هداية المسترشدين - ج1

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
735 /
53

إنّه مفهوم من الأخبار و كلام الأئمة الأطهار (عليهم السّلام)، و من تتبّع كلامهم لم يختلجه شكّ و لا ريب في ذلك.

و أنت خبير بأنّ ما ادّعاه في المقام غير ظاهر، أقصى الأمر إطلاق الفقه في الكتاب و الأخبار على العلم بالأحكام الشرعيّة في الجملة، و بمجرّد ذلك لا يثبت كون ذلك من المعاني الشرعيّة، بل يمكن حمل عدّة منها- بل كلّها- على المعنى اللغوي، و يكون إطلاقها على علم الشريعة من قبيل إطلاق الكلّي على الفرد؛ و ليس في كلامهم ما يفيد كون ذلك معنى شرعيا، و لا ادّعوه في المقام، كيف! و التعبير عنه بالاصطلاح- كما في الكتاب و سائر تعبيرات الأصحاب- شاهد على خلافه.

و قد احتمله المحدّث المذكور في بعض رسائله و قطع به في موضع آخر، و نصّ على أنّ ذلك معنى جديد بين المجتهدين، قال: و إطلاقه المتكثّر في الأخبار هو البصيرة في أمر الدين. و على هذا فلا وجه للمناقشة المذكورة، إذ لا مشاحة في الاصطلاح.

نعم، قد أنكر بعض فضلاء المتأخّرين كون المعنى المذكور من المعاني الاصطلاحيّة الطارئة، لئلّا يحمل عليه إطلاق الشارع، و نصّ على أنّ إطلاق الفقه و التفقّه على معرفة الأحكام عن أدلّتها غير عزيز في الأخبار، مشهور في الصدر السابق.

ظاهر كلامه يومئ الى دعوى الحقيقة الشرعيّة فيه. ثمّ إنّه ذكر أخبارا كثيرة ذكر فيها لفظ «الفقه» أو «التفقّه» مستشهدا بها على ذلك، و ليس في شي‏ء منها صراحة في إرادة خصوص المعنى المذكور، بل المنساق من كثير منها هو المعرفة بأحكام الدين كما أشرنا إليه. ثمّ إنّه شدّد النكير على جماعة من الأعلام حيث ادّعوا أنّ اسم الفقه في الصدر السابق إنّما يطلق على علم الآخرة ... الى آخر ما مرّ.

قلت: إن أراد الجماعة انحصار إطلاقه المعروف في الصدر السابق في ذلك‏

54

فالظاهر وهنه كما أشار إليه الفاضل المذكور، و ليس هناك قرينة على إطلاقه في آية التفقّه على ذلك كما ادّعاه بعضهم. و إن أرادوا أنّه كان إطلاقا معروفا في ذلك العصر في الجملة فليس بالبعيد، و في غير واحد من الأخبار شهادة عليه، كقوله (عليه السّلام): «لا يفقه العبد كلّ الفقه حتى يمقت الناس في ذات اللّه تعالى، و حتّى يرى للقرآن وجوها كثيرة، ثم يقبل على نفسه، فيكون لها أشدّ مقتا» (1).

و كيف كان، فثبوت الحقيقة الشرعية في أحد المعاني المذكورة غير معلوم حتّى يتعيّن حمل إطلاق الكتاب و الأخبار عليه، بل و استعماله في خصوص المعنى المصطلح غير معلوم أيضا. نعم قد يستظهر إطلاقه عليه من بعض الروايات.

ثم إنّه بعد انتشار علم الفقه و تدوينه في الكتب في عصر الصادقين (عليهما السّلام) لا يبعد القول بحصول النقل في الجملة.

ثم إنّه قد فرّع المحدّث المتقدّم على ما مرّ ذكره مسألة النذر و الوصيّة فيما لو نذر أو أوصى لمن تكلّم في مسألة فقهيّة، فإن قلنا بخروج الضروريّات عن الفقه لم يثبت ذلك لمن تكلّم في إحدى تلك المسائل، و إلّا ثبت له ذلك.

و فيه: أنّ الإطلاقات العرفيّة إنّما تنصرف إلى معانيها المتداولة في المحاورات الجارية دون الاصطلاحات العلميّة، سواء كانت مأخوذة عن الأئمة (عليهم السّلام) أو لا، و إنّما يتمّ ما ذكره على فرض اتحاد معناه الاصطلاحي و المعنى العرفي الشائع بين الناس، لكنّه محلّ تأمّل.

قوله: (هو العلم بالأحكام)

قد شاع إطلاق العلم على امور: خصوص التصديق اليقيني، و مطلق الإدراك الشامل له و للتصور، و نفس المسائل المبيّنة في العلوم، أي: المعلومات بالعلوم التصديقية و هي النسب التامّة المغايرة للتصديقات بالاعتبار- كما بيّن في محلّه- و على الملكة التي يقتدر بها على استنباط المسائل.

و يطلق الحكم على التصديق، و على النسبة التامّة الخبريّة، و على خطاب اللّه‏

____________

(1) عدّة الداعي: ص 218، بتفاوت.

55

المتعلّق بأفعال المكلّفين، و على ما يعمّ الأحكام الخمسة الشرعيّة، و على ما يعمّها و الوضعيّة التي منها: السببيّة و الشرطيّة و المانعيّة و الصحّة و البطلان، و إذا لو حظت وجوه العلم مع وجوه الأحكام ارتقى الاحتمالات إلى عشرين، و الصحيح منها وجوه عديدة.

و توضيح الحال: أنّ الأوّل و الثاني من وجوه العلم لا مانع من إرادته في المقام، و أمّا الثالث فلا يرتبط بالأحكام، و أمّا الرابع فهو و إن صحّ ارتباطه بالأحكام إلّا أنّه لا يلائم الظرف الواقع بعده، إذ الملكة إنّما تحصل من المزاولة و الممارسة، و لا تحصل من الأدلّة التفصيليّة. و يمكن أن يصحّح ذلك بجعل الظرف من متعلّقات الأحكام أو التصديق المتعلّق للملكة المذكورة حسبما يأتي الإشارة إليه.

و أمّا وجوه الأحكام فلا يصحّ إرادة الأوّل منها في المقام، إذ لا يرتبط به العلم بأحد المعاني المذكورة، ضرورة أنّه لا محصّل للتصديق بالتصديقات و لا لملكة التصديق بالتصديقات، و كذا لو اريد به مطلق الإدراك أو ملكته؛ على أنّ مرجعه إلى التصديق.

فما ذكره المحقّق الشريف و تبعه بعض الأفاضل من تفسير الأحكام بالتصديقات ليس على ما ينبغي. و يمكن تصحيحه بحمل «العلم» على مطلق الملكة المجرّدة عن التصديق، فيصحّ تعلّقه بالتصديقات.

و يبعّده: أنّ المعروف في حمل «العلم» على الملكة هو إرادة ملكة العلم منه تنزيلا للقوّة القريبة منزلة الفعل، لا الملكة المطلقة ليعلم تعلّقها بالعلم من متعلّقها، إلّا أنّ الظاهر أنّ إطلاق «العلم» على مجرّد الملكة وارد في الاستعمالات أيضا، كما يقال: فلان عالم بالصياغة أو الحياكة أو النجارة (1)، و يراد به حصول تلك الملكة له، فالظاهر صحّة إطلاقه عليها، سيّما إذا كان ما اطلق عليه من ملكات‏

____________

(1) في المطبوع [1]: التجارة.

56

العلوم و إن كان بعيدا عن ظاهر الإطلاق، فحينئذ يتعيّن أن يكون الظرف من متعلّقات الأحكام.

فما ذكراه من تعلّق الظرف بالعلم غير متّجه، و كأنّهما أرادا بالتصديق المصدّق به، لشيوع إطلاقه عليه، فيرجع الى الوجه الآتي.

و كيف كان، فالوجه المذكور و إن أمكن تصحيحه إلّا أنّ فيه من التعسّف و الركاكة ما لا يخفى.

و أمّا الثاني فهو أظهر الوجوه في المقام، و عدم كونه من مصطلحات الاصوليّين و الفقهاء لا يبعّد الحمل عليه، سيّما قبل بيان الاصطلاح، مضافا إلى قيام بعض الشواهد المبعّدة للحمل على المصطلح، كما ستعرف.

و أمّا الثالث فلا يصحّ إرادته في المقام، إذ ليس العلم بنفس الخطابات فقها، سواء فسّر الخطاب بتوجيه الكلام نحو الغير أو الكلام الموجّه نحوه؛ و أيضا لا معنى لتعلّق الأدلّة بها، إذ من جملة الأدلّة الكتاب و السنّة و هما عين الخطاب على الثاني، فيتّحد المدلول و الدليل، و قد وقع الخطاب بهما على الأوّل فلا يكونان دليلين عليه.

و قد أجاب الأشاعرة عن ذلك- بناء على ما ذهبوا إليه من القول بالكلام النفسي- بحمل الأحكام على الخطابات النفسيّة و ما عدّ في الأدلّة من اللفظيّة، فجعلوا الثانية أدلّة على الاولى.

و أورد عليه بعض أفاضل العصر: بأنّ الكلام اللفظي حينئذ كاشف عن المدّعى لا أنّه مثبت للدعوى، فلا يكون دليلا عليه بحسب الاصطلاح.

و يدفعه: أنّه إنّما يتمّ لو فسّر الكلام النفسي بمدلول الكلام اللفظي، أعني نفس ما دلّ عليه اللفظ من حيث إنّه مدلوله، إذ من الواضح عدم كون اللفظ دليلا على معناه في الاصطلاح و إن كان دالّا عليه.

و أمّا إذا فسّر بالكلام القائم بالذات الأزليّة المدلول عليه بالخطاب اللفظي- كما هو الظاهر من مذهبهم حيث يذهبون إلى كونه من الصفات القديمة-

57

فالخطاب اللفظي دليل عليه بحسب الاصطلاح، إذ كما يدلّ اللفظ على مدلوله الخارجي يدلّ على كونه مطابقا لما في نفس المتكلّم، فينتظم في المقام قياس بهذه الصورة: هذا ما دلّ الخطاب اللفظي على قيامه بالذات الأزليّة، و كلّ ما دلّ عليه خطابه اللفظي فهو مطابق للحقيقة، فينتج أنّ خطابه النفسي هو ذلك.

و قد علّل (رحمه اللّه) في الحاشية عدم كون الخطاب اللفظي دليلا على الخطاب النفسي بحسب الاصطلاح بأنّه: لا بدّ في الدليل الاصطلاحي من تصوّر المدلول قبل الدليل و العلم به على سبيل الإجمال، و هو غير حاصل في المقام، إذ الخطابات النفسيّة إنّما تعلم بعد ملاحظة الخطابات اللفظيّة من غير علم بها قبل ذلك أصلا لا إجمالا و لا تفصيلا.

و أنت خبير بعدم وضوح ما ذكره من الدعويين، إذ لا يلزم تقدّم العلم الإجمالي بالمدلول على الدليل مطلقا حتّى يكون ذلك من لوازم الدليل بالمعنى المصطلح، بل قد يكون العلم به مطلقا متأخّرا عن الدليل، كما إذا حصل الانتقال إلى النار بعد ملاحظة الدخان، غاية الأمر أنّه مسبوق في المثال بمعرفة الملازمة بين مطلق الدخان و النار و هو شي‏ء آخر.

نعم، ما ذكره (رحمه اللّه) من لوازم الاستدلال؛ و أيضا لا مانع من تقدّم العلم بالخطابات النفسيّة إجمالا على معرفة الخطابات اللفظيّة التفصيليّة، كيف! و ثبوت الأحكام على سبيل الإجمال من ضروريّات الدين، كما أشار إليه في الجواب المختار عنده، و ذلك عندهم هو العلم بالخطابات النفسيّة على الإجمال، و هو متقدّم في المعرفة على العلم بالخطابات اللفظيّة، و هو ظاهر.

هذا، و قد أجاب الفاضل المذكور عن أصل الإيراد بحمل الأحكام على الأحكام الإجماليّة التي دلّت على ثبوتها الضرورة، قال: و المراد من الأدلّة الخطابات التفصيليّة، فيكون الفرق بين المدلول و الدليل بالإجمال و التفصيل.

قلت: و أنت خبير بما فيه، إذ لا محصّل لما ذكره من التفرقة، فإنّ من البيّن أنّ المجهول في المقام إنّما هي الخطابات التفصيليّة و هي الّتي يتوقّف إثباتها على‏

58

الأدلّة، و المفروض في الحدّ المذكور كون الدليل عليها هي الخطابات التفصيليّة الّتي هي عين ذلك المدلول المجهول، فالمحذور المذكور على حاله و اعتبار العلم بها إجمالا لا يفيد شيئا في المقام. و ليس العلم بها على سبيل الإجمال حاصلا من تلك الخطابات التفصيليّة حتى يصحّ الفرق بين المدلول و الدليل بالإجمال و التفصيل، بل العلم الإجمالي الحاصل في المقام على نحو سائر العلوم الإجماليّة المتعلّقة بالنتائج عند طلب الدليل عليها، و من البيّن أنّه ليس التفصيل الحاصل من الدليل دليلا على ذلك المعلوم الإجمالي، بل هو عين المجهول المعلوم على جهة الإجمال الحاصل من الدليل القائم عليه؛ على أنّه من الواضح أنّ العلم بتلك الخطابات على سبيل الإجمال ليس من الفقه في شي‏ء، فلا يصحّ تحديده به.

ثمّ إنّ ما ذكرناه على فرض حمل الخطاب في الحدّ المشهور للحكم على ظاهر معناه، و أمّا إن اوّل بما يجعل جامعا بين الأحكام الخمسة الشرعيّة و الوضعيّة- كما هو ظاهر كلامهم في ذلك المقام حيث جعلوه مقسما لتلك الأحكام- رجع إلى المعنى الخامس، و لا يتوجّه عليه شي‏ء من الإيرادين المذكورين.

و أمّا الرابع فبعد تسليم شيوع إطلاق الحكم عليه بخصوصه لا يتّجه إرادته في المقام، لخروج معظم مسائل الفقه عنه، كبيان شرائط العبادات و موانعها و أسباب وجوبها و البحث عن الصحة و الفساد الذي هو المقصود الأهمّ في قسم المعاملات.

و التزام الاستطراد في جميعها أو كون البحث عنها من جهة الأحكام التكليفيّة التابعة لها- و لذا قيل بانحصار الأحكام في الخمسة الشرعيّة و إرجاع الوضعيّة إليها- كما ترى! نعم يتمّ ذلك على القول بانحصار الأحكام في التكليفيّة و إرجاع الوضعيّة إليها، و حينئذ فلا مانع من حملها على ذلك، إلّا أنّ البناء على ذلك غير متّجه، كما قرّر في محلّه.

و أمّا الخامس فلا مانع من إرادته في المقام، إلّا أنّه إن فسّر بالصفات الخاصّة المحمولة- كما هو الظاهر من ملاحظة حدود الأحكام الشرعيّة- لم يمكن تعلّق‏

59

التصديق بها إلّا بنوع من التأويل، إذ لا يتعلّق التصديق إلّا بالنسبة. و إن فسّر بانتساب تلك المحمولات إلى موضوعاتها نسبة تامّة- كما هو أحد الوجهين في تفسيرها- صحّ تعلّق التصديق بها من غير تأويل، إذ المراد بها إذا نوع خاصّ من النسب التامّة. و على أيّ من الوجهين يكون قيد «الشرعية» توضيحيّا، إذ لا يكون الحكم المذكور إلّا شرعيّا.

و ربّما يقال بإخراجه الأحكام الغير الشرعيّة كالوجوب الّذي يذكر في سائر العلوم و الصنائع أو الحاصل بمقتضى العادة.

و فيه: أنّ ذلك خارج عن المصطلح قطعا، كما يظهر من ملاحظة حدودها المذكورة في كتب الاصول.

