هداية المسترشدين - ج1

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
735 /
453

عدم وجوب المقدّمة قبل تعلّق الوجوب بذيها.

و ثالثا: أنّ المذكور أولا هو وجوب الطهور، و هو لا يغني عن الحكم بوجوب الصلاة، و لو كان المذكور أوّلا وجوب الصلاة فربما أغنى عنه.

و الرواية الثانية غير مشتملة على سائر الأركان و لا سائر الواجبات، و ظاهرها إدراج الطهور في الصلاة فلا بدّ من تنزيلها على بعض الوجوه الصحيحة، و مثل ذلك لا ينهض حجّة في مقام الاستدلال، مضافا الى أنّ ظاهرها عدم صدق الصلاة بدون الطهور، و لا يقول به القائل بوضعها للأعمّ بل و كذا الركوع و السجود على ما مرّ القول فيه، فهي بالدلالة على الوضع للصحيح أقرب من خلافه.

سادسها: المنع من عدم القول بالفصل فغاية الأمر أن تدلّ تلك الروايات على كون ما ذكر فيها من الأجزاء و الشرائط مأخوذة في التسمية، و أين ذلك من القول بوضعها للصحيحة؟ و أيضا غاية ما يدلّ عليها كون ما وردت في تلك الروايات كالصلاة و الصيام موضوعة بإزاء الصحيحة و لا يستلزم ذلك ثبوته في سائر ألفاظ العبادات.

و فيه: أنّا لم نجد الى الآن مفصّلا في شي‏ء من المقامين، و لا تخيّله أحد في المقام، فبعد ثبوت اعتبار ما ذكر فيها في تحقّق الماهيّة يكتفى به في اعتبار سائر الشرائط و الأجزاء و في ثبوته في سائر الألفاظ و ان لم يتحقّق هناك اجماع؛ إذ المسألة متعلّقة بمباحث الألفاظ فيكتفى فيها بالظنّ و لو كان دون ذلك.

على أنّ عمدة أدلّة القائل بوضعها للأعمّ هو العرف، و من الواضح عدم فرق العرف بين ما ذكر و غيره، فإذا ثبت فساد ما استند اليه انهدم به أساس القول المذكور.

الخامس: أنّ الأمر المهتمّ به في الشريعة الّذي يشتدّ اليه الحاجة و به ينوط معظم الأحكام الواردة في الكتاب و السنّة و يكثر التعبير عنه في المخاطبات الدائرة في كلام الشارع و المتشرّعة إنّما هي الصحيحة، إذ بها ينوط المثوبات الاخرويّة و عليها بنيت أساس الشريعة، فالطبيعة المقرّرة من الشارع هي تلك،

454

كيف! و هي الأمر المجعول عبادة و المعدود من الفروع الشرعيّة، فهي الماهيّة المحدثة من صاحب الشريعة، و أمّا الفاسدة فهي خارجة عن العبادة مندرجة في أنواع البدعة و لا حاجة الى التعبير عنه في الغالب، و لو احتيج اليه فإنّما هو بواسطة بيان الصحيحة، و لو فرض تعليق بعض الأحكام عليها فإنّما هو في كمال الندرة.

و على ما اخترناه من ثبوت الحقيقة الشرعيّة فالأمر أوضح؛ إذ قضيّة الحكمة وضع اللفظ بإزاء ما يشتدّ اليه الحاجة و يعتدّ بشأنه سيّما بعد إثبات عرف خاصّ لأجل بيانه، و ذلك ظاهر. و يرشد اليه التعبير عن تلك الألفاظ بأسامي العبادات، إذ ليست الفاسدة مندرجة في العبادة على سبيل الحقيقة.

السادس: ما أفاده بعض المحقّقين من أنّا نعلم أنّ للعبادات أجزاء معتبرة فيها يتألّف منها ماهيّاتها، كما هو ظاهر من ملاحظة الشرع و لو كانت للأعمّ لما كانت كذلك، إذ صحّة إطلاقها حينئذ مع فقد كلّ واحد منها يستلزم انتفاء جزئيّتها أو تحقّق الكلّ بدون الجزء، هذا خلف.

و أورد عليه بمنع الملازمة، فإنّ القائل بوضعها للأعمّ يسلّم وجود أجزاء معتبرة في الماهية و لا يقول بحصول الماهية مع عدمها، سواء اعتبرت على نحو الإجمال أو التعيين، و انما القول بأن جميع الأجزاء ليس من ذلك القبيل بل هناك أجزاء اعتبرت بخصوصها في خصوص الصحيح، كالتشهّد و القراءة و نحوهما، أو يقول بصدق الصلاة على ما هو فاسد من جهة انتفاء الشرائط، أو وجود الموانع من الصحّة و الدليل المذكور لا يبطل شيئا من ذلك.

و يدفعه أنّ المقدّمة المذكورة أوّلا كافية في دفع ذلك، فإنّ من راجع عرف المتشرّعة وجد حكمهم بجزئيّة جميع الأجزاء المقرّرة للصلاة على سبيل الإطلاق من غير حاجة الى التقييد.

و بالجملة: أنّه بعد ثبوت الجزئيّة في الجملة يحكمون بكونه جزء لمطلق الصلاة، فالمنع المذكور موهون بعد الرجوع الى عرف المتشرّعة، و التفصيل بين الأجزاء و الشرائط ليس مذهبا معروفا، فلا معوّل عليه بعد إبطال كونها للأعمّ مطلقا.

455

السابع: ما أفاده المحقّق المذكور أيضا، و هو أنّ كلّ واحد من العبادات متعلّق لطلب الشارع و أمره، و لا شي‏ء من الفاسدة كذلك فلا شي‏ء من تلك العبادات بفاسدة، و يمكن تقريره بالشكل الأوّل بأن يقال في الكبرى: و لا شي‏ء من متعلّق طلب الشارع بفاسدة فينتج النتيجة المذكورة.

و اورد عليه أنّه إن اريد أنّ كلّا من العبادات مأمور به في الجملة فمسلّم و لا يجدي نفعا، و إن اريد أنّه مأمور به على كلّ حال فهو ممنوع، و لو استند فيه الى إطلاقات الأمر ففيه مع منع ورودها في جميع الموارد أنّها لا تقاوم ما دلّ على الوضع للأعمّ، القاضي بتقييدها بما إذا كانت جامعة لجميع الأجزاء و الشرائط ممّا ثبت اعتبارها في الصحّة.

و يدفعه: أنّه لا ريب في تعلّق الأوامر أو ما بمعناها بجميع العبادات؛ إذ قوام العبادة بالأمر و من البيّن أنّ الأوامر لا تتعلّق بالفاسدة، فقضيّة ذلك كون ما تعلّق به تلك الأوامر صحيحة، و لمّا كانت متعلّقة بها على إطلاقها يثبت صحّتها كذلك فتكون الفاسدة خارجة عنها.

و دعوى عدم مقاومته لما دلّ على الوضع للأعمّ تسليم لدلالة ذلك على المدّعى، فيتشبّث في دفعه الى كون ما يدلّ على الوضع للأعمّ أقوى، و ستعرف إن شاء اللّه تعالى أنّ ما احتجّ به لذلك غير ناهض عليه في نفسه، فكيف بمقاومته لذلك؟!.

الثامن: ما أفاده المحقّق المذكور أيضا من أنّها لو كانت موضوعة للأعمّ لم تكن توقيفيّة بل كان المرجع فيها الى العرف؛ إذ هو المناط فيها على القول المذكور و التالي باطل ضرورة كونها امورا توقيفيّة متلقّاة من صاحب الشريعة لا يصحّ الرجوع فيها الى عرف و لا عادة.

و اورد عليه تارة بالنقض فإنّ القائل بوضعها للصحيحة يرجع أيضا في إثباته الى العرف، و لذا استدلّوا عليه بالتبادر و صحّة السلب كما مرّ.

و اخرى بمنع الملازمة؛ إذ مجرّد الرجوع الى العرف لا يقضي بعدم كونها توقيفيّة.

456

نعم إنّما يلزم ذلك لو كان المرجع فيها الى العرف العامّ كما هو الحال في المعاملات، و ليس كذلك بل المرجع فيها الى عرف المتشرّعة الكاشف عن مراد صاحب الشريعة، و هو أخذ بالتوقيف، و كما أنّه يرجع في الألفاظ اللغويّة و العرفيّة العامّة الى اللغة و العرف العامّ و لا ينافي كون ذلك توقيفيّا بل يحقّقه فكذا في المقام، غاية الأمر أنّ المعتبر هناك التوقيف من أهل اللغة و العرف العامّ و المعتبر هنا التوقيف من الشرع و هو حاصل بالرجوع الى عرف المتشرّعة؛ للاتّفاق على اتّحاد المعنى العرفي لما استعمل فيه في كلام الشارع و لا فارق بين التوقيفين و العلّة المجوّزة هناك مجوّزة هنا أيضا، لاشتراكهما في التوقّف على التوقيف و عدم سبيل للعقل في الحكم به، و هو ظاهر.

قلت: لا يخفى أنّ هنا توقيفيّا في معرفة المعنى في الجملة ككونه العبادة المعروفة المستجمعة لجميع الأجزاء و الشرائط المعتبرة في الصحّة أو الأعمّ من ذلك و من الفاسدة، و توقيفيّا في معرفة تفاصيل ذلك المعنى من أجزائه و شرائطه المعتبرة فيه فيتميّز به خصوص المصاديق.

و لا ريب أنّ الأوّل ممّا يتحصّل من ملاحظة عرف المتشرّعة و لا مانع من الرجوع اليه، و لذا استند الفريقان فيما ادّعوه الى العرف حيث احتجّوا بالتبادر و غيره.

و أمّا الثاني فهو الّذي عناه المستدلّ في المقام، و لا ريب أنّ العرف لا يفي بتلك التفاصيل بل يرجع فيه المقلّد الى المجتهد، و المجتهد الى الأدلّة التفصيليّة من غير رجوع في تعيين شي‏ء من واجباته و شرائطه الى العرف، سواء قلنا بكون تلك الألفاظ موضوعة بإزاء المعنى الإجمالي- حسب ما أشرنا اليه في الصلاة من غير أن يؤخذ في نفس ما وضع اللفظ له تلك التفاصيل كما هو الظاهر، فيدور الأمر في صدقه مدار صحّته و كونه مقرّبا سواء زادت أجزاؤه أو نقصت، حتّى أنّه يقال بصدق الصلاة مثلا على الصلوات المقرّرة في الشرائع المتقدّمة بملاحظة زمان صحّتها- أو قلنا بكونها موضوعة بإزاء ما اعتبر فيه الأجزاء، على التفصيل بأن‏

457

يجعل كلّا من الأجزاء و الشرائط معتبرا في الموضوع له.

أمّا على الأوّل فظاهر، إذ معرفة المصداق حينئذ ليس من شأن العرف، ألا ترى أنّ القيمة السوقيّة و نحوها يرجع في فهم معناها الى العرف، لكن في تعيين ما هو قيمته أنّما يرجع الى أهل الخبرة، فكذا في المقام.

و أمّا على الثاني فلأنّه لمّا كانت الأجزاء و الشرائط المعتبرة فيها متكثّرة و العرف لا يفي غالبا بمعرفة تلك التفاصيل- فهم إنّما يتصوّرون المعنى الموضوع له في أمثال ذلك على وجه يميّزه من غيره من غير أن ينتقل الى التفصيل، فهم إنّما يعرفون من الموضوع له في أمثال المقام أنّه معنى شأنه كذا مثلا- فلا بدّ في معرفة التفصيل أيضا من الرجوع الى الأدلّة التفصيليّة.

و الحاصل: أنّ كون المعنى موضوعا له عند أهل العرف للفظ لا يستلزم تصوّرهم لذلك المعنى على سبيل التفصيل حتّى يتميّز تفاصيله بالرجوع اليهم، بل الغالب فيه في مثل المقام هو تصوّر المعنى بالوجه و على سبيل الإجمال حسب ما ذكر، و هو كاف في فهمه، و حينئذ فلا وجه لما ذكر من الرجوع في تمييز تفصيل المعنى الى العرف؛ إذ ليس ذلك من شأنهم و إنّما شأن أهل العرف الرجوع في ذلك الى العلماء و أهل المعرفة، كما هو ظاهر من ملاحظة الحال في كلّ واحد من العبادات، كيف! و لو كان العرف مرجعا في معرفة التفصيل لما كانت حاجة الى الرجوع الى الأخبار و غيرها من الأدلة الشرعيّة في معرفة أجزاء الصلاة و غيرها، و هو واضح البطلان، و ليس الوجه فيه إلّا ما عرفت من الفرق بين الإجمال و التفصيل، و المستفاد من تلك الألفاظ ليس إلّا الامور المجملة هو الّذي يستفاد من العرف، و لا يعرف التفصيل إلّا بالرجوع الى الأدلّة، و هذا كلّه واضح بناء على القول بوضعها للصحيحة.

و أمّا القائل بوضعها للأعمّ فيذهب الى تعيين المعنى بحسب عرف المتشرّعة على التفصيل، و لذا يذهب الى جريان الأصل في كلّ ما شكّ في جزئيته أو شرطيّته بعد إحراز ما يصدق معه الاسم في العرف.

458

فمحصّل الاستدلال أنّه لو كانت تلك الألفاظ موضوعة للأعمّ لكان الرجوع الى عرف المتشرّعة كافيا في معرفة تفاصيل معاني العبادات المقرّرة في الشريعة، مع أنّه ليس كذلك بل لا يعرف تلك التفاصيل إلّا بالرجوع الى الأدلّة التفصيليّة المقرّرة في الكتب الاستدلاليّة.

و المراد من كونها توقيفيّة هو هذا المعنى، و هو الفارق بين ألفاظ العبادات و غيرها حيث جعلوا الاولى توقيفيّة و الثانية محوّلة الى العرف، كيف! و لو كان الأمران ممّا يحال الى العرف لم يكن هناك فرق بينهما.

و كون إحديهما محالة الى العرف العامّ و الاخرى الى عرف المتشرّعة الّذي هو بمنزلة العرف العامّ بعد انتشار الإسلام لا يصلح فارقا في المقام، و سياق كلامهم يأبى عنه غاية الإباء، كما لا يخفى على المتأمّل فيما قرّرنا.

حجّة القائلين بكونها للأعمّ وجوه:

أحدها: قضاء أمارات الحقيقة به، و هو من وجوه:

منها: التبادر فإنّ المنساق في العرف من نفس تلك الألفاظ مع قطع النظر عن الامور الخارجية هو ما يعمّ القسمين، و لا دلالة فيها على خصوصية أحد الوجهين، و لذا يصحّ الإخبار بأنّ فلانا يصلّي و إن لم يعلم صحّة فعله، بل و إن علم فساده، و لو لا تبادر الأعمّ لكان ذلك كذبا.

و منها: عدم صحّة سلبها عن الفاسدة، و لذا لا يصحّ الإخبار عمّن كان وضوؤه و غسله فاسدا أو عباداته فاسدة: إنّه لا يتوضّأ و لا يغتسل من الجنابة. و لا يصلّي و لا يصوم، و لو أخبر كذلك من دون قيام قرينة على إرادة خلاف الظاهر عدّ كذبا، بخلاف ما لو قيّد بالصحيحة.

و الحاصل: أنّ الفرق بين نفي المطلق و نفي المقيّد في العرف- كما هو معلوم من ملاحظته- دليل على عدم صحّة سلب المطلق عن الفاسدة عندهم.

و منها: صحّة تقسيمها الى الصحيحة و الفاسدة، و هو ظاهر في كونها حقيقة في المقسم.

459

و منها: أنّها تقيّد بالصحّة تارة، و بالفساد اخرى، و الأصل فيما هو كذلك أن يكون حقيقة في القدر المشترك بين القيدين.

و منها: صحّة استثناء الفاسدة منها إذا دخل عليها أداة العموم، كما في قولك:

«كلّ صلاة توجب التقرب الى اللّه تعالى إلّا الفاسدة، و كلّ صلاة صلّاها فلان كانت مجزية إلّا صلاته الكذائية» و هي دليل على اندراج المستثنى في المستثنى منه، إذ الأصل فيه الاتصال.

