هداية المسترشدين - ج1

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
735 /
253

نفس الأمر، لا مطلق المعنى حتّى يلزم فساد الحكم بصحّة السلب في بعض صوره و عدم دلالته على المجاز في بعض آخر، و لا خصوص المعنى الحقيقي ليلزم الدور مثلا أنّا نعلم أنّ في إطلاق «الحمار» على البليد قد لوحظ معنى الحيوان الناهق، إذ إطلاقه عليه إنّما هو بهذا الوجه مع أنّه يصحّ سلب هذا المعنى بعينه عنه في نفس الأمر، فيقال: البليد ليس بحمار، أي ليس بحيوان ناهق في نفس الأمر، فيكون مجازا، و إذا تبيّن المراد في صحّة السلب فقس عليه الحال في عدم صحّة السلب.

و يشكل ذلك بأنّ المراد بالمعنى الملحوظ في الإثبات في نفس الأمر إمّا الملحوظ في الاستعمال- يعني خصوص ما استعمل اللفظ فيه- فهو مما لا يصحّ سلبه في المجاز؛ لوضوح أنّ الحمار في إطلاقه على البليد مستعمل في الحيوان القليل الإدراك لا الحيوان الناهق، و لذا كان مجازا لغويّا، و من البيّن عدم صحّة سلبه عن البليد، فلا يتمّ ما ذكر من أنّ إطلاقه على البليد ليس إلّا من جهة كونه حيوانا ناهقا، إلّا على قول من يجعل الاستعارة مبنيّا على المجاز العقلي باستعمال اللفظ في معناه الحقيقي و ادعاء كون ما اطلق عليه من أفراده على أنّه لا يجري في غير الاستعارة من سائر أنواع المجاز كإطلاق النهر على الماء و إطلاق القرية على الأهل و نحوهما.

و إمّا المعنى الملحوظ في استعمال اللفظ في المعنى المفروض بارتباطه به و علاقته له فالتجوّز في الاستعمال إذن ظاهر قبل ملاحظة العلامة المذكورة؛ إذ مع فرض كون الاستعمال فيه من جهة ملاحظة علاقته لغيره لا مجال للشكّ في كونه مجازا حتى يفتقر إلى العلامة المذكورة، ضرورة أنّه لا يكون ذلك في غير المجاز، و لو قطع النظر عن ذلك و فرض عدم استفادة الحال من ذلك فصحّة سلب ذلك المعنى عنه لا تفيد كونه مجازا فيه، إلّا بعد العلم بكونه حقيقة في ذلك المعنى، فيكون صحّة سلبه عنه إذن موقوفا على العلم بكونه غير الموضوع له فالدور على حاله، و نحوه الكلام في عدم صحّة السلب، إلّا أنّه يجري نحو الكلام الأخير في الشقّ الأوّل و لا حاجة فيه إلى الباقي.

254

و منها: أنّ المراد بكون صحّة السلب علامة للمجاز أنّ صحّة سلب كل واحد من المعاني الحقيقية عن المبحوث عنه علامة لمجازيته بالنسبة إلى ذلك المعنى المسلوب، فإن كان المسلوب الحقيقي واحدا في نفس الأمر كان ذلك المبحوث عنه مجازا مطلقا، و إن تعدد كان مجازا بالنسبة إلى ما علم سلبه عنه لا مطلقا.

و مثله الكلام في عدم صحّة السلب؛ فإنّ المراد عدم صحّة سلب المعنى الحقيقي في الجملة، فيقال: إنّه علامة لكون ما لا يصحّ سلب المعنى الحقيقي عنه معنى حقيقيا بالنسبة إلى ذلك المعنى الذي لا يجوز سلبه عنه و إن احتمل أن يكون لذلك اللفظ معنى آخر يصحّ سلبه عن المبحوث عنه فيكون مجازا بالنسبة إليه، فلا يتوقّف معرفة كون المبحوث عنه حقيقة على العلم بكونه حقيقة حتى يلزم الدور.

و الحاصل: أنّ معرفة كونه حقيقة في هذا المعنى الخاصّ موقوف على معرفة الحقيقة في الجملة، و ذلك لا يستلزم دورا.

و أنت خبير بما فيه، إذ لا يفيد شيئا في دفع الدور؛ فإنّه من البيّن أنّ صحّة سلب المعنى الحقيقي المفروض عن المبحوث عنه تتوقف على العلم بكونه مغايرا له مباينا إيّاه و هو معنى كونه مجازا بالنسبة إليه، إذ ليس المجاز إلّا اللفظ المستعمل في غير ما وضع له فالعلم بالمغايرة- أعني كونه مجازا بالنظر إليه- إن كان متوقفا على صحّة السلب- كما هو المدّعى- لزم الدور.

و كذا الحال في عدم صحّة السلب، فإنّه إن كان المقصود من ملاحظة العلامة المذكورة معرفة كون المبحوث عنه موضوعا له اللفظ فإن كان المعنى المسلوب عنه معيّنا معلوما- كما هو الظاهر من الكلام المذكور- فكونه حقيقة فيه لا بدّ أن يكون معلوما قبل إعمال العلامة المذكورة كما هو المفروض، فلو توقّف عليه كان دورا، و إن اخذ معناه الحقيقي على سبيل الإجمال و الإبهام و اريد بالعلامة المذكورة تعيينه و معرفته بخصوصه فمعلوم أيضا، أنّ معرفة كون ذلك المجمل هذا المعيّن موقوف على الحكم بعدم صحّة السلب و الحكم به موقوف على العلم باتّحادهما و هو دور.

255

و إن اريد بها العلم بكون المبحوث عنه مصداقا حقيقيّا لمعناه الحقيقي لا موضوعا له اللفظ بخصوصه فهو يرجع إلى جوابه الآتي و لا يكون جوابا آخر و هو أيضا لا يدفع الدور، كما سيجي‏ء الإشارة إليه إن شاء اللّه.

و منها: أنّ المراد بصحّة سلب المعنى و عدمها هو صحّة سلب المعنى الحقيقي و عدمها عمّا احتمل فرديّته له بأن يعلم للّفظ معنى حقيقي ذو أفراد و يشكّ في دخول المبحوث عنه فيها و عدمه، فيكون الشك في كون ذلك مصداقا لما علم كونه موضوعا له، لا في كونه موضوعا له بخصوصه، فيختبر ذلك بصحّة السلب و عدمها، و هذا أيضا لا يستلزم دورا؛ لإختلاف الطرفين.

و أنت خبير بأنّ ذلك أيضا لا يفيد في دفع الدور شيئا؛ إذ نقول حينئذ: إنّ معرفة كونه مصداقا لذلك المعنى يتوقّف على عدم صحّة سلبه عنه، و عدم صحّة سلبه عنه يتوقّف على العلم بكونه مصداقا له، و كذا الحال في صحّة السلب فيجي‏ء هناك إختلاف في تقرير الدور؛ نظرا الى تغيير ظاهر المدّعى حيث إنّ ظاهر جعلهما علامة للحقيقة و المجاز كونهما علامتين لمعرفة نفس الموضوع له و غيره فصرف ذلك في الجواب المذكور الى معرفة مصداق كلّ منهما، و الدور بحاله غير مندفع أصلا.

و منها: أنّ صحّة سلب بعض المعاني الحقيقيّة، كافية في الدلالة على المجاز، إذ لو كان حقيقة لزم الاشتراك المرجوح بالنسبة إلى المجاز، و كأنّ الوجه في اندفاع الدور حينئذ: أنّ معرفة كونه مجازا مطلقا متوقّفة على صحّة سلب بعض المعاني الحقيقية، و صحّة سلب بعض المعاني الحقيقية متوقّفة على كونه مجازا بالنسبة إلى ذلك المعنى الحقيقي فاختلف طرفا الدور. و لا يخفى وهنه.

أمّا أوّلا فلأنّ العلم بكونه مجازا مطلقا يندرج فيه العلم بالمجازية بالنسبة إلى المعنى المفروض، فالدور بالنظر إليه على حاله.

و أمّا ثانيا فلأنّ معرفة كونه مجازا مطلقا لا يتوقّف على العلامة المذكورة، بل عليها و على الأصل المذكور، و إنّما يعرف من العلامة المفروضة كونه مجازا فيه‏

256

بملاحظة المعنى المفروض، و من الأصل المذكور عدم ثبوت الوضع له بخصوصه أو لمعنى آخر لا يصحّ سلبه عنه فالدور أيضا بحاله.

و أمّا ثالثا فبعدم جريانه في عدم صحّة السلب؛ إذ عدم صحّة سلب بعض المعاني الحقيقيّة عنه موقوف على العلم بكونه حقيقة فيه و المفروض توقف العلم بكونه حقيقة فيه على ذلك فالدور فيه على حاله.

و أمّا رابعا فلأنّ المفروض في الجواب المذكور إثبات كونه مجازا فيه بذلك و بالأصل فلا تكون العلامة المفروضة بنفسها أمارة للمجاز، و هو خلاف المدّعى.

و منها: أنّ المراد إنّا إذا علمنا المعنى الحقيقي للّفظ و معناه المجازي و لم نعلم ما أراد القائل منه فإنّا نعلم بصحّة سلب المعنى الحقيقي عن المورد، أنّ المراد هو المعنى المجازي، و قد نصّ المجيب المذكور بعدم جريان الجواب في عدم صحّة السلب؛ إذ لا يعرف من عدم صحّة سلب المعنى الحقيقي عن المورد كونه حقيقة فيه، ضرورة عدم صحّة سلب الكلّي عن فرده، مع أنّ استعماله فيه مجاز. و اورد عليه بوجوه:

أحدها: أنّ العلائم المذكورة إنّما تلحظ في مقام الشكّ في الموضوع له و الجهل بكون اللفظ حقيقة في المعنى المستعمل فيه أو مجازا و أمّا مع العلم بكون اللفظ حقيقة في معنى مجازا في آخر فلا حاجة إلى العلامة؛ إذ مع إمكان حمله على الحقيقة يتعيّن الحمل عليها نظرا إلى أصالة الحمل على الحقيقة، و بدونه يتعيّن الحمل على المجاز و يكون امتناع حمله على الحقيقة قرينة على ذلك و ليس ذلك من العلامة في شي‏ء.

ثانيها: أنّه لو صحّ ذلك لاقتضى أن يكون كلّ من صحّة السلب و عدمها علامة لكلّ من الحقيقة و المجاز فإنّ صحّة سلب المعنى الحقيقي علامة للمجاز و صحّة سلب المعنى المجازي علامة للحقيقة، و عدم صحّة السلب بالعكس، و هم لا يقولون به لجعلهم عدم صحّة السلب أمارة للحقيقة و صحّة السلب أمارة للمجاز.

ثالثها: أنّ استعمال الكلّي في الفرد ليس مجازا مطلقا و إنّما يكون مجازا إذا

257

استعمل فيه بخصوصه، و مع إرادة الخصوصيّة من اللفظ، فلا ريب في صحّة سلب معناه الحقيقي عنه بهذا الاعتبار و إن لم يصحّ سلبه عنه بالاعتبار الأوّل، فما ذكره في وجه عدم جريان ما ذكره في عدم صحّة السلب ليس بمتّجه.

قلت: يظهر ممّا ذكر في الإيراد حمل كلام المجيب على أنّه إذا لم يعلم المستعمل فيه أصلا و اريد المعرفة به فبصحّة سلب المعنى الحقيقي عن المراد من جهة القرينة الدالّة على إرادة غيره يعلم إرادة المجازي، و لذا ذكر في الإيراد عليه:

أنّ ذلك ليس من العلامة في شي‏ء، و الذي يظهر بالتأمّل في كلامه أنّ ذلك ليس من مقصود المجيب في شي‏ء كيف! و فساد الكلام المذكور يشبه أن يكون ضروريا و لا داعي لحمل كلامه عليه مع ظهوره في خلافه، بل الظاهر أنّ مراد المجيب أنّه إذا اطلق اللفظ على مصداق- كما إذا استعمل الحمار في البليد- و شككنا في كونه مصداقا لمعناه الحقيقي أو المجازي مع العلم بكلّ منهما فلم يعلم المستعمل فيه في المقام من جهة الشكّ المذكور فإنّه إن كان فردا للحيوان الناهق كان اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي إن اطلق على فرد منه لا من حيث الخصوصية، و إن لم يكن فردا منه فهو من مصاديق معناه المجازي، أعني الحيوان القليل الإدراك و يكون اللفظ إذن مستعملا فيه فيتعرّف إذن بصحّة سلب معناه الحقيقي عنه أنّه من أفراد المعنى المجازي و أنّ اللفظ مستعمل في معناه المجازي.

و قوله: «فإنّا نعلم بصحّة سلب المعنى الحقيقي عن المورد ... إلخ» كالصريح فيه، فإنّه إذا لم يطلق اللفظ على مصداق معيّن فمن أين يتحقّق هناك مورد معلوم للاستعمال.

ثمّ إنّه مع الجهل بالمراد مطلقا كيف يعقل سلب المعنى الحقيقي عن المجهول المطلق؟ و يتعرّف بذلك كون المستعمل فيه مجازا. و الحاصل: أنّ ما ذكرناه في كمال الظهور من الكلام المذكور.

ثمّ ما ذكره ثانيا من عدم جريان ذلك في عدم صحّة السلب معلّلا بما ذكره في غاية الظهور أيضا فيما قلناه.

258

فظهر بما ذكرنا اندفاع الإيرادات المذكورة عنه، أمّا الأوّل فظاهر.

و أمّا الثاني فبأنّهم إنّما اعتبروا صحّة السلب و عدمها بالنسبة إلى المعنى الحقيقي لتعيّنه و تميّزه و أمّا المعنى المجازي فلمّا لم يكن متعيّنا مضبوطا بل كان دائرا مدار حصول العلامة لم تفد صحّة سلب ما نعرفه من المعاني المجازيّة كونه مصداقا لمعناه الحقيقي؛ لاحتمال كونه مندرجا في مجازي آخر غيرها، و لا عدم صحّة سلبه عنه كونه فردا من المعنى المجازي؛ لإمكان أن يكون معناه المجازي أعمّ من الحقيقي فلا يصحّ سلب شي‏ء منهما عنه.

و أمّا الثالث فلأنّ الوجه المذكور إنّما يفيد تميّز مصداق معناه المجازي عن الحقيقي من دون إفادة لمعرفة نفس الموضوع له و غيره، فيستفاد من ذلك كون المستعمل فيه مجازا إذا علم اندراج ذلك المصداق في معناه المجازي و يتعرّف به كون اللفظ مجازا في الاستعمال المفروض، و أمّا إذا علم بعدم صحّة سلبه عنه اندراجه في معناه الحقيقي لم يفد ذلك كون اللفظ هناك حقيقة أو مجازا؛ لاحتمال استعمال اللفظ فيه بخصوصه، فيكون الاستعمال مجازا مع عدم صحّة سلبه عنه، فما ذكر في الإيراد عليه من أنّه مع استعماله في الفرد بخصوصه يصحّ سلب ذلك المعنى عنه غير متّجه؛ لوضوح عدم صحّة سلب الكلّي عن الفرد بالحمل الشائع و إن لوحظ الفرد بخصوصه.

فمرجع هذا الجواب إلى الجواب الثاني الذي حكيناه عن بعض الأفاضل، إلّا أنّه جعل صحّة السلب أمارة لكون اللفظ مجازا في استعماله المفروض فلم يصحّ له جعل عدم صحّة السلب أمارة لكونه حقيقة كذلك، و حينئذ فيرد عليه ما أوردناه عليه و أنّه لا حاجة إذن إلى جعله علامة لحال اللفظ بالنسبة إلى ما استعمل فيه حتّى لا يجري في عدم صحّة السلب، بل ينبغي جعله أمارة لتميّز المصداق الحقيقي عن المجازي ليجري في المقامين حسب ما مرّ، على أنّه قد يجعل أمارة بالنسبة إلى الأوّل أيضا بعد ملاحظة ما هو الغالب من عدم ملاحظة الخصوصية في إطلاق الكلّيات على أفرادها. فتأمل.

