هداية المسترشدين - ج1

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
735 /
303

معنى مناسب لكلّ منهما صحّ التجوّز فيه، هذا على المشهور و أمّا على القول الآخر فيصحّ ذلك مطلقا.

و منها: أنّه لا يتعيّن الحمل على كلّ منهما بمجرّد القرينة الصارفة عن الآخر على المشهور إذا لم يكن هناك قرينة على التعيين، و قام في المقام احتمال إرادة معنى مجازي آخر، بخلاف ما لو قيل بالاشتراك بينهما.

و ينبغي التنبيه لامور:

أحدها: أنّه كما يقال بترجيح اتّحاد المعنى على الاشتراك كذا يقال بترجيح الاشتراك بين المعنيين على الاشتراك بين الثلاثة ... و هكذا، و بالجملة كما أنّ المجاز يقدّم على أصل الاشتراك فكذا على مراتبه، و الشواهد المذكورة تعمّ الجميع، إلّا أنّه قد يتأمّل في جريان البعض، و في البعض الآخر الّذي هو العمدة في المقام كفاية في ذلك.

ثانيها: أنّه لو استعمل اللفظ في معنيين لا مناسبة بينهما و أمكن كون اللفظ موضوعا بإزاء ثالث يناسبهما بحيث يصحّ التجوّز فيهما على فرض كونه موضوعا بإزائه لكن لم نجد اللفظ مستعملا في ذلك فلا وجه إذن لتقديم المجاز على الاشتراك، بل يحكم بالاشتراك أخذا بظاهر الاستعمال على نحو ما يقال في متّحد المعنى بعينه، فإنّ شيوع استعمال اللفظ في معنى و عدم استعماله في غيره يفيد الظنّ بالوضع له دون الآخر.

ثالثها: لو ثبت وضع لفظ لمعنى و كان مجازا في غيره لكن اشتهر المجاز إلى أن حصل الشكّ في معادلته للحقيقة و حصول الاشتراك من جهة الغلبة أو لطروّ وضع عليه بعد ذلك فالظاهر أنّه لا كلام إذن في تقديم المجاز استصحابا للحالة الاولى، إلّا أن يجي‏ء في خصوص المقام ما يورث الظنّ بالاشتراك أو يقضي بالشكّ فيتوقّف.

رابعها: لو كان اللفظ مشتركا بين معنيين فترك استعماله في أحدهما و استعمل في الآخر إلى أن احتمل هجر الأوّل في العرف و صيرورته مجازا في المحاورات‏

304

لم يحكم به من دون ثبوته، بل بنى على الاشتراك إلى أن يتبيّن خلافه أو يشكّ في الحال فيتوقّف.

خامسها: لو نقل اللفظ عن معناه و استعمل في معنيين آخرين و حصل الشكّ في نقله إليهما معا أو إلى أحدهما فإن كان وضعه الطارئ من جهة التعيين و غلبة الاستعمال فلا ريب في الاقتصار على القدر الثابت و عدم تقديم الاشتراك و إن قيل بترجيح الاشتراك على المجاز استصحابا لحال الاستعمال، و كذا لو كان الوضع الثانوي على سبيل التعيين مع ثبوت استعماله فيه قبل ذلك على سبيل المجاز، و أمّا مع حدوث المعنى و الشكّ في كون الاستعمال من جهة الوضع أو العلاقة فعلى القول بتقديم الاشتراك وجهان، و لا يبعد البناء حينئذ على ترجيح الاشتراك أيضا.

ثانيها: الدوران بين الاشتراك و التخصيص،

و حيث عرفت ترجيح المجاز على الاشتراك ظهر ترجيح التخصيص عليه أيضا، سيّما بملاحظة شيوعه و كثرته و رجحانه على المجاز، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

ثالثها: الدوران بين الاشتراك و التقييد،

و الأمر فيه أيضا ظاهر ممّا مر، سيّما إذا كان التقييد خاليا عن التجوّز.

رابعها: الدوران بين الاشتراك و الإضمار،

و الحال فيه أيضا ظاهر ممّا عرفت؛ إذ الإضمار عديل المجاز، و الظاهر أنّ القائل بتقديم الاشتراك على المجاز لا يقول بتقديمه على هذين، إذ العمدة فيما استند إليه ظهور الاستعمال فيه و الاستعمال في غير المعنى الواحد غير ظاهر في المقامين، نعم إن كان التقييد بالاستعمال في خصوص المقيّد جرى فيه ما ذكر، و يجري الوجهان في التخصيص، فإن قلنا باستعمال اللفظ في الخصوص كما هو المشهور قام الوجه في ترجيح الاشتراك و إلّا فلا وجه له، لعدم تعدّد المستعمل فيه.

خامسها: الدوران بين الاشتراك و النقل‏

و ذلك بأن يكون اللفظ موضوعا بحسب اللغة مثلا لمعنى ثمّ يستعمل في العرف في معنى آخر إلى أن يبلغ حدّ

305

الحقيقة، أو يوضع له في العرف وضعا تعيينيّا، و يشكّ حينئذ في هجر المعنى الأوّل ليكون منقولا، و عدمه ليكون مشتركا قولان.

ذهب العلّامة (رحمه اللّه) إلى كلّ منهما في النهاية و التهذيب.

و الأوّل محكيّ عن جماعة من العامّة كالرازي و البيضاوي و اختاره في المنية.

و كأنّ الأظهر الثاني؛ أخذا بأصالة بقاء الوضع الأوّل و عدم هجره إلى أن يثبت خلافه، و غاية ما ثبت حينئذ بلوغ المعنى الثاني إلى حدّ الحقيقة أو الوضع له، و أمّا هجر الأوّل فغير معلوم، و القول بغلبة النقل على الاشتراك على فرض تسليمه مدفوع، بأنّها ليست بمثابة تورث الظنّ به لشيوع الأمرين، غاية الأمر أن يكون ذلك أغلب في الجملة، و قد عرفت أنّ مثل تلك الغلبة لا يفيد ظنّا في الغالب.

نعم، قد يقال: إنّ الغالب في الأوضاع الجديدة هجر المعنى السابق و تركه في ذلك العرف، كما يعرف ذلك من ملاحظة المعاني العرفيّة العامّة و الخاصّة بل لا يكاد يوجد صورة يحكم فيها ببقاء المعنى الأوّل، فقد يستظهر بملاحظة ذلك الحكم بالهجر. فتأمّل.

و ربّما يؤيّده أيضا ذهاب الجماعة إليه حيث إنّه لا يعرف القول الآخر إلّا للعلّامة (رحمه اللّه)، و هو ممّن ذهب إلى الثاني أيضا.

و من التأمّل فيما ذكرناه ينقدح وجه آخر، و هو التفصيل بين ما إذا كان ثبوت المعنى الثاني في عرف غير العرف الأوّل أو عند أهل ذلك العرف، فيقال بترجيح النقل في الأوّل و الاشتراك في الثاني، و كأنّه الأوجه. فتأمّل.

ثمّ إنّه ربّما يعارض أصالة بقاء المعنى الأوّل و عدم هجره بتوقّف المشترك في إفادة المراد على القرينة بخلاف المنقول.

و فيه: أنّه إن اريد بذلك التمسّك بأصالة عدم التوقّف عليها ففيه أنّ الحكم بالفهم من دون القرينة خلاف الأصل أيضا، فينبغي أن يقتصر فيه على القدر الثابت، و هو صورة وجود القرينة.

فإن قلت: وضع اللفظ للمعنى قاض بفهمه من اللفظ فالأصل البناء عليه حتّى يثبت خلافه.

306

قلت: لا مجال لذلك بعد ثبوت الوضع للمعنيين؛ فإنّ قضيّة ذلك الوقف بين الأمرين، غاية الأمر أن يشكّ في كون أحدهما ناسخا للآخر فمع الغضّ عن أصالة عدمه لا أقلّ من الوقف في الفهم، لاحتمال الأمرين فلا محصّل لأصالة عدم التوقّف عليها، مضافا إلى ما عرفت من أنّ التوقّف المذكور من فروع أصالة بقاء المعنى الأوّل، فلا وجه لجعله معارضا لأصله.

و إن اريد به أصالة عدم ذكر القرينة في مقام التفهيم فمرجعه أيضا إلى الوجه الأوّل؛ إذ ذكر القرينة في المقام إنّما يتبع وجود الحاجة إليها، فإن فرض استقلال اللفظ في الدلالة و إلّا فلا معنى لعدم الحاجة إليها و أصالة عدمها، مع أنّ المفروض الشكّ في الأوّل و مع الغضّ عن ذلك فهو معارض بأصالة عدم استقلال اللفظ في الإفادة.

و إن اريد به التمسّك بذلك في إثبات قلّة المؤن في جانب النقل و كثرتها في الاشتراك فذلك مع عدم إفادته ظنّا في المقام معارض بوجود ما يعارضه في جانب النقل أيضا.

ثمّ إنّه قد يقع الدوران بين الاشتراك و النقل في صور اخرى:

منها: أن يكون اللفظ حقيقة بحسب اللغة في معنى مخصوص و يوجد في العرف حقيقة في آخر، و يشكّ حينئذ في ثبوت ذلك المعنى في اللغة أيضا ليكون مشتركا بينهما، و عدمه ليكون منقولا، و قد يشكّ حينئذ في ثبوت المعنى اللغوي في العرف أيضا ليكون مشتركا بينهما في اللغة و العرف، و قضيّة الأصل حينئذ عدم اشتراكه بحسب اللغة فيقدّم النقل عليه، و يرجع الحال في اشتراكه بحسب العرف إلى الصورة المتقدّمة؛ نظرا إلى الشكّ في هجر المعنى الأوّل و عدمه.

و منها: أن نجد للفظ معنيين في العرف و نجد استعماله في اللغة في معنى ثالث يناسبهما و نشكّ في كون ذلك هو معناه الحقيقي في اللغة ليكون متّحد المعنى بحسبها فيكون منقولا إلى ذينك المعنيين في العرف، أو أنّه حقيقة فيهما من أوّل الأمر ليكون مشتركا بحسب اللغة من دون نقل، و قضيّة أصالة تأخّر الحادث عدم‏

307

ثبوت الوضع لهما في اللغة، إلّا أنّه لمّا لم يكن وضعه للمعنى الآخر معلوما من أصله فقضيّة الأصل عدم ثبوت الوضع له أيضا، و حينئذ فيحتمل ثبوت المعنيين له بحسب اللغة؛ لأصالة عدم تغيير الحال فيه، و أن يقال بوضعه لأحدهما ثمّ طروّ وضعه للآخر، اقتصارا في إثبات الحادث على القدر الثابت. فتأمّل.

و منها: أن يكون مشتركا بين المعنيين بحسب اللغة و استعمل في العرف في معنى ثالث و اشتهر استعماله فيه إلى أن شكّ في حصول النقل و هجر المعنيين، فيدور الأمر بين الاشتراك بينهما بحسب العرف- كما كان في اللغة- و نقله إلى المعنى الثالث، و لا ريب أنّ قضيّة الأصل حينئذ بقاء اشتراكه بين المعنيين المفروضين إلى أن يثبت النقل.

سادسها: دوران الأمر بين الاشتراك و النسخ،

كما إذا قال: «ليكون ثوبي جونا» و علمنا بوضع الجون للأحمر، ثمّ قال بعد ذلك: «ليكون أسود» فشكّ حينئذ في وضع الجون للأسود أيضا حتى يكون مشتركا، فيكون قوله الثاني قرينة معيّنة لإرادة ذلك من أوّل الأمر، أو أنّه نسخ الحكم الأوّل بذلك من غير أن يكون هناك اشتراك بين المعنيين، و ليفرض هناك انتفاء العلاقة المصحّحة للتجوّز لئلّا يقوم احتمال المجاز أيضا، و حينئذ ربّما يرجّح الاشتراك؛ لغلبته على النسخ، و لأنّه يثبت بأيّ دليل ظنّي اقيم عليه بخلاف النسخ؛ إذ لا يثبت إلّا بدليل شرعي بل ربّما يعتبر فيه ما يزيد على ما اعتبر في الدليل على سائر الأحكام، و لأنّ غاية ما يلزم من الاشتراك الإجمال أحيانا بخلاف النسخ، فإنّ قضيّته إبطال العمل بالدليل السابق.