و قد يجعل حينئذ قيد «الفرعيّة» أيضا توضيحيّا بناءا على دعوى ظهور الأحكام في الشرعيّة الفرعيّة، كما يتراءى ذلك من حدّه المعروف. و لا يخلو عن تأمّل، إذ الوجوب المتعلّق بالعقائد الدينيّة أو المسائل الاصوليّة- كوجوب العمل بالكتاب و السنّة- مندرج في الاصطلاح قطعا، و كذا غيره من الأحكام، فلا وجه لانصرافها إلى خصوص الفرعيّة مع شيوع إطلاقها على غيرها أيضا و شمول المصطلح للأمرين، كما هو الظاهر من ملاحظة الاستعمالات.

و قد يقال: بأنّ الاصطلاح إنّما يثبت للحكم مقيّدا بالشرعي؛ و لذا عرّفوا الحكم الشرعي في المبادئ الأحكاميّة بالمعنى المذكور، و قسّموه إلى الأقسام المعروفة، فلا يكون التقييد بالشرعيّة أيضا لغوا.

هذا، و قد ظهر بما قرّرناه رجوع الوجوه الثلاثة المتأخّرة إلى وجه واحد، و هو القدر الجامع بين الأحكام الشرعيّة، و يبنى شموله للأحكام الوضعية و عدمه على الخلاف المذكور.

و المراد ب «الشرعيّة» المنتسبة إلى الشرع و إن كان إدراكها بمحض العقل من غير توسّط بيان الشارع أصلا كما قد يتّفق في بعض الفروض، أو كان العلم بها بملاحظة بيانه كما هو الحال في معظم المسائل، أو كان معلوما بالوجهين.

60

و قد تفسّر بالمأخوذة من الشرع و إن حكم به العقل أيضا، و يشكل بخروج القسم الأوّل عنه.

و قد تفسّر أيضا بما من شأنه أن يؤخذ من الشارع، فلا مانع من استقلال العقل في الحكم ببعضها و انفراده في ذلك من دون انضمام بيان الشارع.

و فيه: أنّه غير جامع أيضا، لخروج بعض الأحكام الشرعيّة عنه، كوجوب الحكم بوجود الصانع و الحكم بثبوت الرسول و الحكم بوجوب النظر في المعجزة، إذ ليس من شأن الأحكام المذكورة الأخذ من الشارع، فإنّ إثبات وجوبها بقول الرسول إنّما يكون بعد ثبوت كونه رسولا، و لا معنى حينئذ لوجوب شي‏ء من الامور المذكورة، لحصولها بعد ثبوت الرسالة، فلا يعقل وجوب إثبات الرسالة بعد حصوله، و كذا وجوب إثبات الصانع و النظر في المعجزة لحصولهما حينئذ أيضا من جهة توقّف إثبات الرسالة عليهما، إلّا أن يمنع كونها أحكاما شرعية، أو يفصّل بين الحكم بها قبل إثبات النبيّ و بعده، و هو على إطلاقه أيضا مشكل؛ على أنّ تسميته حكما شرعيّا بعد العلم بحكم الشارع به لا يجعل التصديق به مأخوذا من الشارع؛ لحصوله قبل العلم بحكمه؛ مضافا إلى أنّ كون الحكم شرعيّا غير العلم بكونه كذلك، فغاية الأمر أن يتوقّف العلم به عليه.

و المراد ب «الفرعيّة» ما يتعلّق بفروع الدين في مقابلة الاصولين، أعني:

اصول الدين و اصول الفقه.

و قد تفسّر بما يتعلّق بالعمل بلا واسطة.

و يشكل بخروج كثير من مسائل الفقه عنه، كمسائل الميراث و بعض مباحث‏ (1) النجاسات، لعدم تعلّقها بالعمل بلا واسطة. و دخول ما ليس من الفقه فيه، كوجوب رجوع المقلّد إلى المجتهد و صحّة عمل المجتهد برأيه و وجوب تسليم العقائد الدينيّة و الإذعان بها، فإنّه ممّا يتوقّف عليه حصول الإسلام، إذ مجرّد العلم بتلك المعتقدات ليس كافيا في حصوله من دون حصول التسليم و الانقياد،

____________

(1) في المطبوع [1]: مسائل.

61

و الأوّلان من مسائل اصول الفقه، و الأخير يتعلّق باصول الدين.

و لو دفع ذلك بالبناء على تخصيص العمل بأعمال الجوارح فمع عدم إخراجه لجميع المذكورات يستلزم خروج كثير من مسائل الفقه، كمباحث النيّات و سائر الأحكام الثابتة لأعمال القلب: كحرمة الحسد أو كراهته و حرمة بغض المؤمن أو كراهته و استحباب التفكّر و التذكّر و وجوب الحبّ في اللّه و البغض في اللّه، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى.

فالأظهر في المقام إحالة التسمية إلى العرف، فإنّ مسائل اصول الدين و اصول الفقه معروفة بحسب الاصطلاح، فالمراد بالفرعيّة سائر الأحكام الشرعيّة ممّا لا يندرج في شي‏ء من الأمرين حسبما ذكرنا.

قوله: (عن أدلّتها ... الخ)

إمّا متعلّق بالعلم، أو بالأحكام، أو بعامل مقدّر من أفعال العموم أو الخصوص يقدّر صفة للعلم أو الأحكام. و لو أخذنا الأحكام بمعنى النسب التامّة أو ما يعمّ الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة لم يرتبط الأدلّة بها إلّا مع تعلّقها بمقدّر مخصوص يقدّر صفة لها، كأن يراد المستنبطة أو المعلومة عن أدلّتها، و إضافتها إلى الضمير جنسيّة، فالمراد بها جنس الأدلّة، فلا يعتبر فيها الاستغراق؛ و يشهد له سوق الكلام بحسب المقام.

و قد يحمل ذلك على الاستغراق و يجعل مقابلته بالأحكام من مقابلة الجمع بالجمع حتّى يصحّ إرادته في المقام، و ذلك بأن يراد كون شمول تعلّق العلم بالأحكام عن جميع الأدلّة، لا كون العلم بكلّ واحد واحد منها عن كلّ واحد واحد من الأدلّة كما هو الظاهر من الحدّ، أو يراد بالعموم في الجمعين العموم المجموعي.

و لا يذهب عليك بعد الوجهين؛ مضافا إلى أنّ ذلك غير حاصل في الخارج و لا مأخوذ في صدق الفقه.

و لو حمل ذلك على إرادة العموم بحسب أنواع الأدلّة ففيه- مع خروجه عن‏

62

ظاهر الاستغراق- أنّه غير معتبر في صدق الفقه أيضا، كما لا يخفى.

و المراد ب «التفصيليّة» ما يفيد ثبوت الحكم على جهة التفصيل و إن كان ما يستند إليه من الأدلّة من جنس واحد، كما إذا فرض استنباط جميع الأحكام عن السنّة، كما قد يفرض بالنسبة إلى بعض أصحاب الأئمة (عليهم السّلام).

و يقابلها الأدلّة الإجماليّة، و هي ما لا يفيد الحكم إلّا من جهة إجماليّة جارية في الجميع، فإنّ المقلّد إنّما يعلم الحكم من فتوى المجتهد من جهة كون حكمه حجّة عليه بحسب ظاهر التكليف، لا من جهة كون ذلك هو حكم المسألة في نفسها، و ليس الدليل القائم عنده إلّا مفيدا لتلك الأحكام من تلك الجهة الواحدة، فهو إنّما يعلم الأحكام من تلك الجهة الإجماليّة الجارية في الجميع؛ و هذا بخلاف ما إذا أخذ الأحكام كلّها من الإمام (عليه السّلام) فإنّ قوله (عليه السّلام) مثبت للحكم في نفسه؛ و كذا الكلام في الكتاب و الإجماع و دليل العقل. و فيه تأمّل.

و قد يفسّر التفصيلية بما يكون ذات وجوه و شعب كما هو الحال في أدلّة المجتهد. و فيه أيضا كلام يأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه تعالى.

قوله: (فخرج بالتقييد بالأحكام العلم بالذوات)

هذا إذا فسّر العلم بمطلق الإدراك، و أمّا إذا اخذ بمعنى التصديق فالعلم بالذوات بمعنى تصوّرها- كما هو ظاهر العبارة- خارج عن الجنس.

قوله: (و بالصفات ككرمه و شجاعته ... الخ)

الظاهر أنّه أراد به تصوّر تلك الصفات و الأفعال كما يومئ إليه عطفها على الذوات، و إن أراد به انتساب تلك الصفات أو الأفعال إليه- كما قد يومئ إليه إضافتها إلى الضمير المشعر بملاحظة الانتساب- فخروجها بقيد الأحكام غير ظاهر، إلّا بحملها على المعنى المصطلح، و قد عرفت أنّه يكون قيد الشرعيّة حينئذ توضيحيّا، فلا وجه للحكم بخروج العقليّة بالتقييد بها إلّا مع البناء على الوجه المتقدّم.

و قد يورد في المقام: أنّه كما يخرج المذكورات من جهة التقييد بالأحكام كذا يخرج به العلم بالموضوعات الشرعيّة كالصلاة و الزكاة و الحجّ و الوضوء

63

و الغسل و نحوها، مع أنّ بيانها من شأن الفقيه و المعرفة بها إنّما تحصل في الفقه، فلا ينعكس الحدّ.

و يدفعه: أنّ الحكم بأنّ الصلاة كذا و الصوم كذا- مثلا- أحكام شرعيّة وضعيّة مقرّرة من صاحب الشريعة، إذ لا ينحصر الأحكام الوضعيّة في عدد، فلا مخرج لها عن الحدّ. و كونها موضوعات لمسائل الفنّ إنّما يقضي بخروج تصوّراتها عن الفنّ و هو كذلك، لوضوح خروج التصوّرات عن مسائل الفنون.

و مع الغضّ عن التفصيل المذكور فلا مانع من التزام خروجها عن الفقه؛ لوضوح كون تصوّر الموضوع و أجزائه و جزئيّاته خارجا عن مسائل الفنون و كذا التصديق التابع لها. و كون العلم بها في الفقه و بيانها من شأن الفقيه لا يقضي باندراجها في مسائل الفقه، كما هو الحال في تصوّر جزئيّات الموضوعات في سائر الفنون، فإنّ العلم بها غالبا إنّما يكون في تلك الفنون المدوّنة و بيانها من شأن أربابها مع خروجها عن الفنّ.

هذا، و قد يقال: إنّ قيد الاحتراز في الحدّ لا بدّ أن يكون محتاجا إليه بحيث لو لم يكن لدخل ما احترز به عنه، و ليس الحال كذلك في التقييد بالأحكام بالنسبة إلى إخراج الامور المذكورة؛ لخروجها بالتقييد بالشرعيّة الفرعيّة، فالأولى أن يجعل التقييد بالأحكام لإخراج الموضوعات الشرعيّة حسب ما ذكر، و كذا صفاتها كصلاة الظهر و النكاح الدائم و الطلاق الرجعي و نحوها، لعدم خروجها بقيد الشرعيّة الفرعيّة، فهي إنّما تخرج بالتقييد بالأحكام؛ كذا يستفاد من كلام بعض الأفاضل.

و أنت خبير بما فيه؛ لوضوح أنّ المعتبر في القيود الاحترازيّة عدم إغناء الأوّل عن الأخير دون العكس، فلا غضاضة فيما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) أصلا.

نعم، قد يقال: إنّه لا وجه لتخصيص المخرج بالأحكام بما ذكره.

و فيه: أنّه لا دلالة في كلامه على التخصيص، غاية الأمر أنّه نصّ على المذكورات، لوضوحها دون غيرها.

64

قوله: (كالعقليّة المحضة)

كأنّه قيّدها بالمحضة إشارة إلى اندراج غير المحضة في الشرعيّة ممّا يحكم به كلّ من العقل و الشرع استقلالا، أو يدركه العقل بضميمة الشرع كوجوب مقدّمة الواجب، و كأنّه أخذ الشرعيّة بأحد الوجهين المذكورين. و قد عرفت ما فيه.

و إن فسّرت بما ذكرناه خرج بها العقليّات الّتي لا ارتباط لها بالشريعة سواء اخذت عن محض العقل أو النقل أو العقل المعتضد بالنقل؛ و يمكن تطبيق كلامه على ذلك.

قوله: (الاصوليّة)

سواء كانت من اصول الدين و ما يتبعها من الامور المتعلّقة بالمبدأ و المعاد و غيرها، أو من اصول الفقه.

قوله: (و بقولنا: عن أدلّتها علم اللّه‏ (1) ... إلخ)

إذ ليس علمه تعالى بالأشياء حاصلا بطريق النظر و الاستدلال و الانتقال من المبادئ إلى المطالب، و كذا علوم الملائكة و الأنبياء (عليهم السّلام).

و نحوها علوم الأئمّة (عليهم السّلام) فإنّ علومهم ضروريّة حاصلة من أسباب باعثة عليه قد ذكر عدّة منها في الأخبار (2). و ليس قول جبرئيل أو سائر الملائكة للنبيّ أو الإمام (عليهما السّلام) بمنزلة قول النبيّ أو الإمام (عليهما السّلام) بالنسبة إلينا، إذ إفادة كلامهم للعلم لنا إنّما يكون على سبيل النظر و الاستدلال و ملاحظة عصمتهم عن الكذب و السهو [و النسيان‏] (3) و ليس كذلك الحال بالنسبة إليهم (صلوات اللّه عليهم)، بل إنّما يستفيد

____________

(1) في هامش المطبوع [1] ما يلي: و قد يقال بخروج علمه تعالى عن التصديق، لما تقرّر من عدم كون علمه تعالى من قبيل التصوّر و التصديق، فإنّهما قسمان للعلم الذي يكون بحصول الصورة دون غيره، و قد نصّ أرباب المعقول بأنّ علمه تعالى و علوم المبادئ العالية ليس من قبيل التصوّر و التصديق.

و فيه: أنّ المراد بالعلم في العرف أعمّ من التصديق المصطلح؛ لصدق العالم عليه تعالى قطعا مع أنّ علمه تعالى ليس من قبيل التصديق بمعناه المعروف. (منه).

(2) راجع اصول الكافي 1: 255- 264.

(3) أثبتناه من المطبوع [1].

65

النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) من الوحي علما ضروريّا بالحكم، و كذا الإمام (عليه السّلام) من قول الملك و الإلهام أو غيرهما من وجوه العلم على نحو ما يحصل لنا العلم الضروريّ بالفطريّات، و كذا ما يستفيده الوصيّ (عليه السّلام) عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) أو الأوصياء بعضهم من بعض بطريق الوراثة.

و علم الأئمّة (عليهم السّلام) بالكتاب و السنّة و ضروب الاستدلال على النحو الحاصل لنا لا يوجب صدق كون علومهم حاصلة عن النظر، إذ مع حصول الوجه الأوضح في العلم إنّما ينسب العلم إليه، فالدليل و المدلول عندهم بمرتبة واحدة في المعلوميّة، و إن كان لو فرض انتفاء تلك الضرورة اكتفي بمعرفة الأدلّة في الانتقال إلى مدلولاتها، فلا يصدق حينئذ كون علومهم حاصلة عن الأدلّة.

و قد يورد في المقام بعدم خروج العلوم المذكورة بذلك، إذ يصدق على علمه تعالى و علوم المعصومين (عليهم السّلام) أنّه علم بالأحكام الحاصلة عن الأدلّة، و لو كان حصولها عنها عند المجتهد، إذ ليس في الحدّ ما يفيد كون ذلك العلم بخصوصه مستفادا عن الأدلّة.

و اجيب عنه تارة بجعل الظرف من متعلّقات العلم دون الأحكام، و عدم صدقه على العلوم المذكورة حينئذ ظاهر.

و فيه: أنّ قيام الاحتمال كاف في الإيراد، إذ ليس في الحدّ ما يقضي بإرجاع الظرف إلى العلم.