259

و منها: أنّ المراد صحّة سلب ما يستعمل فيه اللفظ المجرد عن القرينة في العرف فإنّه يصحّ عرفا أن يقال للبليد: إنّه ليس بحمار، و لا يصحّ أن يقال: إنّه ليس بإنسان، فعلم بالأوّل كون الحمار مجازا فيه، و بالثاني صدق الإنسان عليه على سبيل الحقيقة.

و هذا الجواب يرجع إلى أحد الجوابين المذكورين في الجواب عن الدور الوارد في التبادر، إذ قد عرفت ممّا مرّ جريان ذلك بالنسبة إلى ملاحظة صحّة السلب و عدمها مع الإطلاق في كلام العارفين باللسان غير المتكلم، و كذا بالنسبة إلى نفسه لو كان من أهل اللسان كما هو الغالب؛ نظرا إلى الفرق بين العلم بالشي‏ء و العلم بالعلم به، و حينئذ فالمتوقّف على إعمال العلامة هو الثاني و المتوقّف عليه هو الأوّل حسب ما عرفت.

هذا و قد أورد عليه بعض الأفاضل رحمهم اللّه بأنّ ذلك مجرّد تغيير عبارة لا يدفع السؤال؛ فإنّ معرفة ما يفهم من اللفظ عرفا مجرّدا عن القرائن هو بعينه معرفة الحقائق سواء اتّحد المفهوم العرفي ففهم معيّنا أو تعدّد من جهة الاشتراك ففهم الكلّ إجمالا و بدون التعيين، و ذلك يتوقّف على معرفة كون المستعمل فيه ليس هو عين ما يفهم عرفا على التعيين أو من جملة ما يفهم عرفا على الإجمال فيبقى الدور بحاله.

و أنت بعد ملاحظة ما قرّرناه تعرف ما فيه كيف! و الحاكم بصحّة السلب و عدمها بناء على الأوّل هو العرف، و إنّما يتوقّف حكمهم بذلك على معرفتهم بمعنى اللفظ لا علم الملاحظ للأمارة المذكورة، و الحاصل بملاحظة العلامة المذكورة علم الملاحظ بالحال بعد الرجوع إليهم، فمن أين يتوهّم لزوم الدور؟

و أمّا على الثاني فلا اتّحاد أيضا في طرفي الدور كما عرفت.

و أمّا الجواب عن الثالث فبما عرفت من اختلاف الحال في العلامة المذكورة، فإن كان المراد معرفة حال المفهوم من حيث ثبوت الوضع له و عدمه فلا ريب في صحّة السلب في المقامات المفروضة، ضرورة أنّ مفهوم الكلّ غير مفهوم الجزء

260

و اللازم، و إن اريد به معرفة حال المصداق من حيث اندراجه حقيقة في المفهوم المفروض و عدمه فلا ريب إذن في إفادة عدم صحّة السلب الحاصل في المقام اندراجه فيه على سبيل الحقيقة و كونه من أفراده الحقيقيّة، فلو اطلق ذلك اللفظ عليه لا من جهة اعتبار الخصوصيّة كان الاستعمال حقيقة و هو كذلك في الواقع، فلا نقض من الجهة المذكورة أصلا.

و قد يجاب عنه بأنّ المعتبر من الحمل في صحّة السلب و عدمها هو الحمل الذاتي و الحمل الصادق في الموارد المذكورة إنّما هو الحمل الشائع خاصّة. و فيه ما عرفت ممّا قرّرناه.

[ثاني عشرها: الاطّراد و عدمه‏]

ثاني عشرها: الإطّراد و عدمه، فالأوّل علامة الحقيقة، و الثاني أمارة المجاز، و المراد به اطّراد استعمال اللفظ في المعنى المفروض بحسب المقامات بحيث لا يختصّ جوازه بمقام دون آخر أو مع خصوصية دون اخرى و يصحّ اطلاقه على مصاديق ذلك المعنى إذا كان كلّيا من غير اختصاص له ببعضها.

و اختلفوا في كون الإطّراد على الوجه المفروض دليلا على كون اللفظ حقيقة في ذلك المعنى و عدمه على قولين:

أحدهما: دلالته على ذلك، و حكي القول به عن جماعة منهم الغزالي و السيد العميدي و العلّامة في ظاهر التهذيب.

و ثانيهما: عدمها، ذهب إليه جماعة من العامّة و الخاصّة منهم الآمدي في الإحكام و الحاجبي و العضدي، و شيخنا البهائي (رحمه اللّه) و هو ظاهر العلّامة (رحمه اللّه) في النهاية حيث ذكر الإيراد على دلالته على الحقيقة مقتصرا عليه، و اختاره الشريف الاستاذ (قدّس سرّه‏).

حجّة الأوّل أنّه مع تحقّق الوضع للمعنى لا ريب في جواز إطلاق اللفظ عليه بحسب الموارد و المقامات و كذا على كلّ من مصاديقه، نظرا إلى تحقّق الطبيعة فيه و حصولها في ضمنه، و أمّا مع عدم حصول الوضع فجواز الاستعمال فيه يتبع وجود العلاقة المصحّحة، و قد تقرّر أنّه يعتبر في وجود العلاقة المجوّزة للتجوّز عدم إباء

261

العرف عن استعمال اللفظ و عدم استهجانه في المخاطبات، و ذلك أمر يختلف بحسب اختلاف المقامات و ليس له قاعدة مطّردة في الاستعمالات، و لذا ترى أنّه يصحّ استعمال «القرية» في أهلها في قولك: «اسأل القرية» و لا يصحّ في قولك:

«جلست القرية أو باعت القرية أو آجرت القرية» و نحوها مع وجود تلك العلاقة بخصوصها، و كذلك يقال: «أعتق رقبة» و لا يقال: «مات رقبة أو نام رقبة» و يطلق اليد على الإنسان في نحو قوله: «على اليد ما أخذت» و لا يقال في سائر المقامات إلى غير ذلك مما يظهر بملاحظة موارد استعمال المجازات، فيختلف الحال في جواز الاستعمال بملاحظة الخصوصيّات الحاصلة في موارد الاستعمالات فالاطّراد من اللوازم المساوية للحقيقة و عدمه من اللوازم المساوية للمجاز، فالأوّل يدلّ على الحقيقة و الثاني على المجاز من باب دلالة اللازم المساوي على ملزومه.

و يرد عليه: أنّ المجاز و إن لم يستلزم الإطّراد في الاستعمالات إلّا أنّه قد يطّرد سيّما إذا كانت العلاقة في كمال الوضوح و كان الارتباط بين المعنى المجازي و الحقيقي في غاية الكمال كما في استعمال «الأسد» في الشجاع، فإنّه يصحّ استعماله فيه مطّردا على نحو استعمال اللفظ الموضوع لذلك من غير فرق سوى ذكر القرينة المعتبرة في المجاز، و حينئذ فيكون الإطّراد لازما أعمّ بالنسبة إلى الحقيقة فلا يدلّ عليها؛ لوضوح عدم دلالة اللازم الأعمّ على خصوص ملزومه، و هذا هو حجّة القول الآخر المانع من دلالته على الحقيقة، فيقال: إنّ الاطّراد كما يوجد في الحقيقة يوجد في المجاز فلا يصحّ جعله علامة للحقيقة، لما تقرّر من اعتبار الاطّراد في العلامة.

و قد يجاب عنه بأنّ الاطّراد في المجازات إنّما يكون في آحاد منها على سبيل الندرة فلا ينافي حصول الظنّ المطلوب في باب الأوضاع، و الاطّراد المعتبر في العلامة إنّما يعتبر في أمثال المقام بالنظر إلى الغالب، نظرا إلى إفادته الظنّ المكتفى به في مباحث الألفاظ.

و قد يمنع الغلبة المدّعاة، فإنّ معظم المجازات المشتملة على المشابهة

262

الظاهرة يطّرد استعمالها في المحاورات و إنّما ينتفي الاطّراد غالبا في سائر أنواع المجاز ممّا تكون العلاقة فيها غير المشابهة، و حينئذ فلا يبقى ظنّ بكون المعنى الّذي فرض اطّراده في الاستعمال من المعاني الحقيقية.

نعم، لو علمنا انتفاء المشابهة في المقام- كما إذا علمنا معنى حقيقيا للّفظ و وجدنا استعماله في غيره مطّردا مع انتفاء المشابهة بينه و بين معناه الحقيقي و أمكن ملاحظة غيرها من العلائق بينهما- فإنّه حينئذ قد يصحّ الرجوع إلى الإطّراد في إثبات وضعه له؛ نظرا إلى ما قلناه.

و بالجملة: إذا دار الأمر بين أن يكون حقيقة في ذلك المعنى أو مجازا مرسلا أمكن إثبات الوضع بالاطّراد، نظرا إلى أنّ الغالب في المجاز المرسل عدمه، و أمّا إذا دار [الأمر] (1) بينهما و بين الاستعارة أو بين الثلاثة لم يصحّ ذلك حسب ما عرفت.

و اعلم أنّه يمكن أن يؤخذ الإطّراد على وجه آخر فيراد به اطّراد استعمال اللفظ فيه في جميع المقامات و سائر الأحوال مع انضمام القرينة و بدونه و دورانه بينهم كذلك في الاستعمالات، من غير فرق في استعماله فيه بحسب تلك المقامات، و حينئذ يتمّ دلالته على الحقيقة، و يندفع عنه الإيراد المذكور؛ إذ لا اطّراد في شي‏ء من المجازات على الوجه المفروض، إذ مجرّد وجود العلاقة غير كاف في التجوّز ما لم يوجد هناك قرينة صارفة.

فإن قلت: إنّه لا شكّ في جواز استعمال المجازات مع انتفاء القرائن في حال الاستعمال، بناء على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب- كما هو المعروف- و المفروض في المقام وجود القرينة في الجملة و إلّا لم يعلم استعماله فيه قبل العلم بوضعه له، غاية الأمر أن تكون القرينة منفصلة.

قلت: إنّ ذلك ممّا يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الأقوال، فقد يكون المقام مقام البيان و الإفهام فيكون في تأخير القرينة تفويت للمقصود، و حينئذ فلا ريب في المنع من تأخير البيان عن وقت الخطاب. و ليس مقصود القائلين‏

____________

(1) من المطبوع (1).

263

بجواز تأخيره عن ذلك جوازه كلّيا كما نصّوا عليه و يأتي في محلّه الإشارة إليه إن شاء اللّه.

فإن قلت: إنّ استعماله حينئذ في ذلك من دون اقتران القرينة في المقام المفروض كاف في الدلالة على الحقيقة، فلا حاجة إلى ملاحظة الاطّراد، و ذلك بنفسه أمارة على الحقيقة كما مرّت الإشارة إليه.

قلت: قد يعرف المقام المفروض بالخصوص و يرى استعماله فيه على النحو المذكور، فيمكن استنباط ثبوت الوضع له من ذلك من دون حاجة إلى ملاحظة غيره إذا كان المستعمل ممّن يعتدّ بشأنه، و قد لا يعلم خصوص المقام و لا خصوص المستعمل فيعرف من اطّراد استعماله في المقامات على النحو المذكور وروده في المقام المفروض في الجملة من غير استنكار له في العرف، فلا مانع من اعتباره أمارة مستقلّة بملاحظة ذلك و إن اتّحد الوجه في استفادته منه في المقامين و الظاهر أنّه بهذا المعنى ممّا لا ينبغي الخلاف فيه؛ لوضوح كونه من خواصّ الحقيقة سواء قلنا بكون القرينة مصحّحا لاستعمال المجاز، أو قلنا بأنّ المصحّح له وجود العلاقة، و المقصود منها مجرّد الإفهام. فتأمل في المقام.

هذا، و أمّا دلالة عدم الاطّراد بالوجه المتقدّم على المجاز فقد أثبتها كثير من الاصوليين منهم: الآمدي و الحاجبي و العضدي و شيخنا البهائي.

و نفاها العلّامة (رحمه اللّه) في النهاية؛ نظرا إلى عدم اطّراد بعض الحقائق كما سيجي‏ء الإشارة إليه، و اختاره بعض الأفاضل من المعاصرين، إلّا أنّه ذهب إلى حصول الاطّراد في المجازات على نحو الحقائق و لم يفسّر العلامة المذكورة على وجهها، و سنورد بعض ما ذكره في بيانها.

و ظاهر بعض الأعلام التوقّف فيه.

و ذهب بعض آخر إلى كونه دالّا على نفي الوضع النوعي خاصّة، فلا يفيد نفي الأوضاع الشخصيّة سواء كان الوضع فيها عامّا أو خاصّا و الموضوع له عامّا أو خاصّا.

264

و الأظهر هو الأوّل؛ إذ لو ثبت وضع اللفظ بإزاء ذلك المعنى لما صحّ التخلّف، ضرورة قضاء الوضع بصحّة استعمال اللفظ فيه في جميع المقامات من غير اختصاص ببعض الصور دون بعضها، كما هو الحال في سائر الألفاظ الدائرة في الاستعمال.

و قد يورد عليه: أنّ في الحقائق أيضا ما لا يطّرد استعماله في الموارد و لا يصحّ اطلاقه على كلّ من مصاديقه مع وجود المعنى فيه، كما في إطلاق «الفاضل» عليه تعالى و إطلاق «السخيّ» عليه و إطلاق «الأبلق» على غير الفرس مع حصول المعنى فيه و إطلاق «القارورة» على غير الزجاج و إطلاق «الدابّة» على غير ذات القوائم إلى غير ذلك.

و يدفعه: أنّ المنع من الإطلاق في الأوّلين شرعيّ فلا مانع من الإطلاق بحسب اللغة، و الاطّراد إنّما يلحظ بالنسبة إليها.

على أنّه قد يمنع المنع منه بحسب الشرع أيضا، إذ قد ورد في بعض الأدعية إطلاق «الفاضل» عليه تعالى و ورد فيه أيضا: «يا ذا الجود و السخاء» مخاطبا إيّاه تعالى.

مضافا إلى ما قد يقال بعد تسليم عدم الإطلاق عليه تعالى في اللغة أيضا: من أنّ «الفاضل»: هو العالم الّذي من شأنه الجهل، و السخي: هو الجواد الّذي من شأنه البخل، فعدم إطلاقهما عليه تعالى من جهة انتفاء المعنى بالنسبة إليه تعالى، و المنع من إطلاق «الأبلق» على غير الفرس لاختصاص مفهومه بها، فإنّه الفرس ذات اللونين، أو نقول أنّه خصّص بها في العرف بعد أن كان للأعمّ فهو منقول عرفي كما هو الحال في الأخيرين، إذ لا اختصاص لهما لغة بما ذكر، و اطّراد الاستعمال حاصل فيهما بالنسبة إليها، و عدم اطّرادهما إنّما هو بحسب العرف، فهو فيهما دليل على المجازيّة في المعنى الأعمّ بحسب الاستعمالات العرفيّة لا أنّه ناقض لدلالته على المجازيّة.

و ربّما يورد عليه أيضا بلزوم الدور، فإنّ العلم بعدم الاطّراد متوقّف على العلم‏

265

بالمجازيّة، إذ مع احتمال الوضع له لا يمكن العلم بعدم الاطّراد؛ ضرورة لزوم الاطّراد في الثاني حسب ما مرّ فلو كان العلم بالمجازيّة متوقّفا على العلم بعدم الاطّراد كما هو المدّعى لزم الدور.

و يدفعه: أنّ العلم بعدم الاطّراد إنّما يحصل من ملاحظة موارد الاستعمالات فيستنبط منه انتفاء الوضع لا أنّه يحصل العلم بعدم الاطّراد من العلم بانتفاء الوضع، لما عرفت من إمكان الاطّراد في المجاز و لا بعد العلم به، إذ لا توقّف له عليه بعد ملاحظة العرف بل قد لا يحصل العلم به بعد العلم بعدم الاطّراد أيضا مع الغضّ عن ملاحظة ما ذكر في بيان دلالته عليه.

و الوجه في المنع من عدم الاطّراد في المجاز حسبما ذكره الفاضل المذكور أنّه إن اريد بعدم اطّراد المجاز أنّه يقتصر فيه على موارد الرخصة في نوع العلاقة و لو كان في صنف من أصنافه فلا يطّرد استعماله مع حصول نوع العلاقة إذا كان في غير مورد الرخصة فهو حقّ، لكن لا ريب أنّ المجاز حينئذ منحصر فيما حصل الرخصة فيه و هو مطّرد في مورد الرخصة، و إن اريد به أنّ المجاز غير مطّرد بعد تحقّق الرخصة فيه بالنسبة إلى ما تعلّق الرخصة به فمن البيّن خلافه؛ فإنّ الوضع في المجاز كأوضاع الحقائق يقضي بصحّة الاستعمال مطّردا على حسب الوضع.

