال على أصحاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الأمر و اشتدّ عليهم الحصار، و كانوا في وقت برد شديد و أصابتهم مجاعة و خافوا من اليهود خوفا شديدا، و تكلّم المنافقون بما حكى اللَّه- عزّ و جلّ- عنهم و لم يبق أحد من أصحاب رسول اللَّه- صلّى اللَّه عليه‏

____________

(1) المصدر: نابذتم.

(2) المصدر: لم يبرحوا.

(3) من المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: أن تمّر.

342

و آله و سلم- إلّا نافق إلّا القليل، و قد كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أخبر أصحابه، أنّ العرب تتخرّب علىّ و يجيئونا (1) من فوق و تغدر اليهود و نخافهم من أسفل، و أنّه يصيبهم جهد شديد و لكن تكون العاقبة لي عليهم، فلمّا جاءت قريش و عذرت اليهود قال المنافقون: ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً و كان قوم لهم دور في أطراف المدينة، فقالوا: يا رسول اللَّه، تأذن لنا أن نرجع إلى دورنا، فإنّها في أطراف المدينة و هي عورة و نخاف اليهود أن يغيروا علينا؟

و قال قوم: هلمّوا فنهرب و نصير في البادية و نستجير بالأعراب. فإنّ الّذي كان يعدنا محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] كان باطلا كلّه.

[و كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (2) أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة باللّيل.

و كان أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- على العسكر كلّه باللّيل يحرسهم، فإن تحرّك أحد من قريش نابذهم. و كان أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- يجوز الخندق و يصير إلى قرب قريش حيث يراهم. فلا يزال اللّيل كلّه قائما وحده يصلّي، فإذا أصبح رجع إلى مركزه. و مسجد أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- هناك معروف، يأتيه من يعرفه فيصلّي فيه، و هو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة نشاب‏ (3).

فلمّا رأى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من أصحابه الجزع لطول الحصار، صعد إلى مسجد الفتح- و هو الجبل الّذي عليه مسجد الفتح اليوم- فدعا اللَّه- عزّ و جلّ- و ناجاه فيما وعده. و كان ممّا دعاه أن قال: يا صريخ المكروبين، و يا مجيب دعوة (4) المضطّرين، و يا كاشف الكرب العظيم، أنت مولاي و وليّي و وليّ آبائي الأوّلين، اكشف عنّا غمنّا و همّنا و كربنا، و اكشف عنّا [شرّ] (5) هؤلاء القوم بقوّتك و حولك و قدرتك.

فنزل عليه جبرائيل- (عليه السلام)- فقال: يا محمّد، إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- قد سمع مقالتك، و أجاب دعوتك، و أمر الدّبور- و هي الرّيح- مع الملائكة أن تهزم قريشا و الأحزاب.

و بعث اللَّه- عزّ و جلّ- على قريش الدّبور، فانهزموا و قلعت أخبيتهم. و نزل‏

____________

(1) المصدر: «أنّ العرب متخرّب و يجيئون» بدل «أنّ العرب تتخرّب عليّ و يجيئونا.»

(2) من المصدر.

(3) المصدر: نشابة.

(4) ليس في المصدر.

(5) من ن و المصدر.

343

جبرائيل، فأخبره بذلك.

فنادى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حذيفة بن اليمان- رضي اللَّه عنه- و كان قريبا منه، فلم يجبه‏ (1) ثمّ ناداه ثانيا، فلم يجبه‏ (2). ثمّ ناداه الثّالثة، فقال: لبّيك، يا رسول اللَّه.

فقال: أدعوك، فلا تجيبني.

قال: يا رسول اللَّه، بأبي أنت و أمي، من الخوف و البرد و الجوع.

فقال: ادخل في القوم ائتني‏ (3) بأخبارهم، و لا تحدّثنّ حدثا حتّى ترجع إلىّ. فإنّ اللَّه قد أخبرني أنّه قد أرسل الرّياح على قريش و هزمهم.

قال حذيفة: فمضيت و أنا أنتفض من البرد، فو اللَّه ما كان إلّا بقدر ما جزت الخندق حتّى كأنّي في حمّام. فقصدت خباء عظيما فإذا نار تخبو و توقد، و إذا خيمة فيها أبو سفيان قد دلا خصيته على النّار، و هو ينتفض من شدّة البرد، و يقول:

يا معشر قريش، إن كنّا نقاتل أهل السّماء بزعم محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] فلا طاقة لنا بأهل السّماء، و إن كنّا نقاتل أهل الأرض فنقدر عليهم. ثمّ قال: لينظر كلّ رجل منكم إلى جليسه، لا يكون لمحمد عين فيما بيننا.

قال حذيفة: فبادرت أنا فقلت للّذي عن يميني: من أنت؟

فقال: أنا عمرو بن العاص.

ثمّ قلت للّذي عن يساري: من أنت؟

فقال: أنا معاوية.

و إنّما بادرت إلى ذلك لئلّا يسألني أحد: من أنت؟ ثمّ ركب أبو سفيان راحلته و هي معقولة. و لولا أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: لا تحدث حدثا حتّى ترجع إليّ، لقدرت أن أقتله.

ثمّ قال أبو سفيان لخالد بن الوليد: يا أبا سليمان، لا بدّ من أن أقيم أنا و أنت على ضعفاء النّاس. ثمّ قال: ارتحلوا إنّا مرتحلون. ففرّوا منهزمين.

فلمّا أصبح رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال لأصحابه: لا تبرحوا. فلمّا طلعت الشّمس دخلوا المدينة و بقي رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في نفر يسير.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: فلم يجيبه.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: فلم يجيبه.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: آتنا.

344

و كان ابن عرفة (1) الكنانيّ رمى سعد بن معاذ- رحمة اللَّه- بسهم في الخندق فقطع أكحله، فنزفه الدّم. فقبض سعد على أكحله بيده، ثمّ قال: اللّهمّ، إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فلا أحد أحبّ إليّ من محاربتهم من قوم حاربوا (2) اللَّه و رسوله.

و إن كانت الحرب قد وضعت أوزارها بين رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و بين قريش فاجعلها لي شهادة و لا تمتني حتّى تقرّ عيني من بني قريظة. فأمسك الدّم، و تورّمت يده.

و ضرب له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في المسجد خيمة، و كان يتعاهده بنفسه. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها، وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً. إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ‏، يعني: بني قريظة حين عذروا و خافوهم أصحاب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ إلى قوله: إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً و هم الذّين قالوا لرسول اللَّه: تأذن لنا نرجع إلى منازلنا، فإنّها في أطراف المدينة و نخاف اليهود عليها. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- فيهم: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً إلى قوله- تعالى-: وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً و نزلت هذه الآية في الثّاني لمّا قال لعبد الرّحمن بن عوف: هلمّ ندفع محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إلى قريش و نلحق نحن بقومنا.

هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ‏: اختبروا. فظهر المخلص من المنافق و الثّابت من المتزلزل.

وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً (11): من شدّة الفزع.

و قرئ: «زلزالا» بالفتح‏ (3).

و في كتاب الاحتجاج‏ (4)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: أمّا إنّه سيأتي على النّاس زمان يكون الحقّ فيه مستورا و الباطل ظاهرا مشهورا. و ذلك إذا كان أولى النّاس به أعدائهم له، و اقترب الوعد الحقّ، و عظم الإلحاد، و ظهر الفساد هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً و نحلهم‏

____________

(1) المصدر: ابن فرقد.

(2) المصدر: حادوا.

(3) أنوار التنزيل 2/ 240.

(4) الاحتجاج 1/ 373.

345

الأخيار أسماء الأشرار. فيكون جهد المؤمن أن يحفظ مهجته من أقرب النّاس إليه. ثمّ يفتح‏ (1) اللَّه الفرج لأوليائه، و يظهر صاحب الأمر على أعدائه.

وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ‏ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏: ضعف اعتقاد.

ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏: من ظفر و إعلاء الدّين.

إِلَّا غُرُوراً (12): وعدا باطلا.

و قيل‏ (2): قائله محتب بن قشير. قال: يعدنا محمّد فتح فارس و الرّوم و أحدنا لا يقدر أن يتبرّز فرقا، ما هذا إلّا وعد غرور (3).

وَ إِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ‏، يعني: أوس بن قيظي و أتباعه.

و قيل‏ (4): عبد اللَّه بن أبيّ و أصحابه.

و قيل‏ (5): هم بنو سالم من المنافقين.

يا أَهْلَ يَثْرِبَ‏: أهل المدينة.

ذكر السّيّد المرتضى- (قدّس اللّه روحه) (6)-: أنّ من أسماء المدينة، يثرب و طيبة و طابة و الدّار و السكينة و جائزة و المحبورة و المحبوبة و المحبّة و العذراء و المرحومة و القاصمة و تبدد، فذلك ثلاثة عشر اسما.

و قيل‏ (7): هو اسم أرض وقعت المدينة في ناحية منها.