و يدفعه: أنّ المأخوذ من الدليل إنّما هو التصديق، فذلك شاهد على ارتباط الظرف بالعلم، و ارتباطه بالأحكام و إن صحّ أيضا إلّا أنّه يتوقّف على إضمار مقدّر خاصّ، و هو خلاف الظاهر.

نعم، لو اخذ الأحكام بمعنى التصديقات ارتبط الظرف بها و لا إيراد أيضا، إذ ليست التصديقات الحاصلة للمذكورين عن الأدلّة، مضافا إلى أنّه لا بدّ حينئذ من أخذ العلم بمعنى الملكة كما عرفت، فلا يندرج علمه تعالى في الجنس. و قد يقال بمثله أيضا في علوم بعض المذكورين.

66

و تارة باعتبار الحيثيّة في المقام، فيكون المراد العلم بالأحكام المستنبطة عن الأدلّة من حيث إنّها مستنبطة عنها، فيخرج العلوم المذكورة، فإنّه و إن صدق عليها أنّها علم بالأحكام المستنبطة عن الأدلّة إلّا أنّها ليست علما بها من تلك الحيثيّة؛ كذا ذكره بعض الأفاضل.

و فيه: أنّ الحيثيّة المذكورة إن ارتبطت بالعلم تمّ ما ذكر من الجواب. و أمّا إن ارتبطت بالأحكام فلا، إذ يصدق على علمه تعالى أنّه علم بالأحكام المستنبطة عند المجتهدين عن الأدلّة من حيث إنّ تلك الأحكام مستنبطة عند المجتهد كذلك؛ و كذا علوم الملائكة و الأنبياء و الأئمّة (عليهم السّلام) إذا علموا بعلم المجتهد بها عن الأدلّة؛ لصدق الحدّ المذكور على علومهم حينئذ مع تلك الحيثيّة، و من البيّن أنّ الحيثيّة المذكورة إنّما ترتبط بما اخذت قيدا فيه، و المفروض اعتبارها في ارتباط الأحكام بالأدلّة فيتعيّن الوجه الأخير.

و لو فرض جواز ارتباطه بالعلم أيضا فلا أقلّ من قيام الاحتمال القاضي في الحدّ بالإجمال.

ثمّ إنّه ذكر الفاضل المذكور أنّه يمكن إخراج الضروريّات عن الحدّ بالقيد المذكور، إذ ليس العلم الحاصل معها علما محصّلا من الدليل و إن كانت تلك الضرورة علّة لتلك العلوم في نفس الأمر.

قلت: و يرد عليه: أنّ ضروريّات الدين و نحوها ليست من الامور المعلومة على سبيل الضرورة ليمكن إخراجها بالقيد المذكور، إذ غاية ما تقضي به الضرورة ثبوتها كذلك عن صاحب الشريعة؛ نظرا إلى التواتر أو من جهة التسامع و التظافر، لا ثبوت الحكم بحسب الواقع، إذ ثبوتها الواقعي موقوف على صدق النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) المتوقّف على البيان و إقامة البرهان؛ فالظاهر أنّ ما ذكره مبنيّ على اشتباه ضروريّات الدين بسائر الضروريّات، و بينهما من البين البيّن ما لا يخفى، إذ ليس المقصود من ضروريّات الدين ما يكون ثبوت الحكم و صحّته على سبيل الضرورة كما هو الحال في سائر الضروريّات، بل المقصود ثبوتها من الدين على سبيل‏

67

الضرورة، فيتوقّف ثبوتها الواقعي على صحّة الدين بحسب الواقع؛ و لذا زاد في التهذيب و غيره لإخراج ضروريات الدين قيدا آخر، و هو أن لا يعلم ثبوتها من الدين ضرورة.

ثمّ أقول: الظاهر أنّ الفقه بحسب مصطلحهم اسم للعلم بالمسائل التي لا يكون ثبوتها عن صاحب الشريعة من الضروريّات عند الامّة، سواء كان ثبوتها عنه ضروريّا عند ذلك العالم أو لا، إذ من البيّن أنّ الراوي الّذي سمع الحكم مشافهة من النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) يكون ثبوته عن صاحب الشريعة ضروريّا عنده مع أنّ علمه من الفقه قطعا، و كذا الحال في ضروريّات المذهب دون الدين، سيّما ما كان من ضروريّات المذهب عند العلماء خاصّة أو بلغ في الوضوح عند الناظر إلى حدّ الضرورة، فإنّ الظاهر إدراج الجميع في الفقه، فإخراج مطلق الضروريّات ليس على ما ينبغي؛ و إنّما حكمنا بخروج ضروريّات الدين، لتصريح جماعة منهم بذلك مع مساعدة ظاهر الإطلاقات المؤيّد ببعض الاعتبارات، كما سنشير إليه.

و ما ذهب إليه بعض الأفاضل تبعا لما حكاه عن الأخباريّين: من إدراجها أيضا في الفقه محتجّا بأنّ البداهة و الضرورة لو أخرجتا بعض الأحكام عن الفقه للزم أن يكون ضروريّات المذهب كذلك أيضا و هم لا يقولون به- مع أنّ كثيرا من ضروريّات الدين و المذهب إنّما صار ضروريّا في أواسط الإسلام بعد إقامة الدلائل و تظافر الخواطر من المجتهدين و المحدّثين من أهل مذهب الإسلام حتّى انتهى الأمر في هذه الأعصار و ما قبلها فصارت ضرورية- فاسد، إذ بعد نصّ جماعة من أعاظم أهل الاصطلاح على خروجها عن المصطلح لا يتّجه المناقشة فيه، سيّما بعد مساعدة ما هو الشائع من إطلاقاتهم عليه.

و دعوى كون ذلك من المعاني الشرعيّة المأخوذة عن صاحب الشريعة ممنوعة، كما تقدّمت الإشارة إليه.

و القول بلزوم إخراج سائر الضروريات لا وجه له، إذ ليس مجرّد ثبوته على سبيل الضرورة عند العالم به قاضيا بذلك، كيف! و لو كان كذلك لزم أن لا يكون من‏

68

تعلّم المسألة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) أو الإمام (عليه السّلام) على سبيل المشافهة عالما بالفقه، و هو واضح الفساد كما أشرنا إليه، بل لمّا كان المقصود في الفقه بيان الأحكام التي قرّرها صاحب الشريعة و كان ثبوت بعض تلك الأحكام عنه معلوما عند الخواصّ و العوام من دون حاجة في إثباته إلى البيان و إقامة البرهان بل كان العالم و العامي في معرفته سيّان أخرجوه عن مسمّى الفقه، إذ لا حاجة في إثباته إلى الاستدلال؛ بخلاف سائر الضروريّات، لحصول الحاجة في إثباتها إلى الدليل و لو بالنسبة إلى البعض، فثبوت تلك المسائل عن صاحب الشريعة نظريّة في الجملة، بخلاف هذه.

و لمّا كان المنظور في علم الفقه إثبات الأحكام المقرّرة عن صاحب الشريعة من حيث تقرّرها عنه و إن كان ثبوتها الواقعي و اعتقاد صحّتها موقوفا على صحّة الشريعة، و لذا عدّ الكلام من مبادئه التصديقية- كما سيجي‏ء الإشارة إليه إن شاء اللّه تعالى- كان إخراج الضروريّات المذكورة مناسبا، إذ ليست مسائل الفنون المدوّنة إلّا عبارة عن المطالب النظريّة المثبتة فيها دون الأحكام الضروريّة؛ فكما أنّ الضروريّات خارجة عن مسائل سائر الفنون المدوّنة فكذا هذا العلم.

و بذلك يظهر ضعف ما حكاه الفاضل المذكور عن الأخباريّين في الردّ على المجتهدين من أنّ ما ذكروه إنّما يتمّ على طريقة الحكماء و المتكلّمين، حيث إنّ تدوين المسائل البديهيّة في باب التعليم و التعلّم غير مستحسن، و الفقهاء ظنّوا أنّ ذلك الباعث جار هنا، و ليس كذلك؛ لأنّه ليس شي‏ء من الأحكام الشرعيّة بديهيّا بمعنى أنّه لا يحتاج إلى الدليل، و السبب في ذلك أنّها كلّها محتاجة إلى السماع من صاحب الشريعة، و وضوح الدليل لا يستلزم بداهة المدّعى؛ و ذلك لما عرفت من أنّ المقصد في الفقه إنّما هو إثبات الأحكام عن صاحب الشريعة، و لمّا كان ورود بعض الأحكام عنه ضروريّا عند الامّة كان بمنزلة سائر الضروريّات المخرجة عن سائر العلوم، إذ لا حاجة في إثباتها عن صاحب الشريعة إلى إقامة حجّة. فما توهّموه من الفرق بين المقامين غير متّجه، و بلوغ بعضها إلى حدّ الضرورة المذكورة في أواسط الإسلام لا يمنع منه، إذ لا مانع من خروجه بعد ذلك عن الفقه‏

69

المصطلح؛ لدوران الأمر في اندراجه و خروجه مدار ذلك كغيره من أسامي العلوم.

ثمّ إنّ ما ذكرناه لا يستلزم أن يكون الفقه مجرّد العلم بصدور الأحكام عن صاحب الشريعة حتّى يلزم أن لا يكون الكلام من مبادئه التصديقيّة مع ما فيه من المخالفة لحدوده المعروفة، بل المقصود أنّ المنظور بيانه في العلم المذكور إنّما هو ذلك و إن كان العلم بنفس المسألة- الّذي هو عبارة عن الفقه- متوقّفا على صحّة الشريعة، و ذلك القدر كاف في صحّة ما قرّرناه. فتأمّل.

و الحاصل: أنّ العلم بضروريّات الدين و إن كان حاصلا عن الدليل، لكن ليس حاصلا عن الأدلّة الفقهيّة، بل عن الأدلّة الكلاميّة الدالّة على صحّة الشريعة المقدّسة و صدق النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) فيما أتى به، و ذلك ممّا لا يقرّر في الفقه و لا ربط له بوضعه.

و ممّا ذكرنا ظهر الوجه في إخراج الضروريّات المذكورة عن حدّ الفقه، و هو أن يجعل قولهم: «عن أدلّتها» إشارة إلى الأدلّة المعروفة في الفقه من الكتاب و السنّة و الإجماع و غيرها ممّا يستدلّ بها في المطالب الفقهيّة على وقوع الحكم من صاحب الشريعة، فيكون الإضافة عهديّة، و من البيّن أنّ ضروريّات الدين غير مأخوذة عن تلك الأدلّة و إن قامت عليها أيضا و كانت في الأصل مأخوذة عنها، و قد أشرنا إلى الوجه فيه.

و قد يشكل بأنّ ذلك بعينه جار في ضروريّات المذهب، فإنّ المعلوم بالضرورة هناك ثبوت الحكم عن الإمام (عليه السّلام) و ثبوته الواقعي متوقّف على صدق الإمام (عليه السّلام) فيما حكم به و هو أيضا من المسائل الكلاميّة، فلا يكون العلم بالمسألة هناك حاصلا من الأدلّة الفقهيّة المعهودة، فيلزم خروج ضروريّات المذهب أيضا.

و القول بأنّ ثبوت الحكم عن الإمام (عليه السّلام) على سبيل الضرورة لا يزيد على أخذ الحكم من الإمام (عليه السّلام) على سبيل المشافهة مع حصول القطع بما هو مراده، و لا ريب أنّ القول الصادر منه دليل فقهي و إن كانت حجّيته موقوفة على علم الكلام.

فكذا الحال في المقام.

70

مدفوع بجريان ذلك بعينه في ضروريّات الدين، فإنّ الحجّة هناك هو قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) فيكون قيام الضرورة هناك على ثبوته عنه بمنزلة سماع ذلك منه، و لا ريب أنّ قوله عند السماع منه حجّة فقهيّة.

و يمكن أن يقال: إنّ المعلوم بالضرورة في ضروريّات الدين هو نفس الحكم المقرّر في الشريعة لا قوله (صلّى اللّه عليه و اله) ليندرج في الأدلّة، فنفس الحكم المقرّر منه ضروريّ لا يحتاج إلى الدليل، بخلاف ضروريّات المذهب، فإنّه ليس حكم الشارع به ضروريّا، و إنّما الضروريّ هو حكم الإمام (عليه السّلام) به، و ليس هو بنفسه حكما شرعيّا، إذ ليسوا (عليهم السّلام) بشارعين للأحكام، فهو في الحقيقة دليل على حكم الشارع لما دلّ على عصمتهم عن الخطأ، فيندرج بملاحظة ذلك في الأدلّة الفقهيّة.

هذا غاية ما يتخيّل في الفرق و لا يخلو عن إشكال. فتأمّل.

قوله: (و خرج بالتفصيليّة علم المقلّد ... الخ)

يمكن الإيراد عليه من وجوه:

أحدها: أنّ التقليد مغاير للعلم، و لذا يجعل قسيما له، حيث قسّموا الاعتقاد إلى العلم و الظنّ و التقليد و الجهل المركّب، فاعتقاد المقلّد غير مندرج في الجنس.

و يمكن دفعه بأنّ التقليد المقابل للعلم غير التقليد المصطلح في المقام، فإنّ المراد به هناك هو الأخذ بقول الغير عن غير حجّة، و أخذ المقلّد بقول المجتهد ليس كذلك، لكون أخذه به عن دليل صغراه محسوسة أو ما بمنزلتها، و كبراه قطعيّة ظاهرة يحصل العلم بها بأدنى التفات، و قد نصّوا بذلك في محلّه.

ثانيها: أنّ علم المقلّد غير حاصل عن الأدلّة، و إنّما يحصل عن دليل واحد إجمالي مطّرد في جميع المسائل.

و الجواب عنه ما عرفت من أنّ المراد بالأدلّة في المقام جنسها، و لذا لو فرض كون الفقيه عالما بجميع الأحكام عن السنّة لم يكن مانعا عن صدق الفقه، فالجمعيّة غير منظورة في المقام كما مرّ.

و لو سلّم ملاحظة الجمعيّة فيه فقد يكتفى في صدقها بملاحظة تعدّد الآحاد،

71

فإنّ قول كلّ مجتهد دليل بالنسبة إليه، و كذا كلّ واحد من فتاويه دليل بالنسبة إلى الحكم الذي أفتى به. و مع الغضّ عن ذلك فالأدلّة الإجماليّة في شأنه أيضا متعدّدة، فإنّه قد يكون الحجّة عليه قول المجتهد الحيّ الأفضل ثمّ المفضول ثمّ قول معظم الأموات- فيما إذا لم يتمكّن من قول الحيّ و تمكّن من تحصيل الشهرة- ثمّ قول الأفضل من الأموات ثمّ قول أيّ منهم، و قد يرجع إلى الأخذ بالاحتياط إذا تمكّن من تحصيله؛ إلى غير ذلك من الوجوه المذكورة في محلّه، فهناك أدلّة إجماليّة في شأنه و إن كانت مترتّبة في الحجّية، لكن يمكن اجتماعها في الحجّية بالنسبة إلى المسائل المتعدّدة.

ثالثها: أنّه بعد الحكم بكون المقلّد أيضا آخذا عن الأدلّة فله أيضا تفصيل فيها، فإنّ قول المجتهد بالنسبة إليه كقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) و الإمام (عليه السّلام) بالنسبة إلى المجتهد، فلكلامه أيضا عامّ و خاصّ و مطلق و مقيّد و نصّ و ظاهر، بل و ناسخ و منسوخ نظرا إلى ما يطرؤه من العدول في بعض الأحكام؛ و كذا قد يأخذ الحكم عنه مشافهة، و قد يأخذه بالواسطة مع اتّحادها أو تعدّدها مع اختلاف مراتب العدالة و كيفيّة ثبوتها عنده، إلى غير ذلك؛ مضافا إلى ما عرفت من أدلّته المترتّبة.