و منها: حسن الاستفهام فيما لو أخبر أحد بوقوع شي‏ء من تلك العبادات، أو حكم عليه بشي‏ء أنّها هل كانت صحيحة أو فاسدة، و الأصل في ذلك كون المستفهم عنه مشتركا لفظيا بين ذينك الأمرين أو معنويا، و حيث إنّ الأوّل منفي في المقام بالإجماع فيتعيّن الثاني.

و منها: أنّها تطلق على الصحيحة تارة، و على الفاسدة اخرى، و الأصل فيما هو كذلك أن يكون حقيقة في القدر المشترك بين الأمرين، حذرا من الاشتراك و المجاز.

و الجواب: أمّا عن الأوّل فبمنع التبادر، بل الأمر فيه بالعكس؛ إذ ليس المتبادر إلّا الصحيحة حتّى أنّه اعترف به القائل بوضعها للأعمّ إلّا أنّه ادّعى كونه إطلاقيا، و ما ذكر من المثال فمحمول على الوجه المتقدّم من جهة إسنادها الى معيّن، لما عرفت من كون ذلك قرينة على إطلاق المفهوم على ما هو مصداق له عند العامل، لما في تعيين مصداق تلك المفاهيم من الاختلاف في الآراء و الأداء، و كلّ عامل فإنّما يأتي بها على حسب ما يعتقده فيها أو جرى عمله عليها، فإذا اسند ذلك اليه قضى ذلك بأدائها على حسب ما عنده، و المتبادر منه حينئذ هو الصحيحة بزعم العامل، كما هو ظاهر من ملاحظة العرف، و لو لا ما قلناه من كون المتبادر هو الصحيح و كون الانصراف هنا من الجهة المذكورة لما كان فرق بين الأمرين، بل كان الصحيح بزعمه الفاسد في الواقع كالفاسد بزعمه أيضا من غير فرق في الانصراف مع وضوح الفرق، و هو شاهد على ما ذكرناه.

460

و يومئ الى ما قلناه أنّه يقال: إنّ المخالفين يأتون بالعبادات و يؤدّون الواجبات و يواظبون على السنن مع أنّ العبادة و الواجب و السنّة ليست إلّا الصحيحة، فقد اطلق المذكورات على خصوص ما يعتقدونه كذلك، فاللفظ في تلك الإطلاقات قد استعمل في معناه الموضوع له- أعني العبادة المخصوصة الصحيحة و إنّما اطلقت على المصداق المخصوص تبعا لاعتقاد عاملها كونه مصداقا لها- و ذلك لا يقضي بتجوّز في المقام كما لا تجوّز فيما إذا استعمل اللفظ في غير الموضوع له عنده تبعا للوضع الثابت في عرف آخر، غاية الأمر أنّ فيه مخالفة للظاهر، و تكفي النسبة المذكورة شاهدة عليه حسب ما عرفت.

و ممّا يشهد على ما ذكرنا أنّه يصحّ سلب الصلاة الحقيقية عن تلك الأعمال الفاسدة و أن يقال: إنّها ليست بصلاة أتى بها الشرع و ليست من الماهية المجعولة في الشريعة، و من البيّن أنّ القائل بالوضع للأعمّ يقول بكون الأعمّ هي الصلاة المجعولة المقرّرة من الشارع، و يقول بكون المستعمل فيه للفظ الصلاة و الموضوع لفظها بإزائه‏ (1) هو ذلك، لنصّه على كون المعنى الشرعي قابلا للصحّة و الفساد، و كون المقرّر من الشرع قدرا جامعا بين القسمين و إن لم يقل بكونها مطلوبة كذلك.

و من غريب الكلام ما وجدته في كلام بعض الأعلام حيث إنّه بعد ما نفى الريب عن كون الماهيات المحدثة امورا مخترعة من الشرع قال: «و لا شكّ أنّ ما أحدثه الشارع متّصف بالصحّة لا غير، بمعنى أنّه بحيث لو أتى به على ما اخترعه يكون موجبا للامتثال للأمر بالماهية من حيث إنّه أمر بالماهية» و نصّ أيضا على أنّه: إذا وضع الشارع اسما لهذه المركّبات أو استعمله فيها لمناسبة فهو يريد تلك الماهية على الوجه الصحيح بالمعنى المذكور. و بعد ذلك كلّه ذهب الى كونها أسامي للأعمّ فيكون الموضوع له أو المستعمل فيه هو الأعمّ. و هل هذا إلّا تدافع بيّن و تناقض ظاهر؟!.

و قد ظهر ممّا ذكرنا الجواب عمّا ذكر في الوجه الثاني، و وجه الفرق بين نفي‏

____________

(1) و ما وضعت بإزائه. (خ. ل).

461

المطلق و المقيّد بالصحيحة ظاهر ممّا قرّرناه؛ إذ التصريح بالصحّة في المقام مع دلالة اللفظ على اعتبار الصحّة في الجملة ظاهر في اعتبار الصحّة الواقعية، كما لا يخفى ذلك بعد التأمّل في العرف.

و أمّا الثالث ففيه: أنّ التقسيم إنّما يفيد كون المقسم مستعملا في خصوص الأعمّ و مجرد الاستعمال أعمّ من الحقيقة؛ لاستعماله في خصوص الصحيحة قطعا.

و دعوى كون التقسيم ظاهرا في كون المقسم حقيقة في الأعمّ محلّ منع، سيّما إذا اشتهر استعماله في خصوص أحد القسمين، و كذا الحال فيما ذكر من التقييد و صحّة الاستثناء و لا يلزم كون الاستثناء منقطعا إن قلنا بكونها موضوعة للصحيحة، لتسليم دلالته على استعمال المستثنى منه في الأعمّ إلّا أنّ مجرد الاستعمال غير كاف في المقام.

و كذا الكلام في دعوى كونها حقيقة في القدر المشترك من جهة إطلاقها على كلّ من القسمين.

و حسن الاستفهام إنّما يتبع حصول الاحتمال و يختلف الحال فيه بحسب قرب الاحتمال و بعده، و لا دلالة فيه على كون المستفهم عنه مشتركا لفظيا أو معنويا أصلا، و قد عرفت الحال في ذلك كلّه فيما قدّمناه في بيان أمارات الحقيقة، على أنّه لو سلّم دلالة تلك الأمارات على الحقيقة ففيها ظهور ما في ذلك، و لا يعادل ذلك ما قدّمناه من الشواهد على كونها للصحيحة.

ثانيها: أنّه قد شاع استعمال تلك الألفاظ في مواضع عديدة في الأعمّ من الفاسدة، يستفاد من كلّ منها وضعها بإزاء الأعمّ من الصحيحة، و يبعد التزام التجوّز في تلك الاستعمالات الشائعة.

منها: أنّه قد شاع في الأخبار بل جاوز حدّ التواتر بمرار الأمر بإعادة الصلاة و غيرها من العبادات إذا طرأها فساد لترك جزء أو ارتفاع شرط أو وجود مانع، و قد تداول الحكم بالإعادة حينئذ في ألسنة العلماء كافّة من الخاصّة و العامّة، و قد جروا على استعمالها في كتبهم المصنّفة و شاع استعمالها في ذلك المقام حتّى بين‏

462

العوام، و من البيّن أنّ الإعادة بحسب العرف و اللغة عبارة عن الإتيان بالشي‏ء ثانيا يعني بعد الإتيان به أولا، بل ذلك هو معناه المصطلح أيضا و إن اخذ فيه بعض الخصوصيات، و قضية ذلك كون الفعل الواقع أولا مندرجا في المسمّى و إلّا لم يكن الفعل الثاني إتيانا بذلك الفعل ثانيا، بل كان إتيانا أوّليا و بذلك يخرج عن كونه إعادة.

و بالجملة: لو كانت أسامي العبادات موضوعة بإزاء الصحيحة لم يمكن تحقّق الإعادة إلّا مع صحّة المأتي به أولا، و لا يجري ذلك إلّا في نادر من المقامات ممّا وردت إعادته مع صحّة الأوّل كالمعادة جماعة و نحوها، و أمّا معظم ما ورد فيه الإعادة و تواتر نقله عن أهل العصمة و شاع استعماله بين المتشرّعة فإنّما هو مع فساد الفعل الأوّل، كما هو قضية الأمر بالإعادة و الحكم بوجوبها؛ إذ لا وجه له مع صحّة الفعل الأوّل.

و التزام التجوّز في جميع الاستعمالات المذكورة مع شيوعها و تداولها بعيد كمال البعد؛ بل ربما يقطع بفساده، على أنّ مجرد الظهور كاف في المقام، لكون المسألة لغوية متعلّقة بالأوضاع اللفظية.

و منها: أنّه قد شاع في الاستعمالات الجارية و تداول بين الخاصّة و العامّة الحكم ببطلان الصلاة و فسادها عند حصول ما يفسدها، و كذا الحال في غيرها من العبادات، و لو لا أنّها موضوعة للأعمّ لم يصحّ الحكم عليها بذلك؛ لوضوح بطلان الحكم ببطلان العبادة الصحيحة و الحكم بفسادها، و التزام التجوّز في تلك الإطلاقات الشائعة بعيد جدّا.

و منها: أنّه قد تظافر النهي عن جملة من العبادات و لو كانت أسامي للصحيحة لما صحّ تعلّق النهي بها، أو لزم القول بعدم اقتضاء النهي عنها للفساد، بل قضى ذلك بدلالة النهي عنها على الصحّة بمقتضى المادّة، كما حكي القول به عن أبي حنيفة و تلميذه، لتعلّق النهي بمسمّى اللفظ الّذي هو خصوص الصحيحة، فيكون الإتيان به صحيحا بمقتضى المادّة، محرّما خاصّة بمقتضى الهيئة، و إلّا لزم المناقضة بين‏

463

و القول بأنّ ذلك إنّما يتمّ على فرض إمكان وقوعه منه و هو ممنوع مدفوع بما هو ظاهر من عدم جواز تعلّق النهي بغير المقدور، كما لا يصحّ تعلّق الأمر بما لا يقدر على تركه كالكون في المكان، و لذا يقبح أن يقال للأعمى: لا تبصر، و للإنسان: لا تطر، و نحو ذلك فتعلّق النهي بها دليل على إمكان وقوعها.

و القول بالتزام التجوّز في لفظ الإعادة، أو في مادّة النهي و الخروج عمّا وضعت له مدفوع بكونه خلاف الظاهر؛ لبعد التزام التأويل في جميع تلك الاستعمالات، بل ربما يقطع بفساده، سيّما مع عدم قيام دليل على الوضع للصحيحة ليبعث على ذلك، و على فرض قيامه فلا ريب في كون الجري على الظاهر في تلك الاستعمالات الشائعة أظهر، فهو بالترجيح أولى.

و الجواب عن الأوّل أمّا أولا فبأنّ ذكر الإعادة في الأخبار و سائر الاستعمالات ليس مختصّا بما إذا وقع الفعل كاملا بحيث يصدق عليه الاسم، بل كثيرا ما يطلق مع الإتيان ببعض الفعل بحيث لا يصدق عليه اسم تلك العبادة، و إنّما يعدّ بعضا منه كما إذا صلّى ركعة من الظهر أو العصر أو بعضا منها و شكّ بين الركعة و الركعتين أو طرأه غير ذلك من المفسدات، فإنّه يقال: إنّه يعيد صلاته، مع أنّ ما أتى به لم يكن مصداقا محقّقا من مصاديق الصلاة، و الفرق بين ذكر الإعادة في هذه المقامات و غيرها بالتزام التجوّز في المقام دون غيره بعيد جدّا؛ إذ الظاهر كون الإطلاق في الجميع على نهج واحد.

و الّذي يخطر بالبال في تصحيح ذلك أن يقال: إنّ صدق الإعادة لا يتوقّف على الإتيان بتمام الفعل أولا، بل إذا تلبّس بفعل و دخل فيه ثمّ تركه فاستأنفه يقال:

إنّه عاد الى ذلك الفعل و أعاده، و ليس القدر المتكرر منه إلّا البعض، فذلك كاف عرفا في نسبة الإعادة الى مطلق ذلك، و الظاهر أنّه كذلك لغة أيضا، و نظير ذلك واقع في غيرها من الألفاظ، تقول: «ضربت زيدا، و مسحت الجدار» و لم يقع الضرب و المسح إلّا على البعض منهما، فنقصان بعض الأجزاء أو الشرائط و إن قضى بفساد العمل إلّا أنّه يصدق معه الإتيان ببعض ذلك العمل، و هو كاف في‏

464

صدق الإعادة بحسب العرف كما عرفت.

فإن قلت: إنّه على القول بكون الصلاة اسما للصحيحة لا يكون القدر الواقع منه بعد ابطال العمل بعضا من الصلاة لطروّ الفساد الباعث على خروجه عن ذلك، فكما أنّه على فرض إكماله فاسدا لا يندرج في الصلاة حقيقة فليس مع الاقتصار عليه بعضا من الصلاة أيضا، فالوجه المذكور إنّما يتمّ على القول بكون الصلاة اسما للأعمّ.

قلت: لمّا كان الفعل قبل طروّ المفسد متّصفا بالصحّة، و لذا يقال بعد طروّه: «إنّه أفسد عمله أو فسد عمله بكذا» و لا يصحّ القول ببطلان عمله من حين شروعه بكشف ما لحقه من المفسد عن فساده من أوّل الأمر: كان ذلك مصحّحا للحكم بإتيانه ببعض الصلاة الصحيحة و إن طرأه البطلان بعد ذلك.

و بالجملة: الصحّة و الفساد إنّما يطرءان حقيقة على تمام العمل و يتّصف الأبعاض بهما تبعا للكلّ، فإذا وقع بعض العمل على الوجه المعتبر اتّصف بالصحّة بملاحظة كونه بعضها من العمل الصحيح، فهو صحيح بالوجه المذكور قبل طروّ المفسد من غير منافاة بين وقوعه صحيحا بالوجه المذكور و ما طرأه من الفساد بعد ذلك، و لذا يصدق حينئذ دخوله في الصلاة على الوجه الصحيح، و يتعلّق بذمّته أداء المنذور فيما لو نذر أن يتصدّق بدرهم، إذا دخل في الصلاة على الوجه الصحيح في الأماكن المكروهة.

بل حكم الشهيد (رحمه اللّه) بالحنث مع نذره عدم إيقاع الصلاة فيها بمجرّد الدخول فيها صحيحا، و الوجه فيه أنّه يصدق عرفا مع الشروع في الفعل: أنّه يصلّي في ذلك المكان، و المفروض أنّه نذر أن لا يصلّي فيه، و عدم صدق الصلاة على ما أتى به بعد إفساده في الأثناء لا يقضي بعدم صحّة إطلاق يصلّي هناك على سبيل الحقيقة قبله، فإنّ الأفعال التدريجية يصحّ إسناد ذلك الفعل الى المتلبّس بها حقيقة على النحو المذكور قطعا (1).

____________

(1) و في كلامه (رحمه اللّه) إشكال ليس تفصيل الكلام فيه لائقا بالمقام. (منه (رحمه اللّه)).

465

و من هنا يظهر وجه آخر لصدق الإعادة في المقام؛ إذ الظاهر أنّه لا يعتبر في تحقّق مفهومها ما يزيد على ذلك، فصحّة إسناد الفعل اليه حينئذ قاضية بصدق الإعادة على استئنافه كذلك.

فإن قلت: إنّ ما ذكر إنّما يصحّح صدق الإعادة إذا كان المأتي به صحيحا عند الشروع فيطرؤه الفساد بعد ذلك، و أمّا إذا كان فاسدا من أوّل الأمر كما إذا انكشف إيقاعها من غير طهارة فلا يتمّ ذلك.

