هداية المسترشدين - ج1

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
735 /
153

و هو معنى المجاز، و المبالغة إنّما تحصل هناك من جهة ملاحظة المشابهة و التشبيه المضمر في النفس، فالفرق بينها و بين نقل الاسم بالوضع الجديد ظاهر، و الفرق بينها و بين التشبيه التصريح بالمغايرة و عدم اندراج المشبّه في المشبّه به هناك و إيهام اندراجه فيه في الاستعارة؛ نظرا إلى ظاهر اللفظ لإضمار التشبيه في النفس، فيكون أبلغ في إظهار المشابهة حيث اطلق عليه اسم المشبّه به؛ و لذا اختار جمهور أهل البيان كونها من قبيل المجاز اللفظي.

أقول: إنّ مجرد إطلاق اسم المشبّه به على المشبّه مع كون المشبّه خارجا عن أفراده الحقيقية لا يقضي بالتزام استعمال اللفظ في غير ما وضع له؛ للفرق بين استعمال اللفظ في المعنى و إطلاق الكلّي على الفرد، ألا ترى أنّ استعمال الكلّي في خصوص الفرد مجاز مع أنّ إطلاقه على ذلك ليس من المجاز، ألست في قولك: «رأيت إنسانا» قد أطلقت الإنسان على خصوص الفرد الذي رأيته، مع أنّه ليس مجازا قطعا لاستعماله في نفس مفهومه، ينبّهك على ذلك أنّك لو قلت:

«رأيت إنسانا» و قد رأيت شجرا كان قولك كذبا، و لم يكن الاستعمال غلطا، فإنّك لم تستعمل قولك: «إنسانا» إلّا في مفهوم فرد من الإنسان الغير الصادق على الشجر، و كذا الحال في قولك: «رأيت عالما» و قد رأيت زيدا الجاهل، و قولك:

«رأيت زيدا العالم» و هو جاهل في الواقع، فلو اشتبه عليك الحال فزعمته على ما أخبرت ظهر عليك حصول الغلط في الحكم دون الغلط في الاستعمال، و كذا في الأخير بالنسبة إلى الحكم الضمني اللازم من التوصيف، و هذا هو الوجه في عدم كون الأسامي الواردة على الشبح المرئيّ من بعيد بحسب اختلاف اعتقاد المتكلّم فيه غلطا؛ لاستعمالها فيما وضعت لها، و إطلاقها على ذلك من جهة اعتقاد انطباق كلّ من تلك المعاني معها، و إنّما الغلط هناك في الاعتقاد المذكور.

إذا تبيّن ذلك ظهر أنّ مجرّد إطلاق اسم المشبّه به على المشبّه لا يقضي باستعماله في مفهومه؛ لإمكان استعماله في المفهوم الذي وضع اسم المشبّه به بإزائه و إطلاقه على ذلك الفرد لدعوى انطباقه عليه من غير استعمال اللفظ في‏

154

المفهوم المفروض ليكون مجازا، فالمعنى الموضوع له هو المراد من اللفظ، إلّا أنّه غير منطبق على ما اطلق عليه على سبيل الحقيقة، ففيها مخالفة للظاهر من تلك الجهة و هي جهة اخرى غير استعمال اللفظ فيه أوّلا الذي عليه مدار الكلام في المقام، فالاستناد في استعمال الاستعارة في غير ما وضع له إلى الإطلاق المذكور غير متّجه، و كذا دعوى استعمالها فيما وضع له البتة، إذ لا شاهد على تعيّنه كما عرفت و إمكان استعمالها في غير ما وضع له تنزيلا له منزلة الموضوع له من جهة المشابهة، كأن يراد بالأسد في «أسد يرمي» مطلق الشجاع الصادق على الفرد المخصوص المتعلّق للحكم في الاستعمال المفروض.

فظهر بما قررنا تصحيح الاستعارة بكلّ من الوجهين المذكورين و دوران الأمر فيها بالخروج عن الظاهر على كلّ من النحوين، إلّا أنّ الوجه الأوّل أبلغ فلا يتعيّن أحدهما بحسب الاستعمال و إنّما يتعيّن بملاحظة المستعمل، نعم الظاهر في بعض أنواع الاستعارة استعمال اللفظ فيما وضع له، و المقصود منها الانتقال إلى ما يشبهه أو أمر آخر.

فمن ذلك: الاستعارة في المركّبات و يسمّى بالتمثيل، كما في قولك: «أراك تقدّم رجلا و تؤخّر اخرى» المستعمل في مقام بيان تردّد المخاطب، فإنّ من البيّن أنّ تلك المفردات لا يمكن إخلاؤها عن المعنى.

و القول باستعمال المركّب في المعنى الذي شبّه بمعناه الأصلي من دون استعمال المفردات في شي‏ء بيّن الفساد؛ لوضوح أنّ المعنى التركيبي إنّما يؤخذ من معاني المفردات، فإذا لم تكن مستعملة في شي‏ء لم يعقل استعمال المركّب في المعنى المقصود، فهي لا محالة مستعملة في معانيها الحقيقيّة أو المجازيّة، و حيث إنّ استعمالها في المعاني الذي يتركّب منها المعنى المجازي المقصود في المقام غير ظاهر بل فاسد- و لو أمكن تصحيحه في المثال المفروض على بعض الوجوه الركيكة فلا يجري في غيره- انحصر الأمر في استعمالها في معناها الحقيقي، فيكون الغرض من استعمالها في معانيها هو إحضار معناها التركيبي في ذهن‏

155

السامع لينتقل منها بمعونة القرينة إلى ما يشابهه، فالمقصود من تأدية العبارة المذكورة هو الحكم بالمعنى المجازي، إلّا أنّ اللفظ غير مستعمل فيه و إنّما استعمل في معناه الحقيقي؛ للانتقال إلى المجازي المشابه له بواسطة القرينة حسب ما بيّناه.

هذا ما يقتضيه التحقيق في المقام، و قد يرجع إليه ما ذكره علماء البيان في بيانه، إلّا أنّ تطبيق كلامهم عليه لا يخلو عن خفاء.

و من ذلك: الاستعارة التخييلية كما في قوله: «و إذا المنيّة أنشبت أظفارها» فإنّ المقصود منها إثبات ذلك الأمر المختصّ بالمشبّه به؛ لتخييل أنّ المشبّه من جنسه، و هو إنّما يكون باستعمالها فيما وضعت له.

و منها: المبالغة بأصنافها الثلاثة من التبليغ و الإغراق و الغلو، فإنّ المبالغة هناك إنّما تحصل باستعمال اللفظ فيما وضع له، غير أنّه ليس المقصود منه إثبات ذلك المعنى على سبيل الحقيقة، بل المراد المبالغة في الأمر المقصود في ذلك المقام من المدح أو الذمّ و نحوهما.

هذا، و لا يذهب عليك أنّ الصور المذكورة كلّها مندرجة في حدّ الحقيقة على ظاهر حدّها المعروف بين علماء الاصول و البيان، لما عرفت من استعمال اللفظ في معناه الموضوع له في الجميع، مع أنّ الظاهر بعد التأمّل في الاستعمالات عدم اندراج شي‏ء منها في الحقيقة، و اتّفق الفريقان على عدّ بعضها من المجاز، و اختلفوا في الكناية فالبيانيّون جعلوها قسما برأسه، و ظاهر علماء الاصول إدراجها في المجاز، و قد نصّ عليه بعضهم بل ربّما يحكى إجماعهم عليه، و حينئذ يشكل الحال في الحدّ المشهور بالنسبة إلى كلّ من الحقيقة و المجاز.

و الذي يخطر بالبال في تصحيح هذا المرام أن يقال: إنّ المراد باستعمال اللفظ في المعنى في المقام هو إطلاق اللفظ و قصد إفادة المعنى الملحوظ بأن يكون ذلك المعنى أوّل ما يراد حقيقة من اللفظ، سواء تقدّمه مراد صوري جعل واسطة في الانتقال إليه كما في الصور المفروضة، أو لا كما في الحقائق و سائر أنحاء المجاز.

فيتفرّع على ذلك إدراج الكناية في أحد وجهيها في الحقيقة باصطلاح أهل‏

156

الاصول، و هو ما إذا أريد من اللفظ إفهام معناه الحقيقي و اريد الانتقال منه إلى لازمه أيضا، فيكون المعنيان مقصودين بالإفادة، فالمستعمل فيه- على ما قرّرنا- هو المعنى الحقيقي خاصّة، إذ ليس لازمه مرادا بالأصالة ابتداء، و إنّما اريد بتوسّط إرادة المعنى الحقيقي، فهو مدلول التزاميّ للّفظ قد صارت دلالة اللفظ عليه من جهة كونه لازما لما اريد منه مقصودا للمتكلم من غير أن يستعمل اللفظ فيه؛ و لذا لا يكون قصده لتلك الدلالة تصرّفا في اللفظ ليتوقّف جوازه على ترخيص الواضع كما هو الحال في إستعمال اللفظ في معانيه المجازيّة، فبعد إستعمال اللفظ في معناه الحقيقي و تعلّق القصد به يحصل الدلالة على ذلك اللازم قهرا، و لا يتفاوت الحال في استعمال اللفظ بين أن تكون تلك الدلالة الخارجيّة مقصودة للمتكلّم أيضا أو لا.

فالفرق بينه و بين ما إذا لم يكن المعنى الحقيقي مقصودا بالإفادة ظاهر للمتأمّل؛ لوضوح حصول التصرف في اللفظ هناك، حيث اطلق و اريد به غير معناه الموضوع له، فيتوقّف على ترخيص الواضع له لئلّا يخرج عن كلام العرب، من غير فرق بين ما يستعمل اللفظ في غير الموضوع له ابتداء و ما يجعل إرادة المعنى الموضوع له صورة وصلة إليه، فإنّه حينئذ هو الذي يستعمل اللفظ فيه على الوجهين.

فظهر بما ذكرنا عدم اندراجها إذن في استعمال اللفظ في معناه الحقيقي و المجازي معا، و سيجي‏ء لذلك مزيد توضيح في محلّه إن شاء اللّه.

فإن قلت‏ (1): إذا كان المناط في استعمال اللفظ في المعنى أن يكون ذلك‏

____________

(1) قوله: «فإن قلت: إذا كان المناط ... الخ» غرض المورد إبطال التفسير المذكور للاستعمال، بأنّه لو كان معنى استعمال اللفظ في المعنى ما ذكر من كونه مقصودا أصليّا أوّليا من اللفظ و إن تقدّمه مراد صوريّ لمجرد الايصال إليه لزم أن يكون اللفظ مستعملا في مثل التلذّذ بمخاطبة المحبوب، حيث يكون هو الغرض الأصلي من الخطاب أو في لازم الحكم، حيث يكون الغرض المسوق له الكلام إفادته فلا يكون حقيقة، ضرورة أنّ اللفظ غير موضوع لتلك الأغراض، و بطلانه ظاهر. و لو جعل الثاني كون اللفظ في الموارد المذكورة غلطا نظرا إلى انتفاء الوضع و المناسبة للموضوع له لوضوح انتفاء العلاقة المصحّحة للاستعمال بين مضمون-

157

المعنى هو المقصود الأصلي الأوّلي من العبارة بمعنى أن لا يتقدّمه مقصود أصلي آخر يكون الانتقال إليه من جهته، و إن تقدّمه إرادة معنى آخر لمجرّد الايصال إليه لزم خروج كثير من الاستعمالات عن الحقيقة، كما إذا كان الغرض المسوق له الكلام إفادة لازم الحكم أو كان‏ (1) الغرض الأصلي هو التلذّذ بمخاطبة المحبوب و نحو ذلك من الأغراض، مع أنّه من الظاهر إدراج ذلك كلّه في الحقيقة، فما الفارق في المقام؟

قلت‏ (2): من البيّن أنّ هناك لوازم لنفس الإخبار و المخاطبة و لوازم للمعنى‏

____________

- الخبر و لازم الإخبار- كما سينبّه عليه في ذيل الجواب- كان بطلان الثاني أوضح، و إنّما عدل عنه لأنّه لم يميّز بعد بين لازم الإخبار و لازم المخبر به حتّى يفرّق بينهما بانتفاء العلاقة في الأوّل و ثبوتها في الثاني، و إنّما يتضح ذلك فيما يذكره في الجواب، و إنّما اقتصر هنا على لزوم انتفاء الحقيقة. للشيخ محمّد سلّمه اللّه تعالى. [و هو ابن اخت المصنّف و تلميذه و المصحّح للطبع الحجري و كان صهرا له على بنته كما مرّ في المقدمة]. من المطبوع (1).

(1) قوله: «أو كان الغرض الأصلي هو التلذّذ بمخاطبة المحبوب ... الخ» لا يخفى و هن الإشكال المذكور بالنسبة إلى مثل التلذّذ بمخاطبة المحبوب؛ لأنّه اعتبر في الاستعمال كون المعنى مقصودا بالإفادة، و من البيّن أنّ التلذّذ و أشباهه من الأغراض ليست ممّا يقصد إفادتها للمخاطب و انتقاله إليها لوضوح عدم صلوحها للإفادة، و أنّ المتكلّم إنّما يقصد نفس حصولها في الخارج، فكان الأولى الاقتصار في تقرير الإشكال على لازم الحكم فإنّه المقصود بالإفادة للمتكلم، فجعلهما من باب واحد و الجواب عنهما بوجه واحد ليس على ما ينبغي.

للشيخ محمّد (سلّمه اللّه). من المطبوع (1).

(2) قوله: «قلت: من البيّن ... الخ» محصّل الجواب منع الملازمة المذكورة، و توضيحه أنّ المراد بما اعتبرناه في معنى الاستعمال من كون المعنى مقصودا أصليّا أن لا يكون مقصودا لمجرّد الانتقال منه إلى غيره كما هو الحال في أحد وجهي الكناية، و حينئذ فلا يلزم ما ذكر من كون اللفظ مستعملا في لازم الحكم حيث يكون المقصود بالإفادة للمتكلّم، إذ ليس المعنى الموضوع له حينئذ واسطة في الانتقال إلى اللازم المذكور؛ لوضوح أنّ الانتقال إلى اللازم إنّما يكون بتوسّط ملزومه، و المفروض أنّ ملزومه الإخبار و الحكم دون نفس المعنى الموضوع له، فإنّما يراد الانتقال إلى اللازم المفروض من ملزومه الذي هو الإخبار، و الحكم لا من نفس المعنى الموضوع له. و بالجملة: ففرق بيّن بين قولك: «زيد كثير الرماد» و غرضك من كثرة الرماد مجرّد الانتقال إلى جوده و قولك: «مات زيد» و غرضك من الإخبار بذلك‏

158

المخبر به، فإن كان المقصود بالإفادة هو اللازم على الوجه الثاني فهو يندرج في المجاز و ينطبق حدّه عليه؛ لكونه من استعمال اللفظ في غير ما وضع له مع مناسبته له، و أمّا إرادة اللازم على الوجه الأوّل فليس من استعمال اللفظ في ذلك أصلا، بل المستعمل فيه هو المعنى الحقيقي، إلّا أنّه ليس مقصود المتكلّم من الكلام إفادة مضمونه، بل سائر الفوائد المترتّب على ذلك الكلام من لازم الحكم أو غيره، فالمعنى الموضوع له مقصود بالذات من ذلك الكلام بالنظر إلى ما قصد من الألفاظ و إن لم يكن ذلك هو المقصود بالذات من التكلّم، و لا يعتبر في قصد المعنى من اللفظ بالذات أن يكون المقصود بالذات من التكلّم إفادة ذلك؛ لوضوح أنّه قد يكون المراد امورا اخر مع عدم استعمال اللفظ في شي‏ء منها.

و بتقرير أوضح: أنّ لوازم الكلام إمّا أن يكون من لوازم المعنى الموضوع له فلا يراد من الكلام إفادة الموضوع له بل إفادتها فيكون ذلك إذن من المجاز، و إمّا أن يكون من لوازم الإخبار أو التكلّم أو المخاطبة و نحوها. فكونها هي المقصودة بالإفادة لا ربط له باستعمال اللفظ، كيف و لو كان اللفظ هناك مستعملا في تلك اللوازم لزم أن يكون غلطا؛ إذ لا واسطة بين الحقيقة و المجاز، و الاستعمال الصحيح منحصر فيهما عندهم؛ و ذلك لانتفاء المناسبة بين الموضوع له و بينها، ألا ترى أنّ المعنى الموضوع له لقولك: «زيد مات» هو موت زيد بحسب الواقع‏

____________

- مجرّد انتقال المخاطب إلى علمك به، فإنّهما و إن اشتركا في أنّ المعنى الموضوع له مراد من اللفظ فيهما، إلّا أنّك في المثال الأوّل إنّما قصدت المعنى الموضوع له أعني كثرة الرماد لمجرّد الانتقال منه إلى لازمه، و في الثاني لم يقصد المعنى الموضوع له أعني موت زيد بحسب الواقع ليكون ذلك المعنى واسطة في الانتقال إلى غيره، و كون غرضك من الإخبار المذكور أن ينتقل المخاطب إلى لازم ذلك الإخبار أمر آخر لا ربط له بإرادة المعنى الموضوع له في نفسه، أي لا لأجل الانتقال منه إلى غيره، و لذا قلنا: يكون المعنى الموضوع له مقصودا أصليّا من اللفظ هنا و اللفظ مستعملا فيه و حقيقة، بخلاف الأوّل فإنّ المقصود للأصلي عن اللفظ فيه هو اللازم و اللفظ مستعمل فيه و مجاز. للشيخ محمد (سلّمه اللّه). من المطبوع (1).