لا مُقامَ لَكُمْ‏: لا موضع قيام لكم ها هنا.

و قرأ حفص، بالضّمّ، على أنّه مكان. أو مصدر، من أقام‏ (8).

فَارْجِعُوا إلى منازلكم هاربين.

و قيل‏ (9): المعنى: لا مقام لكم على دين محمّد، فارجعوا إلى الشّرك و أسلموه لتسلموا. أو لا مقام لكم بيثرب، فارجعوا كفّارا ليمكنكم المقام بها.

وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَ‏: للرّجوع.

____________

(1) المصدر: ثمّ يتيح.

(2) أنوار التنزيل 2/ 240- 241.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «غرورا» بدل «وعد غرور.»

(4) مجمع البيان 4/ 347.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) نفس المصدر 4/ 346.

(7) أنوار التنزيل 2/ 241.

8 و 9 نفس المصدر و الموضع.

346

يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ: غير حصينة. و أصلها الخلل. و يجوز أن يكون تخفيف العورة، من عورت الدّار: إذا اختلّت. و قد قرئت بها (1).

وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ: بل هي حصينة.

إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً (13):، أي: ما يريدون بذلك إلّا الفرار من القتال.

و في مجمع البيان‏ (2): يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ بل هي رفيعة السّمك حصينة. عن الصّادق- (عليه السلام)-.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (3): عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله‏ (4): رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ‏ قال: مع النّساء. إنّهم قالوا: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ و كانت بيوتهم في أطراف البيوت حيث ينفرد النّاس، فأكذبهم. قال: وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً و هي رفيعة السّمك حصينة.

وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ‏: دخلت المدينة، أو بيوتهم.

مِنْ أَقْطارِها: من جوانبها. و حذف الفاعل، إيماء بأنّ دخول هؤلاء المتحزّبين عليهم و دخول غيرهم من العساكر سيّان في اقتضاء الحكم المرتّب عليه.

ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ: الرّدّة و مقاتله المسلمين.

لَآتَوْها: لأعطوها.

و قرأ الحجازيّان، بالقصر، بمعنى: جاؤوها و فعلوها (5).

وَ ما تَلَبَّثُوا بِها: بالفتنة، أي: بإعطائها.

إِلَّا يَسِيراً (14) وَ لَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ قيل‏ (6): يعني: بني حارثة، عاهدوا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يوم أحد حين فشلوا ثمّ تابوا أن لا يعودوا لمثله.

وَ كانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (15): عن الوفاء به، مجازي عليه.

____________

(1) تفسير العيّاشي 2/ 37.

(2) مجمع البيان 4/ 347.

(3) تفسير العياشي 2/ 103، ح 97.

(4) التوبة/ 87.

(5) أنوار التنزيل 2/ 241. و فيه: بمعنى: لجئوها و فعلوها.

(6) نفس المصدر و الموضع.

347

قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ‏: فإنّه لا بدّ لكلّ شخص من حتف أنف أو قتل في وقت معيّن، سبق القضاء و جرى عليه القلم.

وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16)، أي: و إن نفعكم الفرار مثلا فمتّعتم بالتّأخير، لم يكن ذلك التّمتيع إلّا تمتيعا أو زمانا قليلا.

قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً، أي:

يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة. فاختصر الكلام كما في قوله:

متقلّدا سيفا و رمحا (1) أو حمل الثّاني على الأوّل، لما في العصمة من معنى: المنع.

وَ لا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا: ينفعهم.

وَ لا نَصِيراً (17): يدفع الضّرّ عنهم.

قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ‏: المثبّطين عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. و هم المنافقون.

وَ الْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ‏: من ساكني المدينة.

هَلُمَّ إِلَيْنا: قرّبوا أنفسكم إلينا.

وَ لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18): إلّا إتيانا، أو زمانا، أو بأسا قليلا. فإنّهم يعتذرون و يثبّطون ما أمكن لهم. أو يخرجون مع المؤمنين و لكن لا يقاتلون إلّا قليلا، كقوله: ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا.

و قيل‏ (2): إنّه من تتمّة كلامهم. و معناه: لا يأتي أصحاب محمّد حرب الأحزاب و لا يقاومونهم إلّا قليلا.

و في نهج البلاغة (3)، من كتاب له- (عليه السلام)- إلى معاوية جوابا: ثمّ ذكرت ما كان من أمري و أمر عثمان، فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه، فأيّنا كان أعدى له و أهدى إلى مقاتله، أمّن بذل له نصرته فاستنقذه‏ (4) و استكفّه‏ (5)، أم من استنصره فتراخى عنه و بثّ المنون‏ (6) إليه حتّى أتى قدرة عليه؟ كلّا و اللَّه‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر 2/ 241- 242.

(3) نهج البلاغة/ 388، ضمن كتاب 28.

(4) المصدر: فاستقعده.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: و استكنفه.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: المؤمنون.

348

قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ الْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَ لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا.

أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ‏: بخلاء بالمعاونة، أو النّفقة في سبيل اللَّه، أو الظّفر و الغنيمة. جمع، شحيح.

و نصبها على الحال من فاعل «يأتون» أو «المعوّقين» أو على الذّمّ.

فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ‏: في أحد افهم.

كَالَّذِي يُغْشى‏ عَلَيْهِ‏: كنظر المغشيّ عليه، أو كدوران عينيه، أو مشبّهين به، أو مشبّهة بعينه.

مِنَ الْمَوْتِ‏: من معالجة سكرات الموت، خوفا و لواذا بك.

فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ‏: و حيزت الغنائم.

سَلَقُوكُمْ‏: ضربوكم.

بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ: ذرية. يطلبون الغنيمة.

و السّلق: البسط بقهر، باليد أو باللّسان.

أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ: نصب على الحال، أو الذّمّ. و يؤيّده قراءة الرّفع. و ليس بتكرير، لأنّ كلّا منهما مقيّد من وجه‏ (1).

أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا: إخلاصا.

فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ‏: فأظهر بطلانها، إذ لم يثبت لهم أعمال فتبطل. أو أبطل تصنّعهم و نفاقهم.

وَ كانَ ذلِكَ‏: الإحباط.

عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (19): هيّنا. لتعلّق الإرادة به، و عدم ما يمنعه عنه.

يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا، أي: هؤلاء لجبنهم يظنّون أنّ الأحزاب لم ينهزموا، و قد انهزموا قوّوا إلى داخل المدينة.

وَ إِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ‏: كرّة ثانية.

يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ‏: لهم. أو خارجون‏ (2) إلى البدو و حاصلون بين الأعراب.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 242.

(2) في أنوار التنزيل 2/ 242 و تفسير الصافي 4/ 170: «تمنّوا أنهم خارجون» بدل «لهم أو خارجون».

349

يَسْئَلُونَ‏: كلّ قادم من جانب المدينة.

عَنْ أَنْبائِكُمْ‏: عمّا جرى عليكم.

وَ لَوْ كانُوا فِيكُمْ‏: هذه الكرّة، و لم يرجعوا إلى المدينة، و كان قتال‏ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20): رياء و خوفا عن التّعيير.

لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ: خصلة حسنة، من حقّها أن يؤتسى بها، كالثّبات في الحرب و مقاساة الشّدائد. أو هو في نفسه قدوة بحسن التّأسّي. به، كقولك:

في البيضة عشرون منّا حديدا، أي: هو في نفسها هذا القدر من الحديد.

و قرأ عاصم، بضمّ الهمزة. و هو لغة فيه‏ (1).

لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ: [ثواب اللَّه، أو لقاءه و نعيم الآخرة، أو أيّام اللَّه و اليوم الآخر] (2) خصوصا.

و قيل‏ (3): هو كقولك: أرجو زيدا و فضله. فإنّ يوم الآخر فيها.

و «الرّجاء» يحتمل الأمل و الخوف.

و «لمن كان» صلة «لحسنة» أو صفة لها. و قيل: بدل من «لكم» و الأكثر، على أنّ ضمير المخاطب لا يبدل منه.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: و لأنّ الصّبر على ولاة الأمر مفروض لقول اللَّه- عزّ و جلّ- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ‏ و إيجابه مثل ذلك على أوليائه و أهل طاعته بقوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.

و فيه‏ (5)- أيضا-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كلام طويل. و فيه: و أمّا قولكم «أني جعلت الحكم إلى غيري و قد كنت عندكم أحكم النّاس» فهذا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قد جعل الحكم إلى سعد يوم بني قريظة، و كان أحكم النّاس. و قد قال اللَّه: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فتأسّيت برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 242.

(2) من ن.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) الاحتجاج 1/ 371.

(5) نفس المصدر 1/ 278.

350

و في مجمع البيان‏ (1): قال ثعلبة بن خاطب، و كان رجلا من الأنصار، للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: ادع اللَّه أن يرزقني مالا.

فقال: يا ثعلبة، قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه. أمالك في رسول اللَّه أسوة حسنة؟ و الّذي نفسي بيده، لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا و فضّة لسارت.