و أنت خبير بأنّه ليس المراد به شيئا من الأمرين المذكورين، بل المقصود من عدم اطّراد المجاز عدم اطّراد الاستعمال في المعنى الّذي فرض استعماله فيه على سبيل المجاز في بعض المقامات بالنسبة إلى غير ذلك من موارد الاستعمال.

و توضيح المقام حسب ما مرّت الإشارة إليه أنّ الأمر في العلائق دائر مدار قبول العرف و عدم استهجان الاستعمال في المخاطبات، و ذلك ممّا يختلف بحسب المقامات اختلافا بيّنا بالنسبة إلى اللفظ الواحد و المعنى الواحد، فيصحّ استعماله فيه في مقام دون آخر، ألا ترى أنّه يصحّ استعمال «القرية» في أهلها عند تعلّق السؤال، و لا يصحّ ذلك عند تعلّق الجلوس أو البيع أو الشراء أو الضحك و نحوها مع وجود تلك العلاقة بعينها، و كذا الحال في استعمال «النهر» في مائه فإنّه يصحّ‏

266

عند تعلّق الجريان أو الوقوف أو نحوهما به، تقول: جرى النهر أو وقف النهر، و لا يصحّ أن تقول: جمعت النهر أو أخرجت النهر إذا جمعت ماءه أو أخرجت الماء منه، و نحوه استعمال الرقبة في الإنسان في مقام تعلّق الرقّ أو العتق به و استعمال اليد فيه في مقام الأخذ أو الإعطاء دون سائر المقامات إلى غير ذلك.

فيستعلم من عدم الاطّراد على الوجه المذكور انتفاء الوضع للمعنى المفروض و كون الاستعمال من جهة العلاقة؛ إذ لو تحقّق الوضع له لم يتخلّف عنه صحّة الاستعمال، و أمّا مع انتفائه فيصحّ التخلّف لاختلاف الحال في العلاقة بحسب المقامات و المتعلّقات في شدّة الارتباط و ضعفه، و استحسان العرف لاستعماله فيه و استقباحه.

فما ذكره من أنّه مع تحقّق العلاقة و الإذن لا يمكن التخلّف، إن أراد به أنّه إذا تحقّقت العلاقة مع الخصوصيّة الملحوظة في الإذن لم يمكن أن يتخلّف عنه صحّة الاستعمال، ففيه- مع ما فيه من المناقشة إذ لا مانع إذن من قضاء الإذن العامّ بجواز الاستعمال و وقوع المنع الخاصّ من استعماله في خصوص بعض الصور فيقدّم الخاصّ على العامّ، فالإذن العامّ ليس إلّا مقتضيا للصحّة، و وجود المقتضي إذا قارن وجود المانع لم يعمل عمله- أنّه غير مفيد في المقام؛ إذ عدم إمكان التخلّف لا يجدي فيما هو بصدده لاختلاف الخصوصيّة الملحوظة في الوضع بحسب اختلاف المقامات و المتعلّقات فيصحّ الاستعمال في بعضها دون آخر، فلا يلزمه الإطّراد على ما هو المقصود في المقام و إن اطّرد على حسب الترخيص الحاصل من الواضع، فليس المراد بعدم اطّراد المجاز كونه مجازا مع عدم صحّة الاستعمال، بل المدّعى أنّ المعنى الّذي لم يوضع له اللفظ و استعمل فيه على سبيل المجاز قد لا يكون جواز الاستعمال فيه مطّردا، بأن لا يكون العلاقة المصحّحة للاستعمال فيه في مقام مصحّحة له في سائر المقامات، لما عرفت من اختلاف الحال فيه بملاحظة موارد الاستعمال، و لذا يصحّ استعمال اللفظ في معنى مخصوص في بعض المقامات دون غيره كما عرفت.

267

و مع الغضّ عن ذلك كلّه نقول: إنّه قد يكون المعنى المستعمل فيه مشتملا على صنف العلاقة المعتبرة في مقام دون آخر فيجي‏ء فيه عدم الاطّراد من الجهة المذكورة، فلا منافاة بين القول باطّراد العلائق في مواردها و عدم حصول الاطّراد في جواز الاستعمال بالنسبة إلى خصوص المعاني، نظرا إلى اختلاف أحوالها في الاشتمال على العلاقة و عدمه، فحينئذ لا مانع من القول بعدم حصول الاطّراد في المجازات، نظرا إلى ذلك فيتعرّف به حال المعنى كما هو المقصود في المقام، و هو ظاهر.

هذا، و الوجه في الوقف عدم حصول الاطّراد في بعض الحقائق لمانع خارجيّ فيحتمل ذلك في موارد استعمال اللفظ، و مع قيام هذا الاحتمال لا يتمّ الاستدلال به على انتفاء الوضع. و دعوى الغلبة بحيث تفيد المظنّة محلّ إشكال.

و أنت خبير بأنّ انتفاء الاطّراد في بعض الحقائق على فرض صحّته في غاية الشذوذ و الندرة، فلا ينافي إفادة تلك الأمارة للمظنّة، على أنّه غير متحقّق الحصول في شي‏ء من الحقائق حسب ما مرّت الإشارة إليه.

و الوجه في التفصيل أمّا بالنسبة إلى دلالته على نفي الوضع النوعي فظاهر، لاعتبار الاطّراد فيه قطعا، و أمّا بالنسبة إلى عدم إفادته نفي غيره من الأوضاع فلاحتمال أن يكون عدم الاطّراد من جهة اختصاص الوضع بما يصحّ الاستعمال فيه من المعنى المفروض من غير تعدية إلى غيره فلا يفيد انتفاء الوضع، فلو علم انتفاء الوضع الشخصي بخصوصه و دار الأمر في اللفظ بين أن يكون موضوعا بالوضع النوعي أو مجازا دلّ عدم الاطّراد على الثاني، كما هو الحال في الأفعال و المشتقات.

و أنت بعد ما عرفت ما قرّرناه في بيان معنى الاطّراد تعرف و هن هذا الكلام، لظهور دلالته حسب ما بيّنا على انتفاء الوضع بالنسبة إلى المعنى الّذي ثبت فيه نوعيّا كان أو شخصيّا من غير فرق حتّى أنّه يفيد انتفاء الأوضاع الجزئيّة أيضا.

ثمّ إنّ ما قرّره على فرض تسليمه غير جار بالنسبة إلى الأوضاع الكلّية.

268

و قد أجاب عنه بأنّه لمّا كان الوضع الشخصي حاصلا على كلّ من الوجهين و لم يكن ملازما لكلّية الوضع أو الموضوع له قام في نظر الجاهل احتمال كون اللفظ هناك موضوعا بالوضع الخاصّ لبعض أفراد ذلك الكلّي فلا يطّرد في الكلّ.

و هو كما ترى؛ إذ غاية ما يفيده الاحتمال المذكور اختصاص الوضع ببعض أفراد المعنى الملحوظ، و أين ذلك ممّا هو المقصود من دلالته على انتفاء الوضع بالنسبة إلى ذلك المعنى الكلّي الملحوظ في ذلك المقام، فالمقصود دلالة عدم الاطّراد على انتفاء الوضع بالنسبة إلى المعنى الذي لا يطّرد الاستعمال بالنسبة إليه، لا بالنظر إلى غيره و لو كان جزئيّا من جزئيّات ذلك المعنى، و هو واضح، و مع الغضّ عنه فقد يعلم في خصوص المقام انتفاء الوضع الخاصّ فينحصر الأمر بين كونه مجازا فيه أو موضوعا بالوضع العامّ فيحكم بالأوّل، نظرا إلى عدم الاطّراد حسب ما ذكره في دلالته على نفي الوضع النوعي. فتأمل.

هذا ملخّص الكلام في الامور المثبتة للوضع أو النافية له.

و قد ذكر في المقام امور اخر لإثبات الوضع و نفيه، و هي ما بين مزيّف أو راجع إلى ما قلناه أو مفيد لذلك في بعض صوره في موارد نادرة فلا بأس بالإشارة إليها ليتبيّن حقيقة الحال فيها.

منها: التقسيم، فإنّه يفيد عند بعضهم كون اللفظ حقيقة في المقسم الجامع بين تلك الأقسام إذا وقع في ذلك كلام من يعتدّ به من أهل اللغة أو العرف العامّ أو الخاصّ، و بالجملة يفيد كونه حقيقة في ذلك في عرف المقسم سواء كان المقسم لغويّا أو غيره.

و المراد بالقدر الجامع بين الأقسام هو المفهوم الصادق على كلّ منها، سواء كان صدقا ذاتيّا أو عرضيّا أو مختلفا، فلا دلالة فيه على كون المقسم هو تمام المشترك بين مفهوم كلّ من القسمين اللذين يرد القسمة عليهما، و لا بعض المشترك بينهما، بل قد يكون خارجا عن حقيقة كلّ منهما أو أحدهما، إلّا أنّه لا يخلو الواقع عن إحدى الصور المذكورة كما في تقسيم الحيوان إلى الإنسان و الفرس، و تقسيمه‏

269

إلى الانسان و الطائر و إلى الأسود و الأبيض، و تقسيم الجسم كذلك.

نعم، لا بدّ من اشتراكه في مصاديق الأقسام، ضرورة قضاء القسمة بصدق المقسم عليها فلا دلالة في القسمة على اشتراك المقسم بين الأقسام زيادة على ذلك، و هو معنى ما قيل من اعتبار مفهوم المقسم في الأقسام، فإنّ تقسيم الحيوان إلى الأسود و الأبيض إنّما يفيد ثبوت معنى الحيوان في مصاديق كلّ من القسمين، فلو عبّر عن تلك الأقسام من حيث كونها قسما للحيوان يعبّر عنها بالحيوان الأبيض و الحيوان الأسود، و ليس مفاد ذلك اعتبار مفهوم الحيوان في الأبيض و الأسود اللذين وقع التقسيم عليهما، و هو ظاهر.

ثمّ إنّ المختار عند جماعة منهم العلّامة (رحمه اللّه) و ابنه فخر الإسلام دلالة التقسيم على كون المقسم حقيقة في الأمر الشامل لتلك الأقسام.

و المذكور في كلام آخرين أنّ التقسيم أعمّ من ذلك و أنّه لا دلالة فيه على الحقيقة نصّوا عليه في طيّ مباحث الاصول عند إبطال الاحتجاج بالقسمة على وضع اللفظ للأعمّ، و يمكن أن يستدلّ للأوّل بوجوه:

أحدها: أنّ ذلك هو الظاهر من إطلاق اللفظ، فإنّ قضيّة التقسيم كما عرفت إطلاق المقسم على المعنى الأعمّ، و الظاهر من الإطلاق الحقيقة فيكون التقسيم واردا على معناه الحقيقي، و يكون ذلك إذن شاهدا على عمومه و إطلاقه.

و أنت خبير بأنّ ذلك حينئذ راجع إلى دلالة الاستعمال على الحقيقة؛ لكون الأصل فيه ذلك، و قد عرفت أنّ الحقّ فيه هو الدلالة على الحقيقة في متّحد المعنى دون متعدّده فلو ثبت استعماله في غير المفهوم المشترك أيضا لم يصحّ الاستناد إلى التقسيم و مع عدمه لا يكون ذلك دليلا آخر وراء الأصل المذكور. نعم يكون محقّقا لموضوعه حيث يثبت به الاستعمال في الأعمّ.

ثانيها: ظهور الحمل في ذلك، فإنّ قضيّة التقسيم هو حمل كلّ من القسمين على المقسم، و المستفاد من الحمل في العرف كون عنوان الموضوع صادقا على سبيل الحقيقة على مصداق المحمول، بمعنى كون مصداق المحمول مصداقا للموضوع‏

270

بالنظر إلى معناه الحقيقي إن كان الحمل شائعا كما هو المفروض في المقام.

و فيه: أنّه إن كان الظهور المذكور من جهة استعماله في المقام فيما يصدق على ذلك فهو راجع إلى الوجه الأوّل، و إن كان استظهاره من جهة دلالة الحمل بنفسه عليه ففيه أنّه إنّما يدلّ على كون الحمل حقيقيّا لا ادّعائيّا كما يتّفق في بعض الصور في نحو قولك: «زيد أسد» على وجه، فإنّ الحمل هناك خارج عن حقيقته.

و أمّا أنّ المراد بالموضوع هو معناه الحقيقي فلا يستفاد من الحمل.

نعم، إن كان المقام مقام بيان حقيقة اللفظ أو بيان مصداقه الحقيقي أفاد ذلك، إلّا أنّه حينئذ مستفاد من ملاحظة خصوصيّة المقام لا من مجرّد الحمل، فيدلّ في الأوّل على كون المحمول هو نفس ما وضع له اللفظ و في الثاني على صدق معناه الحقيقي عليه، إلّا أنّه خارج عن محلّ الكلام.

كيف! و لو كان مطلق الحمل دليلا على الحقيقة لما جعلوا عدم صحّة السلب علامة عليها بل اكتفوا مكانه بصحّة الحمل، فإنّ في تركهم ذلك و اعتبارهم مكانه لعدم صحّة السلب دلالة ظاهرة على أنّ الحمل يقع على الوجهين و يصحّ بظاهره في الصورتين، بخلاف عدم صحّة السلب.

و يومئ إلى ذلك أنّ إطلاق اللفظ على معناه المجازي بمنزلة حمله عليه حملا ذاتيّا بالنظر إلى المفهوم الذي استعمل اللفظ فيه و حمله شائعا بالنسبة إلى الفرد الّذي اطلق عليه، كما في استعمال الأسد في مفهوم الشجاع و إطلاقه على زيد، فلو كان الحال على ما ذكر لكان مطلق الاستعمال دليلا على الحقيقة، و قد عرفت ما فيه.

فإن قلت: أيّ فرق بين عدم صحّة السلب و صحّة الحمل حال الخلوّ عن القرائن مع أنّ ظاهر اللفظ حينئذ حمله على حقيقته في المقامين، فكما أنّ عدم صحّة السلب إذن يفيد عدم صحّة سلب معناه الحقيقي عنه كذا يفيد صحّة الحمل حمل معناه الحقيقي عليه، فيتّحد المفاد فيهما.

قلت: الفرق بينهما أنّ نفس ملاحظة الموضوع قد تكون قرينة على إرادة

271

المعنى المجازي في المحمول أو بالعكس، فإنّ كون الموضوع هو البليد في قولك:

«البليد حمار» شاهد على إرادة المعنى المجازي من الحمار، لعدم إمكان حمله عليه إلّا بذلك الاعتبار، فبتلك الملاحظة يصحّ حمله عليه و إن صحّ مع ذلك سلبه عنه أيضا، فمجرّد صحّة الحمل لا ينهض دليلا على الوضع، نعم قد يفيد ذلك بملاحظة ما ينضمّ إليه في خصوص المقام و لا كلام فيه، و هذا بخلاف عدم صحّة السلب؛ فإنّ نفس ملاحظة الموضوع و المحمول هناك لا تقضي بصرف اللفظ عن ظاهره و المفروض خلوّ المقام عن القرينة فيكون المحكوم بعدم صحّة سلبه عنه هو معناه المنصرف إليه عند الإطلاق و ليس إلّا معناه الحقيقي في نفس الأمر.

فتأمّل.

و ممّا قرّرنا يظهر ضعف ما ربّما يظهر من بعض الأفاضل من دلالة الحمل على الحقيقة، و مع الغضّ عن ذلك فلو قلنا بدلالة الحمل على الحقيقة كان ذلك في نفسه أمارة عليها فلا ربط له بدلالة التقسيم على الحقيقة كما هو الملحوظ في المقام.

ثالثها: أنّ الغالب في التقسيمات وقوع القسمة بملاحظة المعنى الحقيقي، فالظنّ يلحق المشكوك بالأعمّ الأغلب.

