تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج10

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
586 /
425

الصّحابة قال: لئن قبض رسول اللَّه لأنكحنّ عائشة بنت أبي بكر. عن ابن عبّاس.

قال مقاتل: هو طلحة بن عبيد اللَّه.

و قيل: إنّ رجلين قالا: أ ينكح محمّد نسائنا و لا ننكح‏ (1) نساءه؟ و اللَّه لئن مات لنكحنا (2) نساءه. و كان أحدهما يريد عائشة، و الآخر يريد أمّ سلمة. عن أبي حمزة الثّماليّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً فإنّه كان سبب نزولها، أنّه لمّا أنزل اللَّه‏ النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ‏ (4) و حرّم اللَّه نساء النّبيّ على المسلمين، غضب طلحة فقال: يحرّم محمّد علينا نساءه و يتزوّج هو نساءنا! لئن أمات اللَّه- عزّ و جلّ- محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لنركضنّ بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا (5). فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً.

و في أصول الكافي‏ (6): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن أحمد بن النّضر، عن محمّد بن مروان رفعه إليهم‏ في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ‏ في عليّ و الأئمّة كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى‏ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا (7).

و في الكافي‏ (8): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- أنّه قال: لو لم يحرّم على النّاس أزواج النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لقول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا [أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً حرّم‏ (9) على الحسن و الحسين- (عليهما السلام)- لقول اللَّه- تعالى- (10)-: وَ لا تَنْكِحُوا] (11) ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ.

____________

(1) هكذا في المصدر و ن. و في الأصل:

«ينكح». و في م، س و أ: «تنكح».

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: أنكحنا.

(3) تفسير القمي 2/ 195.

(4) الأحزاب/ 6.

(5) المصدر: «لنفعلن كذا و كذا» بدل «لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا».

(6) الكافي 1/ 414، ح 9.

(7) الأحزاب/ 69.

(8) ج 5/ 420، ح 1.

(9) المصدر: حرمن.

(10) النساء/ 22.

(11) ليس في أ.

426

و لا يصلح للرّجل أن ينكح امرأة جدّة.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (1)، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة قال: حدّثني سعد بن أبي عروة، عن قتادة، عن الحسن البصريّ‏ أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- تزوّج امرأة من بني عامر بن صعصعة، يقال لها: سنى‏ (2). و كانت من أجمل أهل زمانها.

فلمّا نظرت إليها عائشة و حفصة قالتا: لتغلبنا هذه على رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: بجمالها.

[فقالتا لها: لا يرى منك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- حرصا.

فلمّا دخلت على رسول اللَّه‏] (3) تناولها بيده. فقالت: أعوذ باللَّه. فانقبضت يد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عنها، فطلّقها و ألحقها بأهلها.

و تزوّج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- امرأة من كندة بنت الجون‏ (4).

فلمّا مات إبراهيم بن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بن مارية القبطيّة قالت: لو كان نبيّا ما مات ابنه. فألحقها رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بأهلها قبل أن يدخل بها.

فلمّا قبض رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و ولّي النّاس أبو بكر، أنته، العامريّة و الكنديّة و قد خطبتا. فاجتمع أبو بكر و عمر فقالا لهما: اختارا إن شئتما الحجاب، و إن شئتما الباه.

فاختارتا الباه. فتزوّجتا، فجذم أحد الرّجلين‏ (5) و جنّ الآخر.

قال عمر بن أذينة: فحدّثت بهذا الحديث زرارة و الفضيل، فرويا عن أبي جعفر- (عليه السلام)- أنّه قال: ما نهى اللَّه- عزّ و جلّ عن شي‏ء إلا، و قد عصي فيه، حتّى لقد نكحوا أزواج النبىّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من بعده. و ذكر هاتين، العامريّة و الكنديّة.

ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-:

لو سألتم عن رجل تزوّج امرأة و طلّقها قبل أن يدخل بها، أ تحلّ لابنه؟ لقالوا: لا. فرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أعظم حرمة بن آبائهم.

____________

(1) نفس المصدر 5/ 421، 3.

(2) المصدر: «سنى». و هكذا في مناقب ال أبى طالب و إعلام الورى الذين نقل عنهما في البحار 22/ 192 و 204.

(3) ليس في أ.

(4) المصدر: بنت أبى الجون‏

(5) المصدر: الرجلين.

427

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (1)، عن عليّ بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن ابن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- نحوه. و قال في حديثه: و [لا] (2) هم يستحلّون أن يتزوّجوا أمّهاتهم إن كانوا مؤمنين. و إنّ أزواج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-، في الحرمة مثل أمّهاتهم.

إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً: كنكاحهنّ على ألسنتكم.

أَوْ تُخْفُوهُ‏: في صدوركم.

فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً (54): فيعلم ذلك، فيجازيكم به. و في هذا التّعميم مع البرهان على المقصود و مزيد تهويل و مبالغة في الوعيد.

لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَ لا أَبْنائِهِنَّ وَ لا إِخْوانِهِنَّ وَ لا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَ لا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَ‏: استثناء لمن لا يجب الاحتجاب عنهم.

روي أنّه لمّا نزلت آية الحجاب، قال الآباء و الأبناء و الأقارب: يا رسول اللَّه، أو نكلّمهن- أيضا من وراء الحجاب؟ فنزلت‏ (3).

قيل‏ (4): و إنّما لم يذكر العمّ و الخال، لأنّهما بمنزلة الوالدين. و لذلك سمّي العمّ: أبا:

في قوله‏ (5): وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ‏. أو لأنّه كره ترك الحجاب عنهما، مخافة أن يصفا لأبنائهما.

وَ لا نِسائِهِنَ‏، يعني نساء المؤمنات.

وَ لا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ‏.

قيل‏ (6): من العبيد و الإماء و قيل: من الإماء خاصّة.

و في كتاب المناقب‏ (7)، لابن شهر آشوب: إنّ عليّا- (عليه السلام)- توّفي عن أربع نسوة، أمامة و أمّها زينب بنت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-، و أسماء بنت عميس، و ليلى التّميميّة، و أمّ البنين الكلابيّة. و لم يتزوّجن بعده.

و خطب المغيرة بن نوفل أمامة، ثمّ أبو الهياج بن أبي سفيان بن حارث.

فروت عن‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 4.

(2) من المصدر.

(3) أنوار التنزيل 2/ 251.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) البقرة/ 133.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) مناقب آل أبي طالب 3/ 305، بتصرّف في صدره.

428

عليّ- (عليه السلام)-: أنّه لا يجوز لأزواج النّبيّ و الوصيّ أن يتزوّجن بغيره بعده.

فلم تتزوّج امرأة و لا أمّ ولد بهذه الرّواية.

و في الكافي‏ (1): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد [، عن محمّد] (2) بن إسماعيل، عن إبراهيم بن أبي البلاد، و يحيى بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم، عن معاوية بن عمّار قال: كنّا أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- نحوا من ثلاثين رجلا، إذ دخل أبي فرحّب به أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- و أجلسه إلى جنبه و أقبل عليه طويلا.

ثمّ قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ لأبي معاوية حاجة، فلو خفّفتم‏ (3). فقمنا جميعا.

فقال لي أبي: ارجع، يا معاوية. فرجعت.

فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: هذا ابنك؟

فقال: نعم، و هو يزعم أنّ أهل المدينة يصنعون شيئا لا يحلّ لهم.

قال: و ما هو؟

قلت: إنّ المرأة القرشيّة و الهاشميّة تركب و تضع يدها على رأس الأسود و ذراعها (4) على عنقه.

فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: يا بنيّ، أما تقرأ القرآن؟

قلت: بلى.

قال: اقرأ هذه الآية: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَ‏ حتّى بلغ‏ وَ لا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ‏.

ثمّ قال: يا بنيّ، لا بأس أن يرى المملوك الشّعر و السّاق.

وَ اتَّقِينَ اللَّهَ‏: فيما أمرتنّ به.

إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيداً (55): لا يخفى عليه خافية.

إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ‏: يعتنون بإظهار شرفه و تعظيم شأنه.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ‏: اعتنوا أنتم- أيضا. فإنّكم أولى بذلك.

____________

(1) الكافي 5/ 531، ح 2.

(2) من المصدر.

(3) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

خفتم.

(4) المصدر: ذراعيها.

429

وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (56): و انقادوا لاوامره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): ثم ذكر ما فضّل اللَّه نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال- جلّ ذكره-: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

قال: (صلوات اللّه عليه)، تزكية له و ثناء عليه. و صلوات‏ (2) الملائكة، مدحهم له.

و صلوات‏ (3) النّاس، دعاؤهم له و التّصديق و الإقرار بفضله. و قوله- تعالى-: وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً، يعني: سلّموا له بالولاية و بما جاء به.

و في عيون الأخبار (4)، في باب ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- مع المأمون في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل. و فيه: قالت العلماء: فأخبرنا، هل فسّر اللَّه- تعالى- الاصطفاء في الكتاب؟

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا، إلى قوله- (عليه السلام)-: و أمّا الآية السّابعة فقوله: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً [و قد علم المعاندون منهم أنّه لمّا نزلت هذه الآية] (5) قيل‏ (6): يا رسول اللَّه، قد عرفنا التّسليم عليك فكيف الصّلاة عليك؟

فقال: تقولون: اللّهمّ، صلّ على محمّد و آل محمّد كما صلّيت و باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.

فهل بينكم، معاشر النّاس، في هذه خلاف؟

قالوا: لا. قال المأمون: هذا ممّا لا خلاف فيه أصلا و عليه إجماع الأمّة، فهل عندك في الآل شي‏ء أوضح من هذا في القرآن؟

قال أبو الحسن- (عليه السلام)- نعم، أخبروني عن قول اللَّه- تعالى‏ (7)-: يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ فمن عنى بقوله: يس‏؟

قالت العلماء: يس‏ محمّد، لا يشكّ فيه أحد.

و قال أبو الحسن- (عليه السلام)- فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- أعطى محمّدا و آل‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 196.

2 و 3- المصدر: صلاة.

(4) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 231 و 236- 237.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: قالوا.

(7) يس/ 1- 4.

430

محمّد من ذلك فضلا لا يبلغ أحد كنه وصفه إلّا من عقله، و ذلك أنّ اللَّه- عزّ و جلّ- لم يسلّم على أحد إلّا على الأنبياء- (صلوات اللّه عليهم). فقال- تعالى‏ (1)-: سَلامٌ عَلى‏ نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ‏. و قال‏ (2): سَلامٌ عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏ و قال‏ (3): سَلامٌ عَلى‏ مُوسى‏ وَ هارُونَ‏ و لم يقل:

سلام على آل نوح. و لم يقل: سلام على آل إبراهيم. و لم يقل‏ (4): سلام على آل موسى و هارون: و قال‏ (5): سَلامٌ عَلى‏ إِلْ‏ياسِينَ‏، يعنى: آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال المأمون: قد علمت أنّ في معدن النّبوة شرح هذا و بيانه، فهذه السّابعة.

و في باب ما كتبه الرّضا- (عليه السلام)- للمأمون من محض الإسلام‏ (6) و شرائع الدّين‏ (7): و الصّلاة (8) على النّبيّ واجبة في كلّ المواطن، و عند العطاس و الذّبائح و غير ذلك.

و في أصول الكافي‏ (9): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن حسين بن زيد، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: ما من قوم اجتمعوا في مجلس فلم يذكروا اسم اللَّه- عزّ و جلّ- و لم يصلّوا على نبيّهم، إلّا كان ذلك المجلس حسرة وبالا عليهم.

و في كتاب الخصال‏ (10): عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- قال: هذه شرائع الّدين إلى أن قال- (عليه السلام)-: الصّلاة على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- واجبة في كلّ المواطن، و عند العطاس و الرّياح و غير ذلك.

و فيه‏ (11)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: صلّوا على محمّد و آل محمّد. فإنّ اللَّه- تعالى- يقبل دعاءكم عند ذكر محمّد، و دعائكم له، و حفظكم إيّاه.

و إذا قرأتم: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ‏ (12)- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

____________

(1) الصافات/ 79.

(2) نفس السورة/ 109.

(3) نفس السورة/ 120.

(4) المصدر: لا قال.

(5) نفس السورة/ 130.

(6) الأصل: الأيمان.

(7) نفس المصدر 2/ 124.

(8) المصدر: الصلوات.

(9) الكافي 2/ 497، ح 5.

(10) الخصال/ 607.

(11) نفس المصدر/ 613.

(12) ذكر في م الآية بطولها.

431

فصلّوا عليه في الصّلاة كنتم، أو في غيرها (1).

عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)(2)- قال: أربعة أوتوا سمع الخلائق، النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-، و حور العين، و الجنّة، و النّار. فما من عبد يصلّي علّى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أو (3) يسلّم عليه، إلّا بلغه ذلك و سمعه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم [، عن أبيه،] (5) عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: إذا أذّنت فأفصح بالألف و الهاء، و صلّ على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- كلّما ذكرته أو ذكره ذاكر في أذان أو غيره.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة (6).