و في أصول الكافي‏ (2): أحمد بن مهران رفعه. و أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار الشّيبانيّ [قال: حدّثني القاسم بن محمّد الرازيّ‏] (3) قال: حدّثني عليّ بن محمّد الهرمزيّ‏ (4)، عن أبي عبد اللَّه الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- قال: لمّا قبضت فاطمة- (عليها السلام)- دفنها أمير المؤمنين- (عليه السلام)- سرّا و عفا على موضع قبرها. ثمّ قام فحوّل وجه نحو قبر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: السّلام عليك يا رسول اللَّه عنّي، و السّلام عليك عن ابنتك و زائرتك و البائتة في الثّرى ببقعتك و المختار لها سرعة اللّحاق بك. قلّ يا رسول اللَّه عن صفيّتك صبري، و عفا عن سيدة نساء العالمين تجلّدي، إلّا أنّ لي في التّأسي بسنتّك في فرقتك موضع تعزّ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (5): محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، عن علّي بن النّعمان، عن سعيد الأعرج قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: نام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عن الصّبح، و اللَّه- عزّ و جلّ- أنامه، حتّى طلعت‏ (6) الشّمس عليه، و كان ذلك رحمة من ربّك للنّاس. ألا ترى لو أنّ رجلا نام حتّى تطلع الشّمس لعيّره النّاس، و قالوا: ألا تتورّع لصلاتك؟ فصارت أسوة و سنّة (7). فإن قال رجل لرجل: نمت عن الصّلاة. قال: قد كان نام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فصارت أسوة و رحمة رحم اللَّه- سبحانه- بها هذه الأمّة.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (8) [، عن عليّ بن النعمان،] (9) عن سعيد الأعرج قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: صلّى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ سلّم في ركعتين [فسأله من خلفه: يا رسول اللَّه، أحدث في الصّلاة شي‏ء؟

____________

(1) مجمع البيان 3/ 53.

(2) الكافي 1/ 458- 459، صدر حديث 3.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: الهرمزانيّ.

(5) نفس المصدر 3/ 294، ح 9.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: تطلع.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: أسوة حسنة.

(8) نفس المصدر 3/ 357، ح 6.

(9) من المصدر.

351

قال: و ما ذلك؟

قالوا: إنّما صلّيت ركعتين.] (1) فقال: أ كذلك يا ذا اليدين؟ و كان يدعى ذا الشّمالين.

فقال: نعم.

فبنى على صلاته، فأتمّ الصّلاة أربعا.

و قال: إنّ اللَّه هو أنساه‏ (2) رحمة للأمّة. ألا ترى لو أنّ رجلا صنع هذا لعيّر، و قيل صلاتك؟ فمن دخل عليه النوم ذلك قال: قد سنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و صارت أسوة. و سجد سجدتين ملكان الكلام.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (3)، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- كان إذا صلّى العشاء الآخرة، امر بوضوئه و سواكه يوضع عند رأسه مخمرا (4). فيرقد ما شاء اللَّه، ثمّ يقوم فيستاك و يتوضّأ و يصلّي أربع ركعات ثمّ يرقد. حتّى إذا كان في وجه الصّبح قام فأوتر ثمّ صلّى الرّكعتين ثمّ قال: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.

وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21): و قرن بالرّجاء كثرة الذّكر المؤدّية إلى ملازمة الطّاعة.

فأنت المؤتسي بالرّسول من كان كذلك.

و في كتاب الخصال‏ (5): عن عبيد بن عمير اللّيثيّ‏ (6)، عن أبي ذرّ (7) قال: دخلت على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و هو جالس في المسجد، إلى أن قال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: عليك بتلاوة كتاب اللَّه و ذكر اللَّه كثيرا، فإنّه ذكر لك في السّماء و نور [لك‏] (8).

في الأرض.

وَ لَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏: بقوله‏ (9):

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: هو الذي أنساه.

(3) نفس المصدر 3/ 445، صدر حديث 13.

(4) خمر الشي‏ء: ستره.

(5) الخصال/ 523 و 525- 526، ضمن حديث 13.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: عتبة بن عمير الليثي. ر. تنقيح المقال 2/ 237، رقم 7630.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: أبي ذروة.

(8) من المصدر.

(9) البقرة/ 214.

352

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ‏ (الآية).

و

قوله- (عليه السلام)-: إنّهم سائرون إليكم بعد تسع أو عشر (1).

وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏: و ظهر صدّق خبر اللَّه و رسوله. أو صدقا في النّصرة و الثّواب، كما صدقا في البلاء. و إظهار الاسم، للتّعظيم.

وَ ما زادَهُمْ‏: فيه. ضمير «لمّا رأوا» أو الخطب، أو البلاء.

إِلَّا إِيماناً: باللَّه و مواعيده.

وَ تَسْلِيماً (22): لأوامره و مقاديره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): ثمّ وصف اللَّه- عزّ و جلّ- المؤمنين [، أيّ:] (3) المصدّقين: بما أخبرهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ما يصيبهم في الخندق من الجهد. فقال- جلّ ذكره-: وَ لَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ [وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏] (4) وَ ما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً [وَ تَسْلِيماً] (5)، يعني: ذلك البلاء و الجهد (6) و الخوف.

و في الكافي‏ (7): حميد، عن‏ (8) ابن سماعة، عن عبد اللَّه بن جيلة، عن [عبد اللَّه بن‏] (9) محمّد بن مسعود الطّائيّ، عن عتبة (10) بن مصعب، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من استقبل جنازة أو رآها فقال: «اللَّه أكبر، هذا ما وعدنا اللَّه و رسوله و صدق اللَّه و رسوله، اللّهمّ زدنا إيمانا و تسليما، الحمد للَّه الّذي تعزّز (11) بالقدرة و قهر العباد بالموت» لم يبق في السّماء إلّا بكى رحمة لصوته.

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏: من الثّبات مع الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و المقاتلة لأعداء الدّين. من صدقني: إذا قال لك الصّدق. فإنّ المعاهد إذا وفى بعهده، فقد صدق.

فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ‏: نذره. بأن قاتل حتّى استشهد، كحمزة و مصعب بن‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 243.

(2) تفسير القمي 2/ 188.

3 و 4 و 5- ليس في المصدر.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «بذلك الجهد» بدل «ذلك البلاء و الجهد.»

(7) الكافي 3/ 167، ح 3.

(8) ليس في ن.

(9) من الأصل.

(10) هكذا في المصدر ن. و في سائر النسخ:

عتبة. ر. تنقيح المقال 2/ 353، رقم 9205.

(11) هكذا في المصدر. و في النسخ: تعزّزنا.

353

عمير و أنس بن النّضر.

و «النّحب»: النّذر. استعير للموت، لأنّه لازم في رقبة كلّ حيوان.

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ: الشّهادة.

وَ ما بَدَّلُوا: بعهد و لا غيره.

تَبْدِيلًا (23): شيئا. من التّبديل.

و في روضة الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال لأبي بصير. يا أبا محمّد، لقد ذكركم اللَّه في كتابه. فقال: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. إنّكم وفيتم بما أخذ اللَّه عليه ميثاقكم من ولايتنا، و إنّكم لم تبدّلوا بنا غيرنا.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (2)، جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن عبد اللَّه بن ميمون القّداح، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا عليّ، من أحبّك ثمّ مات، فقد قَضى‏ نَحْبَهُ‏. و من أحبّك و لم يمت، فهو ينتظر. و ما طلعت شمس و لا غربت إلّا طلعت عليه يرزق و إيمان، و في نسخة، نور.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر، عن أمير المؤمنين- (عليهما السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: لقد كنت عاهدت اللَّه- تعالى- و رسوله أنا و عمّي حمزة و أخي جعفر ابن عمّي عبيدة على أمر و فينا به للَّه- تعالى- و لرسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فتقدّمني أصحابي و تخلّفت بعدهم‏ (4)، لما أراد اللَّه- تعالى- فأنزل اللَّه فينا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. [حمزة و جعفر و عبيدة. و أنا و اللَّه المنتظر، يا أخا اليهود، و ما بدّلت تبديلا.] (5)

عن الأعمش‏ (6)، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: هذه شرائع الدّين- إلى‏

____________

(1) نفس المصدر 8/ 34- 35، ضمن حديث 6 و أوّله في ص 33.

(2) نفس المصدر 8/ 306، ح 475.

(3) الخصال/ 376، ضمن حديث 58 و أوّله في ص 364.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: بعهدهم.

(5) ليس في ن.

(6) نفس المصدر/ 607- 608، ضمن حديث‏

354

أن قال- (عليه السلام)-: و الولاية للمؤمنين الّذين لم يغيّروا و لم يبدّلوا بعد نبيّهم واجبة، مثل:

سلمان الفارسي، و أبي ذرّ الغفاريّ، و المقداد بن الأسود الكنديّ، و عمّار بن ياسر، و جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ، و حذيفة بن اليمان‏ (1) [، و أبي الهيثم بن التّيهان، و سهل بن حنيف، و أبي ايّوب الأنصاريّ، و عبد اللَّه بن الصّامت،] (2) و عبادة بن الصّامت، و خزيمة بن ثابت ذي الشّهادتين، و أبي سعيد الخدريّ، و من نحى نحوهم و فعل مثل فعلهم. و الولاية لأتباعهم و المقتدين‏ (3) بهم و بهداهم واجبة.