159

و هو ممّا لا ربط له بعلم المتكلّم، و ليس بينهما مناسبة مصحّحة لاستعمال اللفظ الموضوع بإزائه فيه، و إنّما هو من لوازم الإخبار به حيث إنّ الإخبار بشي‏ء يقضي بعلم المخبر بمضمون ما يخبر به، فذلك من الفوائد المترتّبة على الكلام، و قد كان مقصود المخبر حينئذ هو إفادة تلك الفائدة دون الفائدة الأصليّة المترتّبة على ذلك الكلام، أعني إفادة ذلك المخبر به، و هذا ممّا لا ربط له بالمعنى الذي يستعمل فيه اللفظ أصلا.

و يعرف بالتأمّل فيما قرّرناه أنّ إرادة التذلّل و التخضّع و نحو ذلك من الكلام على الوجه المذكور كما في قولك: «أنا عبدك و مملوكك» و نحو ذلك من القسم المتقدّم، فيكون اللفظ المستعمل على ذلك الوجه مندرجا في المجاز، إلّا أنّ المجاز هناك غالبا في المركّبات، فتأمّل في المقام.

فصار المتحصّل: أنّه ليس المراد بالمستعمل فيه في المقام ما اريد من اللفظ ابتداء و لو من جهة التوصّل إلى غيره، بل المراد ما كان المقصود الأصلي الأوّلي من اللفظ إفادته، فحينئذ إن كان المقصود من اللفظ كذلك إفادة ما وضع له كان حقيقة، و إن أراد مع ذلك الانتقال إلى لازم ذلك المعنى أيضا- كما هو أحد وجهي الكناية- و إن كان المقصود كذلك إفادة غيره كان مجازا، سواء كان ذلك بتوسّط إرادة الموضوع له أو بدون توسّطها، مع قيام القرينة الصارفة عن إرادة الموضوع له مطلقا و مع عدمه، و يندرج في ذلك الوجه الآخر من الكناية، هذا على اصطلاح الاصوليّين.

و أمّا على اصطلاح البيانيّين فإن كان المقصود بالإفادة هو المعنى الموضوع له خاصّة فهو الحقيقة، و إن كان المقصود بالإفادة هو غير ما وضع له مع قيام القرينة المعاندة لإرادة الموضوع له فهو المجاز، و إن كان غير ما وضع له مقصودا بالإفادة من دون اعتبار قرينة معاندة لإرادة الموضوع له فهو الكناية، سواء كان الموضوع له مقصودا بالإفادة أيضا أو لا.

فالاصطلاح الاصولي في كلّ من الحقيقة و المجاز مغاير للاصطلاح البياني،

160

و هما بالمعنى الأوّل أعمّ مطلقا منهما بالمعنى الثاني، و لتحقيق الكلام في الكناية محلّ آخر ليس هذا موضع ذكره، و لعلّه يجي‏ء الإشارة إلى بعض منه في بحث استعمال اللفظ في حقيقته و مجازه إن شاء اللّه تعالى.

و قد ظهر بما ذكرنا أنّ استعمال الاستعارة على الوجهين المذكورين من المجاز اللفظي، إذ ليس المقصود الأصلي من اللفظ هو بيان المعنى الحقيقي، فما ذكره السكّاكي- من كونها حقيقة لغوية بناء على الوجه الأوّل و أنّ التصرف حينئذ في أمر عقلي خاصّة- ليس على ما ينبغي، فالأظهر فيها هو القول المشهور.

هذا غاية ما يوجّه به المقام، و مع ذلك فتصحيح المقصود بذلك لا يخلو عن كلام، و تطبيق الحدّ عليه لا يخلو عن خفاء، و الاتيان بمثل تلك التعبيرات في الحدود و التقسيمات غير خال عن إشكال، و كأنّ وضوح الحال عندهم من الخارج قرينة متمّمة للحدّ، فتأمّل.

[الفائدة الرابعة: أقسام الوضع باعتبار الموضوع‏]

الرابعة الوضع باعتبار الموضوع قد يكون شخصيّا و قد يكون نوعيّا، و ذلك لأنّ الواضع إمّا أن يلاحظ شخصا من اللفظ متعيّنا بمادّته و هيئته و يضعه بإزاء المعنى فالوضع فيه شخصي؛ لتعلّقه بشخص معيّن من اللفظ غير ممكن الصدق على ألفاظ مختلفة و إن كان بحسب الواقع كليّا لتعدّده بحسب تعدّد أزمنة الاستعمال و تعدّد المستعملين و لو في زمان واحد، فإنّ ذلك لا يوجب تعدّدا في نفس اللفظ، و إنّما يقضي بتعدّد الاستعمال، فوحدة اللفظ من قبيل الوحدة النوعيّة لا ينافي التكثّر في الوجود.

فليس المراد بالشخص في المقام ما لا يمكن صدقه على كثيرين كما يتراءى في بادئ النظر، بل المراد به- كما قلنا- هو اللفظ المخصوص الذي يستحيل صدقه على ألفاظ مختلفة، و حينئذ فإذا وضع ذلك اللفظ لمعنى تعيّن له حيث ما وجد من غير أن يحتاج تعيّن تلك الجزئيات له إلى معيّن آخر، بل يتعيّن له بذلك الوضع، و حينئذ فلا وجه لجعل اللفظ حال الوضع مرآة لمستعملاته و وضع‏

161

خصوص كلّ من تلك المستعملات بإزاء المعنى المقصود، فإنّ الاعتبار المذكور تعسّف ركيك لا داعي إلى الالتزام به و لا إلى احتماله في المقام مع ظهور خلافه.

و إمّا أن يلاحظ حال الوضع أمرا عامّا شاملا لألفاظ مختلفة شمول الكلّي لجزئياته أو شمول العرض لأفراد معروضه، فيضع ذلك الأمر بإزاء المعنى أو يجعل ذلك مرآة لملاحظة ما يندرج تحته من الألفاظ الخاصّة أو الخصوصيّات العارضة لها، و يضع كلّا منها بإزاء ما يعيّنه من المعنى، فيكون الوضع حينئذ نوعيّا.

أمّا على الأوّل فظاهر لكون الموضوع نفس النوع، و أمّا على الثاني فلكون النوع هو المتصوّر حال الوضع، و الأمر الموضوع حينئذ و إن كان أشخاص تلك الألفاظ أو الخصوصيّات العارضة للألفاظ الخاصّة إلّا أنّها غير متصوّرة بشخصها، بل في ضمن النوع حيث جعل تصوّر النوع مرآة لملاحظتها، فلمّا كان الملحوظ حال الوضع هو النوع و كانت الأشخاص الموضوعة متصوّرة إجمالا بتصوّر ذلك النوع عدّ الوضع نوعيّا.

فالوضع النوعي يتصوّر في بادئ الرأي على كلّ من الوجوه الأربعة المذكورة، لكنّ الوجه الأوّل منها غير حاصل في وضع الألفاظ، ضرورة تعلّق الوضع فيها بخصوص كلّ واحد منها.

و أخذ اللفظ على وجه عامّ و وضعه للمعنى من غير أن يتعلّق الوضع بلفظ مخصوص غير معهود في وضع الألفاظ، فالقول به في وضع المشتقات- بأن يجعل الموضوع هناك هو مفهوم ما كان على هيئة فاعل مثلا الصادق على تلك المصاديق من غير أن يتعلّق الوضع بخصوص شي‏ء منها- تعسّف ركيك.

و لو قلنا بوجود الكلّي الطبيعي في الخارج فإنّه إن اريد بذلك كون المفهوم المذكور موضوعا بإزاء ذلك فهو بعيد جدّا؛ إذ من الظاهر بملاحظة الاستعمالات تعلّق الوضع بنفس تلك الألفاظ، و من البيّن أنّ المفهوم المذكور ليس من قبيل اللفظ، و إنّما هو معنى صادق عليه. و إن اريد به كون مصاديق ذلك المفهوم موضوعة بإزائه فهو خروج عن الفرض.

162

و الحاصل: أنّ الظاهر تعلّق الوضع في المشتقات بخصوص كلّ من تلك المصاديق كما هو معلوم من ملاحظة العرف و اللغة، فإنّ كلّا من الضارب و الناصر و القائم و القاعد و نحوها موضوع لمن قام به كلّ من المبادئ المذكورة، لا أنّ الموضوع هناك أمر عامّ حاصل في ضمن كلّ واحد منها من غير تعلّق الوضع بتلك الألفاظ.

و ممّا قرّرنا يظهر ضعف ما ذكره بعض الأفاضل من أنّ الواضع إن كان غرضه تعلّق بوضع الهيئة أي ما كان على زنة فاعل لمن قام به المبدأ، فحينئذ إنّما وضع لفظا كليّا منطقيّا لمعنى كلّي منطقي، و كما يتشخّص كلّي اللفظ في ضمن مثل «ضارب» كذلك يتشخّص كلّي المعنى في ضمن من قام به الضرب، و لا يستلزم ذلك وضعا جزئيا لمعنى جزئي، بل لفظة «ضارب» من حيث إنّه تحقّق فيه الهيئة الكلّية موضوعة لمن قام به الضرب من حيث إنّه تحقّق فيه المعنى الكلّي، أعني من قام به المبدأ، و لا يلزم من ذلك تجوّز في لفظة «ضارب» إذا اريد به من قام به الضرب، كما أنّه لا يلزم التجوّز في إطلاق الكلّي على الفرد مثل «زيد إنسان».

و بالجملة: وضع اللفظ الكلّي للمعنى الكلّي مستلزم لوضع اللفظ الجزئي للمعنى الجزئي، لا أنّ اللفظ الجزئي موضوع للمعنى الجزئي بالاستقلال، بل بملاحظة المعنى الكلّي. انتهى.

فإنّه يرد عليه أوّلا: أنّ ما ذكره- من كون الموضوع في المقام عامّا منطقيّا و هو ما كان على زنة فاعل- غير متّجه؛ إذ قضيّة ذلك أن يكون المفهوم المذكور موضوعا بإزاء المعنى المفروض دون خصوص الألفاظ، و قد عرفت أنّه في غاية البعد.

و ثانيا: أنّ إطلاق المشتقات على معانيها بناء على ما ذكره إنّما يكون حقيقة إذا اريد بها مفهوم ما قام به المبدأ لكن على وجه مخصوص؛ ليقال إذن يكون الخصوصيّة غير مقصودة من اللفظ، فيكون من قبيل إطلاق الكلّي على الفرد على وجه الحقيقة، و ليس المقام من ذلك لما عرفت من أنّ المقصود من لفظة «ضارب»

163

مثلا هو خصوص من قام به الضرب، و ذلك من مصاديق من قام به المبدأ، و لم يؤخذ فيه ذلك المفهوم أصلا، و حينئذ فبعد القول بكون الموضوع له هو مفهوم ما قام به المبدأ كيف يعقل القول بكون استعماله فيما قام به الضرب حقيقة، و هو مفهوم مغاير للمفهوم المذكور قطعا.

و ما ذكره من التنظير غير منطبق عليه، فإنّ المراد بالإنسان هناك هو مفهوم الإنسان، و قد حمل على زيد لاتّحاده معه، و أين ذلك ممّا نحن فيه، و المثال الموافق للمقام إطلاق الماشي و إرادة مفهوم الحيوان منه، نظرا إلى صدق مفهوم الماشي عليه، و لا ريب أنّه ليس استعمالا له في الموضوع له أصلا، و قد يكون ذلك في بعض الصور غلطا.

و ثالثا: أنّه لو سلّم كون ذلك استعمالا له في المفهوم المذكور المأخوذ مع الخصوصية فلا شكّ أنّه ليس المراد به مطلق ذلك المفهوم لتكون الخصوصية مرادة من الخارج، بل لا ريب في إرادة الخصوصية من اللفظ، إذ ليس المفهوم من لفظة «ضارب» إلّا خصوص من قام به المبدأ الذي هو الضرب، فليست تلك الخصوصيات مرادة إلّا من نفس اللفظ، و لا شكّ في كون إطلاق الكلّي على الفرد مجازا إذا اريد الخصوصية من اللفظ.

و قد يذبّ عنه: بأنّ الخصوصية المذكورة إنّما تراد من المادّة، فمعناه الهيئي على حاله من غير تصرّف فيه سوى إطلاقه على ذلك، و يمكن دفع الوجه الثاني بما سيأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه تعالى لو صحّ حمل كلامه عليه.

هذا، و قد يستدلّ على عدم كون الموضوع في المقام عامّا بأنّه لو كان كذلك لزم أن لا يكون شي‏ء من استعمالات خصوصيات الصيغ حقيقة- ضرورة عدم تعلق الوضع بخصوص كلّ من تلك الأفراد المندرجة تحت ذلك الأمر العام- و لا مجازا أيضا، إذ ليس ذلك من استعمال اللفظ الموضوع في غير ما وضع له من جهة علاقته للموضوع له، بل استعمال لغير اللفظ الموضوع فيما وضع له ما يناسب ذلك اللفظ، فهو على عكس المجاز لكون وضع اللفظ هناك لمعنى مخصوص، فيستعمل‏

164

ذلك اللفظ في غيره لعلاقته له، و هنا قد تعلّق الوضع للمعنى بلفظ مفروض، فيستعمل غيره فيه لارتباطه بذلك اللفظ ارتباط الخاصّ بالعامّ و المقيّد بالمطلق.

و بالجملة: أنّ الوضع المتعلّق بالكلّي على ما فرض في المقام لا يسري إلى أفراده، فهي باقية على إهمالها فلا يصحّ استعمالها، و مع الغضّ عن ذلك فغاية الأمر أن تكون تلك الاستعمالات مجازات أو واسطة بين الحقيقة و المجاز لو قلنا بثبوت الواسطة بينهما، و على أيّ من الوجهين فلا شكّ في خروج ذلك عن مقتضى الظاهر، فلا وجه للالتزام به في جميع تلك الاستعمالات من غير باعث عليه.

و فيه: أنّ وضع الكلّي لمعنى قاض بموضوعيّة جميع جزئيّاته من حيث اتّحادها بتلك الطبيعة الكلية كما هو الحال في الأوضاع الشخصيّة حسب ما عرفت، فليس المستعمل حينئذ مغاير للموضوع حتى يرد ما ذكر لما تقرّر من اتّحاد الطبيعة الكليّة مع أفرادها في الخارج.

و اجيب عنه: بأنّ المستعمل هنا إنّما هو خصوص الجزئيات المتقوّمة بخصوص المواد لا مطلق النوع الكلي المتّحد معها، إذ المفهوم من لفظة «ضارب» مثلا هو الذات المتّصفة بالضرب، و هو مدلوله المطابقي المعلوم بالرجوع الى العرف، و اللغة، و لو كان استعماله بملاحظة النوع الكلّي الحاصل في ضمنه لكان معناه مطلق الذات المتّصفة بالمبدأ، من غير أن يؤخذ فيه الاتّصاف بخصوص الضرب أصلا؛ لوضوح عدم وضع النوع لتلك الخصوصيّة مع أنّها مستفادة من نفس اللفظ قطعا، و لا يتمّ ذلك إلّا بالقول بتعلّق الوضع بخصوص كلّ من تلك الألفاظ الخاصّة.

و ما قد يقال من أنّ استفادة تلك الخصوصية إنّما تجي‏ء من ملاحظة وضعها المادّي المتعلّق بالمبدأ المخصوص فبعد انضمام الوضع الكلّي إلى ذلك يكون مفاد المشتقّ وضعا خصوص المعنى المذكور.

فمدفوع: بأنّ اعتبار خصوصية المادّة غير قاض بذلك أيضا، أمّا إذا قيل بأنّ وضعها الكلّي للدلالة على ذات ما ثبت له المبدأ مطلقا فظاهر، إذ المستفاد حينئذ

165

من خصوص تلك الألفاظ بعد ملاحظة الوضعين هو ذلك المعنى و معنى المادّة، و أين ذلك من مفاد المشتقات؟ كضارب و نظائره.