و مع الغضّ عن ذلك كلّه فقد يضمّ الدليل الإجمالي إلى الأدلّة التفصيليّة كما في المتجزّئ على القول به، فيصدق إذن على علمه أنّه مأخوذ عن الأدلّة التفصيليّة مع عدم صدق الفقه على ما أخذه على سبيل التقليد.

و يدفعه ما مرّ: من أنّ شيئا من أدلّة المقلّد لا يفيد الحكم على وجه التفصيل، و إنّما يفيده على جهة الإجمال حسب ما مرّ، و ليس مجرّد تعدّد الأدلّة قاضيا بكونها تفصيليّة، كما أنّ اتّحاد نوع الدليل للمجتهد في صورة الاكتفاء به لا يجعله إجماليّا؛ على أنّ الحجّة عليه هو قول المجتهد و هو دليل واحد إجماليّ، و التفصيل المذكور إنّما يقع في معرفة حكمه و طريق إثباته و العلم به. و ممّا ذكرنا يعرف الحال في المتجزّئ بالنسبة إلى ما يأخذه على وجه التقليد.

هذا، و أنت خبير بأنّ الظاهر من الأدلّة في المقام هو الأدلّة المعهودة للفقه بناء

72

على ظهور الإضافة هنا في العهد (1) حسب ما مرّت الإشارة إليه، و حينئذ فلا حاجة إلى ضمّ التفصيليّة. و يعضده أنّه لا يقال عرفا لمن أخذ المسألة عن التقليد:

إنّه عرفها بالدليل، بل يجعل المعرفة على جهة التقليد مقابلا للأخذ عن الدليل كما لا يخفى، فحينئذ يتّجه كون التقييد بالتفصيلية توضيحيّا.

قال بعض أفاضل العصر: إنّه يمكن أن يكون قيد «التفصيلية» لإخراج الأدلّة الإجماليّة؛ لأنّ ثبوت الأحكام في الجملة من ضروريّات الدين، فما دلّ على ثبوت الأحكام إجمالا من الضرورة و غيرها- مثل عمومات الآيات و الأخبار الدالّة على ثبوت التكاليف إجمالا- أدلّة، لكن إجمالا لا تفصيلا، و هذا لا يسمّى فقها، بل الفقه هو معرفة تلك الأحكام الإجماليّة عن الأدلّة التفصيليّة.

و فيه: أنّ الظاهر من العلم بالأحكام هو المعرفة بآحادها على سبيل التفصيل، إذ لا يعدّ ما ذكره علما بالأحكام؛ و أيضا العلم بالأحكام على وجه الإجمال حاصل من الضرورة كما نصّ عليه، و ليس العلم الحاصل منها [علما] (2) حاصلا من الدليل.

و من العجيب! أنّه نصّ سابقا بخروج الضروريّات عن الفقه بقولهم: «عن أدلّتها» معلّلا بأنّه لا يسمّى العلم الحاصل منها علما محصّلا من الدليل، و مع ذلك ذكر في المقام ما حكيناه؛ و أعجب من ذلك! تعجّبه من فحول العلماء أنّهم كيف غفلوا عن ذلك، و لم يسبقه إلى ما ذكره أحد فيما يعلم.

قوله: (يعلم بالضرورة أنّ ذلك الحكم المعيّن ... الخ)

قد يقال في المقام: إنّ الدليل المذكور ليس دليلا لعلم المقلّد بالحكم، و إنّما هو دليل على جواز عمله به و وجوب الأخذ به و كونه حجّة عليه، كما أنّ للمجتهد نظيره أيضا، فليس للمقلّد إذا علم بالأحكام الشرعية، و ليس هناك دليل إجمالي يفيده العلم بها حتّى يقال بخروجه بالقيد المذكور.

____________

(1) و لا ينافيه ما مرّ من كون الإضافة جنسيّة، فإنّ المقصود منه إرادة جنس المعهود، فتأمّل.

(منه (رحمه اللّه)).

(2) من المطبوع [1].

73

و أنت خبير بأنّ العمل يتوقّف على العلم، فلو لا علمه بالحكم لم يصحّ منه الأعمال المتوقّفة على القربة و قصد الامتثال، كيف! و هو عالم بما هو تكليفه في الشريعة، فإنّ ما أفتى به المفتي هو حكم اللّه تعالى في حقّه، و لذا يصحّ له الحكم بالمسألة إذا أخذها عن المجتهد في وجه قويّ، إذ فتواه دليل شرعي بالنسبة إليه، فهو حاكم بالمسألة عن دليله؛ و ليت شعري! كيف يعقل القول بكونه غير عالم بالحكم مع قطعيّة المقدّمتين المذكورتين المنتجتين لكون ما أفتى به المفتي هو حكم اللّه في حقّه؟ و أقصى ما يراد من العلم بالأحكام القطع بأحكامه تعالى، و هو حاصل له بمقتضى الدليل القاطع المذكور غاية الأمر أن لا يكون قاطعا بحكمه الواقعي الأوّلي، و هو غير حاصل للمجتهد أيضا في الغالب، كما سيجي‏ء الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

قوله: (إن كان المراد بالأحكام البعض)

كأنّه يريد به حمل اللام على الجنس الصادق على البعض، إذ إرادة العهد الذهني ممّا لا وجه له في المقام.

قوله: (لم يطّرد)

لمّا كانت مساواة الحدّ للمحدود معتبرة في صحّة التحديد و كان مرجع التساوي إلى موجبتين كلّيتين اعتبر في صحّة الحدّ من صدق قضيّتين موجبتين كلّيتين: إحداهما صدق المحدود على جميع مصاديق الحدّ و حمله عليه كلّيّا، و الاخرى عكسه، أعني صدق الحدّ على جميع مصاديق المحدود و حمله عليه كذلك و إن لم يكن عكسا بالمصطلح. فعبّروا عن الأوّل بالاطّراد، و عن الثاني بالانعكاس.

فالمقصود بالاطّراد هو اطّراد صدق المحدود على مصاديق الحدّ، فلا يكون شي‏ء من مصاديق الحدّ إلّا و يصدق عليه المحدود، و عكسه و هو اطّراد صدق الحدّ على المحدود يسمّونه بالعكس. و إنّما اعتبروا الأوّل أصلا و الثاني عكسا دون العكس، إذ الملحوظ في صحّة التحديد حال الحدّ في مساواته للمحدود،

74

فالأنسب أن يجعل موضوعا في الكلّية الاولى فيؤخذ في الأخيرة عكسها.

هذا، و الجامعيّة أن لا يخرج عن الحدّ شي‏ء من أفراد المحدود، و المانعيّة أن لا يصدق الحدّ على غير أفراد المحدود. فالثاني من لوازم الاطّراد كما أنّ الأوّل من لوازم الانعكاس؛ و لذا يقع التعبير في كلماتهم تارة بالطرد و العكس، و اخرى بالجمع و المنع.

و قد يقال: إنّ الاطّراد هو التلازم في الثبوت، أي كلّ ما يصدق عليه الحدّ يصدق عليه المحدود، و الانعكاس التلازم في الانتفاء، أي كلّ ما لم يصدق عليه الحدّ لم يصدق عليه المحدود، كذا فسّرهما بعض الأفاضل، و يمكن إرجاعه إلى ما قلنا. و قد يؤخذ الاطّراد من الطرد بمعنى المنع، أي كون الحدّ ذا منع عن اندراج غير المحدود فيه، و لا يلائمه إذا ذكر الانعكاس إلّا بوجه بعيد.

قوله: (إذ لا يتصوّر على هذا التقدير ... الخ)

قد يقال: إنّ القائل بعدم التجزّي إنّما يقول بعدم حجيّة الظنّ الحاصل للمتجزّئ لا عدم إمكان حصوله، إذ حصول الظنّ ببعض الأحكام دون البعض ممّا لا مجال لإنكاره.

و يمكن دفعه: بأنّ الأدلّة التفصيليّة بناء على ما ذكر إنّما تكون أدلّة بالنسبة إلى المجتهد المطلق دون غيره، فيخرج ما يستنبطه المتجزّئ عن كلمة المجاوزة، و قد أشار إليه المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: «كذلك» أي عن الأدلّة، و على ما سنذكره من حمل «العلم» على اليقين و «الأحكام» على الظاهريّة، فخروجه ظاهر، إذ لا يقين له حينئذ بالأحكام الظاهريّة.

و قد يورد عليه أيضا: أنّ القائل ببطلان التجزّي إنّما يقول به بالنسبة إلى المسائل الاجتهاديّة دون الأحكام القطعيّة، إذ لا كلام في حجّية القطع الحاصل من الأدلّة القاطعة بحجيّته و لو لغير المجتهد المطلق، كيف! و العلم بضروريّات المذهب حاصل للكلّ مع اندراجها في الفقه كما عرفت، فغاية الأمر توقّف الحكم بالبعض على الحكم بالكلّ في المسائل الاجتهاديّة، و الفقه يعمّها و غيرها، كما هو مقتضى‏

75

الحدّ المذكور على ما اختاره المصنّف (رحمه اللّه) في تفسير العلم.

و أيضا القائل بعدم التجزّي في المسائل الاجتهاديّة إنّما يقول به في هذه الأعصار و نحوها لتوقّف معرفة الأحكام حينئذ على الاجتهاد و استفراغ الوسع من صاحب الملكة، و أمّا بالنسبة إلى عصر الإمام (عليه السّلام) فلا كلام في إمكان العلم ببعض الأحكام دون الباقي، فإنّ من أخذ بعض الأحكام عنه بالمشافهة مثلا يجوز له العمل به قطعا، إذ لا يقصر الإمام (عليه السّلام) عن المجتهد الذي يؤخذ عنه الأحكام، فكيف يقال بعدم انفكاك العلم بالبعض عن الكلّ؟

و الحاصل: أنّه يقول بعدم جواز التجزّي في الاجتهاد، لا بعدم إمكان المعرفة ببعض المسائل دون بعض مطلقا.

و مع الغضّ عن ذلك فلا يذهب عليك أنّ ما ذكره من عدم انفكاك العلم بالبعض عن العلم بالكلّ لو صحّ فلا يقضي بتصحيح الحدّ و إن ارتفع به النقض المذكور على التقدير المفروض، إذ ليس الفقه عبارة عن العلم بمسألة واحدة أو ثلاث مسائل، بل هو كسائر أسماء العلوم اسم للمسائل المتكثّرة التي يجمعها وحدة أو العلم بتلك المسائل، إذ الظاهر أنّ أسماء العلوم ليست من قبيل أسماء الأجناس الصادقة على القليل و الكثير كالماء الصادق على القطرة و البحر على حدّ سواء، بل الكثرة ملحوظة في مفهومها معتبرة في وضعها، كما هو ظاهر من ملاحظة إطلاقاتها، فعدم الانفكاك بين الأمرين ليس مصلحا للحدّ و لا مصحّحا لحمله على المحدود، كما لا يخفى.

قوله: (فالعلم المذكور داخل في الفقه)

إن عنى به صدقه عليه مواطاة فضعفه ظاهر، لما عرفت من عدم صدق أسامي العلوم على مسألة واحدة أو ثلاث من مسائلها، و لا اختصاص لاسم الفقه في الاصطلاح من بين سائر أسماء العلوم. و إن أراد به صدق كونه من الفقه و من جملة مسائله- كما يومئ إليه التعبير بدخوله في الفقه- فمسلّم، و لا يفيد شيئا في تصحيح الحدّ، إذ أقصى ما يفيده كون المتجزّئ عالما ببعض الفقه و كون ذلك حجّة

76

عليه، و لا يقضي ذلك بصدق الفقه على علمه و لا كونه فقيها في الاصطلاح.

فظهر بذلك أنّه لا دخل لجواز التجزّي في صدق اسم الفقه، بل إنّما يفيد كون المتجزّئ عالما ببعض مسائله، فيكون إذا كمن عرف مسألة أو ثلاثا من النحو فيصدق عليه أنّه عارف ببعض النحو، و لا يلزم منه صدق «النحوي» عليه و لا صدق «النحو» على علمه بخلاف ما لو قلنا بعدم التجزّي إذ لا يكون حينئذ عالما بشي‏ء من الفقه، و بذلك يحصل الفرق بينه و بين غيره من أسامي العلوم.

قوله: (إذ المراد بالعلم بالجميع التهيّؤ له)

قد يشكل ذلك من جهة عدم ارتباط الأدلّة حينئذ بالعلم بالمعنى المذكور، إذ ليست الملكة و التهيّؤ حاصلة عن الأدلّة التفصيليّة، و إنّما تحصل عن الممارسة، و لو جعلت متعلّقة بالأحكام أشكل الحال في اخراج علوم المذكورين من جهة التقييد بها، إلّا أن يقال بخروجها عن الجنس أو يجعل الأحكام بمعنى التصديقات على ما مرّت الإشارة إليه، أو يجعل من متعلّقات متعلّق الملكة المذكورة، أعني ملكة العلم بالأحكام عن الأدلّة، فيكون قوله: «عن أدلّتها» متعلّقا بالعلم الّذي تعلّقت به الملكة المذكورة، و لا يخلو شي‏ء من الوجهين المذكورين عن بعد، كما لا يخفى.

هذا، و قد اورد عليه: بأنّ التهيّؤ لاستعلام جميع الأحكام كحصول العلم بالجميع فعلا متعذّر أو متعسّر أيضا، لحصول التوقّف و التحيّر من فحول الفقهاء في كثير من المسائل و لو بعد استفراغ الوسع و بذل الجهد. و حصول قوة قويّة بحيث لا يتوقّف في شي‏ء من الأحكام بعد بذل الوسع ممّا لا يتحقّق في العادات، فالإيراد على حاله؛ كذا أورده شيخنا البهائي (رحمه اللّه).

و قد يجاب عنه: بأنّ التوقّف في المسألة إنّما يكون لانتفاء الدليل رأسا أو لضعف الأدلّة الناهضة أو لتصادم بعضها للبعض لا من جهة ضعف في القوّة، بل قد يكون زيادة القوّة باعثة على زيادة الإشكال في المسألة من جهة سعة الباع الباعثة على استخراج سائر وجوه الاستنباط و تقوية سائر الاحتمالات الضعيفة

77

في ظاهر الحال، أو تضعيف بعض الأدلّة القويّة في بادئ الرأي بإبداء وجوه الإشكال، فالتوقّف المذكور إنّما هو من جهة انتفاء الأدلّة لا لضعف في القوة.

و يشكل بأنّه إمّا أن يراد بالقوّة المطلقة القوّة الّتي يمكن أن يستنبط بها جميع الأحكام من الأدلّة الموجودة المتداولة، أو الّتي يمكن أن يستفاد بها الأحكام على فرض وجود الأدلّة و ورودها في الشريعة.

و الثاني ممّا لا وجه له؛ لظهور أنّه لو كان هناك أخبار ظاهرة في كلّ حكم من الأحكام الشرعيّة لأدركه أكثر الأفهام حتّى كثير من العوام، سيّما مع اشتهارها و غاية وضوح أسانيدها، مع وضوح انتفاء صدق «الفقه» و «الفقيه» على تلك القوّة و من حصلت فيه.

و أمّا الأوّل ففيه مع مخالفته للجواب المذكور أنّ من الظاهر امتناعه في العادة، إذ مع ما فيه من المخالفة لمجاري العادات قد لا تكون تلك الأدلّة في نفسها وافية، أو يكون بعض الأحكام غير وارد في الأخبار المأثورة، و لم يقم عليه شي‏ء من سائر الأدلّة.

و لو اريد بالقوّة المطلقة القوّة الّتي يقتدر معها على استنباط ما يمكن استنباطه من الأحكام من الأدلّة الموجودة و استنباط ما لم تنهض به تلك الأدلّة ممّا يضاهي تلك في وجوه الإشكال و صعوبة الاستدلال، ففيه- مع ما فيه من التعسّف البيّن- أنّ ذلك أيضا ممّا يمتنع بحسب العادة؛ لوضوح تجدّد ظهور وجوه الاستدلال و طرق الاستنباط بحسب تلاحق الأفكار؛ و لذا ترى الفقيه الواحد يستنبط في أواخر عمره من الأدلّة ما لم يصل إليه في الأوّل، فالقوّة المقتدرة على استنباط الكلّ بعد الاجتهاد خارج عن مجاري العادات. ثمّ العلم ببلوغها إلى ذلك الحدّ ليعدّ صاحبها فقيها أظهر امتناعا، كما لا يخفى.