و في عيون الأخبار (4)، في باب ما كتبه الرّضا- (عليه السلام)- إلى المأمون من محض الإسلام و شرائع الدّين: و الولاية لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الذّين مضوا على منهاج نبيّهم و لم يغيّروا و لم يبدّلوا، مثل: سلمان الفارسيّ، و أبي ذرّ الغفاريّ. و ذكر نحو ما قلنا عن الخصال بتغيير يسير.

و في مجمع البيان‏ (5): و روى [الحاكم‏] (6) أبو القاسم الحسكانيّ [بالإسناد] (7) عن عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: فينا نزلت‏ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏ و أنا و اللَّه المنتظر، و ما بدّلت تبديلا.

و في كتاب سعد السّعود (8)، لابن طاوس- (رحمه اللّه)-: فصل فيما نذكره من مجلّد قالب الثّمن عتيق، عليه مكتوب: الأوّل: من تفسير أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين- (صلوات اللّه عليهم)- رواية أبي الجارود عنه‏ (9).

و قال بعد هذا (10): فصل فيما نذكره من الجزء الثّالث من تفسير الباقر- (عليه السلام)- من وجهة ثانية من ثاني سطر بلفظة (11): و أمّا قوله‏ (12): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏. يقول: كونوا مع عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و آل محمّد- (عليهم السلام)-.

____________

9. و أوّله في ص 603.

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: حذيفة بن الصامت.

(2) من المصدر.

(3) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

المتقدّمين.

(4) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 126.

(5) مجمع البيان 4/ 350.

6 و 7- من المصدر.

(8) سعد السعود/ 121.

(9) المصدر: «من الوجهة الأولة من القائمة الثامنة بلفظ ما نذكره منه» بدل «رواية أبي الجارود عنه.»

(10) نفس المصدر/ 122.

(11) ليس في المصدر.

(12) التوبة/ 119.

355

[قال اللَّه تعالى-:] (1) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ‏ (2) و هو حمزة بن عبد المطلّب‏ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ هو عليّ بن أبي طالب. يقول اللَّه: وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. و قال اللَّه- تعالى-: اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏. و هم ها هنا آل محمّد.

و في إرشاد المفيد- (رحمه اللّه)(3)-، في مقتل الحسين- (عليه السلام)-: إنّ الحسين- (عليه السلام)- مشى إلى مسلم بن عوسجة لمّا صرع فإذا هو به رمق، فقال: رحمك اللَّه، يا مسلم‏ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.

و في مقتل الحسين- (عليه السلام)- لأبي مخنف‏ (4): إنّ الحسين- (عليه السلام)- لمّا أخبر بقتل رسوله عبد اللَّه بن يقطر، تغرغرت عينه بالدّموع و فاضت على خدّيه ثمّ قال: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.

و في كتاب المناقب‏ (5)، لابن شهر آشوب: [إنّ أصحاب الحسين- (عليه السلام)- بكربلاء كانوا] (6) كلّ من أراد الخروج ودّع الحسين- (عليه السلام)- و قال: السّلام عليك، يا ابن رسول اللَّه. فيجيبه: و عليك السّلام و نحن خلفك، و يقرأ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ.

و في أصول الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن نصير بن أبي الحكم الخثعميّ‏ (8)، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: المؤمن مؤمنان:

فمؤمن صدق بعهد اللَّه- جلّ و عزّ- و في بشرطه، و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏ فذلك الّذي لا تصيبه أهوال الدّنيا و لا أهوال الآخرة، و ذلك ممّن يشفع و لا يشفع له.

[و مؤمن كخامة الزّرع تعوجّ أحيانا و تقوم أحيانا، فذلك ممّن تصيبه أهوال الدّنيا و أهوال الآخرة، و ذلك ممّن يشفع له و لا يشفع.

____________

(1) من المصدر.

(2) هنا في المصدر زيادة و لا داعي بها. لأنّه مأتي بعد. و هي: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.

(3) إرشاد المفيد/ 237.

(4) كذا عنه في تفسير نور الثقلين 4/ 259- 260، ح 56. و لم نعثر عليه هكذا في المقتل. لكن الموجود فيه في ص 71- 72 هو أن الحسين- (عليه السلام)- تعز غرت عيناه و قال ذلك عند ما بلغه مقتل قيس بن مسهر الصيداويّ.

(5) مناقب آل أبي طالب 4/ 100.

(6) ليس في المصدر. و فيه: «و كان» بدلا منه.

(7) الكافي 2/ 248، ح 1.

(8) المصدر: نصير أبي الحكم الخثعمّي.

356

عدّة] (1) من أصحابنا، عن سهل بن زياد (2)، عن محمّد بن عبد اللَّه، عن خالد القمّيّ‏ (3)، عن خضر بن عمرو، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: المؤمن مؤمنان:

مؤمن و في للَّه- جلّ و عزّ- بشروطه الّتي اشترطها (4) عليه، فذلك مع‏ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً، و ذلك ممّن يشفع و لا يشفع له، و ذلك ممّن لا تصيبه أهوال الدّنيا و لا أهوال الآخرة.

و مؤمن زلّت به قدم، فذلك كخامة الزّرع كيف ما كفأته‏ (5) الرّيح انكفأ (6)، و ذلك ممن تصيبه أهوال الدّنيا و أهوال الآخرة (7)، و يشفع له، و هو على خير.

و في شرح الآيات الباهرة (8): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن زكرّياء، عن أحمد بن محمّد بن يزيد، عن سهل بن عامر البجليّ، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي إسحاق، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- (9)، عن محمّد بن الحنفيّة- رضي اللَّه عنه قال: قال عليّ- (صلوات اللّه عليه)-: كنت عاهدت اللَّه- عزّ و جلّ- و رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنا و عمّي حمزة و أخي جعفر و [ابن‏] عمّي عبيدة بن الحارث على أمر و فينا به للَّه و لرسوله، فتقدّمني أصحابي و خلفت بعدهم لما أراد- عزّ و جلّ- فأنزل اللَّه- سبحانه- فينا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ‏ حمزة و جعفر و عبيدة وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. [فأنا المنتظر و ما بدّلت تبديلا.] (10)

و قال- أيضا (11): حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه بن أسد (12)، عن إبراهيم محمّد الثّقفيّ، عن يحيى بن صالح، عن مالك بن خالد الأسديّ، عن الحسن بن إبراهيم، عن جدّه عبد اللَّه بن الحسن، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: عاهَدُوا اللَّهَ‏ عليّ بن أبي طالب و حمزة بن عبد المطلّب و جعفر بن أبي طالب أن لا يفرّوا في زحف أبدا فتمّوا كلّهم، فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ-

____________

(1) ليس في أ.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

(3) المصدر: خالد العميّ.

(4) المصدر: شرطها.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: كنفه.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: يكفا.

(7) ليس في المصدر.

(8) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، 160- 161.

(9) المصدر: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

(10) من المصدر.

(11) نفس المصدر و الموضع.

(12) المصدر: راشد.

357

فينا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ‏ حمزة استشهد يوم أحد، و جعفر استشهد يوم موتة وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، يعني عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا، يعني الّذي عاهدوا عليه.

لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَ يُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ‏:

تعليل للمنطوق و المعرّض به. فكان المنافقين قصدوا بالتّبديل عاقبة السّوء، كما قصد المخلصون بالثّبات و الوفاء و العاقبة الحسنى. و التّوبة عليهم مشروطة بتوبتهم، و المراد به التّوفيق للتّوبة.

إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (24) وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: الأحزاب.

بِغَيْظِهِمْ‏: متغيّظين.

لَمْ يَنالُوا خَيْراً: غير ظافرين. و هما حالان، بتداخل أو تعاقب.

وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ‏: بالرّيح و الملائكة.

وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا: على إحداث ما يريد.

عَزِيزاً (25): غالبا على كلّ شي‏ء.

و

في مجمع البيان‏ (1): وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ‏ قيل: بعليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و قتله عمرو بن عبدودّ، و كان ذلك سبب هزيمة القوم. عن عبد اللَّه بن مسعود. و هو المرويّ عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

وَ أَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ‏: ظاهروا الأحزاب.

مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ‏، يعني: قريظة.

مِنْ صَياصِيهِمْ‏: من حصونهم. جمع، صيصية. و هي ما يتحصّن به. و لذلك يقال لقرن الثّور (2) و الظّبي و شوكة الدّيك‏ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ‏: الخوف.

و قرئ، بالصّنمّ‏ (3).

فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26):

و قرئ، بضمّ السّين‏ (4).

وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ‏: مزارعهم.

____________

(1) مجمع البيان 4/ 350.