و فيه تأمّل؛ إذ لا بدّ في الغلبة المعتبرة في أمثال المقام أن تكون بحيث تفيد ظنّا بالمرام، لدوران الأمر في الأوضاع مدار الظنّ و كونها في المقام على النحو المذكور غير واضح، و ما ذكر من أنّ الظنّ يلحق المشكوك فيه بالأغلب ليس على إطلاقه.

نعم، قد يستفاد من التقسيم ظنّ بذلك بعد ملاحظة خصوصيّة المقام و هو كلام آخر، و حينئذ فلا مانع من الاستناد إليه في ذلك المقام.

ثمّ إنّ ما ذكرناه من دلالة التقسيم على الحقيقة و عدمها إنّما هو بالنسبة إلى تقسيم العامّ المنطقي إلى جزئيّاته كما هو ظاهر كلام الجماعة، و الظاهر جريان الكلام المذكور بالنسبة إلى تقسيم الكلّ إلى أجزائه و تقسيم العامّ الاصولي إلى جزئيّاته، فيفيد ذلك بناء على ظهور القسمة في تعلّقها بالمعنى الحقيقي اعتبار

272

كلّ من الأجزاء المفروضة في المسمى و اندراجه في الموضوع له اندراج الجزء في كلّه بالنسبة إلى الأوّل، و اندراج كل من تلك الجزئيّات فيه اندراج الخاصّ تحت العامّ الاصولي في الثاني، فيفيد وضع اللفظ المتعلّق للعموم لما يعمّ الأقسام المفروضة.

و منها: أصالة الوضع للقدر المشترك إذا وجد اللفظ مستعملا في معنيين أو أزيد و كان هناك معنى جامع بين المعنيين أو المعاني المفروضة صالح لتعلّق الوضع به، فالمختار عند بعضهم جواز الاستناد إليها، و لذا وقع الاحتجاج بها في جملة من المباحث الآتية، و هو المحكي عن الفاضلين و الرازي و البيضاوي.

و صرح جماعة بالمنع منه، كما هو ظاهر آخرين.

حجّة الأوّل أنّه لو قيل بوضعه لواحد منها دون الباقي لزم المجاز، و إن قيل بوضعه للكلّ لزم الاشتراك، و كلّ من الأمرين مخالف للأصل فلا بدّ من القول بوضعه للقدر المشترك خاصّة حتى يقوم الدليل على خلافه.

و يرد عليه أنّ القول بوضعه للقدر المشترك يقضي بكونه مجازا في كلّ من قسميه أو أقسامه فيلزم زيادة المجاز.

و اجيب عنه بأنّ تعدّد المجاز لازم على تقدير اختصاص الوضع بواحد من القسمين أو الأقسام أيضا إذا فرض استعماله في القدر المشترك.

و فيه: أنّ التساوي كاف في الإيراد، على أنّه قد يرجّح ارتكاب التجوّز في القدر المشترك؛ لقلّة استعماله فيه بحيث يعلم عدم إرادة خصوص واحد من القسمين أو الأقسام.

و يمكن أن يقال: إنّ وضعه للقدر المشترك كاف في كون إطلاقه على كلّ من الأقسام على سبيل الحقيقة؛ إذ لا حاجة إلى ملاحظة الخصوصيّة في الاستعمال حتى يلزم المجاز، بخلاف ما إذا قيل بوضعه لخصوص أحد الأقسام، فإنّ استعماله في الباقي أو في القدر المشترك لا يكون إلّا على سبيل المجاز، فلا يلزم القول بحصول التجوّز في شي‏ء من الاستعمالات بناء على الوجه الأوّل، لامكان‏

273

تصحيحه على وجه الحقيقة حسب ما قرّرناه.

و يدفعه أنّ ذلك إثبات اللغة بالترجيح من غير رجوع إلى التوقيف. نعم لو ثبت استعماله في القدر المشترك أمكن الحكم بثبوت الوضع له من جهة الأصل على بعض الوجوه.

و توضيح المقام: أنّ كلّا من استعمال اللفظ في القدر المشترك و خصوص كلّ من المعنيين أو أحدهما إمّا أن يكون معلوما، أو لا يعلم شي‏ء منهما، أو يكون الأوّل معلوما دون الثاني، أو بالعكس.

فعلى الرابع لا وجه للقول بكونه حقيقة في القدر المشترك مع فرض عدم ثبوت استعماله فيه رأسا و إن احتمل جريان الاستعمالات على إرادته في كثير من المقامات؛ إذ مجرّد الاحتمال غير كاف فيه، و الاستناد إلى الوجه المذكور تخريج محض لا معوّل عليه في باب الأوضاع، مضافا إلى استلزامه للمجاز أيضا.

و كذا الحال في الأوّل و الثاني، إذ ليس الرجوع إلى ما ذكر استنادا إلى النقل و لا إلى ما يستظهر منه حصول الوضع كما هو معلوم بملاحظة الوجدان.

نعم، لو فرض حصول ظنّ في المقام أمكن القول بصحّة الاستناد إليه في الجميع كما إذا اطلق على معاني عديدة متكثّرة مشتركة في أمر جامع ظاهر يقرب جدّا وضعه بإزاء ذلك الجامع، فيكون إطلاقه على كلّ من تلك المعاني من جهة حصوله في ضمنه، فإنّ التزام وضعه إذن لكلّ من تلك المعاني بعيد جدّا؛ لما فيه من لزوم التكثّر في الاشتراك المشتمل على زيادة المخالفة للأصل الحاصلة في أصل الاشتراك، مضافا إلى ندرة وقوعه في الأوضاع فبملاحظة اشتراكها في ذلك الجامع الظاهر يرجّح في النظر تعلّق الوضع به.

و بعد حصول الظنّ من ملاحظة جميع ما ذكرنا بوضعه للقدر المشترك لا إشكال في الحكم به، و أمّا مجرّد ما تقدّم من الوجه فليس قاضيا بحصول الظنّ، و مع عدم إفادته الظنّ لا عبرة به.

و ظاهر بعض الأفاضل التوقّف في الترجيح في الصورة الثانية لكنّه نفى البعد

274

عن ترجيح الاشتراك المعنوي في الصورة الاولى؛ نظرا إلى أنّ الغالب في الألفاظ المستعملة في المعنيين أن يكون حقيقة في القدر المشترك.

و فيه- بعد تسليمه-: أنّ بلوغ الغلبة إلى حدّ يورث المظنّة محلّ تأمل ثمّ لو كان قاضيا بحصول الظنّ فلا وجه للتوقّف في الصورة الثانية، بل الحكم به هناك أولى، إذ لا حاجة فيها حينئذ إلى الالتزام بالتجوّز في شي‏ء من استعمالاته بخلاف الصورة الاولى، للزوم التجوّز فيما ورد من استعماله في خصوص كلّ من المعنيين أو أحدهما.

و أمّا الصورة الثالثة فلا يبعد فيها القول بالوضع للقدر المشترك، نظرا إلى ثبوت استعماله في المعنى الواحد من غير ظهور استعماله في غيره، فقضيته البناء على أصالة الحقيقة مع اتّحاد المعنى في الظاهر، و عدم ظهور التعدّد على ما مرّ الكلام فيه هو البناء على ثبوت الوضع له، فالأصل المذكور المؤيّد بما ذكر هو المستند فيه إن صحّ الأخذ به مطلقا أو مع إفادته الظنّ به كما هو الغالب فيه، لا مجرّد مرجوحيّة المجاز و الاشتراك كما هو مبنى الكلام في المقام.

و منها: أنّه إذا قيّد اللفظ في الاستعمالات بقيدين مختلفين دلّ ذلك على وضعه للقدر المشترك بينهما، حذرا من التأكيد المخالف للأصل و التناقض.

و الأولى ذكر المجاز مكانه بل ضمّ الاشتراك إليهما أيضا إذا قام احتماله في المقام، و المستند فيه راجع إلى المستند في الوجه المتقدم.

و قد عوّل بعضهم عليه في الاحتجاج على بعض المباحث الآتية كما يأتي الإشارة إليه، و حكي البناء عليه من العلّامة (رحمه اللّه) في التهذيب و غيره. و منع منه آخرون، كما يأتي في كلام المصنف (رحمه اللّه) عند استناد البعض إليه.

و الوجه فيه: شيوع وقوع كلّ من التأكيد و التجوّز و الاشتراك في الكلام، فلا يفيد مجرّد لزوم ذلك ثبوت الوضع للأعمّ كما مرّت الإشارة إليه.

و تحقيق المقام: أنّ الأوضاع اللفظيّة من الامور التوقيفيّة المبتنية على توقيف الواضع أو ظهور الوضع من ملاحظة لوازمه و آثاره و تتبّع موارد الاستعمالات،

275

فإثبات الوضع للمعنى ابتداء بمجرّد هذه الوجوه و نحوها غير متّجه على سبيل الإطلاق، سيّما مع كون التقييد حاصلا في كثير من المقامات شائعا في الإطلاقات و ما سيجي‏ء الإشارة إليه من الاستناد إلى أمثال ذلك في مسائل الدوران ليس بالنسبة إلى إثبات نفس الأوضاع و إنّما هو بالنظر إلى الحكم باستمرارها أو نفيها حسب اختلاف المقامات من جهة إفادتها الظنّ في ذلك المقام، أو بالنظر إلى معرفة حال العبارة من جهة ورود الطوارئ عليها، أخذا بظواهر الأحوال، و ما جرى عليه الناس في مكالماتهم و مخاطباتهم حسب ما يأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه تعالى، و ليس الحال في إثبات نفس المعاني مع عدم ثبوت الوضع لها كالحال في ذلك، بل لا بدّ من إثباتها بالطرق المقرّرة لها، و مجرّد ملاحظة هذه الاصول لا يفيد ظنّا في الغالب بتعيّن نفس المعنى الذي وضع اللفظ له.

فالتمسك بالوجوه الدائرة في مباحث الدوران في إثبات نفس المعاني غير سديد، كما إذا اريد إثبات كون الصلاة حقيقة فيما يعمّ صلاة الأموات بأنّا لو قلنا بوضعها للأعمّ كان إطلاق الصلاة على صلاة الأموات في الاستعمالات الشائعة حقيقة، و إذا قلنا بكونها حقيقة في خصوص ذوات الركوع و السجود كانت تلك الاستعمالات كلّها مجازا، أو لزم القول بالاشتراك، و هما خلاف الأصل؛ إذ ليس ذلك إلّا من قبيل الاستناد إلى التخريجات العقليّة في إثبات الامور التوقيفيّة، و لذا لا يفيد ظنّا بالمرام في هذا المقام، بخلاف المقام المذكور في الدوران، و سنشير إن شاء اللّه الى أنّه لا حجّية فيها هناك أيضا مع عدم إفادتها الظنّ في خصوص بعض المقامات؛ إذ المرجع في مباحث الألفاظ هو الظنّ دون التعبّد فلو فرض حصول ظنّ في المقام بملاحظة الخصوصيّات الحاصلة في بعض المقامات اتّجه الاستناد إلى ما ذكر من وجدانه مقيّدا بالقيدين، كما إذا شاع تقييد اللفظ بكلّ منهما على نحو واحد بحيث ظهر من ملاحظة الاستعمالات كون مدلول اللفظ هو الأعمّ جاز الاسناد إليه من جهة الظهور المذكور، لا من مجرّد أصالة عدم التأكيد أو المجاز و نحوهما. فتأمل.

276

و منها: حسن الاستفهام، فقيل: إنّه يدلّ على اشتراك اللفظ بين المعنيين اللذين يستفهم عنهما اشتراكا لفظيّا أو معنويّا، و قد يرجّح الثاني بمرجوحيّة الاشتراك اللفظي، و يمكن ترجيح الأوّل بدعوى ظهور حسن الاستفهام في إجمال اللفظ من جهة تعدّد المعنى، و إلّا لجاز الأخذ بكلّ من الوجهين في مقام التكليف من غير حاجة إلى السؤال، و هو ظاهر السيّد (رحمه اللّه) حيث استدلّ بذلك في بعض المباحث الآتية على ما ذهب إليه من القول بالاشتراك اللفظي.

نعم، إن كان حسن الاستفهام في مقام الإخبار أمكن ترجيح الأوّل من جهة الأصل المذكور، سيّما إذا لم يستحسن ذلك في مقام التكليف فإنّه يتعيّن معه البناء عليه.

و الحقّ أنّه لا يدلّ على شي‏ء من ذلك؛ فإنّ حسن الاستفهام إنّما يفيد عدم صراحة اللفظ في أحد الوجهين المذكورين و لو بقيام احتمال التجوّز و نحوه، فلا يفيد إلّا قيام الاحتمال في المقام الباعث على حسن الاستفهام و لا دلالة فيه على إثبات الوضع أصلا.

و منها: صحّة الاستثناء، فإنّها تفيد وضع اللفظ للعموم فيما إذا شكّ في وضعه له، و كذا تفيد وضع اللفظ بنفسه لما يعمّ المستثنى إذا صحّ الاستثناء منه بعد تصديره بأداة العموم؛ إذ لو لا ذلك لم يندرج فيه بعد تصديره بها فإنّها إنّما تفيد تعميم اللفظ لما يتناوله بحسب الوضع دون غيره، و يمكن استناد الأمرين منها إذا كان الشكّ فيهما.

فنقول في كلّ من الصورتين المذكورتين: إنّه لو لا شمول اللفظ لما يعمّ المستثنى لما صحّ استثناؤه؛ فإنّه موضوع لإخراج ما يتناوله اللفظ، لوضوح كونه مجازا في المنقطع إذ لا إخراج هناك بحسب الواقع، و لذا اشتهر بينهم أنّه موضوع لإخراج ما لولاه لدخل في المستثنى منه.

و ربّما يعتبر في المقام صحّته مطّردا حذرا عمّا لو صحّ في بعض المقامات، لجواز أن يكون ذلك لانضمام بعض القرائن.

277

و قد يفصّل بين المقامين بأن يقال بإثباته دلالة اللفظ على نفس الشمول و العموم مع ظهور المعنى الّذي تعلق العموم به على فرض ثبوته دون إثبات وضع اللفظ لما يعمّ المستثنى، فإنّه إذا علم نفس المعنى المتعلّق للشمول و شكّ في عمومه كان صحّة الاستثناء منه مطّردا دليلا على الشمول لابتناء الاستثناء عليه؛ إذ لا يتعلّق بغير ما يفيد العموم إلّا على سبيل الندرة.

و أمّا إذا علم إفادته الشمول و شكّ في مفاد الأمر المشمول- أعني المستثنى منه- فإنّ صحّة الاستثناء منه يدلّ على اندراج ذلك فيه، و ملاحظة المعنى الشامل لذلك هناك، فأقصى ما يفيده استعماله فيما يعمّ ذلك. و مجرّد الاستعمال أعمّ من الحقيقة و لو كان مجازا فالاستثناء المفروض كاف في الدلالة عليه و كونه قرينة لإرادته، و لا يلزم حينئذ أن يكون الاستثناء منقطعا؛ ضرورة اندراج المستثنى في المستثنى منه في ظاهر المراد، كما إذا قيل: «تحذّر من الآساد إلّا زيدا» فإنّه قرينة على إرادة الرجل الشجاع أو ما يعمّه من لفظ «الأسد» فصحّة الاستثناء حاصلة في أمثال ذلك مع انتفاء الحقيقة.

و لا ينافيه كونه لإخراج ما لولاه لدخل؛ نظرا إلى دخوله فيما اريد من اللفظ و إن كانت القرينة على دخوله نفس الاستثناء، و هو المخرج عنه أيضا و لا منافاة.

و ممّا يشير إلى ما قلناه أنّ صحة الاستثناء لا يزيد على صحّة الحمل بحسب العرف، فكما لم يجعلوا ذلك أمارة على الحقيقة لاحتمال كون المراد من اللفظ المحمول معناه المجازي فكذا الحال في صحّة الاستثناء؛ لقيام احتمال كون المراد بالمستثنى منه ما يشمل ذلك مجازا ليصحّ الإخراج، و هذا بخلاف إفادته دلالة المستثنى منه على العموم كما أشرنا إليه، و لذا جروا عليه في هذا المقام دون المقام المذكور.