و في كتاب ثواب الأعمال‏ (7): عن أبي المغرا (8) قال: سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول: من قال في دبر صلاة الصّبح و صلاة المغرب قبل أن يثني رجليه أو يكلّم أحدا: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً. اللّهمّ صلّ على محمّد و ذرّيته‏ (9)، قضى اللَّه له مائة حاجة سبعين في الدّنيا و ثلاثين في الآخرة.

قال: قلت ما معنى صلاة اللَّه و صلاة ملائكته و صلاة المؤمنين‏ (10)؟

قال: صلاة اللَّه، رحمة من اللَّه. و صلاة الملائكة تزكية منهم له. و صلاة المؤمنين‏ (11)، دعاء منهم له.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في إرشاد المفيد- (رحمه اللّه)(12)- بإسناده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: صلّت الملائكة عليّ و على عليّ سبع سنين، و ذلك أنّه لم يرفع إلى السّماء شهادة أن لا إله إلّا اللَّه و أنّ محمّدا رسول اللَّه إلّا منّي و من عليّ.

____________

(1) نفس المصدر/ 629.

(2) نفس المصدر/ 202، صدر حديث 17.

(3) المصدر: و.

(4) الكافي 3/ 303، ح 7.

(5) من المصدر.

(6) العبارة الأخير زائدة. لأنّ الحديث مذكور هنا كلّه.

(7) ثواب الأعمال/ 187، صدر حديث 1.

(8) المصدر: ابن المغيرة.

(9) م و س و أ: اللهم صلّ على محمد و آل محمد و ذرّيته.

المصدر: اللهم صلّ على محمد النبيّ و ذرّيته.

(10) هكذا في المصدر. و في النسخ: المؤمن.

(11) م و أ و س و ن: المؤمن.

(12) الإرشاد/ 21.

432

و في مجمع البيان‏ (1): و في مسند السّيّد أبي طالب الهرويّ مرفوعا إلى أيّوب: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: صلّت الملائكة عليّ و على عليّ سبع سنين، و ذلك أنّه لم يصلّ فيها أحد غيري و غيره.

و في كتاب التّوحيد (2)، خطبة لعليّ- (عليه السلام)- و فيها: و بالشّهادتين تدخلون‏ (3) الجنّة، و بالصّلاة تنالون‏ (4) الرّحمة، فأكثروا من الصّلاة على نبيّكم و آله‏ إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

و في كتاب معاني الأخبار (5): حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر قال: حدّثنا المعلى بن محمّد البصريّ، عن محمّد بن القّميّ، عن أحمد بن حفض البزّاز الكوفي، عن أبيه، عن ابن أبي حمزة، عن أبيه قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

فقال: الصّلاة من اللَّه- عزّ و جلّ- رحمة. و من الملائكة، تزكية. و من النّاس، دعاء.

و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: سَلِّمُوا تَسْلِيماً، يعني: التّسليم فيما ورد عنه.

قال: فقلت له: فكيف نصلّي على محمّد؟

قال: تقولون: صلوات اللَّه و صلوات ملائكته و أنبيائه و رسله. و جميع خلقه على محمّد و آل محمّد، عليه و عليهم، و رحمة اللَّه و بركاته.

قال: قلت: فما ثواب من صلّى على النّبيّ و آله بهذه الصّلاة؟

قال: الخروج من الذّنوب، و اللَّه، كهيئته يوم ولدته أمّه.

و في الكافي‏ (6): أبو عليّ الأشعريّ، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عليّ بن مهزيار، عن موسى بن القاسم قال: قلت لأبي جعفر الثّاني- (عليه السلام)-: طفت يوما عن رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال ثلاث مرّات: صلّى اللَّه على رسول اللَّه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع‏

____________

(1) لم نعثر عليه في مجمع البيان. و لكن في تفسير نور الثقلين 4/ 287- 288، ح 159 و أيضا 4/ 302، ح 223، عنه.

(2) التوحيد/ 73، ضمن حديث.

(3) المصدر: يدخلون.

(4) المصدر: ينالون.

(5) معاني الأخبار/ 367- 368، ح 1.

(6) الكافي 4/ 314، ضمن حديث 2.

433

الحاجة.

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى قال: كنت عند الرّضا- (عليه السلام)- فعطس.

فقلت [له:] (2) صلّى اللَّه عليك. ثمّ عطس، فقلت: صلّى اللَّه عليك. [ثمّ عطس، فقلت: صلّى اللَّه عليك.] (3) و قلت: جعلت فداك، إذا عطس مثلك نقول‏ (4) له يقول بعضنا لبعض: يرحمك اللَّه.

أو كما نقول‏ (5)؟

قال: نعم، أليس تقول‏ (6): صلّى اللَّه على محمّد و آل محمّد؟

قلت: بلى. قال: أرحم‏ (7) محمّدا و آل محمّد؟

قال: بلى و قد صلّى عليه و رحمه، و إنّما صلواتنا عليه رحمة لنا و قربة.

محمّد بن الحسن‏ (8)، عن سهل بن زياد (9)، عن ابن فضّال، عن عليّ بن النّعمان، عن أبي مريم الأنصاريّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قلت له: كيف كانت الصّلاة على النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

قال: لمّا غسّله أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و كفّنه سجّاه، ثمّ أدخل عليه عشرة فداروا حوله، ثمّ وقف أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في وسطهم و قال: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً. فيقول القوم كما يقول.

حتّى صلّى عليه أهل المدينة و أهل العوالي.

محمّد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب‏ (10)، عن عليّ بن سيف، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: لمّا قبض النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- صلّت عليه الملائكة و المهاجرون و الأنصار فوجا فوجا.

[قال:] (11) و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: سمعت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) نفس المصدر 2/ 653- 654، ح 4.

2 و 3- من المصدر.

4 و 5- هكذا في المصدر. و في النسخ: تقول.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: يقول.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «رحم اللَّه» بدل «قال أرحم». و في هذه الصورة هنا سقطا أو السائل سكت عن الجواب. كما أشار اليه في هامش نور الثقلين 4/ 303.

(8) المصدر و الأصل (خ. ل.): محمّد بن الحسين.

(9) نفس المصدر 1/ 450، ح 35.

(10) نفس المصدر 1/ 451، ح 38.

(11) من المصدر.

434

و سلم- يقول‏ في صحّته و سلامته: إنّما أنزلت هذه الآية عليّ في الصّلاة عليّ بعد قبض اللَّه لي‏ إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

و في الكافي‏ (1): أبو عليّ الأشعريّ، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عليّ بن مهزيار، عن حمّاد بن عيسى، عن محمّد بن مسعود قال: رأيت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- انتهى إلى قبر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فوضع يده عليه و قال: أسأل اللَّه الّذي اجتباك و اختارك و هداك و هدى بك، أن يصلّي عليك.

ثمّ قال: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

و في روضة الكافي‏ (2)، خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و في خطبة الوسيلة. قال فيها- (عليه السلام)-: أكثروا من الصّلاة على نبيّكم‏ إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

و خطبة له- (عليه السلام)(3)- يقول فيها: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً اللّهمّ، صلّ على محمّد و آل محمّد و بارك على محمّد و آل محمّد و تحنّن على محمّد و آل محمّد و سلّم على محمّد و آل محمّد، كأفضل ما صلّيت و باركت و ترحّمت و تحنّنت و سلّمت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.

عليّ بن إبراهيم، عن أبيه‏ (4)، عن عمرو بن عثمان، عن عليّ بن عيسى رفعه قال: إنّ موسى- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ناجاه اللَّه- تبارك و تعالى- فقال له في مناجاته، و قد ذكر محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فصلّ عليه، يا ابن عمران، فإنّي أصلّي عليه و ملائكتي.

و في كتاب الاحتجاج‏ (5)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: فأمّا ما علمه الجاهل و العالم من فضل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- من كتاب اللَّه، فهو قول اللَّه- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً. و لهذه الآية ظاهر و باطن، فالظّاهر قوله:

____________

(1) نفس المصدر 5/ 552، ح 4.

(2) نفس المصدر 8/ 19، ضمن حديث 4.

(3) نفس المصدر 8/ 175، ضمن حديث 194.

(4) نفس المصدر 8/ 44، ضمن حديث 8، و أوله في ص 42.

(5) الاحتجاج 1/ 277.

435

صَلُّوا عَلَيْهِ‏ و الباطن قوله: وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً، أي: سلّموا لمن وصّاه و استخلفه و فضّله عليكم‏ (1) و ما عهد به إليه تسليما. و هذا ممّا أخبرتك أنّه لا يعلم تأويله إلّا من لطف حسّه وصفا ذهنه و صحّ تمييزه‏ (2).

و في محاسن البرقيّ‏ (3): عنه، عن محمّد بن سنان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

قال: فقال: أمنوا عليه و سلّموا له.

و في الصّحيفة السّجّاديّة (4)، في دعائه- (عليه السلام)- في طلب الحوائج: و صلّ على محمّد و آله صلاة دائمة نامية لا انقطاع لأبدها و لا منتهى لأمدها، و اجعل ذلك عونا لي و سببا لنجاح، إنّك واسع كريم.

و في شرح الآيات الباهرة (5): و روي الشّيخ أبو جعفر محمّد بن بابويه- (رحمه اللّه)- بإسناده، عن أبي المغيرة قال: قلت لأبي الحسن- (عليه السلام)-: ما معنى صلوات‏ (6) اللَّه و ملائكته و المؤمنين؟

قال: صلوات اللَّه، رحمة اللَّه. و صلوات‏ (7) ملائكته، تزكية منهم له. و صلوات المؤمنين، دعاء منهم له.

و قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)(8): حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن عليّ بن الجعد، عن شعيب، عن الحكم قال: سمعت ابن أبي‏ (9) ليلى يقول: لقيني كعب بن أبي عجرة فقال:

ألا أهدي إليك هدية؟

قلت: بلى.

قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- خرج إلينا، فقلت: يا رسول اللَّه، قد علمنا كيف السّلام عليك فكيف الصّلاة عليك؟

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «عليكم فضله» بدل «و فضّله عليكم».

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: غيره.

(3) المحاسن/ 328، صدر حديث 85.

(4) الصحيفة الكاملة، ذيل الدعاء 13.

(5) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، 164- 166.

6 و 7- المصدر: صلاة.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) ليس في أ، س و الأصل.

436

قال: قولوا: اللّهم، صلّ على محمّد و آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد. و بارك على محمّد و آل محمّد، كما باركت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.

و روي عن الصّادق- (عليه السلام)(1)- قال: لمّا نزل قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً. قالوا: يا رسول اللَّه، قد عرفنا كيف السّلام عليك فكيف الصّلاة عليك؟

قال: تقولون: اللّهمّ، صلّ على محمّد و آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.

و ممّا ورد في فضل الصّلاة على محمّد و آل محمّد- (عليهم السلام)- ما رواه الشّيخ أبو جعفر بن بابويه- (رحمه اللّه)(2)- بإسناده إلى عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- ذات يوم: ألا أبشّرك؟

فقال: بلى، بأبي أنت و أمّي، فإنّك لم تزل مبشّرا بكلّ خير.

فقال: أخبرني جبرائيل آنفا بالعجب.

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: ما الّذي أخبرك به، يا رسول اللَّه؟

قال: أخبرني أنّ الرّجل من أمّتي إذا صلّى عليّ و أتبع بالصّلاة على أهل بيتي، فتحت له أبواب السّماء، و صلّت عليه الملائكة سبعين صلاة- و أنّه لمذنب خطيّ- ثم تحاتّ عنه الذّنوب، كما تحاتّ الورق عن الشّجر. و يقول اللَّه- تعالى-: لبّيك عبدي و سعديك. يا ملائكتي، أنتم تصلّون عليه سبعين صلاة و أنا صلّي عليه سبعمائة صلاة. و إذا لم يتبع بالصّلاة على أهل بيتي كان بينها و بين السّماء سبعون حجابا، و يقول اللَّه- جلّ جلاله-:

لا لبّيك و لا سعديك. يا ملائكتي، لا تصعّدوا دعاءه إلّا أن يلحق بالنّبيّ عترته. فلا يزال محجوبا حتّى يلحق بي أهل بيتي.

و روى- أيضا (3)- بإسناده، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه: قال: إذا ذكر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فأكثروا من الصّلاة عليه. فإنّه من صلّى عليه‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع. و فيه: «ما يؤيّده للآل: لمّا أنزلت» بدل «قال: لمّا نزل».

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر و الموضع.

437

صلاة واحدة، صلّى اللَّه عليه ألف صلاة في ألف صفّ‏ (1) من الملائكة، و لم يبق شي‏ء ممّا خلق اللَّه إلّا صلّى على ذلك العبد لصلاة اللَّه عليه. فلا يرغب عن هذه إلّا جاهل مغرور (2)، و قد بري‏ء اللَّه منه و رسوله.