(2) هكذا في ن. و في سائر النسخ: البقور.

(3) أنوار التنزيل 2/ 243.

(4) نفس المصدر و الموضع.

358

وَ دِيارَهُمْ‏: حصونهم.

وَ أَمْوالَهُمْ‏: نقودهم و أثاثهم.

روي: أنّه- (عليه السلام)- جعل عقارهم للمهاجرين، فتكلّم فيه الأنصار.

فقال: إنّكم في منازلكم.

و قال عمر: أما تخمّس كما خمّست يوم بدر؟

فقال: لا، إنّما جعلت هذه لي طعمة (1).

وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها: كفارس و الرّوم.

و قيل‏ (2): خيبر. و قيل: كلّ أرض تفتح إلى يوم القيامة.

وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً (27): فيقدر على ذلك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و نزل في بني قريظة وَ أَنْزَلَ‏ (4) الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً.

فلمّا دخل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- المدينة و اللّواء معقودا، أراد أن يغتسل من الغبار. فناداه جبرائيل- (عليه السلام)-: عذيرك‏ (5) من محارب اللَّه. و اللَّه ما وضعت الملائكة لامتها، فكيف تضع لأمتك؟ إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يأمرك أن لا تصلّي العصر، إلّا بني قريظة. فإنيّ متقدّمك و مزلزل. بهم حصنهم. إنّا كنّا في آثار القوم نزجرهم زجرا، حتّى بلغوا حمراء الأسد.

فخرج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فاستقبله حارثة بن النّعمان.

فقال له: ما الخبر، يا حارثة؟

فقال بأبي أنت و أمي يا رسول اللَّه، هذا دحية الكلبيّ ينادي في النّاس: ألا لا يصلّينّ العصر أحد إلّا في بني قريظة.

فقال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: ذاك جبرائيل- (عليه السلام)- ادعوا عليّا. فجاء أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- فقال: ناد في النّاس: لا يصلّينّ أحد العصر إلّا بني قريظة (6).

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمي 2/ 189- 192.

(4) المصدر: و أنزل اللَّه.

(5) عذيرك من فلان، أي: هات من يعذرك فيه. فعيل، بمعنى: فاعل.

(6) ن و المصدر: إلّا في بني قريظة.

359

فجاء أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- فنادى فيهم، فخرج النّاس فبادروا إلى بني قريظة. و خرج رسول اللَّه و أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليهما)- بين يديه مع الرّاية العظمى.

و كان حيّ بن أخطب لمّا انهزمت قريش، جاء فدخل حصن بني قريظة. فجاء أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و أحاط بحصنهم. [فأشرف عليهم كعب بن أسيد من الحصن يشتمهم و يشتم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فأقبل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- على حمار، فاستقبله أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللَّه، لا تدن من الحصن.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا علي، لعلّهم شتموني. إنّهم لو رأوني، لأذلّهم اللَّه. ثمّ دنى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من حصنهم‏] (1) فقال: يا إخوة القردة و الخنازير و عبدة الطّاغوت، أ تشتموني؟ إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم.

فأشرف عليهم كعب بن أسيد من الحصن فقال: و اللَّه يا أبا القاسم، ما كنت جهولا.

فاستحيا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حتى سقط الرّواء من ظهره حياء ممّا قاله.

و كان حول الحصن نخل كثير، فأشار إليه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بيده فتباعد عنه و تفرّق في المفازة. و أنزل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- العسكر حول حصنهم، فحاصرهم ثلاثة أيّام فلم يطلع أحد منهم رأسه. فلمّا كان بعد ثلاثة أيّام، نزل إليه غزال بن شمول.

فقال: يا محمّد، تعطينا ما أعطيت إخواننا من بني النّضير، احقن دماءنا و نخلّي لك البلاد و ما فيها و لا تكتمك شيئا.

فقال: لا، أو تنزلون على حكمي.

فرجع، و بقوا أيّاما، فشكى‏ (2) النسّاء و الصّبيان إليهم و جزعوا جزعا شديدا. فلمّا اشتدّ عليهم الحصار، نزلوا على حكم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فأمر [رسول‏

____________

(1) ليس في أ.

(2) المصدر: فبكت.

360

اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-] (1) بالرّجال فكتّفوا، و كانوا سبعمائة، و أمر بالنّساء فعزلن.

و قامت‏ (2) الأوس إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقالوا: يا رسول اللَّه، حلفاؤنا و موالينا من دون النّاس، نصرونا على الخزرج في المواطن كلّها، و قد وهبت لعبد اللَّه بن أبي سبعمائة ذراع‏ (3) و ثلاثمائة حاسر في صبيحة (4) واحدة، و لسنا نحن بأقلّ من عبد اللَّه بن أبي.

فلمّا أكثروا على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال لهم: أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل‏ (5) منكم؟

فقالوا: بلى، فمن هو؟

قال: سعد بن معاذ.

قالوا: قد رضينا بحكمه.

فأتوا به في محفّة. و اجتمعت الأوس حوله يقولون: يا أبا عمرو، اتّق اللَّه و أحسن في حلفائك و مواليك. فقد نصرونا ببغاث و الحدائق و المواطن كلّها.

فلمّا أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا يأخذه في اللَّه لومة لائم.

فقالت الأوس: وا قوماه، ذهبت- و اللَّه- بنو قريظة [آخر الدّهور.] (6) و بكت النّساء و الصّبيان إلى سعد. فلمّا سكتوا، قال لهم سعد: يا معشر اليهود، أرضيتم. بحكمي فيكم؟

قالوا: بلى قد رضينا بحكمك، و قد رجونا اللَّه‏ (7) نصفك و معروفك و حسن نظرك.

فعاد عليهم القول.

فقالوا: بلى يا أبا عمرو.

فالتفت إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إجلالا له، فقال: ما ترى، بأبي أنت و أمّي يا رسول اللَّه.

قال: احكم فيهم، يا سعد، فقد رضيت بحكمك فيهم.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فعزلوا و أقامت» بدل «فعزلن و قامت.»

(3) هكذا في النسخ و المصدر. و في نور الثقلين 4/ 262، ح 62: «دراع.» و الأظهر: دارع.

(4) المصدر: صحيفة.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: رجال.

6 و 7- ليس في المصدر.

361

فقال: حكمت، يا رسول اللَّه، أن تقتل رجالهم و تسبى نساؤهم و ذراريّهم و تقسّم غنائمهم و أموالهم بين المهاجرين و الأنصار.

فقام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: قد حكمت بحكم اللَّه- عزّ و جلّ- من فوق سبع أرقعة.

ثمّ انفجر جرح‏ (1) سعد بن معاذ، فما زال ينزفه الدّم حتّى قضى. و ساقوا الأسارى إلى المدينة. فأمر رسول اللَّه بأخدود فحفرت بالبقيع. فلمّا أمسى أمر بإخراج رجل فكان يضرب عنقه.

فقال حيّ بن أخطب لكعب بن أسيد: ما ترى يصنع محمّد بهم؟

فقال له: ما يسوؤك. أما ترى الدّاعي لا يقلع و الّذي يذهب لا يرجع. فعليكم بالصّبر و الثّبات على دينكم.

فأخرج كعب بن أسيد مجموعة يديه إلى عنقه، و كان جميلا و سيما. فلمّا نظر إليه رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال له: يا كعب، أما نفعك وصيّة ابن الحواس‏ (2) الحبر الزّكيّ الّذي قدم عليكم من الشّام فقال: تركت الخمر و الخمير و جئت إلى البؤس و التّمور، لنبيّ يبعث، مخرجه بمكّة و مهاجرته في هذه البحيرة، يجتزئ بالكسيرات و التّميرات، و يركب الحمار العريّ، في عينيه حمزة، و بين كتفيه خاتم النّبوّة، يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى منكم، يبلغ سلطانه منقطع الخفّ و الحافر؟

فقال: قد كان ذلك، يا محمّد، و لو لا أنّ اليهود يعيّروني أنّي جزعت عند القتل لآمنت بك و صدّقتك، و لكنّي على دين اليهود عليه أحيى و عليه أموت.

فقال رسول اللَّه: قدّموه، فاضربوا عنقه. فضربت.

ثمّ قدّم حيّ بن أخطب. فقال له رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: يا فاسق، كيف رأيت صنع اللَّه بك؟

و اللَّه يا محمّد، ما ألوم نفسي في عداوتك. و لقد قلقلت كلّ مقلقل، و جهدت كلّ الجهد، و لكن من يخذل اللَّه يخذل. ثمّ قال حين قدّم للقتل:

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فوق سبعة أرقعة ثم خرج» بدل «فوق سبع أرقعة ثمّ انفجر جرح.»

(2) ن: ابن الخوّاص. و في تفسير الصافي 4/ 184:

ابن الجّواس.