قلت: إن اريد بالأحكام في المقام: الأحكام الواقعيّة فلا شكّ في امتناع القوّة المفروضة، إذ من الظاهر امتناع استنباط جميع الأحكام الواقعيّة و لو ظنّا من الأدلّة الموجودة، إذ كثير من الأدلّة ممّا لا ربط لها بالواقع، و الكاشف عن الواقع‏

78

منها لا يرتبط حجّية كثير منها بإفادة الظنّ بالواقع- كما سيجي‏ء في محلّه إن شاء اللّه تعالى- بل و كذا يمتنع عادة حصول قوّة مقتدرة على استنباط جميع ما يمكن استنباطه من الأحكام عن الأدلّة الموجودة.

و إن اريد بالأحكام: الظاهريّة التكليفيّة فلا وجه لاستبعاد حصول تلك القوّة، بل لا شكّ في حصولها لكلّ من بلغ درجة الاجتهاد المطلق، فإنّه إن رجّح شيئا من الأدلّة فذاك، و إلّا فإمّا أن يبني على العمل بالاحتياط أو أصالة البراءة أو على التخيير في العمل، و كلّ منها من الأحكام الشرعيّة الظاهريّة، و التوقّف الواقع من العلماء إنّما يكون في مقام الاجتهاد أعني المقام الأوّل، و أمّا المقام الثاني أعني مقام الفقاهة فلا مجال للتوقّف فيه. و كأنّ هذا هو مقصود المجيب، فالإيراد المذكور بيّن الاندفاع، و سيجيئك ما يؤيّد إرادة المعنى المذكور.

نعم، يرد هناك شي‏ء آخر، و هو أنّ حمل «العلم» على الملكة و القوّة القريبة و إن صحّح تعلّقه بجميع الأحكام، إلّا أنّه لا يصحّ تفسيرا للفقه، إذ ليس الفقه و لا غيره من أسماء العلوم المدوّنة أسماء لنفس الملكات الحاصلة و الحالات الراسخة، بل لا يتبادر منها في الاستعمالات إلّا نفس المسائل أو العلم بها على اختلاف الوجهين.

أ لا ترى أنّه يصدق على كلّ مسألة من مسائل العلوم أنّه من ذلك العلم و بعض منه، و لا يمكن أن يجعل ذلك من الملكة و لا بعضا منها بالضرورة، و كذا يتّصف الملكة بالضعف و الشدّة و الوهن و القوّة و لا يتّصف بها شي‏ء من أسماء العلوم، و أيضا الملكة حالة بسيطة راسخة في النفس و لا يصدق ذلك على شي‏ء من العلوم.

فالظاهر أنّ إطلاقها على الملكات من جهة تنزيل القوّة القريبة منزلة الفعل، فيطلق عليها لفظ العلم، و ليس شي‏ء من أسماء العلوم موضوعا بإزاء الملكة كما عرفت، سواء قلنا بكون إطلاق لفظ العلم على الملكة حقيقة أو مجازا.

و يدلّ أيضا على فساد حمل «العلم» هاهنا على الملكة أنّه لو اريد به ما ذكر

79

لزم صحّة إطلاق «الفقيه» على صاحب الملكة المفروضة و إن لم يعلم شيئا من الأحكام الشرعيّة فعلا، و هو فاسد قطعا. و حصول الملكة المفروضة من دون تحصيل شي‏ء من الأحكام أو قدر يعدّ معه فقيها عرفا لا مانع منه أصلا، بل الظاهر حصولها في العادات كثيرا.

فالأظهر في الجواب أن يقال: إنّ المراد بالأحكام هنا و بالمسائل أو القواعد و نحوها المذكورة في حدود سائر الفنون هي جملة معتدّ بها من الأحكام و المسائل و القواعد كافية في ترتّب الثمرة المطلوبة من وضع الفنّ المفروض بحسب العرف بحيث يصدق على العالم بها أنّه عالم بمسائل ذلك الفنّ، و هذا المعنى قدر جامع بين العلم بجميع المسائل على فرض إمكانه و ما دونه إلى أقلّ ما يصدق معه اسم كونه عارفا بالمسائل.

و الظاهر أنّ العلم بالأحكام و المسائل و القواعد المفروضة لا ينفكّ عن الملكة المذكورة إلّا أنّ الفقه و غيره من أسامي العلوم اسم لتلك المسائل أو العلم بها على اختلاف الوجهين دون الملكة المذكورة، فعدم إطلاق الفقيه و النحويّ و الصرفيّ و نحوها على غير أرباب الملكات في تلك العلوم لا يدلّ على أنّ تلك العلوم موضوعة بإزاء الملكات حسب ما مرّ. و كان المرجع في ما ذكرنا إلى حمل «الأحكام» على الاستغراق العرفي، فليس فيه مخالفة لظاهر العبارة، سيّما بملاحظة ما هو معلوم من عدم إمكان الإحاطة التامّة بجميع مسائل شي‏ء من الفنون بحيث لا يشذّ عنها شاذّ، إذ فيه دلالة ظاهرة على عدم إرادة الاستغراق الحقيقي لو سلّمنا كون الاستغراق أظهر فيه، فتأمّل.

و قد يقال بحمل «الأحكام» على الاستغراق الحقيقي، و يجعل الفقه اسما لمجموع المسائل أو العلم بها، لكن يراد بذلك نفس المسائل المعروفة دون الفروع المتجدّدة المتفرّعة على تلك المسائل ممّا لا يقف على حدّ و إن اندرجت تلك أيضا في الفقه؛ لكونها في الحقيقة تفصيلا لذلك الإجمال المعلوم، و يجري ذلك في أسماء سائر العلوم؛ و كأنّ هذا هو المراد ممّا احتملوه من كون أسامي العلوم‏

80

موضوعة لمجموع المسائل أو العلم بها، في مقابلة احتمال وضعها للقدر المعتدّ به أو العلم به.

و ربّما يقال بكون تلك الأسامي موضوعة لمجموع المسائل المعروفة و المتجدّدة، فلا يكون مسمّى تلك الألفاظ متحصّلا لأحد من أرباب تلك العلوم و لا مدوّنا في شي‏ء من الكتب، و إنّما المعلوم و المدوّن بعض منها، و يصحّ انتساب أربابها إليها بناء على تنزيل ملكة العلم بها منزلة الفعليّة؛ لشيوع إرادة الملكة من لفظ الفقيه و النحويّ و الصرفي و نحوها، كما يراد ذلك من سائر الألفاظ الموضوعة لأرباب الحرف و الصنائع المعروفة كالنجّار و الصائغ و القارئ و الكاتب و نحوها، فإنّ الظاهر ملاحظة الملكة في أوضاع تلك الألفاظ.

و أنت خبير ببعد ذلك عن إطلاق تلك الأسامي، و لذا يصحّ أن يقال: فلان عالم بالفقه و النحو و الصرف على سبيل الحقيقة إذا كان عارفا بمسائله المعروفة، نعم اعتبار الملكة في وضع لفظ الفقيه و النحوي و الصرفي و نحوها لا يخلو عن وجه، فتأمّل.

قوله: (و هو أن يكون عنده ما يكفيه في استعلامه من المأخذ)

لا يخفى أنّ وجود المأخذ عنده و تمكّنه من الرجوع إليه ممّا لا ربط له بالملكة و التهيّؤ المفروض، لظهور صدق كونه عالما بذلك الفنّ و لو فرض منعه عن مراجعة الأدلّة أو عدم وجود المأخذ عنده، فالظاهر أنّ المراد بالتهيّؤ القريب هو الملكة و القوّة القريبة الباعثة على سهولة إدراك المسألة و استنباط حكمها من الأدلّة و إن فرض عدم حضور المأخذ عنده؛ و الظاهر أنّ ذلك هو مقصود المصنّف و إن كان هناك اختلال في تعبيره، و قد يجعل قوله: «من المأخذ» متعلّقا ب «استعلامه» فيوافق ما ذكرناه. و لا يساعده عطف «الشرائط» عليه و لا قوله:

«بأن يرجع إليه» فتأمّل.

قوله: (و إطلاق العلم على هذا التهيّؤ شائع ... الخ)

أراد بذلك دفع ما لعلّه يورد في المقام: من أنّ إطلاق العلم على التهيّؤ المذكور

81

مجاز تنزيلا للقوّة القريبة منزلة الفعليّة كما مرّ، فكيف يجوز استعماله في الحدّ مع ما اشتهر بينهم من عدم جواز استعمال الألفاظ المشتركة و المجازات في الحدود و التعريفات؟

فأجاب بأنّ إطلاق العلم على المعنى المذكور شائع في الاستعمالات متداول في الإطلاقات، فيكون إمّا حقيقة عرفيّة أو مجازا شائعا، و على الأوّل لا إشكال، و كذا على الثاني، إذ المقصود ممّا ذكروه المنع من استعمال ما قد يخفى دلالته على المقصود، إذ المقصود من الحدود الإيضاح و تفهيم المخاطبين حين التعريف و هو قد لا يحصل بذلك، و من البيّن أنّ اللفظ المذكور بعد انضمام القرينة إليه ليس من هذا القبيل، فتأمّل.

ثمّ لا يذهب عليك أنّ إطلاق العلم على مجرّد الملكة- كما هو ظاهر العبارة- غير ظاهر في الإطلاقات الشائعة، و إنّما يطلق غالبا على الملكة مع حصول فعليّة معتدّ بها حسبما أشرنا إليه، فلا تغفل.

قوله: (بحمل العلم على معناه الأعمّ ... الخ)

يرد عليه: أنّه لا ظنّ بالأحكام الواقعيّة في معظم المسائل الفرعيّة، فكما أنّ طريق العلم بالأحكام الواقعيّة مسدود في الغالب‏ (1) كذا لا طريق إلى الظنّ بها في كثير من المسائل، و إنّما المرجع في معرفة الأحكام إلى الأدلّة الشرعيّة و الأخذ بمقتضاها، أفادت الظنّ بالواقع أولا، ألا ترى أنّ أصالة البراءة و الاستصحاب إنّما يفيدان ثبوت الحكم في الظاهر، و اللازم البناء عليهما حتّى يثبت الخلاف، و لا دلالة فيهما على الواقع في الغالب و لو على سبيل الظنّ، و على فرض حصول الظنّ هناك فهو من الامور الاتّفاقيّة و ليست حجّيّتهما مبنيّة عليه، كما سيجي‏ء تفصيل القول فيهما إن شاء اللّه تعالى.

و كذا الكلام في كثير من الآيات و الأخبار، ألا ترى أنّه يحكم بمقتضى العمومات و الإطلاقات و الظواهر و القواعد المقرّرة مع الشكّ فيما يوجب الخروج‏

____________

(1) في المطبوع (1): الأغلب.

82

عنها، إمّا لورود بعض الأخبار الضعيفة أو غيرها ممّا لا يثبت به خلافها، و من البيّن أنّه مع الشكّ فيه لا يبقى ظنّ بذلك الظاهر في المقامات المذكورة مع أنّها حجّة شرعيّة، لحجيّة استصحاب البناء على الظاهر المفروض حتّى يتبيّن خلافه من غير خلاف فيه بين الاصوليّة و الأخباريّة كما سيقرّر في محلّه إن شاء اللّه، إلى غير ذلك ممّا سيجي‏ء بيانه في المباحث الآتية إن شاء اللّه تعالى؛ فيلزم خروج الأحكام المذكورة عن الفقه مع أنّ كثيرا من مسائله من هذا القبيل.

و قد يورد عليه أيضا بأنّه ينافي ما مرّ من حمل «العلم» على الملكة نظرا إلى ابتناء ما ذكر على كون العلم بمعنى الإدراك، فيحمل على ما يعمّ الإدراك العلمي و الظنّي، و الملكة لا تكون علميّة و لا ظنّية.

و يدفعه: أنّه ليس المراد من العلم مجرّد الملكة كما مرّت الإشارة إليه، بل إنّما يراد بها ملكة الإدراك أو التصديق، فيحمل ذلك الإدراك أو التصديق على ما يعمّ العلم و الظنّ. نعم إن حمل على الملكة المجرّدة كما قرّرناه على فرض حمل الأحكام على التصديقات لم يتّجه ذلك، و حينئذ يجري الإيراد و التوجيه المذكوران في الأحكام، فتحمل على ما يعمّ التصديقات العلميّة و الظنّية.

و قد يورد أيضا بلزوم سبك المجاز من المجاز، إذ يراد أوّلا من العلم مطلق الرجحان الشامل له و للظنّ إطلاقا للأخصّ على الأعمّ، ثمّ ينتقل من ذلك إلى إرادة ملكته تنزيلا للقوّة القريبة منزلة الفعليّة.

و يدفعه: أنّه يمكن الانتقال من معناه الحقيقي- أعني الإدراك اليقيني- إلى ملكة الإدراك الأعمّ من غير حاجة إلى توسّط مجاز آخر في الانتقال إليه لمشاركته للعلم في ظهور المدرك من جهته، فإنّ وضوحه من جهة العلم إنّما يكون به، و في الملكة المذكورة من جهة كونها باعثة على حصول العلم أو الظنّ الباعث على الانكشاف في الجملة.

و ما قد يقال: من أنّ حمل العلم على المعنى الأعمّ يوجب إدراج القطعيّات في الفقه مع أنّها خارجة عنه، و لذا لا يتعلّق بها الاجتهاد كما ينطق به حدّه، حيث‏

83

أخذوا فيه الظنّ فلا يطّرد الحدّ؛ و لذا اختار شيخنا البهائي (رحمه اللّه) في الزبدة في الجواب عن الإيراد المذكور حمل العلم على خصوص الظنّ.

مدفوع بأنّ إخراج القطعيّات مطلقا عن الفقه ممّا لا وجه له أصلا، كيف! و الاجتهاد قد ينتهي إلى اليقين، و أيضا صدق «الفقيه» على أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) و الأئمة (عليهم السّلام) ممّا لا كلام فيه، مع أنّهم كانوا يأخذون الأحكام عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) و الأئمّة (عليهم السّلام) بالمشافهة، و لا يتصوّر ظنّ في شأنهم في كثير من المسائل، و علومهم اليقينيّة الثابتة بنصّ المعصوم (عليه السّلام) من الفقه قطعا، فكيف يعقل إخراج القطعيّات عنه مطلقا؟ نعم القطعيّات الّتي هي من ضروريات الدين خارجة عنه حسب ما مرّ، و أمّا غيرها فهي مندرجة فيه، إلّا أنّها ممّا لا يتعلّق بها الاجتهاد.

و توضيح المقام: أنّ القطعيّات إمّا أن تكون من ضروريّات الدين، أو من ضروريّات المذهب، أو القطعيّات الغير الواصلة إلى حدّ الضرورة إلّا أنّها ثابتة في الدين أو المذهب على سبيل اليقين بالنظر أو غيره بحيث لا مجال فيها للاجتهاد؛ و إمّا أن تكون من المسائل الظنّية إلّا أنّه اتّفق انتهاء الأمر فيها إلى القطع للبعض.

فالاولى خارجة عن الفقه و ليست من متعلّقات الاجتهاد قطعا.