و روى- أيضا- عن الصّادق- (عليه السلام)(3)- أنّه قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و سلم-: أنّا عند الميزان يوم القيامة. فمن ثقلت سيّئاته على حسناته، جئت بالصّلوات عليّ حتّى أثقل بها حسناته. و قد تقدّم البحث، بأن المصلّي على محمّد دعاؤه محجوب حتّى يصلّي على آله.

و يؤيّده ما

رواه- أيضا- بإسناده، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)(4)- أنّه قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- كلّ دعاء محجوب عن السّماء حتّى يصلّى على النّبيّ و آله- (صلوات اللّه عليهم).

و ممّا رواه في فضل الصّلاة على محمّد و أهل بيته في تفسير الإمام أبي محمّد الحسن العسكريّ- (عليه السلام)(5)-: أنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أتى إلى جبل بالمدينة في حديث طويل.

قال‏ (6): فقال: يا أيّها الجبل، إنّي أسألك بجاه محمّد و آله الطّيّبين، الّذين بذكر أسمائهم خفّف اللَّه العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن يقدروا على تحريكه و هم خلق كثير لا يعرف عددهم إلّا اللَّه- عزّ و جلّ-.

و قصّة ذلك، قال الإمام- (عليه السلام)- في حديث طويل: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّ اللَّه لمّا خلق العرش، خلق له ثلاثمائة و ستّين ألف ركن. و خلق عند كلّ ركن ثلاثمائة و ستّين ألف ملك، لو أذن اللَّه لأصغرهم لالتقم السّماوات السّبع و الأرضين السّبع و ما كان بين لهواته إلّا كالرّملة في المفازة الفضفاضة.

فقال اللَّه- تعالى- لهم: يا عبادي، احتملوا عرشي هذا. فتعاطوه، فلم يطيقوا حمله و لا تحريكه. فخلق اللَّه مع كلّ واحد منهم واحدا، فلم يقدروا أن يزعزعوه‏ (7). فخلق اللَّه مع كلّ واحد منهم عشرة، فلم يقدروا أن يحرّكوه.

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: ضعف.

(2) المصدر: معزول.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: فسأله.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: يضعضعوه.

438

فقال اللَّه- عزّ و جلّ- لجمعهم: خلّوه عليّ أمسكه بقدرتي. فخلّوه، فأمسكه اللَّه- عزّ و جلّ- بقدرته.

ثمّ قال لثمانية منهم: احملوا أنتم.

فقالوا: يا ربّنا، لم نطقه نحن و لم يطيقوا (1) هذا الخلق الكثير و الجمع الغفير، فكيف نطيق الآن دونهم؟

فقال اللَّه- عزّ و جلّ-: لأنّي أنا اللَّه المقرّب‏ (2) للعبيد [، و المذلّل للعبيد،] (3) و المخفّف للشّديد، و المسهّل للعسير، أفعل ما أشاء، و أحكم ما أريد، أعلّمكم كلمات تقولونها يخفّف بها عليكم.

قالوا: و ما هي، ربّنا؟

قال: تقولون: بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم، و لا حول و لا قوّة إلّا باللَّه العليّ العظيم، و صلّى اللَّه على محمّد و آله الطّيّبين.

فقالوها، فحملوه و خفّ على كواهلهم، كشعرة نابتة على كاهل رجل قويّ.

ثمّ قال اللَّه- عزّ و جلّ- لسائر تلك الأملاك: خلّوا عن هؤلاء الثّمانية عرشي‏ (4) ليحملوه، و طوفوا أنتم حوله و سبّحوني و مجّدوني و قدّسوني. فإنّي أنا اللَّه القادر على ما رأيتم و على كلّ شي‏ء قدير.

فقد بان لك، أنّ بالصّلاة على محمّد و آله حمل الملائكة العرش، و لولاها لم يطيقوا حمله و لا خفّ عليهم ثقله.

و ممّا ورد في الصّلاة على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في يوم الجمعة (5)، فمن ذلك ما

رواه الشّيخ الصّدوق- (رحمه اللّه)- بإسناده، عن الباقر- (عليه السلام)‏- أنّه سئل: ما أفضل الأعمال يوم الجمعة؟

قال: لا أعلم عملا أفضل من الصّلاة على محمّد و آل محمّد.

و ذكر الشّيخ المفيد- (رحمه اللّه)- في المقنّعة، عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: إذا كان يوم الخميس و ليلة الجمعة، نزلت ملائكة من السّماء و معها أقلام الذّهب و صحف الفضّة،

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) هكذا في المصدر و ن. و في س: «للقريب».

و في سائر النسخ: «للمقرب».

(3) ليس في المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في ن: «عن شي‏ء». و في سائر النسخ: «شي‏ء».

(5) نفس المصدر و الموضع.

439

لا يكتبون إلّا الصّلاة على محمّد و آله إلى أن تغرب‏ (1) الشّمس يوم الجمعة.

و ذكر- أيضا- عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه قال: الصّدقة ليلة الجمعة و يوم الجمعة بألف. و الصّلاة على محمّد و آله ليلة الجمعة و يوم الجمعة بألف من الحسنات، و يحطّ اللَّه فيها ألفا من السّيّئات، و يرفع بها ألفا من الدّرجات. و أنّ المصلّي على محمّد و آله ليلة الجمعة و يوم الجمعة يزهر (2) نوره في السّماوات إلى يوم السّاعة. و أنّ ملائكة اللَّه في السّماوات يستغفرون له و الملك الموكّل بقبر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يستغفر له إلى أن تقوم السّاعة.

إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏: يرتكبون ما يكرهانه من الكفر و المعاصي. أو يؤذون رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بكسر رباعيّته، و قولهم: شاعر مجنون، و نحو ذلك.

و ذكر اللَّه، للتّعظيم له. و من جوز إطلاق اللّفظ الواحد على معنيين، فسّره بالمعنيين باعتبار المعمولين.

لَعَنَهُمُ اللَّهُ‏: أبعدهم عن رحمته.

فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (57): يهينهم مع الإيلام.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً

قال: نزلت فيمن غصب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حقّه، و أخذ حقّ فاطمة- (عليها السلام)- و آذاها. و قد قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من أذاها في حياتي، كمن آذاها بعد موتي. و من آذاها بعد موتي، كمن آذاها في حياتي. و من آذاها، فقد آذاني. و من آذاني، فقد آذى اللَّه. و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ (الآية.)

و في مجمع البيان‏ (4): حدّثنا السّيّد أبو الحمّد قال: حدّثنا الحاكم أبو القاسم الحسكانيّ قال: حدّثنا الحاكم أبو عبد اللَّه الحافظ قال: حدّثنا أحمد بن أبي دارم الحافظ قال:

حدّثنا عليّ بن أحمد العجليّ قال: حدّثنا عبّاد بن يعقوب قال: حدّثنا أرطاة بن حبيب قال:

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: يغرب.

(2) م و أ و س و ن: يظهر.

(3) تفسير القمي 2/ 196.

(4) مجمع البيان 4/ 370.

440

حدّثني أبو خالد الواسطيّ، و هو آخذ بشعرة، قال: حدّثني زيد بن عليّ بن الحسين، و هو آخذ بشعره، قال: حدّثني عليّ بن الحسين، و هو آخذ بشعره، قال: حدّثني الحسين بن عليّ [بن أبي طالب،] (1) و هو آخذ بشعره، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، و هو آخذ بشعره، قال: حدّثني رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و هو آخذ بشعره، فقال‏ [يا عليّ،] (2) من آذى شعرة منك، فقد آذاني. و من آذاني، فقد آذى اللَّه. و من آذى اللَّه، فعليه لعنة اللَّه.

و في تهذيب الأحكام‏ (3): الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد اللَّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: أخّر رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ليلة من اللّيالي العشاء الآخرة ما شاء اللَّه، فجاء عمر فدق الباب فقال: يا رسول اللَّه، نام النّساء نام الصّبيان.

فخرج رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فقال: ليس لكم أن تؤذوني و لا تأمروني، إنّما عليكم أن تسمعوا و تطيعوا.

وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا: بغير جناية استحقّوا بها.

فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (58): ظاهرا.

قيل‏ (4) [: إنّها] نزلت في المنافقين [كانوا] يؤذون عليّا- (عليه السلام)-. و قيل: في أهل الإفك. و قيل: في زناة كانوا يبتغون النّساء و هنّ كارهات.

و في أصول الكافي‏ (5): الحسين بن محمّد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان‏ (6) بن مسلم، عن عبد اللَّه بن سنان قال: كان رجل عند أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- فقرأ هذه الآية:

وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً.

قال: فقال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: فما ثواب من أدخل عليه السرور؟

فقلت: جعلت فداك، عشر حسنات؟

فقال: إي، و اللَّه، و ألف ألف حسنة.

____________

(1) من المصدر.

(2) ليس في المصدر.

(3) تهذيب الأحكام 2/ 28، ذيل حديث 81.

(4) أنوار التنزيل 2/ 252.

(5) الكافي 2/ 192، ح 13.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «سعد». ر.

تنقيح المقال 2/ 230، رقم 4800.

441

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن سنان‏ (1)، عن منذر بن يزيد، عن المفضّل بن عمر، قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الصّدود لأوليائي؟ فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم. فيقال: هؤلاء الّذين آذوا المؤمنين و نصبوا لهم و عاندوهم و عنّفوهم في دينهم. ثمّ يؤمر بهم إلى جهنّم.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: النّاس رجلان، مؤمن و جاهل. فلا تؤذ (3) المؤمن، و لا تجهل على‏ (4) الجاهل فتكون مثله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ‏، يعني: عليّا و فاطمة- (عليهما السلام)- بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً و هي جارية في النّاس كلّهم.

و في شرح الآيات الباهرة (6): في تفسير الإمام أبي محمد الحسن العسكريّ- (عليه السلام)- قال: إنّ رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بعث جيشا و أمّر عليهم عليّا- (عليه السلام)-. و ما بعث جيشا قطّ و فيهم عليّ- (عليه السلام)- إلّا جعله أميرهم.

فلمّا غنموا رغب عليّ- (عليه السلام)- أن يشري من جملة الغنائم جارية، و جعل ثمنها في جملة الغنائم. فكايده فيها خاطب بن أبي بلتعة و بريدة الأسلمي و زايده. فلمّا نظر إليهما يكايدانه و يزايدانه، انتظر إلى أن بلغ قيمتها قيمة عدل في يومها، فأخذها بذلك.

فلمّا رجعوا إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- تواطئا على أن يقولا ذلك لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فوقف بريدة قدّام رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و قال: يا رسول اللَّه، ألم تر إلى ابن أبي طالب أخذ جارية من المغنم دون المسلمين؟

فأعرض عنه. فجاء عن يمينه، فقالها، فأعرض عنه. فجاءه عن يساره، فقالها، فأعرض عنه.

قال: فغضب رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- غضبا لم ير قبله و لا بعده غضبا مثله، و تغيّر لونه، و تزبّد، و انتفخت أوداجه، و ارتعدت أعضاؤه، و قال: مالك، يا بريدة، آذيت رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- منذ اليوم؟ أما سمعت قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً.

____________

(1) نفس المصدر 2/ 351، ح 2.

(2) الخصال/ 49، ح 57.

(3) هكذا في ن. و في سائر النسخ و المصدر:

تؤذي.

(4) ليس في المصدر.

(5) تفسير القمي 2/ 196.

(6) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط ص 166- 167.

442

وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً؟

فقال بريدة: ما علمت أنّي قصدتك بأذى.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: أو تظنّ، يا بريدة، أنّه لا يؤذيني إلّا من قصد ذات نفسي؟ أما علمت أنّ عليّا منّي و أنا منه، و أنّ من آذى عليّا فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى اللَّه، و من آذى اللَّه فحقّ على اللَّه أن يؤذيه بأليم عذابه في نار جهنّم؟ يا بريدة، أنت أعلم أم اللَّه- عزّ و جلّ-؟ و أنت أعلم أم قرّاء اللّوح المحفوظ؟ و أنت أعلم أما ملك الأرحام؟

فقال بريدة: بل اللَّه أعلم، و قرّاء اللّوح المحفوظ أعلم، و ملك الأرحام أعلم.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: و أنت أعلم، يا بريدة، أم حفظة عليّ بن أبي طالب؟

قال: بل حفظة عليّ بن أبي طالب.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: فكيف تخطّئه و تلومه و توبّخه و تشنّع عليه في فعله؟ و هذا جبرائيل أخبرني عن حفظة عليّ، أنّهم لم يكتبوا عليه قطّ خطيئة منذ ولد. و هذا ملك الأرحام حدّثني، أنّه كتب قبل أن يواد حين استحكم في بطن أمّة أنّه لا يكون منه خطيئة أبدا. و هؤلاء قرّاء اللّوح المحفوظ أخبروني ليلة أسري بي، أنّهم وجدوا في اللّوح المحفوظ مكتوبا عليّ المعصوم من كلّ خطاء و زلل. فكيف تخطّئه أنت، يا بريدة؟ و قد صوّبه ربّ العالمين و الملائكة المقرّبين؟ يا بريدة، لا تعرّض لعليّ بخلاف الحسن الجميل، فإنّه أمير المؤمنين، و سيد الصّالحين، و فارس المسلمين، و قائد الغرّ المحجّلين، و قسيم الجنّة و النّار، يقول: هذا لي، و هذا لك.