و يشكل بجريان هذا الكلام بعينه في المقام الأوّل أيضا؛ إذ غاية ما يتوقّف عليه صحّة الاستثناء على سبيل الحقيقة إرادة العموم من المستثنى منه، كما هو قضيّة حدّه حسب ما ذكر في الاستدلال، و أمّا كون تلك الإرادة على سبيل الحقيقة فلا،

278

حسب ما اشير إليه في الصورة المذكورة.

توضيح ذلك: أنّ هناك وجوها ثلاثة:

أحدها: أن لا يكون المستثنى منه مستعملا في العموم، و حينئذ يكون الاستثناء مجازا خارجا عن مقتضى وضعه على ما ذكر في الاحتجاج.

ثانيها: أن يكون مستعملا في العموم لكن على سبيل المجاز، و حينئذ يكون الاستثناء على حقيقته، إذ المفروض حينئذ اندراج المستثنى في المستثنى منه و حصول الإخراج بالاستثناء، كما هو مقتضى حدّه، و خروج المستثنى منه عن مقتضى وضعه لا يقضي بخروج الاستثناء أيضا.

ثالثها: أن يكون مستعملا في العموم موضوعا بإزائه، و حينئذ لا مجاز في شي‏ء من الأمرين.

و المقصود في المقام هو الاحتجاج بصحّة الاستثناء على ذلك و هو على فرض صحّته إنّما يفيد ما يعمّ الوجهين الأخيرين، و غاية الأمر أن يتمسّك حينئذ في إثبات وضع المستثنى منه للأعمّ بأصالة الحقيقة بعد ثبوت استعماله في الأعمّ، و قد عرفت أنّه لا يتمّ ذلك إلّا مع اتّحاد المستعمل فيه لا مع تعدّده.

و يمكن تتميم الاستدلال حينئذ بوجهين:

أحدهما: أن يقال: إنّ اطّراد صحّة الاستثناء دليل على استفادة العموم منه في سائر استعمالاته، و إلّا لم يصحّ ورود الاستثناء عليه فيما إذا استعمل في غيره، فلا يكون صحّة ورود الاستثناء عليه مطّردا هذا خلف، فيكون اطّراد صحّة الاستثناء منه دليلا على اتّحاد معناه، و حينئذ فلا إشكال في الحكم بأصالة الحقيقة حسب ما مرّ.

فإن قلت: إنّ ورود الاستثناء عليه قاض باستعماله في الخصوص، و هو مغاير للعموم فيتعدّد معناه.

قلت: فرق بين استعماله أوّلا في الخصوص، و كون الخصوص هو المقصود منه أخيرا بعد استعمال اللفظ في العموم أوّلا ليكون قابلا لورود التخصيص عليه؛

279

فإنّ استعماله في الخصوص على الوجه الأوّل قاض بتعدّد المعنى قطعا، و أمّا على الوجه الأخير فلا سواء أدرجنا التخصيص في أقسام المجاز أو لا كما لا يخفى، فلا تغفل.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ الوجه المذكور لا يفيد كون صحّة الاستثناء دليلا على الوضع و إنّما هو دليل على جعل اللفظ من مورد إجراء الأصل المذكور، فالدليل على الوضع حينئذ هو الأصل.

إلّا أن يوجّه بأنّه لما كان سببا بعيدا في إثبات الوضع اسند ذلك إليه، و لا مشاحّة فيه بعد ظهور المراد. و لا يخلو عن تكلّف.

ثانيهما: أنّ قبول مدلول اللفظ للاستثناء على سبيل الاطّراد شاهد على وضع اللفظ للعموم؛ إذ لو لا وضعه له لكان استفادته منه متوقّفا على قيام القرينة عليه فلا يصحّ الاستثناء منه إلّا بعد قيامها هذا خلف، و القول بكون نفس الاستثناء قرينة عليه، مدفوع بأنّه إنّما يصحّ جعله قرينة عند وجوده، و أمّا مجرّد صحّة وروده عليه فلا يعقل أن يكون قرينة عليه، بل هو شاهد على كون المعنى في نفسه قابلا لذلك و لا يمكن أن يكون كذلك إلّا مع وضعه للعموم، إذ لو كان موضوعا لغيره فقط أو مشتركا بينه و بين غيره لم يطّرد صحّة ورود الاستثناء عليه، لتوقّفها على إرادة العموم أوّلا كما عرفت.

و قد يجري التقرير المذكور بالنسبة إلى صحّة الحمل في دلالتها على الحقيقة فيفرّق إذن بين مطلق صحّة الحمل و كون اللفظ مع إطلاقه قابلا للحمل لتوقّف ذلك إذن على قبول معناه الحقيقي له. فتأمل.

هذا، و يشكل الحال في الاستناد إلى ذلك في المقام الأوّل بأنّ أقصى ما يفيده صحّة الاستثناء حينئذ هو استفادة العموم من المستثنى منه، سواء كان إفادته ذلك على سبيل الوضع أو بالالتزام من جهة العقل؛ لصحّة الاستثناء حقيقة على كلّ من الوجهين، كما في: أكرم كلّ رجل إلّا زيدا، أو ما جاءني أحد إلّا زيد، فإنّ شمول الأوّل للآحاد من جهة وضعه له، و الثاني من جهة دلالته على نفي الطبيعة

280

المستلزمة (1) لنفي آحادها، فالاستناد إليه في المثال على الوضع للعموم ليس في محلّه.

نعم، لو انحصر الأمر في دلالته على العموم على وضعه له كما في لفظة «كلّ» و نحوها أمكن الاستناد إليه في إثباته.

و منها: اختلاف جمعي اللفظ بحسب معنييه مع ثبوت كونه حقيقة في أحدهما، فإنّ ذلك دليل على كونه مجازا في الآخر كالأمر، فإنّه يجمع بملاحظة إطلاقه على القول المخصوص المعلوم و كونه حقيقة فيه على «أوامر» و بملاحظة إطلاقه على الفعل على «امور» فيستفاد من الاختلاف المذكور كونه مجازا في الثاني؛ إذ لو لا ذلك لما اختلف الجمع بحسبهما، فانّ اختلافه بالنسبة إليهما دليل على اختلاف حال اللفظ بالنظر إليهما، و لو كان موضوعا بإزاء كلّ منهما لم يؤثّر ذلك اختلافا في اللفظ بملاحظة كلّ منهما و إنّما يترتّب عليه اختلاف المسمّى و الاختلاف في الجمع يترتّب على اختلاف في حال اللفظ و هو غير حاصل، إلّا مع كونه مجازا في الآخر. كذا يستفاد من الآمدي في الإحكام.

و هو من الوهن بمكان؛ إذ لا مانع من اختلاف جموع المشترك بحسب اختلاف معانيه، كما أشار إليه العلّامة (رحمه اللّه) في النهاية، فإن اريد باعتبار اختلاف حال اللفظ في اختلاف جموعه ما يعمّ ذلك فممنوع و لا يثبت المدّعى، و إن اريد به غير ذلك فهو غير بيّن و لا مبيّن، و مع الغضّ عنه فعدم حصوله إلّا من جهة الاختلاف المذكور غير ظاهر أيضا بل الاختلافات اللفظيّة ككونه اسما في وجه و مصدرا في آخر أولى في البعث على ذلك.

ثمّ بعد تسليم ذلك فلا فرق بين ما إذا علم وضعه لخصوص أحد المعنيين أو لا، فإنّ الوجه المذكور على فرض صحّته ينفي احتمال الاشتراك و يعيّن كونه مجازا في أحدهما، غاية الأمر أن لا يتميّز خصوص معناه الحقيقي عن المجازي فلا داعي إلى اعتبار العلم بكونه حقيقة في خصوص أحدهما.

____________

(1) كذا و المناسب المستلزم.

281

إلّا أن يقال: إنّه لا يترتّب على نفي الاشتراك مع الجهل بخصوص الموضوع له و غيره فائدة يعتدّ بها فلذا خصّه بالصورة الاولى.

ثمّ إنّه قد يقال بأنّ اختلاف الجمع دليل على عدم وضع اللفظ للقدر المشترك بين المعنيين؛ إذ مع اتّحاد المعنى لا وجه لاختلاف الجمع بحسب اختلاف قسميه، فلو علم كون إطلاقه على أحد المعنيين حقيقيّا و لم يعلم حال الآخر أمكن إذن دفع احتمال وضعه للقدر المشترك باختلاف جمعه حسب إطلاقيه، فيحكم حينئذ بكونه حقيقة في خصوص المعنى المذكور فيكون مجازا في الآخر، لكونه أولى من الاشتراك، فالحاصل من ملاحظة الاختلاف في الجمع هي المعرفة بعدم وضعه للقدر المشترك بين المعنيين، و إنّما يثبت كونه حقيقة في خصوص أحد المعنيين من جهة العلم بكون إطلاقه عليه على سبيل الحقيقة و كونه مجازا في الآخر من جهة مرجوحيّة الاشتراك.

و هذا الوجه أولى ممّا ذكره الآمدي، إلّا أنّه لا دلالة فيه على الوضع لخصوص شي‏ء من المعنيين، و لا على نفي الوضع بالنسبة إلى شي‏ء منهما و إنّما استفيد وضعه لأحدهما بملاحظة الخارج، و حكم بنفي الوضع للآخر من جهة أصالة عدم الاشتراك فليس ذلك من الرجوع إلى الأمارة في شي‏ء.

نعم، يمكن أن يعتبر ذلك أمارة لعدم وضعه للقدر المشترك، و قد عرفت أنّ لذلك مدخلا في إثبات وضعه لخصوص أحد المعنيين، فقد يعدّ بملاحظة ذلك من أمارة المجاز بل الحقيقة أيضا.

و يمكن أن يقال بأنّ اختلاف الجمع ظاهر في اشتراك اللفظ و تعدّد معناه على عكس ما ادّعاه الآمدي؛ إذ لم يعهد للألفاظ بملاحظة معانيها المجازيّة جمع مخصوص و كما يجوز التوسّع في المفرد بإطلاقه على غير ما وضع له فلا مانع من جريان ذلك في جمعه أيضا كما هو الغالب، فالتعين المذكور بوضع جمع له بملاحظة المعنى المفروض شاهد على كونه ممّا وضع اللفظ له.

و أيضا المفروض ثبوت الوضع بالنسبة إلى الجمع فالمادّة أيضا موضوعة في‏

282

ضمنه فبعد ثبوت الوضع بالنسبة إليها في الجملة و تحقّق استعمالها في المعنى المفروض يستظهر كونه حقيقة فيه أيضا.

على أنّ الغالب بل المطّرد تبعيّة الجموع لأوضاع المفردات، فتحقق الوضع في الجمع شاهد على حصوله في مفرده أيضا.

و منها: التزام التقييد، فإنّه دليل المجاز بالنسبة إلى ما يلتزم فيه مثل: جناح الذل، و نار الحرب ذكره العلّامة (رحمه اللّه) في النهاية و كأنّه أراد به غلبة التقييد، لورود استعمال اللفظين المذكورين في ذلك من دون القيد أيضا.

و دلالته إذن على المجازيّة لا يخلو عن إشكال؛ لاحتمال أن يكون ذلك لتعيين أحد معنيي المشترك.

و الأولى في هذا المقام ما ذكره في الأحكام من أنّه إذا كان المألوف من أهل اللغة أنّهم إذا استعملوا اللفظ في معنى أطلقوه إطلاقا و إذا استعملوه في غيره قرنوا به قرينة فإنّ ذلك دليل على كونه حقيقة في الأوّل مجازا في الثاني.

و الوجه فيه: ظهور الصورة الاولى في استقلال اللفظ بالدلالة و الثاني في توقّفه على القرينة، و إنّما يكون ذلك في المجاز، و يجري ما ذكره بالنسبة إلى استعمالات العرف العامّ و الخاصّ أيضا، و التعليل المذكور على فرض صحّته جار في الجميع.

و ربّما يتفرّع على ذلك كون الماء مجازا في المضاف؛ إذ لا يستعمل فيه غالبا إلّا مقيّدا، و كذا الصلاة بالنسبة إلى صلاة الأموات. و فيه تأمّل؛ لاحتمال تقييد الوضع في الأوّل بصورة الإضافة و إن كان المضاف إليه خارجا عن الموضوع و احتمال كون اللفظ ظاهرا في أحد المعنيين من جهة الغلبة و نحوها فيتوقّف صرفه إلى الآخر على التقييد.

و بالجملة: غاية ما يستفاد من الوجه المذكور ظهور اللفظ في أحد المعنيين المفروضين و توقّف صرفه إلى الآخر على وجود القرينة و ليس ذلك من اللوازم المساوية للحقيقة و المجاز؛ إذ قد يكون ذلك من جهة الشهرة و الغلبة، أو لكونه‏

283

الفرد الأكمل و نحوه، كما هو الحال في كثير من المقامات. نعم لو علم انحصار الطريق أو ظنّ به في خصوص المقام اتّجه الاستناد إلى ذلك.

و منها: أن يكون إطلاقه على أحد معنييه متوقّفا على مقارنته للإطلاق على الآخر بخلاف العكس، فإنّ ذلك علامة على كونه مجازا في المتوقّف، ذكره في النهاية و الإحكام، و زاد الأخير دلالته على الحقيقة بالنسبة إلى الآخر و مثّلوا له بقوله تعالى: وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ‏ (1).

و هو غير متّجه؛ لنسبة المكر إليه تعالى مكرّرا من دون المقابلة المذكورة، و لذا أورد على ذلك بعض الأفاضل بمنع التوقّف و عدم تسليم الالتزام، و هو كما ترى مناقشة في المثال. و إن كان المقصود منع حصول التوقّف المذكور مطلقا حتّى يكون منعا لتحقّق عنوان المسألة. فليس في محلّه؛ لحصول التوقّف في بعض الموارد قطعا كما في قوله: «قالوا: اقترح شيئا نجد لك طبخه قلت: اطبخوا لي جبّة و قميصا» لظهور توقّف إطلاق الطبخ على المعنى الأخير على المقابلة، و حينئذ فدلالته على التجوّز متّجه إلّا أنّه مندرج في عدم الاطّراد و ليس أمارة اخرى سواه و أمّا دلالة مجرّد عدم توقّف استعماله في الآخر على المقابلة على كونه حقيقة فيه فغير ظاهر.

نعم، يمكن الحكم بكونه حقيقة في ذلك بعد انحصار ما يحتمل الوضع له من مستعملاته فيه بالنظر إلى أصالة الحقيقة.

و منها: امتناع الاشتقاق مع كون المعنى صفة قائمة بموصوفه، فإنّ امتناع اشتقاق اسم منه لموصوفه مع عدم حصول مانع من الاشتقاق دليل على كونه مجازا فيه كما في إطلاق الأمر على الفعل، فإنّه لا يشتقّ لمن قام به ذلك الفعل لفظ الأمر ذكره في الإحكام، ثمّ أورد على ذلك بانتقاضه بلفظ الرائحة القائم معناه بالجسم مع عدم صحّة الاشتقاق، و أجاب عنه بالمنع، نظرا إلى صحّة اشتقاق‏

____________

(1) سورة آل عمران: 54.

284

المتروّح له. و قد نبّه على الإيراد المذكور في النهاية، إلّا أنّه نصّ على عدم صحّة اشتقاق المتروّح.

و أنت خبير بصحّة الاشتقاق المذكور و وروده في الاستعمالات، فالظاهر ما ذكره الآمدي، إلّا أنّ دلالة ما ذكر على التجوّز ممّا لا شاهد عليه، و كفى ما فرض من عدم صحّة الاشتقاق في اللغة مانعا منه، فكيف يفرض انتفاء المانع، ألا ترى أنّ العلوم و الملكات صفات قائمة بموصوفاتها و لا يصحّ الاشتقاق من لفظ الملكة و لا من أسماء العلوم إلّا في بعضها كالفقيه و المتكلّم.