قلت: قد يصحّح ذلك بأنّ وقوع تلك الأفعال على وجه الفساد لا يقضي بعدم صدق الإتيان ببعض ذلك العمل؛ إذ لا يعتبر في صدق ذلك اتّصاف ذلك البعض بالصحّة لما عرفت من أنّ الصحّة إنّما يتّصف بها في الحقيقة العمل بتمامه دون الأبعاض، و اعتبارها في التسمية إنّما هو بالنسبة الى وضع اللفظ للكلّ، و المدار في صدق كون المأتي به بعضا من العمل أنّه لو انضمّ اليه سائر الأجزاء و الشرائط كان عملا تامّا و هو كذلك في المقام، فقد يكتفى بالإتيان بذلك في صدق الإعادة بحسب العرف، و من ذلك يظهر وجه آخر في الجواب عن الإيراد المتقدّم.

و مع الغضّ عن ذلك فيمكن تصحيح إطلاق الإعادة في المقام بما سنذكره في الوجه الثاني.

و مع الغضّ عنه أيضا فالتزام التجوّز في خصوص الصورة المفروضة في لفظ الإعادة أو اللفظ الموضوع لتلك العبادة غير مستنكر، و ليس ذلك إلّا كتجوّزهم في إطلاق تلك الأسامي على العبادات الفاسدة.

و أمّا ثانيا فبأنّ المراد بالصلاة في قولهم: «أعد صلاتك أو يعيد صلاته» و نحوهما إمّا مطلق الصلاة من غير أن يكون إطلاقا لها على ما أوقعه من الفعل، فلا مانع من أن يراد به الفعل المخصوص الموافق لأمر اللّه تعالى، فيكون صدق الإعادة على فعله ثانيا من جهة إتيانه أولا بالفرد المفروض، على أنّه أداء للصحيح و بملاحظة كونه إتيانا بتلك الطبيعة و إن لم يكن ما فعله أوّلا إتيانا بالصحيح بحسب الواقع، حتّى يكون أداءا لذلك الفعل حقيقة، فإنّ غاية ما يعتبر

466

في صدق الإعادة هو إيقاع الفعل ثانيا سواء كان الواقع منه أوّلا من أفراد تلك الطبيعة بحسب الحقيقة أو بحسب الصورة، و اعتقاد العامل كونه أداءا لذلك الفعل و إتيانا بتلك الطبيعة و إن لم يكن بحسب الواقع كذلك، ألا ترى أنّه يصحّ أن يقال في الصورة المفروضة: «أعد ما كلّفت به أو ما أمرك اللّه بأدائه أو ما افترضه اللّه عليك» مع أنّ شيئا من ذلك لا يشمل الفاسد قطعا، إلّا أنّه لمّا كان إتيانه بالفعل الأوّل من جهة كونه أداء للمكلّف به و إتيانا بالواجب صحّ التعبير المذكور، و ظاهر العرف لا يأبى عن صدق الإعادة على ذلك على سبيل الحقيقة.

و إمّا أن يراد به الفعل الصادر منه على أنّه مصداق للصلاة و الإتيان به إتيان بتلك الطبيعة المخصوصة، فاللفظ المذكور قد استعمل فيما وضع له و اطلق على المصداق المفروض بالاعتبار المذكور حسب ما مرّ تفصيل القول فيه، في بيان الحال في إطلاق الصلاة على الصلوات الفاسدة بحسب الواقع الصحيحة باعتقاد الآتي بها، فيكون الأمر بإعادتها دليلا على عدم صحّة الأوّل و اشتماله على الخلل، و يكون صحّة إطلاق الإعادة منوطا بصحّة إطلاق الصلاة على الفعل الأوّل بالنظر الى اعتقاد العامل حسب ما عرفت.

و قد يجعل من هذا القبيل إطلاق الصلاة فيما لو قيل: رجل صلّى بغير طهارة، أو صلّى بغير سورة، أو صلّى مع الخبث ناسيا أو جاهلا بالحكم، أو صلّى الى غير القبلة ... الى غير ذلك، فيصحّ الاستعمالات المذكورة على سبيل الحقيقة على القول بوضعها للصحيحة بالملاحظة المذكورة.

و ممّا يشهد بما قلناه أنّه لو فرض ثبوت وضع الصلاة بإزاء الصحيحة صحّ استعمال الإعادة فيما ذكر من الاستعمالات قطعا، و لا يأبى عنه العرف على الفرض المذكور أيضا، و لذا يستعملها القائل بوضعها للصحيحة أو الأعمّ على نحو واحد، فتأمّل.

و أمّا ثالثا فبالتزام التجوّز في جميع تلك الاستعمالات إمّا في لفظ الإعادة، أو في أسامي تلك العبادات حيث اريد بها المعنى الأعمّ ليتحقّق بذلك صدق‏

467

الإعادة على سبيل الحقيقة و لا مانع من ذلك؛ إذ لا دلالة لمطلق الاستعمال على الحقيقة كما مرّ، و كذا لا دلالة في لزوم التجوّز في لفظ آخر على فرض كونها حقيقة في معنى مخصوص دون غيره على عدم وضعه له و وضعها للآخر، نظرا الى مخالفة المجاز للأصل لما عرفت في مباحث الدوران من عدم صحّة إثبات الأوضاع بمثل الأصل المذكور، فإنّها امور توقيفية لا يصحّ الاستناد في إثباتها الى الوجوه التخريجية.

نعم، لو حصل ظنّ بالوضع من ملاحظة العرف صحّ الأخذ به، لما دلّ على حجّية مطلق الظنّ في مباحث الألفاظ، و حصول ذلك في المقام محلّ منع.

و الحاصل: أنّ الاحتجاج المذكور إن كان من جهة الاستناد الى لزوم المجاز في لفظ الإعادة أو اسم العبادة في تلك الاستعمالات لإثبات كون تلك الألفاظ موضوعة للأعمّ من الصحيحة فقد عرفت أنّ مجرّد لزوم التجوّز على أيّ من الوجهين لا يصبح دليلا على وضعها لذلك، و ليس الأصل المذكور بنفسه أصيلا في إثبات الأوضاع و نفيها.

و إن كان من جهة بعد التجوّز في تلك الاستعمالات الشائعة ففيه أنّه لا مانع من شيوع المجاز مع انضمام القرينة اليه كما هو المفروض في المقام، سيّما مع قرب المجاز و كمال ارتباطه بالحقيقة و قيام الشواهد من الخارج على المجازية، فتأمّل.

و عن الثاني أنّه لا باعث على التزام التجوّز في تلك الاستعمالات بناء على وضعها للصحيحة؛ إذ المراد بالصلاة حينئذ هو مفهوم الصلاة المستجمعة للأجزاء و الشرائط، و قد اطلقت على ما كان مشتغلا بأدائه، نظرا الى مطابقته لتلك الطبيعة بملاحظة ما أتى به من أجزائها و ما هو بصدد الإتيان به من باقي تلك الأجزاء، و مفاد الحكم ببطلان ما أتى به لطريان المفسد عليه هو خروجه عن كونه مصداقا لتلك الطبيعة و إتيانا بذلك الواجب، فالمقصود أنّ ذلك المصداق المحصّل لتلك الطبيعة في الخارج قد خرج عن كونه مصداقا لها مصحّحا لوجودها، فالبطلان‏

468

إنّما يتّصف به ذلك المصداق باعتبار طروّ المفسد عليه، و إطلاق الصلاة عليه إنّما هو بالاعتبار الآخر، أعني من جهة اعتبار المكلّف أداءه مستجمعة للأجزاء و الشرائط ليتحقّق الطبيعة في ضمنه، و قد يجعل البطلان أيضا متعلّقا بتلك الطبيعة من جهة وجودها نظرا الى منع المبطل عن وجودها و إطلاق الصلاة عليها باعتبار المفهوم الملحوظ حين الاستعمال حسب ما قرّرنا.

و عن الثالث أمّا أوّلا فبالمنع من استلزامه دلالة النهي على الصحّة؛ إذ ذلك إنّما يتمّ إذا أمكن الإتيان بالماهية الصحيحة في ضمن المنهي عنه، و أمّا مع استلزامه استحالة الإتيان به كذلك فمن أين يجي‏ء الدلالة على صحّة المنهي عنه؟.

و القول بأنّ استحالة إتيانه حينئذ بالصحيح قاضية بقبح تعلّق النهي به حسب ما مرّ مدفوع بالفرق بين ما يستحيل الاتيان به من جهة تعلق النهي و ما كان مستحيلا قبل تعلّقه، و ما يقبح تعلّق النهي به إنّما هو الأول خاصّة؛ لما فيه من الهذرية، و أمّا الثاني فلا مانع منه لإفادة النهي إذن استحالة حصوله.

فإن قلت: إن استحالة صدور ذلك من المكلّف من الامور الواقعية بالنظر الى ملاحظة الشي‏ء في نفسه و ليست حاصلة بالنهي، فما تعلّق النهي به مستحيل قبل تعلّقه.

قلت: ثبوت الأحكام الشرعية إنّما يتبع الأدلّة المنصوبة عليها من الشارع، فلو لا تعلّق النهي بها كانت محكومة بصحّتها في الشريعة، نظرا الى إطلاق الأوامر بعد ثبوت الماهية بظاهر الأدلّة الشرعية، و إنّما يحكم بفسادها من جهة تعلّق النهي بها، فالقاضي بفسادها عندنا و استحالة وقوعها صحيحة في ظاهر الشرع إنّما هو النهي عنها.

و يشكل ذلك بأنّ المفروض كون النهي المتعلّق بذلك للتحريم، و المفروض استحالة وقوع ذلك المحرّم في الخارج بحسب الواقع سواء نهى عنه الشارع أو لا، فيكون الحكم بحرمته هذرا، فلا فائدة إذن في النهي سوى إعلام المكلّف بذلك من تعلّق النهي به فلا يكون النهي إلّا إرشاديا هذا خلف.

469

و يمكن دفعه بالفرق بين إيقاع الفعل بحسب قصد الفاعل و ملاحظة إيقاعه و وقوعه بحسب الواقع.

توضيح ذلك: أنّ هناك حصولا للطبيعة في ضمن الفرد بحسب الواقع و اعتبارا من الفاعل لايجادها في ضمنه، و هو لا يستلزم الحصول بحسب الواقع، فإنّ ذلك إن صادف الإتيان به في ضمن ما هو من أفراده بحسب الواقع كان هناك حصول لتلك الطبيعة بحسب الواقع و إلّا فلا، و المنهي عنه في المقام إنّما هو الثاني دون الأوّل.

فإن قلت: إنّ ظاهر النهي بحسب الوضع هو طلب ترك نفس الطبيعة لا ترك القصد إلى إيقاعها في الخارج و لو في ضمن ما ليس بمصداقها، و حمله على ذلك مجاز أيضا يأبى عنه شيوع تلك الاستعمالات.

قلت: المقصود أنّ أسامي العبادات موضوعة بإزاء الصحيحة و الأفعال المطلوبة بالشريعة، فإذا وقعت متعلّقة للنهي فالظاهر أيضا تعلّق النهي بتلك الأفعال، غاية الأمر أنّه يرتفع عنها المطلوبية من جهة تعلّق النهي بها، فمفاد تلك النواهي حرمة أداء ما يصحّ قبل النهي بعد تعلّقه بها فمادة النهي إذن مستعملة فيما وضعت له، إلّا أنّه يلزم من تعلّق النهي بها خروج المنهي عنه عن كونه مصداقا لما وضع المبدأ له.

و المتحصّل من ذلك هو حرمة الفعل الملحوظ به أداء تلك العبادة الشرعية، فكما أنّ الواجب قبل تعلّق النهي هو الفعل الملحوظ به أداء العبادة المخصوصة فكذلك هو المحرّم بعد تعلّق النهي به، إلّا أنّه يلزمه الفساد في الثاني، و الخروج عن كونه مصداقا لتلك الطبيعة بحسب الواقع هو أمر آخر لا مدخل له بما استعمل اللفظ فيه حتّى يلزم استعماله في غير ما وضع له.

و أمّا ثانيا فبالتزام التجوّز في النواهي الواردة بحملها على إرادة الفساد دون التحريم، لما ذكر من امتناع حصول الصحيحة، فلا يتّجه الحكم بتحريمها، فالمقصود من تلك النواهي الدلالة على فساد تلك الأعمال اللازمة من دلالتها

470

على عدم مطلوبيتها، و لذا تكرّر في كلام الشارع بيان الموانع عن الصحّة بالنواهي في العبادات و المعاملات على نحو بيانه الأجزاء و الشرائط بالأوامر.

و الظاهر أنّ ذلك طريقة جارية في مخاطبات العرف أيضا في أمثال تلك المقامات، فمفاد تلك النواهي عدم حصول تلك الطبائع المقرّرة في ضمن ما تعلّق النهي به، بالألفاظ المذكورة مستعملة في خصوص الصحيحة من غير حاجة الى صرفها عن ذلك، فيجي‏ء تحريم الإتيان بما تعلّق النهي به من جهة البدعة خاصّة لا لحرمته في نفسه مع قطع النظر عن كونه بدعة إلّا أن يقوم شاهد عليه.

و القول بأنّ البناء على وضع تلك الألفاظ للصحيحة لمّا كان مستلزما للخروج عن مقتضى وضع الصيغة في الاستعمالات المذكورة كان ذلك مدفوعا بالأصل موهون بما عرفت من عدم جواز إثبات الأوضاع التوقيفية بمثل تلك الاصول، و لذا لم يتداول بينهم إثبات شي‏ء من الأوضاع بذلك في سائر المقامات.

مضافا الى لزوم الخروج عمّا يستظهر من المادّة بناء على القول بوضعها للأعمّ لتبادر الصحيحة منها و لو من جهة الإطلاق، فالالتزام بالخروج عن ظاهر الإطلاق حاصل على القول المذكور أيضا، فأيّ بعد إذن في الخروج عن ظاهر وضع الصيغة؟ سيّما مع دورانه في الاستعمالات في أمثال تلك المقامات، فتأمّل.

هذا، و قد يلتزم بالتجوّز في أسامي العبادات المتعلّقة للنهي؛ نظرا الى كون تعلّق النهي بها قرينة على إطلاقها على الفاسدة، فيراد بها صورة تلك العبادة ممّا يطلق الاسم عليه بحسب استعمال المتشرّعة، و استبعاد التجوّز في تلك الاستعمالات غير متّجه سيّما مع انضمام القرينة و عدم شيوع استعمالها كذلك، لورودها في موارد مخصوصة، و الاستناد الى الأصل في دفع التجوّز في الاستعمالات المذكورة قد عرفت ما فيه.

لكن مع البناء على ذلك يلزم القول بحرمة الإتيان بما يطلق عليه اسم تلك العبادة بحسب العرف و إن لم يأت به الفاعل بملاحظة كونه العبادة المطلوبة، و هو مشكل بل لا يبعد استظهار خلافه، و هذا ممّا يرد على القائل بوضعها للأعمّ‏

471

أيضا إلّا أن يبني فيه على التقييد، و هو مع مخالفته للأصل خلاف المنساق من العبارة كما عرفت ففي ذلك تأييد لما قرّرناه من أحد الوجهين المتقدمين.

ثالثها: أنّها لو كانت موضوعة للصحيحة لزم التزام أحد أمرين في لفظ الصلاة من القول باختصاصه بواحدة من الصور- و يكون غيرها من سائر صورها غير مندرجة في الصلاة، إلّا أنّها تنوب منابها و تقوم مقامها في إسقاط التكليف بها- أو القول بثبوت ماهيات متعدّدة متباينة للصلاة فوق حدّ الإحصاء، و التالي بقسميه باطل فالمقدّم مثله. أمّا الملازمة فلأنّ ماهية الشي‏ء عبارة عمّا يكون به الشي‏ء هو، فلا بدّ أن يكون أمرا محقّقا في نفس الأمر متعيّنا في حدّ ذاته، و لا يكون تابعا لاعتبار المعتبر بحيث يزيد أجزاؤه و ينقص بمجرّد الاعتبار، و إذا وضع لفظ بإزائها فلا بدّ أن يلاحظ الواضع تلك الماهية على نحو يتعيّن و يتميّز عمّا سواها، و حينئذ إذا انتفى شي‏ء من أجزائها أو شرائطها المعتبرة فيها يلزم انتفاء تلك الماهية و خروجها من الموضوع له، فإذا كانت الصلاة اسما لماهية معيّنة محدودة مكيّفة بشرائط عديدة فيلزم من ذلك انتفاؤها بانتفاء جزء منها أو شرط، كما هو قضية ما مهّدناه و يعترف به القائل بكونها أسامي للصحيحة.