و أنت خبير بما في جميع ذلك؛ فلا وجه لإثبات الوضع للمعنى المفروض بهذه الوجوه الموهونة من غير قيام شاهد عليه من النقل أو الرجوع إلى لوازم الوضع و نحو ذلك ممّا يفيد ظنّا به.

فالأظهر عدم ثبوت اشتراك اللفظ بين المعنيين بمجرّد دفع احتمال النسخ في مورد مخصوص، و لا الحكم بثبوت النسخ هناك أيضا، و قضيّة ذلك التوقّف في حكمه بالنظر إلى ما تقدم على ورود الدليل المذكور و إن كان البناء على حمله‏

308

على معناه الثابت و الحكم بكون الثاني ناسخا له لا يخلو عن وجه.

سابعها: الدوران بين النقل و المجاز،

و المعروف فيه ترجيح المجاز لا نعرف فيه خلافا؛ لأصالة عدم تحقّق الوضع الجديد و عدم هجر المعنى الأوّل، و لتوقّف النقل غالبا على اتّفاق العرف العامّ أو الخاصّ عليه، بخلاف المجاز، مضافا إلى غلبة المجاز و شيوعه في الاستعمالات.

و ما قد يتخيّل في المقام من أنّ الدوران بين النقل و المجاز إنّما يكون مع كثرة استعمال اللفظ في ذلك المعنى- كما في الحقائق الشرعيّة- ليكون من مظانّ حصول النقل حتّى يتحقّق الدوران بين الأمرين، و حينئذ فترجيح المجاز يستلزم اعتبار وجود القرينة في كلّ من استعمالاته مع كثرتها و شيوعها، و قضيّة الأصل في كلّ واحد منها عدمها، بخلاف ما لو قيل بالنقل، و ربّما يحكى عن البعض ترجيحه النقل على المجاز لأجل ذلك، ففرّع عليه ثبوت الحقيقة الشرعيّة أخذا بالأصل المذكور.

موهون جدّا؛ إذ بعد ظهور التجوّز في نظر العقل من جهة أصالة بقاء الوضع الثابت و عدم حصول ناسخ له، مضافا إلى كثرته و شيوعه يحكم بلزوم ضمّ القرينة في كلّ استعمال واقع قبل ذلك أو بعده؛ إذ ذلك من لوازم المجازيّة و متفرّعاته و لا يجعل أصالة عدمه مانعا من جريان الأصل في أصله، لما عرفت من عدم معارضة أصالة عدم الفروع المترتّبة على عدم الشي‏ء لأصالة عدمه، فإنّ قضيّة حجّية الأصل الأخذ بمتفرّعاته.

نعم، لما كان الأمر في المقام دائرا مدار الظنّ فلو فرض تفرّع امور بعيدة عن نظر العقل على الأصل المفروض أمكن معارضته له من جهة ارتفاع المظنّة- كما هو الحال في الحقيقة الشرعيّة- إلّا أنّ المقام ليس كذلك، بل بالعكس لشيوع التجوّز في الاستعمالات.

و مع الغضّ عن ذلك فإثبات الوضع بمجرّد أصالة عدم ضمّ القرينة في الاستعمال استناد في إثبات الأوضاع إلى التخريجات، و قد عرفت وهنه.

مضافا إلى أنّ لزوم ضمّ القرينة إليه مقطوع به قبل حصول النقل، فقضيّة

309

الأصل بقاؤه، فإن اريد من أصالة عدم ضمّ القرائن أصالة عدم لزومه فهو واضح الفساد؛ إذ قضيّة الأصل فيه بالعكس استصحابا للحكم السابق.

و إن اريد به أصالة عدمه مع لزوم اعتباره فهو أوضح فسادا منه.

فظهر بما قرّرنا أنّ قضيّة الأصل في ذلك تقديم المجاز و لو مع قطع النظر عن ملاحظة الظهور الحاصل من غلبة المجاز.

ثامنها و تاسعها: الدوران بين النقل و التخصيص و بينه و بين التقييد،

و الأمر فيهما ظاهر ممّا قرّرناه سيّما بملاحظة اشتهارها في الاستعمالات، مضافا إلى أنّ التزام التقييد غير ظاهر في استعمال اللفظ في المقيّد، فضلا عن ثبوت الوضع له.

عاشرها: الدوران بين النقل و الإضمار

كما في قوله تعالى: وَ حَرَّمَ الرِّبا (1) فإنّ الربا حقيقة لغة في الزيادة، و يحتمل نقله شرعا إلى العقد المشتمل عليها، فعلى الأوّل يفتقر إلى إضمار مضاف كالأخذ دون الثاني.

و قد عرفت ممّا ذكرناه ترجيح الإضمار؛ إذ مجرّد أصالة عدم الإضمار لا يثبت وضعا للّفظ سيّما مع عدم ثبوت الاستعمال فيه، فبعد ثبوت المعنى الأوّل و توقّف صحّة الكلام على الإضمار لا بدّ من الالتزام به، لا أن يثبت وضع جديد للّفظ بمجرّد ذلك، و قد نصّ جماعة على أولويّة الإضمار على النقل من غير خلاف يعرف فيه.

و في كلام بعض الأفاضل نفي البعد عن ترجيح النقل عليه لكونه أكثر، و لا يخفى بعده، على أنّ الكثرة المدّعاة غير ظاهرة؛ إذ اعتبار الإضمار في المخاطبات أكثر من أن يحصى و ربّما كان أضعاف المنقولات.

حادي عشرها: الدوران بين النقل و النسخ،

ففي المنية ترجيح النقل عليه، و كأنّه لكثرة النقل بالنسبة إلى النسخ.

و أنت خبير بأنّ بلوغ كثرة النقل و قلّة النسخ إلى حدّ يورث الظنّ بالأوّل‏

____________

(1) البقرة: 275.

310

غير معلوم؛ لطريان النسخ كثيرا على الأحكام الشرعيّة و العادية، فلو سلّم الغلبة في المقام فليست بتلك المثابة، فقضيّة ثبوت المعنى الأوّل و عدم ثبوت الثاني هو البناء على النسخ، أخذا بمقتضى الوضع الثابت.

و قد يرجّح النقل أيضا بما مرّ من الوجه في ترجيح الاشتراك على النسخ، و قد عرفت وهنه. فتأمّل.

المقام الثاني: في بيان ما يستفاد منه حال اللفظ بالنسبة إلى خصوص الاستعمالات، و هي وجوه عشرة:

أحدها: الدوران بين المجاز و التخصيص،

و المعروف ترجيح التخصيص، و قد نصّ عليه جماعة من الخاصّة و العامّة، كالعلّامة و ولده و البيضاوي و العبري و الاصفهاني و غيرهم.

و ربّما يعزى إلى المصنّف التوقّف في الترجيح، فيتوقّف البناء على كلّ منهما على مرجّح خارجي، و كأنّه لما في كلّ من الأمرين من مخالفة الظاهر، و لا ترجيح بحسب الظاهر بحيث يورث الظنّ بأحدهما.

و فيه: أنّ في التخصيص رجحانا على المجاز من وجوه شتّى:

أحدها: أنّ التخصيص أكثر من المجاز في الاستعمال حتّى جرى قولهم:

«ما من عامّ إلّا و قد خصّ» مجرى الأمثال.

و قد يستشكل فيه بأنّ الأكثريّة الباعثة على المظنّة ما إذا كان الطرف الآخر نادرا، و أمّا إذا كان شائعا أيضا فإفادتها للظنّ محلّ تأمّل، كما هو الحال فيما نحن فيه؛ لعدم ندرة المجاز في الاستعمالات، كيف! و قد اشتهر أنّ أكثر اللغة مجازات.

و قد يقال بأنّ استعمال العامّ في عمومه نادر بالنسبة إلى استعمال اللفظ في معناه الحقيقي؛ لشيوع الثاني فإذا دار الأمر في الخروج عن الظاهر بين الأمرين فالظاهر ترجيح الأوّل.

و قد يناقش فيه بأنّ أقصى ما يدلّ عليه ذلك ترجيح التخصيص على المجاز في العامّ الّذي لا يظهر له مخصّص سوى ما هو المفروض، و أمّا إذا ثبت‏

311

تخصيصه بغير ذلك فهو كاف في الخروج عن الندرة، فترجيح التخصيص الثاني يحتاج إلى الدليل.

و يمكن الذبّ عنه بأنّه إذا ثبت ترجيح التخصيص في العامّ الّذي لم يخصّص ففي غيره بالاولى؛ لوهن العموم بعد تطرّق التخصيص إليه حتّى أنّه قيل بخروجه بذلك عن الحجّية في الباقي.

ثانيها: أنّ ذلك هو المفهوم بحسب العرف بعد ملاحظة الأمرين، كما إذا قال:

أكرم العلماء، ثمّ قال: لا يجب إكرام زيد، فإنّه لا شكّ في فهمهم من ذلك استثناء زيد من الحكم، لا أنّه يحمل الأمر في «أكرم» على الندب أو يتوقّف بين الأمرين.

فتأمّل.

ثالثها: ما عرفت من شهرة القول بترجيح التخصيص، و نصّ جماعة من فحول الاصوليين عليه، فيقدّم في مقام الترجيح لابتناء المقام على الظنّ هذا إذا لوحظ كلّ من التخصيص و المجاز في نفسه، و قد يعرض لكلّ منهما ما يوجب رجحان المجاز أو التوقّف بينهما- كما إذا كان المجاز مشهورا أو كان التخصيص نادرا- فهناك إذن وجوه:

منها: أن يكون المجاز مشهورا و التخصيص بعيدا مرجوحا، و لا شبهة إذن في ترجيح المجاز.

و منها: أن يكون التخصيص نادرا- كما إذا اشتمل على إخراج معظم أفراد العامّ من غير أن يكون في المجاز مزيّة باعثة على رجحانه- و الظاهر حينئذ ترجيح المجاز أيضا؛ لبعد التخصيص كذلك حتّى أنّه ذهب جماعة إلى امتناعه في بعض صوره.

و منها: أن يكون في المجاز مزيّة باعثة على رجحانه من غير أن يكون في التخصيص ما يوجب وهنه، فإن كان رجحان المجاز من جهة شهرته و قد بلغ في الشهرة إلى حيث يترجّح على الحقيقة بملاحظة الشهرة أو يعادلها فلا شبهة إذن في ترجيح المجاز، و إلّا ففي ترجيحه على التخصيص إشكال.

312

و قد يقال بترجيحه عليه مع كون الباعث على رجحانه الشهرة؛ نظرا إلى كون الغلبة الحاصلة فيه شخصيّة بخلاف غلبة التخصيص، فإنّها غلبة نوعيّة، و الأظهر الرجوع حينئذ إلى ما هو المفهوم بحسب المقام بعد ملاحظة الجهتين.

و منها: أن يكون المجاز نادرا و التخصيص اللازم أيضا كذلك، فقد يتخيل إذن ترجيح التخصيص أيضا؛ لغلبة نوعه و الأظهر الرجوع إلى ما هو الظاهر في خصوص المقام و مع التكافؤ فالتوقّف.

ثانيها: الدوران بين المجاز و التقييد،

و الظاهر أنّ حكمه حكم الدوران بينه و بين التخصيص، فالظاهر ترجيح التقييد لظاهر فهم العرف، مؤيّدا بما مرّ من الغلبة، مضافا إلى أنّ التقييد قد لا يكون منافيا لاستعمال اللفظ فيما وضع له فهو و إن كان خلاف الظاهر أيضا إلّا أنّه راجح بالنسبة إلى ما كان مخالفته للظاهر من جهة ارتكاب التجوّز.

و قد يفصّل بين التقييد الّذي يندرج في المجاز بأن يستعمل المطلق في خصوص المقيّد و ما لا تجوّز فيه، فإنّ الأوّل نوع من المجاز مع التأمّل في شيوعه، فإنّ معظم التقييدات من قبيل الثاني فهو بمنزلة سائر المجازات بخلاف الثاني.

و لا يخلو عن وجه.