ثمّ قال: يا بريدة، أ ترى ليس لعليّ من الحقّ عليكم؟ معاشر المسلمين، أن تكايدوه و لا تعاندوه و لا تزايدوه، هيهات هيهات هيهات هيهات‏ (1)، إنّ قدر عليّ عند اللَّه أعظم من قدره عندكم. أو لا أخبركم؟

قالوا: بلى، يا رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

فقال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: إنّ اللَّه- سبحانه و تعالى- يبعث يوم القيامة أقواما تمتلئ من جهة السّيّئات موازينهم.

____________

(1) وردت في المصدر و أ، مرتين.

443

فيقال لهم: هذه السّيّئات، فأين الحسنات؟ و إلّا فقد عطبتم.

فيقولون: يا ربّنا، ما نعرف لنا من حسنات.

فإذا النّداء من قبل اللَّه- عزّ و جلّ-: إن لم تعرفوا لأنفسكم من حسنات، فإنّي أعرّفها لكم و أوفّيها (1) عليكم.

ثمّ تأتي الرّيح برقعة صغيرة تطرحها في كفّة حسناتهم فترجح بسيّئاتهم بأكثر ما بين السّماء و الأرض فيقال لأحدهم: خذ بيد أبيك و أمّك و إخوانك و أخواتك و خاصّتك و قراباتك و أخدانك و معارفك، فأدخلهم الجنّة.

فيقول أهل المحشر: يا ربّنا، أمّا الذّنوب فقد عرفناها، فما كانت حسناتهم؟

فيقول اللَّه- عزّ و جلّ- يا عبادي، إنّ أحدهم مشى ببقية دين عليه لأخيه إلى أخيه، فقال له: خذها فإنّي أحبّك بحبّك لعليّ بن أبي طالب. فقال له الآخر: إنّي قد تركتها لك بحبّك لعليّ بن أبي طالب، و لك من مالي ما شئت. فشكر اللَّه- تعالى- لهما، فحطّ به خطاياهما، و جعل ذلك في حشو صحائفهما و موازينهما، و أوجب لهما و لوالديهما الجنّة.

قال: يا بريدة، إنّ من يدخل النّار ببعض عليّ أكثر من الحذف الّذي يرمى عند الجمرات، فإيّاك أن تكون منهم.

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَ بَناتِكَ وَ نِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ‏: يغطّين وجوههنّ و أبدانهنّ بملاحفهنّ إذا برزن لحاجة.

و «من» للتّبعيض. فإنّ المرأة ترخي بعض جلبابها و تتلفّع ببعض.

ذلِكَ أَدْنى‏ أَنْ يُعْرَفْنَ‏: يميّزن من الإماء و القينات.

فَلا يُؤْذَيْنَ‏: فلا يؤذيهنّ أهل الرّيبة بالتّعرض‏ (2) لهنّ.

و في مجمع البيان‏ (3): إنّ أهل الريبة كانوا يمازحون الإماء، و ربّما كان يتجاوز المنافقون إلى ممازحة الحرائر. فإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: حسبناهنّ إماء. فقطع اللَّه عذرهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): إنّه كان سبب نزولها، أنّ النّساء كنّ يجئن إلى المسجد و يصلّين خلف رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فإذا كان باللّيل و خرجن إلى صلاة

____________

(1) المصدر: أوفّرها.

(2) هكذا في ن. و في سائر النسخ: بالتعريض.

(3) مجمع البيان 4/ 370.

(4) تفسير القمي 2/ 196.

444

المغرب و العشاء الآخرة و الغداة، يقصد الشّبّان‏ (1) لهنّ في طريقهنّ فيؤذونهن‏ (2) و يتعرّضون‏ (3) لهنّ.

فأنزل اللَّه‏ يا أَيُّهَا النَّبِيُ‏ (الآية).

وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً: لما سلف.

رَحِيماً (59): بعباده. حيث يراعي مصالحهم حتّى الجزئيّات منها.

لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ‏: عن نفاقهم.

وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏: ضعف إيمان و قلّة ثبات عليه، أو فجور عن تزلزلهم في الدّين، أو فجورهم.

وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ: يرجفون أخبار السّوء عن سرايا المسلمين و نحوها. من إرجافهم. و أصله، التّحريك. من الرّجفة: و هي الزّلزلة. سمّي به الإخبار الكاذب، لكونه متزلزلا غير ثابت.

لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ‏: لنأمرنّك بقتالهم و إجلائهم، أو ما يضطرّهم إلى طلب الجلاء.

ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ‏: عطف على «لنغرينّك». و «ثمّ» للدّلالة على أنت الجلاء و مفارقة جوار الرّسول أعظم ما يصيبهم.

فِيها: المدينة.

إِلَّا قَلِيلًا (60): زمانا، أو جوارا قليلا.

مَلْعُونِينَ‏: نصب على الشّتم، أو الحال. و الاستثناء شامل له- أيضا-، أي:

لا يجاورونك إلّا ملعونين.

و لا يجوز أن ينتصب عن قوله: أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61): لأنّ ما بعد كلمة الشّرط لا يعمل فيما قبلها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏، أي: شكّ. وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ [فِيها إِلَّا قَلِيلًا. فإنّها] (5) نزلت في قوم منافقين كانوا في المدينة يرجفون برسول اللَّه- صلّى اللَّه عليه‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «الشباب لهم» بدل «اشبان لهنّ».

(2) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

فيوذيهنّ.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: يتعرّض.

(4) تفسير القمي 2/ 196- 197.

(5) ليس في المصدر.

445

و آله و سلم- إذا خرج إلى بعض غزواته. يقولون: قتل و أسر. فيغتمّ المسلمون لذلك، و يشكون إلى رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-. فأنزل اللَّه- عزّ و جلّ- في ذلك‏ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ [وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏، أي: شكّ‏ وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ‏] (1) ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا.، أي: نأمرك بإخراجهم من المدينة إلّا قليلا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا.

و في رواية أبي الجارود (2): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: مَلْعُونِينَ‏ فوجبت عليهم اللّعنة بقول اللَّه بعد اللّعنة [أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا.] (3).

سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ‏: مصدر مؤكّد، أي: سنّ اللَّه ذلك في الأمم الماضية، و هو أن يقتل الّذين نافقوا الأنبياء و سعوا في وهنهم بالإرجاف و نحوه أينما ثقفوا.

وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62): لأنّه لا يبدّلها، و لا يقدر أحد أن يبدّلها.

يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ: عن وقت قيامها، استهزاء و تعنّتا، أي امتحانا.

قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ‏: لم يطلع عليه أحدا، لا ملكا و لا نبّيا.

وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (63): شيئا قريبا، أو تكون السّاعة عن قريب. و انتصابه على الظّرف. و يجوز أن يكون التّذكير، لأنّ السّاعة في معنى اليوم. و فيه تهديد للمستعجلين و إسكات للمتعنّتين.

إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (64): نارا شديدة الإيقاد.

خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا: يحفظهم.

وَ لا نَصِيراً (65): يدفع العذاب عنهم.

و في أصول الكافي‏ (4): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: و لا يلعن اللَّه مؤمنا. قال اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً. خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً.

____________

(1) ليس في المصدر. و فيه: «إلى قوله» بدلا منه.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) من المصدر.

(4) الكافي 2/ 31، ضمن حديث 1. و أوّله في ص 28.

446

يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ: تصرّف من جهة إلى جهة، كالّلحم يشوى بالنّار.

أو (1) من حال إلى حال.

و قرئ: «تقلّب»، بمعنى: تتقلّب. [و تقلّب.

و] (2) متعلّق الظّرف‏ (3) يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا (66): فلن نبتلي بهذا العذاب.

وَ قالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا، يعنون: قادتهم الّذين لقّنوهم الكفر.

و قرأ ابن عامر و يعقوب: «ساداتنا» على جمع الجمع، للدّلالة على الكثرة (4).

فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67): بما زيّنوه لنا.

رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ‏: مثلي ما آتيتنا منه. لأنّهم ضلّوا و أضلّوا.

وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68): كثير العدد.

و قرأ عاصم، بالياء، أي: لعنا هو أشدّ اللّعن و أعظمه‏ (5).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و قال عليّ بن إبراهيم في قوله- عزّ و جلّ-: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ: فإنّها كناية عن الّذين غصبوا آل محمّد حقّهم. يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا.، يعني: في أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه). وَ قالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. و هما رجلان. و السّادة و الكبراء، هما أوّل من بدأ بظلمهم و غصبهم. و قوله- عزّ و جلّ-: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، أي: طريق الجنّة. و السّبيل:

أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في مصباح شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(7)- خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- خطب بها يوم الغدير، و فيها يقول- (عليه السلام)-: و تقرّبوا إلى اللَّه بتوحيده و طاعة من أمركم أن تطيعوه. و لا تمسكوا بعصم الكوافر، و لا يخلج بكم الغيّ‏ (8)، فتضلّوا عن سبيل الرّشاد باتّباع أولئك الّذين ضلّوا و أضلّوا. قال اللَّه- عزّ من قائل- في طائفة ذكرهم بالذّمّ في كتابة: إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً.

____________

(1) هكذا في ن. و في سائر النسخ: أي.

(2) من م و المصدر.

(3) أنوار التنزيل 2/ 253.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير القمي 2/ 197.

(7) مصباح المتهجّد/ 701.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: البغى‏ء.

447

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى‏ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا:

فأظهر براءته من مقولهم، يعني: مؤدّاه و مضمونه.

قيل‏ (1): و ذلك أنّ قارون حرّض امرأة على قذفه بنفسها، فعصمه كما مرّ في القصص.

أو اتّهمه ناس بقتل هارون لمّا خرج معه إلى الطّور فمات هناك، فحملته الملائكة و مرّوا بهم حتّى رأوه غير مقتول. و قيل: أحياه اللَّه فأخبرهم ببراءته‏ (2).

أو قذفوه بعيب في بدنه من بصر أو أدرة (3) لفرط تستّره حياء، فأطلعهم اللَّه على أنّه بري‏ء منه.

أو (4): نسبوه إلى السّحر و الجنون و الكذب من بعد ما رأوا الآيات، فبّرأه اللَّه منه.

وَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (69): ذا قربة و وجاهة. أو خطر عند اللَّه لا يسأل شيئا إلّا أعطاه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: أنّ بني إسرائيل كانوا يقولون: ليس لموسى ما للرّجال.

و كان موسى إذا أراد الاغتسال، ذهب إلى موضع لا يراه فيه أحد من النّاس. فكان يوما يغتسل على شطّ نهر، و قد وضع ثيابه على صخرة، فأمر اللَّه- عزّ و جلّ- الصّخرة فتباعدت عنه حتّى نظر بنو إسرائيل إليه فعلموا أنّه ليس كما قالوا. فأنزل اللَّه‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى‏ (الآية).

أخبرنا الحسين بن محمّد (6)، عن معلى بن محمّد، عن أحمد بن النّضر، عن محمّد بن مروان رفعه إليهم- (عليهم السلام)- قال: يا أيّها الّذين آمنوا لا تؤذوا رسول اللَّه في عليّ و الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)، كما آذوا موسى فبّرأه اللَّه ممّا قالوا.

و في مجمع البيان‏ (7): و اختلف فيما أوذي به موسى على أقوال:

أحدها،

أنّ موسى و هارون صعدا الجبل فمات هارون. فقالت بنو إسرائيل: أنت‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 253.

(2) المصدر: ببراءة موسى.

(3) الأدرة: انتفاخ الخصية، لتسرّب سائل فيها.

و: الخصية المنتفخة. ج: أدر.

(4) مجمع البيان 4/ 372.

(5) تفسير القمي 2/ 197.

(6) نفس المصدر و الموضع. و في أ و م و ن: و في أصول الكافي أخبرنا الحسين بن محمّد ...

(7) مجمع البيان 4/ 372. و فيه: و اختلفوا ...

448

قتلته. فأمر اللَّه الملائكة، فحملته حتّى مرّوا به على بني إسرائيل، تكلّمت الملائكة بموته حتّى عرفوا أنّه قد مات و برّأه اللَّه من ذلك. عن عليّ- (عليه السلام)-.