فنقول: حينئذ لا شكّ أنّ الصلاة يختلف أجزاؤها بحسب أحوال المصلّين فلها بالنسبة الى الحاضر أجزاء و بالنسبة الى المسافر أجزاء، و كذا بالنسبة الى القادر و العاجز على اختلاف مراتب العجز، و كذا بالنسبة الى المتذكّر و الساهي على اختلاف أنحاء السهو الواقع منه، و كذا الحال بالنسبة الى شروطها على اختلاف المراتب في القدرة و العجز و السهو و النسيان، فقد تحصّل إذن ماهيات كثيرة غير محصورة مختلفة في المقوّمات و الأجزاء و الشرائط المعتبرة.

فإن قيل بكون الصلاة اسما للجامع لجميع تلك الأجزاء و الشرائط لا غير لزم خروج الباقي عن الصلاة حقيقة، فيكون إجزاؤها عن الصلاة لنيابتها عنها، و هو اللازم الأوّل، و إن قيل بوضعها لكلّ من تلك الحقائق المختلفة الخارجة عن حدّ الإحصاء فهو اللازم الثاني.

472

و أمّا بطلان اللازم بقسميه فأمّا الأوّل فظاهر، لاتفاق الكلّ على فساده.

و أمّا الثاني فلوجهين:

أحدهما: أنّه خارج عن الطريقة الدائرة في الأوضاع، إذ التسمية للماهيات و وضع الألفاظ بإزاء المعاني إنّما يكون بعد تعيّنها و تميّزها حين الوضع من أوّل الأمر، من غير توقّف على طروّ شي‏ء و حصول شرط كما هو العادة الجارية في الأوضاع و المفروض خلافه في المقام، إذ ليس الوضع للطبيعة التامّة و الناقصة على اختلاف مراتبها على النحو المذكور و إنّما يكون الوضع لها متوقّفا على طروّ الطوارئ على اختلاف وجوهها و عدمه، فما دام متمكّنا متذكّرا يكون الصلاة بالنسبة اليه شيئا و ما دام عاجزا أو ناسيا أو ساهيا باختلاف المراتب في ذلك شيئا آخر، و يختلف التسمية بحسب اختلاف الأحوال و مثله غير معهود في الأوضاع.

ثانيهما: أنّه لو فرض تحقّق الوضع على النحو المذكور، سواء قلنا بوضعها لذلك على سبيل الاشتراك اللفظي أو المعنوي فلا بدّ أن ينوي المكلّف أولا صلاته الّتي هي تكليفه في نفس الأمر، لما عرفت من اختلاف الصلوات و تعدّد الماهيات، و حينئذ فلا بدّ أن ينوي أولا من ينسى التشهّد- مثلا- في الركعة الثانية تلك الصلاة الناقصة، و هو ضروري الفساد.

و لو قيل: إنّه ينوي الصلاة التامّة أولا، و حينئذ كيف يجزي عنه غير ما نواه؟

و كيف يجزي قصد ماهية عن غيرها مع وقوع الثانية من دون نيّة؟ و قصد الناقصة في الأثناء كيف يقضي بالإجزاء مع دخوله فيها بغير قصدها؟.

و لو قيل بتركّب ذلك إذن من الماهيتين حيث إنّه من التامّة الى حدّ التمام فيجزي فيه نيّتها، و من الناقصة بعد طروّ النقص فلا بدّ من نيّتها.

فهو واضح الفساد أيضا، إذ لا وجه لتركّب الماهية من ماهيتين مختلفتين متباينتين.

و الحاصل: أنّه لا يصحّ من الشارع إيقاع مثل تلك التسمية، و لا للمصلّي القصد الى ذلك المسمّى و نيته، هكذا ذكره بعض الأفاضل، و رأى أنّ شيئا من ذلك‏

473

لا يلزم القائل بوضعها للأعم، إذ هي حينئذ اسم لما يقبل الصحّة و الفساد و الزيادة و النقصان و لا يتفاوت فيه الحال و لا يرد عليه الإشكال، إذ تلك الزيادات و النقيصات إنّما هي من طوارئ الماهية و عوارضها و لا اختلاف في الماهية بحسب اختلافها، فلا مانع من التسمية و لا إشكال في تصحيح النيّة.

قلت: إنّ القائل بوضعها للصحيحة يقول أيضا بنحو ذلك بعينه، إذ لا يقول أحد باشتراك الصلاة لفظا بين تلك الخصوصيات و أنّ هناك ماهيات عديدة متباينة خارجة عن حدّ الإحصاء، بل إنّما يذهب الى وضعها للقدر الجامع بين الجميع و يجعل تلك الاختلافات اختلافا في الأفراد و الخصوصيات، و يقول بكون نفس الماهية أمرا قابلا لتلك الزيادات و النقيصات على ما يلتزم به القائل بكونها للأعمّ، غير أنّه يعتبر خصوصية زائدة على ما يقول به القائل بالأعمّ و هو كون تلك الماهية حسنة مقرّبة الى اللّه تعالى، فإنّ تلك الاختلافات قد تكون على نحو يوجب خروج العمل عن قابلية التقرّب، و قد لا تكون كذلك، فيجعل الموضوع له هو تلك الماهية مقيّدة بذلك ليخرج الأوّل عن المسمّى، و هذا التقييد إن لم يوجب زيادة تعيّن للمسمّى فلا يزيده إبهاما حتّى أنّه يكون قبل التقييد به ماهية محدودة متعيّنة الحدود و الأجزاء، و بعد التقييد به ماهية مبهمة غير متعيّنة ليتوقّف تعيّنه على ملاحظة تلك الخصوصيات.

بل قد يقال بأنّ الأمر فيما ذكر بالعكس، فإنّه يصحّ للقائل بوضعها للصحيحة ملاحظة معيار للتسمية- أعني ما يحصل به القربة و يكون معروضا للأجزاء و الصحّة- بخلاف القائل بوضعها للأعمّ، فيشكل الحال بالنسبة اليه، إذ لا معيار له حينئذ سوى التسمية، و المفروض أنّ التسمية فرع تعيّن المسمّى حسب ما ذكره.

و القول بتعيّن أجزاء مخصوصة يتعلّق بها التسمية موجب لخروج الباقي عن الحقيقة فلا يصحّ إطلاقها على الكلّ على سبيل الحقيقة و هو باطل باتّفاق الكلّ كما مرّت الإشارة اليه.

على أنّه لا فارق بين الأجزاء في ذلك لصدق الصلاة بحسب العرف قطعا

474

مع انتفاء كلّ منها، من غير فرق أصلا كما مرّ، و كيف يعقل تصوّر أمر متميّز معلوم جامع بين الصلوات الصحيحة و الفاسدة بحيث يشمل الصلاة الجامعة لجميع الأجزاء و الشرائط المعتبرة في حال الشعور و الاختيار و القدرة، و صلاة التكبير الّتي تجزي فيها تكبيرات أربع، و ما بين هذين من المراتب الّتي لا تحصى الواقعة على الوجه الصحيح و الفاسد فما أورده على القول المذكور فهو أشدّ ورودا على القائل بكونها للأعمّ.

ثمّ نقول أيضا: إنّ من البيّن أنّ التكبيرات الأربع إذا صدرت من القادر المتمكّن من الصلاة التامّة لا يسمّى صلاة عند المتشرّعة قطعا، بخلاف ما إذا وقعت في محلّها، و كذا في غيرها من بعض الوجوه الّتي قد تقع الصلاة عليه.

فما أورده من لزوم اختلاف التسمية باختلاف الأحوال الطارئة على القول بوضعها للصحيحة وارد عليه أيضا، غاية الأمر أن لا يختلف الحال عنده في التسمية بالنسبة الى بعض الوجوه، و لا بدّ في بعض آخر من القول باعتبار خصوصيات الأحوال في التسمية، إذ كما يقضي اختلافها باختلاف الحال في الفساد و الصحّة فكذا يقضي باختلاف التسمية كما لا يخفى بعد ملاحظة الإطلاقات العرفية.

و قد اتّضح لك بملاحظة ما قرّرناه في المقام و ما أشرنا اليه سابقا اندفاع الإيرادين المذكورين.

أمّا الأوّل فلانّ ما ذكر من اختلاف الحال في التسمية بحسب اختلاف الأحوال ليس من جهة ورود أوضاع مترتّبة على اللفظ بحسبها، حتّى يكون خارجا عن القانون المتعارف، بل لاختلافها في الصحّة المأخوذة في الوضع و الموضوع له مفهوم كلّي إجمالي شامل للجميع، كما مرّت الإشارة اليه و إنّما يختلف الحال في مصاديقه بحسب اختلاف تلك الأحوال.

و أمّا الثاني فلما عرفت من عدم اختلاف الطبيعة في النوع بحسب اختلاف تلك الأحوال حتّى لا يصحّ الأمر في النية و إنّما هو اختلاف في الامور العارضيّة

475

يختلف مصاديق تلك الطبيعة بحسب اختلافها، و ذلك ممّا لا يقضي بإشكال في النيّة، و هو ظاهر.

رابعها: أنّها لو كانت موضوعة لخصوص الصحيحة لما صحّ تعلّق الطلب بشي‏ء من العبادات معلّقا له على أساميها، و التالي ظاهر الفساد، بيان الملازمة: أنّ الألفاظ المذكورة حينئذ دالّة بنفسها على مطلوبية معانيها مع قطع النظر عن تعلّق صيغ الطلب بها، إذ المفروض دلالتها على العمل الصحيح و هو لا يكون إلّا مطلوبا، فلا يحصل من تعلّق الطلب بها فائدة جديدة و يكون بمنزلة أن يقول: اريد منك العمل الّذي هو مرادي.

و فيه أوّلا: أنّ هناك فرقا بيّنا بين دلالة الألفاظ المفردة على مطلوبية معانيها و دلالة المركّبات على وقوع الطلب، فإنّ غاية ما يستفاد من المفردات إحضار مداليلها المقيّدة بكونها مطلوبة، و أمّا كون ذلك الطلب حاصلا بحسب الواقع فلا، لظهور كون ذلك معنى خبريا لا يدلّ المفرد عليه، مثلا لفظ «الصوم» اسم للإمساك المعروف المطلوب للّه تعالى، فغاية ما يستفاد من لفظه إحضار المعنى المذكور ببال السامع، و أما أنّ ذلك المعنى أمر متحقّق في الواقع قد تعلّق طلب الشارع به فلا دلالة فيه عليه أصلا، و المستفاد من تعلق الطلب بها هو المعنى الأخير فلا تكرار.

نعم، لو قال الشارع: «إنّ الصوم ثابت في الشريعة» أفاد على القول المذكور كونه مطلوبا للشارع و لا فساد فيه بل الظاهر بحسب متفاهم العرف دلالته عليه، و هو ممّا يؤيّد القول المذكور.

و ثانيا: أنّ تلك الأوامر هي الدالّة على كون تلك الأعمال عبادة مطلوبة للشارع، فيعلم بذلك كون تلك الألفاظ مستعملة في تلك العبادات، فلو لا ما دلّ على مطلوبيتها لما علم كون تلك الألفاظ من أسامي العبادات و أنّ مداليلها من الامور الراجحة، فغاية الأمر أنّه بعد تعلّق الطلب بها و معرفة كون تلك الأفعال عبادة يمكن الرجوع قهقرى و استعلام المطلوبية من مجرّد اللفظ، و أين ذلك من‏

476

عدم صحّة تعلّق الأمر بها كما هو المدّعى. هذا بالنسبة الى الأوامر الابتدائية الّتي يستفاد منها أصل المطلوبية؟.

و أمّا الأوامر المتكرّرة الواردة بعد معرفة كون تلك الأفعال عبادة مطلوبة فهي أيضا ممّا لا مانع في ورودها، فانّها كالأمر بالطاعة مع أنّ الطاعة فيما يراد إيجاد الفعل هي موافقة الأمر، فغاية الأمر أن تكون مؤكدة و هي إنّما سيقت لأجل ذلك.

و ثالثا: أنّ تعلّق الأمر بها يفيد كون ما تعلّق به واجبا إن كان الأمر إيجابيا، أو مندوبا إن كان ندبيّا، و ذلك لا يستفاد من مجرّد ملاحظة الألفاظ المذكورة، فإنّها إنّما تدلّ على المطلوبية في الجملة الأعمّ من الوجوب و الندب.

و قد يناقش فيه بأنّ غاية ما يصحّح به من ذلك كون تعلّق الأمر الإيجابي أو الندبي مفيدا، و أمّا إذا كان اللفظ الدالّ على المطلوبية أعمّ من الوجهين بأن يدلّ على مطلق الرجحانية فالإيراد على حاله، إذ المفروض كون الألفاظ المفروضة مفيدة لذلك أيضا، و قد وقع ذلك كثيرا في الأدلّة الشرعية.

خامسها: أنّها لو كانت موضوعة لخصوص الصحيحة لزم دخول وصف الصحّة في مفاهيمها، و هو بيّن الفساد، لظهور كونها من عوارض وجودها في الخارج.

و يدفعه أنّه ليس المقصود أخذ مفهوم الصحّة في مداليل تلك الألفاظ حتّى يرد ما ذكر، بل المدّعى كون الموضوع له هو الأفعال الجامعة للأجزاء و الشرائط، و هي من شأنها الاتصاف بالصحّة عند وجودها في الخارج، و لا يلزم من ذلك أخذ مفهوم الصحّة في الموضوع له مطلقا فضلا عن أخذها بعنوان الجزئية، كما توهم في الاحتجاج و التعبير عن المدّعى بانّ تلك الألفاظ موضوعة للصحيحة إنّما اريد به ما ذكرنا بجعل الصحيحة عنوانا لتلك الماهية المستجمعة للأجزاء و الشرائط.

سادسها: أنّها لو كانت موضوعة للصحيحة لزم دخول الشرائط في مفاهيم تلك العبادات، فلا يبقى فرق بين أجزائها و شرائطها، لاندراج الجميع إذن في مفاهيمها، و هو فاسد بالإجماع، و قد أشار الى ذلك العضدي.

و هو كسابقه في غاية الوهن، للفرق البيّن بين أخذ الشي‏ء جزءا من المفهوم‏

477

و قيدا فيه على أن يكون القيد خارجا و التقييد داخلا، و أقصى ما يلزم في المقام هو الثاني، و الفرق بينه و بين الجزء في كمال الوضوح و إن اشتركا في لزوم الانتقال اليهما عند تصوّر المفهوم على سبيل التفصيل، و بذلك يفترق الحال بينها و بين الشرائط العقلية الخارجية ممّا لا يمكن حصول المطلوب في الخارج إلّا بها حيث إنّه لا يلزم الانتقال اليها من تصوّر المشروط بها أصلا، بل يمكن أن يقال: إنّ الحال فيها أيضا كذلك، إذ لا يلزم من القول بوضعها للصحيحة ملاحظة الشرائط أصلا و لو بكونها قيدا في الموضوع له، إذ قد يكون الملحوظ في الوضع هو تلك الأجزاء من حيث كونها حسنة مطلوبة أو من حيث كونها صحيحة مبرئة للذمّة و نحو ذلك، فغاية الأمر حينئذ أن لا يمكن وقوعها في الخارج إلّا مع استجماعها للشرائط و لا ربط لذلك بالانتقال الى الشرائط بتوسّطها.

ثمّ إنّه قد أيّد بعض الأفاضل هذا القول بامور:

منها: اتفاق الفقهاء على أنّ أركان الصلاة هي ما تبطل الصلاة بزيادتها عمدا أو سهوا، و من البيّن أنّه لا يمكن زيادة الركوع- مثلا- عمدا إلّا عصيانا، و لا ريب في كونه منهيا عنه و مع ذلك يعدّ ركوعا حقيقة لا صورة الركوع، لوضوح عدم بطلان الصلاة بإيجاد الصورة كمن انحنى بمقدار الركوع للهوي الى السجود أو لأخذ شي‏ء من الأرض.