و أمّا إذا قيل بوضعها للدلالة على ذات ما ثبت له خصوص المبدأ المقترن به فلأنّ المفهوم المذكور أيضا أمر عامّ حاصل في جميع المشتقات، غاية الأمر أن يلزم من ذلك بعد ملاحظة وضع المادّة كون تلك الذات متّصفة بالمبدأ المخصوص كالضرب مثلا، فلا يكون خصوص ذات ثبت له الضرب معنى مطابقيّا لضارب، بل أمرا حاصلا بالالتزام من ملاحظة وضعه النوعي المتعلّق بالهيئة و الشخصي المتعلّق بالمادة، و من المعلوم خلافه، إذ ليس مفاد ضارب ابتداء إلّا ذات ثبت له الضرب لا ذات ثبت له المبدأ المقترن بالهيئة المخصوصة الذي هو الضرب بملاحظة معناه المادّي، فيفهم بعد ملاحظة الأمرين أنّ الضارب من ثبت له الضرب، و ما يتوقّف فهمه من اللفظ على ملاحظة وسط لا يكون اللفظ موضوعا بإزائه، ضرورة عدم الحاجة في فهم المعنى الحقيقي بعد العلم بالوضع إلى وسط يكون الانتقال من جهته.

و فيه: أمّا أوّلا: فبأنّ وضعها الهيئي لمن قام به المبدأ ليس على نحو يتكرّر ملاحظة المبدأ في الصيغ المندرجة تحت ذلك العنوان- بأن يلاحظ تارة مبادئها الخاصّة الموضوعة بالأوضاع الشخصيّة ثمّ يلاحظ فيها المبدأ على سبيل الإجمال؛ نظرا إلى أخذها كذلك في وضعها الهيئي حتّى يكون الحال فيها على ما ذكر- بل ليس مدلول كلّ من تلك الصيغ بملاحظة الوضعين المذكورين إلّا من قام به ذلك المبدأ الخاصّ الحاصل فيها، غير أنّ دلالتها على المادّة بملاحظة وضعها المادّي و دلالتها على من يقوم به ذلك بوضعها النوعي الكلّي، فالموضوع له بوضعها الهيئي هو الذات من حيث قيام المبدأ بها، فمعناها الهيئي مفهوم ناقص تعلّقي لا يتمّ إلّا بمادّتها، فأخذ المادّة في معناها الهيئي إنّما هو لكونها من متمّمات ذلك المفهوم لا لكونها جزء منه، بل لتوقّف تصورها عليها فحيث كان وضعها الهيئي منوطا بوضعها المادي و كان معناها الهيئي مرتبطا في ذاته بمعناها المادّي‏

166

لزم أخذ معناها المادّي في معناها الهيئي ليصحّ بذلك تصوّره، فالمادّة المأخوذة في وضعها الهيئي مرآة لملاحظة معناها المادّي على سبيل الكلّية، و الإجمال قد اخذت فيه لتوقّف تصوّره عليها، فإذا فرض قيام تلك الهيئة بمادّة مخصوصة تعيّن ذلك الكلّي في ضمن ذلك و كان مفاد الهيئة هو من قام به ذلك المبدأ فإرادة خصوص من قام به ذلك المبدأ الخاصّ ليس خروجا عن معناها الموضوع له، و لا متوقّفا فهمه على ما يزيد على ملاحظة الوضعين المذكورين، إذ التعيين المذكور من لوازم ذلك المعنى حيث اخذ في مفهومه الارتباط إلى الغير، فمع تعيّن ذلك الغير بوضعها المادّي لا بدّ من تعيينه.

فظهر بما قرّرنا أنّ ما ذكر- من توقّف دلالة الضارب على ذات ثبت له الضرب على ملاحظة الوسط بناء على كون ما وضع له الهيئة كليّا- إن اريد به عدم كفاية وضع الهيئة فيه بل لا بدّ من ملاحظة وضع المادة أيضا فهو ممّا لا كلام فيه؛ لوضوح عدم تماميّة وضع تلك الألفاظ بناء على الوجه المذكور إلّا بهما؛ لما عرفت من ارتباط وضعها الهيئي بالمادّي.

و إن اريد توقّف الفهم المذكور بعد ملاحظة الوضعين إلى وسط- كما هو مبنى الكلام المذكور- فهو ممّا لا وجه له؛ ضرورة تعيّن معناها الهيئي بذلك بعد تعلّق الهيئة بمادّة مخصوصة حسب ما بيّناه، فينتقل الذهن إلى المعنى المذكور بمجرّد ملاحظة تلك المادة و الهيئة المقترنتين من غير حاجة إلى الوسط أصلا، فتأمّل.

و أمّا ثانيا: فبأنّ ذلك على فرض تسليمه إنّما يفيد عدم وضع النوع‏ (1) المذكور لذات ثبت له المبدأ على سبيل الإطلاق، و أمّا إن قيل بوضعه لجزئيات المفهوم المذكور فلا مانع منه أصلا، فغاية الأمر أن يكون الوضع هناك عامّا و الموضوع له خاصّا، أعني خصوص الذات المقترنة بخصوص الموادّ المفروضة، فيكون الموضوع له للنوع الكلّي الحاصل في ضمن ضارب هو الذات المتّصفة بمبدأ الضرب و إن كان ذلك ملحوظا بعنوان كلّي، إذ لا يلزم من ملاحظته على نحو كلّي‏

____________

(1) كذا في الأصل و في المطبوع (1): وضعه النوعي.

167

أن يكون الموضوع له أيضا كلّيا، و لا أن يكون خصّص ذلك المفهوم ملحوظة بخصوصها في الخصوصيات التي وضعت بإزائها.

فتبيّن بما قرّرناه أنّه كما يراد دفع الإشكال المذكور بجعل الوضع في الموضوع عامّا و الموضوع [له‏] (1) خصوص الجزئيات كذا يمكن دفعه بجعل الوضع في الموضوع له عامّا و الموضوع له خصوص الجزئيّات و إن كان الموضوع عامّا.

على أنّا نقول: يتوقّف اندفاع الإشكال المذكور على جعل الموضوع له هناك خاصّا، إذ لا يندفع الإشكال بمجرّد جعل الموضوع خصوص الجزئيات و إن كان الموضوع له مطلق ما قام به المبدأ بأيّ من الوجهين المذكورين، و إذا جعل الموضوع له خصوص تلك الجزئيات فقد اندفع الإشكال من غير حاجة إلى جعل الموضوع أيضا خصوص الجزئيات كما هو المدّعى.

فدفع الإشكال المذكور بمجرّد جعل الموضوع خصوص الجزئيات- كما يتراءى من التقرير المذكور- كما ترى، و القول باستلزام خصوصية الموضوع كون الموضوع له أيضا خاصّا بيّن الفساد.

فظهر بذلك أنّ الاستناد في إبطال عموم الموضوع في المشتقات إلى ما ذكر غير ظاهر، و أنّ الظاهر الاستناد فيه إلى ما أشرنا إليه، فظهر أيضا صحّة وقوع الوضع النوعي على الوجه الثاني من الوجوه الأربعة المذكورة دون الأوّل.

و قد يقال بكون الوضع النوعي المتعلّق بالمشتقات على أحد الوجهين الأخيرين، و ذلك بأن يقال: إنّ هناك وضعين تعلّقا بتلك الألفاظ: أحدهما بالمواد المعروضة لتلك الهيئات، و الآخر بالهيئات العارضة لها، و دلالة تلك الألفاظ على معانيها باعتبار الوضعين المذكورين، فالموضوع بالوضع الأوّل خصوص المادّة المعروضة و وضعه شخصي، و الموضوع في الثاني كلّي و مدلوله أيضا مثله، و خصوص الجزئيات المندرجة تحته و كون مفاد ضارب من قام به الضرب‏

____________

(1) ما بين المعقوفتين من المطبوع (1).

168

إنّما حصل من الوضعين المذكورين.

و قد نصّ بعض الأفاضل بأنّ الهيئة من حيث هي لا تدلّ إلّا على الأمر الكلّي و الخصوصية مدلول المادّة، فعلى هذا يكون الوضع هناك على الوجه الثالث، و لو قلنا بكون الهيئة المفروضة مرآة لملاحظة جزئيّات الهيئات العارضة لقائم و قاعد و نائم و نحوها و الموضوع خصوص تلك الجزئيات كان من قبيل الرابع، و على أيّ من الوجهين المذكورين يكون الوضع المتعلّق بتلك الهيئات مقيّدا بما إذا كانت عارضة لمادّة موضوعة متصرّفة، و الوضع المتعلّق بالموادّ بما إذا كانت معروضة لهيئة موضوعة، فيكون الوضع المتعلّق بموادها مغايرا للوضع المتعلّق بمصادرها، إذ ذلك الوضع غير كاف في موضوعيّة المواد الحاصلة في ضمن هيئات المشتقّات، ضرورة اختصاص ذلك الوضع بتلك الهيئة الخاصّة العارضة للمصادر، فلا يعقل موضوعيّة الموادّ الحاصلة في المشتقات بذلك الوضع.

هذا غاية ما يوجّه به احتمال كون الوضع في المشتقات على أحد الوجهين‏ (1) المذكورين، لكنّه ضعيف أيضا؛ لما عرفت من بعد تعلّق الوضع فيها بغير اللفظ، و لزوم التعسّف البيّن في التزام تعلّق وضعين بلفظ واحد، إذ الظاهر عدم تعدّد الوضع المتعلّق بكل من الألفاظ، فالهيئة و المادّة المعروضة لها موضوعة بوضع واحد نوعيّ، كما أشرنا إليه.

و ما يقال من كون وضع موادّ المشتقّات شخصيّا فإنّما يعني به الأوضاع المتعلّقة بمصادرها لا الموادّ الحاصلة في ضمنها، أو أنّه لما كان المنظور في الوضع المذكور هو دلالة المادّة على الحدث و دلالة الهيئة على اعتبار ذلك الحدث جاريا على الذات نزّل ذلك منزلة وضعين، و كان وضعه بالنسبة إلى الأوّل شخصيّا؛ لاختصاصه بالمادّة المعيّنة تسرية إليها من المبدأ من جهة الوضع المذكور،

____________

(1) و ربّما يقال بناء على أحد الوجهين المذكورين بكون وضعها المادّي تابعا لما ذكر من أوضاع هيئآتها حاصلا بتعلّق الوضع بها من غير أن يتعلّق بها وضع آخر، و هو أيضا كما ترى.

(منه (رحمه اللّه)).

169

و بالنسبة إلى الثاني نوعيا كلّيا، ثمّ إنّه يجري في إبطال تعدّد الوضع في المقام ما مرّ من الكلام.

و يدفعه أيضا ما عرفت من الجواب، نعم يندفع به القول بكون مفاد الهيئة مفهوم من قام به المبدأ كما قد يستفاد من كلمات بعضهم، و قد مرّ الكلام فيه.

و كيف كان، فظهر بذلك أيضا عدم كون وضع المشتقات على أحد الوجهين الأخيرين.

نعم، إن قلنا بثبوت الوضع في المركّبات فالظاهر كون الموضوع فيها نفس الهيئات العارضة، إذ يبعد جدا التزام وضع هناك في مجموع الجملة، بأن تكون تلك الألفاظ المجتمعة المعروضة للهيئات المفروضة موضوعة ثانيا بوضع وحداني متعلّق بالمجموع، كما لا يخفى.

فما يستفاد من كلام بعض الأجلّة- من كون الحال في المركّبات على نحو المشتقات- محلّ نظر.

و حينئذ فيحتمل تعلّق الوضع بتلك الهيئات على كلّ من الوجهين المذكورين، و الأظهر كون الموضوع حينئذ مطلق الهيئة فيسري الوضع إلى جزئياتها لانطباقها معها، إذ لا داعي إلى التزام تعلّق الوضع بجزئيات ذلك المفهوم كما قلنا به في المشتقات، لكن ستعرف أنّ الأظهر عدم ثبوت وضع في المركّبات، فلا يظهر بما ذكر وقوع الوضع النوعي على شي‏ء من الوجهين المذكورين.

نعم، لا يبعد القول به في كثير من الأوضاع الكلّية المذكورة في العربية، فإنّ كلّا من تلك القواعد حكم وضعي صادر من الواضع، فهي مندرجة في الأوضاع النوعيّة على أحد الوجهين المذكورين، إذ ليس الموضوع هناك خصوص اللفظ، بل ما يلابسه من الأعاريب و العوارض اللاحقة له.

و الأظهر كون الموضوع هناك عامّا دون كلّ من الخصوصيات المندرجة تحته، إذ لا داعي إلى الاعتبار المذكور و العدول عن وضع الأمر المتصوّر إلى جعله مرآة لوضع جزئياته، حسب ما أشرنا إليه.

170

و من جملة الأوضاع النوعية: الوضع الحاصل في المجازات، و فيه عموميّة من جهة اللفظ و المعنى، إذ لم يلحظ فيه خصوص مادّة و لا هيئة و لا خصوص معنى دون آخر، و حيث إنّ الوضع هناك غير قاض بتعيين اللفظ للمعنى- بحيث يفيد دلالة اللفظ عليه على ما هو الحال في الأوضاع الحقيقية، بل الدلالة الحاصلة في اللفظ هناك إنّما هي من جهة القرينة، و إنّما يثمر الوضع المذكور جواز استعمال اللفظ فيه بحسب اللغة لا غير، كما مرّت الإشارة إليه- لم يندرج ذلك في الوضع بمعناه المعروف؛ و لذا قالوا باختصاص الوضع بالحقائق، و جعلوا المجاز خاليا عن الوضع و استعمالا للّفظ في غير ما وضع له، إلّا أنّ الترخيص الحاصل من الواضع في استعمال اللفظ فيه دون المعاني الخالية عن تلك العلاقة نحو من الوضع بمعناه الأعمّ، و بهذا الاعتبار صحّ شمول الوضع له، و ربّما يسمّى الوضع الحاصل فيه ترخيصا، و يمكن اعتبار الموضوع هناك عامّا منطقيّا، فيكون كلّ من الوضع و الموضوع عامّا و عامّا اصوليّا ليكون الوضع عامّا و الموضوع خاصّا؛ لصحّة وقوع الترخيص على كلّ من الوجهين المذكورين من غير تفاوت في المقام بين كلّ من الاعتبارين.

و من الوضع النوعي الترخيصيّ: وضع التوابع اللاحقة للكلمات، كقولهم:

عطشان بطشان، و خراب يباب و هرج مرج و نحوها، فإنّ تلك الألفاظ و إن كانت مهملة في أصلها إلّا أنّ الواضع قد رخّص في إستعمالها في مقام الاتباع إشباعا و تأكيدا، و ذلك أيضا نحو من الوضع حسب ما أشرنا إليه.

و من الوضع الترخيصيّ النوعي أيضا: وضع الحكايات بإزاء المحكي، و الثمرة المتفرّعة على الترخيص المذكور جواز استعمال اللفظ في ذلك بحسب اللغة دون إفادته الدلالة عليه؛ لحصولها بدون اعتباره، كما أشرنا إليه في المجاز.

[الفائدة الخامسة: أقسام الوضع باعتبار الموضوع له‏]

الخامسة ينقسم الوضع باعتبار الموضوع له و المعنى المتصوّر حال الوضع إلى أقسام أربعة:

171

و تفصيل القول في ذلك: أنّ من البيّن توقّف الوضع على ملاحظة المعنى و تصوّره، و حينئذ فإمّا أن يكون المعنى الذي يتصوّره حين الوضع أمرا جزئيا غير قابل الصدق على كثيرين، أو كلّيا شاملا للجزئيات. و على التقديرين فإمّا أن يضع اللفظ لعين ذلك المعنى الذي تصوّره، أو لغيره ممّا يعمّه أو يندرج تحته بأن يجعل ذلك المعنى عنوانا له و مرآة لملاحظته ليصحّ له بذلك وضع اللفظ بإزائه.

فهذه وجوه أربعة لا سبيل إلى الثاني منها، ضرورة أنّ الخاصّ لا يمكن أن يكون عنوانا للعامّ و مرآة لملاحظته إلّا أن يجعل مقياسا لتصوّره، كأن يتصوّر جزئيا من الجزئيّات و يضع اللفظ بإزاء نوعه، و هو خروج عن المفروض؛ لتصوّر ذلك الأمر العام حينئذ بنفسه و إن كان ذلك بعد تصوّر الخاص، فبقي هناك وجوه ثلاثة:

أحدها: أن يتصوّر معنى جزئيّا غير قابل الصدق على كثيرين و يضع اللفظ بإزائه، فيكون الوضع خاصا و الموضوع [له‏] (1) أيضا خاصّا، و لا خلاف في وقوعه كما هو الحال في الأعلام الشخصيّة، و في معناه ما إذا تصوّر مفهوما جزئيّا و جعله مرآة لملاحظة مفهوم آخر يتصادقان، فيضع اللفظ بإزاء ذلك الآخر كما إذا تصوّر زيدا بعنوان هذا الكاتب و وضع اللفظ بإزائه.