ثالثها: الدوران بين المجاز و الإضمار،

و قد نصّ العلّامة (رحمه اللّه) في النهاية و التهذيب على تساويهما، فيتوقّف الترجيح على ملاحظة المرجّحات في خصوص المقامات، و كأنّه الأظهر؛ لشيوع كلّ من الأمرين و اشتراكهما في مخالفة الظاهر. و مجرّد أشيعيّة المجاز على فرض تسليمه لا يفيد ظنّا في المقام، ليحكم بثبوت ما يتفرّع عليه من الأحكام، هذا إذا اختلف الحكم من جهة البناء على كلّ من الوجهين، و أمّا إذا لم يكن هناك اختلاف كما في قوله تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (1) فلا إشكال.

و ذهب غير واحد من المتأخّرين إلى ترجيح المجاز؛ نظرا إلى كثرته، و ربّما

____________

(1) سورة يوسف: 82.

313

ضمّ إليه أفيديته، و كلا الأمرين في محلّ المنع، و بعد ثبوتها فكون ذلك باعثا على الفهم كما ترى.

و حكي عن البعض ترجيح الإضمار، و كأنّه من جهة أصالة الحمل على الحقيقة؛ إذ لا مجاز في الإضمار.

و يدفعه: أنّه و إن لم يكن الإضمار باعثا على الخروج عن مقتضى الوضع إلّا أنّ فيه مخالفة للظاهر قطعا، فإنّ الظاهر مطابقة الألفاظ للمعاني المقصودة في الكلام، فبعد كون الأمرين مخالفين للظاهر يحتاج الترجيح إلى مرجّح.

و فيه تأمّل؛ إذ بعد قيام القرينة الظاهرة على المحذوف لا حاجة إلى ذكره بل قد يعدّ ذكره لغوا، فلا مخالفة فيه إذن للظاهر، بخلاف المجاز للخروج فيه عن مقتضى الظاهر على كلّ حال.

نعم، لو قيل بثبوت الوضع النوعي في المركّبات و جعلت الهيئة الموضوعة هي ما كانت طارئة على الكلمات الّتي يراد بيان معانيها الإفراديّة للتوصّل إلى المعنى المركّب بعد ملاحظة وضع الهيئة من دون إسقاط شي‏ء منها كان في الحذف إذن خروج عن ظاهر الوضع، إلّا أنّه أجاز الواضع ذلك مع قيام القرينة على المحذوف إلّا فيما قام الدليل على المنع منه حسب ما فصّل في محلّه.

و حينئذ فقد يقال بكون التوسّع في المدلول، و قد يجعل من قبيل التوسّع في الدالّ.

و كيف كان يكون ذلك أيضا نحوا من المجاز، و قد يشير إليه عدّهم الإضمار أو بعض أقسامه من جملة المجاز حيث يعبرون عنه بمجاز الحذف. فتأمّل.

رابعها: الدوران بين المجاز و النسخ،

و قد نصّ في المنية على ترجيح المجاز عليه، و كأنّه ممّا لا ريب فيه؛ لظاهر فهم العرف، و لغلبة المجاز بالنسبة إلى النسخ، و ندور النسخ بالنسبة إليه.

و قد يقال بكون النسخ من أقسام التخصيص، فإنّه تخصيص في الأزمان، و قد مرّ ترجيح التخصيص على المجاز، فينبغي إذن ترجيح النسخ عليه أيضا.

314

و يدفعه: بعد تسليم كونه تخصيصا أنّه ليس المراد بالتخصيص هناك ما يشمل ذلك، بل المراد به ما عداه؛ لوضوح ندرة النسخ بالنسبة إلى المجاز و غيره و عدم انصراف الكلام إليه مع دوران الأمر بينه و بين المجاز.

و بالجملة: أنّه ليس من التخصيص المعروف الذي مرّت الإشارة إليه.

نعم، لو كان نفي الحكم بالنسبة إلى بعض الأزمان مندرجا في التخصيص المعروف لم يبعد ترجيحه على المجاز- كما إذا قال: «أكرم زيدا كلّ يوم»، ثمّ قال بعد عدّة أيّام: «لا يجب عليك إكرام زيد»- إذ من القريب حينئذ البناء على تخصيص الحكم بالأيّام السالفة، إلّا أنّه قد يتأمّل في اندراج ذلك في النسخ المذكور في المقام.

هذا، و لو كان ورود ما يحتمل النسخ بعد حضور وقت العمل تعيّن الحكم بالنسخ، لما تقرّر من عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، و هو حينئذ خارج عن محلّ الكلام، هذا إذا علم انتفاء البيان السابق.

و أمّا مع الشكّ فيه- كما هو الحال في غالب الأخبار الواردة عندنا سواء كانت نبويّة ليحتمل كونها هي الناسخة، أو إماميّة لا يحتمل فيها ذلك؛ لقيام احتمال كونها كاشفة عن الناسخ- فالظاهر أيضا فيها ترجيح المجاز؛ لما قلناه، و يحتمل التوقّف في الأوّل، أو ترجيح النسخ، نظرا إلى أصالة عدم تقدّم غيره.

خامسها: الدوران بين التخصيص و التقييد،

كما في قولك: «أكرم العلماء، و إن ضربك رجل فلا تكرمه» فيدور الأمر في المقام بين تخصيص العامّ في الأوّل بغير الضارب، و تقييد الرجل في الثاني بغير العالم، وجهان:

التوقّف في المقام حتّى يظهر الترجيح من ملاحظة خصوصيّات الموارد؛ لشيوع الأمرين و تساويهما في كونهما مخالفين للأصل.

و ترجيح التقييد؛ لضعف شموله للأفراد بالنسبة إلى شمول العامّ، فإنّ شمول العامّ لها بحسب الوضع و شمول المطلق من جهة قضاء ظاهر الإطلاق، و أنّه لا تجوّز في التقييد في الغالب بخلاف التخصيص. و كأنّه الأظهر.

315

و قد يتأمّل فيما لو كان التقييد على سبيل التجوّز باستعمال المطلق في خصوص المقيّد، إذ قد يقال حينئذ بكونه من المعارضة بين التخصيص و المجاز.

فتأمّل.

و قد يعدّ من ذلك دوران الأمر بين إخراج بعض الأفراد عن العموم أو تقييد الحكم فيما يراد إخراجه ببعض الأحوال، كما في قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) فإنّه بعد ثبوت خيار المجلس مثلا في البيع يجب ارتكاب أحد الأمرين من القول بخروج البيع عن العامّ المذكور و تخصيصه بغيره أو تقييد الحكم الثابت للبيع بغير الصورة المفروضة.

و أنت خبير بأنّه لا دوران في المقام بين التقييد و التخصيص، فإنّا إن قلنا بعموم الحكم لكلّ الأفراد في كلّ الأحوال فلا تأمّل إذن في أنّ القدر الثابت إخراجه هو خصوص الحالة المذكورة، و هو أيضا تخصيص للعامّ، و إن قلنا بأنّ عمومه إنّما يثبت بالنسبة إلى الأفراد دون الأحوال فلا موجب إذن للقول بالتخصيص؛ إذ الدليل إنّما دلّ على عدم ثبوت الحكم بالنسبة إلى الحال المفروض فيثبت اللزوم في سائر أحواله من جهة إطلاق دلالة العامّ على ثبوت اللزوم.

و بالجملة: أقصى ما يقتضيه الدليل المذكور إخراج البيع بالنسبة إلى خصوص الحالة المفروضة ليس إلّا، فمن أين يجي‏ء الدوران بين التخصيص و التقييد، فما في كلام بعض الأفاضل من عدّ ذلك من المسألة كما ترى.

سادسها: الدوران بين التخصيص و الإضمار،

و الظاهر ترجيح التخصيص؛ لرجحانه على المجاز المساوي للإضمار، و على القول برجحان المجاز على الإضمار فالأمر أوضح، و أمّا على القول برجحان الإضمار على المجاز فربّما يشكل الحال في المقام، إلّا أنّه لا يبعد البناء على ترجيح التخصيص أيضا؛ نظرا إلى غلبته و شيوعه في الاستعمالات.

سابعها: الدوران بين التخصيص و النسخ،

فعن ظاهر المعظم ترجيح التخصيص‏

____________

(1) سورة المائدة: 1.

316

مطلقا، و هو الأظهر؛ إذ هو المفهوم بحسب العرف سيّما مع تأخّر الخاصّ، بل الظاهر الاتّفاق عليه حينئذ، و لغلبة التخصيص على النسخ، و لما في النسخ من رفع الحكم الثابت و مخالفة ظاهر ما يقتضيه المنسوخ من بقاء الحكم، بخلاف التخصيص؛ إذ ليس فيه إلّا مخالفة لظاهر العامّ، كما مرّت الإشارة إليه، و أيضا قد عرفت تقدّم المجاز على النسخ فيقدم عليه التخصيص الراجح على المجاز.

و عن جماعة منهم السيد و الشيخ القول برجحان النسخ على التخصيص في الخاصّ المتقدّم على العامّ، لدعوى فهم العرف، و أنّ التخصيص بيان فلا يتقدّم على المبيّن. و هما مدفوعان بما لا يخفى، و سيجي‏ء تفصيل القول في ذلك إن شاء اللّه تعالى في مباحث العموم و الخصوص عند تعرّض المصنّف (رحمه اللّه) له.

ثمّ إنّ ما ذكرناه من ترجيح التخصيص على النسخ إنّما هو بملاحظة كلّ منهما في ذاته حسب ما مرّ، و أمّا بملاحظة الخصوصيّات اللاحقة، فقد يقدّم النسخ عليه، كما إذا كان التخصيص بعيدا و كان البناء على النسخ أقرب منه كما إذا لزم مع البناء على التخصيص إخراج معظم أفراد العامّ، أو كان في المقام ما ينافي ذلك، و هو كلام آخر خارج عن المرام.

و اعلم أنّه لو كان في المقام ما يوجب تكافؤ احتمالي التخصيص و النسخ فالواجب التوقف حينئذ في الحكم بأحد الأمرين، إلّا أنّه لا فرق بين الوجهين مع تأخّر الخاصّ بالنسبة إلى ما بعد وروده؛ للزوم الأخذ الخاصّ حينئذ و العمل بمقتضى العامّ فيما عداه من أفراده، و إنّما الكلام حينئذ في حال الزمان السابق ممّا يحتمل وقوع النسخ بالنسبة إليه و لا يتفرّع عليه ثمرة مهمّة، مضافا إلى ما عرفت من كون احتمال النسخ حينئذ في كمال الوهن فاحتمال تكافؤهما بعيد جدّا.

و أمّا إذا تقدّم الخاصّ و تأخّر العامّ فلا إشكال إذن بالنسبة إلى سائر أفراد العامّ؛ إذ لا معارض بالنسبة إليها، و أمّا بالنسبة إلى مورد الخاصّ فهل يحكم بعد تكافؤهما و انتفاء المرجّحات بمقتضى الاصول الفقهيّة من التخيير، أو الطرح و الرجوع إلى البراءة، أو الاحتياط، أو لا بدّ من الأخذ بالخاصّ؟ وجهان، من أنّهما

317

بعد تكافؤهما لا ينهضان حجّة على المطلق فلا بدّ من البناء على الوجه المذكور، و من أنّ الحكم بمدلول الخاصّ قد ثبت أوّلا قطعا و إنّما الكلام في رفعه و هو مشكوك بحسب الفرض فيستصحب إلى أن يعلم الرافع، و حيث أنّ حجّيّة الاستصحاب مبنيّة على التعبّد فلا مانع من الأخذ به مع انتفاء الظنّ. و كأنّ هذا هو الأظهر.

ثامنها: الدوران بين التقييد و الإضمار.

تاسعها: الدوران بينه و بين النسخ،

و الحال فيهما كالحال في دوران الأمر بين التخصيص و كلّ منهما، بل الظاهر أنّ الحكم بالتقديم فيه أوضح من التخصيص، لانتفاء التجوّز فيه في الغالب، و يجي‏ء في الأوّل منهما نظير ما مرّ من احتمال التفصيل.

عاشرها: الدوران بين الإضمار و النسخ،

و قد نصّ في المنية بترجيح الإضمار، و لم أعرف من حكم فيه بتقديم النسخ أو بنى على الوقف. و يدلّ عليه ظاهر فهم العرف، و بعد النسخ، و شيوع الإضمار، و مخالفة النسخ للأصل و الظاهر، كما مرّت الإشارة إليه.

و لو تكافأ الاحتمالان بملاحظة خصوصيّة المقام، فإن كان هناك قدر جامع اخذ به، و لا بدّ في غيره من الوقف و الرجوع، الى القواعد و الاصول الفقهيّة.