و فيه: خروج نحو الركوع و السجود عن محلّ البحث لكونها من الألفاظ اللغوية و ليست معانيها من الماهيات الجعلية الشرعية، كما أشرنا اليه في أوّل المسألة.

و لو سلّم كونها من المعاني المستحدثة فليست الألفاظ المذكورة من أسامي العبادات و إنّما هي أسام لأجزاء العبادة، و من البيّن أنّه لا يتعلّق هناك أمر بالخصوص حتّى يعتبر فيها الصحّة و الفساد، و اعتبار الأمر المتعلّق بالكلّ في أوضاع تلك الأجزاء ممّا يستبعد جدّا، و مع الغضّ عنه فعدم اعتباره هناك لا يفيد عدم اعتباره في محلّ البحث مع الفرق البيّن بينهما.

478

و منها: ما روي في الصحيح من بناء الإسلام على خمس الصلاة و الزكاة و الحجّ و الصوم و الولاية، قال (عليه السّلام): «و لم يناد بشي‏ء كما نودي بالولاية فأخذ الناس بأربع و تركوا هذه» (1) يعني الولاية فحكمه (عليه السّلام) بأخذهم بالأربع مع ما ثبت من فساد عباداتهم لا يتم إلّا مع جعل تلك العبادات أسامي للأعمّ.

و فيه: ما عرفت من الفرق بين مفهوم الصلاة و ما اخذ من التفاصيل في مصاديقها، ففساد عباداتهم من جهة انتفاء شرط الولاية أو غيره من ترك بعض الأجزاء و الشرائط لا يقضي بعدم أخذهم بتلك العبادات، بل و اعتقادهم بناء الاسلام عليها بل و إتيانهم بها و مواظبتهم عليها على حسب معتقدهم و إن أخطأوا في كيفية أدائها، و لا دلالة في حكمه (عليه السّلام) بأخذهم بها على ما يزيد على ذلك.

بل نقول: إنّ الظاهر من الرواية إرادة خصوص الصحيحة، لوضوح عدم بناء الإسلام على الفاسدة إذ هي من الامور المحرّمة الّتي نهي عنها في الشريعة، و أراد الشارع عدم وقوعها فكيف يصحّ القول بابتناء الإسلام عليها؟ فذلك من أقوى الشواهد على إرادة الصحيحة منها، فهي إذن لتأييد القول بوضعها للصحيحة أولى كما لا يخفى.

و منها: أنّه لا إشكال عندهم في صحّة اليمين على ترك الصلاة في مكان مكروه أو مباح مثلا و حصول الحنث بفعلها، و يلزمهم على ذلك المحال لأنّه يلزم من ثبوت اليمين حينئذ نفيها، فإنّ ثبوتها يقتضي كون الصلاة منهيا عنها و النهي في العبادة مستلزم للفساد، و كونها فاسدة يستلزم عدم تعلّق اليمين بها، إذ المفروض تعلّقها بالصحيحة و يلزم حينئذ أن لا يتحقّق الحنث بفعلها، لعدم تحقّق الصلاة الصحيحة، و القول بأنّ المراد الصلاة الصحيحة لو لا اليمين لا يجعلها صحيحة في نفس الأمر كما هو المدّعى.

و فيه: أنّ مبنى الكلام المذكور على لزوم استعمال الصلاة في المقام في الأعمّ لعدم إمكان إرادة الصحيحة، و إلّا لزم الفساد المذكور، و حينئذ يرد عليه:

____________

(1) المحاسن: 286 ح 429.

479

أوّلا: النقض بما إذا حلف أن لا يصلّي صلاة واجبة أو مندوبة في الحمام مثلا، إذ من الواضح عدم شمول الواجب و المندوب للفاسد، بل فيما لو نذر أن لا يصلّي صلاة صحيحة فيه، فإنّه إن قيل بصحّة صلاته فيه بعد ذلك و عدم انعقاد النذر فهو ممّا لا وجه له، على أنّه جار في نذر المطلق أيضا فلا مانع إذن من التزام القائل بوضعها للصحيحة بذلك، و إن قيل بعدم صحّتها نظرا الى انعقاد النذر فكيف يتحقّق الحنث؟ مع أنّ الواقع ليس من أفراد المحلوف على تركه.

و ثانيا: أنّ متعلّق الحلف في المقام ليس هو الأعمّ من الفاسدة، بل الصحيحة خاصّة و ليس اللفظ مستعملا إلّا في ذلك، و فرق بيّن بين الفساد الحاصل قبل النذر و الحاصل به، فلفظ الصلاة في المثال المفروض قد استعملت في الصحيحة الجامعة لجميع الأجزاء و الشرائط إلّا أنّها لزمها الفساد بعد تعلّق النذر و انعقاده، و نظير ذلك أنّه لو نذر ترك المكروهات في يوم معلوم أو حلف على ترك المباحات فيه فإنّه يحنث قطعا بالإتيان بشي‏ء مكروه أو مباح قبل النذر و الحلف، مع أنّ المأتي به ليس من المكروه و المباح و لا تجوّز في لفظ المكروه و لا المباح المتعلّق للنذر و الحلف المفروضين، فكذا الحال في المقام، و من التأمّل في ذلك يتّضح حقيقة الحال في العبادات المتعلّقة للنهي حسب ما مرّت الإشارة اليه.

و منها: أنّه يلزم على القول بكونها أسامي للصحيحة أن يفتّش عن أحوال المصلّي إذا نذر أن يعطيه شيئا ليعلم صحّة صلاته بحسب نفس الأمر حتّى يحكم ببراءة ذمّته عن النذر، و الأخذ بأصالة حمل فعل المسلم على الصحّة غير متّجه في المقام؛ إذ أقصى ما يقتضيه هو حمله على الصحيح عنده و هو ممّا يختلف باختلاف الآراء، فقضية الأصل المذكور عدم تعمّده الإتيان بالفاسد، بل عدم إيقاعه لما يعتقد إفساده و لو على سبيل السهو.

و أمّا إتيانه بما يحكم الناذر بصحّته فلا، مثلا إذا رأى رجلا صالحا يصلّى صلاة جامعة لجميع الأركان و الواجبات لكن لا يدري أنّه هل صلّى بغسل غير الجنابة من غير وضوء؟ لفتواه أو فتوى مجتهده بالاكتفاء به فليس له الاجتزاء

480

بذلك في حكمه بأداء الصلاة حقيقة إذا رأى الناذر بطلان الصلاة الواقعة كذلك، و هكذا الحال في سائر الاختلافات الواقعة في الأجزاء و الشرائط.

و أمّا بطلان اللازم فلأنّا لم نقف الى الآن على من التزم بهذه التفحّصات و التدقيقات و قال بتوقّف البراءة عليها، و إنّما يكتفون بإعطاء من ظاهره الأداء، و ليس ذلك إلّا لأجل كونها أسامي للأعمّ لصدق الصلاة حينئذ على فعله قطعا مع عدم علمه بفساده المانع من إعطائه، فإنّ ذلك هو غاية ما دلّ الدليل على خروجه عن متعلّق النذر، و لعلّه لأجل ذلك جرت الطريقة في الأعصار و الأمصار على عدم التفحّص عن مذهب الإمام في جزئيات مسائل الصلاة عند الائتمام به و يكتفون بثبوت عدالته.

نعم، إذا علموا بمخالفته لما عندهم كما إذا ترك السورة لذهابه الى عدم وجوبها أو توضّأ بالماء القليل الملاقي للنجاسة- لحكمه بطهارته- لم يصحّ القدوة فما لم يعلم بطلان صلاته يجوز الاقتداء به لأنّه ائتم بمن يحكم بصحّة صلاته شرعا، و القدر الثابت من المنع هو ما علم بطلانه و إن كان صحيحا عند الإمام، فليس هذا إلّا من جهة الاكتفاء بمسمّى الصلاة ما لم يعلم المأموم بطلانها على مذهبه لا أنّه لا يصحّ الاقتداء حتّى يعلم بصحّتها على مذهب نفسه، كما هو مقتضى القول بوضعها للصحيحة.

و فيه: المنع من الملازمة المذكورة؛ إذ يجوز البناء في ذلك على ظاهر الحال قطعا و لو على القول بوضعها للصحيحة، كيف! و لو لا ذلك لوجب التفتيش بالنحو المذكور على القولين فيما لو نذر شيئا لمن يصلّي صلاة واجبة أو مندوبة، ضرورة عدم اتّصاف الفاسدة بشي‏ء منهما مع أنّا لم نقف على من يدقّق في ذلك أيضا، و لا من يفصّل بين هذه الصورة و ما تقدّمها، و ليس ذلك إلّا من جهة الاكتفاء بظاهر فعل المسلم في الحكم بالصحّة كما هو قضية الأصل المقرّر.

و القول بأنّ أقصى ما يقتضيه الأصل المذكور هو الحمل على الصحّة عنده مدفوع، بأنّ الّذي يظهر من ملاحظة الطريقة الجارية هو الحمل على الصحّة

481

الواقعية، كيف! و لو لا ذلك لم يقم للمسلمين سوق لاختلافهم في أحكام الذبائح و الجلود و غيرها، و كثير من العامّة لا يشترطون الإسلام في المذكّي و يحلّلون ذبائح أهل الكتاب، و جماعة منهم يقولون بطهر جلد الميتة بالدباغ، فلو لم نقل بأصالة حمل فعل المسلم على الصحّة الواقعية لم يجز لنا أن نأخذ منهم شيئا من اللحوم و الجلود مع عدم علمنا بحقيقة الحال، و هو خلاف الطريقة الجارية من لدن أعصار الأئمّة (عليهم السّلام) بل يجري ذلك أيضا بالنسبة الى أهل الحقّ أيضا، لاشتباه العوامّ كثيرا في الأحكام فيزعمون صحّة ما هو فاسد عند العلماء، فإذا كان مفاد الأصل المذكور مجرّد إفادة الصحّة بزعم العامل صعب الأمر جدّا و لم يمكن الحكم بصحّة شي‏ء من العقود و الإيقاعات و لم يجز أخذ شي‏ء من اللحوم و الجلود و لو من أهل الحقّ إلّا بعد التجسّس عمّا يعتقده ذلك الشخص و هو ممّا تقضي الضرورة بفساده.

و مع الغضّ عن ذلك- إذ قد يذبّ عنه ببعض الوجوه- فالاختلاف الحاصل بين علماء الفرقة و حكم بعضهم بفساد ما يزعم الآخر صحّته كاف في ذلك، غاية الأمر أنّه يحكم بصحّة العقود و الإيقاعات الواقعة على كلّ من تلك المذاهب بالنسبة الى من لا يذهب اليه، و لا يجري ذلك في سائر المقامات كمباحث الطهارات و النجاسات و كثير من الأحكام، فالإشكال من جهته حاصل قطعا.

ثمّ بعد تسليم ما ذكر فعدم الاكتفاء بالصحيحة عند العامل محلّ منع.

نعم، إذا لم يكن مكلّفا في حكم الشرع بالعمل به بأن لا يكون تكليفا شرعيا و لو ثانويا في حقّه صحّ ما ذكر، للحكم بفساده شرعا كما في صلاة المخالفين و إن بذلوا جهدهم في تحصيل الحقّ و قلنا بإمكان عدم الوصول حينئذ الى الحقّ، إذ غاية الأمر حينئذ معذوريتهم في عدم الإتيان بما تعلّق بهم من التكاليف الواقعية و ذلك لا يقضي بتعلق التكليف الثانوي بالإتيان بما زعموه، كما هو الحال بالنسبة الى سائر الأديان.

و أمّا إذا كان ذلك مطلوبا منه في الشرع كما في الأحكام الثابتة باجتهاد أهل‏

482

الحقّ بالنسبة الى ذلك المجتهد و من يقلّده فيه فعدم اندراجه إذن في الصلاة مع مخالفته للواقع محلّ إشكال؛ لصحّة صلاته شرعا بالنظر الى تكليفه الثانوي المقطوع به من ملاحظة المقدّمتين المشهورتين، فلا يبعد شمول الصلاة الصحيحة لها كما سيجي‏ء الإشارة اليه إن شاء اللّه تعالى.

و مع الغضّ عن ذلك أيضا، فلو بني على ما ذكر اشكل الحال في ذلك بناء على القول بوضع تلك الألفاظ للأعمّ أيضا، نظرا الى أنّ المفهوم عرفا بحسب المقام المفروض هي الصحيحة، و لذا حكم بخروج معلوم الفساد عنه و لو بالنظر الى معتقد الناذر إذا عرف منه المخالفة كما مرّ.

و حينئذ فنقول: إنّه إذا حكم بفساد الفعل مع عدم موافقته لمعتقده و لم يكن عالما من الخارج بكون ما يأتي به موافقا لما يعتقده، و لا أصالة صحّة فعل المسلم قاضية بصحّته كذلك لم يمكن حكمه إذن بصحّة ما يأتي به و يكون دائرا عنده بين الوجهين، و حينئذ كيف يمكن الحكم بخروجه عن الاشتغال اليقيني بالدفع اليه مع الشكّ في كونه متعلّقا للنذر، و كون الدفع اليه أداءا للمنذور؟

و مجرّد صدق اسم الصلاة على ما أتى به لا يقضي بحكمه بالصحّة ليكون من متعلّق النذر.

و القول بأنّ القدر المعلوم خروجه عن المسمّى هو ما علم مخالفته لما يعتقده فيبقى غيره مندرجا تحت الإطلاق بيّن الفساد؛ لوضوح أنّ الباعث على خروج ذلك إنّما هو فساده عنده من غير مدخلية لنفس العلم في ذلك، و إنّما العلم به طريق اليه، فإذا لم يكن هناك طريق الى ثبوت الفساد و لا الصحّة وجب الوقف لا الحكم بالصحّة.

فظهر بذلك ما في قوله: «إنّ ذلك هو غاية ما دلّ الدليل على خروجه عن متعلّق النذر» و جعله لما ذكره مبنى حكمهم بجواز القدوة مع عدم علمه بموافقة مذهب الإمام لمذهبه، و كيف يمكن القول بصحّة القدوة بمجرّد صدق اسم الصلاة عليه؟! و المفروض عدم قضاء أصل و لا غيره بصحّته على الوجه المذكور، فيكون‏

483

احتمال فساده في ظاهر الشرع مكافئا لاحتمال صحّته من غير فرق مع وضوح اعتبار صحّة صلاة الإمام، و لو في ظاهر الشرع في صحّة الائتمام فالظاهر أنّ الوجه في البناء المذكور أيضا أحد الوجهين المتقدّمين.

هذا، و الوجه في القول بالتفصيل بين الأجزاء و الشرائط أمّا في اعتبار الأجزاء فبما مرّت الإشارة اليه من ظهور عدم إمكان تحقّق الكلّ مع انتفاء الجزء، فإذا تحقّقت الجزئية لم يعقل صدق الكلّ حقيقة بدونه، و إذا شكّ في حصوله أو في جزئيته مع عدم وجوده لزمه الشكّ في صدق الكلّ.

و أمّا في عدم اعتبار الشرائط فبظهور خروج الشروط عن ماهية المشروط، كيف! و لو كانت مندرجة فيه لما تحقّق فرق بين الجزء و الشرط، فإذا وضع اللفظ بإزاء المشروط كان مفاده هو ذلك من غير اعتبار للشرائط في مدلوله، و عدم انفكاك المشروط بحسب الخارج عن الشرط لا يقضي بأخذه في مفهومه؛ إذ غاية ما يقضي به ذلك امتناع وجوده بدونه، و ذلك ممّا لا ربط له باعتباره في موضوع اللفظ.

و فيه: ما عرفت ممّا فصّلناه، أمّا ما ذكر من عدم تعقّل الحكم بصدق الكلّ بدون الجزء أو الشكّ فيه فبما مرّ توضيح القول فيه في توجيه كلام القائل بوضعها للأعمّ، فلا حاجة الى تكراره.

و أمّا ما ذكر من لزوم اندراج الشرط في الجزء على فرض اعتباره فيه فيدفعه ما أشرنا اليه من الفرق بين اعتبار الشي‏ء جزء و اعتباره شرطا، فإنّ الملحوظ في الأوّل إدراجه في الموضوع له و دخوله فيه، و المعتبر في الثاني هو تقييد الموضوع له به، و أمّا نفس الشرط فخارجة عنه.