362

لعمري ما لام ابن أخطب نفسه‏* * * و لكنه من يخذل اللَّه يخذل‏

فقدّم و ضرب عنقه. فقتلهم رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في البردين، بالغداة و العشيّ في ثلاثة أيّام. و كان يقول: اسقوهم العذب و أطعموهم الطّيّب و أحسنوا إلى أسراهم‏ (1). حتّى قتلهم كلّهم. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- على رسوله فيهم‏ وَ أَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ‏، أي: من حصونهم‏ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ‏ إلى قوله- تعالى-: وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً.

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا: السّعة و التّنعّم فيها.

وَ زِينَتَها: و زخارفها.

فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَ‏ و أعطكنّ المتعة.

وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (28): طلاقا من غير ضرار و بدعة.

و قرئ: «أمتّعكنّ، و أسرّحكنّ» بالرفع على الاستئناف‏ (2).

وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29):

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا إلى قوله: أَجْراً عَظِيماً. فإنّه كان سبب نزولها، أنّه لمّا رجع رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من غزوة خيبر و أصاب كنز آل أبي الحقيق، قلن أزواجه: أعطنا ما أصبت.

فقال لهنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: قسّمته بين المسلمين على ما أمر اللَّه- عزّ و جلّ-.

فغضبن من ذلك، و قلن: لعلّك ترى أنك إن طلّقتنا أن لا نجد الأكفاء من قومنا يتزوّجونا؟

فأنف اللَّه- عزّ و جلّ- لرسوله، فأمره اللَّه أن يعتزلهنّ. فاعتزلهنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في مشربة أمّ إبراهيم تسعة و عشرين يوما، حتّى حضن و طهرن. ثمّ أنزل‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «و أحسنوا أسارهم» بدل «و أحسنوا إلى أسراهم.»

(2) أنوار التنزيل 2/ 244.

(3) تفسير القمي 2/ 192.

363

اللَّه- عزّ و جلّ- هذه الآية، و هي آية التّخيير، فقال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا إلى قوله: أَجْراً عَظِيماً.

فقامت أمّ سلمة، و هي أوّل من قامت فقالت. قد اخترت اللَّه و رسوله. فقمن كلّهن، فعانقنه و قلن مثل ذلك. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ-: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ قال الصّادق- (عليه السلام)-: من آوى، فقد نكح. و من أرجى، فقد طلّق.

قوله- عزّ و جلّ-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً. و قد أخّرت عنها في التّأليف.

و في الكافي‏ (1): حميد، عن‏ (2) ابن سماعة، عن‏ (3) ابن رباط، عن عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن رجل خيّر امرأته فاختارت نفسها، بانت؟

قال: لا، إنّما هذا شي‏ء كان لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: خاصّة.

و أمر بذلك، ففعل. و لو اخترن أنفسهنّ، لطلّقن. و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا.

حميد [بن زياد،] (4) عن ابن سماعة (5)، عن محمّد بن زياد و ابن رباط، عن أبي أيّوب الخزّاز [، عن محمّد بن مسلم‏] (6) قال: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أنّي سمعت أباك يقول: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- خيّر نساءه، فاخترن اللَّه و رسوله فلم يمسكهنّ على طلاق، و لو اخترن أنفسهنّ لبنّ.

فقال: إنّ هذا حديث يرويه أبي عن عائشة، و ما للنّاس و الخيار، إنّما هذا شي‏ء خصّ اللَّه به رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (7)، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: ذكر أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّ زينب قالت‏

____________

(1) الكافي 6/ 137، ح 3.

(2) ليس في م.

3 و 4- من المصدر.

(5) نفس المصدر 6/ 136- 137، ح 2.

(6) نفس المصدر 6/ 138، ح 2.

(7) من المصدر.

364

لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لا تعدل و أنت رسول اللَّه؟ و قالت حفصة: إن طلّقتنا وجدنا أكفاءنا من قومنا. فاحتبس الوحي عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عشرين يوما.

قال: فأنف اللَّه لرسوله، فأنزل‏ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها إلى قوله: أَجْراً عَظِيماً.

قال: فاخترن اللَّه و رسوله و لو اخترن أنفسهنّ لبنّ، و إن اخترن اللَّه و رسوله فليس بشي‏ء.

حميد [بن زياد] (1)، عن ابن سماعة (2)، عن جعفر بن سماعة، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: إنّ زينب بنت جحش قالت: أ يرى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- إن خلّى سبيلنا أن لا نجد زوجا غيره؟ و قد كان اعتزل نساءه تسعا و عشرين ليلة. فلمّا قالت زينب الّذي قالت، بعث اللَّه- عزّ و جلّ- جبرائيل إلى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَ‏ (الآيتين كلتيهما) فقلن: بل نختار اللَّه و رسوله و الدّار الآخرة.

عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (3)، عن ابن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّ بعض نساء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قالت: أ يرى محمّد أنّه لو طلّقنا أن لا نجد الأكفاء من قومنا؟

قال: فغضب اللَّه- عزّ و جلّ- له من فوق سبع سماواته. فأمره، فخيّرهنّ حتّى انتهى إلى زينب بنت جحش.

فقامت و قبّلته، و قالت: أختار اللَّه و رسوله.

حميد، عن الحسن بن سماعة (4)، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ زينب بنت جحش قالت لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: لا تعدل و أنت نبيّ؟

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر 6/ 138- 139، ح 4. و «عن ابن سماعة» ليس في م.

(3) نفس المصدر 6/ 138، ح 3.

(4) نفس المصدر 6/ 139، ح 5.

365

فقال: تربت يداك‏ (1) إذا لم أعدل، فمن يعدل؟

قالت: دعوت اللَّه يا رسول اللَّه، ليقطع يداي؟

فقال: لا، و لكن لتتربان.

فقالت: إنّك إن طلّقتنا وجدنا في قومنا أكفاءنا.

فاحتبس الوحي عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- تسعا و عشرين ليله.

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: فأنف اللَّه لرسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا (الآيتين) فاخترن اللَّه و رسوله و لم يكن شيئا. و لو اخترن أنفسهن، لبنّ.

و عنه، عن عبد اللَّه بن جبلة، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، مثله.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (2)، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن زرارة قال:

سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أنف لرسوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من مقالة قالتها بعض نسائه، فأنزل اللَّه آية التّخيير، فاعتزل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- نساءه تسعا و عشرين ليلة في مشربة أمّ إبراهيم، ثمت دعاهنّ فخيّرهنّ فاخترنه فلم يكن شيئا، و لو اخترن أنفسهنّ كانت واحدة بائنة.

قال: و سألته عن مقالة المرأة ما هي؟

قال: فقال: إنّها قالت: يرى محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنّه لو طلّقنا أن لا تأتينا الأكفاء من قومنا يتزوّجونا؟

و في مجمع البيان‏ (3): و روى الواحديّ بالإسناد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- جالسا مع حفصة، فتشاجرا بينهما.

فقال لها: هل لك أن أجعل بيني و بينك رجلا؟

قالت: نعم.

فأرسل إلى عمر. فلمّا أن دخل عليهما قال لها: تكلّمي.

قالت: يا رسول اللَّه، تكلّم و لا تقل إلّا حقّا.

فرفع عمر يده فوجأ وجهها [، ثمّ رفع يده فوجأ وجهها.] (4)

____________

(1) تربت يداك، أي: لا أصبت خيرا.

(2) نفس المصدر 6/ 137- 138، ح 1.

(3) مجمع البيان 4/ 353.

(4) من المصدر.

366

فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: كفّ.

فقال عمر: يا عدوّة اللَّه، النّبيّ لا يقول إلّا حقّا. و الّذي بعثه بالحقّ لو لا مجلسه، ما رفعت يدي حتّى لموتي.

فقام النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فصعد إلى غرفة، فمكث فيها شهرا لا يقرب شيئا من نسائه يتغدّى و يتعشّى فيها. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- هذه الآيات.

و اختلف العلماء في حكم التّخيير على أقوال:

أحدها: أنّ الرّجل إذا خيّر امرأته فاختارت زوجها، فلا شي‏ء. و إن اختارت نفسها، تقع تطليقة واحدة. و هو قول عمر بن الخطّاب و ابن مسعود، و إليه ذهب أبو حنيفة و أصحابه.

و ثانيهما: أنّه إذا اختارت نفسها، تقع ثلاث تطليقات. و إن اختارت زوجها، تقع واحدة. و هو يقول زيد بن ثابت، و إليه ذهب مالك.

و ثالثها: أنّه إذا نوى الطّلاق، كان طلاقا و إلّا فلا. و هو مذهب الشّافعيّ.

و رابعها:

أنّه لا يقع بالتّغيير طلاق، و إنّما كان ذلك للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- خاصّة. و لو اخترن أنفسهنّ لما خيّرهنّ، لبنّ منه. و أمّا غيره، فلا يجوز له ذلك. و هو المرويّ عن أئمتّنا- (عليهم السلام)- (1).

و في الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن [ابن‏] (3) أبي نجران، عن عبد الكريم بن عمرو، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا.