ثانيها: أن يتصوّر مفهوما عامّا قابل الصدق على كثيرين و يضع اللفظ بإزائه، فيكون كلّ من الوضع و الموضوع له عامّا، و هو أيضا ممّا لا كلام في تحقّقه كما هو الحال في معظم الألفاظ.

و مناقشة بعض الأفاضل- في جعل هذه الصورة من قبيل الوضع العامّ نظرا إلى أنّه لا عموم في الوضع لتعلّقه إذن بمفهوم واحد- ليس في محلّها؛ بعد كون المقصود من عموم الوضع- كما نصّوا عليه و نبّه عليه ذلك الفاضل- عموم المعنى الملحوظ حال الوضع لا نفس الوضع، فلا مشاحة في الاصطلاح.

و مع الغضّ عن ذلك فعموم الموضوع له و شموله لأفراده يقضي بعموم الوضع‏

____________

(1) ما بين المعقوفتين من المطبوع (1).

172

أيضا؛ لسريانه إلى جميع المصاديق المندرجة في ذلك الأمر العام، فيصحّ إطلاق ذلك اللفظ عليها على سبيل الحقيقة من حيث انطباقها على تلك الطبيعة المتّحدة معها.

و حيث إنّ العامّ الملحوظ في المقام هو العام المنطقي فلا يندرج فيه العام الاصولي؛ لعدم صدقه على كلّ من جزئياته، فعلى هذا قد يتوهّم كون الوضع فيه من قبيل القسم الأوّل و ليس كذلك، فإنّ معنى العموم أيضا كلّي منطقي بالنسبة إلى موارده و إن لم يكن كذلك بالنظر إلى الجزئيّات المندرجة فيه، فإنّ العموم الحاصل في كلّ رجل غير الحاصل في كلّ امرأة و هكذا، و الملحوظ في وضع «كلّ» للعموم هو المعنى الشامل للجميع، و هكذا الكلام في نظائره، فهي مندرجة في هذا القسم قطعا، نعم لا يندرج فيه نحو «كلّ إنسان» إلّا أنّه لم يتعلّق هناك وضع بمجموع اللفظين، و الوضع عام بالنسبة إلى كلّ منهما.

و من هذا القبيل الوضع المتعلّق بأسماء الأجناس و أعلامها و إن اخذ في الأخير اعتبار التعيّن و الحضور في الذهن، فإنّ ذلك أيضا أمر كلّي ملحوظ في وضعها على جهة الإجمال، فتعريفها من الجهة المذكورة مع اختلاف حضورها باختلاف الأذهان و الأشخاص لا يقضي بتعلّق الوضع بالخصوصيّات، على أنّه لو فرض أخذ كلّ من تلك الخصوصيات في وضعها فهو لا يقضي بتعدّد المعنى، إذ المفروض أنّ الموضوع له نفس الطبيعة الكلّية و تلك الخصوصيات خارجة عن الموضوع له. و من ذلك أيضا أوضاع النكرات و المشتقات.

و قد يشكل الحال في المشتقات نظرا إلى أنّ الملحوظ في أوضاعها هو المعنى العامّ الشامل لخصوص كلّ من المعاني الخاصّة الثابتة (1) لكلّ ما يندرج في الصيغة المفروضة دون خصوص كلّ واحد واحد منها، مع أنّ الموضوع له هو تلك الخصوصيات، فيكون مرآة الوضع هناك عامّا و الموضوع له خصوص جزئيّاته؛ و لذا اختار العضدي فيها ذلك و جعلها كالمبهمات، و كون كلّ من تلك المعاني‏

____________

(1) في المطبوع (1): الشاملة.

173

الخاصّة أيضا عامّة شاملة لما تحتها من الأفراد لا ينافي ذلك، إذ لا يعتبر في القسم الثالث أن يكون الموضوع له خصوص الجزئيّات الحقيقية.

و يمكن دفعه: بأنّه لمّا كان كلّ من تلك الألفاظ الخاصّة متصوّرا إجمالا في ضمن الأمر العامّ الملحوظ للواضع حين وضعه النوعي كان كلّ من معانيها متصوّرة على سبيل الإجمال أيضا، لكن الوضع المتعلّق بتلك الجزئيّات إنّما تعلّق بكلّ منها بالنظر إلى معناه المختصّ به حسب ما مرّ في بيان الوضع النوعي، فلفظة «ضارب» إنّما وضعت في ضمن ذلك الوضع لخصوص من قام به الضرب، و لفظة «عالم» لخصوص من قام به العلم ... و هكذا، فينحلّ الوضع المذكور إلى أوضاع شتّى متعلّقة بألفاظ متعدّدة لمعان مختلفة، فالوضع المتعلّق بكلّ لفظ من تلك الألفاظ إنّما هو لما يقابله من المعنى، فالمعنى الملحوظ في وضع كلّ منها عامّ و الموضوع له أيضا ذلك المعنى لا خصوص جزئيّاته، فملاحظة ما يعمّ خصوص كلّ من تلك المعاني حين الوضع إنّما هي من جهة ملاحظة ما يعمّ مخصوص كل واحد من تلك الألفاظ المتعيّنة بإزاء كلّ منها، فحيث لم يلحظ لفظا مخصوصا لم يلحظ هناك معنى خاصّا. و أمّا إذا لوحظ كلّ لفظ منها بإزاء ما يخصّه من المعنى كان كلّ من الوضع و الموضوع له بالنسبة إليه عامّا بتلك الملاحظة التي هي المناط في وضع كلّ من تلك الألفاظ بحسب الحقيقة.

فإن قلت: إنّ شيئا من تلك المعاني الخاصّة لم يلحظ حين الوضع بخصوصه، و إنّما الملحوظ هو مفهوم من قام به مبدؤه، و هو أمر عامّ شامل للجميع فكيف يتصوّر القول بكون كلّ من المعاني الخاصّة ملحوظة للواضع؟

قلت: إنّ كلّا من تلك المعاني و إن لم يكن ملحوظا بنفسه لكنّه ملحوظ بما يساويه و يساوقه، فإنّ مفهوم من قام به مبدؤه إذا لوحظ بالنظر إلى خصوص كلّ واحد من الألفاظ المختلفة في المبادئ كقائم و قاعد و نائم و نحوها انطبق على المفهوم المراد من كلّ واحد منها من غير أن يكون أعمّ منه، فلا يكون المعنى الملحوظ في وضع كلّ من تلك الألفاظ لمعناه ما يعمّ ذلك المعنى و غيره و إن لم‏

174

يكن كلّ من تلك المفاهيم الخاصّة ملحوظة بخصوصها، إذ لا يعتبر فيما يكون كلّ من الوضع و الموضوع له فيه عامّا أن يكون الموضوع له متصوّرا على سبيل التفصيل، بل لو جعل بعض وجوهه عنوانا لتصوّره فوضع اللفظ بإزائه كان جائزا- كما مرّ نظيره- فيما يكون فيه كلّ من الوضع و الموضوع له خاصّا.

و الحاصل: أنّ مفهوم من قام به المبدأ ليس ممّا تعلّق الوضع به على إطلاقه و لا لجزئيّاته من حيث انطباقها على ذلك المفهوم كما هو الحال في أسماء الإشارة و نحوها، بل جعل المفهوم المذكور عنوانا لإحضار تلك المفاهيم المختلفة المندرجة تحته على حسب ملاحظة الألفاظ الموضوعة في ضمن الأمر العامّ المفروض، فوضع كلّ من تلك الألفاظ المختلفة الملحوظة على سبيل الإجمال لكلّ من تلك المفاهيم المختلفة المساوية للمفهوم المذكور بعد ملاحظة المادّة الخاصّة المعتبرة في كلّ لفظ من تلك الألفاظ المخصوصة، فملاحظة تلك المعاني على سبيل الإجمال إنّما هي لكون الألفاظ الموضوعة بإزائها ملحوظة كذلك، و تلك الملاحظة الإجمالية منزّلة منزلة التفصيل في وضع كلّ لفظ منها لمعناه الخاصّ به، كما إذا ذكر ألفاظ مخصوصة و معان خاصّة و قال: وضعت كلّا من الألفاظ المذكورة لكلّ من تلك المعاني المفروضة، فإنّه و إن أخذ الألفاظ و المعاني حال الوضع على نحو إجمالي إلّا أنّه منزّل منزلة التفصيل كما مرّت الإشارة إليه.

فالفرق بين المشتقّات و أسماء الإشارة و نحوها ظاهر لا سترة فيه، فإن اريد بكون الوضع فيها عاما و الموضوع له خاصّا جعلهما من قبيل واحد فهو واضح الفساد، و إن اريد به كون تلك المفاهيم المختلفة ملحوظة في الوضع النوعي المتعلّق بها بلحاظ واحد فهو ممّا لا ريب فيه و إن انحلّ ذلك في الحقيقة إلى أوضاع عديدة و تعيّن بسببه ألفاظ متعدّدة لمعان كلّية مختلفة، فيشبه أن يكون الاختلاف في ذلك لفظيا؛ نظرا إلى اختلاف الاعتبارين المذكورين.

و قد ظهر بما قرّرناه أنّه لو قلنا بكون الموضوع في المقام هو ما تصوّره الواضع من المفهوم الكلّي- أعني مفهوم ما كان على هيئة فاعل مثلا- دون‏

175

خصوصيّات الألفاظ المندرجة تحت المفهوم المذكور و الموضوع له هو الجزئيّات المندرجة تحت مفهوم ما قام به مبدؤه كان الوضع هناك عامّا و الموضوع له خاصّا من غير إشكال، كما أنّا إذا قلنا بكون الموضوع له أيضا ذلك المفهوم مطلقا كان كلّ من الوضع و الموضوع له عامّا قطعا.

و إنّما يجري الوجهان المذكوران إذا قلنا بكون الموضوع خصوص جزئيات المفهوم المذكور لخصوص جزئيات المفهوم الآخر؛ لما عرفت حينئذ من حصول الاعتبارين، و إن كان الأظهر حينئذ هو ما عليه جماعة من المحقّقين من كون كلّ من الوضع و الموضوع له في كلّ من تلك الألفاظ المندرجة في ذلك العنوان عامّا، كما ظهر ممّا ذكرناه.

ثالثها: أن يتصوّر معنى عامّا و يضع اللفظ بإزاء جزئيّاته، فيكون الوضع عامّا و الموضوع له خاصا، سواء كان الموضوع له هناك جزئيّات حقيقيّة أو إضافيّة، و ما يظهر من كلام بعضهم من اختصاصه بالأوّل غير متّجه، كيف و لا يجري ذلك في كثير ممّا جعلوه من هذا القسم كالحروف، فإنّها و إن وضعت عندهم لخصوص المعاني المتعيّنة بمتعلّقاتها إلّا أنّها مع ذلك قد تكون مطلقة قابلة للصدق على كثيرين، كما في قولك: «كن على السطح» و «كن في البلد» و نحوهما، فإنّ كلّا من الاستعلاء و الظرفيّة المتعيّنين بمتعلّقاتهما في المثالين قد استعمل فيهما لفظة «على» و «في» لكنّهما مع ذلك صادقان على أفراد كثيرة لا تحصى.

و بالجملة: أنّ مفاد «على» و «في» في المثالين المذكورين قد جعل مرآة لملاحظة حال الكون الكلّي بالنسبة إلى السطح و البلد، فهو تابع له في الكلّية و إن كان ذلك جزئيا إضافيّا بالنسبة إلى مطلق الاستعلاء و الظرفيّة، و كذا الحال في أسماء الإشارة إن قلنا بوضعها للأعمّ من الإشارة الحسّية و غيرها، فإنّ الكلّيات يشار إليها بعد ذكرها.

و ما قيل من أنّ الكلّي المذكور من حيث إنّه مذكور بهذا الذكر الجزئي صار في حكم الجزئي، فاستعملت لفظة «هذا» فيه من تلك الحيثية، فهو جزئي بتلك الملاحظة.

176

مدفوع: بأنّ تلك الحيثية إنّما تصحّح الإشارة إليه، و أمّا المشار إليه فهو نفس الماهيّة من حيث هي، ألا ترى أنّك لو قلت: وضع لفظ الإنسان للحيوان الناطق و ذلك المعنى عامّ لم ترد بذلك إلّا الإشارة إلى ذلك المفهوم من حيث هو، لتحكم عليه بالعموم لا إلى خصوص ذلك المفهوم الخاصّ من حيث تقيّده بالحضور في ذهنك أو ذهن السامع و إن كان ذلك الحضور مصحّحا للإشارة إليه كما هو الحال في المعهود، ينبّهك على ذلك ملاحظة الاسم المعرّف الواقع بعد ذلك في المثال المذكور، إذ لا ينبغي التأمّل في كونه كلّيا مع أنّه إشارة إلى المذكور أوّلا، و هو عين ما اريد بذلك، و إن قلنا بوضعها لخصوص الإشارة الحسّية تعيّن وضعها للجزئيّات الحقيقيّة، فتكون الإستعمالات المذكورة مجازية.

و أمّا الضمائر فلا ينبغي التأمّل في إطلاقها على المفاهيم العامّة فيما إذا كان مرجعها كلّيا، غاية الأمر أن لا يراد به الطبيعة المرسلة بل بملاحظة تقدّمها في الذكر، و ذلك لا يقضي بصيرورتها جزئيا حقيقيّا كما عرفت، فما في كلام بعضهم- من الحكم بوضع الضمائر و أسماء الإشارة لخصوص الجزئيّات الحقيقية لكون التعيّن فيهما بأمر حسّي يفيد الجزئية- ليس على ما ينبغي، كما عرفت الوجه فيه.

و أمّا الموصولات فوضعها- بناء على القول المذكور- للأعمّ من الوجهين أمر ظاهر لا سترة فيه، فإنّ غاية ما اخذ فيها من الخصوصية هي التعيّنات الحاصلة بصلاتها، و من البيّن أنّ التعيّن الحاصل بها كثيرا ما يكون أمرا كلّيا، كما في قولك:

«أكرم الذي أكرمك» و «أعط من جاءك» و نحو ذلك، و ممّا يوضّح الحال فيها ملاحظة الموصولات المأخوذة في الحدود، فإنّها إنّما اوتيت بها لبيان المفاهيم الكلّية، فلا يراد هناك من الموصول إلّا أمرا كلّيا.

و من الغريب ما يوجد في كلام بعض الأفاضل و حكي التصريح به عن العضدي في رسالته الوضعيّة من كون الموضوع له في كلّ من المبهمات الثلاثة جزئيا حقيقيّا.

و أجاب عمّا ذكره بعضهم- من كون الصلة في نفسها أمرا كلّيا و ضمّ الكلّي‏

177

إلى الكلّي لا يفيده تشخّصا- بأنّ التشخّص الحاصل في المقام ليس بمجرّد ضمّ ذلك الكلّي إليه، بل من جهة الإشارة به إلى ذاته المخصوصة، كما في قولك: «الذي كان معنا أمس» قال: و ذلك نظير إضافة النكرة إلى المعرفة الباعثة على تعريفها، كما في قولك: «غلام زيد» فإنّه و إن كان ذلك المفهوم كلّيا أيضا إلّا أنّ المقصود بالإضافة هو الإشارة إلى غلام شخصيّ.

و فيه: أنّ ما ذكره لو تمّ فإنّما يتم فيما فرضه من المثال و نظائره لا في سائر المواضع حسب ما أشرنا إليه، و البناء على اختصاص وضع الموصولات بما ذكره و كون استعمالها فيما ذكرناه من المجاز مجازفة بيّنة.

نعم قد اعتبرت خصوصية في المفاهيم التي وضعت بإزائها الألفاظ المذكورة تكون تلك الخصوصية جزئيّا حقيقيّا بالنسبة إلى كلّيها الملحوظ حال وضعها، فإنّ الحروف مثلا إنّما وضعت لخصوص المفاهيم الواقعة مرآة لملاحظة حال غيرها، فتلك المفاهيم الخاصّة و إن كانت كلّية في نفسها في كثير من الصور لكن خصوصيّة وقوعها مرآة لملاحظة الحال في غيرها جزئي حقيقي من جزئيات كونها مرآة لملاحظة الغير، فلفظة «على» مثلا إنّما وضعت لخصوصيات الاستعلاء الواقع مرآة لتعرّف حال الغير، و حينئذ فمفهوم الاستعلاء الواقع مرآة لحال متعلّقه و إن كان كليّا في نفسه لكن في كونه مرآة لملاحظة حال الكون و السطح في قولك:

«كن على السطح» جزئيّ حقيقيّ من جزئيّات الاعتبار المذكور.