و مع الغضّ عن ذلك فلا يلزم من القول بوضعها للصحيحة مطلقا اعتبار كلّ من الشرائط بخصوصها في المفهوم من اللفظ، لإمكان أن يقال بوضعها لتلك الأجزاء من حيث إنّها صحيحة أو مبرئة للذمّة و نحوهما، و حينئذ فيتوقّف حصولها في الخارج على حصول تلك الشرائط من غير أن تكون معتبرة بخصوصها في الموضوع له.

484

المقام الرابع في بيان ثمرة النزاع في المسألة:

فنقول: عمدة الثمرة المتفرعة على ذلك صحّة إجراء الأصل في أجزاء العبادات و شرائطها، فإنّها إنّما يثبت على القول بوضعها للأعمّ دون القول بوضعها للصحيح، و على القول بالتفصيل بين الأجزاء و الشرائط يفصّل بينهما.

و توضيح المقام: أنّ الشكّ المتعلّق بالأجزاء أو الشرائط إن كان فيما يشكّ مع انتفائه في التسمية و لو على القول بوضعها للأعمّ نظرا الى وضوح اعتبار القائل به أجزاء و شرائط في الجملة لتحقّق التسمية فلا يمكن إجراء الأصل فيه على شي‏ء من المذهبين، لتحقّق اشتغال الذمّة بالمسمّى و عدم حصول العلم بأدائه، من دون ذلك من جهة الشكّ المفروض.

و أمّا إذا علم بحصول المسمّى على القول بوضعها للأعمّ و حصل الشكّ في اعتبار جزء أو شرط في تحقّق الصحّة فالقائل بالأعمّ ينفيه بالأصل، نظرا الى إطلاق المكلّف به من غير ثبوت للتقييد، بخلاف القائل بوضعها للصحيحة؛ لإجمال المكلّف به عنده و عدم العلم بحصول المسمّى في مذهبه، إلّا مع العلم باستجماعه لجميع الأجزاء و الشرائط المعتبرة في الصحّة.

فالشكّ في اعتبار جزء أو شرط في الصحّة يرجع عنده الى الشكّ في الجزء أو الشرط المعتبر في التسمية، كما في الوجه الأوّل فلا يجري فيه الأصل عنده لقضاء اليقين بالاشتغال اليقين بالفراغ، و لا يحصل إلّا مع الإتيان بما يشكّ في جزئيته أو شرطيته و ترك ما يحتمل مانعيته.

فإن قلت: لا شكّ في كون مطلوب الشارع و المأمور به في الشريعة إنّما هو خصوص الصحيحة، لوضوح كون الفاسدة غير مطلوبة للّه تعالى بل مبغوضة له لكونها بدعة محرّمة، فأيّ فارق إذن بين القولين مع حصول الشكّ في إيجاد الصحيحة من جهة الشكّ فيما يعتبر فيها من الأجزاء و الشرائط؟.

قلت: لا ريب في أنّ العلم بالصحّة إنّما يحصل من ملاحظة الأوامر الواردة، فما وجد متعلّقا للأمر و لو بالنظر الى إطلاقه من غير أن يثبت فساده يحكم بصحّته؛

485

إذ ليست الصحّة في المقام إلّا موافقة الأمر، فإذا تعيّن عندنا مسمّى الصلاة و تعلّق الأمر بها قضى ذلك بصحّة جميع أفرادها و أنحاء وقوعها لحصول تلك الطبيعة بها، إلّا ما خرج بالدليل و قامت الحجّة الشرعية على بطلانه، فيثبت الصحّة إذن بملاحظة إطلاق الأمر و عدم قيام دليل على الفساد، نظرا الى حصول المأمور به بذلك بملاحظة الإطلاق و لا يجري ذلك على القول بوضعها للصحيحة، لإجمال المأمور به عنده، فكون المطلوب في الواقع هو الصحيحة لا يقضي بإجمال العبادة حتّى لا يثبت بملاحظة إطلاق الأمر بها صحّتها في ظاهر الشريعة.

فإن قيل: إن العلم الإجمالي بكون مطلوب الشارع هو خصوص الصحيحة يوجب تقييد تلك الإطلاقات بذلك، فيحصل الشكّ أيضا في حصول المكلّف به؛ إذ هو من قبيل التقييد بالمجمل فلا يمكن تحصيل العلم بالامتثال بحسب الظاهر أيضا.

قلت: قبل ظهور ما يقضي بفساد بعض الأفراد من ضرورة أو إجماع أو رواية و نحوها فلا علم هناك بفساد شي‏ء من الأقسام ليلتزم بالتقييد، فلا بدّ من الحكم بصحّة الكلّ، و بعد ثبوت الفساد في البعض يقتصر فيه على مقدار ما يقوم الدليل عليه و يحكم في الباقي بمقتضى الأصل المذكور، فلا تقييد هناك بالمجمل من الجهة المذكورة و يتّضح ذلك بملاحظة الحال في المعاملات، فإنّ حكمه تعالى بحلّ البيع و أمره بالوفاء بالعقود ليس بالنسبة الى الفاسدة قطعا، و مع ذلك لا إجمال في ذلك من تلك الجهة لقضائه بصحّة كلّ البيوع و وجوب الوفاء بكلّ من العقود، فلا يحكم بفساد شي‏ء منها إلّا بعد قيام الدليل على إخراجه من الإطلاق و العموم المذكورين، و حينئذ يقتصر على القدر الّذي ثبت فساده بالدليل.

نعم، لو قام دليل إجمالي على فساد بعض الأفراد و دار بين أمرين أو امور لم يمكن معه الأخذ بمجرّد الإطلاق، و هو كلام آخر خارج عن محلّ الكلام.

و ربما يقال بجريان الأصل في أجزاء العبادات و شرائطها بناء على القول بوضعها للصحيحة أيضا، لدعوى إطلاق ما دلّ على حجّية أصالة البراءة و الحكم‏

486

ببراءة الذمّة الى أن يعلم الشغل، لشموله لما إذا علم الاشتغال في الجملة أو لم يعلم بالمرّة.

و التحقيق خلافه؛ فإنّ الظاهر الفرق بين الصورتين و ما دلّ الدليل على حجّية أصالة البراءة بالنسبة اليه إنّما هو الصورة الثانية، و ما يرجع اليها من الصورة الاولى بالآخرة، و يأتي تفصيل القول فيه إن شاء اللّه عند الكلام في أصالة البراءة.

و قد ظهر ممّا أشرنا اليه أنّه لو لم يكن هناك توقّف في صحّة الإتيان ببعض أجزاء العبادة على بعض آخر كما في الزكاة صحّ إجراء الأصل فيه على القولين، حسب ما يأتي تفصيل القول فيه في محلّه إن شاء اللّه.

هذا، و لا يذهب عليك بعد ملاحظة ما قرّرناه أنّ الأصل في المسألة بحسب الثمرة مع القائل بوضع تلك الألفاظ للصحيحة إذا فرض عدم قيام الدليل على شي‏ء من الطرفين، و عدم نهوض شي‏ء من الحجج المذكورة للقولين و إن لزم التوقّف حينئذ في تعيين الموضوع له، نظرا الى وضوح عدم إجراء الأصل في تعيين موضوعات الألفاظ لكونها من الامور التوقيفية المتوقّفة على توقيف الواضع و لو على سبيل المظنّة، فلا وجه لإثباتها بمجرّد الأصل كما مرّت الإشارة اليه، و الظاهر أنّه ممّا لا إشكال فيه و لا كلام.

و أمّا بالنسبة الى ملاحظة تفريغ الذمّة فلا بدّ من الإتيان بما شكّ في جزئيته أو شرطيته، ليحصل اليقين بتفريغ الذمّة بعد تيقّن الاشتغال، حسب ما أشرنا اليه و يأتي تفصيل القول فيه في محلّه.

و ممّا يستغرب من الكلام ما ذكره بعض الأعلام في المقام حيث حكم بإجراء الأصل فيما يشكّ فيه من الأجزاء و الشرائط على القولين، و أسقط الثمرة المذكورة بالمرّة من البين.

و محصّل كلامه: أنّا إذا تتبعنا الأخبار و الأدلّة و تصفحنا المدارك الشرعية على قدر الوسع و الطاقة و لم يثبت عندنا إلّا أجزاء مخصوصة للعبادة و شرائط خاصّة لها حكمنا بأنّه لا يعتبر في تلك العبادة إلّا تلك الأجزاء و الشرائط الثابتة عندنا، فإن ادّعى أحد جزئية شي‏ء أو شرطيته من غير أن يقيم عليه دليلا تطمئن النفس‏

487

اليه دفعناه بالأصل و لو قلنا بكون تلك الألفاظ أسامي للصحيحة الجامعة لجميع الأجزاء و شرائط الصحّة، و ذكر أنّ الوجه فيه أنّ الوجه فيه أنّه لو ثبت هناك جزء أو شرط آخر لعثرنا عليه و لحصل النقل بالنسبة اليه، لتوفّر الدواعي الى النقل و تحقّق الحاجة بالنسبة الى الكلّ، و لا فارق بين أجزائها و شرائطها في توفّر الحاجة الى كلّ منها، فكما حصل النقل فيما وصل ينبغي حصوله في غيره أيضا على فرض ثبوته في الواقع، فعدم وصوله الينا مع عظم الجدوى و عموم البلوى دليل على العدم، و استشهد لذلك بأنّ أكثر الفقهاء و الاصوليين قائلون بكون تلك الألفاظ أسامي للصحيحة، كما هو ظاهر من تتبّع الكتب الاصولية مع أنّهم لا زالوا يجرون الأصل في العبادات بالنسبة الى الأجزاء و الشرائط من غير فرق، كما يظهر من ملاحظة كتب الاستدلال سوى بعض المتأخرين منهم، فلا يبعد دعوى اتفاقهم عليه، و الظاهر أنّ السرّ فيه هو ما بيّناه.

ثمّ أورد على نفسه بأنّه مع ملاحظة ذلك لا يكون عدم اعتبار ذلك الجزء أو الشرط مشكوكا فيه، كما هو المفروض للظنّ بعدمه حينئذ.

و أجاب بأنّ حصول الشكّ إنّما هو في أوّل الأمر و أمّا بعد التتبّع في كلمات الشارع و الالتفات الى الأصل فلا.

و أنت خبير بما فيه أمّا أوّلا: فلأنّه لو تمّ لقضى بعدم وقوع النزاع في شي‏ء من أجزاء العبادات و شرائطها، لقضاء عموم البلوى و عظم الحاجة و الجدوى بعدم خفاء شي‏ء منها على العلماء المتقنين الباذلين وسعهم في تحصيل أحكام الدين، إذ لو جاز ذلك بالنسبة اليهم لجاز بالنسبة الينا بالطريق الأولى، و فساده من أوضح الضروريات.

و أمّا ثانيا: فلأنّ دعوى عموم البلوى بجميع أجزاء العبادات و شرائطها على جميع الأحوال ممنوعة، كيف! و كثير منها إنّما يتحقّق الحاجة اليه في موارد خاصّة نادرة، كما في مراتب التيمّم بعد العجز عن تحصيل التراب، و أحكام اللباس بالنسبة الى غير المتمكّن من الثوب الطاهر، و اعتبار ستر العورة بالطين و نحوه عند تعذّر الستر بالمعتاد، و حكم القبلة في حال الاشتباه و عدم التمكّن من‏

488

الاستعلام و لو على سبيل الظنّ ... الى غير ذلك من المسائل الكثيرة المتعلّقة بالأجزاء و الشرائط المعتبرة في الصلاة حال الضرورة ممّا لا يتّفق عادة إلّا على سبيل الندرة ... و هكذا الحال في غيرها من العبادات.

و أمّا ثالثا: فلأنّ مجرّد عموم البلوى لا يقضي بثبوت الحكم عندنا، غاية الأمر وروده في الأخبار و روايتها لنا بتوسّط الرواة، و بمجرّد ذلك لا يثبت الحكم عندنا لما فيها من الكلام سندا و دلالة و تعارضا، كما هو الحال في معظم تلك المسائل و وقوع التشاجر فيها من الأواخر و الأوائل، و حينئذ فمن أين يحصل الظنّ بالحكم بمجرّد عدم قيام الدليل عليه عندنا؟ كيف! و الضرورة الوجدانية قاضية بخلافه في كثير من تلك المسائل، و لا مفزع حينئذ إلّا الى الرجوع الى الأصل أو الحائطة بعد حصول الشكّ من ملاحظة الأقوال و الأدلّة المتعارضة.

و أمّا رابعا: فلأنّ ذلك عين القول بحجّية عدم الدليل و أنّه دليل على العدم، و الوجه المذكور الّذي قرّره عين ما استدلّوا به على حجّية الأمر المذكور، و من البيّن أنّ ذلك على فرض إفادته الظنّ من قبيل الاستناد الى مطلق الظنّ و لا حجّية فيه عندنا إلّا بعد قيام الحجّة عليه، و من البيّن عدم اندراجه في شي‏ء من الظنون الخاصّة الّتي ثبت اعتبارها و الرجوع في استنباط الأحكام الشرعية اليها، و احتمال خفاء الحكم للفتن الواقعة و ذهاب معظم الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة (عليهم السّلام) في غاية الظهور، فكيف يمكن الاعتماد على مجرد ذلك الظنّ الضعيف؟.

على أنّه لو تمّ الاستناد الى عدم وجدان الدليل على ذلك فهو إنّما يتمّ عند فقدان الدليل بالمرّة، و أمّا مع وجوده في الجملة مع تعارض الأدلّة فلا وجه له أصلا، كما أشرنا اليه.

نعم، إن تمّ دليل أصالة البراءة بحيث يعمّ الموارد المفروضة كان ذلك وجها، و هو كلام آخر لم يستند اليه القائل المذكور، و الظاهر أنّه لا يرتضيه أيضا، و لا حاجة معه الى ما ذكره.

نعم، للفقيه الاستاذ حشره اللّه تعالى مع محمّد و آله الأمجاد كلام في المقام بالنسبة الى خصوص ما قد يشكّ فيه من الأجزاء و الشرائط ممّا لم يرد به نصّ‏

489

و لا رواية و لا تعرّض الأصحاب لذكر خلاف فيه في كتاب أو رسالة، فذهب الى عدم وجوب الاحتياط فيه، لحصول العلم العادي إذن بعدم اعتباره أو قيام الإجماع عليه كذلك؛ إذ من المعلوم أنّه لو كان ذلك شطرا أو شرطا لتعرّضوا له و أشاروا اليه و لا أقلّ من ورود رواية تدلّ عليه، فإذا لم نعثر له في الروايات و كلمات الأصحاب على عين و لا أثر حكمنا بعدمه، و غرضه من ذلك حصر الاحتياط في اعتبار الأجزاء و الشرائط المشكوكة فيما لا يخرج عمّا هو مذكور في الروايات و كلام الأصحاب حتّى لا يشكل الأمر في الاحتياط؛ إذ قد يعسر الأمر مع الغضّ عنه في مراعاة الاحتياط، و يؤول الى الإتيان بعبادة خارجة عن الطريق المألوف، فربما يشكل الحال فيه من جهة اخرى فلا معوّل على تلك الاحتمالات الواهية، و لا يجب مراعاة الاحتياط من تلك الجهة، و هذا كلام آخر غير بعيد عن طريق الفقاهة.

و لنتمّم الكلام في المرام برسم امور:

أحدها: أنّ الصحّة المأخوذة في المقام هل هي الصحّة الواقعية- أعني الموافقة للأمر الواقعي- أو الصحّة الشرعية؟- سواء كانت حاصلة بموافقة الأمر الواقعي أو الظاهري، فيندرج فيه الفعل الصادر على سبيل التقية المخالف لما عليه الفعل في الواقع في الموارد التي حكم الشرع بصحّته، و كذا الأفعال المختلفة باختلاف فتاوى المجتهدين و إن لم يجز كلّ من تلك الأفعال عند غير القائل به، نظرا الى أنّ كلّا من تلك الأفعال محكوم بصحّته شرعا قد دلّ الدليل القاطع على تعلّقه بذلك المجتهد و مقلّده، فيندرج الكلّ فيما يشمله أسامي تلك العبادات و إن قطع بعدم موافقة الجميع للحكم الأوّلي الثابت بحسب الواقع- وجهان:

أوجههما الأخير، و لذا يحكم كلّ مجتهد بأداء المجتهد الآخر و مقلّده العبادة المطلوبة منه بحسب الشرع و إن كانت فاسدة لو وقعت منه و من مقلّده، حسب ما يأتي تفصيل القول فيه في محلّه إن شاء اللّه.