و ثانيها،

أنّ موسى- (عليه السلام)- كان حييّا ستيرا (1) يغتسل وحده. فقالوا: ما تستر (2) منّا إلّا لعيب بجلده، إمّا برص، و إمّا أدرة. فذهب مرّة يغتسل فوضع ثوبه على حجر، فمرّ الحجر بثوبه، فطلبه موسى فرآه بنو إسرائيل عريانا كأحسن الرّجال خلقا، فبّرأه اللَّه ممّا قالوا. رواه أبو هريرة مرفوعا.

و في أمالي الصّدوق‏ (3)، بإسناده إلى الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)- لعلقمة: يا علقمة، إنّ رضا النّاس لا يملك، و ألسنتهم لا تضبط. ألم ينسبوا موسى- (عليه السلام)- إلى أنّه عنّين و آذوه، حتّى برّأه اللَّه ممّا قالوا وَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ‏: في ارتكاب ما يكرهه، فضلا عمّا يؤذي رسوله.

وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (70): قاصدا إلى الحقّ. من سدّ، يسدّ، سدادا، و المراد، النّهي عن ضدّه.

يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ‏: يوفّقكم للأعمال الصّالحة. أو يصلحها بالقبول و الإثابة عليها.

وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏: و يجعلها مكفّرة باستقامتكم في القول و العمل.

و في روضة الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس قال:

قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)- لعبّاد بن كثير البصريّ الصّوفيّ: ويحك يا عبّاد، غرّك أن عفّ بطنك و فرجك. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول في كتابه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ‏. اعلم أنّه لا يقبل‏ (5) اللَّه- عزّ و جلّ- منك شيئا، حتّى تقول قولا عدلا.

وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏: في الأوامر و النّواهي.

فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (71): يعيش في الدّنيا حميدا و في الآخرة سعيدا.

____________

(1) الحييّ، ذو الحياء. و الستير: العفيف.

(2) المصدر: يستتر.

(3) أمالي الصدوق/ 91 و 92، ضمن حديث 3.

(4) الكافي 8/ 107، ح 81.

(5) المصدر: لا يتقبّل.

449

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ في ولاية عليّ و الأئمّة (2) من بعده‏ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً. هكذا نزلت.

و في شرح الآيات الباهرة (3): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد السّيّاريّ، عن محمّد بن عليّ بن أسباط، عن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه قال: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ في ولاية عليّ و الأئمّة من بعده‏ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً.

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ‏ [قيل‏ (4): تقرير للوعد السّابق بتعظيم الطّاعة. و سمّاها أمانة من حيث أنّها واجبة الأداء.

و المعنى: أنّها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام‏ (5) العظام و كانت ذات شعور و إدراك، لأبين أن يحملنها و أشفقن منها. و حملها الإنسان‏] (6) مع ضعف بنيته و رخاوة قوّته، لا جرم فاز الرّاعي لها و القائم بحقوقها بخير الدّارين.

إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً: حيث لم يف بها و لم يراع حقّها.

جَهُولًا (72): يكنه عاقبتها. و هذا وصف للجنس، باعتبار الأغلب.

و قيل‏ (7): المراد بالأمانة، الطّاعة الّتي تعمّ الطّبيعية و الاختياريّة. و بعرضها، استدعاؤها الّذي يعمّ طلب الفعل من المختار و إرادة صدوره من غيره. و بجملها، الخيانة [فيها و الامتناع عن أدائها. و منه قولهم: حامل الأمانة و محتملها، لمن لا يؤدّيها] (8) فتبرأ ذمّته. فيكون الإباء عنه إتيانا بما يمكن أن يتأتّى منه. و الظّلم و الجهالة، الخيانة و التّقصير.

و قيل‏ (9): إنّه- تعالى- لمّا خلق [هذه الأجرام، خلق‏] (10) فيها فهما. و قال لها: إنّي‏

____________

(1) نفس المصدر 1/ 414، ح 8.

(2) المصدر: و [ولاية] الأئمة.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 167.

(4) أنوار التنزيل 2/ 254.

(5) هكذا في المصدر و ن. و في سائر النسخ:

الأجسام.

(6) ليس في س.

(7) نفس المصدر 2/ 253- 254.

(8) من المصدر و ن.

(9) نفس المصدر 2/ 253- 254.

(10) من المصدر.

450

فرضت فريضة، و خلقت جنّة لمن أطاعني فيها و نارا لمن عصاني.

فقلن: نحن مسخّرات على ما خلقتنا، لا نحتمل فريضة و لا نبتغي ثوابا و لا عقابا.

و لمّا خلق آدم، عرض عليه مثل ذلك فحمله. فكان ظلوما لنفسه بتحمّل [ما يشقّ عليها، جهولا بوخامة عاقبته‏ (1).

و لعلّ المراد بالأمانة، العقل أو التّكليف و بعرضها عليهنّ، اعتبار بالإضافة إلى استعدادهنّ.] (2) و بإبائهنّ، الإباء الطّبيعيّ الّذي هو عدم اللّياقة و الاستعداد. و بحمل الإنسان، قابليّته و استعداده لها. و كونه ظلوما جهولا، لما غلب عليه من القوّة الغضبيّة و الشّهويّة.

و على هذا يحسن أن يكون علّة للحمل عليه فإنّ من فوائد العقل، أن يكون مهيمنا على القوّتين، حافظا لهما عن التّعدّي و مجاوزة الحدّ. و معظم مقصود التّكليف تعديلهما و كسر سورتهما.

و في عيون الأخبار (3)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المتفرّقة، بإسناده إلى الحسين بن خالد قال: سألت عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها [وَ أَشْفَقْنَ مِنْها (الآية)] (4) فقال: الأمانة، الولاية. من ادّعاها بغير حقّ [، فقد] (5) كفر.

و في كتاب معاني الأخبار (6)، بإسناده إلى محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر قال:

قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- خلق الأزواج قبل الأجساد بألفي عام. فجعل أعلاها و أشرفها أرواح محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة (7)- (عليهم السلام)-. فعرضها على السّماوات و الأرض و الجبال، فغشيها نورهم.

فقال اللَّه- تبارك و تعالى- السّماوات و الأرض و الجبال: هؤلاء أحبّائي و أوليائي‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «بتحمّل ما شق جهولا و خامة عاقبته» بدل «بتّحمله ما يشقّ عليها جهولا بوخامة عاقبته».

(2) ليس في أ.

(3) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 1/ 306، ح 66.

(4) ليس في المصدر.

(5) من المصدر.

(6) معاني الأخبار/ 108- 110، ح 1.

(7) المصدر: و الأئمة [بعدهم‏].

451

و حججي على خلقي و أئمّة بريّتي، ما خلقت خلقا هو أحبّ إليّ منهم. لهم و لمن تولّاهم خلقت جنّتي، و لمن خالفهم و عاداهم خلقت ناري. فمن ادّعى منزلتهم منّي و محلّهم من عظمتي، عذّبته عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين، و جعلته مع المشركين في أسفل درك من ناري. و من أقرّ بولايتهم و لم يدّع منزلتهم منّي و معانهم من عظمتي، جعلته‏ (1) معهم في روضات جنّاتي، و كان لهم فيها ما يشاءون عندي، و أبحتهم كرامتي، و أحللتهم جواري، و شفّعتهم في المذنبين من عبادي و إمائي. فولايتهم أمانة عند خلقي. فأيّكم يحملها بأثقالها و يدّعيها لنفسه‏ (2)؟

فأبت السّماوات و الأرض و الجبال أن يحملنها و أشفقن منها، من ادّعاء منزلتها و تمنّي محلّها من عظمة ربّهم‏ (3).

فلمّا أسكن اللَّه- عزّ و جلّ- آدم و زوجته الجنّة قال لهما (4): كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ، يعني: شجرة الحنطة فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏.

فنظر (5) إلى منزلة محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة بعدهم- (صلوات اللّه عليهم)- فوجداها أشرف منازل أهل الجنّة.

فقالا: ربّنا، لمن هذه المنزلة؟

فقال اللَّه- جل جلاله-: ارفعا رؤوسكما إلى ساق العرش‏ (6).

فرفعا رؤوسهما، فوجدا أسماء (7) محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة [بعدهم-] (8) (عليهم السلام)- مكتوبة على ساق العرش بنور اللَّه الجبّار- جلّ جلاله.

فقالا: يا ربّنا، ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك، و ما أحبّهم إليك، و ما أشرفهم لديك! فقال اللَّه- جلّ جلاله- لولاهم ما خلقتكما. هؤلاء خزنة علمي و أمنائي على سريّ. إيّاكما أن تنظر إليهم بعين الحسد و تتمنّيا (9) منزلتهم عندي و محلّهم من كرامتي، فتدخلا

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: جعلتهم.

(2) هنا زيادة في المصدر. و هي: دون خيرتي.

(3) المصدر: ربّها.

(4) البقرة/ 35.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: فنظر.

(6) المصدر: عرشي.

(7) المصدر: اسم.

(8) من المصدر.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: تمينا.

452

بذلك في نهي و عصياني فتكونا من الظّالمين.

قالا: ربّنا، و من الظّالمون؟

قال: المدّعون لمنزلتهم بغير حقّ.

قالا: ربّنا، فأرنا منازل ظالميهم‏ (1) في نارك حتّى نراها، كما رأينا منزلتهم في جنّتك.

فأمر اللَّه- تبارك و تعالى- النّار، فأبرزت جميع ما فيها من ألوان النكال و العذاب.

و قال- عزّ و جلّ-: مكان الظّالمين لهم المدّعين منزلتهم في أسفل درك منها، كلّما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، و كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم‏ (2) سواها ليذوقوا العذاب. يا آدم و يا حوّاء، لا تنظر إلى أنواري و حججي بعين الحسد فأهبطكما عن جواري و أحلّ بكما هواني‏ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما، وَ قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ (3) و حملهما على تمنيّ منزلتهم، فنظرا إليهم بعين الحسد فخذلا حتّى أكلا من شجرة الحنطة، فعاد مكان ما أكلا شعيرا. فأصل الحنطة كلّها ممّا لم يأكلاه، و أصل الشّعير كلّه ممّا عاد مكان ما أكلاه.

فلمّا أكلا من الشّجرة، طار الحليّ و الحلل عن أجسادهما و بقيا عريانين‏ وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (4) قالَ اهْبِطا (5) من جواري فلا يجاورني في جنّتي من يعصيني. فهبطا موكولين إلى أنفسهما في طلب المعاش.

فلمّا أراد اللَّه- عزّ و جلّ- أنّ يتوب عليهما، جاءهما جبرائيل- (عليه السلام)- فقال لهما: إنكما إن ظلمتما أنفسكما بتمنّي منزلة من فضّل عليكما، فجزاؤكما ما قد عوقبتما من الهبوط من جوار اللَّه إلى أرضه. فسألا ربّكما بحقّ الأسماء الّتي رأيتموها على سابق العرش حتّى يتوب عليكما.

فقالا: اللّهمّ، إنّا نسألك بحقّ الأكرمين عليك، محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: منزلة ظالمهم.

(2) المصدر: بدّلوا (بدّلناهم خ. ل.)

(3) الأعراف/ 20- 22.

(4) الأعراف/ 22- 23.

(5) طه/ 123.

453

و الحسين و الأئمّة، إلّا تبت علينا و رحمتنا. فتاب اللَّه عليهما، إنّه هو التّوّاب الرّحيم. فلم يزل أنبياء اللَّه بعد ذلك يحفظون هذه الأمانة و يخبرون بها أوصيائهم و المخلصين من أمّتهم، فيأبون حملها و يشفقون من ادّعائها، و حملها الإنسان الّذي قد عرف. فأصل كلّ ظلم منه، إلى يوم القيامة. و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.

حدّثنا [محمّد بن‏] (1) موسى بن المتوكّل- رضي اللَّه عنه‏ (2)- قال: حدّثنا عبد اللَّه بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن مروان بن مسلم، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.

قال: الأمانة، الولاية. و الإنسان، أبو البشر. روي: المنافق‏ (3).

و في أصول الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين، عن إسحاق بن عمّار، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.

قال: هي ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي حمزة، عن عقيل الخزاعيّ‏، أنّ أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- كان إذا حضر الحرب، يوصي المسلمين- (6) بكلمات.

يقول: تعاهدوا الصّلاة، و حافظوا عليها، و استكثروا منها و تقرّبوا بها. ثمّ أنّ الزّكاة جعلت مع الصّلاة قربانا لأهل الإسلام على أهل الإسلام، و من لم يعطها طيّب النّفس بها يرجو بها من الثّمن ما هو أفضل منها، فإنّه جاهل بالسّنّة مغبون الأجر ضالّ العمر طويل النّدم‏

____________

(1) من المصدر.

(2) نفس المصدر/ 110، ح 2.

(3) المصدر: «الإنسان أبو الشرور المنافق» بدل «الإنسان أبو البشر و روى المنافق».

(4) الكافي 1/ 413، ح 2.