ثمّ إنّك قد عرفت أنّ ما ذكرناه من ترجيح بعض الوجوه المذكورة على آخر إنّما هو بالنسبة إلى معرفة المراد من اللفظ، و تعيين ما هو المستفاد منه في متفاهم أهل اللسان بعد معرفة نفس الموضوع له، و أمّا استعلام المعنى الموضوع له بملاحظة ذلك- كما إذا كان ترجيح التخصيص باعثا على الحكم بثبوت الوضع للعموم- فلا يحصل بمثل ذلك؛ فإنّ الاستناد إليها في ذلك يشبه الاعتماد على التخريجات العقليّة في إثبات الامور التوقيفيّة، و تحصيل الظنّ بالوضع من جهتها في كمال البعد، و الفرق بين المقامين ظاهر كما لا يخفى على المتأمّل.

هذا ملخّص القول في مسائل الدوران، و قد عرفت أنّ ما ذكرناه من ترجيح‏

318

بعض هذه الوجوه على البعض إنّما هو بملاحظة كلّ منهما في نفسه مع قطع النظر عن الامور الطارئة بحسب المقامات الخاصّة، فلا بدّ إذن في الحكم بالترجيح في خصوص المقامات من الرجوع إلى الشواهد القائمة في خصوص ذلك المقام.

و لا يغرنّك ما ذكر من وجوه الترجيح في الحكم به مع الغفلة عن ملاحظة سائر المرجّحات الحاصلة في المقامات الخاصّة، كيف! و ليس الأمر في المقام مبنيّا على التعبّد و إنّما المناط فيه تحصيل الظنّ و حصول الفهم بحسب المتعارف في المخاطبات، فإن حصل ذلك من ملاحظة ما ذكرناه مع ضمّ ما في خصوص المقام إليه فلا كلام، و إلّا فلا وجه للحكم بأحد الوجهين و ترجيح أحد الجانبين من غير ظنّ به.

فالعمدة في فهم الكلام عرض العبارة الواردة على العرف و ملاحظة المفهوم منها عند أهل اللسان فيؤخذ به و إن كان فيه مخالفة لما قرّر لما في التراجيح من وجوه شتّى، فلا يمكن دفع فهم العرف في خصوص المقام بمثل ما مرّ من الوجوه.

نعم، إن لم يكن في خصوص المقام ما يقضي بالحكم بأحد الوجوه فالمرجع ما قرّرناه، و الظاهر جريان فهم العرف على ذلك كما مرّت الإشارة إليه.

هذا و لو دار الأمر بين المجازين و المجاز الواحد و التخصيصين أو التخصيص الواحد رجّح الواحد على المتعدّد ... و هكذا الحال في غيرهما من سائر الوجوه، إلّا أن يكون في المقام ما يرجّح جانب المتعدّد.

و لو دار الأمر بين المجاز الواحد و التخصيصين لم أر من حكم بترجيح أحد الجانبين. و الظاهر الرجوع إلى فهم العرف في خصوص المقام.

و لو دار الأمر بين المجازين و الإضمار الواحد أو الإضمارين و المجاز الواحد قدّم الواحد في المقامين بناء على مساواة المجاز و الإضمار.

و يعرف بذلك الحال في التركيبات الثلاثيّة و الرباعيّة و ما فوقها، الحاصلة من نوع واحد أو ملفّقة من أنواع متعدّدة مع اتّفاق العدد من الجانبين و اختلافه، و المعوّل عليه في جميع ذلك ما عرفت من مراعاة الظنّ بالمراد على حسب متفاهم العرف.

319

و لنختم الكلام في المقام بذكر مسائل متفرّقة من الدوران غير ما بيّناه ليكون تتميما للمرام.

منها: أنّه لو كان اللفظ مشتركا بين معنيين أو معان و دار المراد بينها حيث لم ينصب قرينة على التعيين فإن كان بعض تلك المعاني مشهور في الاستعمالات دون الباقي تعيّن الحمل عليه، فيكون اشتهاره قرينة معيّنة للمراد. لكن قد عرفت أنّ مجرّد الأغلبيّة غير كاف في ذلك، بل لا بدّ من غلبة ظاهرة بحيث توجب انصراف الإطلاق إليه عرفا و لو على سبيل الظنّ.

و لو لم يكن هناك شهرة مرجّحة للحمل على أحد المعنيين أو المعاني وجب التوقّف في الحمل، و كذا الحال بالنسبة إلى المعاني المجازيّة بعد وجود القرينة الصارفة و انتفاء ما يفيد التعيين رأسا كما سيجي‏ء بيانه إن شاء اللّه.

و على قول من يذهب إلى ظهور المشترك في جميع معانيه عند الإطلاق يجب حمله على الكلّ مع الإمكان، فيرجع إلى العموم. و على ما ذهب إليه صاحب المفتاح من ظهوره في أحد معانيه بناء على كون مراده من أحد المعاني هو الكلّي الصادق على كلّ منها يتخيّر في الإتيان بأيّ منها، فيرجع إلى المطلق.

و هما ضعيفان حسب ما يأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه.

و قد يتعيّن الحمل على أحد المعاني الحقيقيّة أو المجازيّة من جهة لزوم أحد الامور المخالفة، للأصل في بعضها، و عدم لزومه في الآخر، فيترجّح الخالي عن المخالفة على المشتمل عليها و المشتمل على الأهون على غيره أخذا بمقتضى ما قرّر في مسائل الدوران، فيكون ذلك قرينة على التعيين، و ليس ذلك استنادا في تعيين المراد إلى التخريجات و المناسبات، بل لقضاء فهم العرف به، فالبناء على ذلك مبتن على فهم العرف فلو انتفى الفهم في خصوص بعض المقامات لم يصحّ الاتكال عليه حسب ما مرّت الإشارة إليه.

ثمّ مع تكافؤ الحمل على كلّ من المعنيين لتساوي الاحتمالين في أنفسها أو من جهة ملاحظة العرف في خصوص المقام فلا بدّ من التوقّف في الحمل، و حينئذ

320

فإن كان أحدهما مندرجا في الآخر اندراج الخاصّ تحت العامّ أو الجزء تحت الكلّ اخذ به قطعا و دفع الباقي بالأصل إن كان الحكم هناك مخالفا للأصل، و إلّا اخذ به من جهة الأصل لا لاستفادته من اللفظ.

ثمّ على الأوّل إنّما يصحّ دفع الزائد بالأصل إذا لم يكن الحكم في الكلّ منوطا بجميع أجزائه أو جزئيّاته بحيث لا يحصل الامتثال إلّا باجتماع الكلّ، و أمّا مع ذلك فالأظهر لزوم الاحتياط أخذا بيقين الفراغ بعد اليقين بالاشتغال، و سيجي‏ء تفصيل القول فيه في مباحث أصالة البراءة إن شاء اللّه.

و لو علّق عليه ثبوت تكليف آخر فالظاهر إذن عدم ثبوته إلّا مع ثبوت الأخصّ أو الأكثر أخذا بالبراءة.

و لو علّق جواز الفعل فإن لم يكن محرّما مع قطع النظر عن ذلك اخذ بالأقل أو الأعم، عملا بالأصل، و إلّا اخذ بالأخصّ أو الأكثر تقليلا للتخصيص بناء على جواز التخصيص بالمفهوم.

و إن لم يكن أحدهما مندرجا في الآخر فإن كان هناك قدر جامع بين المعنيين ثبت ذلك إن أمكن الأخذ به، و يرجع فيما عداه إلى حكم الأصل فيما إذا كان الحكم في أحدهما موافقا له دون الآخر، و إلّا يرجع الأمر فيه إلى التخيير أو الطرح و الرجوع إلى أصل البراءة أو الاحتياط حسب ما يبنى عليه في ذلك.

و إن لم يكن هناك قدر جامع فإن كان أحد المعنيين موافقا للأصل و الآخر مخالفا اخذ بما يوافق الأصل؛ لعدم ثبوت ما يخالفه نظرا إلى إجمال اللفظ.

و قد يرجّح الحمل على المخالف؛ نظرا إلى كونه على الأوّل مؤكدا لحكم الأصل، فالتأسيس أولى منه. و هو ضعيف و إلّا لزم الرجوع إلى الاصول الفقهيّة.

و منها: أنّه لو قامت قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي و كانت هناك معان مجازيّة و دار الأمر بينها فإن كان الكلّ متساويا بحسب القرب من الحقيقة و البعد عنها و كذلك في كثرة الاستعمال فيها و قلّته فلا إشكال في لزوم الوقف في الحمل، و الحكم بإجمال المراد إلى أن يجي‏ء قرينة على التعيين، و الحكم فيه إذن على‏

321

حسب ما فصّلناه في المشترك.

و ربّما يحتمل في المقام حمله على جميع المعاني المجازيّة نظير ما قيل من ظهور المشترك في إرادة الجميع عند انتفاء القرينة المعيّنة.

و هو فاسد جدّا؛ أمّا على القول بعدم جواز استعمال اللفظ في المعنيين و لو كان محاذيين فظاهر، و أمّا على القول بجوازه فلأنّ حمل اللفظ على الكلّ أيضا مجاز و لا دليل على تعيينه، مضافا إلى أنّه على فرض جوازه من أبعد المجازات في الاستعمالات، فكيف يحمل اللفظ عليه مع الإطلاق.

و ربّما يقال بلزوم حمل اللفظ عليها بأسرها على سبيل البدليّة، حكاه العلّامة (رحمه اللّه) في النهاية حيث قال: «و إن انحصرت وجوه المجاز و تساوت حمل اللفظ عليها بأسرها على البدل، أمّا على الجميع فلعدم أولويّة البعض بالإرادة، و أمّا البدليّة فلعدم عموم الخطاب حتّى يحمل على الجميع، هذا عند من يجوّز استعمال المشترك في مفهوميه» إنتهى.

و هذا أيضا كسابقه في الوهن؛ لبعد الاستعمال المذكور جدّا عن ظاهر المخاطبات العرفيّة، فحمل المطلق عليه فاسد جدّا.

و مجرّد جواز استعمال المشترك في معنييه غير قاض به عند القائل به، و لذا ذهب معظم القائلين به إلى إجمال المشتركات حتى يقوم دليل على التعيين أو إرادة الكلّ، بل نصّ جماعة منهم بكون إطلاقه على الكلّ أبعد الوجوه، فكيف يصحّ على القول به حمل اللفظ هنا مع الإطلاق على جميع المجازات؟ ففي إسناده (رحمه اللّه) القول المذكور إلى من جوّز استعمال المشترك في مفهوميه ما لا يخفى، و كأنّه تخريج منه (رحمه اللّه)، تفريعا على القول المذكور.

و أنت خبير بأنّه إن صحّ التفريع في المقام فإنّما يتفرّع ذلك على ما يتراءى من كلام صاحب المفتاح في المشترك حسب ما مرّت الإشارة إليه أو على القول بظهور المشترك في جميع معانيه، إلّا أنّ الظاهر حينئذ البناء على ظهور المجاز أيضا في الجميع تنزيلا للمعاني المجازيّة منزلة المعاني الحقيقيّة، و حينئذ فما ذكره‏

322

في بيان كون إرادتها على سبيل البدليّة من انتفاء العموم في الخطاب ليس في محلّه، كيف! و هو جار في المشترك أيضا.

ثمّ إنّ قضيّة ما ذكره هو الحمل على الجميع على سبيل الاستغراق لو كان هناك ما يفيد العموم، كما إذا كان اللفظ نكرة واردة في سياق النفي أو النهي أو دخل عليه أحد أدوات العموم.

و كيف كان، فالوجه المذكور أيضا بيّن الفساد، لا حاجة إلى إطالة الكلام فيه.

و أمّا إذا اختلفت المجازات فإمّا أن يكون اختلافها من جهة قرب بعضها من الحقيقة و شدّة علاقته لها و بعد الباقي و ضعفه في العلاقة، أو من جهة اشتهار بعضها و تداوله في الاستعمالات دون الباقي، و كلّ من الوجهين المذكورين باعث على تعيّن المجاز بعد وجود القرينة الصارفة عن الحقيقة من غير حاجة إلى ضمّ القرينة المعيّنة للمراد.