هذا بالنسبة الى اختلاف الأحكام من جهة الاختلاف في الاستنباط إذا تعلّق‏

490

التكليف الثانوي بذلك على فرض مخالفته للواقع دون ما إذا لم يتحقّق هناك تكليف ثانوي به و إن قلنا بمعذورية الفاعل على فرض بذل وسعه أو غفلته لانتفاء الأمر بالفعل القاضي بصحّته و لو في الظاهر، كما سيجي‏ء بيانه إن شاء اللّه.

و أمّا الاختلاف الحاصل من جهة الموضوعات فإن كان الحكم فيه دائرا بحسب الواقع مدار ما دلّ عليه الطرق الشرعية في إثبات ذلك الموضوع- كما هو الحال في القبلة في بعض الوجوه و الظنّ المتعلق بأداء الواجبات غير الأركان في الصلاة- فالظاهر الحكم بالصحّة و اندراج الفعل في تلك العبادة و إن خالف الحكم الأوّلي.

و أمّا ما كان الحكم فيه دائرا مدار الواقع و إن انيط الحكم ظاهرا بما دلّ عليه الدليل الذي جعل طريقا اليه فلا يبعد القول بالخروج عن المسمّى مع المخالفة.

و قد يفصّل بين صورة انكشاف الخلاف و عدمه، و ما إذا علم بخلوّ أحد الفعلين و الأفعال المحصورة عن الأمر المعتبر في الصحّة و عدمه، فمع عدم انكشاف الخلاف و عدم العلم به على النحو المذكور يقال بحصول الطبيعة و اتصافها بالصحّة الشرعية، فيندرج الكلّ في العبادة المطلوبة و إن كان على خلاف ذلك بحسب حكمه الأوّلي.

بخلاف صورة الانكشاف أو دوران المانع بين فعلين أو أفعال محصورة، كما لو دارت الجنابة بين شخصين فلا يحكم معه بصحّة الفعلين و إن حكم بصحّة كلّ منهما في ظاهر الشرع بالنظر الى المتلبّس به، و لتفصيل الكلام في ذلك مقام آخر لعلّنا نشير اليه في بحث دلالة الأمر على الإجزاء إن شاء اللّه تعالى.

ثانيها: أنّه يمكن إجراء البحث المذكور في غير العبادات ممّا ثبت فيه للشارع معنى جديد كاللعان و الإيلاء و الخلع و المبارات ... و نحوها بناء على استعمال الشارع لتلك الألفاظ في غير المعاني اللغوية، فيقوم احتمال كونها أسامي لخصوص الصحيحة منها، أو الأعمّ منها و من الفاسدة.

و كان الأظهر فيها أيضا الاختصاص بالصحيحة، و يجري بالنسبة اليها كثير من الوجوه المذكورة، و يتفرّع عليه عدم الحكم بثبوت تلك الموضوعات إلّا مع‏

491

قيام الدليل على استجماعها للأجزاء و الشرائط، فلا يصحّ نفي جزء أو شرط عنها بمجرّد الأصل حسب ما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.

ثالثها: أنّه نصّ الشهيد الثاني في المسالك بكون عقد البيع و غيره من العقود حقيقة في الصحيح مجازا في الفاسد، لوجود خواصّ الحقيقة و المجاز، كالتبادر و عدم صحّة السلب و غير ذلك من خواصّها.

قال: و من ثمّ حمل الإقرار به عليه، حتّى أنّه لو ادّعى إرادة الفاسد لم يسمع إجماعا، و لو كان مشتركا بين الصحيح و الفاسد لقبل تفسيره بأحدهما كغيره من الألفاظ المشتركة، و انقسامه الى الصحيح و الفاسد أعمّ من الحقيقة.

و قال الشهيد الأوّل (قدّس سرّه‏) في القواعد: الماهيات الجعلية كالصلاة و الصوم و سائر العقود لا تطلق على الفاسد إلّا الحجّ، لوجوب المضيّ فيه.

و ظاهره أيضا كون العقود أيضا حقيقة في خصوص الصحيحة.

و قد يشكل ذلك بأنّه بناء على ما ذكر يكون ألفاظ المعاملات مجملة كالعبادات متوقّفة على بيان الشارع لها، لفرض استعمالها إذن في غير معناها اللغوي، فلا يصحّ الرجوع فيها الى الإطلاقات العرفية و الأوضاع اللغوية.

و القول بكون ما وضعت له بحسب اللغة أو العرف هو خصوص الصحيحة الشرعية بيّن الفساد؛ لظهور المغايرة بين الأمرين، مع أنّ صحّة الرجوع فيها الى العرف و اللغة ممّا أطبقت عليه الامّة و لا خلاف فيه ظاهرا بين الخاصّة و العامّة.

فقضية ذلك هو حملها على الأعمّ من الصحيح الشرعي و غيره، فلا يتّجه القول بكونها حقيقة في خصوص الصحيحة، و لا يوافق ذلك إطباقهم على ما ذكر، و لذا نصّ جماعة من المتأخّرين بكونها حقيقة في الأعمّ من الصحيح و الفاسد، فالوجه في انصرافها الى الصحيح قضاء ظاهر الإطلاق به، فيكون التبادر المذكور إطلاقيا ناشئا من حمل المطلق على الفرد الكامل، أو من جهة قضاء ظاهر المقام، أو ظاهر حال المسلم به.

و يشكل ذلك أيضا بأنّ الظاهر انفهام ذلك من نفس اللفظ في الإطلاقات و احتمال استناده الى غير اللفظ في غاية البعد، و لذا يصحّ سلبها عن الفاسدة عند

492

التأمّل في إطلاقات المتشرّعة، بل صحّة سلبها بالنسبة الى بعضها في غاية الظهور، مع أنّ إطلاق تلك الأسامي على ذلك كغيره من غير فرق.

فالأظهر أن يقال بوضعها لخصوص الصحيحة أي المعاملة الباعثة على النقل و الانتقال أو نحو ذلك ممّا قرّر له تلك المعاملة الخاصّة، فالبيع و الإجارة و النكاح و نحوها إنّما وضعت لتلك العقود الباعثة على الآثار المطلوبة منها، و إطلاقها على غيرها ليس إلّا من جهة المشاكلة أو نحوها على سبيل المجاز.

لكن لا يلزم من ذلك أن تكون حقيقة في خصوص الصحيح الشرعي حتّى يلزم أن تكون توقيفيته متوقّفة على بيان الشارع لخصوص الصحيحة منها، بل المراد منها إذا وردت في كلام الشارع قبل ما يقوم دليل على فساد بعضها هو العقود الباعثة على تلك الآثار المطلوبة في المتعارف بين الناس، فيكون حكم الشرع بحلّها أو صحّتها أو وجوب الوفاء بها قاضيا بترتّب تلك الآثار عليها في حكم الشرع أيضا، فيتطابق صحّتها العرفية و الشرعية، و إذا دلّ الدليل على عدم ترتّب تلك الآثار على بعضها خرج ذلك عن مصداق تلك المعاملة في حكم الشرع و إن صدق عليه اسمها بحسب العرف، نظرا الى ترتّب الأثر عليه عندهم.

و حينئذ فعدم صدق اسم البيع- مثلا- عليه حقيقة عند الشارع و المتشرّعة لا ينافي صدقه عليه عند أهل العرف مع فرض اتحاد العرفين، و عدم ثبوت عرف خاصّ عند الشارع، إذ المفروض اتحاد المفهوم منه عند الجميع، و إنّما الاختلاف هناك في المصداق فأهل العرف إنّما يحكمون بصدق ذلك المفهوم عليه من جهة الحكم بترتّب الأثر المطلوب عليه، و إنّما يحكم بعدم صدقه عليه بحسب الشرع للحكم بعدم ترتّب ذلك الأثر عليه، و لو انكشف عدم ترتب الأثر عليه عند أهل العرف لا من قبل الشارع لم يحكم عرفا بصدق ذلك عليه أيضا كما أنّ البيوع الفاسدة في حكم العرف خارجة عندهم عن حقيقة البيع.

فظهر أنّه لا منافاة بين خروج العقود الفاسدة عند الشارع عن تلك العقود على سبيل الحقيقة، و كون المرجع في تلك الألفاظ هو المعاني العرفية من غير أن يتحقّق هناك حقيقة شرعية جديدة، فتأمّل جيّدا.

493

معالم الدين: أصل‏

الحقّ أنّ الاشتراك واقع في لغة العرب. و قد أحاله شرذمة. و هو شاذّ ضعيف لا يلتفت إليه.

ثمّ إنّ القائلين بالوقوع اختلفوا في استعماله في أكثر من معنى إذا كان الجمع بين ما يستعمل فيه من المعاني ممكنا؛ فجوّزه قوم مطلقا، و منعه آخرون مطلقا، و فصّل ثالث: فمنعه في المفرد و جوّزه في التثنية و الجمع، و رابع: فنفاه في الاثبات و أثبته في النفي.

ثمّ اختلف المجوّزون؛ فقال قوم منهم: إنّه بطريق الحقيقة. و زاد بعض هؤلاء: أنّه ظاهر في الجميع عند التجرّد عن القرائن؛ فيجب حمله عليه حينئذ. و قال الباقون: إنّه بطريق المجاز.

و الأقوى عندي جوازه مطلقا، لكنّه في المفرد مجاز، و في غيره حقيقة. لنا على الجواز: انتفاء المانع، بما سنبيّنه: من بطلان ما تمسّك به المانعون، و على كونه مجازا في المفرد: تبادر الوحدة منه عند إطلاق اللّفظ، فيفتقر إرادة الجميع منه إلى إلغاء اعتبار قيد الوحدة. فيصير اللفظ مستعملا في خلاف موضوعه. لكنّ وجود العلاقة المصحّحة للتجوّز أعني: علاقة الكلّ و الجزء يجوّزه، فيكون مجازا.

فإن قلت: محلّ النزاع في المفرد هو استعمال اللفظ في كلّ من المعنيين بأن يراد به- في إطلاق واحد- هذا و ذاك، على أن يكون كلّ‏

494

منهما مناطا للحكم و متعلّقا للاثبات و النفي، لا في المجموع المركّب الذي أحد المعنيين جزء منه. سلّمنا، لكن ليس كلّ جزء يصحّ إطلاقه على الكلّ، بل إذا كان للكلّ تركّب حقيقيّ و كان الجزء ممّا إذا انتفى انتفى الكلّ بحسب العرف أيضا، كالرقبة للانسان، بخلاف الإصبع و الظفر و نحو ذلك.

قلت: لم ارد بوجود علاقة الكلّ و الجزء: أنّ اللفظ موضوع لأحد المعنيين و مستعمل حينئذ في مجموعهما معا، فيكون من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء و إرادة الكلّ كما توهّمه بعضهم، ليرد ما ذكرت.

بل المراد: أنّ اللفظ لمّا كان حقيقة في كلّ من المعنيين، لكن مع قيد الوحدة، كان استعماله في الجميع مقتضيا لإلغاء اعتبار قيد الوحدة كما ذكرناه، و اختصاص اللفظ ببعض الموضوع له أعني: ما سوى الوحدة. فيكون من باب إطلاق اللفظ الموضوع للكلّ و إرادة الجزء.

و هو غير مشترط بشي‏ء ممّا اشترط في عكسه، فلا إشكال.

و لنا على كونه حقيقة في التثنية و الجمع: أنّهما في قوّة تكرير المفرد بالعطف. و الظاهر: اعتبار الاتفاق في اللفظ دون المعنى في المفردات؛ ألا ترى أنّه يقال: زيدان و زيدون، و ما أشبه هذا مع كون المعنى في الآحاد مختلفا. و تأويل بعضهم له بالمسمّى تعسّف بعيد.

و حينئذ، فكما أنّه يجوز إرادة المعاني المتعدّدة من الألفاظ المفردة المتّحدة المتعاطفة، على أن يكون كلّ واحد منها مستعملا في معنى بطريق الحقيقة، فكذا ما هو في قوّته.

احتجّ المانع مطلقا: بأنّه لو جاز استعماله فيهما معا، لكان ذلك بطريق الحقيقة، إذ المفروض: أنّه موضوع لكلّ من المعنيين، و أنّ الاستعمال في كلّ منهما بطريق الحقيقة. و إذا كان بطريق الحقيقة، يلزم كونه مريدا لأحدهما خاصّة، غير مريد له خاصّة، و هو محال.

بيان الملازمة: أنّ له حينئذ ثلاثة معان: هذا وحده، و هذا وحده،

495

و هما معا، و قد فرض استعماله في جميع معانيه، فيكون مريدا لهذا وحده، و لهذا وحده، و لهما معا. و كونه مريدا لهما معا معناه: أن لا يريد هذا وحده، و هذا وحده. فيلزم من إرادته لهما على سبيل البدليّة، الاكتفاء بكلّ واحد منهما، و كونهما مرادين على الانفراد؛ و من إرادة المجموع معا عدم الاكتفاء بأحدهما، و كونهما مرادين على الاجتماع.

و هو ما ذكرنا من اللازم.

و الجواب: أنّه مناقشة لفظيّة؛ إذ المراد نفس المدلولين معا، لا بقاؤه لكلّ واحد منفردا. و غاية ما يمكن حينئذ أن يقال: إنّ مفهومي المشترك هما منفردين، فاذا استعمل في المجموع، لم يكن مستعملا في مفهوميه، فيرجع البحث إلى تسمية ذلك استعمالا له في مفهوميه، لا إلى إبطال أصل الاستعمال. و ذلك قليل الجدوى.

و احتجّ من خصّ المنع بالمفرد: بأنّ التثنية و الجمع متعدّدان في التقدير، فجاز تعدّد مدلوليهما، بخلاف المفرد.

و اجيب عنه: بأنّ التثنية و الجمع إنّما يفيدان تعدّد المعنى المستفاد من المفرد. فان أفاد المفرد التعدّد، أفاداه، و إلّا، فلا.

و فيه نظر يعلم ممّا قلناه في حجّة ما اخترناه.

و الحقّ أن يقال: إنّ هذا الدليل إنّما يقتضي نفي كون الاستعمال المذكور بالنسبة إلى المفرد حقيقة، و أمّا نفي صحّته مجازا حيث توجد العلاقة المجوّزة له، فلا.

و احتجّ من خصّ الجواز بالنفي: بأنّ النفي يفيد العموم فيتعدّد، بخلاف الاثبات.

و جوابه: أنّ النفي إنّما هو للمعنى المستفاد عند الاثبات؛ فاذا لم يكن متعدّدا فمن أين يجي‏ء التعدّد في النفي؟

حجّة مجوّزيه حقيقة: أنّ ما وضع له اللفظ و استعمل فيه هو كلّ من المعنيين، لا بشرط أن يكون وحده، و لا بشرط كونه مع غيره، على ما هو

496

شأن الماهيّة لا بشرط شي‏ء، و هو متحقّق في حال الانفراد عن الآخر و الاجتماع معه فيكون حقيقة في كلّ منهما.

و الجواب: أنّ الوحدة تتبادر من المفرد عند إطلاقه، و ذلك آية الحقيقة. و حينئذ، فالمعنى الموضوع له فيه ليس هو الماهيّة لا بشرط شي‏ء، بل هي بشرط شي‏ء. و أمّا فيما عداه فالمدّعى حقّ، كما أسفلناه.

و حجّة من زعم أنّه ظاهر في الجميع عند التجرّد عن القرائن، قوله تعالى:

«أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ»

. فانّ السجود من الناس وضع الجبهة على الأرض، و من غيرهم أمر مخالف لذلك قطعا. و قوله:

«إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ»

.