و الأخيرة مندرجة في الفقه قطعا، و الظاهر كونها من متعلّقات الاجتهاد أيضا، إذ انتهاء الأمر في المسائل الاجتهاديّة إلى القطع أحيانا لا يخرجها عن كونها اجتهاديّة، و لا كون بذل الوسع فيها اجتهادا؛ و أخذ الظنّ في حدّه لا ينافيه، إذ المعوّل عليه في المسائل الظنّية هو الظنّ، إذ هو المتوقّع حصوله بعد الاجتهاد في الأدلّة، و حصول اليقين على سبيل الاتّفاق لا ينافي كون بذل الوسع فيه لتحصيل الظنّ كما سيجي‏ء الكلام فيه في محلّه إن شاء اللّه. و أمّا المراتب المتوسّطة:

فالظاهر إدراج الجميع في الفقه كما مرّ. و الأظهر عدم تعلّق الاجتهاد بشي‏ء منها كما هو ظاهر من حدّه، و سيجي‏ء الإشارة إليه في محلّه إن شاء اللّه.

و بالجملة: المسائل الفقهيّة عندنا قسمان: أحدهما: المسائل القطعيّة الّتي لا مجال للتأمّل فيها من العارف الناظر في أدلّتها. و ثانيهما: المسائل الظنّية الّتي‏

84

لا يتوقّع فيها زيادة على الظنّ و إن اتّفق فيها تحصيل العلم أحيانا. و متعلّق الاجتهاد إنّما هو القسم الثاني؛ و لذا اخذ الظنّ في حدّه حيث إنّه المتوقّع فيه أو للاكتفاء فيه بذلك دون الأوّل؛ و لذا يمضي قضاياه و أحكامه هنا و إن أخطأ فيها بخلاف تلك الصورة حيث ينقض حكمه مع خطئه فيها حسب ما قرّر في محلّه.

و ما ذكروه من جواز التجزّي في الاجتهاد و عدمه إنّما هو في الثاني، و أمّا القطعيّات فلا مجال للتأمّل في إمكان حصول العلم بها لغير المجتهد أيضا.

فدعوى الملازمة بين العلم ببعض الفقه و الاجتهاد ممنوعة لا شاهد عليها، بل فاسدة حسب ما قرّرناه. فالاستناد في عدم كون القطعيّات من الفقه إلى انتفاء الاجتهاد فيها- كما صدر من بعض الأعلام- كما ترى!

قوله: (و أمّا ما يقال: من أنّ الظنّ في طريق الحكم ... الخ)

قد يتراءى تدافع بين الكلامين، إذ بعد فرض كون الطريق ظنّيا لا يعقل كون الحكم قطعيّا، ضرورة تبعيّة المدلول في ذلك للدليل.

و يدفعه: أنّه أراد بذلك ظنّيته في نفسه لا مطلقا.

و ملخّص تقرير الجواب: إنّا نختار حمل «العلم» على معناه الظاهر، و ما ذكر من أنّ أدلّة الفقه ظنّية غالبا فيتبعها الأحكام المدلول عليها بتلك الأدلّة ممنوع، إذ أدلّة الفقه ظنّية بملاحظة أنفسها، و أمّا بملاحظة ما دلّ على حجّية تلك الظنون و وجوب العمل بها قطعيّة، فظنّية الطريق في نفسه لا تنافي علميّة الحكم من جهة قيام الدليل القاطع على ثبوت الحكم على المكلّف بمقتضى ما دلّ عليه ذلك الطريق، فالدليل القاطع على ذلك الحكم هو الدليل المذكور بعد الملاحظة المذكورة، فتلك الأدلّة ظنّية من جهة و قطعيّة من جهة اخرى، و لا منافاة بين الوجهين، فظنّيتها في نفسها لا ينافي قطعيّة الحكم من جهتها نظرا إلى ما ذكرنا.

قوله: (فضعفه ظاهر عندنا ... الخ)

يريد بذلك أنّ الجواب المذكور إنّما يتمّ على اصول الأشاعرة القائلين بالتصويب و تعدّد أحكامه تعالى في الواقع على حسب تعدّد آراء المجتهدين،

85

فيكون ظنّ كلّ مجتهد بالحكم كاشفا عن كون ذلك هو حكمه بحسب الواقع، إذ حينئذ يتمّ التقرير المذكور و يكون كلّ مجتهد عالما بما هو حكم اللّه تعالى في حقّه بحسب الواقع. و أمّا على اصول الإماميّة على ما وردت به نصوصهم المتواترة عن أئمّتهم (عليهم السّلام) من كون حكم اللّه تعالى في الوقائع واحدا بحسب الواقع و أنّ له تعالى في كلّ واقعة حكما مخزونا عند أهله، أصابه من أصابه و أخطأه من أخطأه، فلا وجه للكلام المذكور أصلا، إذ لا تفيد الأدلّة المفروضة القطع بكون ذلك هو حكم اللّه تعالى في الواقع، إذ المفروض احتمال الخطأ في الاستدلال، بل و وقوعه قطعا بالنسبة إلى الآراء المختلفة فلا يعقل علمهم بحكمه تعالى مع فرض كون الطريق ظنيّا، غاية الأمر أن يكون المخطئ مع عدم تقصيره في بذل الوسع معذورا، فيجب عليه العمل بمؤدّى نظره و إن كان مخطئا، و أين ذلك من العلم بأحكامه تعالى كما هو المدّعى.

و يضعّفه: أنّ ذلك كلّه إنّما يتمّ لو كان مبنى الجواب على حمل «الأحكام» في الحدّ على الأحكام الواقعيّة، كما هو الظاهر من كلام المصنّف (رحمه اللّه). و أمّا لو كان مبنيّا على حمل «الأحكام» على الظاهريّة التكليفيّة فلا، إذ من الواضح اختلافها باختلاف الآراء، للقطع بتكليف كلّ مجتهد و مقلّديه بما أدّى إليه ظنّه، و هي أيضا أحكام شرعيّة متعلّقة لخطاب الشرع، غاية الأمر أنّها على فرض مخالفتها للواقع أحكام ثانويّة، و هي أيضا مطابقة للواقع على الوجه المذكور.

و كشف الحال: أنّ هناك حكمين: حكم واقعي و هو الذي كلّفنا به أوّلا لو لا جهل المكلّف المانع من تعلّق التكليف به، و حكم ظاهريّ و هو الّذي يجب علينا البناء عليه و التعبّد به في ظاهر الشرع بمقتضى الأدلّة الشرعيّة، سواء علمنا مطابقته للأوّل أو ظننّاه أو شككنا فيه أو ظننّا خلافه أو و لو علمنا المخالفة كما في بعض الفروض، فالنسبة بينهما عموم من وجه.

و الفقه بحسب الاصطلاح هو الثاني، و العلم به يحصل عن الأدلّة الشرعيّة الّتي قرّرها صاحب الشريعة و أوجب علينا العمل بمؤدّاها و هي الأدلّة التفصيليّة

86

المذكورة في الحدّ. فعلم بذلك أنّ تفسير الأحكام بالظاهريّة يعمّ الواقعيّة أيضا، فلا حاجة إلى حملها على الأعمّ من الظاهريّة و الواقعيّة كما في كلام بعض الأفاضل، بل لا يخلو ظاهر ما ذكره عن مناقشة، كما لا يخفى.

فإن قلت: لو كان الأمر كما ذكر فلا فرق بين المصوّبة و المخطّئة، إذ المفروض مطابقة الحكم المذكور للواقع أيضا و إن كان مخالفا للحكم الأوّل، غاية الأمر أن يكون الثاني ثانويّا، و لا شكّ أنّ الأحكام الواقعيّة ليست كلّها أوّليّة، لاختلاف الأحكام الواقعيّة باختلاف الأحوال كالقدرة و العجز و الصحّة و المرض و الحضر و السفر و غيرها من الامور الطارئة على المكلّف.

قلت: فرق بيّن بين الأمرين، فإنّ مطلوب الشارع في المقام حقيقة هو الأوّل و إنّما تعلّق التكليف بالأخير في الظاهر نظرا إلى اشتباه المكلّف.

و تحقيقه: أنّ الحسن أو القبح الحاصل من جهة نفس الفعل إمّا بملاحظة ذاته أو سائر اعتباراته- و لو بانضمام تعلّق الأمر به- هو الحكم الواقعي، و أمّا الحسن أو القبح الطارئ عليه أو على تركه من جهة اشتباه المكلّف و غفلته عمّا هو عليه أو عدم إمكان وصوله إليه من غير أن يكون لنفس الفعل أو الترك أو بعض اعتباراتهما بعث عليه فهو الظاهري المفارق للواقعي، و بين الأمرين بون بعيد، إذ الحكم بالامتثال في الأخير إنّما يكون مع بقاء الغفلة و الجهل، و أمّا بعد ظهور الحال فلا امتثال لما هو مطلوب الآمر، فكلّ من التكليف الظاهريّ المفروض و الحكم بحصول الامتثال لو أتى بالفعل إنّما يستمرّ باستمرار الجهل، و أمّا بعد انكشاف الخلاف فيرجع الأمر إلى التكليف الأوّل، فإن كان الوقت باقيا وجبت الإعادة بمقتضى الأصل لبقاء التكليف و وجوب الامتثال، و إن كان فائتا وجب القضاء لو دلّ دليل على وجوب القضاء لصدق الفوات.

فإن قلت: كيف يصحّ القول بعدم تحقّق الامتثال مع تعلّق التكليف بما أتى به من الفعل قطعا؟ فيكون الإتيان به قاضيا بالإجزاء محصّلا للطاعة و الامتثال بلا امتراء.

87

قلت: لا شكّ في حصول الإطاعة بأداء ما ثبت وجوبه في الشرع، و كذا في حصول العصيان بتركه و إن لم يكن مطابقا للواقع، لكن نقول: إنّ كلّا من الطاعة و المعصية قد يحصل بالإتيان بما هو مطلوب الآمر على جهة الوجوب أو تركه مثلا، و قد يحصل بأداء ما يعتقد كونه كذلك من الطريق الّذي قرّره الشارع أو بتركه كذلك مع انتفاء المطابقة. إلّا أنّ هناك فرقا بين الصورتين؛ و ذلك أنّه كما يكون فعل المأمور به و ترك المنهيّ عنه مطلوبا للآمر مرادا له كذا الإتيان بما يعتقده طاعة من حيث إنّه طاعة و ترك المخالفة من حيث إنّها كذلك مطلوب لديه؛ لما دلّ من الدليل القاطع أو المنتهي إليه على الرجوع إلى الطريق المفروض، فإذا فرض موافقة ما أتى به للواقع كان الحسن فيه من جهتين، و كذا القبح في صورة المخالفة، و مع انتفاء المطابقة فلا حسن و لا قبح إلّا من الجهة الأخيرة كما هو الحال في التكاليف الاختبارية، فإنّ الحسن أو القبح فيها ليس إلّا من جهة تعلّق الأمر أو النهي بحسب الظاهر؛ فكما أنّه بعد انكشاف الحال يظهر أن لا وجوب و لا تحريم للفعل في نفسه كذا في المقام و إن حصل الامتثال أو العصيان من جهة الموافقة أو المخالفة المفروضة، فإذا انكشف الخلاف تبيّن عدم الإتيان بما هو مطلوب الآمر، فيجب تداركه بالإعادة أو القضاء على فرض ثبوت القضاء فيه؛ و كذا الحال لو كان الاشتباه في الموضوع.

فالحال في التكاليف الظاهريّة للمجتهد من جهة اشتباهه في الأحكام نظير الحال في التكاليف الاختباريّة. و من التأمّل في ذلك يتّضح حقيقة المرام في المقام، و ليست التكاليف الاختباريّة تكاليف صوريّة مجازيّة خالية عن حقيقة التكليف، كما يظهر من جماعة من الأعلام، و سيجي‏ء بيانه في المحلّ اللائق به.

فصار المحصّل أنّ الواجب أو الحرام الواقعي هو ما كان مطلوبا للشارع أو مبغوضا له في نفسه، و الظاهري هو ما يكون كذلك بحسب اعتقاد المكلّف، نظرا إلى الطريق الذي قرّره المكلّف له و أوجب الأخذ به من حيث كونه موصلا إلى الواقع، فإن تطابقا فقد اجتمع الحكمان و إلّا حصل الافتراق من الجانبين؛ فالحكم‏

88

بوجوب العمل بمؤدّى الدليل إنّما يكون في الغالب من حيث كونه طريقا موصلا إلى الواقع، فإذا انكشف الخلاف تبيّن عدم حصول الامتثال و أداء التكليف، نظرا إلى انتفاء الحيثيّة المذكورة و عدم حصول ما هو مطلوب الشارع. لكن لا يخرج بذلك الفعل الواقع قبل الانكشاف عن كونه متعلّقا للتكليف مرادا للشارع [لوقوعه حال تعلّق التكليف به كذلك، إلّا أنّه بعد ظهور الحال يكون التكليف المتعلّق به على نحو التكاليف الاختباريّة حسبما أشرنا إليه‏] (1) و تفصيل الكلام في هذا المرام ممّا لا يسعه المقام، و لعلّنا نفصّل القول فيه في مقام آخر.

إذا تقرّر ذلك فلنرجع إلى ما كنّا فيه، فنقول: قد عرفت أنّ الأحكام الظاهريّة مع المخالفة للواقع واقعيّة أيضا بوجه و إن لم تكن واقعيّة بمعناها الظاهر، و الفقه هو العلم بتلك الأحكام، و هي أحكام شرعيّة مستفادة من الأدلّة التفصيليّة سواء طابقت الحكم الأوّل أو لا.

فإن قلت: إنّ العلم بالأحكام الظاهريّة إنّما يحصل من الدليل الإجمالي دون الأدلّة التفصيليّة، فإنّ أقصاها إفادة الظنّ بالحكم.

قلت: إنّ تلك الأدلّة ليست مفيدة لليقين بملاحظة أنفسها، و أمّا بملاحظة الدليل القاطع أو المنتهي إلى القطع القاضي بحجّيتها فهي تفيد اليقين قطعا من غير حاجة إلى ملاحظة الدليل الإجمالي المفروض، بل ذلك الدليل الإجمالي إجمال لذلك التفصيل، فتأمّل‏ (2).

____________

(1) ما بين المعقوفتين من المطبوع (1).

(2) إشارة إلى ما قد يورد في المقام من جريان ذلك بالنسبة إلى المقلّد أيضا، فإنّ كلّ واحد من فتاوى مجتهده دليل تفصيلي له نظرا إلى قيام الدليل القاطع على كون ذلك حجّة عليه.

و يدفعه: ما عرفت في بيان معنى التفصيليّة.

فإن قلت: إنّ الأدلّة التفصيلية بالنظر إلى الواقع لا تفيد بما فيها سوى الظنّ، و بالنظر إلى الظاهر أنّها تفيد العلم من جهة إجماليّة جارية في جميع المسائل، أي من حيث كونه حكم اللّه في شأنه و شأن مقلّده، فكيف تعدّ تفصيليّة على الوجه المذكور من حيث إفادتها للعلم بالأحكام؟-

89

فإن قلت: لا زال الفقهاء يخطّئ بعضهم بعضا و يخالف بعضهم آخر و يقيم كلّ منهم الأدلّة على إثبات مطلوبه و تخطئة صاحبه، و من البيّن أنّ ما اختلفوا فيه هو المطالب الفقهيّة و المسائل المبحوث عنها في تلك الصناعة، و الفقه اسم لتلك المطالب النظريّة المتداولة بينهم، و ظاهر أيضا أنّه ليس الاختلاف الواقع بينهم بالنسبة إلى الحكم الظاهري ضرورة اتّفاق الكلّ على تعدّده بحسب تعدّد آراء المجتهدين و اختلافه بحسب اختلاف ظنونهم؛ للإجماع على وجوب أخذ كلّ منهم بظنّه و عدم جواز أخذه بقول الآخر و إن اعتقد كلّ منهم تخطئة صاحبه، فليس اختلافهم إلّا بالنسبة إلى الحكم الواقعي الثابت في نفسه مع قطع النظر عن ثبوته في حقّه بخصوصه و حقّ مقلّده، فلا يكون الأحكام الفقهيّة إلّا بالنظر إلى الواقع، فكيف يحمل «الأحكام» على الظاهريّة؟

قلت: كون المبحوث عنه هو الأحكام الواقعيّة لا ينافي أن يكون الفقه هو الأحكام الظاهريّة، فالأحكام الفقهيّة الحاصلة للمجتهد من حيث وجوب الأخذ بها و الحكم بمقتضاها تكون فقها، و هي بهذه الحيثيّة تكون معلومة للفقيه مقطوعا بها عنده، و من حيث مطابقتها للواقع أو لمقتضى الأدلّة الشرعيّة تكون ظنيّة في الغالب موردا للاختلاف، و بهذه الحيثيّة تكون متعلّقة للاجتهاد. فوقوع الخلاف في المسائل الفقهيّة و كون المنظور حين الاستدلال هو الوصول إلى الواقع أو إصابة ما هو مقتضى الأدلّة الموجودة لا يقضي بكون الملحوظ في صدق الفقه هو الأحكام الواقعيّة، بل لمّا كان ثبوت الحكم في الظاهر منوطا بظنّ موافقته للواقع أو لمقتضى الأدلّة الشرعيّة أو القطع بها مع إمكانه كان الملحوظ هناك حال الواقع أو مؤدّى الدليل، فوقع‏ (1) الاختلاف فيها من تلك الجهة و إن كانت من حيث وجوب الأخذ بها و ثبوتها على المكلّف بحسب الشرع فقها و كانت معلومة للفقيه، فالجهة الاولى‏

____________

- قلت: يكفي الملاحظة المذكورة في كونها تفصيليّة إن كانت إفادتها العلم من جهة إجماليّة، إذ ليس في العبارة ما يفيد كونها تفصيلية من كلّ جهة. (منه أعلى اللّه مقامه).