و لنختم الكلام في المرام بذكر قاعدة في المقام أشار إليها جماعة من الأعلام و هي: أنّ كلّ معنى يشتدّ الحاجة إلى التعبير عنه بالخصوص و يكثر الاحتياج في المحاورات إلى بيانه يجب في الحكمة وضع لفظ بإزائه، سواء اخذ ذلك المعنى على إطلاقه و وضع اللفظ بإزائه ليكون كلّ من الوضع و الموضوع له عامّا، أو اعتبر المعنى المفروض و وضع اللفظ لجزئيّاته، ليكون الوضع عامّا و الموضوع له خاصّا، فليس الكلام في خصوصيّة الوضع و إنّما المقصود ثبوت الوضع له في الجملة و عدم الاكتفاء في بيانه بالمجاز و الإشارة و نحوهما، و قد نصّ على الحكم المذكور العلّامة (رحمه اللّه) في التهذيب و النهاية، و أطال القول فيه في النهاية في باب العموم و احتجّ به في إثبات لفظ العموم، و قد حكى إنكاره عن جماعة منهم السيّد و الشيخ و الآمدي و العضدي، و الأظهر الأوّل و يدلّ عليه امور:

الأوّل: أنّ المقتضي للوضع موجود و المانع منه مفقود فيجب تحقّقه، أمّا الأوّل فلأنّ الباعث على وضع الألفاظ هو تسهيل الأمر في التعبير عمّا في الضمير عند الحاجة إلى التعبير و المفروض ثبوت الحاجة في المقام على الوجه الأكمل، و أمّا الثاني فظاهر، لإمكان الفعل في نفسه و قدرة الواضع على إيجاده.

فإن قلت: إنّ ذلك إنّما يتمّ إذا كان الواضع عالما بشدّة الحاجة إليه و كثرة دورانه بين الناس حتى يكون مقتضيا لوضعه و هو ممنوع.

قلت: إن قلنا بأنّ الواضع هو اللّه تعالى فظاهر، و إن قلنا بأنّه البشر فلوضوح‏

285

أنّ مثل ذلك ممّا لا يكاد يخفى عليه لمعاشرته للناس و معرفته بما يحتاجون إليه في التعبيرات، ففرض جهلة بالحال خارج عن مجاري العادات سيّما فيما يعمّ به البليّة و يكثر الحاجة إليه في المخاطبات الدائرة.

الثاني: أنّ قضيّة الحكمة عدم إهمال الوضع بالنسبة إلى ما كان كذلك؛ إذ بعد البناء على وضع الألفاظ بإزاء المعاني و جعلها آلة للتعبير و الإفهام لم يكن إفهامها إذن بالألفاظ و توقّف على ملاحظة الإشارات و ضمّ القرائن و الأمارات، و ذلك في الامور الدائرة المتداولة مخالف للحكمة الباعثة على وضع الألفاظ.

فإن قلت: إنّ الواضع لم يهمل وضع الألفاظ بإزاء تلك المعاني بالمرّة حتى يتوقّف بيانها إلى التعبير بالإشارة و الإفهام بغير اللفظ و العبارة حتّى يرد ما ذكرت، بل وضع جملة من الألفاظ بإزاء معاني خاصّة ثمّ وضعها لكلّ ما يناسب تلك المعاني و يرتبط بها ارتباطا مخصوصا بالوضع النوعي الترخيصي، و هو كاف في إفهامها بالألفاظ و إن افتقر إلى ضمّ بعض القرائن، كما هو الحال في المشتركات مع تعلّق الوضع التعييني بها، فأيّ مانع من اكتفاء الواضع فيها بذلك، فالمدّعى هو حصول الوضع التعييني المخصوص بالحقائق، و الّذي يقتضيه الوجه المذكور هو ثبوت الوضع على الوجه الأعمّ.

قلت: لا ريب في أنّ الحكمة في وضع الألفاظ هو تسهيل الأمر على الناس في بيان مطالبهم و التعبير عمّا في ضمائرهم، و قضيّة ذلك كون الأوضاع المتعلّقة بها تعيينيّة على ما هو الحال في أوضاع الحقائق اللغويّة؛ إذ هو الطريق الأكمل و النحو الأسهل في ذلك لما في التعبيرات المجازيّة من توقّف الإفهام على القرينة، فمع ما فيها من الإطالة قد تخفى القرينة أو يصعب إقامتها في بعض الموارد فيختلّ الأمر، و لأجل ذلك كان الاشتراك على خلاف الأصل مع ظهور الفرق بين القرينة المعتبرة في المجاز و الحاصلة في المشترك؛ إذ ليست القرينة في المشترك باعثة على الإفهام لحصول الفهم بعد العلم بالوضع كما مرّ بخلاف المجاز، فإنّ نفس إفهام المعنى إنّما يجي‏ء من القرينة دون الوضع المتعلّق به كما سبق بيانه.

286

نعم، لما كان في المجاز فوائد اخر خاصّة زائدة على أصل التعبير عمّا في الضمير من محسّنات لفظيّة و معنويّة رخّص الواضع فيه أيضا لتكميل المقصود و اختاره‏ (1) على الحقيقة في المحلّ اللائق به، لا أن يكتفى به عن تعيين اللفظ للمعنى؛ لما فيه من المنافاة لما هو أصل الغرض من وضع الألفاظ سيّما بالنسبة إلى المعاني الدائرة و الامور المتداولة. نعم لو كان هناك معنى قلّ ما يحتاج إلى التعبير عنه في المخاطبات فربّما اكتفي لبيانه بالمجازات.

الثالث: أنّا إذا تتبّعنا الألفاظ الموضوعة و اللغات الدائرة وجدنا المعاني التي يشتدّ إليها الحاجة و يكثر دورانها في المحاورة قد وضع الألفاظ بإزائها و لم يهملها الواضع ليتوقّف استعمالها فيها على ملاحظة العلاقة بينها و بين غيرها، فإذا شكّ في وضع اللفظ بإزاء معنى من تلك المعاني فالظنّ يلحق المشكوك بالأعمّ الأغلب.

فإن قلت: إنّا نجد كثيرا من المعاني الّتي يشتدّ الحاجة إليها قد أهمل الواضع وضع لفظ خاصّ بإزائها فلا يتمّ ما ذكر من الاستقراء؛ فإنّ أنواع الروائح كرائحة المسك و العنبر و العود و نحوها من المعاني المتداولة بخصوصها لم يوضع لها لفظ بالخصوص و كذا كثير من المياه المضافة، كماء الورد و الصفصاف و ماء الرمّان و نحوها مما يضاهيها في الدوران و عدم وضع لفظ خاصّ بإزائها، و ذلك كما يكون هادما للاستقراء المدّعى كذا يصحّ جعله نقضا للوجهين الأوّلين؛ إذ لو تمت دلالتهما على المدّعى لما صحّ التخلّف فيما ذكرنا.

قلت: إنّ من المعاني ما يكون امورا كلّية مستقلّة غير مرتبطة بغيرها في ملاحظة نفسها و لا حاصلة من إضافة شي‏ء إلى غيرها و لا ضمّ شي‏ء إلى شي‏ء، كالسماء و الأرض و الماء و النار و الجبال و البحار و الأنهار و التمر و الزبيب و الحنطة و الشعير و نحوها من الذوات و الرائحة و الطعم و اللون و الحسن و القبح و العداوة و الحبّ، و نحوها من الصفات فهذه ممّا يجب وضع الألفاظ بإزائها مع‏

____________

(1) في الأصل اختياره.

287

شدّة الحاجة إليها و كثرة دورانها حسب ما ذكرنا ليسهل التعبير عنها في المخاطبات، و قضت ملاحظة الاستقراء عدم إهمال الواضع وضع اللفظ لخصوصها.

و منها: ما يكون معاني ارتباطيّة و امور مركّبة حاصلة من ضمّ المعاني بعضها إلى بعض كالمركّبات التامّة و الناقصة، فهناك قد وضع الواضع ألفاظا خاصّة لمعانيها الإفراديّة، و قرّر قانونا في فهم المركّبات بضمّ الألفاظ بعضها إلى بعض، و تركيبها مع اخر تركيبا تامّا أو ناقصا حسب ما يقتضيه المعنى المقصود، فجعل هناك إضافة و توصيفا و تقييدا و جملة فعليّة و اسميّة و خبريّة و إنشائيّة لبيان تلك المعاني المركّبة على حسب اختلاف تراكيبها، و هذا القدر كاف فيها و لا يجب وضع لفظ مفرد بإزاء المعاني التركيبيّة. فما ذكر من النقض إن اريد به عدم وضع لفظ لتلك المعاني أصلا و لو بأوضاع عديدة فهو ممنوع، و إن اريد عدم وضع لفظ مفرد بإزائها فقد عرفت أنّه لا حاجة إليه.

و منها: ما يكون امور جزئيّة متجدّدة على مرّ الدهور و الأزمنة يحتاج إلى التعبير عن جملة منها جماعة دون اخرى و طائفة دون غيرها، فهذا ممّا لا يمكن وضع الألفاظ اللغويّة بإزائها؛ لعدم تناهيها و لاختلاف الحاجة إليها بحسب اختلاف الأزمنة، فينحصر الأمر فيها في الأوضاع الكلّية المتعلّقة بالكلّيات التي تندرج هي فيها سواء وضعت بإزائها أو جعلت مرآة لآحادها، فيتعلّق الوضع بجزئيّاتها فيكون إفهام الخصوصيّات حينئذ بانضمام القرائن و الأمارات، إلّا أن يحصل هناك مزيّة في بعضها لكثرة الدوران فيحتاج إذن إلى وضع شخصي، كما في الأعلام الشخصيّة، و لا ربط له إذن بواضع اللغات، بل يتصدّى له من يحتاج إلى التعبير عنه؛ و لذا لا يوجد في الأوضاع اللغويّة ما يتعلّق بالمعاني المفروضة.

فإن قلت: إذا كان وضع الألفاظ بإزاء الكلّيات و التعبير عنها كافية في إفهام ما يندرج فيها و بيانه فلا حاجة إذن إلى وضع الألفاظ لخصوص المعاني المندرجة تحت تلك الكلّيات و إن حصل هناك حاجة إلى التعبير عن تلك المعاني بخصوصها، و اشتدّ الاحتياج إلى بيانها، و حينئذ فلا يمكن إجراء القاعدة المذكورة

288

في الموارد المفروضة؛ إذ هناك ألفاظ موضوعة لمعاني كلّية يندرج فيها أكثر المعاني المتداولة.

قلت: من البيّن أنّ مجرّد تلك الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني الكلّية غير كاف في جميع المقامات التي يراد فيها إفهام المعاني المندرجة تحتها.

توضيح ذلك: أنّ إرادة إفهام الجزئيّات بواسطة إحضار الكلّيات قد تكون بملاحظة كون ذلك الأمر المندرج في الكلّي فردا منه و مصداقا له، فيفهم ذلك الكلّي بواسطة اللفظ الدالّ عليه، و يحصل الانتقال إلى الخصوصيّة المذكورة إمّا بواسطة وضع آخر كالتنوين، أو لقيام القرينة عليه في اللفظ، أو من الحال، فهذا مما يحصل به الإفهام بسهولة و عليه جرى أمر اللغة في كثير من المقامات.

و قد تكون بملاحظة ذلك الأمر المندرج في نفسه، و حينئذ فقد لا يمكن إفهامه باللفظ الموضوع للكلّي كذلك كما إذا أردنا بيان معنى التمر أو الزبيب، فإنّه لا يمكن إفهامه بإحضار معنى الجوهر أو الجسم و نحو ذلك، فإن اكتفى الواضع فيه بالقرينة الخارجيّة أو الإشارة كان في ذلك تفويت ما هو المقصود بالوضع، فلا بدّ إذن من وضع لفظ بإزائه في اللغة مع حصول الحاجة إلى التعبير عنه في الغالب.

و قد يحتجّ للقول الآخر بأنّ الرجوع إلى ما ذكر استناد إلى التخريجات العقليّة في إثبات الأوضاع اللفظيّة، فلا معوّل عليه و أنّه مبنيّ على حكمة الواضع و التفاته إلى ذلك و عدم غفلته عنه أو عدم معارضته لأمر آخر في نظره، و كلّ ذلك غير معلوم و دفع الجميع ظاهر بعد ما قرّرناه.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ ما ذكرناه يفيد ثبوت الوضع اللغوي فيما يشتدّ الحاجة إلى التعبير عنه في أصل المخاطبات كما هو الحال في ألفاظ العموم، و لذا استند العلّامة (رحمه اللّه) إلى ذلك في إثباته، و أمّا ما طرأت الحاجة إليه إمّا لحدوث معناه أو لحدوث الحاجة إليه فإمّا أن يكون الاحتياج إليه من عامّة الناس فينبغي القول بثبوت الحقيقة العرفيّة العامّة فيه أو وضع لفظ مرتجل بإزائه، و إمّا أن يكون الحاجة إليه في صناعة مخصوصة و عرف خاصّ فلا بدّ من القول بثبوت الوضع له‏

289

في ذلك العرف، فيصحّ إثبات الوضع التعييني بإزائه مع ثبوت الحكمة في واضع تلك الصناعة و مقرّرها و يشهد له ملاحظة الحال في الألفاظ الدائرة في الصناعات فيصحّ الاستناد إلى ذلك في إثبات الحقائق الشرعيّة حسب ما يأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه تعالى. هذا كلّه في ثبوت نفس الوضع.

و أمّا تعيين خصوص الألفاظ الموضوعة فلا يظهر من القاعدة المذكورة، و يمكن تعيينها بملاحظة المقامات إذا قام هناك شاهد على التعيين على فرض ثبوت الوضع، كما هو الحال في الحقائق الشرعيّة و في ألفاظ العموم في الجملة.

[الفائدة العاشرة: دوران الأمر بين الامور المخالفة للمعنى الحقيقي‏]

العاشرة إذا دار الأمر في اللفظ بين أحد الأمرين من الامور المخالفة للأصل، فهناك صور عشر للدوران دائرة في كتب الاصول، و تفصيل الكلام في المرام مع توسعة في الأقسام أن يقال:

إنّ هناك امورا سبعة مخالفة للأصل: الاشتراك و المجاز و التخصيص و التقييد و الإضمار و النقل و النسخ، و المقصود في المقام معرفة الترجيح بينها من حيث ذواتها مع قطع النظر عن سائر الامور الطارئة عليها المرجّحة لها بحسب خصوصيّات المقامات، إذ ليس لذلك حدّ مضبوط يبحث عنها في الاصول و إنّما يتبع ملاحظة المقامات الخاصّة.

نعم، يبحث في الاصول عن حجّية الظنّ المتعلّق بالألفاظ و هو كلام في ذلك على وجه كلّي، و الظاهر أنّه في الجملة ممّا لا خلاف فيه.

و حينئذ نقول: إنّ الدوران بين الوجوه المذكورة قد يكون ثنائيّا، و قد يكون ثلاثيّا فما فوقها، لكن لمّا كان معرفة الحال في الثنائي منها كافية في غيرها فرضوا صور الدوران في الثنائي خاصّة، و جملة صور الدوران بين الوجوه المذكورة تنتهي إلى أحد و عشرين وجها نشير إلى وجوه الترجيح بينها أو مساواتها إن شاء اللّه تعالى.

290

ثمّ إنّ ملاحظة الترجيح يبن الوجوه المذكورة قد تفيد حال اللفظ في نفسه من جهة ثبوت وضعه للمعنى المفروض أو نفيه، مع قطع النظر من ملاحظة الحال في استعمال خاصّ، كما في أحد عشر وجها من الوجوه المذكورة، أعني صور الدوران بين الاشتراك و ما عداها من الصور الستّة الباقية، و صور الدوران بين النقل و ما عداها من الصور الخمسة، و قد يفيد معرفة الحال في استعمال مخصوص من غير دلالة على حال اللفظ في نفسه و هو في الصور العشر الباقية، و حيث ثبت حجّية الظنّ في اللغات و في فهم المراد في المخاطبات صحّ الرجوع إلى الوجوه الظنّية المذكورة في الصورتين و جاز الاستناد إليها في إثبات كلّ من الأمرين، فلنفصّل القول فيها في مقامين:

المقام الأوّل: في بيان ما يستفاد منه حال اللفظ في نفسه،

و قد عرفت أنّ وجوه الدوران فيه أحد عشر.

أحدها: الدوران بين الاشتراك و المجاز،

و هذه المسألة و إن مرّ الكلام فيها عند البحث في أصالة الحقيقة إلّا أنّا نستأنف القول فيها و نفصّل الكلام في وجوهها؛ لكونها قاعدة مهمّة في مباحث الألفاظ.