ثمّ قال‏ (4) و عنه، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير و غيره‏ في تسمية نساء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و نسبهنّ و صفتهنّ: عائشة، و حفصة، و أمّ حبيب بنت أبي سفيان بن حرب، و زينب بنت جحش، و سودة بنت زمعة، و ميمونة بنت الحرث، و صفيّة بنت حيّ بن أخطب، و أمّ سلمة بنت أبي أميّة، و جويرية بنت الحرث.

و كانت عائشة من تيم، و حفصة من عديّ، و أمّ سلمة من بني مخزوم، و سودة من بني‏

____________

(1) نفس المصدر 4/ 354.

(2) الكافي 5/ 389، ح 4.

(3) من ن و المصدر.

(4) نفس المصدر 5/ 390، ح 5.

367

أسد [بن عبد العزى، و زينب بنت جحش من بني أسد] (1) و عدادها من بني أميّة، و أمّ حبيب بنت أبي سفيان من بني أميّة، و ميمونة بنت الحرث من بني هلال، و صفيّة بنت حيّ بن أخطب من بني إسرائيل.

و مات- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عن تسع [نساء] (2) و كان له سواهنّ الّتي وهبت نفسها للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و خديجة بنت خويلد أمّ ولده، و زينب [بنت‏] (3) أبي الجون الّتي خدعت، و الكنديّة.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن أبي عبد اللَّه جعفر بن محمّد الصّادق- (عليه السلام)- قال: تزوّج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بخمس عشرة امرأة، و دخل بثلاث عشرة منهنّ، و قبض عن تسع.

فأمّا اللّتان لم يدخل بهما تعمرة و الشبان‏ (5).

و أمّا الثّلاث عشرة اللّاتي دخل بهنّ، فأولهنّ خديجة بنت خويلد. ثمّ سودة (6) بنت زمعة. ثمّ أمّ سلمة، و اسمها هند بنت أبي أميّة. ثمّ أمّ عبد اللَّه، عائشة بنت أبي بكر. ثمّ حفصة بنت عمر. ثمّ زينب بنت خزيمة بن الحرث أمّ المساكين. ثمّ زينب بنت جحش. ثمّ أمّ حبيبة (7) رملة بنت أبي سفيان. ثمّ ميمونة بنت الحارث. ثمّ زينب بنت عميس. ثمّ جويرية بنت الحرث. ثمّ صفيّة بنت حيّ بن أخطب.

و الّتي وهبت نفسها للنّبيّ، خولة (8) بنت حكيم السّلمي.

و كان له سريّتان يقسم لهما مع أزواجه، مارية القبطية (9)، و ريحانة الخندقية (10).

و التّسع اللّاتي قبض عنهنّ: عائشة، و حفصة، و أمّ سلمة، و زينب بنت جحش، و ميمونة بنت الحارث، و أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، و صفيّة [بنت حيّ بن أخطب،] (11) و جويرية [بنت الحارث،] (12) و سودة [بنت زمعة.] (13) و أفضلهنّ خديجة بنت خويلد، ثمّ أمّ‏

____________

1 و 2 و 3- من المصدر.

(4) الخصال/ 419، ح 13.

(5) المصدر: «فعمرة و السنا»، و في ن: «فعمرة و الشبنا» بدل «تعمرة و الشبنا.»

(6) المصدر: سورة.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: أم حبيب.

(8) الأصل، س و أ: خويلة.

(9) ليس في المصدر.

(10) المصدر: الخندفيّة.

11 و 12 و 13 من المصدر. و فيه «سورة» بدل‏

368

سلمة، ثمّ ميمونة (1).

يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ قيل‏ (2): بكبيرة.

مُبَيِّنَةٍ: ظاهر قبحها.

يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ‏: ضعفي عذاب غيرهنّ، أي: مثليه. لأنّ الذّنب منهنّ أقبح. فإنّ زيادة قبحه، تتبع زيادة فضل المذنب و النّعمة عليه. و لذلك جعل حدّ الحرّ ضعفي حد العبد. و عوتب الأنبياء بما لا يعاتب به غيرهم.

و قرأ البصريّون: «يضعف» [على بناء المفعول.] (3) و ابن كثير و ابن عامر «نضعف» بالنّون، و بناء الفاعل، و نصب العذاب‏ (4).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثنا محمّد بن أحمد قال: حدّثنا محمّد بن عبد اللَّه بن غالب عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن صمّاد، عن حريز قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ‏ قال: «الفاحشة» الخروج بالسّيف.

و في رواية أبي الجارود (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أجرها مرّتين و العذاب. ضعفين. كلّ هذا في الآخرة، حيث يكون الأجر يكون العذاب.

و في مجمع البيان‏ (7): و روى محمّد بن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن عليّ بن عبد اللَّه بن الحسين‏ (8)، عن أبيه عليّ بن الحسين زين العابدين- (عليه السلام)‏- أنّه قال له رجل: إنّكم أهل بيت مغفور لكم.

قال: فغضب و قال: نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى اللَّه في أزواج‏

____________

«سودة.»

(1) المصدر: «ثم أمّ سلمة بنت الحارث» بدل «ثمّ أمّ سلمة، ثم ميمونة.»

(2) أنوار التنزيل 2/ 244.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) تفسير القمي 2/ 193.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) مجمع البيان 4/ 354.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: عبد اللَّه بن الحسن.

369

النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من أن نكون كما تقول. إنّما نرى لمحسننا ضعفين من الأجر و لمسيئنا ضعفين من العذاب. ثمّ قرأ الآيتين.

و في بصائر الدّرجات‏ (1): أحمد بن محمّد و الحسين بن عليّ بن النّعمان [، عن أبيه عليّ بن النّعمان،] (2) عن محمّد بن سنان، يرفعه، قال: إن عائشة قالت: التمسوا لي رجلا شديد العداوة لهذا الرّجل حتّى أبعثه إليه.

قال: فأتيت به، فمثل بين يديها.

فرفعت إليه رأسها فقالت له: ما بلغ من عداوتك لهذا الرّجل؟

فقال لها: كثيرا ما أتمنى على ربّي، أنّه و أصحابه في وسطي فضربته ضربة بالسّيف فسبق السّيف الدّم.

قالت: فأنت له. اذهب بكتابي هذا، فادفعه إليه ظاعنا رأيته أو مقيما. أما إنّك إن رأيته رأيته‏ (3) راكبا على بغلة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- متنكّبا قوسه، معلّقا كنانته بقربوس سرجه، و أصحابه خلفه كأنّهم طير صوافّ [فتعطيه كتابي هذا. و] (4) إن عرض عليك طعامه و شرابه، فلا تناولّن منه شيئا فإنّ فيه السّحر.

قال: فاستقبله‏ (5) راكبا [كما قالت‏] (6) فناولته‏ (7) الكتاب، ففضّ خاتمه ثمّ قرأه.

فقال: تبلغ إلى منزلنا فتصيب من طعامنا و شرابنا و نكتب جواب كتابك؟

فقال: هذا، و اللَّه، ما لا يكون.

قال: فسار خلفه فأحدق‏ (8) به أصحابه.

ثمّ قال له: أسألك.

قال: نعم.

قال: و تجيبني؟

قال: نعم.

____________

(1) بصائر الدرجات/ 263- 264، ح 4.

(2) من ن و المصدر.

(3) ليس في المصدر.

(4) من المصدر.

(5) هكذا في المصدر.

و في النسخ: فاستقبله.

(6) ليس في المصدر.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: فناوله.

(8) الأصل: فأصدقه.

370

قال: نشدتك [اللَّه‏] (1) هل قالت: التمسوا لي رجلا شديد العداوة (2) لهذا الرّجل، فأتي‏ (3) بك. فقالت لك: ما بلغ من عداوتك لهذا الرّجل؟ فقلت: كثيرا ما أتمنّى على ربّي أنّه و أصحابه في وسطي و أنّي ضربت ضربة سبق السّيف الدّم؟

قال: اللّهمّ، نعم.

قال: فنشدتك اللَّه، أ قالت لك: اذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ظاعنا كان أو مقيما، أما إنّك إن رأيته رأيته‏ (4) راكبا على‏ (5) بغلة رسول اللَّه متنكّبا قوسه معلّقا كنانته بقربوس سرجه، أصحابه خلفه كأنّهم طير صوافّ فتعطيه كتابي هذا؟

قال: اللّهمّ، نعم.

قال: فنشدتك اللَّه، هل قالت لك: إن عرض عليك طعامه و شرابه فلا تناولنّ منه شيئا، فإنّ فيه السّحر؟

قال: اللّهمّ، نعم.

قال: فتبلّغ‏ (6) عني؟

قال: اللّهمّ، نعم. فإني قد أتيتك و ما في الأرض خلق أبغض إليّ منك، و أنا السّاعة ما في الأرض خلق أحبّ إليّ منك فمرني‏ (7) بما شئت.