(1) في المطبوع (1): فوقوع.

90

حيثيّة الاجتهاد، و الثانية حيثيّة الفقاهة، و الجهة الاولى مقدّمة على الثانية.

و يؤيّد ما ذكرناه: أنّ الفقه في ظاهر كلماتهم اسم للعلم بالأحكام الشرعيّة عن الأدلّة، أو للأحكام المستنبطة عن الأدلّة من حيث كونها كذلك و إن قلنا بكون سائر أسامي العلوم موضوعة لنفس المسائل؛ و لذا أخرجوا علوم الملائكة و الأنبياء و الأئمّة عن الفقه نظرا إلى ما مرّ مع وضوح علمهم بأحكام الشريعة (1) على أتمّ وجه، فيكون جهة تعلّق العلم بها على الوجه المذكور معتبرة في صدق الفقه، و هي حيثيّة الفقاهة حسب ما قرّرنا.

و أيضا ما حصل عند المجتهدين من الأدلّة التفصيليّة فقه عندهم مع اختلافهم في إصابة الواقع و عدمه و القطع بعدم إصابة بعضهم، سواء جعلنا الفقه اسما لنفس العلوم المفروضة أو للمعلومات من حيث تعلّق العلم المفروض بها، فيكون ذلك شاهدا على اختلاف حيثيّة الفقاهة للحيثيّة الّتي يقع الخلاف من جهتها في المسائل الفقهيّة.

و قد أجاب بعض الأفاضل عن الإشكال المتقدّم بوجهين آخرين حيث قال:

إنّ ظنّية المدرك لا يستلزم ظنّية الإدراك، و المدرك المظنون إنّما هو حكم اللّه الظاهريّ، و لا ريب أنّ إدراكه علميّ، فحاصل التعريف: أنّ الفقه هو العلم بالمظنونات عن أدلّتها. و إن أبيت عن ذلك مع وضوحه فهذا التوهّم إنّما يرد إذا جعلنا كلمة المجاوزة في التعريف متعلّقا بالعلم، و أمّا إن جعلناها متعلّقة بالأحكام و قلنا بكونه ظرفا مستقرّا صفة للأحكام و يجعل الاحتراز عن علم اللّه و الملائكة بقيد الحيثيّة المعتبرة في الحدود فلا محذور، فكلامنا المتقدّم في تعلّقها بالعلم إنّما كان جريا على مذاق القوم، انتهى.

و لا يذهب عليك ضعف الجوابين المذكورين.

أمّا الأوّل، ففيه: أوّلا: أنّه لا ربط له بالإيراد المذكور و لا دخل له في دفعه، إذ المذكور فيه كون العلم بها غير حاصل عن الأدلّة التفصيلية و إنّما يحصل عن‏

____________

(1) في مصحّحة المطبوع (1): بالأحكام الشرعيّة.

91

الدليل الإجمالي كالمقلّد، فهذا الجواب غير مرتبط به. نعم، لو أورد عليه بالتنافي بين تعلّق العلم و الظنّ به صحّ الجواب عنه بما ذكر.

و ثانيا: أنّه إن أراد بقوله: «إنّ ظنّية المدرك لا يستلزم ظنّية الإدراك» أنّه لا يستلزم ظنّية الإدراك المتعلّق به فهو بيّن الفساد، لوضوح الملازمة بين الأمرين، و إن أراد أنّه لا يستلزم ظنّية إدراكه بإدراك آخر فهو كذلك، إلّا أنّه ليس هناك إدراكان متعلّقان بالأحكام الظاهريّة حتى يكون أحدهما مظنونا و الآخر مقطوعا.

و كأنّ ما ذكره مبنيّ على أن يراد بالحكم الظاهريّ هو الواقعيّ المظنون، فتكون المظنونيّة مأخوذة في الأحكام، فالمعنى: أنّ الفقه هو العلم بالأحكام الواقعيّة المظنونة عن أدلّتها التفصيليّة، و هو فاسد، لإفادته العلم بأصل النسبة مع فرض مظنونيّتها، و هو مع اشتماله على التدافع خلاف المدّعى، فلا بدّ من التأويل بإرادة العلم بمظنونيّتها.

و فيه- مع ما فيه من التعسّف- أنّه غير حاصل عن الأدلّة التفصيليّة، بل هو حاصل من الضرورة الوجدانيّة، و قد نصّ في كلامه على جعل كلمة المجاوزة من متعلّقات العلم.

و لو اوّل ذلك بكون العلم به حاصلا عن الأدلّة و لو بالواسطة من جهة بعثها على حصول الظنّ القاضي بالعلم به على سبيل الضرورة، فضعفه أظهر من أن يخفى.

و أيضا من الواضح: أنّ العلم بمظنونيّة الحكم ليس فقها في الاصطلاح، إذ الفقه عبارة عن العلم بأحكامه تعالى و ليست من الوجدانيّات التابعة لحصول المظنّة كما يتلخّص من كلامه، و هو ظاهر. و الظاهر أنّ ما ذكره نشأ عن غفلة في تفسير الحكم الظاهريّ، و التحقيق فيه ما قدّمناه.

و إن أراد من العلم بالنسبة المظنونة العلم بوجوب العمل بها و البناء عليها، ففيه مع مخالفته لظاهر كلامه- حيث إنّه جعله جوابا مستقلّا عن الايراد المشهور، و لم يرتض به في ذلك المقام- أنّه ليس الفقه عبارة عنه، إذ العلم بوجوب العمل بمؤدّى الاجتهاد من المسائل الاصولية أو يتلخّص منها، و ليس مندرجا في مسائل الفقه،

92

فضلا عن كونه عين الفقه كما هو مقتضى التحديد.

و أمّا الثاني، ففيه: أنّه ينتقض الحدّ بعلم المقلّد، فإنّه إذا عرف فتاوى المجتهد فقد علم بالأحكام الحاصلة عن أدلّتها، إذ كما يصدق ذلك على علم المجتهد بالأحكام الحاصلة (1) عنده، كذا يصدق على علم مقلّده بتلك الأحكام الحاصلة عنده من غير فرق، بل يصدق ذلك على علم اللّه سبحانه و علم الملائكة و المعصومين بالأحكام الحاصلة عند المجتهد؛ لصدق الحدّ المذكور عليه من غير ريب. و توهّم خروجها باعتبار الحيثيّة المذكورة بيّن الفساد، كما مرّت الإشارة إليه.

و لو سلّم إخراجه لعلوم المذكورين فإنّما يخرج به علمهم بنفس الأحكام، و أمّا علمهم بالأحكام الحاصلة عند المجتهد فلا، إذ اعتبار الحيثيّة المذكورة جارية فيها قطعا. نعم، لو جعلت الحيثيّة المذكورة مرتبطة بالعلم صحّ ما ذكر، لكنّه فاسد، لعدم ارتباطها بالعلم أصلا، إذ الحيثيّات المعتبرة في نظائر المقام هي المقرّرة لعنوان ما تقيّده و المبيّنة لاعتبار الوصف العنواني فيما اخذت فيه؛ و لذا يدّعى فهمها من الإطلاق، و هذا إنّما يعطي تقييد الأحكام دون العلم.

ثمّ إنّه صرّح أوّلا بحمل «الأحكام» على النسب، فلا وجه إذا لجعل الظرف مستقرّا صفة له، إذ ليست النسب حاصلة عن الأدلّة. نعم، يمكن أن يجعل الظرف متعلّقا بالمظنونة الملحوظة في الأحكام بالتفسير الذي ذكره، أو بالمستنبطة و نحوها من الأفعال الخاصّة، و حينئذ لا يكون الظرف مستقرّا بمعناه المعروف، مع ما فيه من البعد.

هذا، و قد ظهر بما اخترناه في الجواب عن أصل الإيراد صحّة عدّ كلّ من أحكام المجتهدين و أقوالهم المتعدّدة في مسألة واحدة من الفقه مع القطع بالخطأ فيما يزيد على واحد منها و قيام احتمال الخطأ في كلّ من آحادها، نظرا إلى كون كلّ من تلك الأحكام حكما ظاهريّا وقع التكليف به في الظاهر، فالخطأ الواقع فقه أيضا، و العالم به فقيه إذا علم بقدر يعتدّ به من الأحكام حسب ما مرّ و إن فرض‏

____________

(1) في المطبوع (1) زيادة: عن أدلّتها.

93

كون الجميع أو معظمها خطأ بملاحظة الواقع. هذا بالنسبة إلى فقهاء أهل الحقّ مع عدم التقصير في الاجتهاد.

و أمّا فقهاء أهل الخلاف فليسوا فقهاء عندنا على سبيل الحقيقة (1) و هو ظاهر مع تقصيرهم في تحصيل الحقّ. و أمّا لو فرض بذل وسعهم في ذلك فغاية الأمر القول بكونهم معذورين، لا أنّهم مكلّفون شرعا بما أدّى إليه اجتهادهم ليكون ذلك حكما شرعيّا في شأنهم على نحو المخطئ من فقهاء أهل الحقّ، كما هو ظاهر من اصول المذهب، و يأتي تفصيل القول فيه في محلّه إن شاء اللّه.

[تعريف اصول الفقه‏]

و لمّا كان هذا الكتاب‏ (2) موضوعا في الفقه و كان تعرضه لبيان الاصول من باب المقدّمة اقتصر المصنّف (رحمه اللّه) في المقام على بيان حدّ الفقه، و حيث كان الملحوظ بالبحث عندنا هو الكلام في اصول الفقه فبالحريّ أن نشير إلى حدّه.

فنقول: قد جرت طريقة القوم على بيان معناه الإضافي و العلمي، و من البيّن أنّ المقصود في المقام هو الثاني، و أمّا بيان الأوّل فإمّا لإبداء المناسبة بينه و بين معناه العلمي، أو لدعوى انطباقه على المعنى العلمي بانحصار مفهومه الإضافيّ في الخارج بحسب المصداق في ذلك، و هو الذي حاوله جماعة منهم؛ و لذا جعلوا له حدّين: أحدهما بحسب معناه الإضافي، و الآخر بحسب معناه العلمي، مشيرين بذلك إلى أنّ بيان معناه الإضافي تحديد بحسب الحقيقة لهذا الفنّ نظرا إلى الدعوى المذكورة، كما سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ إنّه قد يدّعى كون لفظ «الاصول» حين إضافته إلى الفقه علما لهذا العلم، على أن يكون التقييد داخلا و القيد خارجا، و هو الظاهر من صاحب الوافية. و قد يشير إليه ظاهر الإطلاقات، إذ لا يبعد كون معنى الفقه مقصودا في استعمالات اصول الفقه.

____________

(1) و إطلاق الفقهاء عليهم عندنا إنّما هو من جهة التسمية لهم نظير إطلاق الصلاة و سائر أسامي العبادات على أعمالهم، و لا تجوّز إذا في الاستعمال كما سنشير إليه. (منه (رحمه اللّه)).

(2) أي كتاب معالم الدين.

94

و ربّما يقال بكون معناه التركيبي مأخوذا في معناه الاصطلاحي، بأن يكون قد خصّص معناه التركيبي ببعض مصاديقه، فقد زيدت تلك الخصوصيّة في معناه الإضافي بالوضع الطارئ عليه من جهة التخصيص أو التخصّص، كما قد يقال ذلك في لفظ «ابن عبّاس» و غيره، فإنّ تعيين ابن عبّاس في عبد اللّه لا ينافي أن يكون كلّ من لفظة «ابن» و «عباس» مستعملا في معناه الحقيقي، إذا كان التخصيص المذكور حاصلا من جهة غلبة إطلاق ذلك المركّب على خصوص ذلك الفرد، فيكون قد تعيّن ذلك اللفظ بملاحظة معناه التركيبي لخصوص ذلك الفرد، و يجري ذلك في لفظ «الرحمن» بعد اختصاصه به تعالى من جهة الوضع الطارئ، فإنّ معناه الوصفي ملحوظ فيه أيضا، و ليس اسما لنفس الذات، فالقول بمثل ذلك في لفظ «اصول الفقه» غير بعيد أيضا؛ و حينئذ فلا بدّ من ملاحظة معناه التركيبي في معناه العلمي أيضا.

و كيف كان، فلنجري الكلام في المقام على حسب ما ذكروه.

فنقول: أمّا حدّه بحسب معناه الإضافي فيتوقّف على بيان أجزائه، و قد مرّ الكلام في بيان الفقه، و المراد به هنا هو المعنى الاصطلاحي.

و الاصول: جمع أصل، و هو في اللغة بمعنى ما يبتنى عليه الشي‏ء، سواء كان ابتناؤه عليه حسّيّا كما في أصل الحائط و أسفل الشجرة، أو معنويّا كابتناء العلم بالمدلول على العلم بالدليل.

و يطلق في الاصطلاح- حسب ما نصّوا عليه- على معان عديدة، منها:

الأربعة المشهورة، أعني: القاعدة و الدليل و الراجح و الاستصحاب، و في كونه حقيقة بحسب الاصطلاح في كلّ من الأربعة المذكورة نظر.

و كيف كان، فلا يلائم إرادة شي‏ء منها في المقام سوى الدليل، و هو أيضا لا ينطبق على شي‏ء من مسائل الفنّ، إذ أدلّة الفقه موضوع لهذا الفنّ، و من البيّن خروج موضوع كلّ فنّ عن ذلك الفنّ.

و قد يقال: إنّ المقصود من ذلك هو أدلّة الفقه من حيث إنّها أدلّة عليه، لظهور

95

ملاحظة الحيثيّة في نظائر تلك العبارة، فيرجع المراد إلى دلالة تلك الأدلّة على الفقه، و إثبات تلك الدلالات إنّما يكون في الاصول، فمسائله هو ثبوت الدلالة لكلّ من تلك الأدلّة كدلالة الأمر على الوجوب و الإجزاء، و النهي على التحريم و الفساد، و دلالة الأمر بالشي‏ء على النهي عن ضدّه، و نحو ذلك.

يبقى الكلام في مباحث الاجتهاد و التقليد، فإنّ البحث فيها ليس عن الأدلّة، فيحتمل أن يكون ذكرها في الاصول على سبيل الاستطراد. و يمكن إدراج مباحث الاجتهاد فيه نظرا إلى أنّ البحث هناك عن حال المستدلّ، و هو أيضا يرجع إلى أنّ دلالة تلك الأدلّة على ثبوت الأحكام الشرعيّة إنّما هي بالنسبة إلى من جمع تلك الشرائط المخصوصة، فهو أيضا بحسب الحقيقة بحث عن حال الأدلّة.