فنقول: إنّ محلّ الكلام في ذلك ما إذا استعمل اللفظ في معنيين أو أكثر و احتمل أن يكون موضوعا بإزاء كلّ من ذلك و أن يكون حقيقة في واحد مجازا في الباقي، لوجود العلاقة المصحّحة للتجوّز، فلو لم يكن هناك علاقة مصحّحة للتجوّز بحسب العرف، فلا وجه لاحتمال التجوّز حينئذ و لا دوران بينه و بين الاشتراك، بل يتعيّن القول بالوضع للجميع؛ لانحصار الاستعمال الصحيح في الحقيقة و المجاز. نعم يمكن المناقشة فيه بالنسبة إلى الحروف و نحوها بناء على ما مرّ من الاحتمال المتقدّم إلّا أنّ ظاهر ما يتراءى من كلماتهم الإطباق على خلافه، كما أشرنا إليه.

ثمّ إنّ مجرّد إطلاق اللفظ على معنيين أو أكثر غير كاف في المقام، بل لا بدّ من ثبوت استعماله في خصوص كلّ من ذلك في تحقّق الدوران بينهما، فلو استعمل‏

291

الأمر- مثلا- في الطلب مرّة و اطلق في مقام إرادة الوجوب تارة و في مقام إرادة الندب اخرى من غير علم بملاحظة الخصوصيّة في الاستعمال بل احتمل كون الإطلاق عليه من جهة كونه نوعا من الطلب ليكون من قبيل إطلاق الكلّي على فرده لم يندرج في محلّ النزاع؛ إذ لم يثبت حينئذ للّفظ ما يزيد على المعنى الواحد.

و مجرّد احتمال تعدّد المستعمل فيه غير كاف في المقام؛ إذ الظاهر اعتبار وقوع الاستعمال في كلّ منها في محلّ النزاع، إذ لو دار الأمر بين كون اللفظ موضوعا لمعنى واحد أو معاني من غير تحقّق لاستعمال اللفظ فيها و إن جاز استعمالنا فيها بملاحظة العلاقة على فرض ثبوت الوضع لأحدها فلا قائل بتقديم الاشتراك و الحكم بوضعه للكلّ بمجرّد الاحتمال، و هو واضح، و عمدة مستند القائل بتقديم الاشتراك ظهور الاستعمال في الحقيقة كما سيجي‏ء بيانه إن شاء اللّه.

و لا بدّ فيه أيضا من عدم العلم أو الظنّ بكون الاستعمال فيه من جهة ملاحظة العلاقة بينه و بين المعنى الآخر؛ إذ لو كان المعلوم أو المظنون من استعماله فيه ما كان على النحو المذكور لم يكن شاهدا على الحقيقة، و مجرّد احتمال استعماله فيه على وجه يحتمل الحقيقة غير كاف في محلّ النزاع حسب ما عرفت.

فصار المحصّل أنّه إذا علم استعمال اللفظ في خصوص معنيين مثلا و جاز أن يكون الاستعمال فيهما على وجه الحقيقة و أن يكون في أحدهما حقيقة و في الآخر مجازا فهل قضيّة الأصل فيه أن يكون حقيقة في كليهما ترجيحا للاشتراك، أو يكون حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر ترجيحا للمجاز؟ و لا فرق بين أن يعلم تحقّق الوضع في أحدهما أو يجهل الحال في الجميع، و ربّما يسبق إلى بعض الأوهام خروج الثاني عن محلّ الخلاف فيحكم فيه بالحقيقة فيهما على القولين، و هو وهم ضعيف؛ ينادي ملاحظة كلماتهم بخلافه.

نعم قد يكون المشهور هناك موافقا في معظم الثمرة لمذهب السيد (رحمه اللّه) على بعض الوجوه كما مرّت الإشارة إليه.

إذا عرفت ذلك فنقول: ذهب السيدان رحمهما اللّه و من وافقهما إلى تقديم الاشتراك‏

292

حينئذ على المجاز و الحكم بثبوت وضع اللفظ بإزاء المعنيين أو المعاني حتّى يثبت خلافه، و بنوا على أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة مطلقا حتّى يتبيّن المخرج عنه.

و ظاهر المشهور هو تقديم المجاز حينئذ و الحكم بعدم دلالة الاستعمال في ذلك على الحقيقة، و من هنا اشتهر منهم أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، يعنون به صورة تعدّد المعنى، و أمّا مع اتّحاده فالمعروف دلالته على الحقيقة كما مرّت الإشارة إليه، و هذا هو الأظهر و يدلّ عليه امور:

الأوّل: أنّ ذلك هو مقتضى الأصل؛ إذ ثبوت الوضع لكلّ منهما يحتاج إلى قيام دليل عليه، و حيث لا دليل عليه لما سنبيّنه من ضعف ما تمسّكوا به لتقديم الاشتراك فينبغي نفي الوضع بمقتضى الأصل.

فإن قلت: كما أنّ الحكم بالحقيقة يحتاج إلى الدليل فكذا الحكم بالمجازيّة لتوقّفه أيضا على الوضع غاية الأمر الاكتفاء فيه بالوضع الترخيصي فإذا دار الأمر فيه بين كون الوضع فيه على أحد الوجهين توقّف الحكم بتعيين كلّ منهما على قيام الدليل عليه، فلا بدّ أن يتوقّف مع عدم نهوض دليل على تعيين أحد الوجهين و لا وجه للحكم برجحان المجاز.

قلت: لا شبهة في حصول الوضع الترخيصي في المقام و لو على تقدير ثبوت الوضع له؛ إذ لا منافاة بين الوضعين فيكون اندراج اللفظ تحت كلّ من القسمين تابعا لملاحظة المستعمل، و لذا اعتبروا الحيثيّة في كلّ من الحدّين لئلّا ينتقض كلّ منهما بالآخر، فالوضع المجازي شامل لذلك قطعا؛ إذ المفروض وجود العلاقة بينه و بين الآخر، و إنّما الكلام في حصول الوضع المعتبر في الحقيقة أيضا فالأصل عدمه.

فإن قيل: إنّ المجاز لا بدّ فيه من ملاحظة العلاقة بينه و بين ما وضع له، و الأصل عدمها.

قلت: قد اجيب عنه بأنّه معارض بلزوم ملاحظة الوضع في استعماله فيما

293

وضع له؛ فانّ الالتفات إلى الأمر المصحّح أمر لازم على كلّ حال سواء كان الاستعمال على سبيل الحقيقة أو المجاز فكما أنّه يجب الالتفات إلى العلاقة في المجاز فكذا يجب الالتفات إلى الوضع في الحقائق، فأصالة عدم الالتفات في الأوّل معارضة بأصالة عدمها في الثاني فيتساقطان و يبقى أصالة عدم الوضع بلا معارض.

و يرد عليه: أنّ اللازم في المجاز الالتفات إلى العلاقة و إلى المعنى الحقيقي و الوضع المتعلّق به؛ لتوقّف المجاز على ذلك كلّه، بخلاف المعنى الحقيقي؛ إذ لا يتوقّف إلّا على ملاحظة الوضع له، فملاحظة الوضع بإزاء المعنى الحقيقي معتبرة في كلّ من الحقيقة و المجاز، و يزيد المجاز عليه بتينك الملاحظتين، بل و بملاحظة اخرى ثالثة و هو الوضع الترخيصي الحاصل فيه المجوّز لاستعماله في ذلك مع العلاقة، و الأصل عدم ذلك كلّه.

فالأولى في الجواب أن يقال: إنّ الكلام في ثبوت وضع اللفظ و عدمه و لا ريب أنّ قضيّة الأصل عدمه و ليس في المجاز ما يعارض ذلك في هذا المقام و توقّف صحّة التجوّز على امور عديدة لا يقضي بانقلاب الأصل في المقام، كيف! و لو صحّ ذلك لكان أصل العدم مثبتا للوضع و هو واضح الفساد؛ لكونه إذن من الاصول المثبتة، و لا مجال لتوهّم جواز الاستناد إليها في الإثبات.

فإن قلت: إنّ أصالة عدم الوضع للمعنى المفروض قاض بلزوم اعتبار الامور المذكورة في الاستعمال فيكون ذلك أيضا من الاصول المثبتة، فكيف يصحّ الاستناد إليها؟

قلت: إنّ اعتبار الامور المذكورة ممّا يتفرّع على عدم الوضع الثابت بالأصل، فإنّه بعد البناء عليه بحكم الأصل يتوقّف صحّة الاستعمال على المصحّح، فلا بدّ إذن من ملاحظة الامور المذكورة، بخلاف وضع اللفظ للمعنى فإنّه لا يتفرّع على عدم ملاحظة تلك الامور حال الاستعمال لو أثبتناه بالأصل؛ إذ ذلك إذن من فروع الوضع و ليس الوضع فرعا عليه، فلا وجه لإثبات وجود الأصل من جهة أصالة

294

عدم تحقّق فروعه، و مثل ذلك يعدّ من الاصول المثبتة لا ما كان من قبيل ما قلناه؛ لوضوح أنّ قضيّة حجّية الأصل هو الالتزام بفروعه، فلو كان أصالة عدم حصول فروعه معارضا لأصالة عدم الأصل لم يتحقّق هناك مصداق لجريان الأصل، كما لا يخفى.

فإن قلت: إنّ الاستناد إلى الأصل إنّما يتمّ في المقام إذا أفاد الظنّ بمؤدّاه؛ لابتناء الأمر في اللغات على الظنّ، و أمّا مع الشكّ في حصول الوضع و عدمه فلا دلالة فيه على ذلك؛ لانتفاء دليل على حجّية الأصل في المقام على سبيل التعبّد.

قلت: إنّما يتمّ ما ذكر إذا اريد بإعمال الأصل المذكور إثبات معنى للّفظ، فإنّه لا وجه إذن للحكم به من دون الظنّ، و أمّا إذا اريد نفيه به فلا وجه لاعتبار الظنّ فيه بل يكتفى في ذلك بمجرّد الشكّ. و يشهد له ابتناء إثبات اللغات على الظنّ فمع عدم حصول الظنّ لا يمكن الحكم بالثبوت كما هو المفروض في المقام، فيبنى على عدمه بمقتضى الأصل.

و أنت خبير بأنّ قضيّة ابتناء اللغات على الظنّ توقّفها عليه في الإثبات و النفي غاية الأمر أنّه مع عدم حصول الظنّ ينبغي التوقّف فيها عن الحكم لا الحكم بنفيها، كما هو المدّعى، و بعد التسليم فإنّما يصحّ الاستناد إلى ما ادّعي من الأصل في نفي الوضع للمعنى المذكور، و أمّا إثبات اتّحاد المعنى الموضوع له لينصرف اللفظ إليه عند انتفاء القرائن و يحكم بكونه مراد اللافظ بخصوصه فهو من الامور الوجوديّة المبتنية في المقام على المظنّة؛ إذ لا وجه للحكم بكون شي‏ء مقصودا للمتكلّم من دون ظنّ بإرادته له و لا أقلّ من الظنّ به بحسب متفاهم العرف، و المفروض الشكّ فيه في المقام.

فالتحقيق في الجواب أن يقال: إنّا لا نقول بما ذكرنا إلّا مع الظنّ به، و قد عرفت أنّ الكلام في تقديم المجاز على الاشتراك بعد ملاحظة كلّ منهما في نفسه مع قطع النظر عن الامور الطارئة عليهما المرجّحة لكلّ منهما بحسب خصوصيّة المقامات، و لا شكّ أنّ المجاز إذا كان موافقا للأصل و الاشتراك مخالفا له من غير

295

أن يكون في جهة الاشتراك ما يعارضه كان المجاز هو الظاهر؛ لإفادة الأصل ظنّا بمؤدّاه في مثل ذلك.

نعم، إذا قام في جهة الاشتراك مرجّح آخر بحسب المقام و حصل الشكّ لزم الوقف إلى أن يحصل مرجّح يوجب غلبة الظنّ بأحد الجانبين، و هو خارج عن محلّ الكلام.

الثاني: أنّ المجاز أغلب من الاشتراك، فإنّ الألفاظ المستعملة في معان متعدّدة مجاز فيما يزيد على المعنى الواحد في الغالب، و ما هو حقيقة في المعنيين فما فوقهما قليل بالنسبة إليه، و الظنّ إنّما يلحق الشي‏ء بالأعمّ الأغلب.

و يرد عليه تارة أنّ الاشتراك أغلب من المجاز؛ إذ أكثر المواد المذكورة في كتب اللغة قد ذكر لها معان عديدة، فلو لم تكن حقيقة في الكلّ فلا أقلّ من كونها حقيقة غالبا فيما يزيد على المعنى الواحد، و كذا الحال في الحروف و الأفعال، كما يظهر من ملاحظة كتب العربيّة، ثمّ مع الشكّ في كون تلك المعاني حقائق أو مجازات فقيام الاحتمال كاف في هدم الاستدلال؛ إذ لا يثبت معه كثرة المجاز بالنسبة إلى الاشتراك ليتمّ الاحتجاج.

و اخرى بأنّا إذا سلّمنا قلّة الاشتراك بالنسبة إلى المجاز فليس كلّ قلّة و كثرة باعثا على حصول الظنّ في جهة الكثير، بل يعتبر في الكثرة المفيدة للمظنّة أن يكون ما يقابلها نادرا في جنبها حتى يحصل الظنّ بكون المشكوك فيه من الغالب؛ إذ من البيّن أنّ مجرّد الغلبة مع شيوع مقابله أيضا لا يفيد ظنّا بكون المشكوك من الغالب كما هو ظاهر من ملاحظة نظائر المقام، و كون الكثرة في المجاز على النحو المذكور ممنوع؛ بل الظاهر خلافه.

و قد يجاب عن الأوّل بأنّه لا تأمّل في غلبة الحقيقة و المجاز على الاشتراك، ألا ترى أنّ معظم المخاطبات خالية عن الاشتراك، و هو مع كمال ظهوره مقتضى الحكمة الباعثة على الوضع؛ إذ لو لا ذلك لافتقر معظم الاستعمالات إلى ضمّ القرائن المعيّنة للمراد.

296

و فيه: فوات الحكمة الباعثة على وضع الألفاظ؛ إذ المقصود منها عدم الافتقار إلى القرائن في الانتقال إلى المقصود، حتّى أنّه قيل بامتناع الاشتراك نظرا إلى إخلاله بالتفاهم، فإذا لم نقل بذلك في جميع الألفاظ لوجود فوائد اخر باعثة على الاشتراك فلا أقلّ من القول به في المعظم؛ إذ الاخلال بالتفاهم في معظم الاستعمالات مخالف للحكمة المذكورة قطعا، و الفوائد المترتّبة على الاشتراك لا تعارض تلك الفائدة العظمى التي هي العمدة في ثمرة الوضع.

و قد يقال: إنّ الوجه المذكور إنّما يفيد عدم شيوع الاشتراك في الألفاظ الدائرة في المحاورات، و ليس كثير من الألفاظ الموضوعة بحسب اللغة دائرة في المحاورات الجارية، فأيّ مانع من غلبة الاشتراك أو مساواته للمجاز بعد ملاحظة الجميع؟

و فيه:- مع عدم جريان ذلك في خصوص الألفاظ الدائرة لتسليم قلّة الاشتراك فيها- أنّ دوران اللفظ في الاستعمالات من الامور المختلفة بحسب اختلاف العادات بالنسبة إلى الأزمان و البلدان، و الحكمة المذكورة إنّما تلاحظ حين الوضع، فغلبة الاشتراك في الألفاظ الموضوعة مخالة لما هو الغرض الأهمّ من الوضع، فالظاهر عدمه، مضافا إلى ما عرفت من أنّه الظاهر من ملاحظة الألفاظ الدائرة في المحاورات، حتى أنّه وقع الخلاف في وقوع المشترك في اللغة، فغلبة الحقيقة المتّحدة على المتعدّدة ممّا لا ينبغي الريب فيه.

و عن الثاني بأنّه لو نوقش في كون غلبة مطلق المجاز على الاشتراك بالغة إلى حدّ يورث الظنّ بالتجوّز عند الشكّ في حال اللفظ فلا مجال للمناقشة في غلبته في خصوص المقام؛ إذ المفروض هنا حصول العلاقة المصحّحة للتجوّز، و لا شكّ في غلبة المجاز حينئذ على الاشتراك، فإنّ أغلب المشتركات ليس بين معانيها مناسبة مصحّحة للتجوّز.