(5) نفس المصدر 5/ 36 و 37، مقطعين من حديث 1.

(6) المصدر: للمسلمين.

454

بترك أمر اللَّه- تعالى- و الرّغبة عمّا عليه. صالحوا عباد اللَّه، يقول اللَّه- عزّ و جلّ- (1): وَ مَنْ‏ ... يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى‏ من الأمانة. فقد خسر من ليس من أهلها، و ضلّ عمله، و عرضت على السّماوات المبنيّة و الأرض المهاد و الجبال المنصوبة، فلا أطول و لا أعرض و لا أعلى و لا أعظم، لو امتنعت‏ (2) من طول أو عرض أو قوّة أو عزّة (3) امتنعن و لكن أشفقن من العقوبة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في نهج البلاغة (4): ثمّ أداء الأمانة، فقد خاب من ليس أهلها. إنّها عرضت على السّماوات المبنيّة و الأرض‏ (5) المدحوّة و الجبال ذات الطّول المنصوبة، فلا أطول و لا أعرض و لا أعلى و لا أعظم منها، و لو امتنع شي‏ء بطول أو عرض أو قوّة أو عزّلا امتنعن، و لكن أشفقن من العقوبة و عقلن ما جهل من‏ (6) أضعف منهنّ و هو الإنسان‏ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.

و في كتاب الاحتجاج‏ (7)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)- لبعض الزّنادقة- و قد قال: و أجده يقول: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.

فما هذه الأمانة، و من هذا الإنسان؟ و ليس من صفة (8) القدير الحكيم‏ (9) التّلبيس على عباده.

و أمّا الأمانة الّتي ذكرتها، فهي الأمانة الّتي لا تجب و لا تجوز أن تكون إلّا في الأنبياء و أوصيائهم. لأنّ اللَّه- تبارك و تعالى- ائتمنهم على خلقه و جعلهم حججا في أرضه.

فبالسّامريّ‏ (10) و من اجتمع معه و أعانه من الكفّار [على‏] (11) عبادة العجل عند غيبة موسى، ما تمّ انتحال محلّ‏ (12) موسى من الطّغام‏ (13) و الاحتمال لتلك الأمانة الّتي لا ينبغي إلّا لطاهر من‏

____________

(1) النساء/ 115.

(2) المصدر: لو امتنعن.

(3) هنا في المصدر زيادة. و هي: أو عظم.

(4) نهج البلاغة/ 317- 318، ذيل خطبة 199.

(5) المصدر: الأرضين.

(6) المصدر: من هو.

(7) الاحتجاج 1/ 364 و 374.

(8) المصدر: صفته.

(9) المصدر: «العزيز العليم» بدل «القدير الحكيم».

(10) المصدر: و السامريّ.

(11) من المصدر.

(12) هكذا في المصدر. و في النسخ: مجلس.

(13) هكذا في المصدر. و في النسخ: الطعام.

و الطعام: أرذال الناس و أوغادهم.

455

الرّجس. فاحتمال وزرها و وزر من سلك سبيله من الظّالمين و أعوانهم. و لذلك قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: من استنّ بسنّة حقّ، كان له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة. [و من استنّ سنّة باطل، كان عليه و وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة.] (1)

و في عوالي اللآلئ‏ (2): و في الحديث‏ أنّ عليّا- (عليه السلام)- إذا حضرت وقت الصّلاة يتململ و يتزلزل و يتلوّن.

فيقال له: مالك، يا أمير المؤمنين؟

فيقول: جاء وقت الصّلاة، وقت أمانة عرضها [اللَّه‏] (3) على السّماوات و الأرض [و الجبال‏] (4) فأبين أن يحملنها و أشفقن منها.

و في تهذيب الأحكام‏ (5): الحسين بن سعيد، عن الحسن بن عليّ، عن عليّ بن النعمان و أبي [المغراء و] (6) الوليد بن مدرك، عن إسحاق قال: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن الرّجل يبعث إلى الرّجل يقول له: ابتع لي ثوبا. فيطلب له في السّوق، فيكون عنده مثل ما يجد له في السّوق، فيعطيه من عنده؟

قال: لا يقربنّ هذا و لا يدنّس نفسه. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا. و إن كان عنده خير ممّا يجد له في السّوق، فلا يعطيه من عنده.

و في بصائر الدّرجات‏ (7): أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد [، عن عثمان بن سعيد،] (8) عن مفضّل بن صالح، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها قال: الولاية. فأبين أن يحملنها [كفرا بها و عنادا (9)، و حملها الإنسان. و الإنسان الّذي حملها، أبو فلان.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) عوالي اللّآلئ 1/ 324، ح 62.

(3) من المصدر.

(4) ليس في المصدر.

(5) تهذيب الأحكام 6/ 352، ح 999.

(6) من المصدر.

(7) بصائر الدرجات/ 96، ح 3.

(8) ليس في المصدر.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: «كفرا» بدل «كفرا بها و عنادا».

456

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قال عليّ بن إبراهيم في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها قال‏] (2): الأمانة، هي الإمامة و الأمر و النّهي. و الدّليل على أنّ الأمانة هي الإمامة [قوله- عزّ و جلّ- للأئمّة (3)- (صلوات اللّه عليهم)(4)-: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها، يعني: الإمامة. فالأمانة، هي الإمامة] (5) عرضت‏ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها. قال: أبين أن يدّعوها أو يغصبوها أهلها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ‏، أي: الأوّل‏ (6) إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.

و في شرح الآيات الباهرة (7): روى محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن الحسين بن عامر، عن محمّد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين‏ (8)، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً لنفسه‏ (9) جَهُولًا قال: يعني بها: ولاية عليّ بن أبي طالب.

و يؤيّده ما

رواه الشّيخ محمّد بن يعقوب- (رحمه اللّه)(10)- بطريق آخر: عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن الحسن بن مسكان‏ (11)، عن إسحاق بن عمّار في قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ (إلى آخر الآية) قال: هي الولاية لأمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه و على ذرّيّته الطّيّبين) ، صلاة باقية دائمة إلى يوم الدّين.

لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَ الْمُنافِقاتِ وَ الْمُشْرِكِينَ وَ الْمُشْرِكاتِ وَ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى‏

____________

(1) تفسير القمي 2/ 198.

(2) ليس في أ.

(3) المصدر: في الأئمة.

(4) النساء/ 58.

(5) ليس في ن.

(6) «أي الأوّل» ليس في ن. و في المصدر: أي فلان.

(7) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 168.

(8) المصدر: «الحكيم بن مسكان». ر. تنقيح المقال 1/ 360، رقم 3248.

(9) ليس في المصدر. و «ظلوما لنفسه» ليس في أ.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) المصدر: «محمد بن الحسن عن الحكم بن مسكان» بدل «محمد بن الحسين عن الحسن بن مسكان». و لم نعثر على «الحكم بن مسكان» في كتب الرجال. و أمّا بالنسبة إلى «الحسن بن مسكان» ر. تنقيح المقال 1/ 310، رقم 2756.

457

الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ‏: تعليل للحمل، من حيث أنّه نتيجة، كالتّأديب للّضرب في:

ضربته تأديبا.

و ذكر التّوبة في الوعد، إشعار بأنّ كونهم‏ ظَلُوماً جَهُولًا في جبلتهم لا يخليهم عن فرطات.

وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (73): حيث تاب على فرطاتهم، و أثاب بالفوز على طاعاتهم.

458

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

459

تفسير سورة سبأ

460

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

461

سورة سبأ مكّيّة. و قيل‏ (1): إلّا وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ أربع أو خمس و خمسون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2)، بإسناده إلى ابن اذينة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ (3) الحمدين جميعا، حمد سبأ و حمد فاطر (4) في ليلة، لم يزل في ليله‏ (5) في حفظ اللَّه و كلاءته. فإن قرأهما في نهاره، لم يصبه في نهاره مكروه، و أعطي من خير الدّنيا و خير الآخرة ما لم يخطر على قلبه و لم يبلغ مناه.

و في مجمع البيان‏ (6): أبي بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: من قرأ سورة سبأ، لم يبق نبيّ و لا رسول إلّا كان له يوم القيامة رفيقا و مصافحا.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏: خلقا و نعمة. فله الحمد في الدّنيا، لكمال قدرته و على تمام نعمته.

وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ: لأنّ ما في الآخرة- أيضا- كذلك. و ليس هذا من عطف المقيّد على المطلق، فإنّ الوصف يدلّ على أنّه المنعم بالنّعم الدّنيويّة، فقيّد الحمد بها.

و تقديم الصّلة للاختصاص، فإنّ النّعم الدّنيويّة قد تكون بواسطة من يستحقّ الحمد لأجلها،

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 254.

(2) ثواب الأعمال/ 137- 138، ح 1.

(3) «من قرأ» ليس في المصدر.

(4) هنا زيادة في المصدر. و هي: من قرأهما.

(5) المصدر: ليلته.

(6) مجمع البيان 4/ 375.

462

و لا كذلك نعم الآخرة.

وَ هُوَ الْحَكِيمُ‏: الّذي أحكم أمور الدّارين.

الْخَبِيرُ (1): ببواطن الأشياء.

يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ‏: كالغيث، ينفذ في موضع [و يخرج من موضع‏] (1) آخر.

و كالكنوز و الدّفائن و الأموات.

وَ ما يَخْرُجُ مِنْها: كالحيوان و النّبات و الفلزّات و ماء العيون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)(2)-: و قوله- عزّ و جلّ-: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ‏ قال: ما يدخل فيها. وَ ما يَخْرُجُ مِنْها قال: من النّبات.

وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، كالملائكة و الكتب و المقادير و الأرزاق و الأنداء و الصّواعق.

وَ ما يَعْرُجُ فِيها، كالملائكة و أعمال العباد و الأبخرة و الأدخنة.

وَ هُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2): للمفرّطين في شكر نعمة مع كثرتها. أو في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النّعم الفائتة للحصر.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: منكروا البعث.

لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ: إنكار لمجيئها. أو استبطاء، استهزاء (3) بالوعد به.

قُلْ بَلى‏ وَ رَبِّي‏: ردّ لكلامهم، و إثبات لما نفوه.

لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ‏: تكرير لإيجابه، مؤكّدا بالقسم، مقرّرا لوصف المقسم به بصفات تقرّر إمكانه و تنفي استبعاده- على ما مرّ غير مرّة.

و قرأ حمزة و الكسائيّ: «علّام الغيب» للمبالغة. و نافع و ابن عامر و رويس: «عالم الغيب» بالرّفع. على أنّه خبر [مبتدأ] (4) محذوف. أو مبتدأ، خبره‏ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ‏ (5).

و قرأ الكسائيّ: «لا يعزب» بالكسر (6) ..

وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ (3): جملة مؤكّدة لنفي‏

____________

(1) من ن.

(2) تفسير القمي 2/ 198.

(3) هكذا في ن و م. و في سائر النسخ: استظهار.

(4) من المصدر.

(5) أنوار التنزيل 2/ 255.

(6) نفس المصدر و الموضع.

463

العزوب، رفعهما (1)، بالابتداء. و يؤيّده القراءة، بالفتح، على نفي الجنس‏ (2).

و لا يجوز عطف المرفوع على «مثقال» و المفتوح على «ذرّة» بأنّه فتح في موضع الجرّ، لامتناع الصّرف. لأنّ الاستثناء يمنعه، اللّهمّ، إلّا إذا جعل الضّمير في «عنه» للغيب، و جعل المثبت في اللّوح خارجا عنه لظهوره على المطالعين‏ (3). فيكون المعنى: لا ينفصل عن الغيب شي‏ء إلّا مسطورا في اللّوح.

و في أصول الكافي‏ (4): عنه، عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)‏- في قوله‏ (5):

ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ‏ فقال: هو واحد، واحديّ الذّات، بائن من خلقه و بذلك وصف نفسه. و هو بكلّ شي‏ء محيط، بالإشراف و الإحاطة و القدرة لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ بالإحاطة و العلم بالذّات. لأنّ الأماكن محدودة تحويها حدود أربعة. فإذا كان بالذّات، لزمها الحواية.

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏: علّة لقوله: لَتَأْتِيَنَّكُمْ‏، و بيان لما يقتضي إتيانها.

أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ‏ (4): لا تعب فيه، و لا من عليه.

وَ الَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا: بالإبطال، و تزهيد النّاس فيها.

مُعاجِزِينَ‏: مقدرين إعجاز ربّهم، و ظانّين أنّهم يفوتونه.

و قيل‏ (6): مُعاجِزِينَ‏ مسابقين كي يفوتونا.

و قرأ ابن كثير و أبو عمرو: «معجزين»، أي: مثبّطين عن الإيمان من أراده‏ (7).

أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ: من سيّ‏ء العذاب.

أَلِيمٌ‏ (5) (8): مؤلم. و رفعه ابن كثير و يعقوب و حفص‏ (9).

____________

(1) هكذا في م. و في سائر النسخ: رفعها.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ن: الطالعين.