و الحاصل: أنّ نفس المعنى الجزئي المأخوذ مرآة لحال الغير و إن كانت كليّة في نفسها إلّا أنّ كونها مرآة لخصوص كلّ من متعلّقاتها جزئي حقيقيّ بالنسبة إلى ما اعتبر فيها حال وضعها من كونها مرآة لحال غيرها، و يجري ذلك في جميع المبهمات و معاني الأفعال، ألا ترى أنّ الموصول إنّما وضع للشي‏ء المتعيّن بصلته، و تعيّنه بصلته الخاصّة جزئي حقيقي من جزئيّات التعيّن بالصلة و إن كان نفس المفهوم التعيّن بها كلّيا أيضا.

و أنت خبير بأنّ تلك الخصوصيّات لا يجعل نفس ما وضع له تلك الألفاظ

178

جزئيّات حقيقيّة، و إنّما يكون الاعتبار المأخوذ في كلّ منها جزئيا حقيقيّا لمطلقه حسب ما بيّناه، فإن عنى القائل بوضعها للجزئيّات الحقيقية إفادة ذلك فلا كلام، لكن لا يساعده العبارة و إن أراد به كون نفس المفهوم الذي وضعت بإزائه جزئيّا حقيقيّا، ففساده ظاهر ممّا قرّرنا.

هذا، و قد اختلفوا في تحقّق الوضع على الوجه المذكور على قولين، فقد ذهب إليه جماعة من محقّقي المتأخّرين و قالوا به في أوضاع المبهمات الثلاثة و الحروف بأجمعها و الأفعال الناقصة و كذا الأفعال التامّة بالقياس إلى معانيها النسبيّة، و الضابط فيه كلّ لفظ استعمل في أمر غير منحصر لمعنى مشترك لا يستعمل فيه على إطلاقه، فإنّ الملحوظ عندهم حين وضع تلك الألفاظ هو ذلك الأمر الجامع المشترك بين تلك المستعملات و الموضوع له هو خصوص تلك الجزئيات، فجعل ذلك الأمر العامّ مرآة لملاحظتها حتى يصحّ وضع اللفظ بإزائها، و هذا القول هو المعزى إلى أكثر المتأخّرين، بل الظاهر إطباقهم عليه من زمن السيّد الشريف إلى يومنا هذا.

و المحكي عن قدماء أهل العربية و الاصول القول بكون الوضع و الموضوع له في جميع ذلك عامّا، فيكون الحال في المذكورات من قبيل القسم الثاني عندهم، و هذا هو الذي اختاره التفتازاني لكنّه ذكر أنّ المعارف ما عدا العلم إنّما وضعت لتستعمل في معيّن، و ظاهر كلامه أنّ الواضع اشترط في وضعها لمفهومها الكلّي أن لا تستعمل إلّا في جزئياته.

و في الحواشي الشريفيّة أنّ جماعة توهّموا وضعها لمفهوم كلّي شامل للجزئيّات، و الغرض من وضعها له استعمالها في أفرادها المعيّنة دونه، و الظاهر أنّ هذا الاعتبار إنّما وقع في كلام جماعة من المتأخّرين تفصّيا من المنافاة بين وضعها للمفهوم الكلّي و عدم صحة استعمالها إلّا في الجزئيات، و إلّا فالقدماء لم ينبّهوا على ذلك فيما عثرنا عليه من كلامهم.

حجّة القول الأوّل وجوه:

179

أحدها: أنّه لو كانت تلك الألفاظ موضوعة للمعاني الكلّية لصحّ استعمالها فيها بلا ريبة، ضرورة قضاء الوضع بصحّة الاستعمال، فإنّه أقوى السببين في جواز استعمال اللفظ لاندراج الاستعمال معه في الحقيقة، فعلى هذا ينبغي أن يصحّ استعمال «هذا» في مفهوم المفرد المذكّر المشار إليه على سبيل الإطلاق، و إستعمال «أنا» في مفهوم المتكلّم على الإطلاق، و استعمال «الذي» في مطلق الشي‏ء المتعيّن بصلته، و التالي باطل، ضرورة عدم جواز الاستعمالات المذكورة بحسب اللغة و العرف، فإنّه لا يقصد بتلك الألفاظ إلّا بيان المعاني الجزئية دون المفاهيم الكلّية، و الفرق بينها و بين الألفاظ الدالّة على تلك الكلّيات واضح جليّ بعد ملاحظة العرف.

و اورد عليه بقلب الدليل، بأنّها لو كانت موضوعة بإزاء الجزئيات لجاز استعمالها في المطلقات على سبيل المجاز؛ لوجود العلاقة المصحّحة للاستعمال، فكما أنّ وضعها للمفاهيم الكلّية قاض بجواز استعمالها فيها كذا وضعها للجزئيات قاض بجواز استعمالها في المفاهيم الكلّية، غاية الأمر أن يكون المصحّح لاستعمالها في تلك الكلّيات بناء على الأوّل هو الوضع الحقيقي، و بناء على الثاني هو الوضع المجازي، مع أنّه لا يجوز استعمالها فيها و لو على سبيل المجاز، فما يجاب به بناء على الثاني يجاب به بناء على الأوّل أيضا.

و الجواب عنه ظاهر بعد ملاحظة ما سنقرّره إن شاء اللّه تعالى من بيان الحال في المجاز، فإنّ مجرّد وجود نوع العلاقة المعروفة غير كاف عندنا في صحّة التجوّز، و إنّما المناط فيه العلاقة المعتبرة في العرف بحيث لا يكون الاستعمال معها مستهجنا عرفا، فعلى هذا يدور جواز استعمال المجاز مدار عدم الاستقباح في العرف بخلاف الحال في الحقيقة؛ لدوران جواز الاستعمال هناك مدار الوضع، فالفرق بين الصورتين واضح.

و أمّا على ظاهر كلام القوم من الاكتفاء في صحّة التجوّز بوجود نوع العلاقة المنقولة فبأنّ وجود واحد من تلك العلائق من المقتضيات لصحّة الاستعمال،

180

و قد يجامع حصول المقتضي وجود المانع فلا يعمل عمله، فالترخيص العامّ الحاصل من الواضع في استعمال اللفظ في غير الموضوع له مع حصول واحد من تلك العلائق لا يقضي بجواز الاستعمال مع تحقّق المنع منه في خصوص بعض المقامات؛ لقيام الدليل عليه كما في المقام؛ لوضوح تقديم الخاصّ على العامّ.

و الحاصل: أنّ الترخيص المذكور كسائر القواعد المقرّرة إنّما يؤخذ بها في الجزئيّات مع عدم ظهور خلافها في خصوص المقام، و هذا بخلاف الوضع لكونه علّة تامّة لجواز الاستعمال في الجملة، و لا يعقل هناك المنع من الاستعمال بالمرّة مع تحقّق الوضع له.

و اورد عليه: بأنّا قد نرى المنع من الاستعمال مع تحقّق الوضع كما في لفظ «الرحمن» و الأفعال المنسلخة عن الزمان.

و الجواب عنه ظاهر، أمّا عن لفظ «الرحمن» فبعد تسليم صدق مفهومه الحقيقي على غيره تعالى بأنّه لا مانع من الاستعمال بحسب اللغة و إنّما المانع هناك شرعيّ فلا ربط له بالمقام، و أمّا عن الأفعال المنسلخة عن الزمان إن سلّم أوّلا وضعها للزمان فلنقلها عن ذلك بحسب العرف فالمنع في استعمالها في الزمان إنّما طرأها في العرف بعد حصول النقل، و لا مانع من إستعمالها فيه بملاحظة وضع اللغة، و التزام مثله في المقام غير متّجه؛ لظهور المنع من استعمالها في ذلك بحسب اللغة أيضا، و مع الغضّ عنه فلا داعي إلى التزام النقل من غير باعث عليه، فإنّه- بعد ثبوت كون الموضوع له لتلك الألفاظ عرفا هو الجزئيّات- يثبت بضميمة أصالة عدم النقل كونها كذلك بحسب اللغة أيضا، على أنّ المقصود في المقام تحقّق الوضع العامّ مع كون الموضوع له هو خصوص الجزئيات، و وجود ذلك في الأوضاع العرفية كاف في ثبوت المرام، فتأمّل.

أقول: و يمكن الجواب عن الحجّة المذكورة بأنّ المعاني الكلّية المأخوذة في وضع الألفاظ المفروضة إنّما اخذت على وجه لا يمكن إرادتها من اللفظ إلّا حال وجودها في ضمن الجزئيّات، من غير أن يكون خصوص شي‏ء من تلك الجزئيّات ممّا وضع اللفظ له.

181

بيان ذلك: أنّا قد أشرنا سابقا إلى أنّ المعاني المرادة من الألفاظ قد تكون امورا واقعية مع قطع النظر عن إرادتها من اللفظ، فإنّما يراد من اللفظ إحضارها ببال السامع، و قد لا تكون كذلك بأن تكون إرادة تلك المعاني من الألفاظ هو عين إيجادها في الخارج، فالمعاني التي وضعت تلك الألفاظ بإزائها إنّما يتحقّق في الخارج بإرادتها من اللفظ، سواء كانت معاني تركيبيّة كما في الإنشاءات، أو إفراديّة كما في أسماء الإشارة، فإنّها إنّما وضعت للمشار إليه من حيث تعلّق الإشارة به لا لمفهوم المشار إليه من حيث هو ليحصل إحضار ذلك المفهوم عند أداء اللفظ، بل لما تعلّق به فعل الإشارة و أداتها فيحصل معنى الإشارة في الخارج باستعمال لفظة «هذا» في معناه بخلاف استعمال لفظ «الإشارة» و «المشار إليه» فيما وضع له، فإنّه لا يتحقّق به الإشارة و لا يكون الشي‏ء مشارا إليه بذلك، بل إنّما يحصل به إحضار ذلك المفهوم بالبال و تصويره في ذهن السامع لا غير، فنظير لفظة «هذا» في ذلك لفظة «اشير» إذا اريد بها إنشاء الإشارة و إن كان الفرق بينهما واضحا من جهات اخرى؛ و لهذا قد ينزّل «هذا» منزلة «اشير» في الاستعمالات، فيجري عليه بعض أحكامه كما اشير إليه في محلّه.

فحينئذ نقول: إنّ إرادة معنى المشار إليه على الوجه المذكور من لفظة «هذا» و نظائرها غير ممكن الحصول إلّا في ضمن متعلّق خاصّ؛ لوضوح عدم إمكان تعلق الإشارة إلّا بمتعلّق مخصوص و عدم تحقّقها في الخارج إلّا في ضمن فرد خاصّ من الإشارة و جزئي حقيقيّ من جزئياتها، ضرورة عدم إمكان حصول الكلّيات إلّا في ضمن الأفراد، فلا يمكن استعمال تلك الألفاظ إلّا في معاني خاصّة و إشارات مخصوصة و إن لم تكن تلك الخصوصيات مرادة من نفس اللفظ، بل هي لازمة لما هو المراد منها؛ لوضوح عدم حصول مطلق الإشارة في الخارج إلّا في ضمن إشارة خاصّة و عدم تعلّقها إلّا بمتعلّق مخصوص.

و بذلك يظهر الوجه في بناء تلك الألفاظ و إعراب لفظ «الإشارة» و «المشار إليه» فإنّ المأخوذ فيهما مفهوم الإشارة، و هو معنى تام إسميّ بخلاف ما وضع له‏

182

«هذا» لاشتماله على نفس الإشارة التي هي معنى ناقص حرفي قد جعل آلة و مرآة لملاحظة الذات التي اشير إليها، و هو مفتقر إلى متعلّقها افتقارا ذاتيّا كغيره من المعاني الحرفيّة.

إذا تقرّر ذلك ظهر اندفاع ما ذكر في الاحتجاج من أنّها لو كانت موضوعة للمفهوم العامّ لزم جواز استعمال «هذا» في مطلق المشار إليه المفرد المذكّر على ما هو الحال في لفظ المشار إليه؛ لما عرفت من وضوح الفرق بين الأمرين و عدم إمكان إرادة المشار إليه على الوجه المأخوذ في معنى «هذا» إلّا في ضمن خصوص الأفراد، فهذا هو السرّ في عدم إطلاقه إلّا على الخصوصيات و عدم جواز استعماله في الأمر العامّ على إطلاقه و عمومه، فلا دلالة في ذلك على وضعه؛ لخصوص تلك الجزئيّات و عدم وضعه للقدر الجامع بينهما كما زعموه، بل لا بعد أصلا في القول بوضعها للقدر الجامع بين تلك الخصوصيات، و يشير إليه أنّه لا يفهم من لفظة «هذا» في العرف إلّا معنى واحد يختلف متعلّقه بحسب الموارد، و لا يكون إرادته إلّا في ضمن جزئي معيّن بحسب الواقع، فلا يكون إطلاقها على الجزئيّات بإرادة الخصوصيّة من نفس اللفظ، بل لحصول الموضوع له في ضمنها و توقّف إرادته على ذلك، فالموضوع له للفظة «هذا» هو المشار إليه المفرد المذكّر من حيث تعلّق الإشارة به و جعل الإشارة مرآة لملاحظته، و هو مفهوم كلّي في نفسه، إلّا أنّه لا يمكن إرادته إلّا في ضمن الفرد، ضرورة كون الإشارة الواقعة من جزئيّات مطلق الإشارة و اقتضاء الاشارة في نفسها تعيّن الأمر المشار إليه لكون ذلك من اللوازم الظاهرة لحصولها، ضرورة استحالة الإشارة إلى المبهم من حيث أنّه مبهم فتعيّن المشار إليه، و خصوصية الإشارة إنّما يعتبر في مستعملات تلك الأسماء من الجهة المذكورة لا لوضعها لخصوص تلك الجزئيات، و يجري نظير ما قلناه في سائر ما جعلوه من هذا القبيل.

أمّا الضمائر فلأنّها إنّما وضعت للتعبير عن المتكلّم أو المخاطب أو الغائب المذكور و ما بحكمه، لا بأن تكون تلك المفاهيم مأخوذة في وضعها على سبيل‏

183

الاستقلال حتى يكون الموضوع له للفظة «أنا» مثلا هو المفهوم من لفظ المتكلّم ليصحّ إطلاقه كلفظ المتكلّم على مطلق المتكلّم، بل يأخذ تلك المفاهيم من حيث حصولها و صدورها قيدا في وضع اللفظ للذوات التي تجري عليها المفاهيم المذكورة و حيثية معتبرة فيها، فتلك الذوات بملاحظة الجهات المفروضة قد وضعت لها الألفاظ المذكورة، فالمراد بكون «أنا» موضوعا للمتكلّم أنّه موضوع لذات جعل صدور الكلام حيثيّة معتبرة في وضع اللفظ له، و كذا الحال في لفظ «أنت» و «هو» و غيرهما، فالموضوع له للفظ «أنا» هو من صدر منه الكلام، و للفظ «أنت» من القي إليه الكلام، و للفظ «من» هو من سبق ذكره صريحا أو ضمنا بجعل حصول تلك الصلات قيودا معتبرة في وضع اللفظ لها، فتلك المعاني امور كلّية في نفسها، فإنّ من صدر منه الكلام أو تعلّق الخطاب به مثلا مفهوم صادق على ما لا يتناهى [من مصاديقه، إلّا أنّ إرادة ذلك المفهوم ملحوظا على الوجه المذكور لا يتحقّق إلّا في ضمن مصداق من مصاديقه.

فإن قلت: إن كان المراد بمن صدر عنه الكلام أو تعلّق الخطاب به مثلا نفس المفهوم المذكور كان من الألفاظ المذكورة كلفظ المتكلّم و المخاطب، و لزم جواز إرادة المفهوم المذكور منها على وجه العموم و إن جعل المفهوم المذكور عنوانا لمصاديقه الخاصّة و كان الموضوع له هو خصوص مصاديقه كان ذلك عين ما ذكره الجماعة من كون الوضع فيها عامّا و الموضوع له خاصّا، و يجري ذلك بالنسبة إلى أسماء الإشارة و غيرها، فلا يصحّ القول بكون الموضوع له فيها أيضا عاما كما هو المدّعى.