فانّ الصلاة من اللّه: المغفرة، و من الملائكة: الاستغفار. و هما مختلفان.

و الجواب من وجوه:

أحدها: أنّ معنى السجود في الكلّ واحد، و هو: غاية الخضوع.

و كذا في الصلاة و هو الاعتناء باظهار الشرف و لو مجازا.

و ثانيها: أن الآية الاولى بتقدير فعل، كأنّه قيل: «و يسجد له كثير من الناس»، و الثانية بتقدير خبر، كأنّه قيل: إنّ اللّه يصلّى. و إنّما جاز هذا التقدير، لأنّ قوله:

«يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ»

، و قوله:

«وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ»

مقارن له، و هو مثل المحذوف، فكان دالا عليه، مثل قوله:

نحن بما عندنا و أنت بما* * * عندك راض و الرأي مختلف‏

أي نحن بما عندنا راضون. و على هذا، فيكون قد كرّر اللفظ، مرادا به في كلّ مرّة معنى؛ لأنّ المقدّر في حكم المذكور. و ذلك جائز بالاتّفاق.

و ثالثها: أنّه و إن ثبت الاستعمال فلا يتعيّن كونه حقيقة، بل نقول:

هو مجاز، لما قدّمناه من الدليل. و إن كان المجاز على خلاف الأصل.

و لو سلّم كونه حقيقة، فالقرينة على إرادة الجميع فيه ظاهرة؛ فأين وجه الدلالة على ظهوره في ذلك مع فقد القرينة؟ كما هو المدّعى.

497

[وقوع الاشتراك في لغة العرب‏]

قوله: (و قد أحاله شرذمة)

أراد بالاستحالة مخالفته للحكمة، فلا يصدر من الحكيم كما يدلّ عليه ما احتجّوا به من أنّه إن ذكر مع القرينة كان تطويلا بلا طائل و إلّا كان مخلّا بالتفاهم.

و فساد الوجه المذكور كأصل الدعوى ممّا لا يكاد يخفى؛ لوضوح فوائد الاشتراك و وجود الفوائد في استعماله مع القرينة و عدم إخلاله بمطلق الفهم مع تجريده عن القرائن. على أنّه قد يكون الإجمال مطلوبا في المقام.

مضافا الى أنّه مبني على كون الواضع هو اللّه سبحانه أو من يستحيل عليه مخالفة الحكمة، و أمّا لو كان ممّن يجوز عليه ذلك فلا يستحيل أن يقع منه ذلك.

على أنّه قد يقع ذلك من جهة تعدّد الواضع و عدم اطّلاع أحدهم على وضع الآخر.

ثمّ إنّ في القائلين بإمكانه من يمنع من وقوعه فيؤوّل ما يرى من المشتركات الى الحقيقة و المجاز أو غيره، و هو تعسّف ظاهر لا موجب له.

و في القائلين بوقوعه من يذهب الى وجوبه، مستدلّا بما وهنه أبين ممّا مرّ.

نعم، قد يقال بوجوبه بمعنى كونه مقتضى الحكمة، لقضائها بوجود المجملات في اللغة نظرا الى مسيس الحاجة اليها في بعض الأحوال، و لما فيه من فوائد اخر لفظية و معنوية.

قوله: (إذا كان الجمع بين ما يستعمل فيه من المعاني ممكنا)

قيل‏ (1) أراد به أن يكون المعنيان ممّا يجتمعان في الإرادة بحسب استعمالات العرف، فالمراد بغير الممكن ما لم يعهد الجمع بينهما في الإرادة كاستعمال الأمر في الوجوب و التهديد و لو بالنسبة الى شخصين، و لا يريد به ما يستحيل اجتماعهما عقلا، إذ لا استحالة فيما ذكر.

و فيه: أنّه لا وجه حينئذ للحكم بعدم إمكان الاجتماع، إذ عدم معهودية

____________

(1) ذكره الفاضل الشيرواني. (منه (رحمه اللّه)).

498

استعمالهم له في ذلك لا يقضي بالمنع منه مع وجود المصحّح، و من البيّن أن كثيرا من المجازات ممّا لم تكن جارية في كلام العرب القديم و لا كانوا يعرفونها و إنّما اقترحها المتأخّرون بخيالاتهم، كيف! و لو بني على إخراج المتروكات عن محلّ البحث لم يبق هناك محلّ للنزاع، لوضوح متروكية استعمال المشترك في معنييه من أصله، إذ لم نجد شيئا من ذلك في الاستعمالات الدائرة و لو ورد من ذلك شي‏ء محقّق في كلماتهم لكان ذلك من أقوى أدلّة المجوّزين، فلم لم يستند اليه أحد منهم في إثبات الجواز، فلو قطعنا النظر عن ظهور عدم وروده في كلامهم فلا أقلّ من عدم تحقّق الورود أيضا فلا يكون هناك موضع يعرف كونه من محلّ الخلاف.

و مع الغضّ عن ذلك فمتروكية الاستعمال لا يمنع من استعمال الحقائق.

و القول بكون الاستعمال المذكور حقيقة إمّا مطلقا أو في بعض الصور من الأقوال المعروفة في المسألة فلا وجه إذن لاعتبار عدم المتروكية في محلّ النزاع.

و قيل‏ (1) أراد به إخراج ما لا يمكن إرادتهما معا منه في إطلاق واحد كاستعمال صيغة الأمر في الوجوب و التهديد، و كأنّه أراد ذلك بالنسبة الى شخص واحد و فعل واحد و زمان واحد، نظرا الى استحالة اجتماع الأمر و النهي كذلك، هذا إذا قلنا باستحالة اجتماع الأمر و النهي بناء على كونه من قبيل التكليف المحال، لا التكليف بالمحال كما قيل.

و لو قلنا بالثاني فلا مانع من نفس الاستعمال الذي هو محطّ الكلام في المقام، غاية الأمر عدم وروده في كلام الحكيم.

و كذا الحال في استعمال اللفظ في الضدّين ممّا لا يمكن تحقّقهما في الخارج، كما في قولك: «هند في القرء» إذا أردت به الطهر و الحيض معا، فإنّ عدم جواز الاستعمال حينئذ من جهة لزوم الكذب لا لمانع في اللفظ، فلا منع من جهة نفس الاستعمال الذي هو المنظور في المقام كيف! و لو قيل بالمنع من الاستعمال لأجل‏

____________

(1) ذكره سلطان العلماء. (منه (رحمه اللّه)).

499

ذلك لجرى في استعمال سائر الألفاظ إذا لم يطابق مفادها الواقع، و من البيّن أنّ أحدا لا يقول به، إذ لا مدخلية لمطابقة المدلول للواقع و عدمه في صحّة الاستعمال بحسب اللغة و عدمها، هذا إذا أراد بإمكان الجمع بينهما في الإرادة من جهة صحّة اجتماع المعنيين بحسب الواقع.

و أمّا إذا أراد به صحّة اجتماع الإرادتين بأنفسهما كما هو قضية ما ذكرناه أولا فله وجه إن تمّ ما ادّعوه من الاستحالة، إلّا أنّ عدم قابلية المعنيين حينئذ للاجتماع ليس لمانع في نفس الاستعمال، بل لعدم إمكان حصول الأمرين في أنفسهما و لو أدّيا بلفظين، فليس المنع حينئذ من جهة اللغة و لا لمدخلية اجتماعهما في الإرادة من اللفظ الواحد، فلا يكون للتقييد به كثير مدخلية في المقام.

و كان الأولى تفسير ذلك بما إذا كان المعنيان ممّا يختلفان في الأحكام اللفظية و لم يمكن اجتماعهما في الإرادة بحسب ما يلزمهما من التوابع المختلفة، كما إذا كان اللفظ بالنظر الى أحد المعنيين اسما، و بالنظر الى الآخر فعلا أو حرفا، أو كان اللفظ بالنظر الى أحد المعنيين مرفوعا، و بالنظر الى الآخر منصوبا أو مجرورا مع ظهور الإعراب فيه.

[استعمال المشترك في أكثر من معنى‏]

قوله: (ثمّ إنّ القائلين بالوقوع اختلفوا ... الخ)

أقول: قبل تحقيق المرام و تفصيل ما يرد على الأقوال من النقض و الإبرام لا بد من تبيين محلّ الكلام و توضيح ما هو المقصود بالبحث في هذا المقام، فنقول:

للمشترك على ما ذكروه إطلاقات:

أحدها: أن يستعمل في كلّ من معنييه أو معانيه منفردا، و لا كلام في جوازه و لا في كونه حقيقة، و هو الشائع في استعماله.

ثانيها: أن يستعمل في القدر المشترك بين معنييه أو معانيه كالأمر المستعمل في الطلب على القول باشتراكه لفظا بين الوجوب و الندب، و منه إطلاقه على مفهوم المسمّى بذلك اللفظ كإطلاق زيد على المسمّى به حسب ما ذكروه في مثنى‏

500

الأعلام، و لا تأمّل في كون ذلك مغايرا لمعناه الموضوع له فيتبع جوازه وجود العلاقة المصحّحة للتجوّز، و ليس مجرّد كون ذلك قدرا مشتركا كافيا في صحّة التجوّز، فما يظهر من بعض الأفاضل من صحّة الاستعمال على النحو المذكور مطلقا كما ترى.

ثالثها: أن يطلق على أحد المعنيين من غير تعيين، و عزي الى السكّاكي أنّه حقيقة فيه، و حكي عنه أنّ المشترك كالقرء- مثلا- مدلوله أن لا يتجاوز الطهر و الحيض غير مجموع بينهما، يعني أنّ مدلوله واحد من المعنيين غير معيّن، فهذا مفهومه ما دام منتسبا الى الوضعين لأنّه المتبادر الى الفهم، و التبادر الى الفهم من دلائل الحقيقة.

أقول: إطلاق المشترك على أحد معنييه إمّا أن يكون باستعماله في مفهوم أحدهما، أو في مصداقه.

و على الأوّل فكلّ من المعنيين ملحوظ في المقام إلّا أنّه مأخوذ قيدا فيما استعمل فيه، أعني مفهوم الأحد فالقيد خارج عن المستعمل فيه و التقييد داخل فيه على نحو العمى، فإنّه العدم الخاصّ المضاف الى البصر، فليس خصوص كلّ من المعنيين ممّا استعمل اللفظ فيه، و حينئذ فإمّا أن يراد به المفهوم الكلّي الشامل لكلّ منهما، أو يراد به أحدهما على سبيل الإبهام، بأن يجعل آلة لملاحظة أحد ذينك المعنيين على سبيل الترديد و الإجمال فيدور بينهما.

و الفرق بين الوجهين أنّ الأوّل من قبيل المطلق فيحصل الامتثال بكلّ منهما، و الثاني من قبيل المجمل فلا يتعيّن المكلّف به إلّا بعد البيان.

و على الثاني فإمّا أن يكون المستعمل فيه أحد المعنيين المفروضين على سبيل الإبهام و الإجمال بحسب الواقع فلا يكون متعيّنا عند المتكلّم و لا المخاطب، أو يكون معيّنا بحسب الواقع عند المتكلّم إلّا أنّه يكون مبهما عند المخاطب، نظرا الى تعدّد الوضع و عدم قيام القرينة على التعيين و الأوّل باطل؛ إذ استعمال اللفظ

501

في المعنى أمر وجودي لا يصحّ أن يتعلّق بالمبهم المحض كما في هذا الفرض، إذ المفروض عدم استعماله واقعا في خصوص شي‏ء من المعنيين و إلّا لكان المستعمل فيه معيّنا بحسب الواقع و لا في مفهوم أحدهما الشامل لكلّ منهما كما هو المفروض فلا يتصوّر استعماله على النحو المذكور، و كلّ من الوجوه الثلاثة الباقية ممّا يصحّ استعمال المشترك فيه.

و أنت خبير بأنّ الوجه الأخير هو الوجه الأوّل الشائع في استعماله، و الوجه الأوّل راجع الى الوجه الثاني، لكونه في الحقيقة من الاستعمال في القدر المشترك و إن لوحظ فيه خصوص كلّ من المعنيين بل و كذا الوجه الثاني، إذ المستعمل فيه هو القدر المشترك أيضا و إن ضمّ اليه اعتبار آخر، فلا يكون استعماله في أحد المعنيين إطلاقا آخر، و كأنّه لذا لم يذكره بعضهم في عداد استعمالات المشترك.

بقي الكلام في العبارة المنقولة عن السكّاكي، و هي في بادئ الرأي قابلة للحمل على كلّ من الوجوه الثلاثة المذكورة، و ظاهر التفتازاني في المطول حملها على أحد الوجهين الأوّلين حيث ذكر في تحقيق كلامه ما محصّله:

أنّ الواضع عيّن المشترك تارة للدلالة على أحد معنييه بنفسه، و كذا عيّنه اخرى للدلالة على الآخر كذلك، و حينئذ فافتقاره الى القرينة ليس لأجل نفس الدلالة بل لدفع مزاحمة الغير، ثمّ إنّه حصل من هذين الوضعين وضع آخر ضمنا، و هو تعيينه للدلالة على أحد المعنيين عند الإطلاق غير مجموع بينهما، و قال: إنّ هذا هو المفهوم منه ما دام منتسبا الى الوضعين، لأنّه المتبادر الى الفهم، و التبادر من دلائل الحقيقة.

فعلى هذا يرجع ذلك الى الوجه الثاني من إطلاقاته، كما أشرنا اليه، و لعلّه لذا أسقطه في شرح الشرح و جعل استعمالات المشترك أربعة.

و ربما يظهر من الفاضل الباغنوي ذلك أيضا، إلّا أنّ الظاهر من كلامه حمله على الوجه الثاني من الوجهين المذكورين.

502

و كيف كان، فالظاهر بعد الحمل المذكور بل فساده، إذ لا يخفى أنّ المعنى المذكور معنى ثالث مغاير لكلّ من المعنيين المفروضين، و لا ملازمة بين وضعه لكلّ منهما و الوضع لهذا المعنى، و الاحتجاج عليه بالتبادر بيّن الفساد؛ إذ لا يتبادر من المشترك ذلك أصلا و إنّما المتبادر منه خصوص أحد المعنيين المتعيّن عند المتكلّم المجهول عند المخاطب من جهة تعدّد الوضع و انتفاء القرينة المعيّنة، فحينئذ يعلم إرادة أحد المعنيين و لا يتعيّن خصوص المراد، و أين ذلك من استعماله في المفهوم الجامع بين المعنيين؟ كيف! و لو تمّ ما ذكره لم يمكن تحقّق مشترك بين المعنيين، و لخرج المشترك عن الإجمال و اندرج في المطلق بناء على الوجه الأوّل من الوجهين المذكورين، و فساد ذلك ظاهر.

و لا باعث على حمل كلام السكّاكي عليه من إمكان حمله على المعنى الصحيح سيما مع عدم انطباق العبارة المذكورة عليه، حيث نصّ على أنّ مدلوله ما لا يتجاوز معنييه، و من البيّن أنّ حمله على المعنى المذكور تجاوز عن معنييه و حكم باستعماله في ثالث.

فالأظهر حمل كلامه على الوجه الثالث، و مقصوده من العبارة المذكورة بيان ما يدلّ عليه المشترك بنفسه، فإنّه من جهة الإجمال الحاصل فيه بواسطة تعدّد الوضع لا يدلّ على خصوص المعنى المقصود و لا يقضي بانتقال المخاطب الى ما هو مراد المتكلّم بخصوصه.

و تفصيل القول في ذلك: أنّ وضع اللفظ للمعنى بعد العلم به قاض بالانتقال من ذلك اللفظ الى ذلك المعنى و إحضاره ببال السامع عند سماع اللفظ، و هذا القدر من لوازم الوضع، و لذا اخذ ذلك في تعريفه من غير فرق بين الحقيقة و المجاز و المشترك، فإنّ كلّا من المعاني التي وضع المشترك بإزائه مفهوم حال إطلاقه حاضر ببال السامع عند سماع لفظه، و كذا المعنى الحقيقي مفهوم من لفظ المجاز و إن قامت القرينة على عدم إرادته.