(4) الكافي 1/ 126- 127، ح 5.

(5) المجادلة/ 7.

(6) مجمع البيان 4/ 377.

(7) أنوار التنزيل 2/ 255.

(8) «أليم» هي مرفوعة. لانّها صفة «لعذاب» و ليس «لرجز».

(9) نفس المصدر و الموضع.

464

وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏: يعلم أولوا العلم من الصّحابة، و من شايعهم من الأمّة. أو من مسلمي أهل الكتاب. أو كلّ من أوتي العلم بالدّين.

الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏: القرآن.

هُوَ الْحَقَ‏: و من رفع «الحقّ» جعل «هو» ضميرا مبتدأ، و «الحقّ» خبره.

و الجملة ثاني مفعولي «يرى». و هو مرفوع مستأنف للاستشهاد بأولي العلم على الجهلة السّاعين في الآيات.

و قيل‏ (1): منصوب معطوف على «ليجري»، أي: ليعلم أولو العلم عند مجي‏ء السّاعة أنّه الحقّ عيانا، كما علموه الآن برهانا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال: أوّل ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب. فكتب ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة.

و قوله- عزّ و جلّ-: وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَ‏ فقال: هو أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

وَ يَهْدِي إِلى‏ صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6): الّذي هو التّوحيد، و التّدرّع بلباس التّقوى.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: قال بعضهم لبعض: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى‏ رَجُلٍ‏:، يعنون:

محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-.

يُنَبِّئُكُمْ‏: يحدّثكم بأعجب الأعاجيب.

إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7): إنكم تنشؤون خلقا جديدا، بعد أن تمزّق أجسادكم كلّ تمزيق و تفريق، بحيث تصير ترابا.

و تقديم الظّرف، للدّلالة على البعد و المبالغة فيه. و عامله محذوف دلّ عليه ما بعده، فإنّ ما قبله لم يقارنه و ما بعده مضاف إليه. أو محجوب بينه و بينه «بأن».

و «ممزّق» يحتمل أن يكون مكانا، بمعنى: إذا مزّقتم و ذهبت بكم السّبول كلّ مذهب و طرحتكم كلّ مطرح.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمي 2/ 198.

465

و «جديد» بمعنى فاعل. من جدّ، فهو جديد، كحدّ، فهو جديد.

و قيل‏ (1): بمعنى: مفعول. من جدّ النّسّاج [الثّوب:] (2) إذا قطعه.

أَفْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ: جنون يوهمه ذلك و يلقى على لسانه.

و استدلّ بجعلهم إيّاه قسيم الافتراء غير معتقدين صدقه، على أنّ بين الصّدق و الكذب واسطة، و هي كلّ خبر لا يكون عن بصيرة بالمخبر عنه و ضعفه بيّن. لأنّ الافتراء أخصّ من الكذب.

بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَ الضَّلالِ الْبَعِيدِ (8): ردّ من اللَّه عليهم ترديدهم، و إثبات لهم‏ (3) ما هو أفظع من القسمين، و هو الضّلال البعيد عن الصّواب بحيث لا يرجى الخلاص منه و ما هو مؤدّاه من العذاب. و جعله رسيلا له في الوقوع و مقدّما عليه في اللّفظ، للمبالغة في استحقاقهم له.

و البعد في الأصل صفة الضّالّ، و وصف الضّلال به على الإسناد المجازيّ.

أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ: تذكير بما يعاينونه، ممّا يدلّ على كمال قدرة اللَّه- تعالى- و ما يحتمل فيه إزاحة لاستحالتهم الإحياء، حتّى جعلوه افتراء و هزءا و تهديدا عليها.

و المعنى: أعموا، فلم ينظروا إلى ما أحاط بجوانبهم من السّماء و الأرض، و لم يتفكّروا أهم أشدّ خلقا أم هي. و إنّا إن نشأ، نخسف بهم‏ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البيّنات.

و قرأ حمزة و الكسائي: «يشأ و يخسف و يسقط، بالياء. لقولهم: أفترى على الله.

و حفص: «كسفا» بالتّحريك‏ (4).

إِنَّ فِي ذلِكَ‏: النّظر و التّفكّر فيهما و ما يدلّان عليه.

لَآيَةً: لدلالة.

لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ‏ (9): راجع إلى ربّه. فإنّه يكون كثير التّأمّل في أمره.

وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا، أي: على سائر الأنبياء، و هو ما ذكر بعد. أو على سائر النّاس، فيندرج فيه النّبوّة و الكتاب و الملك و الصّوت الحسن.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 256.

(2) من المصدر.

(3) هكذا في م و ن. و في سائر النسخ: إثابتهم.

(4) أنوار التنزيل 2/ 256.

466

يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ‏: رجّعي معه التّسبيح. و ذلك إمّا بخلق صوت مثل صوته، أو بحملها إيّاه على التّسبيح إذا تأمّل فيها. أو سيري معه حيث سار.

و قرئ: «أوبي» [من الأوب‏]، أي: ارجعي في التّسبيح كلّما رجع فيه. و هو بدل من «فضلا»، أو من «آتينا» بإضمار «قولنا» [أو «قلنا] (1).

وَ الطَّيْرَ: عطف على محلّ «الجبال». و يؤيّده القراءة بالرّفع، عطفا على لفظها، تشبيها للحركة البنائية العارضة بالحركة الإعرابيّة. أو على «فضلا». أو مفعول [معه‏] (2) «لأوّبي»، و علي هذا يجوز أن يكون الرّفع بالعطف على ضميره. و كان الأصل: و لقد آتينا داود منّا فضلا تأويب الجبال و الطّير. فبدّل بهذا النّظم لما فيه من الفخامة و الدّلالة على عظمة شأنه و كبرياء سلطانه، حيث جعل الجبال و الطّير كالعقلاء المنقادين لأمره في نفاذ مشيئته فيها (3).

وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10): جعلناه في يده كالشّمع، يصرّفه كيف يشاء من غير إحماء و طرق بالمطرقة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال- جلّ ذكره-: وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ‏، أي: سبّحي للَّه‏ وَ الطَّيْرَ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ

قال: كان داود- (عليه السلام)- إذا مرّ في البراري يقرأ الزّبور تسبّح الجبال و الطّير و الوحوش معه. و ألان اللَّه- عزّ و جلّ- له الحديد مثل الشّمع، حتّى كان يتّخذ منه ما أحبّ.

و قال الصّادق- (عليه السلام)-: اطلبوا الحوائج يوم الثّلاثاء، فإنّه اليوم الّذي ألان اللَّه فيه الحديد لداود- (عليه السلام)-.

و فيه‏ (5): قال: أعطي داود و سليمان- (عليهما السلام)- ما لم يعط أحد من أنبياء اللَّه من الآيات، علّمهما منطق الطّير، و ألان لهما الحديد و الصّفر من غير نار، و جعلت الجبال يسبّحن مع داود- (عليه السلام)-.

و في كتاب المناقب‏ (6)، لابن شهر آشوب. كتاب الإرشاد للزّهريّ: قال سعيد بن‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع. و الزّيادتان من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) تفسير القمي 2/ 199.

(5) نفس المصدر 2/ 126.

(6) مناقب آل أبي طالب 4/ 136- 137.

467

المسيّب: كان النّاس لا يخرجون إلى مكّة حتّى يخرج عليّ بن الحسين- (عليه السلام)-.

فخرج و خرجت معه. فنزل في بعض المنازل، فصلّى ركعتين. فسبّح‏ (1) في سجوده، فلم يبق شجر و لا مدر إلّا سبّحوا معه. ففزعت منه.

فرفع رأسه فقال: يا سعيد، أفزعت؟

قلت: نعم، يا ابن رسول اللَّه.

فقال: هذا التّسبيح الأعظم.

و في رواية سعيد بن المسيّب‏ (2) قال: كان القرّاء لا يحجّون حتّى يحجّ زين العابدين- (عليه السلام)-. و كان يتّخذ لهم السّويق الحلو و الحامض، و يمنع‏ (3) نفسه. فسبق يوما إلى الرّحل، فألفيته‏ (4) و هو ساجد. فو الّذي نفس سعيد بيده، لقد رأيت الشّجر و المدر و الرّحل و الرّاحلة يردّون عليه مثل كلامه.

و في أصول الكافي‏ (5)، بإسناده إلى سالم بن أبي حفصة العجليّ: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كان في رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ثلاثة لم تكن في أحد غيره: لم يكن له في‏ء، و كان لا يمرّ في طريق فيمر فيه بعد يومين أو ثلاثة إلّا عرف قد مرّ فيه لطيب عرفه، و كان يمرّ بحجر و لا شجر إلّا سجد له.

و في كتاب الخصال‏ (6): عن عليّ بن جعفر قال: جاء رجل إلى أخي موسى بن جعفر- (عليه السلام)- فقال له: جعلت فداك، أريد الخروج [إلى السّفر] (7) فادع لي.

قال- (عليه السلام)-: و متى تخرج؟ إلى أن قال- (عليه السلام)-: ألا أدلّك على يوم سهل‏ (8) ألان اللَّه فيه الحديد لداود- (عليه السلام)؟

قال الرّجل: بلى، جعلت فداك.

قال: اخرج يوم الثّلاثاء.

و في روضة الكافي‏ (9): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و عليّ بن محمّد جميعا، عن القاسم بن‏

____________

(1) المصدر: سبّح.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) هكذا في المصدر. و في الأصل: «يمتنع». و في سائر النسخ: «يمنعه».

(4) م و س و أ: فأتيته.

(5) الكافي 1/ 442، ح 11.

(6) الخصال/ 385، ح 67.

(7) ليس في المصدر.

(8) المصدر: سهل ليّن.

(9) الكافي 8/ 143، ذيل حديث 109.

468

محمّد، عن سليمان بن المنقريّ، عن حفص [بن غياث‏] (1) قال: قال أبو عبد اللَّه- (عليه السلام)-: و من تعذّرت عليه الحوائج، فليلتمس طلبها يوم الثّلاثاء. فإنّه اليوم الّذي ألان اللَّه فيه الحديد لداود- (عليه السلام)-.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2)، بإسناده إلى هشام بن سالم: عن الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- أنّه قال في حديث‏ يذكر فيه قصّة داود- (عليه السلام)-: أنّه خرج يقرأ الزّبور [و كان إذا قرأ الزّبور،] (3) لا يبقى جبل و لا حجر و لا طائر إلّا أجابه‏ (4).

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا داود بكى على خطيئته حتّى سارت الجبال معه لخوفه.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أعطي ما هو أفضل من هذا، أنّه كان إذا قام إلى الصّلاة، سمع لصدره و جوفه أزيز كأزيز المرجل‏ (6) على الأثافي من شدة البكاء، و قد أمنه اللَّه- عزّ و جلّ- من عقابه. فأراد أن يتخشّع لربّه ببكائه، فيكون إماما لمن اقتدى به.

و لقد قام- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عشر سنين على أطراف أصابعه، حتّى تورّمت قدماه و اصفرّ وجهه، يقوم اللّيل أجمع حتّى عوتب في ذلك. فقال اللَّه- عزّ و جلّ‏ (7)-:

طه، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏. بل لتسعد به. و لقد كان يبكي حتّى يغشى عليه، فقيل له: يا رسول اللَّه، أليس اللَّه- عزّ و جلّ- قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخرّ؟

قال: بلى، أفلا أكون عبدا شكورا.

و لئن سارت الجبال و سبّحت معه، لقد عمل لمحمد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ما هو أفضل من هذا، إذ كنّا معه على جبل حراء إذ تحرّك الجبل، فقال له: قرّ، فإنّه ليس‏

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) كمال الدين و تمام النعمة/ 524، صدر حديث 6.

(3) ليس في الأصل و م.

(4) المصدر: جاوبته.

(5) الاحتجاج 1/ 325 و 326.

(6) المصدر: أريز كأريز المرجل.

(7) طه/ 1.

469

عليك إلّا نبيّ أو صدّيق شهيد. فقرّ الجبل مجيبا (1) لأمره و منتهيا إلى طاعته.

و لقد مررنا معه بجبل، و إذا الدّموع تجري من بعضه.

فقال له [النّبيّ:] ما يبكيك، يا جبل؟

فقال: يا رسول اللَّه، كان المسيح مرّ بي و هو يخوّف النّاس بنار (2) وقودها النّاس و الحجارة، و أنا أخاف أن أكون من تلك الحجارة.

قال له: لا تخف، تلك الحجارة الكبريت. فقرّ الجبل و سكن و هدأ و أجاب لقوله.

قال له اليهودي: فهذا داود- (عليه السلام)- قد ليّن اللَّه- عزّ و جلّ- له الحديد فعمل‏ (3) منه الدّروع.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- [قد] (4) أعطي ما هو أفضل من هذا، [أنّه‏] (5) ليّن اللَّه- عزّ و جلّ- له الصّمّ الصّخور الصّلاب و جعلها غارا. و لقد غارت الصّخرة تحت يده ببيت المقدس ليّنة حتّى صارت كهيئة العجين، قد رأينا ذلك و التمسناه تحت رايته.