قال: ارجع إليها بكتابي‏ (8) هذا، و قل لها: ما أطعت اللَّه و لا رسوله حيث أمرك اللَّه بلزوم بيتك، فخرجت تردّدين في العساكر. و قل لهم: ما أنصفتهم اللَّه و لا رسوله حيث خلّفتم حلائلكم في بيوتكم و أخرجتم حليلة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

قال: فجاء بكتابه فطرحه إليها و أبلغها مقالته، ثم رجع إليه فأصيب بصفّين.

فقالت: ما نبعث إليه بأحد إلّا أفسده‏ (9) علينا.

و في شرح الآيات الباهرة (10): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا الحسين بن أحمد، عن‏ (11) محمّد بن عيسى، عن يونس بن كرام، عن محمّد بن مسلم، عن أبي‏

____________

(1) من المصدر.

(2) المصدر: شديدا عداوته.

(3) المصدر: فأتوها.

4 و 5- ليس في المصدر.

(6) المصدر: فمبلّغ أنت.

(7) المصدر: فمر بي.

(8) المصدر: كتابي.

(9) الأصل: فسده.

(10) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 162.

(11) المصدر: بن.

371

عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال لي: أ تدري ما الفاحشة المبيّنة؟

قلت: لا.

قال: قتال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، يعني: أهل الجمل.

وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30): لا يمنعه في التّضعيف كونهّن نساء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. و كيف و هو سببه.

وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَ‏: و من يدم على الطّاعة.

لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ‏: و لعلّ ذكر اللَّه، للتّعظيم، أو لقوله:

وَ تَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ‏: مرّة على الطّاعة، و مرّة على طلبهنّ رضاء النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بالقناعة و حسن المعاشرة.

و قرأ حمزة و الكسائيّ: و يعمل» بالياء- أيضا- حملا على لفظ «من» و يؤتها» على أنّ فيه ضمير اسم اللَّه‏ (1).

وَ أَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (31): في الجنّة، زيادة على أجرها.

يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ:

أصل «أحد» وحد، بمعنى: الواحد. ثمّ وضع في النّفي العام، مستويا فيه المذّكر و المؤنّث، و الواحد و الكثير.

و المعنى: لستن كجماعة واحدة من جماعات النّساء في الفضل.

إِنِ اتَّقَيْتُنَ‏: مخالفة حكم اللَّه و رضا رسوله.

فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ‏: فلا تجبن بقولكنّ خاضعا ليّنا، مثل: قول المريبات و المومسات.

فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‏: فجور.

و قرئ، بالجزم، عطفا على محلّ فعل النّهي. على أنّه نهى مريض القلب عن الطّمع عقيب نهيهنّ عن الخضوع بالقول. (2) وَ قُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً (32): حسنا، بعيدا عن الرّيبة.

وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ‏:

من وقر، يقر، وقارا. أو قرّ، يقرّ، قرارا. حذفت الأولى من رائي «اقررن» و نقلت‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 244.

(2) نفس المصدر و الموضع.

372

كسرتها إلى القاف، فاستغني به عن همزة الوصل. و يؤيّده قراءة عاصم و نافع، بالفتح. من قررت، أقرّ و هو لغة فيه. و يحتمل أن يكون من قار، يقار: إذا اجتمع‏ (1).

وَ لا تَبَرَّجْنَ‏: و لا تتبخترن في مشيتكنّ.

تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ تبرّجا مثل تبرّج النّساء في أيّام الجاهليّة القديمة.

و قيل‏ (2): هي ما بين آدم و نوح- (عليهما السلام)-.

و قيل‏ (3): الزّمان الّذي ولد فيه إبراهيم- (عليه السلام)-. كانت المرأة تلبس ورعا من اللّؤلؤ فتمشي وسط الطّريق تعرض نفسها على الرّجال. و الجاهليّة الأخرى ما بين عيسى و محمّد- (عليهما السلام)-.

و قيل‏ (4): الجاهليّة الأولى جاهليّة الكفر قبل الإسلام، و الجاهليّة الأخرى جاهليّة الفسوق فيه‏ (5). و يعضده‏

قوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لأبي الدّرداء: إنّ فيك جاهليّة.

قال: جاهلية كفر أو إسلام؟

قال: بل جاهلية كفر.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (6)، بإسناده إلى عبد اللَّه بن مسعود، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: إنّ يوشع بن نون وصيّ موسى- (عليه السلام)- عاش بعد موسى ثلاثين سنة. و خرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى- (عليه السلام)- فقالت: أنا أحقّ منك بالأمر. فقالتها فقتل مقاتليها، و أسرها فأحسن أسرها (7). و إنّ ابنة أبي بكر ستخرج على عليّ في كذا و كذا ألفا من أمّي، فيقاتلها فيقتل مقاتليها (8) و يأسرها فيحسن أسرها. و فيها أنزل اللَّه- تعالى-: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏، يعني: صفراء بنت شعيب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): حدّثنا حميد بن زياد، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللَّه، عن أبيه- (عليهما السلام)‏- في هذه الآية

____________

(1) نفس المصدر 2/ 245.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) المصدر: في الإسلام.

(6) كمال الدين و تمام النعمة/ 27.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «مقاتلها و أحسن أسرها» بدل «مقاتليها و أسرها فأحسن أسرها.»

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: مقاتلها.

(9) تفسير القمي 2/ 193.

373

وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ قال: أي: ستكون جاهليّة أخرى.

و في عيون الأخبار (1)، عن الرّضا- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: أنّ النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال، بعد أن ذكر ليلة أسري بي إلى السّماء: و رأيت امرأة معلّقة برجليها في تنّور من نار إلى قوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-:

و أمّا المعلّقة برجليها، فإنّها كانت تخرج من بيتها بغير إذن زوجها.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أنّه قال في وصيّة (3) له: يا عليّ، ليس على النّساء جمعة- إلى أن قال-:

و لا تخرج من بيت زوجها إلّا بإذنه. فإن خرجت بغير إذنه، لعنها اللَّه و جبرائيل و ميكائيل.

وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏: في سائر ما أمركنّ به و نهاكنّ عنه.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4): أبي- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثني سعد بن عبد اللَّه، عن محمّد بن إسماعيل، عن عيسى بن محمّد [، عن محمّد] (5) بن أبي عمير، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللَّه، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: المرأة عليها أذان و إقامة؟

فقال: إن كانت تسمع أذان القبيلة، فليس عليها [شي‏ء، و إلّا فليس عليها] (6) أكثر من الشّهادتين. لأنّ اللَّه- تبارك و تعالى- قال للرّجال: أَقِيمُوا الصَّلاةَ و قال للنّساء:

وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ‏: الذّنب المدنّس لعرضكم. و هو تعليل لأمرهنّ و نهيهنّ على الاستئناف، و لذلك عمّ الحكم.

أَهْلَ الْبَيْتِ‏: نصب على النّداء، أو المدح.

وَ يُطَهِّرَكُمْ‏: من المعاصي.

____________

(1) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 10 و 11، ضمن حديث 24.

(2) الخصال/ 511، ضمن حديث 2.

(3) هكذا في م. و في سائر النسخ و المصدر:

وصيّة.

(4) علل الشرائع/ 355، صدر حديث 1.

(5) من المصدر.

(6) من المصدر.

374

تَطْهِيراً (33): و استعارة «الرّجس» للمعصية، و التّرشيح «بالتّطهير» للتّنفير عنها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

قال: نزلت هذه الآية في رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و عليّ بن أبي طالب و فاطمة و الحسن و الحسين- (صلوات اللّه عليهم). و ذلك في بيت أمّ سلمة زوجة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فدعا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين، ثمّ ألبسهم كساء له خيبريّا و دخل معهم فيه، ثمّ قال: اللّهمّ، هؤلاء أهل بيتي الّذين وعدتني فيهم ما وعدتني، اللّهمّ اذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا (2).

فقالت أمّ سلمة: و أنا معهم، يا رسول اللَّه؟

فقال: أبشري، يا أمّ سلمة، فإنّك إلى خير.

و في عيون الأخبار (3)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون، في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل. و فيه: قال المأمون: من العترة الطّاهرة؟

فقال: الرّضا- (عليه السلام)- الّذين وصفهم اللَّه- تعالى- في كتابه، فقال- تعالى-:

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. و هم الذّين قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّي مخلّف فيكم الثّقلين، كتاب اللَّه و عترتي أهل بيتي.

ألا و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفون فيهما. أيّها النّاس، لا تعلّموهم، فإنّهم أعلم منكم.

و فيه‏ (4)، في هذا الباب يقول الرّضا- (عليه السلام)- في الحديث المذكور و الآية الثّانية في الاصطفاء: قوله- عزّ و جلّ- إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. و هذا الفضل الّذي لا يجهله أحد إلّا معاند ضالّ‏ (5). لأنّه لا فضل بعد طهارة تنتظر، فهذه الثّانية.

____________

(1) تفسير القمي 2/ 193.

(2) هنا زيادة في المصدر. و هي: «نزلت هذه الآية.» و لا داعي لوجودها.

(3) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 299.

(4) نفس المصدر 1/ 231.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: أصلا.