و أنت خبير بأنّ أدلّة الفقه من حيث إنّها أدلّة عليه هي الموضوع لعلم الاصول، فهي بتلك الحيثيّة أيضا خارجة عن الفنّ، و ملاحظتها من حيث دلالتها على الفقه لا تجعل الأدلّة عين الدلالة؛ مضافا إلى الفرق البيّن بين أخذ الدلالة بالمعنى التصوّري و ملاحظتها متعلّقا للحكم و التصديق، و المأخوذ في المسائل إنّما هو الثاني، و مدلول المركّب المفروض لا يزيد عن الأوّل، فكيف ينطبق ذلك على مسائل الاصول؟ على أنّ أدلّة الفقه تشمل الأدلّة التفصيليّة المذكورة في علم الاستدلال، بل أظهر فيها، فكيف يدّعى انطباق المعنى الإضافي على فنّ الاصول كما ادّعوه حسب ما سيجي‏ء الاشارة إليه.

فظهر بما قرّرنا: أنّ أخذ «الاصول» في المقام بمعنى الأدلّة- كما رجّحه جماعة من الأعلام- ليس على ما ينبغي، سيّما إذا اريد تطبيقه على المعنى العلمي؛ فالأولى حمل «الاصول» هنا على معناه اللغوي.

ثمّ إنّهم قالوا: إنّ هناك جزء ثالثا هو جزؤه الصوري أعني الإضافة، و قالوا:

إنّ إضافة اسم المعنى- يعني ما دلّ على معنى حاصل في الذات، سواء دلّ معه على الذات كما في المشتقّات أو لا- يفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه‏

96

في المعنى الذي عيّن له لفظ المضاف أعني وصفه العنواني؛ و إنّما خصّصوا ذلك باسم المعنى- و إن كان إضافة اسم العين مفيدة للاختصاص عندهم- نظرا إلى عدم تعيّن ما به الاختصاص في تلك الأسماء، فيختلف ذلك بحسب اختلاف الألفاظ كما في «دار زيد» و «حمار عمرو» و نحوهما، بخلاف اسم المعنى، فإنّ وجه الاختصاص متعيّن هناك، فانّ قولك: «مكتوب زيد» و «مملوك عمرو» إنّما يفيد الاختصاص في وصفه العنواني أعني: المكتوبيّة و المملوكيّة. و استندوا في الدعوى المذكورة إلى تبادر ذلك بحسب العرف كما هو ظاهر من ملاحظة المثالين المذكورين و نحوهما، فقالوا حينئذ: إنّ إضافة «الاصول» إلى «الفقه» تفيد اختصاص الاصول بالفقه في كونها اصولا له، فيخرج عنه سائر العلوم ممّا يبتني عليه الفقه، إذ ليست تلك العلوم ممّا يخصّ الفقه في توقّفه عليها، لتوقّف غيره من العلوم أيضا عليها.

و أمّا علم الاصول و إن كان كثير من مسائله جاريا في غير الفقه أيضا إلّا أنّه لمّا كان تدوينه و وضعه لخصوص الفقه كان له اختصاص به بحسب التدوين، فيصحّ لذلك أن يقال باختصاصه بالفقه، فينطبق على معناه العلمي، فيصير المفهوم المذكور معرّفا رسميّا له، لاشتماله على خاصّته، و بذلك يصحّ عدّ معناه الإضافي حدّا لهذا الفنّ.

و يمكن المناقشة في ذلك- مع ما فيه من التكلّف- بأنّه مبنيّ على ما ادّعوه من إفادة الإضافة الاختصاص، و هو على إطلاقه محلّ منع.

و توضيح الكلام فيه: أنّ مفاد الإضافة هو انتساب المضاف بالمضاف إليه نسبة ناقصة، و المستفاد من إضافة اسم المعنى هو انتسابه إليه في خصوص وصفه العنواني، كما هو الظاهر من التأمّل في استعمالاته العرفيّة، و حينئذ فإن كان انتسابه إلى المضاف إليه مانعا من انتسابه إلى غيره بأن لم يكن ذلك العنوان قابلا للانتساب إلى شيئين كما في «مملوك زيد» و «مكتوب عمرو» إذ لا يمكن أن يكون جميع ذلك الشي‏ء مملوكا أو مكتوبا لشخصين أفاد الاختصاص، و كان‏

97

استفادة الاختصاص منه حينئذ مبنيّا على ذلك من غير أن يكون مستندا إلى الوضع ابتداء، و إن لم يكن كذلك بل كان قابلا للانتساب إلى شيئين أو أشياء كما في قولك: «محبوب زيد» و «مطلوب عمرو» و «مقصود بكر» و نحوها لم يفد الاختصاص أصلا، كيف! و لو كان ذلك مفيدا للاختصاص لكان قولك: «اللّه ربّي و خالقي و رازقي و مصوّري» و نحوها ... دالّا على عدم كونه تعالى ربّا و خالقا و رازقا و مصوّرا لغيره، و هو ظاهر البطلان.

و حينئذ فنقول في المقام: إنّ كون الشي‏ء اصولا للفقه لا ينافي كونه اصولا لغيره أيضا حتّى يكون انتسابه إلى الفقه في ذلك مانعا من انتسابه إلى غيره، فلا يتّجه دلالتها على الاختصاص ليتمّ ما ذكر من التقريب.

فظهر بما قرّرنا أنّ دعوى انطباق معناه الإضافي على معناه العلمي غير واضح؛ مضافا إلى أنّه قد يناقش في اختصاص ما دوّن من العلوم لخصوص الفقه بالاصول، كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه.

و أمّا حدّه بالنظر إلى معناه العلمي: فهو على ما اختاره جماعة من المتأخّرين:

هو «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة» فخرج بالقواعد العلم المتعلّق بالجزئيّات كعلم الرجال. و بالممهّدة لاستنباط الأحكام العلوم الغير الآليّة. و بالتقييد بالشرعيّة علم المنطق، إذ ليس تمهيده لاستنباط الأحكام الشرعيّة، بل لمطلق تصحيح النظر في اكتساب المطالب النظريّة؛ و كذا ما مهّد من القواعد لاستنباط الأحكام العقليّة. و بالفرعيّة ما يتقرّر من القواعد في بعض المقامات لاستنباط الأحكام الاصوليّة.

و قد يستشكل في الحدّ بلزوم اندراج القواعد المقرّرة في الفقه ممّا يستنبط منها الأحكام الفرعيّة المترتّبة عليه في الاصول.

و قد يجاب بالتزام إدراج جملة منها في مباحث الاصول كأصالة الصحّة في العقود و أصالة صحّة تصرفات المسلم و نحوهما ممّا تقرّر لأجل استنباط الأحكام، و ادراج جملة منها في الفقه ممّا يكون المقصود منها بيان نفس الحكم الشرعي و إن استنبط منه حكم شرعي آخر، إذ لا منافاة.

98

و فيه: أنّ اندراج بعض تلك القواعد في الفقه لا يقضي بخروجها عن الحد، إذ لم يؤخذ فيه عدم اندراج تلك القواعد في الأحكام الفرعيّة، إلّا أن يقال: إنّ الظاهر من اعتبار كونها ممهّدة لاستنباط الأحكام الفرعيّة أن لا تكون هي من جملة الأحكام الفرعية، لكن في اندراج جميع ما تقرّر من القواعد الفقهيّة لاستنباط الأحكام الفرعيّة في الاصول تأمّل.

و قد يجعل التقييد بالفرعيّة مخرجا لعلم الدراية، فإنّها موضوعة لاستنباط الأحكام الشرعيّة أصليّة كانت أو فرعيّة، إذ المقصود منها معرفة الحديث، و هو يعمّ النوعين.

و فيه: أنّ الملحوظ هناك معرفة الحديث لا خصوص استنباط الأحكام الشرعيّة، و من البيّن أنّ الحديث يعمّ الوارد في الأحكام الشرعيّة و غيرها من القصص و نحوها و إن كان معظم ما يراد منها الأحكام الشرعيّة بل خصوص الفرعية.

هذا، و ذكر بعض الأفاضل أنّ التقييد بالممهّدة يخرج علم المنطق و العربية و غيرهما ممّا يستنبط منها الأحكام، و لكن لم يمهّد لذلك، و بالأحكام ما يستنبط منها الماهيّات الشرعيّة كالصلاة و الصيام و نحوهما و غيرها مثل صفاتها كصلاة الظهر و النكاح الدائم و الطلاق الرجعي و نحوها، فإنّ معرفتها ليست من مسائل الفقه حتّى تكون قواعد الاصول ممهّدة لاستنباطها، بل هي من مبادئه و إن ذكرت في طيّ مسائله، فمثل مباحث الحقيقة الشرعيّة، و جواز إجراء الأصل في إثبات ماهيّة العبادات- و نحو ذلك ممّا يبحث عنه في علم الاصول- و إن كان يستنبط منها الماهيّات، لكنّها لم تمهّد لمعرفة الماهيّات من حيث إنّها هي، بل لما يترتّب عليها من الأحكام.

و لا يذهب عليك ما فيه:

أمّا إخراج المنطق و العربيّة بقيد «الممهّدة» فظاهر الوهن، لوضوح كون جميع العلوم المدوّنة من الامور الممهّدة، فكيف يعقل خروج شي‏ء منها بذلك؟ نعم، بعد تقييدها بقوله: «لاستنباط الأحكام الشرعيّة» يخرج ذلك حسب ما أشرنا إليه،

99

لا بمجرّد التقييد بالممهّدة حسب ما ذكره.

و أمّا إخراجه ب «الأحكام» ما يستنبط منه الماهيّات و نحوها، فغير متّجه أيضا، إذ ليس عندنا قواعد ممهّدة لاستنباط نفس الماهيّات؛ و مجرّد استنباطها منها لا يقضي بكونها ممهّدة لأجلها. و من الغريب! تسليمه (رحمه اللّه) لذلك حيث قال: إنّ معرفتها ليست من مسائل الفقه حتّى تكون قواعد الاصول ممهّدة لاستنباطها، فإنّه إذا لم يكن تمهيد الاصول لبيانها كانت خارجة بقيد «الممهّدة» على حسب ما ذكره في إخراجه المنطق و العربيّة.

على أنّه يمكن أن يقال: إنّ الخارج من الفقه تصوّر تلك الماهيّات لا التصديق بما قرّر الشارع من حقائقها، و خروجها عن الفقه من الحيثيّة الاولى لا يقضي بخروجها عنه بالاعتبار الثاني، و لا يبعد حينئذ إدراجها في الأحكام الشرعيّة الفرعيّة الوضعيّة كما سيجي‏ء الإشارة إليه إن شاء اللّه، و من البيّن أنّ ذلك هو المستفاد أوّلا من تلك القواعد دون الجهة الاولى و إن تفرّعت عليها؛ و مع الغضّ عن ذلك فلا ريب في كون المستفاد من تلك القواعد أنّ الصلاة كذا و الصيام كذا و نحوهما، و لا ريب في اندراجها في الحكم و إن لم نقل بكونها حكما شرعيّا، فتأمّل.

هذا، و قد يشكل الحال في الحدّ المذكور بخروج مباحث الاجتهاد و التقليد عنه مع اندراجها في مسائل الاصول.

و قد يقال باندراج كثير من المسائل المتعلّقة بالاجتهاد في البحث عن حال الأدلّة، فإنّ المرجع فيه إلى كون الدليل دليلا بالنسبة إلى المجتهد دون غيره.

و حينئذ ربّما يلتزم الاستطراد في ذكر المباحث المتعلّقة بالتقليد كبعض مباحث الاجتهاد ممّا لا يتعلّق بالبحث عن الأدلّة، كاشتراط العدالة في المفتي و نحوه. و لا يخلو عن بعد، لتصريح جماعة من الأعاظم باندراجها في الفنّ؛ و لذا زادوا في الحدّ ما يدلّ صريحا على اندراجها في الاصول، كما هو الظاهر من عدّهم ذلك من مطالب الفنّ.

و ما قد يتخيّل في إدراج الجميع في الحدّ المذكور من كون البحث عن أحوال المستفتي أيضا بحثا عن حال الدليل فممّا لا يعقل وجهه.

100

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

101

معالم الدين:

فصل‏

و اعلم: أنّ لبعض العلوم تقدّما على بعض، إمّا لتقدّم موضوعه، أو لتقدّم غايته، أو لاشتماله على مبادي العلوم المتأخّرة، أو لغير ذلك من الامور التي ليس هذا موضع ذكرها.

و مرتبة هذا العلم متأخرة عن غيره، بالاعتبار الثالث؛ لافتقاره إلى سائر العلوم و استغنائها عنه.

أمّا تأخّره عن علم الكلام، فلأنّه يبحث في هذا العلم عن كيفيّة التكليف، و ذلك مسبوق بالبحث في معرفة نفس التكليف و المكلّف.

و أمّا تأخّره عن علم اصول الفقه، فظاهر، لأنّ هذا العلم ليس ضروريّا، بل هو محتاج الى الاستدلال، و علم اصول الفقه متضمّن لبيان كيفيّة الاستدلال.

و من هذا يظهر وجه تأخّره عن علم المنطق أيضا، لكونه متكفّلا ببيان صحّة الطرق و فسادها.

و أمّا تأخّره عن علم اللّغة و النحو و التصريف، فلأنّ من مبادي هذا العلم الكتاب و السنّة، و احتياج العلم بهما إلى العلوم الثلاثة ظاهر. فهذه هي العلوم التي يجب تقدّم معرفتها عليه في الجملة. و لبيان مقدار الحاجة منها محلّ آخر.

102

[ملاك تقدّم بعض العلوم على بعض‏]

قوله: (و اعلم أنّ لبعض العلوم تقدّما على بعض ... الخ)

لا يخفى أنّ العلوم المدوّنة لها مراتب مختلفة في التقديم و التأخير بحسب الشرافة و بحسب التعليم.

أمّا الأوّل فيختلف الحال بحسب اختلاف الموضوعات في الشرافة و اختلاف الغايات في ذلك و في شدّة الاهتمام، كما في علم الإلهي و علم الفقه بالنسبة إلى ما عداهما من العلوم.

و أمّا الثاني فقد يكون التقديم و التأخير فيه استحسانيّا، و قد يكون من جهة توقّف العلم المتأخّر عليه.

أمّا الأوّل فمن وجوه:

منها: أن يكون أحد العلمين سهل التناول بيّنة المقدّمات دون الآخر، فيناسب تقديمه في التعليم لسهولة تحصيله على المتعلّم، فإذا قوي استعداده للعلوم و حصل له ملكة في الإدراكات سهل عليه الاشتغال بالآخر.

و منها: أن يكون أدلّة العلم المتقدّم أحكم من غيره و أبعد عن حصول الخطأ، فيقدّم في التعليم حتّى يتعوّد المتعلم على عدم الإذعان بالمطالب إلّا بعد وضوح البرهان و الوصول إلى كمال الإيقان، فلا يعتقد الحكم بأدنى شاهد أو استحسان يشبه البرهان، لأداء ذلك غالبا إلى اعتقاد ما يخالف الواقع. و هاتان الجهتان حاصلتان في تقديم العلوم الرياضيّة على سائر فنون الحكمة، كما كان متداولا في تعاليم الفلاسفة.

و منها: أن يكون موضوع أحد العلمين متقدما بحسب الرتبة على موضوع العلم المتأخّر، كعلم النحو الباحث عن أحوال الكلام من حيث صحّة التركيب و سقمه بالنسبة إلى علوم البلاغة الباحثة عن محسّناته، فإنّ الحيثية الاولى متقدّمة في الرتبة على الأخيرة.

و منها: أن يتقدّم غايته على غاية العلم الآخر كذلك، كما في المثال المفروض، فإنّ المقصود من النحو حفظ اللسان عن الغلط في البيان، و من علوم البلاغة أداء