أمّا الأوّل فلما فيه من كمال الارتباط و المناسبة الجليّة الباعثة على فهم ذلك بحسب العرف بعد تعذّر الحقيقة، ففهم العرف هو المناط في ذلك، و المنشأ له هو الأقربيّة و شدّة الارتباط و المناسبة.

و في كلام بعض المحقّقين أنّ السبب فيه الغلبة و الاشتهار المقتضي للتعيّن بنفسه أو بواسطة التبادر، فإنّ قوة العلاقة في المجاز و شدّة المناسبة من أعظم دواعي الرغبة في استعماله المفضية إلى الغلبة و الاشتهار.

و أنت خبير بأنّ انفهام أقرب المجازات بعد تعذّر الحقيقة ليس إلّا من جهة ملاحظة نفس المعنى من غير ملاحظة لغلبته و اشتهاره أصلا، و لو كان الفهم من الجهة المذكورة للزم اعتبارها و ملاحظتها حال الانتقال إليه، و من البيّن خلافه.

و أيضا كون الأقربيّة باعثة على شهرة المجاز محلّ منع، و إنّما الباعث عليه شدّة الحاجة إلى المعنى و وفور الاحتياج إليه في المحاورات، و هي قد تكون بالنسبة إلى غير الأقرب دونه، إذ من الواضح أنّ مجرّد القرب من الحقيقة لا يقتضي شدّة الحاجة إليه، فالظاهر أنّ نفس قرب المعنى هو الباعث على‏

323

الانتقال إليه، و الحمل عليه بعد تعذّر الحقيقة، و ليس ذلك استنادا في الفهم إلى التخريجات العقليّة و المناسبات الاعتباريّة بل إلى فهم أهل اللسان، و تبادر ذلك عندهم بعد تعذّر الحقيقة حسب ما ذكرناه.

فالمناط في الأقربية الملحوظة في المقام هي التي تكون باعثة على انصراف اللفظ إليه حينئذ بمقتضى فهم العرف، لا مطلق الأقربيّة في الجملة و هو ظاهر.

فمن ذلك: انصراف اللفظ الدالّ على نفي الحقيقة بعد العلم بوجودها إلى نفي الصحّة عند دوران الأمر بينه و بين نفي الكمال.

و منه أيضا: انصراف نفيها فيما لا تتصف بالصحّة إلى نفي الآثار و الفوائد المطلوبة، كما في لا علم إلّا ما نفع، و لا كلام إلّا ما أفاد.

و منه أيضا: انصراف التحليل و التحريم المضافين إلى الأعيان إلى تحليل المنافع المقصودة الغالبة و تحريمها، فلا إجمال في شي‏ء من ذلك.

و أمّا الثاني فلإلحاق المشكوك بالأعمّ الأغلب، و عليه يجري الأمر في المخاطبات العرفيّة، فلا بدّ حينئذ من كون الشهرة بحيث توجب انصراف اللفظ إليه في العرف بعد قيام الصارف عن الحمل على الحقيقة فمجرّد الأشهريّة غير كاف فيه، بل لا بدّ من كونها بحيث توجب انفهام المعنى من اللفظ عند الإطلاق، و كون الشهرة و الغلبة باعثة على ذلك ممّا لا ريب فيه، بل ربّما يقتضي اشتهار المجاز إلى مساواته للحقيقة أو رجحانه عليها، فتكون قرينة صارفة و معيّنة، فكيف لا تكون معيّنة للحمل عليه و مرجّحة له على سائر المجازات بعد وجود القرينة الصارفة عن الحقيقة؟ و هذا أيضا ظاهر.

و من ذلك حمل الألفاظ التي استعملها الشارع في المعاني الشرعيّة على القول بنفي الحقيقة الشرعيّة فيها، بعد قيام القرينة الصارفة عن إرادة معانيها اللغويّة و دوران الأمر فيها بين إرادة المعاني الشرعيّة أو مجاز آخر، فيحمل على الاولى نظرا إلى غلبة استعمالها في كلام الشارع في المعاني المذكورة و اشتهارها فيها حتى قيل بحصول النقل، و من البيّن أنّ ما عداها ليس كذلك فيقدّم الحمل عليها،

324

و لا يكون اللفظ مجملا، كذا ذكره بعض المحقّقين.

و أنت خبير بأنّ الدعوى المذكورة على إطلاقها في محل المنع، إذ ليس جميع الألفاظ المتداولة عندنا ممّا ثبت كثرة استعمال الشارع لها بحيث يحصل الظنّ بإرادة تلك المعاني منها بعد وجود القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة.

نعم، هو ظاهر في الألفاظ المتداولة في كلامه كالصلاة و الصيام و الحجّ و الزكاة و نحوها، و القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة فيها لا يتعيّن أن يكون من جهة الشهرة و الغلبة، بل ظاهر المشهور خلافه، كما سيجي‏ء الكلام فيه إن شاء اللّه.

هذا، و لو اجتمعت الجهتان المذكورتان- أعني الشهرة و القرب إلى الحقيقة في بعض المجازات- فتقديمه على الخالي عنهما واضح، و كذا على الخالي عن أحدهما.

و لو تعارضت الجهتان بأن كان بعض المجازات مشهورا في الاستعمالات و بعضها أقرب إلى الحقيقة فربّما يشكل الحال إذن في الترجيح، و الظاهر حينئذ مراعاة أقوى الوجهين و أقربهما إلى الفهم، لاختلاف مراتب الشهرة و القرب إلى الحقيقة، فلا بدّ من ملاحظة الراجح منهما و الأخذ بمقتضاه.

و منها: أنّه إذا دار الأمر يبن حمل اللفظ على الحقيقة المرجوحة و المجاز الراجح و لم يكن هناك قرينة دالّة على تعيين المراد فهل يقدّم الحقيقة أو المجاز؟

أقوال.

فعن أبي حنيفة ترجيح الحقيقة.

و عن الشافعي ترجيح المجاز.

و عن جماعة من العامّة و الخاصّة منهم الغزالي و البيضاوي و العلّامة و السيّد العميدي و الشهيد الثاني و المصنّف و الفاضل الخراساني و العلّامة الخوانساري و جماعة من المتأخّرين البناء على الوقف و عدم ترجيح أحد المعنيين في الحمل إلّا بقرينة دالّة عليه، و حكي القول به عن الشافعي أيضا.

حجّة الأوّل أصالة الحمل على الحقيقة حتّى يتبيّن المخرج، و مجرّد الشهرة لا يصلح صارفا عنها، كيف! و قد شاع تخصيص العامّ في الاستعمال حتّى جرى‏

325

قولهم: «ما من عامّ إلّا و قد خصّ» مجرى الأمثال، و مع ذلك لا يستراب في حمله على العموم حتّى يقوم صارف عنه.

و حجّة الثاني أنّ الغلبة و شهرة الاستعمال باعثة على انصراف الإطلاق إلى المعنى الشائع، و هي من أعظم الأمارات المفيدة للظنّ.

و حجّة الثالث تكافؤ الظنّ الحاصل من الشهرة للظنّ الحاصل من الوضع، فلا يحصل معه ظنّ بالمراد و مع عدمه لا يمكن الحكم بأحد الوجهين؛ لابتناء مداليل الألفاظ و فهم المراد منها على حصول الظنّ، إذ لا أقلّ منه في حصول الفهم، فلا وجه لحمله على أحدهما إلّا مع قيام قرينة خارجيّة على التعيين.

و التحقيق في المقام: أنّ مراتب الغلبة مختلفة و درجاتها متفاوتة، فإنّ شهرة استعمال اللفظ في المعنى و رجحانه قد يكون بحيث يوجب فهمه من اللفظ و ترجيحه على سائر المجازات من غير حاجة إلى قيام قرينة معيّنة عليه، لكن بعد قيام القرينة الصارفة عن معناه الحقيقي، و لا تكون تلك الغلبة بالغة إلى حيث يكافؤ الظنّ الحاصل منها الظنّ المتفرّع على الوضع، فلا ريب إذن في ترجيح الحمل على الحقيقة مع إطلاق اللفظ.

و قد يكون غلبة استعماله فيه فوق ذلك بأن يكون الظنّ الحاصل من ملاحظة الشهرة مكافئا لظنّ الحقيقة، و لا ريب إذن في الوقف و عدم جواز حمله على أحدهما من دون قرينة دالّة عليه.

و قد تكون الغلبة فوق ذلك أيضا فيكون اللفظ بملاحظتها ظاهرا في ذلك المعنى فيكون الظنّ الحاصل من الشهرة غالبا على ظنّ الحقيقة فيتعيّن القول حينئذ بترجيح المجاز الراجح، و تكون الشهرة إذن قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي معيّنة لحمله على ذلك، فإنّ دلالة القرائن لا تعتبر أن تكون علميّة بل يكتفى فيها بالمظنّة؛ لابتناء مداليل الألفاظ على الظنون، و قيام الإجماع على حجّية الظنّ فيها.

و يجري ما ذكرناه في مراتب الشهرة بالنسبة إلى سائر القرائن المنضمّة

326

إلى اللفظ، فإنّ الظنّ الحاصل منها قد لا يعادل ظنّ الحقيقة فلا يوجب صرف اللفظ عن الموضوع له، نعم توجب وهن الظنّ الحاصل منه.

و قد يترجّح مفادها على ذلك فيعادل ظنّها الظنّ الحاصل من الوضع، فيقضي حينئذ بالوقف عن الحمل على الحقيقة أو المجاز، فلا يمكن الحكم بشي‏ء منهما، فهي و إن لم توجب الحمل على المجاز إلّا أنّها مانعة من الحمل على الحقيقة أيضا.

و قد يترجّح على ذلك أيضا فيقضي بصرف اللفظ عن معناه الحقيقي و حمله على المجازي على اختلاف مراتبه في الظهور.

فليس الأمر في اللفظ دائرا بين حمله على الحقيقة أو المجاز بأنّه إن وجدت قرينة صارفة حمل على المجاز و إلّا فعلى الحقيقة، كما قد يتراءى من ظاهر كلماتهم بل هناك واسطة بين الأمرين، و هو الوقف عن الحملين؛ لدوران الحمل مدار الفهم بحسب العرف بعد ملاحظة المقام، فإذا حصل هناك مانع عن الفهم من شهرة أو قيام قرينة اخرى توجب ترديد الذهن فلا دليل على لزوم الحمل على الموضوع له.

و الحاصل: أنّ حمله على الموضوع له أو غيره يدور مدار المتفاهم بحسب العرف، و أقل مراتبه الظنّ، و ليس الأمر مبنيّا على التعبّد حسب ما مرّ تفصيل القول فيه.

فظهر بما قرّرنا ضعف كلّ من الوجوه الثلاثة المذكورة التي هي المستند للأقوال المتقدّمة.

و هناك درجتان اخريان للغلبة فوق ما ذكر قد مرّت الإشارة إليهما، و هما خارجتان عن محلّ الكلام؛ لخروج اللفظ معهما عن حدّ المجاز و اندراجه في الحقيقة.

و ما قد يقال من أنّ مجرّد الغلبة لا يكون باعثا على حمل اللفظ عليه من دون البلوغ الى حدّ الحقيقة، كيف! و لو كان قاضيا بذلك لزم رجحان المجاز على الحقيقة مطلقا، نظرا إلى غلبة مطلق المجاز على الحقيقة حتّى اشتهر أنّ أكثر اللغة

327

مجازات، و البناء على كون العامّ مخصّصا قبل ظهور المخصّص، نظرا إلى شهرة التخصيص و غلبته في الاستعمالات.

مدفوع بأنّه ليس المدار في المقام على مطلق الغلبة، بل الغلبة القاضية بانصراف اللفظ إلى ذلك المعنى أو الباعثة على توقّف الذهن عن الحمل على الحقيقة بحسب المتفاهم بين الناس، و من البيّن أنّ استعمال المجازات و العمومات المخصّصة ليس كذلك.

و كأنّ الوجه فيه أنّ اشتهار الاستعمال في غير المعنى الحقيقي هناك نوعيّ لا شخصيّ؛ لعدم شيوع استعمال اللفظ في خصوص مجاز أو مرتبة من التخصيص.