قلت: فرق بيّن بين جعل الموضوع له خصوص كلّ من الجزئيات المندرجة تحت المفهوم المذكور من غير أن يتعلق الوضع بنفس المفهوم المتصوّر حين الوضع و بين أن يجعل الموضوع له نفس ذلك المفهوم، لكن توجد فيه حيثية لا يمكن حصولها إلّا في ضمن الفرد، فيتوقف إرادة ذلك المفهوم من اللفظ على إطلاقه على خصوص الحصّة المقيّدة بإحدى تلك الخصوصيّات. فتأمّل‏] (1).

____________

(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في الأصل، أورده في المطبوع (1) و كتب في آخره: نسخة.

184

و أمّا الموصول فلأنّه موضوع للشي‏ء المتعيّن بصلته لا بضمّ مفهوم التعيّن إلى مفهوم الشي‏ء ليكون مفاده هو المفهوم المركّب من المفهومين، بل المراد به الشي‏ء المتحقّق تعيّنه بصلته، و هذا المعنى ممّا لا يمكن حصوله بدون ذكر الصلة، فهو و إن كان أمرا كلّيا صادقا على كثيرين إلّا أنّه لا يمكن استعمال اللفظ فيه بدون ذكر الصلة التي يتحقّق بها التعيين المذكور و يتمّ بحصولها ذلك المفهوم، فذكر الصلة يتوقّف عليه حصول المفهوم المذكور و يفتقر إليه افتقارا ذاتيا، حيث إنّ التقييد بها مأخوذ في وضع تلك الألفاظ و إن كان القيد خارجا، فلا يعقل إرادة ذلك المفهوم بدون وجود الصلة؛ و لأجل ذلك لحقها البناء، فلا يمكن استعمال تلك الألفاظ في معانيها إلّا مع ذكر صلاتها و إن أمكن تصوّر ذلك المعنى و وضع اللفظ بإزائه من دون ضمّ صلة خاصّة أو خصوصية الصلات على جهة الإجمال، لكن يتوقّف على ملاحظة تقييده بالصلة و لو كان على وجه كلّي حسب ما أشرنا إليه.

فما اورد عليه من لزوم جواز استعمال «الذي» في مطلق الشي‏ء المتعيّن بصلته مبنيّ على الخلط بين الاعتبارين، مضافا الى أنّ المفهوم من «الذي» في جميع استعمالاته هو نفس الشي‏ء، و إنّما الاختلاف في الخصوصيات المأخوذة معه، فالقول بكون الوضع في الموصولات عامّا و الموضوع له خاصّا كما ترى و لو مع الغضّ عمّا ذكرنا، فلا تغفل.

و أمّا الحروف فلأنّها موضوعة للمعاني الرابطيّة المتقوّمة بمتعلّقاتها الملحوظة مرآة لحال غيرها حسب ما فصّل في محلّه، و ذلك المعنى الرابطي و إن اخذ في الوضع على وجه كلّي إلّا أنّه لا يمكن إرادته من اللفظ إلّا بذكر ما يرتبط به، فلا يمكن استعمال اللفظ في ذلك المعنى الكلّي إلّا في ضمن الخصوصيات الحاصلة من ضمّ ما جعل مرآة لملاحظته لتقوّم المعنى الرابطي به، فالحصول في ضمن الجزئي هنا أيضا من لوازم الاستعمال فيما وضعت له بالنظر إلى الاعتبار المأخوذ في وضعها له، لا لتعلّق الوضع بتلك الخصوصيات بأنفسها، فعدم استعمالها في‏

185

المعنى العامّ على إطلاقه إنّما هو لعدم إمكان إرادته كذلك لا لعدم تعلّق الوضع به كما زعموه، فكون المستعمل فيه دائما هو الطبيعة المقترنة بشرط شي‏ء لا ينافي وضعها للطبيعة اللابشرط إذا كان إستعمالها فيها مستلزما لحصول الخصوصيّة، و استعمالها في تلك المفاهيم على جهة استقلالها في الملاحظة ليس استعمالا لها فيما وضعت له، لما عرفت من عدم تعلّق الوضع بها من تلك الجهة، فلا وجه لإلزام القائل بعموم الموضوع له بجواز استعمالها كذلك، و كذا الحال في الأفعال بالنسبة الى معانيها النسبيّة فإنّها في الحقيقة معان حرفيّة لا يمكن حصولها إلّا بذكر متعلّقاتها حسبما ذكرناه في الحروف.

و أنت بعد التأمّل فيما قرّرناه تعرف ضعف ما ذكر في هذه الحجّة و سائر حججهم الآتية، كما سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى.

و قد ظهر بما بيّناه و هن ما ذكره المحقّق الشريف في شرح المفتاح عند بيان القول المذكور من أنّ الموضوع له عندهم هو الأمر الكلّي بشرط إستعماله في جزئيّاته المعيّنة، و قال في حاشية له هناك: إنّ لفظة «أنا» مثلا موضوعة على [هذا] (1) الرأي لأمر كلّي هو المتكلّم المفرد، لكنّه اشترط في وضعها أن لا يستعمل إلّا في جزئياته، ثمّ حكم بركاكة القول المذكور و استصوب القول الآخر، إذ ليس في كلام الذاهبين إلى القول المذكور إشارة إلى ذلك عدا شذوذ من المتأخّرين كالتفتازاني في ظاهر كلامه كما أشرنا إليه، و كأنّه ألجأه الى ذلك ما يتراءى من توقّف تصحيح كلام القائل به على ذلك؛ نظرا إلى ما ذكر في هذه الحجّة و غيرها، كما يظهر من التفتازاني في إلتزامه به.

و قد عرفت ممّا قرّرناه في بيان القول المذكور أنّه لا حاجة إلى اعتبار الشرط المذكور أصلا و لا إلى التزام التجوّز في استعمالاتها المتداولة كما ادّعاه جماعة من الأجلّة.

ثمّ إنّه لا ريب في أنّ القول المذكور على ما قرّره في كمال الوهن و الركاكة،

____________

(1) لم يرد في الأصل.

186

و في اعتبار الشرط المذكور في أوضاع تلك الألفاظ من السماجة ما لا يخفى، بل مرجع ذلك بمقتضى ما ذكروه- من كون الاستعمال في الجزئيّات بخصوصها لا من حيث انطباق الكلّي عليها- إلى كون تلك الألفاظ بمقتضى الاشتراط المذكور متعيّنة في الحقيقة بإزاء تلك الجزئيّات، فيكون مرجعه على أقبح الوجوه إلى القول الآخر.

نعم، لو قيل بأنّ استعمالها في الجزئيّات لا من حيث الخصوصيّة بل من حيث انطباق الكلّيات التي وضعت بإزائها عليها فيجعل ثمرة الاشتراط المذكور عدم جواز استعمالها في تلك الكلّيات على الوجه الآخر نظرا إلى كون الوضع توقيفيا فلا يجوز التعدّي فيه عمّا اعتبره الواضع أمكن أن يوجّه به القول المذكور، إلّا أنّ فيه خروجا عن الطريقة المعروفة في الأوضاع؛ لا أنّ فيه تفكيكا بين الوضع و لازمه كما ادّعي في الاحتجاج المذكور.

ثانيها: أنّها لو كانت موضوعة للمعاني الكلّية لكانت الألفاظ المذكورة مجازات لا حقائق لها؛ نظرا إلى عدم استعمالها في المعاني الكلّية أصلا، و هو مع ما فيه من البعد لا وجه للالتزام به من دون قيام دليل ظاهر عليه، إذ لا داعي لحمل الإستعمالات المعروفة على المجاز و القول بوضع تلك الألفاظ المتداولة لمعنى لم تستعمل فيه أصلا، كيف و من المقرر كون الأصل في الاستعمال الحقيقة حتّى يتبيّن المخرج، مضافا إلى أنّه لو كان الحال فيها على ما ذكر لما احتاجوا في التمثيل للمجازات التي لا حقائق لها إلى التمسك بالأمثلة النادرة كلفظ «الرحمن» و الأفعال المنسلخة عن الزمان مع ما فيها من المناقشة، و كان التمثيل بالألفاظ المذكورة هو المتعيّن في المقام، ففي العدول عن ذكرها إلى التمثيل بتلك الأمثلة الخفيّة دلالة ظاهرة على فساد القول المذكور.

و الجواب عنه ظاهر ممّا بيّناه، إذ لا داعي إلى التزام التجوّز في تلك الألفاظ بالنظر إلى إطلاقها على تلك المعاني الخاصّة، إذ ليس ذلك إلّا من قبيل إطلاق الكلّي على الفرد، و من البيّن أنّه إنّما يكون على وجه الحقيقة إذا لم يؤخذ في‏

187

المفهوم المراد من اللفظ ما يزيد على معناه الموضوع له كما هو الحال في المقام، إذ ليس المراد من لفظة «هذا» مثلا في سائر الموارد إلّا أمرا واحدا و إن انطبق ذلك على امور مختلفة، و قد عرفت أنّ إطلاقها على خصوص الأفراد من اللوازم الظاهرة لاستعمالها في معناه الموضوع له، حيث إنّه لا يمكن إرادتها من اللفظ إلّا في ضمن الفرد، فليست تلك الخصوصيات مرادة من اللفظ منضمّة إلى معناه الموضوع له في الاستعمال، بل إنّما تكون إرادة تلك الخصوصيات باستعمال تلك الألفاظ فيما وضعت له.

فما عزاه المدقّق الشيرواني (رحمه اللّه) إلى القائلين بعموم الموضوع له لتلك الألفاظ من التزام التجوّز في استعمالاتها الشائعة مبنيّ على توهم لزوم ذلك للقول المذكور لا على نصّهم عليه، و قد عرفت أنّه توهّم فاسد لا وجه لالتزامهم به، كيف و لو قالوا بذلك لكانت المجازات التي لا حقيقة لها أمرا شائعا عندهم لا وجه لاختلافهم فيها، و لا لتمسّكهم لها بتلك الأمثلة النادرة حسبما ذكر، ففي ذلك دلالة ظاهرة على كون الاستعمالات الشائعة واقعة عندهم على وجه الحقيقة، مع ذهابهم إلى كون الموضوع له هناك هو المفاهيم المطلقة دون كلّ من تلك الامور الخاصّة.

ثالثها: أنّ المتبادر من تلك الألفاظ عند الإطلاق إنّما هو المعاني الخاصّة دون المفاهيم الكلّية، و هو دليل على كونها موضوعة لذلك دون ما ذكر من المعاني المطلقة؛ نظرا إلى قيام أمارة الحقيقة بالنسبة إلى الاولى و أمارة المجاز بالنظر إلى الثانية.

و الجواب عنه ظاهر ممّا مرّ؛ لمنع استناد التبادر المذكور إلى نفس اللفظ، إذ مع عدم إنفكاك إرادة المعاني المذكورة من تلك الألفاظ عن ذلك و الدلالة على إرادة تلك الجزئيات بمجرّد الدلالة عليها من غير توقّف على أمر آخر غيرها لا يبقى ظهور في استناد التبادر المدّعى إلى نفس اللفظ؛ لينهض دليلا على الوضع، و ممّا ذكرنا يظهر الحال فيما ذكر من عدم تبادر المعاني المطلقة.

رابعها: أنّها لو كانت موضوعة للمعاني الكلّية لكانت تلك المعاني هي‏

188

المفهومة منها أوّلا عند الإطلاق، و كانت المعاني الجزئية مفهومة بواسطة الانتقال الى تلك المعاني بعد قيام القرينة الصارفة عن إرادتها كما هو الشأن في المجاز، و ليس الحال كذلك قطعا، إذ المفهوم من لفظة «هذا» مثلا هو الشخص المشار إليه من غير خطور لمفهوم المشار إليه أصلا.

و جوابه معلوم بعد القول بعدم التجوّز في شي‏ء من تلك الاستعمالات، و أنّ إرادة تلك الخصوصيّات غير ممكنة الانفكاك عن إرادة الموضوع له حتّى يتوقّف فهمها على وجود القرينة، فهي إنّما تكون مفهومة بإرادة الموضوع له.

و دعوى عدم حصول واسطة في فهم الخصوصيّة من اللفظ بالمرّة ممنوعة، بل إنّما هو من جهة استحالة انفكاك إرادتها عن إرادة الموضوع له. نعم لما كانت الملازمة هناك واضحة جدّا يتراءى في بادئ النظر فهمها من اللفظ ابتداء، و ليس ذلك بظاهر عند التأمّل.

و ما ذكر من عدم خطور مفهوم المشار إليه بالبال إن اريد به عدم فهم ذلك المفهوم ملحوظا بالاستقلال كما هو الحال في لفظ المشار إليه فممنوع، و لا قائل بوضع لفظة «هذا» لذلك أصلا، و إن اريد به عدم فهم شي‏ء اشير إليه و جعلت الإشارة مرآة لملاحظته فهو بيّن الفساد، كيف و ليس المفهوم من لفظة «هذا» في العرف إلّا ذلك.

خامسها: أنّه لو كان كما ذكروه لزم اتّحاد معاني الحروف و الأسماء؛ لكون كلّ من «من» و «إلى» و «على» موضوعا على هذا التقدير لمطلق الابتداء و الانتهاء و الاستعلاء التي هي من المعاني الإسميّة المستقلّة بالمفهوميّة؛ و لذا وضع بإزائها لفظ الابتداء و الانتهاء و الاستعلاء التي هي من الأسماء، و هو واضح الفساد، ضرورة اختلاف معاني الأسماء و الحروف بحسب المفهوم حيث إنّ الاولى مستقلّة بالمفهوميّة، و يصحّ الحكم عليها و بها بخلاف الثانية؛ لعدم استقلالها بالمفهوميّة و عدم صحّة الحكم عليها و بها أصلا، و يجري ذلك في الأفعال أيضا بالنسبة إلى معانيها النسبيّة، فإنّها أيضا معان حرفيّة، و مع البناء على الوجه المذكور

189

تكون معاني إسميّة مستقلّة بالمفهوميّة.

و الجواب عنه: أنّ الفرق بين المعاني الإسميّة و الحرفية ليس من جهة عموم الموضوع له في الأسماء و عدمه في الحروف حتى تتميّز المعاني الحرفيّة عن المعاني الإسميّة، على القول بوضع الحروف لخصوصيات الجزئيّات دون القول بوضعها للمفاهيم المطلقة، كيف و من البيّن أنّ جزئيّات تلك المفاهيم أيضا امور مستقلّة بالمفهوميّة على نحو مفهومها الكلّي، فكما أنّ مطلق الابتداء مفهوم مستقلّ كذلك الابتداء الخاصّ و إن افتقرت معرفة خصوصيّته إلى ملاحظة متعلّقه، فإنّ ذلك لا تخرجه عن الاستقلال و صحّة الحكم عليه و به، بل الفرق بين الأمرين في كيفيّة الملاحظة حيث إنّ الملحوظ في المعاني الإسميّة هو ذات المفهوم بنفسه، و الملحوظ في المعاني الحرفية كونه آلة و مرآة لملاحظة غيره.

و من البيّن أنّ ما جعل آلة لملاحظة الغير لا يكون ملحوظا بذاته، بل الملحوظ بالذات هناك هو ذلك الغير، فهذه الملاحظة لا يمكن حصولها إلّا بملاحظة الغير؛ و لذا قالوا: إنّها غير مستقلّة بالمفهومية، و إنّه لا يمكن الحكم عليها و بها؛ لتوقّف ذلك على ملاحظة المفهوم بذاته.

فحصول المعاني الحرفيّة في الذهن متقوّم بغيرها، كما أنّ وجود الأعراض في الخارج متقوّم بمعروضاتها، بخلاف المعاني الإسميّة فإنّها امور متحصّلة في الأذهان بأنفسها و إن كان نفس المفهوم في المقامين أمرا واحدا، و حينئذ فكما يمكن اعتبار جزئيّات الابتداء مثلا مرآة لملاحظة الغير فيقال بوضع لفظة «من» لكلّ منها كذا يمكن اعتبار مطلق الابتداء مرآة لحال الغير و يقال بوضع «من» بإزائه، فيكون مفهوم الابتداء ملحوظا بذاته من المعاني الإسميّة، و ملحوظا باعتبار كونه آلة و مرآة لحال الغير من المعاني الحرفيّة، مع كون ذلك المفهوم أمرا كليّا في الصّورتين.

و الحاصل: أنّه لا اختلاف بين المعنى الإسميّ و الحرفيّ بحسب الذات، و إنّما الاختلاف بينهما بحسب الملاحظة و الاعتبار، فيكون المعنى بأحد الاعتبارين‏

190

تامّا إسميّا، و بالاعتبار الآخر ناقصا حرفيّا، و يتفرّع على ذلك إمكان إرادة نفس المفهوم على إطلاقه في الإسماء من غير ضمّه إلى الخصوصيّة بخلاف المعنى الحرفي، إذ لا يمكن إرادته من اللفظ إلّا بضمّه إلى الغير، ضرورة كونه غير مستقلّ بالمفهوميّة في تلك الملاحظة، فلا يمكن إرادته من اللفظ إلّا مع الخصوصيّة حسب ما بيّناه، و ذلك لا يقضي بوضعها لكلّ من تلك الخصوصيّات.