و يومئ إليه أنّه مع حصول العلاقة المصحّحة للتجوّز و حصول الوضع الترخيصي في المجاز لا حاجة إلى وضع اللفظ ثانيا بإزاء ذلك المعنى؛ لاشتراك‏

297

الاشتراك و المجاز في اعتبار القرينة و حصول التفاهم معها على الوجهين، فلا يترتّب حينئذ على الوضع فائدة يعتدّ بها، مع ما فيه من المفسدة؛ و لذا يقلّ الاشتراك فيما هو من هذا القبيل.

و قد يقرّر كثرة المجاز بوجه آخر، و هو أن يقال: إنّ المعاني المجازيّة للألفاظ إذا لوحظت بالنسبة إلى معانيها الحقيقيّة كانت أكثر منها جدّا؛ و هو أحد الوجوه فيما اشتهر بينهم من أنّ أغلب اللغة مجازات، و حينئذ فيلحق المشكوك بالأعمّ الأغلب، و على هذا يندفع عنه بعض ما ذكر من الإيراد من غير حاجة إلى ملاحظة ما ذكر. نعم قد يرد النقض بمتّحد المعنى مع البناء فيه على أصالة الحقيقة و يمكن دفعه بما مرّ هناك.

الثالث: أنّ في الاشتراك مخالفة لما هو الغرض الأهمّ في وضع الألفاظ؛ لإخلاله بالتفاهم و الاحتياج معه إلى القرينة في فهم المراد، فالظاهر عدم ثبوته إلّا في موضع دلّ الدليل عليه أو قام بعض الشواهد المرشدة إليه.

الرابع: كثرة المؤن في الاشتراك؛ لاحتياجه إلى وضع و قرينتين بالنسبة إلى المعنيين بخلاف المجاز، فإنّه لا يحتاج إلّا إلى قرينة واحدة. و ما يتوهّم من أنّ المؤن فيه أكثر؛ نظرا إلى افتقاره إلى وضعين و علاقة و قرينتين مدفوع بأنّ المفروض في المقام ثبوت الوضع لأحد المعنيين في الجملة، و حصول العلاقة المصحّحة للتجوّز و الترخيص في استعمال المجاز حاصل على سبيل العموم، فلا حاجة إلى حدوث وضع في المقام، فلا يبقى هناك إلّا اعتبار القرينة و هي متّحدة في الغالب.

نعم، قد يقال بأنّه لا بدّ في المجاز من ملاحظة المعنى الحقيقي و ملاحظة الوضع بإزائه و ملاحظة المعنى المجازي و العلاقة الحاصلة بينه و بين المعنى الحقيقي و ملاحظة الوضع الحاصل في المجاز و اعتبار القرينة الصارفة بل المعيّنة أيضا إن احتيج إلى المتعدّد، بخلاف البناء على الاشتراك للاكتفاء فيه بالوضع و ملاحظته و ذكر القرينة. فتأمل.

298

حجّة القول بتقديم الاشتراك وجوه:

أحدها: أنّ الظاهر من الاستعمال كون ما استعمل اللفظ فيه حقيقة، فإنّ الحقيقة هي الأصل و المجاز طار عليها تابع لها، و مبنى اللغة على حصول التفاهم بواسطة أوضاع الحقائق و إنّما رخّص الواضع في استعمال المجازات من جهة التوسعة في اللسان و لنكات خاصّة متفرّعة على المجاز، و أمّا معظم الفائدة المترتّبة على وضع اللغات فإنّما يترتّب على الحقائق، و لذا ترى معظم المخاطبات مبنيّة على استعمال الحقائق حتى في كلام البلغاء، فإنّه و إن كان استعمال المجازات و الكنايات في ألسنتهم أكثر من الموارد في كلمات غيرهم لكنّها ليست بأكثر من الحقائق المستعملة في كلامهم، كما يشهد به ملاحظة الأشعار و الخطب و الرسائل و غيرها، فكيف سائر المخاطبات الواقعة من سائر الناس؟ فإنّ استعمال المجازات فيها أقلّ قليل بالنسبة إلى الحقائق و حينئذ فظاهر الاستعمال هو الحقيقة حتى يتبيّن المخرج عنه.

و أيضا لا كلام في كون الأصل في الاستعمال هو الحمل على الحقيقة إذا تميّز المعنى الحقيقي عن المجازي و لم يعلم المراد، و السبب الداعي هناك بعينه داع في المقام؛ إذ ليس الباعث هناك على الحمل على الحقيقة إلّا ظاهر الاستعمال و هو أيضا حاصل في المقام.

و الفرق بين المقامين بكون الموضوع له معلوما هناك و حصول الشك في المراد و كون الأمر هنا بالعكس لا يصلح فارقا في المقام؛ إذ لو كان ظاهر الاستعمال قاضيا بإرادة الحقيقة قضى بها في كلّ ما يحتمل ذلك، و كما يقضي بالحكم بإرادة الحقيقة مع عدم قيام قرينة عليها إذا لم يقم دليل على خلافه فكذا يقضي بكون المستعمل فيه هو الحقيقة حتى يقوم دليل على عدمها.

و أيضا فاستعمال اللفظ في المعنى بمنزلة حمل ذلك المعنى عليه؛ فإنّ استعمال «الأسد» في الحيوان المفترس بمنزلة أن يقال: «الأسد الحيوان المفترس» فكما أنّه إذا ورد نحو تلك العبارة في كلام من يعتدّ بقوله يفيد كون اللفظ حقيقة في ذلك كذا ما هو بمنزلته.

299

ثانيها: أنّ الطريقة الجارية بين أهل اللغة من قديم الزمان هو تحصيل الأوضاع بمجرّد ملاحظة الاستعمالات، بل الظاهر أنّه طريقة جارية في معرفة سائر اللغات إذا اريد معرفتها؛ إذ لم يعهد نصّ الواضع بوضعها لمعانيها و لا نقل ذلك عنه مسندا أو مرسلا، و إنّما الغالب في الجميع معرفتها بملاحظة الاستعمالات كما يعرف ذلك من ملاحظة شواهدهم المذكورة في كتبهم، و قد حكى العلّامة (رحمه اللّه) عن ابن عبّاس أنّه قال: «ما كنت أعرف معنى الفاطر حتى اختصم إليّ شخصان في بئر، فقال أحدهما: فطرها أبي» أي اخترعها، و حكي عن الأصمعي أنّه قال:

«ما كنت أعرف الدهاق حتّى سمعت رجلا يقول: اسقني دهاقا» أي ملآنا من غير فرق في ذلك عندهم بين ما إذا اتّحد المعنى أو تعدد.

ثالثها: أنّهم قد حكموا بأصالة الحقيقة في متّحد المعنى و بنوا على كون المستعمل فيه هو المعنى الحقيقي حتى يتبيّن خلافه، فجعلوا الاستعمال شاهدا على الوضع، و من البيّن أنّ ذلك جار في متعدّد المعنى أيضا؛ إذ ليس استعمال اللفظ في المعاني المتعدّدة إلّا كاستعماله في المعنى الواحد في إفادة الحقيقة، فإن كان دالّا هناك كان دالّا في ذلك أيضا و ربّما يؤيّد ذلك أيضا بوجوه اخر:

منها: أنّه لو كان حقيقة في أحد المعنيين مجازا في الآخر لبيّنه أهل اللغة، و علمنا ذلك ضرورة من حال أهل اللسان، و ملاحظة استعمالاتهم كما علمنا ذلك في إطلاق الأسد على الرجل الشجاع و الحمار على البليد و نظائر ذلك، فلمّا جرت طريقتهم على إيضاح الحال في المجازات و تبيين الأمر فيها و لم يحصل ذلك في المقام دلّ ذلك على انتفاء التجوّز فيه.

و منها: أنّ تعدد المعنى أكثر في اللغة من اتّحاده كما يظهر ذلك من ملاحظة الحال في الأسماء و الأفعال و الحروف، و يشهد به تتبّع كتب اللغة و العربيّة فالظنّ يلحق الشي‏ء بالأغلب.

و منها: ملاحظة فوائد الاشتراك و مفاسد المجاز، فإنّ المشترك لا اضطراب فيه؛ نظرا إلى حصول الوضع فيه بالنسبة إلى كلّ من المعنيين، بخلاف المجاز.

300

و أنّه يصحّ الاشتقاق منه بالنسبة إلى كلّ منهما، و كذا يصحّ التجوّز فيه كذلك، و هو باعث على اتّساع اللغة و تكثّر الفائدة.

و أنّه يتعيّن إرادة أحد معنيي المشترك بمجرّد قيام القرينة على عدم إرادة الآخر، و لا يحصل ذلك في المجاز بعد قيام القرينة على عدم إرادة الحقيقة؛ لتعدّد المجازات في الغالب.

و أنّ المشترك لا يتوقّف استعماله إلّا على الوضع و القرينة، و أمّا المجاز فيتوقّف على ملاحظة المعنى الحقيقي و الوضع المتعلّق به و الوضع الترخيصي الحاصل فيه و ملاحظة العلاقة و الإتيان بالقرينة الصارفة و المعيّنة.

و أيضا مع خفاء القرينة في المجاز يحمل اللفظ على الحقيقة فيوجب الخطأ في فهم المطلوب و في الامتثال بخلاف المشترك؛ إذ غاية ما يلزم حينئذ حصول الإجمال و عدم وضوح الحال.

و أيضا ففي المجاز مخالفة للظاهر و خروج عن مقتضى الوضع؛ و لذا يحتاج إلى القرينة الصارفة بخلاف الاشتراك، إلى غير ذلك ممّا يعرف بالتأمّل من فوائد الاشتراك و مفاسد المجاز.

و الجواب أمّا عن الأوّل فبالمنع من ظهور الاستعمال في الحقيقة مطلقا، و ما ذكر في بيانه من كون الحقيقة هي الأصل و المجاز طار عليها لا يقضي بذلك، إذ مجرّد كون الحقيقة أصلا و المجاز طارئا لا يوجب حصول الظنّ بالأوّل مع شيوع الثاني أيضا، و دورانه في الاستعمالات، غاية الأمر أن يستفاد ذلك مع اتّحاد المعنى، نظرا إلى بعد متروكيّة الأصل و شهرة الفرع، إلّا أن يقوم دليل عليه بل الظاهر من تعدّد المعاني مع وجود العلاقة المصحّحة للاستعمال بينها اختصاص الوضع بالبعض، سيّما إذا علم حصول الوضع في خصوص واحد منها، لما عرفت من شمول وضع المجاز لذلك و تصحيح الاستعمال به و لزوم اعتبار القرينة مع فرض الوضع له أيضا، فلا يترتّب عليه فائدة يعتدّ بها.

و كثرة استعمال الحقائق في المحاورات مع اتّحاد معاني الألفاظ الدائرة

301

لا يقضي الظنّ به مع تعدّده، كما هو المفروض في المقام، مضافا إلى أنّ تلك الغلبة غير مفيدة للظنّ بالوضع مع شيوع التجوّز و كثرته أيضا.

و كون الأصل في الاستعمال الحقيقة مع تميّز الحقيقة من المجاز و الشكّ في المراد لا يقضي بجريانه في صورة تميّز المعنى المراد، و الشكّ في الوضع و دعوى اتّحاد المناط في المقامين بيّن الفساد؛ فإنّ قضيّة وضع اللفظ للمعنى بعد ثبوته هي الحمل عليه حتى يقوم دليل على خلافه، إذ ذلك ثمرة الوضع و عليه بناء المحاورات من لدن آدم (عليه السّلام) إلى الآن و لولاه لما أمكن التفهيم و التفهّم إلّا بواسطة القرائن، و فيه هدم لفائدة الأوضاع، و أمّا بعد تعيّن المراد بالقرينة و الشكّ في حصول الوضع له فأيّ دليل يقضي بثبوت الوضع هناك؟

و الاستظهار المذكور مجرّد دعوى لا شاهد عليه، غاية الأمر أن يسلّم ذلك في متّحد المعنى لما تقدّم في بيانه.

و دعوى كون الاستعمال بمنزلة الحمل على فرض تسليمها لا يفيد شيئا؛ لما عرفت من أنّ الحمل و صحّته لا يدلّ على الحقيقة، إلّا على بعض الوجوه؛ و لذا لم يعدّوا ذلك من أمارات الحقيقة و إنّما اعتبروا عدم صحّة السلب.

و أمّا عن الثاني فبالمنع من جريان الطريقة على استعلام الحقائق المتعدّدة من مجرّد الاستعمال، بل الظاهر حكمهم بها من الرجوع إلى أمارات الحقيقة أو ملاحظة الترديد بالقرائن، و هي الطريقة الجارية في معرفة الأوضاع كما هو الحال في الأطفال في تعلّم اللغات، غاية الأمر أن يسلّم ذلك في متّحد المعنى. و كأنّ أحد الوجهين المذكورين هو الوجه فيما حكي عن ابن عباس و الأصمعي.

نعم، لو لم يكن هناك علاقة بين المعنيين أمكن الاستعلام من مجرّد الاستعمال، و هو خارج عن محلّ الكلام.

و أمّا عن الثالث فبالفرق البيّن بين المقامين كما مرّ تفصيل القول فيه، فقياس المتعدّد على المتّحد ممّا لا وجه له، و كفى فارقا بين المقامين ما عرفت من ذهاب المعظم إلى دلالة الاستعمال على الحقيقة في الأوّل و إعراضهم عن القول به في‏

302

الثاني و من البيّن بناء الأمر في المقام على الظنّ، و هو حاصل بذلك. و ما ذكر في التأييد ممّا لا يفيد ظنّا بالمقصود، و قد عرفت الحال في أكثر ما ذكر ممّا قرّرناه فلا حاجة إلى التفصيل.

و من الغريب احتجاج السيّد (رحمه اللّه) بالوجه الأوّل منها على ما ادّعاه مع ما هو ظاهر من أنّه لا مقتضي للالتزام بحصول العلم الضروري بذلك، و حصول العلم به في بعض الأمثلة لا يقضي بكلّية الحكم، كيف! و هو منقوض بالحقائق؛ فإنّا نعلم بالضرورة من اللغة وضع السماء و الأرض و النار و الهواء و غيرها لمعانيها، فلو كان المعنى المشكوك فيه حقيقة لعلمنا ذلك بالضرورة من الرجوع إلى اللغة، كما علمناه في غيرها.

مضافا إلى ما هو معلوم من عدم لزوم حصول العلم الضروري و لا النظري بذلك؛ إذ كثير من الحقائق و المجازات مأخوذ على سبيل الظنّ و نقل الآحاد، فالاحتجاج على نفي المجازيّة بمجرّد انتفاء العلم الضروري به غريب.

هذا، و اعلم أنّه بناء على ترجيح المجاز على الاشتراك كما هو المشهور لو علم بوضع اللفظ بإزاء أحدهما بخصوصه حكم بكون الآخر مجازا، و أمّا إذا لم يثبت ذلك فإنّما يحكم حينئذ بكون أحدهما على سبيل الإجمال حقيقة و الآخر مجازا، و لا يمكن الحكم إذن بإرادة خصوص أحدهما مع انتفاء القرينة على التعيين، فلا بدّ من الوقف، فعلى هذا لا يترتّب هنا على القولين ثمرة ظاهرة كما مرّت الإشارة إليه. نعم قد يثمر ذلك في مواضع.

منها: أن يكون أحد المعنيين مناسبا للآخر بحيث يصحّ كونه مجازا فيه لو فرض اختصاص الوضع بالآخر دون العكس؛ إذ لا ملازمة بين الأمرين كما في استعمال «الرقبة» في الإنسان حيث لا يصحّ استعمال الإنسان في خصوص الرقبة، و حينئذ فيحكم بكونه حقيقة في خصوص أحدهما مجازا في الآخر.

و منها: أنّه لا يجوز التجوّز في اللفظ بملاحظة مناسبة المعنى لشي‏ء من المعنيين لاحتمال كونه مجازا و لا يجوز سبك المجاز من المجاز، نعم لو كان هناك‏