مضافا إلى كون الاستعمالات هناك مقرونة في الغالب بالقرينة الصارفة، و مثل تلك الغلبة لا يوجب صرف اللفظ غالبا عند الإطلاق على نحو ما إذا اشتهر اللفظ في مجاز مخصوص، سيّما اذا كان كثير من استعمالاته خاليا عن القرينة المقارنة، و يعلم الحال فيه من ملاحظة الخارج، كما لا يخفى على المتأمّل.

على أنّ دعوى اشتهار المجازات و غلبتها على الحقائق غير ظاهرة، بل من الظاهر فساده؛ فإنّ من البيّن أنّ غالب الاستعمالات العرفيّة و المخاطبات المتداولة من قبيل الحقائق دون المجازات، و إنّما يؤتى بالمجاز في بعض المقامات لمراعاة بعض النكات، فإن اريد بما اشتهر من أنّ أكثر اللغة مجازات هذا المعنى فهو بيّن الفساد، و قد مرّت الإشارة إليه، و إلّا فلا دلالة فيه على ذلك.

و منها: أنّه لو كان أحد معنيي المشترك مهجورا و قامت قرينة على عدم إرادة الآخر، فدار الأمر بين إرادة معناه المهجور أو الحمل على المجاز، فإن كان معناه المجازي مشهورا في الاستعمالات فالظاهر تقديمه على الحقيقة المهجورة، و مع عدمه ففي تقديم الحقيقة المهجورة نظرا إلى كونه معنى حقيقيا، أو التوقّف بين الحمل عليه و حمله على معناه المجازي وجهان؟

و منها: أنّه اذا ثبت نقل اللفظ إلى معنى و دار المعنى المنقول إليه بين كونه الأقرب إلى الحقيقة أو الأبعد منه تعيّن الأوّل مع كون الوضع حاصلا بالتعيّن،

328

لكون النقل المفروض مسبوقا بالتجوّز، و الغالب فيه مراعاة الأقرب إلى الحقيقة؛ و لذا يحمل اللفظ عليه عند الإطلاق قبل حصول النقل بعد تعذّر الحقيقة.

و بالجملة: يجب الحكم بأنّ المنقول إليه هو المجاز الّذي يجب حمل اللفظ عليه مع عدم ثبوت النقل، سواء كان باعتبار غلبة استعمال اللفظ فيه الّتي هي أحد وجوه الأقربيّة، أو باعتبار المناسبة الاعتباريّة التي هي أحد وجوهها أيضا، كذا قيل.

و أنت خبير بأنّه إن علم تحقّق الغلبة بالنسبة إلى أحدهما بخصوصه فلا مجال للشك، و إلّا فمجرّد الأقربيّة غير قاض بذلك؛ لتفرّع النقل على غلبة الاستعمال، و هي إنّما تتبع شدّة الحاجة لا مجرّد القرب من الحقيقة كما مرّ.

و ليس الوجه في حمل اللفظ على أقرب المجازات بعد تعذّر الحقيقة كونه غالبا في الاستعمالات، بل لكون نفس الأقربية معيّنة له عند انتفاء القرينة المعيّنة و المفروض انتفاء العلم في المقام بوجود القرينة المعيّنة و عدمه، فكيف يمكن الحكم بحصول الغلبة في المعنى المفروض بمجرّد ما ذكر؟.

إلّا أن يقال: إنّ الأصل عدم الحاجة إلى القرينة المعيّنة لما استعمل فيه فيتعيّن بملاحظة ذلك كون المعنى المذكور هو الشائع في استعماله، لافتقار غيره إلى القرينة المعيّنة. و فيه ما لا يخفى.

و منها: أنه إذا ورد لفظ في كلام الشارع أو الأئمّة (عليهم السّلام) و اختلف معناه بحسب اللغة و العرف العامّ فلا إشكال في حمله على الأوّل لو علم بتأخّر العرف، كما أنّه لا إشكال في حمله على الثاني مع ثبوت تقدّمه، و إنّما الإشكال فيما إذا لم يثبت أحد الوجهين و دار الأمر بين الحمل على كلّ من المعنيين، فهل يحكم بتقديم اللغة أو العرف قولان؟

فالمحكي عن بعضهم ترجيح الأوّل.

و عن الشيخ و العلّامة و الشهيدين و البيضاوي القول بالثاني، و هو الأظهر؛ إذ الغالب في المعاني العرفيّة العامّة ثبوتها من قديم الزمان كما يعرف ذلك بعد

329

ملاحظة المعاني العرفيّة و تتبّع موارد استعمالها في كلمات الأوائل و ملاحظة كتب اللغة لبيانهم غالبا للمعاني العرفيّة العامّة، و يكشف عن ذلك حكم الأكثر ممّن عرف آراؤهم بتقديم العرف؛ إذ ليس ذلك إلّا من الجهة المذكورة الباعثة على الظنّ بالمراد، و قد حكى بعضهم عليه الشهرة، بل ربّما يعزى القول به إلى جميع الاصوليين، و هو في الحقيقة حجّة اخرى على ذلك لبعثه على المظنّة الكافية في المقام.

و ربّما يستدلّ على ذلك أيضا باستبعاد استقرار العرف العامّ في المدّة القليلة من بعد زمن النبي (صلّى اللّه عليه و اله).

و بأنّه لا مجال للتأمّل في حمل اللفظ على معناه الثابت في العرف العامّ إذا لم يعرف له معنى آخر بحسب اللغة مع قيام احتمال وجوده، و هو مبنيّ على تقديم العرف؛ إذ لو لا ذلك لوجب الوقف فيه و الحكم بإجمال اللفظ لاحتمال وجود معنى آخر له في اللغة و استمراره إلى وقت صدور الرواية، و هو باطل بالاتّفاق.

و أنت خبير بوهن الوجهين؛ إذ لا بعد في استقرار العرف العامّ في المدّة المذكورة بل و فيما دونها أيضا، و لو سلّم فليضمّ إليه زمن النبي (صلّى اللّه عليه و اله) و ما قبله ليحكم باستقرار العرف بملاحظة الجميع، فلا عرف إذن في زمانه (صلّى اللّه عليه و اله) بل و كذا في أزمنتهم، إذ المفروض في الاحتمال المذكور حصول النقل بملاحظة الكلّ.

و الوجه في الحمل على المعنى العرفي في الصورة المفروضة من جهة استظهار اتّحاد العرف و اللغة؛ نظرا إلى أصالة عدم النقل، و لذا تداول بينهم إثبات اللغات بمجرّد ثبوت المعنى في العرف على ما هو شأن نقلة اللغات و طريقة علماء الاصول في إثبات مداليل الأمر و النهي و ألفاظ العموم و غيرها.

حجّة القول بتقديم اللغة أصالة تأخّر الحادث، إذ المفروض عدم ثبوت مبدأ النقل.

و يضعّفه أنّ الأصل المذكور لا معوّل عليه في المقام إلّا بعد إفادته الظنّ بمؤدّاه، لما عرفت من ابتناء اللغات على المظنّة و حصول الاستفادة من العبارة،

330

فمجرّد الأصل المذكور لا تعويل عليه مع الظنّ بخلافه من التتبّع و مصير الأكثر إليه كما عرفت.

و لا يذهب عليك أنّ قضيّة ما ذكرناه أنّه لو شكّ في خصوص بعض المقامات في مبدأ النقل و لم يكن هناك مظنّة بحصوله حال صدور الخطاب لزم التوقّف في الحمل، و الحكم بإجمال اللفظ و الرجوع إلى ما يقتضيه الاصول الفقهيّة، فيؤخذ حينئذ بما وافق الأصل من المعنيين المذكورين إن وافقه أحدهما، و ليس ذلك من جهة حمل اللفظ عليه ليكون إثباتا للغة بالترجيح، بل من جهة استقلال الأصل إذن بإثباته و عدم مزاحمة النصّ له لإجماله.

و منها: أنّه لو اختلف عرف المتكلّم و المخاطب في لفظ فدار المراد بين ذينك المعنيين- لعدم قيام قرينة على كون الخطاب بأيّ من العرفين- فهل يقدّم الأوّل أو الثاني أو يتوقّف بينهما؟ أقوال.

و الأوّل مختار الشريف الاستاذ (قدّس سرّه‏) و يحكى القول به عن ظاهر السيّد.

و الثاني محكيّ عن العلّامة و الشهيد الثاني.

و الثالث مختار جماعة من المتأخّرين منهم صاحب المدارك، و اختاره في الفوائد الحائريّة.

و تفصيل الكلام في المرام مع خروج عن خصوص المقام أن يقال: إنّه إذا صدر الخطاب من المتكلّم و كان عرفه و عرف المخاطب و عرف المحلّ الّذي وقع الخطاب فيه متّحدا فلا إشكال في حمله مع الإطلاق على ذلك العرف، و كذا إذا لم يكن للمحلّ أو المخاطب أو المتكلّم عرف مع اتّحاد الآخرين، أو انحصر الحال فيه في عرف المحلّ أو المتكلّم أو المخاطب، فهذه وجوه سبعة لا إشكال فيها، حيث لا دوران هناك نظرا إلى انحصار العرف في معنى واحد.

و إن اختلف الحال فإمّا أن يكون باختلاف عرف المتكلّم لعرف المخاطب مع انتفاء العرف في المحلّ، أو موافقته لأحد العرفين، أو باختلاف عرف المتكلّم لعرف المحلّ مع انتفاء عرف المخاطب، أو موافقته لعرف المتكلم، أو باختلاف‏

331

عرف المخاطب لعرف المحل مع انتفاء عرف المتكلّم، أو باختلاف كلّ منها للآخر، فهذه أيضا وجوه سبعة يقع التأمّل فيها.

فإن اختلف عرف المتكلّم و المخاطب مع انتفاء العرف في محلّ الخطاب فالأظهر تقديم عرف المتكلّم؛ إذ الظاهر من المخاطبات الدائرة بين الناس مراعاة المتكلّم لعرف نفسه و الوضع الحاصل بملاحظة اصطلاحه إن ثبت له عرف، و لذا يقدّم العرف الخاصّ على اللغة و العرف العامّ من غير خلاف يظهر بينهم، و ليس ذلك إلّا من جهة ظهور جريه في الكلام على وفق مصطلحه، و هو بعينه جار في المقام.

و متابعته في الاستعمال لعرف المخاطب مجرّد احتمال لا ظهور فيه ليزاحم الظهور المذكور، حتّى يقضي بالوقف بين الأمرين.

فالظاهر المذكور متّبع في المقام حتى يجي‏ء هناك ما يزاحمه من ملاحظة الخصوصيّات في بعض المقامات، لما عرفت من أنّ المدار في أمثال هذه المسائل على حصول الظنّ كيف كان.

و قد يقرّر الاحتجاج المذكور بملاحظة الغلبة فإنّ عادة الناس جارية على المكالمة بمقتضى عرفهم و عدم متابعتهم لاصطلاح الغير في محاوراتهم، إلّا لقصد التعلّم أو فائدة اخرى.

و اورد عليه بأنّ المسلّم من الغلبة المذكورة ما إذا كانت المكالمة مع من يوافق عرفه عرف المتكلّم، و أمّا إذا كانت مع من يخالف عرفه لعرفه فالغلبة المدّعاة ممنوعة، بل الظاهر عدمها، و إلّا لما خفيت على من يذهب إلى خلاف القول المذكور.

و فيه: أنّه لمّا تحقّقت الغلبة في معظم المحاورات فمع حصول الشكّ في الصورة المفروضة- و هو ما إذا كانت المخاطبة مع من يخالف عرفه- قضى ذلك بإلحاقه بالأعمّ الأغلب، و لا يعتبر ثبوت الغلبة في خصوص الصورة المفروضة، بل حصولها في معظم المحاورات كاف في تحصيل المظنّة في محلّ الكلام.

332

نعم، يعتبر أن لا يحصل هناك غلبة في خصوص المورد على عكس الغالب في سائر الموارد ليزاحم بها الغلبة المفروضة، و هي غير متحقّقة في المقام و لو على سبيل الظنّ قطعا.

ثمّ دعوى انتفاء الغلبة في خصوص المقام من جهة ذهاب المخالف إلى عدم الحمل عليه غير متّجهة، و أيّ بعد في خفاء الغلبة المذكورة عليه؟ و كم له من نظائر في سائر المباحث؟

على أنّه قد يكون ذلك من جهة اعتقادهم ما يعارض ذلك ممّا يعادله أو يترجّح عليه، و قد يومئ إليه ملاحظة ما احتجّوا به في المقام.