فإن قلت: إنّ الابتداء المأخوذ مرآة لحال الغير لا يكون إلّا جزئيّا من جزئيّات الابتداء متقوّما في الملاحظة بخصوص متعلّقه، فلا يعقل أن يؤخذ مطلق الابتداء مرآة لحال الغير حتّى يكون مفاد لفظة «من» هو الابتداء على إطلاقه.

قلت: توقّف تحقّق الحيثيّة المأخوذة في الوضع على تحقّق المفهوم المذكور في ضمن جزئيّ من جزئيّاته و كون ما اطلق عليه اللفظ دائما خصوص الجزئيّات لا يستلزم أن تكون تلك الخصوصيّات مأخوذة في الوضع، إذ لا مانع من تعلّق الوضع بنفس المفهوم، و تكون تلك الخصوصيّات من لوازم الحيثيّة المعتبرة في المعنى الموضوع له، فلا يمكن استعمال اللفظ فيه إلّا في ضمن جزئيّ من تلك الجزئيّات حسب ما أشرنا إليه.

فاعتبار الابتداء مرآة لحال الغير إنّما يكون في ضمن الخصوصيّة المنضمّة إليه، و المعنى الملحوظ في الوضع هو القدر الجامع بينها، أعني مفهوم الابتداء من حيث كونه مرآة لحال الغير، فذلك المفهوم من تلك الحيثيّة لا يمكن حصوله و لا إرادته إلّا في ضمن الجزئيّات، من غير أن تكون تلك الجزئيّات ملحوظة حين الوضع و لو على سبيل الإجمال حسب ما ذكروه، فليس المقصود من كون مطلق الابتداء موضوعا له للفظة «من» أن يكون ذلك المفهوم بملاحظة حال إطلاقه- كما هو الحال في حال تصوّره- موضوعا له لذلك اللفظ، بل المقصود كون ذلك المفهوم لا خصوص جزئيّاته موضوعا له لذلك و إن اعتبر هناك حيثيّة في الوضع لا يمكن تحقّقها إلّا في ضمن الجزئيّات، فالموضوع له في ضمن تلك الجزئيّات هو القدر الجامع بينها، أعني مفهوم الابتداء من حيث كونه مرآة لملاحظة الغير، و تلك‏

191

الخصوصيّات من لوازم تلك الحيثيّة المعتبرة في الوضع، فذلك المعنى الملحوظ حال الوضع ليس موضوعا له للفظة «من» بتلك الملاحظة، ضرورة أنّه ليس في تلك الملاحظة مرآة لحال الغير، و إنّما هو إحضار لحالها الاخرى و هي حال وقوعها مرآة لحال الغير و عنوان لملاحظتها كذلك، كيف و المعنى الحرفي غير مستقلّ في الملاحظة، و تعلّق الوضع بالمعنى يستلزم استقلالها في اللحاظ، فلا يعقل تعلّق الوضع بالمعنى الحرفي من حيث إنّه معنى حرفي، بل ذلك المفهوم من حيث إنّه معنى اسمي يجعل عنوانا لكونه معنى حرفيّا و يوضع اللفظ بإزائه، فهو في تلك الملاحظة نظير ملاحظة المعدوم المطلق في الحكم عليه بأنّه لا يحكم عليه، كما هو الحال أيضا في الحكم على المعنى الحرفي بأنّه لا يحكم عليه و لا به، فلا تغفل. و يجري ما قلناه بعينه في المعاني النسبية الملحوظة في وضع الأفعال، إذ هي أيضا معان حرفية، و الحال فيهما على نحو سواء.

سادسها: أنّهم صرّحوا بأنّ للحروف و الضمائر و أسماء الإشارة و غيرها من الألفاظ التي وقع النزاع فيها معاني حقيقيّة و معاني مجازيّة، و يرجّحون حملها على معانيها الحقيقيّة مع الدوران بينها و بين غيرها حال الإطلاق، و هو لا يتمّ إلّا على القول بوضعها للمعاني الجزئيّة، إذ لو قيل بوضعها للمفاهيم الكلّية لزم أن يكون جميع تلك الاستعمالات مجازيّة، فلا وجه للتفصيل و لا لترجيح إرادة المعاني الحقيقيّة على غيرها؛ لوضوح اشتراك الجميع في المجازيّة بحسب الاستعمال.

و جوابه ظاهر ممّا ذكرنا فلا حاجة إلى إعادته.

هذا، و يحتجّ للقول بوضعها للمفاهيم الكلّية بوجوه:

أحدها: نصّ أهل اللغة بأنّ «هذا» للمشار إليه و «أنا» للمتكلّم و «أنت» للمخاطب و «من» للابتداء و «إلى» للانتهاء و «على» للاستعلاء إلى غير ذلك، و تلك المفاهيم امور كلّية.

ثانيها: أنّ ظاهر كلماتهم في تقسيم الألفاظ انحصار متعدّد المعنى في المشترك و المنقول و المرتجل و الحقيقة و المجاز، و لو كان الوضع في تلك الألفاظ

192

لخصوص الجزئيّات لكانت من متعدّد المعنى قطعا مع عدم اندراجها في شي‏ء من المذكورات، فيكون قسما خامسا، و هو خلاف ما يقتضيه كلام القوم.

ثالثها- و هو أضعفها-: أنّها لو كانت موضوعة بإزاء الجزئيّات لزم استحضار ما لا يتناهى حال تعلّق الوضع بها، ضرورة توقّف الوضع على تصوّر المعنى، و هو واضح البطلان.

و اجيب عن الأوّل بحمل كلامهم على إرادة المصداق دون المفهوم، كيف و مقصودهم من بيان معاني تلك الألفاظ هو معرفة المراد منها في الاستعمالات، و من البيّن أنّ المراد منها في الاستعمال هو ذلك دون نفس المفهوم؛ للاتّفاق على عدم جواز الاستعمال فيه.

و عن الثاني بأنّ تقسيم الألفاظ إلى الأقسام المعروفة لمّا كان من القدماء و هم لمّا لم يثبتوا هذا النوع من الوضع لم يذكروه في الأقسام، و المتأخّرون مع إثباتهم لذلك لم يغيّروا الحال في التقسيم عمّا جرى عليه القوم، بل جروا في ذلك على منوالهم، و أشاروا إلى ما اختاروه في المسألة في مقام آخر.

و عن الثالث بما هو ظاهر من الفرق بين الحضور الإجمالي و التفصيلي، و القدر اللازم في الوضع هو الأوّل، و المستحيل بالنسبة إلى البشر إنّما هو الثاني.

قلت: و أنت بعد التأمّل في جميع ما ذكرناه تعرف تصحيح الوضع في المقام على كلّ من الوجهين المذكورين، و أنّه لا دليل هناك يفيد تعيين إحدى الصورتين و إن كان الأظهر هو ما حكي عن القدماء على الوجه الّذي قرّرناه؛ لما عرفت من تطبيق الاستعمالات عليه، فلا حاجة إلى التزام التغاير بين المعنى المتصوّر حال الوضع و الموضوع له، فإنّه تكلّف مستغنى عنه مخالف لما هو الغالب في الأوضاع، بل و كأنّه الأوفق عند التأمّل بظاهر الاستعمالات، و لو لا أنّ عدّة من الوجوه المذكورة قد ألجأت المتأخّرين إلى اختيار الوجه المذكور لما عدلوا عمّا يقتضيه ظاهر الوضع، و يعاضده ظاهر كلام الجمهور، و يؤيّده أيضا ظاهر ما حكي عن أهل اللغة.

193

و حمل كلامهم على الوجه المتقدّم و إن كان ممكنا إلّا أنّه لا داعي إليه مع خروجه عن الظاهر، و ما ذكر من قيام الشاهد عليه مدفوع بما عرفت من تصحيح الاستعمالات على كلّ من الوجهين المذكورين، و عليك بالتأمّل في ما فصّلناه فإنّي لم أر أحدا حام حول ما قرّرناه، فإن وجدته حقيقا بالقبول فهو من اللّه، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه.

[الفائدة السادسة: كيفيّة الوضع في المفردات و المركّبات‏]

السادسة ذهب جماعة من علماء العربيّة إلى اختصاص الوضع بالمفردات، و أنّ المركّبات لا وضع فيها من حيث التركيب؛ لحصول المقصود من الانتقال إلى المعنى التركيبي بوضع المفردات، فلا حاجة في استفادة ذلك منها إلى وضع آخر.

و يدفعه: أنّ مجرّد وضع المفردات غير كاف فيما يراد من المركّبات، فإنّ الجمل الخبريّة مثلا إذا اريد بها الإخبار عمّا تضمّنته كانت حقيقة دون ما إذا اريد بها غير ذلك، فتكون موضوعة لإفادته، و هو أمر وراء ما يعطيه أوضاع المفردات، فإنّه حاصل فيها مع عدم إرادة الإخبار، أيضا فإنّه إذا اريد بها إفادة المدح أو بيان التحزّن و التحسّر أو التذلّل و التخضّع أو الضعف و الوهن و نحو ذلك كان مفاد المفردات في الجميع على حاله من غير تفاوت إلّا بالنسبة إلى المعنى التركيبي، فلو لا القول بثبوت الوضع للهيئات التركيبية لما صحّ القول بكونها حقيقة في الإخبار منصرفة إليه عند الإطلاق مجازا في غيره.

و فيه: أنّ دلالة المفردات بعد ضمّ بعضها إلى البعض كافية في إفادة الإخبار، إذ هو مدلول تلك الألفاظ مع قطع النظر عن جميع الامور الخارجيّة، و أمّا كون الملحوظ سائر الفوائد المترتبة على الكلام فلا بدّ من قيام شاهد عليه، إذ لا تفي المفردات بالدلالة على إرادتها، و بعد قيام القرينة على ملاحظتها فليست المفردات مجازا قطعا و كذا المركّب و إن لم يكن مجرّد تلك العبارة كافيا في فهمها من دون ملاحظة القرينة، فانصراف إطلاق الجمل الخبريّة إلى خصوص الإخبار بمضمونها لا يستلزم كونها موضوعة بإزائه؛ لما عرفت من أنّ السبب في انصرافها

194

إليه هو ملاحظة وضعها الأفرادي مع الخلوّ عن القرائن الدالّة على خلافه، و كذا افتقار إرادة سائر المقاصد إلى ضمّ القرائن المفهمة لإرادتها لا يفيد كونها مجازا عند إرادتها.

و الحاصل: أنّ إسناد الفعل إلى فاعله أو حمل المحمول على موضوعه دالّ على ثبوت تلك النسبة التامّة، و بعد ضمّ أحدهما إلى الآخر يحصل ذلك، فلو جرّد الكلام حينئذ عن سائر القرائن أفاد كون المقصود هو الإخبار عن ذلك الشي‏ء من دون حاجة إلى وضع آخر متعلّق بالهيئة التركيبيّة، و لو انضمّ إليه ما يفيد إرادة سائر المقاصد تمّت الدلالة عليه بتلك الضميمة من دون لزوم مجاز أصلا، هذا إذا كان المقصود إسناد تلك المحمولات إلى موضوعاتها على سبيل الحقيقة.

و أمّا إذا لم يكن إسنادها إلى موضوعاتها مقصودا في ذلك المقام بل كان المقصود بيان ما يلزم ذلك من التخضّع و نحوه كما في قولك: «أنا عبدك» و «أنا مملوكك» فلا ريب إذن في الخروج عن مقتضى الوضع، إذ ليس المقصود في المقام بيان ما يعطيه معاني المفردات بحسب أوضاعها، فحينئذ يمكن التزام التجوّز في المفردات كأن يراد ب «عبدك» أو «مملوكك» مثلا لازمه، أو في المركّب بأن يراد من الحكم بثبوت النسبة المذكورة لازمها.

و على كلّ حال فالتجوّز حاصل هناك، فظهر ممّا ذكرنا أنّ الجمل المذكورة تندرج في الحقيقة تارة و في المجاز اخرى.

فإن قلت: إنّ استعمال الجمل الخبريّة في الدعاء أو بمعنى الأمر مجاز قطعا، و لو لا وضعها للإخبار لما صحّ ذلك.

قلت: إنّ المجاز هناك في المفرد- أعني الفعل المستعمل في المعنى المذكور مثلا- لخروجه بإرادة ذلك عن مقتضى وضعه.

فإن قلت: إنّ الإسناد الحاصل في الجمل الخبريّة الغير المشتملة على الفعل ممّا يدلّ عليه صريح العبارة، مع أنّ أوضاع المفردات ممّا لا يدلّ عليه، فليس ذلك إلّا من جهة التركيب.

195

قلت: ليس ذلك من جهة وضع المركّب، و إنّما هو من جهة الطوارئ الواردة على الكلمة، فإنّها إنّما تكون بسبب الأوضاع النوعيّة المتعلّقة بذلك المقرّرة في النحو، فالظاهر أنّ الأعاريب الواردة على تلك الكلمات هي الموضوعة بإزاء النسب، و الرابطة بين الموضوع و المحمول و كذا سائر الارتباطات الحاصلة بين الكلمات إنّما يستفاد من الأعاريب الواردة عليها، و ربّما يضمّ إلى ذلك ملاحظة التقديم و التأخير و نحوهما المأخوذة في تلك الكلمات، فإن اريد بوضع المركّبات ما ذكرناه فلا كلام، إذ ثبوت الأوضاع المذكورة ممّا لا ينبغي التأمّل فيه، و لم يخالف أحد في الحكم فيه، و إن اريد به غير ذلك فهو ممّا لا شاهد عليه.

فإن قلت: قد نصّ علماء البيان على ثبوت المجاز في المركّبات، و قد جعلوه قسيما للمجاز في المفردات، و لا يتمّ ذلك إلّا مع ثبوت الوضع في المركّبات؛ لكون المجاز فرع الوضع. و قد اعتذر بعضهم عن عدم تعرّضهم للحقيقة في المركّبات بكون التعرّض للحقائق غير مقصود بالذات في فنّ البيان، فذلك أيضا نصّ في ثبوت الوضع في المركّبات.

قلت: لا منافاة بين نفي الوضع من الهيئات التركيبيّة وراء وضع المفردات و القول بثبوت الحقائق و المجازات التركيبيّة، فإنّ المعاني التركيبيّة مستندة إلى الأوضاع قطعا، إلّا أنّه لا حاجة فيها إلى اعتبار وضع زائد على أوضاع المفردات، و ما يتعلّق بها من الخصوصيّات فإنّها إذا استعملت فيما قضت به أوضاع المفردات مع مراعاة الخصوصيّات الحاصلة عند ضمّ بعضها إلى البعض كان المعنى الحاصل من مجموع ذلك حقيقة مركّبة، و إن استعملت في غيرها بأن كان الانتقال له من تلك الحقيقة المركّبة كان مجازا مركّبا، و حينئذ فلا يبعد أن يقال بكون ما اشتمل عليه من المفردات مجازا أيضا و إن استعملت في معانيها الموضوع لها ابتداء، إذ المقصود منها حينئذ إحضار معناها التركيبي و الانتقال منها إلى المعنى المجازي، فلا يكون معانيها الحقيقيّة حينئذ هي المقصودة بالإفادة.

فدعوى كونها إذن مستعملة في معانيها الحقيقيّة و أنّ التجوّز إنّما هو في‏

196

المركّب- كما في شرح التلخيص- ليست على ما ينبغي، إلّا أن يبنى على كون المناط في استعمال اللفظ في المعنى كونه مرادا من اللفظ ابتداء و إن اريد الانتقال منه إلى غيره، و قد عرفت ما فيه.

و يمكن تصحيحه: بأنّ المجاز في المفرد هو الكلمة المستعملة في غير ما وضع له، بأن يكون ذلك المعنى قد استعملت فيه الكلمة ابتداء، أو كان ذلك مقصودا منها بالواسطة، و المفروض انتفاء الأمرين في المقام، فتكون مستعملة في الموضوع له مندرجة في الحقيقة، فالتجوّز هنا إنّما يكون بالنسبة إلى المعنى التركيبي المتحصّل من أوضاع المفردات لا باستعمال المجموع فيه ابتداء، إذ قد عرفت أنّه غير متصوّر في المقام بل الانتقال‏ (1) إليه من المعنى المذكور حسب ما مرّ، و حينئذ فيكون التجوّز في المعنى التركيبي خاصّة و إن لم نقل بثبوت وضع خاصّ بالنسبة إليه، فحيث لم يكن الانتقال إليه إلّا بملاحظة المعنى المركّب من غير ملاحظة لخصوص كلّ من مداليل المفردات كان التجوّز في المركّب و إن كان فيه خروج عن مقتضى أوضاع المفردات أيضا، إلّا أنّ ذلك إنّما هو بالنسبة الى المجموع دون كلّ واحد منها ليكون من المجاز في المفرد.