و في الكافي‏ (6): أحمد بن أبي عبد اللَّه، عن شريف بن سابق، عن المفضّل بن أبي قرّة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّ أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- قال: أوحى اللَّه- عزّ و جلّ- [إلى داود- (عليه السلام)-: إنّك نعم العبد لولا أنّك تأكل من بيت المال و لا تعمل بيدك شيئا.

قال: فبكى داود أربعين صباحا. فأوحى اللَّه- عزّ و جلّ-] (7) إلى الحديد: أن لن لعبد داود- (عليه السلام)-. فألان اللَّه- عزّ و جلّ- له الحديد. فكان يعمل في كلّ يوم درعا، فيبيعها بألف درهم. فعمل ثلاثمائة و ستّين درعا، فباعها بثلاثمائة و ستّين ألفا و استغنى عن بيت المال.

أَنِ اعْمَلْ‏: أمرناه.

«أن» مفسّرة، أو مصدريّة.

سابِغاتٍ‏: دروعا واسعات.

____________

(1) المصدر: مطيعا.

(2) المصدر: من نار.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: قد يعمل.

4 و 5- من المصدر.

(6) الكافي 5/ 74، ح 5.

(7) ليس في أ.

470

و قرئ: «صابغات». و هو أوّل من اتّخذها (1).

وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ: و قدرّ في نسجها بحيث يتناسب حلقها. أو قدّر مساميرها، فلا تجعلها دقاقا فتقلق و لا غلاظا فتخرق.

و في قرب الإسناد (2) للحميريّ: احمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألنا الرّضا- (عليه السلام)- هل أحد من أصحابكم يعالج السّلاح؟

فقلت: رجل من أصحابنا زرّاد.

فقال: إنّما هو سرّاد. أما تقرأ كتاب اللَّه- عزّ و جلّ- في قول اللَّه لداود- (عليه السلام)-: أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ الحلقة بعد الحلقة.

وَ اعْمَلُوا صالِحاً: الضّمير فيه لداود و أهله.

إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11): فأجازيكم عليه.

وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ‏، أي: و سخّرنا له الرّيح.

و قرأ (3) أبو بكر: «الرّيح» بالرّفع، أي: و لسليمان الرّيح مسخّرة.

و قرئ الرّياح‏ (4).

غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ: جريانها بالغداة مسيرة شهر و بالعشيّ كذلك.

و قرئ: غدوتها و روحتها (5) و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و قوله- عزّ و جلّ-: أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ‏ قال: الدّروع‏ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ قال: المسامير الّتي في الحلقة. و قوله- عزّ و جلّ-: وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ قال: كانت الرّيح تحمل كرسيّ سليمان، فتسير به في الغداة مسيرة شهر و في العشيّ مسيرة شهر.

و في كتاب المناقب‏ (7)، لابن شهر آشوب: الأصبغ بن نباتة قال: سألت الحسين- (عليه السلام)- فقلت: يا سيّدي، أسألك عن شي‏ء أنا به موقن و أنّه من سرّ اللَّه و أنت المسرور إليه ذلك السّرّ.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 257.

(2) قرب الاسناد/ 160.

(3) أنوار التنزيل 2/ 257.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير القمي 2/ 199.

(7) مناقب آل أبي طالب 4/ 52.

471

فقال: يا أصبغ، أ تريد أن ترى مخاطبة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لأبي دون‏ (1) يوم مسجد قبا؟

قلت: هو (2) الّذي أردت.

قال: قم.

فإذا أنا و هو بالكوفة. فنظرت، فإذا المسجد من قبل أن يرتدّ إليّ بصري.

فتبسّم- (عليه السلام)- في وجهي.

فقال: يا أصبغ، إنّ سليمان بن داود أعطي الرّيح غدوّها شهر و رواحها شهر، و أنا قد أعطيت أكثر ممّا أعطي سليمان.

فقلت: صدقت، و اللَّه، يا ابن رسول اللَّه.

فقال: نحن الّذين عندنا علم الكتاب و بيان ما فيه و ليس عند أحد (3) من خلقه ما عندنا، لانّا أهل سرّ اللَّه. ثمّ تبسّم‏ (4) في وجهي، ثمّ قال: نحن آل اللَّه و ورثة رسول اللَّه‏ (5)- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

فقلت: احمد للَّه على ذلك.

ثمّ قال لي: أدخل.

فدخلت، فإذا [أنا] (6) برسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- محتب‏ (7) في المحراب بردائه. فنظرت، فإذا أنا بأمير المؤمنين- (عليه السلام)- قابض على تلابيب الأعسر (8) فرأيت‏

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: لأبي درداء.

يوجد في هامش نسخة م: رأيت إنّما هذا الحديث بعينه في بحار الأنوار و نقلت منها و ذكرته في تأليفي المسمّاة بمكى العنين في مصيبة مولانا أبي عبد اللَّه الحسين. و لفظ الحديث هكذا: أ تريد أن ترى مخاطبة رسول الله- صلى الله عليه و آله و سلم- لأبي دون و تعرّض شيخي- أدام اللَّه فيضه- لبيان لفظ «دون» و قال: المراد به أبو بكر. و يمكن أن يكون به عمر- لعنهما اللَّه- ع ن. عفى عنه.

و أشار في هامش المصدر: حكي عن المجلسي- (رحمه اللّه)-: أنّ المراد بأبي دون، أبو بكر. عبّر به عنه تقيّة. و الدون: الخسيس.

(2) المصدر: «قال هذا» بدل «قلت هو».

(3) المصدر: «لأحد» بدل «عند أحد».

(4) المصدر س و م و أ: «فتبسّم» بدل «ثم تبسّم».

(5) المصدر: رسوله.

(6) من المصدر.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: محبتي.

احتبى بالثوب: اشتمل به.

(8) الأعسر: الشديد. أو الشؤم. و المراد به الأوّل أو الثاني، كما ذكره المجلسي- (رحمه اللّه).

472

رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- يعضّ الأنامل و هو يقول: بئس الخلف خلّفتني أنت و أصحابك، عليكم لعنة اللَّه و لعنتي. (الخبر انتهى.)

و في عيون الأخبار (1)، عن الرّضا، عن أبيه موسى بن جعفر [، عن أبيه جعفر] (2) بن محمّد- (عليهما السلام)- حديث طويل‏، و قد سبق عند قوله- تعالى-: قالَتْ نَمْلَةٌ (الآية) و فيه: ثمّ قالت النّملة: هل تدري لم سخّرت لك الرّيح من بين سائر المملكة؟

قال سليمان- (عليه السلام)-: ما لي بهذا علم.

قالت النّملة: يعني- عزّ و جلّ- بذلك: لو سخّرت لك جميع المملكة، كما سخّرت لك هذه الرّيح، لكان زوالها من بين يديك كزوال الرّيح. فحينئذ تبسّم ضاحكا من قولها.

و في كتاب الاحتجاج‏ (3)، للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)‏- أنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا سليمان قد سخّرت له الرّياح‏ (4)، فسارت في بلاده غدوّها شهر و رواحها شهر.

فقال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أعطي ما هو [أفضل من هذا، أنّه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، و عرج به في ملكوت السّماوات مسيرة خمسين ألف عام‏] (5) في أقل من ثلث ليلة، حتّى انتهى إلى ساق العرش.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب سعد السّعود (6)، لابن طاوس- (رحمه اللّه)- عن تفسير أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد القزوينيّ، بإسناده إلى أنس بن مالك قال: أهدي لرسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بساط من قرية يقال لها: بهتدف‏ (7). فقعد عليه عليّ و أبو بكر و عمر و عثمان و الزّبير و عبد الرّحمن بن عوف و سعد.

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لعليّ‏ (8): يا عليّ، قل: يا ريح، احملينا.

____________

(1) عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- 2/ 78، ذيل حديث 8.

(2) من المصدر.

(3) الاحتجاج 1/ 327.

(4) في جميع النسخ سوى الأصل: الريح.

(5) ليس في أ.

(6) سعد السعود/ 112- 113.

(7) ن: «لهتدف». م: «يهتدف». المصدر:

«بهبدت».

(8) ليس في المصدر.

473

فقال عليّ: يا ريح، احملينا. فحملتهم‏ (1). حتّى أتوا أصحاب الكهف. فسلّم أبو بكر و عمر فلم يردّوا (عليهم السلام). ثمّ قام عليّ- (عليه السلام)- فسلّم، فردّوا (عليه السلام).

فقال أبو بكر: يا عليّ، ما بالهم ردّوا عليك و لم يردّوا علينا؟

فقال لهم عليّ: قالوا: إنّا نردّ بعد الموت إلّا على نبيّ أو وصيّ نبيّ.

ثمّ قال عليّ- (عليه السلام)-: يا ريح، احملينا (2). فحملتنا.

ثمّ قال يا ريح، ضعينا. فوضعتنا. فوكز (3) برجله الأرش فتوضّأ و توضّأنا (4).

ثمّ قال: يا ريح، احملينا. فحملتنا. فوافينا المدينة، النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- في صلاة الغداة و هو يقرأ (5): أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً.

فلمّا قضى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الصّلاة قال: يا عليّ، أ تخبروني‏ (6) عن مسيركم، أم تحبّون أن أخبركم؟ قالوا: بل تخبرنا، يا رسول اللَّه.

قال أنس بن مالك: فقصّ القصّة (7)، كأنّه معنا

وَ أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ: النّحاس المذاب. أساله له من معدنه، فنبع منه نبوع الماء من الينبوع. فلذلك سمّاه: عينا. و كان ذلك باليمن.

وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ‏: عطف على «الرّيح». «و من الجنّ» حال متقدّمة، أو جملة من مبتدأ و خبر.

بِإِذْنِ رَبِّهِ‏: بأمره.

وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ‏: و من يعدل منهم.

عَنْ أَمْرِنا: عمّا أمرناه من طاعة سليمان.

و قرئ: «يزغ» من أزاغه‏ (8).

____________

(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: «احمل بنا محمل بهم» بدل «احملينا. فقال عليّ: يا ريح احملينا فحملتهم».

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: احمل بنا.

(3) المصدر: فركز.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فتوضّأ عليّ فتوضّأنا» بدل «فتوضّأ و توضّأنا».

(5) الكهف/ 9.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: أخبروني.

(7) المصدر: «فقال أنس. ثمّ قصّ القصّة» بدل «قال أنس بن مالك. فقصّ القصّة».

(8) أنوار التنزيل 2/ 257.

474

نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (12): عذاب الآخرة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ قال‏ (2): الصّفر.

يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ‏: قصورا حصينة و مساكن شريفة. سمّيت به، لأنّها يذبّ عنها و يحارب عليها.

وَ تَماثِيلَ‏: و طيورا (3) و تماثيل للملائكة و الأنبياء على ما اعتادوا و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ هذا سليمان سخّرت الشّياطين يعملون له ما يشاء من محاريب و تماثيل.

قال له عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و لقد أعطي محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ما هو أفضل من هذا، أنّ الشّياطين سخّرت لسليمان و هي مقيمة على كفرها، و قد سخّرت لنبوّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- الشّياطين بالإيمان. فأقبل إليه الجنّ‏ (4) التّسعة من أشرافهم، من جنّ نصيبين‏ (5)، و اليمن‏ (6) من بني عمرو بن عامر من الأحجّة، منهم سقناه، و مصماه‏ (7)، و الهملكان، و المرزبان، و المازمان، و نفات‏ (8)، و هاضب، و هاصب‏ (9)، و عمرو. و هم الّذين يقول اللَّه- تبارك اسمه- فيهم‏ (10): وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ‏ و هم التّسعة يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ‏ (11) فأقبل إليه الجنّ و النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- ببطن النّخلة، فاعتذروا بأنّهم‏ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (12).

و لقد أقبل إليه أحد و سبعون ألفا منهم، فبايعوه على الصّوم و الصّلاة و الزّكاة و الحجّ و الجهاد و نصح المسلمين‏ (13)، و اعتذروا بأنّهم قالوا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (14) و هذا أفضل ممّا أعطي سليمان. سبحان من سخّرها لنبوّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بعد أن كانت تتمرّد

____________

(1) تفسير القمي 2/ 199.

(2) المصدر: أي.

(3) ن: «قيل صورا» بدل «و طيورا».

(4) المصدر: من الجنّة.

(5) المصدر: واحد من جنّ نصيبين.

(6) المصدر: الثمان.

(7) المصدر: «شضاه و مضاه» بدل «سقناه و مصماه».

(8) المصدر: نضاه.

(9) المصدر: هضب.

(10) الأحقاف/ 29.

(11) المصدر: يستمعون القرآن و هم التسعة.

(12) الجنّ/ 7.

(13) ن: نصر المسلمين.

(14) الجن/ 4.