و ربّما يحتجّ لذلك أيضا بأنّه لو حمل الكلام على عرف المخاطب لزم المجاز، و هو مخالف للأصل فلا يحمل عليه إلّا بعد دلالة القرينة.

و هو في وضوح الفساد بمكان لا يحتاج إلى البيان.

حجّة القول بتقديم عرف المخاطب أنّ في تكلّمه بمقتضى عرفه إغراء بالجهل حيث إنّ المخاطب يحمله على عرف نفسه فلا يصدر من الحكيم.

و أيضا قد ورد أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) و الأئمّة (عليهم السّلام) إنّما يخاطبون الناس بما يعقلونه فينبغي أن يكون مخاطبتهم بمقتضى عرف مخاطبيهم.

و لا يذهب عليك وهن كلّ من الوجهين المذكورين، فلا حاجة إلى إطالة الكلام فيما يرد عليهما.

حجّة القول بالوقف كون اللفظ إذن مشتركا بين المعنيين، و صحّة تكلّم المتكلّم على كلّ من عرفه و عرف مخاطبه، فلا يحكم بأحدهما إلّا بعد قيام القرينة عليه.

و قد ظهر ما فيه ممّا قرّرناه؛ إذ صحّة التكلّم على الوجهين لا ينافي ظهوره في أحدهما مع انتفاء القرائن حسب ما بيّناه.

ثمّ إنّه لو كان عرف المتكلّم موافقا لعرف البلد فالأمر فيه حينئذ أظهر، و ظهور الحمل على العرف المذكور حينئذ ممّا لا ينبغي التأمّل فيه كما لا يخفى بعد ملاحظة

333

الاستعمالات. فتوقّف بعض الأفاضل في هذه الصورة أيضا ليس على ما ينبغي.

نعم، لو وافق عرف المخاطب عرف المحلّ فلا يخلو المقام عن إشكال؛ لاتّباعهم عرف المحلّ كثيرا في المخاطبات سيّما مع طول المكث فيه، فللتوقّف فيه إذن مجال سواء وافق عرف المخاطب أو لا و إن كان الإشكال في الثاني أظهر، إلّا أن يكون الحكم متعلّقا ببلد المتكلّم، فيحتمل قويّا ترجيح عرفه أيضا، و كذا لو لم يتحقّق مكثه في المقام قدرا يعتدّ به سيّما مع اتّحاد عرف المتكلّم و المخاطب.

و لو دار الأمر بين عرف المحلّ و عرف المخاطب من غير أن يكون للمتكلّم عرف فيه فلا يخلو الحال أيضا عن إشكال و إن كان ترجيح عرف المحلّ قويّا مع طول مكثه فيه.

و لو دار الأمر بين الوجوه الثلاثة قوي تقديم عرف المتكلّم أيضا، إلّا مع مكثه في المحلّ ففيه الإشكال المذكور.

ثمّ إنّ ما ذكرناه من الدوران فيما إذا كان المتكلّم عالما بعرف المخاطب أو المحلّ و أمّا مع جهله بهما فلا تأمّل في حمل كلامه على عرفه، و كذا لو كان جاهلا بأحدهما في عدم حمل كلامه على العرف المجهول، و كذا لو كان عالما بعرف المخاطب مع علمه بعدم علمه بعرفه و عرف المحلّ، فإنّه لا شبهة في حمله على عرف المخاطب إذا كان المقام مقام بيان، و مع جهله بعلمه و عدمه وجهان، و كذا لو شكّ في الحال.

هذا، و لا فرق فيما ذكرناه بين ما إذا كان لكلّ من المتكلّم أو المخاطب أو المحلّ عرف خاصّ في اللفظ المفروض، أو يكون المعنى الثابت عند بعضهم هو المعنى اللغوي أو العرفي العامّ.

و بالجملة: المراد بالعرف المنسوب الى المتكلّم أو المخاطب أو المحلّ أعمّ من الوجوه الثلاثة؛ لاتّحاد المناط في الجميع و إن اختلف الحال فيها ظهورا و خفاء بحسب المقامات.

334

[الفائدة الحادية عشر: هل الألفاظ موضوعة للامور الخارجيّة أو للصور الذهنيّة]

الحادية عشر أنّهم اختلفوا في كون الألفاظ موضوعة للامور الخارجيّة، أو للصور الذهنيّة، أو غيرهما، على أقوال:

ثالثها: أنّها غير موضوعة لشي‏ء من الأمرين و إنّما هي موضوعة لنفس المفاهيم و الماهيّات مع قطع النظر عن الوجودين.

رابعها: التفصيل بين الكلّيات و الجزئيّات، فالكلّيات موضوعة بإزاء المفاهيم الكلّية مع قطع النظر عن الوجودين، و الجزئيّات الخارجيّة بإزاء الموجودات الخارجيّة، و الجزئيّات الذهنيّة بإزاء الموجودات الذهنيّة، و حيث إنّ الأقوال المذكورة غير خالية عن إبهام فبالحري توضيح الحال فيها في المقام.

فنقول: إنّ القول بوضع الألفاظ للامور الخارجيّة يحتمل في بادئ الرأي وجوه.

أحدها: أن يقال بوضعها للموجودات الخارجيّة على أن يكون الوجود الخارجي معتبرا في الموضوع له على سبيل الجزئيّة.

ثانيها: أن يكون ذلك قيدا فيه على أن يكون القيد خارجا و التقييد داخلا.

ثالثها: أن يقال بوضعها للمفاهيم باعتبار وجودها الخارجي و من حيث تحقّقها كذلك، فالموضوع له هو نفس المفاهيم بتلك الملاحظة أعمّ من أن تكون موجودة في الخارج أو لا، و يحتمل أن يعتبر الوجوه الثلاثة المذكورة باعتبار كونها خارجيّة و إن لم تكن موجودة في الخارج، أو يفصّل بين ما يكون موجودة في الخارج فيؤخذ وجودها الخارجي على أحد الوجوه المذكورة، و ما يكون نفسها خارجيّا فيؤخذ خارجيّتها كذلك.

رابعها: أن يراد بذلك وضعها للمفاهيم من حيث كونها عنوانات لمصاديقها في الواقع، سواء كان من شأن مصاديقها أن تكون خارجيّة أو ذهنيّة أو أعمّ منهما و لو كان تقديريّا كما في الممتنعات، أو لم يكن تقديرها إلّا بنحو من الاعتبار، كما في «اللا شي‏ء» و «اللاموجود المطلق» و نحوهما فكونها خارجيّة باعتبار مقابلتها

335

للصور الذهنيّة و خروجها عن الإدراكات المفروضة و إن كانت مدركات للعقل على فرض تصوّرها.

و المراد بوضعها للصور الذهنيّة إمّا نفس الصور الحاصلة في العقل من حيث كونها مرآة لما يطابقها في الخارج إن كان ما يطابقها امورا خارجيّة، أو لما يطابقها في الذهن إن كانت ذهنيّة، فتكون الألفاظ دالّة على الصور الذهنيّة الدالّة على ما يطابقها حسب ما ذكر، فتكون تلك الامور الخارجيّة أو الذهنيّة مدلولة للّفظ بتوسّط تلك الصور.

و إمّا المفاهيم المعلومة عند العقل من حيث تقيّدها بكونها معلومة، و إنّما عبّر عنها بالصور لاتّحادها معها في الذهن و إن أمكن الانفكاك بينها بتحليل العقل، و إطلاق الصورة على ذلك ممّا لا مانع منه، و قد تكرّر إطلاقها عليه في كلماتهم.

و يحتمل هناك وجوه اخر في بادئ الرأي كأن يكون المراد وضعها بإزاء الصور و الإدراكات بنفسها، أو يكون المراد وضعها بإزاء المفاهيم المقيّدة بالوجود الذهني مع اندراج القيد في الموضوع له أو خروجه، أو بملاحظة حصولها في الذهن من دون أن يؤخذ ذلك شطرا أو شرطا على حسب الاحتمالات المتقدّمة.

لكنّها ضعيفة جدّا، بل فاسدة قطعا.

و الظاهر أنّ شيئا من ذلك ممّا لا يقول به أحد أصلا، إذ لا معنى لكون الألفاظ أسامي للامور الذهنيّة بنفسها؛ ضرورة دلالتها على الامور الخارجيّة قطعا، و الصور الذهنيّة بنفسها غير مقصودة بالإفادة و الاستفادة غالبا، و الوجوه المذكورة مشتركة في ذلك.

و كذا الحال في الوجهين الأوّلين للقول بوضعها للامور الخارجيّة، إذ كون الوجود الخارجي جزء من الموضوع له أو قيدا فيه واضح الفساد؛ إذ لا دلالة في اللفظ عليه أصلا كما لا يخفى، و سيجي‏ء توضيح الكلام في ذلك إن شاء اللّه.

و المراد بوضعها للمفاهيم إمّا مطلق المفهوم الشامل للحاصل منها في الذهن، أو الخارج و إن لم يكن الأوّل من مصاديقه الحقيقيّة، أو المراد بها المفاهيم من حيث كونها عنوانات لمصاديقها حسب ما ذكر في الوجه الرابع، فيرجع ذلك اليه.

336

و يعرف ممّا ذكرنا الحال في القول الرابع، و يجري فيه عدّة من الاحتمالات المذكورة، كما لا يخفى على المتأمّل فيما ذكرنا.

ثمّ إنّه قد يستشكل فيما ذكر من التفصيل في وضع الجزئيّات بأنّه ليس عندنا ألفاظ موضوعة بإزاء الجزئيّات الذهنيّة ليكون الوجود الذهني ملحوظا في وضعها على أحد الوجوه المذكورة.

نعم، هناك معان لا وجود لها إلّا في الأذهان كالكلّية و الجنسيّة و الفصليّة و نحوها، لكنّها امور كلّية أيضا فلا يتّجه التعبير عنها بالجزئيّات.

و قد يقال بأنّ أسماء الإشارة اذا اشير بها الى المعاني الحاصلة في الأذهان كانت موضوعة لتلك الجزئيّات الذهنيّة، بناء على كون الموضوع له فيها خاصّا كما هو المعروف بين المتأخرين. إلّا أنّ حمل كلام المفصّل على ذلك لا يخلو عن بعد.

و كأنّ المقصود منه هو الوجه الأوّل و إن كان التعبير عنه بما ذكر غير خال عن التعسّف.

لكن يرد عليه عدم ظهور فرق بينها و بين سائر الكلّيات؛ إذ عدم قبولها للوجود الخارجي لا يقضي باعتبار الوجود الذهني في وضع اللفظ بإزائها.

هذا، و لا يذهب عليك بعد التأمّل فيما قرّر من الأقوال المذكورة الفرق بين هذه المسألة و ما وقع الخلاف فيه من اعتبار الاعتقاد في مداليل الألفاظ و عدمه، حيث يمكن القول بكلّ من الوجهين على كلّ من الأقوال المذكورة، و ليس اعتبار الاعتقاد في الموضوع له مبنيّا على كون الألفاظ موضوعة بإزاء الصور الذهنية.

بل يمكن القول بنفيه و لو مع البناء على القول المذكور، و القول بإثباته على القول بوضعها للامور الخارجيّة أيضا، فإنّ القائل المذكور يجعل ما وضع اللفظ له بحسب الواقع هو ما يعتقد أنّه ذلك المفهوم سواء كان المعنى الملحوظ في الوضع هو الأمر الخارجي أو الذهني.

فالخلاف في المقام في كون المعاني المتعلّقة للأوضاع هل هي الامور الخارجيّة، أو الصور الذهنيّة، أو غيرهما؟ و هذا القائل قد زاد عليه زيادة فجعل الموضوع له هو الأمر الخارجي، لكن على حسب الاعتقاد أو الصورة الذهنيّة

337

للشي‏ء على حسب الاعتقاد و إن لم يطابقه بحسب الواقع.