و فيه: أنه ليس المقصود الأصلي من كلّ واحد من تلك الألفاظ إفادة معناه الحقيقي قطعا، فلا تكون مندرجة في الحقيقة، فلا بدّ من إدراجها في المجاز لكون المقصود بكل منها إفادة غير الموضوع له و لو كان ذلك بملاحظة المعنى الذي يراد من جميع تلك الألفاظ، فعدم قصد خصوص معنى مجازيّ من كلّ واحد من تلك الألفاظ لا ينافي كونها مجازات مستعملة في غير ما وضعت له إذا كان المقصود من الجميع غير الموضوع له، لظهور صدق كون المقصود من كلّ منها غير ما وضع له و إن كان في ضمن الكلّ.

فظهر بما ذكرنا أنّ المجاز في المركّب يستلزم المجاز في المفرد على النحو المذكور و إن لم يستلزم استعمال كلّ واحد من المفردات في معنى مجازي‏

____________

(1) كما هو أحد الوجهين في المجاز في المفرد كما عرفت. (منه (رحمه اللّه)).

197

مخصوص، كما هو الشأن في سائر المجازات المفردة. فتأمّل.

إذا عرفت ذلك فقد تبيّن لك الوجوه التي يمكن الاستناد إليها في إثبات الوضع للهيئات التركيبيّة كما هو مختار جماعة من الأجلّة، و الوجه في ضعفها، و ظهر لك قوّة القول بنفي الوضع في المركّبات.

و ربّما يقال بثبوت الوضع فيها من جهة دلالة بعض التراكيب على بعض الخصوصيّات كدلالة الجملة الإسميّة على الدوام و الثبوت و الفعليّة على التجدّد و الحدوث. و فيه تأمّل.

ثمّ على القول بثبوت الوضع في التراكيب ففي اندراجها في حدّ الحقيقة إشكال، و القول بشمول اللفظ لها كما ادّعي غير متّجه.

إلّا أن يقال بكون الهيئة مرآة لوضع الألفاظ المركّبة لا أنّها بنفسها موضوعة، فيتعلّق هناك وضع بالأجزاء و وضع بالكلّ. و فيه ما لا يخفى.

نعم، على ما قرّرناه في المجاز المركّب يندرج ذلك في حدّ المجاز، و كأنّه الوجه في أخذهم اللفظ في حدّه و الكلمة في حدّ المجاز في المفرد، و يجري نحوه في اندراج المركّب في حدّ الحقيقة، و الظاهر عدم جريان الحقيقة و المجاز بالنسبة إلى الأوضاع المتعلّقة بالخصوصيّات المعتورة على الكلمات، إذ ليس هناك استعمال لفظ في الموضوع له أو في خلافه، كما لا يخفى.

[الفائدة السابعة: هل الاستعمال في المعنى المجازي توقيفي أو لا؟]

السابعة أنّه لا شكّ في كون إثبات المعاني الحقيقيّة توقيفيّة لا بدّ فيه من الرجوع إلى الواضع و لو بنقل النقلة أو بملاحظة العلائم و الأمارات المقرّرة، و اختلفوا في المعاني المجازيّة.

فذهب جماعة إلى اعتبار نقل الآحاد في صحّة استعمال كلّ لفظ بالنسبة إلى كلّ من المعاني المجازيّة كما هو الحال في المعاني الحقيقيّة.

و المحكي عن الأكثر الاكتفاء فيه بنقل نوع العلاقة المصحّحة للاستعمال،

198

فلا يصحّ التجوّز إلّا بعد ثبوت الترخيص في نوع تلك العلاقة من غير حاجة بعد ذلك إلى نقل الآحاد.

و عن بعض المتأخّرين التفصيل بين الحروف و ما بمنزلتها من الأسماء الناقصة كالظروف و صيغة الأمر و النهي و نحوها، و ما عدا ذلك من سائر الأسماء و الأفعال فاختار اعتبار نقل الآحاد في الأوّل دون الأخير.

و الأظهر في المقام عدم الحاجة إلى نقل آحاد المجاز و لا نقل خصوص أنواع العلائق في صحّة التجوّز، و غاية ما يلتزم به في المقام هو الاحتياج إلى ترخيص الواضع في صحّة الاستعمال بحسب اللغة في غير ما وضع له من المعاني المجازيّة حسب ما مرّت الإشارة إليه، و حينئذ نقول: إنّ من البيّن أنّ الترخيص هنا لم يرد بطريق النقل المتّصل و لا المرسل عن صاحب اللغة، و إنّما يرجع فيه إلى استقراء الاستعمالات و النظر في الطريقة الجارية في المحاورات و ملاحظة موارد الإطلاقات كما هي الطريق في استنباط الأوضاع النوعيّة، إذ لا يزيد ذلك عليها.

و المتحصّل من التأمّل في الطريقة الجارية المتداولة من بدو اللغة إلى الآن في استعمال الألفاظ في المعاني المجازيّة و التعدّي عن مقتضى الأوضاع الحقيقيّة هو ملاحظة الارتباط و العلاقة التي لا يستهجن معها استعمال اللفظ في المعنى المجازي و الانتقال إليه من المعنى الحقيقي، من غير ملاحظة لشي‏ء من خصوص المعاني المستعملة فيها من قديم الأيّام المنقولة عن العرب، و لا لشي‏ء من خصوص العلاقات المقرّرة في شي‏ء من الاستعمالات المتداولة.

فظهر أنّ المدار في ترخيص الواضع هو ذلك من غير اعتبار لشي‏ء من الوجهين المذكورين، كيف و تلك الخصوصيّات غير مضبوطة عند أهل العرف و لا معروفة عند العامّة، مع عدم تأمّل أحد من أهل العرف في صحّة التجوّز، و استعمال الألفاظ في المعاني المستحدثة الجديدة ممّا لم يخطر ببال المتقدّمين من أهل اللسان من الاستعارات و ضروب الكنايات و سائر أقسام المجاز.

و بالجملة: الملحوظ في الاستعمالات العرفيّة عند التجوّز في اللفظ هي‏

199

العلاقة التي لا يستهجن معها الانتقال من المعنى الحقيقي إلى المجازي، بحيث يكون استعماله فيه مرضيّا عندهم غير مستنكر لديهم، من غير ملاحظة لما يزيد عليه و لا التفات إلى اندراجه في أيّ نوع من أنواع العلائق المقرّرة، و هو ظاهر لمن تأمّل في الاستعمالات الجارية بحيث لا يعتريه شبهة.

و ما تصدّوا له من حصر أنواع العلائق في الوجوه المذكورة في كتبهم فإنّما هو مبنيّ على الغالب؛ و لذا وقع الاختلاف في تعدادها بحسب اختلافهم في كثرة التتبّع في أصناف المجاز و قلّته من غير بنائهم على وقوع اختلاف في ذلك، فملاحظة تلك الخصوصيّات غير معتبرة في صحّة التجوّز أصلا، و إنّما الملحوظ فيها هو ما ذكرنا، فهو المناط في الترخّص و انطباقه على تلك الخصوصيّات من قبيل الاتّفاق من غير اعتبار في الترخيص لخصوص تلك الجهات؛ و لذا وقع الاختلاف في إرجاع بعضها إلى البعض و اقتصر جماعة على عدّه من العلائق بارجاع الباقي إليها.

و الحقّ- كما عرفت- إرجاع الجميع إلى أمر واحد هو ما قرّرناه، كيف و لو كان المصحّح للاستعمال هو خصوص العلائق المقررة- كما هو قضيّة ما ذكروه- لكان الملحوظ حين الاستعمال إدراج العلاقة الحاصلة في واحد منها؛ ليصحّ الإقدام على استعماله نظرا إلى إناطة الترخيص به، و من المعلوم خلافه، و لصحّ استعمال المجاز كلّيا مع حصول واحد منها، مع أنّه بيّن الفساد، إذ لا يصحّ التجوّز في كثير من الأمثلة مع حصول نوع العلاقة المعروفة و لو مع حصول الشرط الذي اعتبروه في بعضها كاستعمال الجزء في الكلّ؛ و لذا قد يصحّ الاستعمال مع انتفاء ما اعتبروه من الشرط كاستعمال اليد في الإنسان كما في الحديث المشهور: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (1) مع أنّها مما لا ينتفي الكلّ بانتفائها، و يصحّ استعمال مجاز بعينه في مقام دون آخر كما في المثال المذكور، و استعمال الرّقبة في الإنسان فإنّه إنّما يصحّ فيما تعلّق به الرق أو العتق و نحوهما لا في ما سوى ذلك،

____________

(1) سنن البيهقي: ج 6 ص 95.

200

كأن يقول: «رأيت رقبة» أو «زرت رقبة» و نحوهما فظهر أنّه إنّما يدور الأمر في كلّ من تلك العلائق مدار ما قلناه.

و القول بأنّ الترخيص الحاصل في المجازات مقتض لصحّة الاستعمال، و ليس علّة تامّة في ذلك كما في أوضاع الحقائق، و حصول المقتضي إذا قارن وجود المانع- أعني منعهم من الاستعمال في خصوص بعض المعاني- لم يعمل عمله، فلا مانع من عدم اطّراد العلائق و عدم جواز الاستعمال مع وجودها.

مدفوع: بأنّه لا حاجة إلى التكلّف المذكور، مع أنّ الظاهر من ملاحظة موارده عدم حصول المقتضي لصحّة الاستعمال هناك، حيث إنّه لا فارق بينها و بين المعاني التي ليست بينها و بين المعاني الحقيقية مناسبة ظاهرة كما هو ظاهر بعد ملاحظة العرف، لا أنّ المقتضي لصحّة الاستعمال موجود هناك، و إنّما يمنع عنها وجود المانع.

و قد يحتجّ للقول باعتبار نقل الآحاد تارة، بأنّ ما لم ينقل عن أهل اللسان خارج عن اللغة لانحصارها في الحقيقة و المجاز، و غير المنقول ليس من الأوّل قطعا و لا من الثاني، إذ المجاز اللغوي ما كان المتجوّز فيه صاحب اللغة، فيخرج حينئذ عن العربية، فلا يصحّ استعماله فيه في تلك اللغة، و يقضي وجوده في القرآن بعدم كون جميعه عربيّا و قد وصفه تعالى بكونه عربيّا الظاهر في كون كلّه عربيّا.

و تارة بأنّه لو لم يحتج إلى نقل الآحاد لما ذكروا المعاني المجازيّة في كتب اللغة، و اقتصروا على بيان المعاني الحقيقية، مع أنّهم لا زالوا يذكرون المجازات حسب ما يذكرون الحقائق.

و أنت خبير بوهن الوجهين، أمّا الأوّل فبأنّ استعمال المجاز لمّا كان عن ترخيص الواضع صحّ اندراجه في العربي؛ لما عرفت من كون ذلك نحوا من الوضع، و أيضا يكفي في اندراجه في العربيّة وقوعه من أتباع أهل اللسان.

ألا ترى أنّ الحقائق العرفيّة العامّة و الخاصّة غير خارجة عن اللسان العربي، مع أنّ الاستعمال هناك من جهة الوضع الخاصّ المغاير لوضع اللغة، بل و كذا الحال‏

201

في المرتجلات مع عدم ملاحظة مناسبتها للمعاني اللغويّة ليحصل لها بذلك نوع تبعيّة لواضع اللغة.

و أمّا الثاني فبأنّ ذكر المعاني المجازيّة ليس لاستقصاء المجازات حتّى لا يصحّ استعمال مجاز غيرها كما هو شأنهم في بيان المعاني الحقيقيّة، بل إنّما يذكرون المعاني الدائرة بين الحقيقة و المجاز لاحتمال كونها من الحقيقة، أو يشيرون إلى بعض المجازات المتداولة عند أهل اللغة و المجازات الخفيّة ممّا يكون العلاقة فيها غير واضحة، ليكون باعثا على سهولة الخطب في معرفة المعاني المستعملة فيها في الإطلاقات الواقعة في الآيات القرآنيّة و الروايات المأثورة و الأشعار و الخطب و الرسائل و نحوها، فإنّ في ذكرها توضيحا لتفسيرها، كما لا يخفى.

حجّة القائل باعتبار النقل في أنواع العلاقة و وقوع الترخيص بالنسبة إلى كلّ نوع منها من غير حاجة إلى نقل آحاد المجاز، أمّا على عدم التوقّف على نقل الآحاد فبما يقرب ممّا ذكرناه في حجّة ما اخترناه، و أمّا على اعتبار نقل النوع فبعدم جواز التعدّي عن مقتضى الوضع و لزوم الاقتصار في الاستعمال على حسب ما عيّنه الواضع، و إنّما يجوز التعدّي عنه بعد ترخيصه و إجازته لكونه أيضا نحوا من الوضع، فلا بدّ أيضا من الاقتصار فيه على القدر الذي قامت عليه الشواهد من النقل، و ثبت الترخيص فيه لابتناء الأمر في باب الألفاظ على التوقيف، و القدر الثابت من الترخيص هو ما ذكرناه فلا بدّ من الاقتصار عليه.

و لا يخفى وهنه بعد ملاحظة ما أشرنا إليه.

على أنّه قد يقال: إنّ ذلك إنّما يتمّ إذا كان التصرّف في المجاز بإطلاق اللفظ من أوّل الأمر على غير ما وضع بإزائه، فإنّ ذلك خروج عن مقتضى الوضع متوقّف على ترخيص الواضع حسب ما ذكر، و أمّا إذا كان التصرف فيه بواسطة إرادة معناه الحقيقي و الانتقال منه إلى المعنى المجازي- كما مرّ القول فيه- فلا حاجة فيه إلى الترخيص، إذ ليس ذلك تصرّفا في اللفظ.

202

و يشكل: بأنّ ذلك أيضا نحو من التصرف في اللفظ، حيث إنّ المقصود منه حقيقة غير معناه الحقيقي و إن جعل إرادة معناه الحقيقي واسطة في الانتقال إليه.

و قد يناقش فيه: بأنّه إنّما يتمّ إذا قلنا بكون دلالة اللفظ على كون مدلوله هو المقصود بالإفادة من جهة الوضع، و هو غير ظاهر، و أمّا إن قلنا بدلالة ظاهر الحال عليه فلا حاجة في التعدّي عنه إلى التوقيف بعد إرادة الموضوع له من اللفظ.

و فيه: أنّ معاني الألفاظ و كيفيّة استعمالها فيها امور توقيفيّة لا بدّ من الجري فيها على النحو المألوف و الطريقة المتلقّاة عن أهل اللغة، و إلّا لكان غلطا بحسب تلك اللغة، و قد عرفت أنّ إرادة المعاني المجازيّة من الألفاظ إنّما تكون باستعمالها فيها و إن كان بتوسّط إرادة معانيها الحقيقيّة، فيتوقّف جواز استعمالها كذلك على التوقيف.

حجّة المفصّل: أمّا على عدم الافتقار إلى نقل الآحاد فبما عرفت من عدم توقّف استعمال المجازات في شائع الاستعمالات على ورود الخصوصيّات من أهل اللسان و ثبوت الترخيص في الأشخاص و جريان السيرة و استمرار الطريقة عليه حسب ما أشرنا إليه.

و أمّا على الافتقار إلى نقل الآحاد في الحروف و الظروف و نحوهما من الأفعال و الأسماء الناقصة فباعتناء علماء العربية في تعيين مستعملاتها و بيان معانيها الحقيقيّة و المجازيّة من غير فرق بينهما في ذلك، و في إيراد الشواهد و الأدلّة لإثبات كلّ من معانيها و لو كانت مجازيّة، و وقوع النزاع في بعض منها على نحو المعاني الحقيقيّة و استناد كلّ من الطرفين إلى الشواهد و المرجّحات، فلو لا الحاجة إلى النقل و توقّف الاستعمال فيها على التوقيف لم يتّجه ما ذكروه، و لم يترتّب فائدة على ما بيّنوه، بل لم ينحصر معانيها المجازيّة فيما شرحوه؛ لاتّساع الدائرة فيها و عدم توقّف صحّة الاستعمال على نقلهم لها.

و فيه: أنّ ذلك لا يفيد توقّف المجاز على النقل، فقد يكون ذلك لمزيد عنايتهم بشأنها لكثرة دورانها في الاستعمالات و شيوع استعمالها في المحاورات، و قد كان‏