و يشهد بالفرق بين المقامين أنّه لم ينقل هناك قول بالتفصيل، و القول بالتفصيل معروف في المقام، مضافا الى أنّ القول بملاحظة الاعتقاد في مداليل الألفاظ مذهب سخيف قد أعرض المحقّقون عنه و أطبقوا على فساد القول به، و لم يقل به إلّا شذوذ من الناس ممّن لا تحقيق له، و مع ذلك فهو في غاية الوضوح من الفساد، و لا يدرى أنّ العبرة عندهم في الاعتقاد المأخوذ في مدلول اللفظ هل هو اعتقاد المتكلّم، أو المخاطب، أو المكلّف؟ و ظاهر ما حكي عنهم الأخير، و هو لا يجري في الإخبارات إلّا أن يفصّل في ذلك بين المقامين. و أمّا الخلاف في المقام فهو معروف بين الأفاضل الأعلام. فتأمّل.

و الحقّ في المقام هو القول بوضع الألفاظ للامور الخارجيّة مطلقا بالتفسير الرابع.

و توضيح القول في ذلك: أنّ الألفاظ إنّما وضعت للماهيّات بالنظر الى حصولها اللائق بها و إن لم يكن ذلك حاصلا لها بالفعل، فلفظ الإنسان- مثلا- قد وضع بإزاء الحيوان الناطق من حيث حصوله في الخارج، و بملاحظة كونه أمرا خارجيّا و إن لم يتحقّق له حصول في الخارج، فهو ملحوظ في الوضع على نحو ملحوظيّة الموضوع في القضيّة المقدّرة، فإنّ المراد بالإنسان في قولك: «كلّ إنسان حيوان» هو الإنسان الخارجي حيث حكمت على جميع أفراده بالحيوانيّة، و كذا الحال في قولك: «النار حارّة» و «الماء بارد» و «التراب ثقيل» و نحو ذلك فإنّ المقصود بالنار و الماء و التراب ليس إلّا الامور الخارجيّة و إن لم تكن موجودة بالفعل، حيث إنّ الوجود اللائق بحالها هو الوجود الخارجي، فالموضوع له هو تلك الماهيّات بملاحظة حصولها في الخارج من غير أن يكون الوجود الخارجي جزء من الموضوع له، و لا قيدا فيه، لكنّه ملحوظ في وضع اللفظ بإزاء تلك الماهيّات بمعنى أنّها قد وضع اللفظ بإزائها بملاحظة كونها عنوانات لمصاديقها الخارجيّة، فالمفهوم الملحوظ حال الوضع لم يوضع له اللفظ بملاحظة صورته‏

338

الحاصلة في الذهن و لا بملاحظة نفسه- سواء كانت حاصلة في الذهن أو في الخارج- ليكون حكاية عن الأعمّ من الموجود في الذهن أو في الخارج، بل من حيث كونه حكاية و عنوانا للأمر الخارج.

فالمفاهيم الّتي من شأنها الاتّصاف بالوجود الخارجي على فرض وجودها كالمذكورات و نحوها إنّما وضعت الألفاظ بإزائها بملاحظة كونها خارجيّة و إن لم توجد في الخارج أصلا كالعنقاء، بل و لو كانت ممتنعة في الخارج كشريك الباري، فإنّه إنّما يراد به الأمر الخارجي المشارك للباري في صفات الكمال.

و أمّا ما لم يكن من شأنها الاتّصاف بالوجود الخارجي كالكلّية و الجنسيّة و الفصليّة و نحوها فهي أيضا قد وضعت لها الألفاظ من حيث كونها عنوانا للأفراد الموجودة بوجودها اللائق بحالها و إن كان حصولها في الذهن.

و الحاصل أنّ الكلّية ليست موضوعة لمفهوم جواز الصدق على كثيرين بملاحظة نفسه، ليصدق على ذلك بملاحظة كونه متصوّرا عند العقل، بل من حيث كونه عنوانا لملاحظة تلك الحيثيّة الحاصلة في المفاهيم الكلّية من الإنسان و الحيوان و غيرهما و إن كان حصول تلك الحيثيّة في الذهن خاصّة.

و أمّا ما كانت من شأنها أن تكون في الخارج و في الذهن معا فهي موضوعة بإزائها بكلّ من الاعتبارين كالزوجيّة، فإنّها موضوعة بإزاء المفهوم المذكور من حيث كونه عنوانا للأفراد الذهنيّة أو الخارجيّة، فالمفاهيم إنّما وضعت لها الألفاظ بملاحظة تحصّلها في ظرفها اللائق بحالها من الذهن أو الخارج، من غير أن يكون ذلك التحصّل جزء من الموضوع له و لا قيدا فيه، بل قد وضع الألفاظ بإزائها بتلك الحيثيّة و من تلك الجهة، سواء كانت تلك الحيثيّة حاصلة لها في الواقع أو لا، و ذلك ممّا لا إشكال فيه بالنسبة الى ما يكون له وجود كذلك إمّا في الذهن، أو الخارج، أو ما يصحّ تقدير وجوده كذلك كما في العنقاء و شريك الباري.

و أمّا ما لا يكون له وجود في نفسه مع قطع النظر عن تصوّره و لا يصحّ أن يفرض له مصاديق خارجيّة أو ذهنيّة يصدق عليها على حسب التقدير

339

«كاللا شي‏ء» و «اللا موجود» و نحوهما فقد يشكل الحال فيها؛ إذ ليس لتلك المفاهيم تحقّق في ذاتها من حيث كونها مدلولة لتلك الألفاظ، و مقصودا إفهامها بها و لو على سبيل التقدير، و ليس حصولها في الذهن هو وجودها اللائق بحالها، و ليست تلك الألفاظ موضوعة بإزائها من تلك الحيثيّة.

قلت: لا شكّ أنّ الوجود الخارجي أو الذهني غير ملحوظ فيما وضع له لفظ العدم و النفي و أمثالهما، بل الملحوظ فيه هو مفهوم العدم المحض، و بطلان الذات فليس مفهوم العدم من حيث كونه حاصلا في العقل قد وضع له لفظ العدم، بل من حيث كونه أمرا باطل الذات لا تحقّق له في الكون أصلا، فحيثيّته هي حيثيّة البطلان، فذلك المفهوم من حيث كونه عنوانا لتلك الحيثيّة قد وضع اللفظ له فحيثيّة حقيقة العدم هي حيثيّة البطلان و الليس المحض، و هي بتلك الحيثيّة مراد من تلك اللفظة، فالحال فيما وضع تلك الألفاظ بإزائه على نحو سائر المفاهيم، غاية الأمر أنّ حيثيّة الحقيقة في سائر المفاهيم متحصّلة و لو تقديرا بخلاف هذه؛ فإنّها حيثيّة العدم و بطلان الذات.

فإن قلت: إذا كانت تلك الحيثيّة فيها هي حيثيّة العدم الصرف و الليس المحض فكيف يمكن ارتباط أمر وجودي به بأن يتعلّق به الوضع؟.

قلت: لا مانع من ذلك، فإنّ المفهوم المذكور ممّا يمكن أن يتصوّره العقل و يتعقّله، و هو بهذا الاعتبار يمكن أن يتعلّق الوضع به و إن كانت حيثيّة كونه موضوعا له هي حيثيّة اخرى، يظهر ذلك بملاحظة ما قرّروه في الجواب عن شبهة الحكم على المعدوم المطلق بعدم إمكان الحكم عليه.

فصار المتحصّل أنّ تلك المفاهيم إنّما تكون متعلّقة للأوضاع من حيث كونها عنوانات لحقائقها في نفس الأمر، من غير فرق بين أن يكون حقائقها قابلة للوجود الخارجي أو الذهني أو لكليهما معا، أو غير قابلة لشي‏ء منهما، سواء كانت ممكنة الاتّصاف به، أو ممتنعة، و لا بين أن تكون حقيقتها هي حيثيّة الوجود و التحقّق كما في مفهوم الوجود أو حيثيّة العدم و البطلان كما في مفهوم العدم، فتلك‏

340

المفاهيم من حيث كونها عنوانات لمصاديقها قد وضع الألفاظ بإزائها من غير فرق بين الصور المذكورة أصلا، و يدلّ على ذلك وجوه:

أحدها: أنّ المتبادر من الألفاظ عند التجرّد عن القرائن هو ذلك، إذ لا ينساق منها الى الذهن إلّا نفس المفاهيم على النحو المذكور، مع قطع النظر عن وجودها في الذهن أو الخارج، و لا أخذها بحيث يشمل تصوّراتها الذهنيّة، بل انّما ينصرف الى تلك المفاهيم من حيث كونها عناوين لمصاديقها، فليس حصول تلك المفاهيم في الذهن إلّا من جهة كونه آلة لملاحظة ما عيّن اللفظ بإزائه و مرآة لمعرفته، فهي من حيث حصولها عند العقل مرآة لملاحظتها في نفسها من حيث كونها عنوانا لمصاديقها، و هي بالحيثيّة الثانية قد وضع اللفظ لها إلّا أنّ حصولها في الذهن إنّما يكون على الوجه الأوّل.

ثانيها: أنّا نجد مفاد الألفاظ و المفهوم منها في العرف قابلا للحكم عليه بالوجود الذهني أو الخارجي، على حسب اختلاف المفاهيم في قبول الوجود غير متحقّق الحصول بالوجود اللائق به، و لذا يصحّ حمل المعدوم عليها من غير تناقض و لا لزوم تجوّز، و لو كان الوجود مأخوذا فيه شرطا أو شطرا لما صحّ ذلك، فإذا انضمّ الى ذلك صحّة سلب المعنى المفهوم من تلك الأسامي بحسب العرف عن صورها الذهنيّة و تصوّراتها الحاصلة عند العقل- كما هو واضح بعد ملاحظة العرف و لو بالنسبة الى الامور الذهنيّة فإنّ تصوّر العقل لها غير حصولها في العقل- دلّ ذلك على عدم وضعها للصور الذهنيّة و لا للمفاهيم على النحو الأعمّ بحيث يشمل تلك الصور أيضا، و حيث عرفت أنّ الحقائق التي يراد الانتقال اليها من تلك الألفاظ قد تكون امورا خارجيّة و قد تكون غيرها فلا وجه للقول بملاحظة خصوص الوجود الخارجي في وضعها، فتعيّن القول بوضعها للمفاهيم على النحو الّذي ذكرنا.

فإن قلت: كما أنّه يصحّ ما ذكر مع كون الألفاظ موضوعة بإزاء المفاهيم على الوجه المذكور كذا يصحّ لو قيل بكونها موضوعة لنفس الصور من حيث كونها

341

مرآة لملاحظة ما تعلّقت بها، و حينئذ فليس الملحوظ بالدلالة إلّا الامور الخارجيّة بالمعنى المذكور من غير أن يكون الصورة ملحوظة أصلا؛ إذ ذلك قضيّة كونها مرآة فإنّ ذات المرآة غير منظور إليها أصلا في لحاظ كونها مرآة، فغاية ما يستفاد من الوجه المذكور عدم كون الصور الذهنيّة موضوعا لها من حيث ذواتها لا من حيث كونها مرآة لملاحظة غيرها.

قلت: هذا الاحتمال و إن صحّ قيامه في المقام في بادئ الرأي إلّا أنّه فاسد بعد التأمل في العرف؛ لصحّة السلب عنها و لو بملاحظة كونها مرآة، ألا ترى أنّه يصحّ أن يقال في العرف: إنّ الصورة الحاصلة من التمر في الذهن ليس تمرا و إن اخذت مرآة لملاحظة الحقيقة الخارجيّة، من غير أن تكون ذات الصورة ملحوظة أصلا.

و بالجملة: أنّه يصحّ سلب التمر- مثلا- عن الصورة الذهنيّة مطلقا سواء اخذت ملحوظة بنفسها أو مرآة لملاحظة غيرها.

ثالثها: أنّ المعاني التي يحتاج الى التعبير عنها في المخاطبات إنّما هي تلك المفاهيم على الوجه المذكور، دون صورها الذهنيّة أو وجوداتها الخارجيّة، و انّما وجودها في الخارج من جملة أحوالها، فينبغي أن تكون الألفاظ موضوعة بإزائها.

نعم، الوجودات الخارجيّة أو الذهنيّة قد تكون مقصودة بالإفادة و الموضوع بإزائها هو لفظ الوجود، لا بأن يكون موضوعا لعين الوجود الخارجي أو الذهني؛ لعدم إمكان حصول الوجود الخارجي في العقل، و لا حصول الوجود الذهني الحاصل في ذهن في آخر، و من البيّن أنّ الغرض من وضع الألفاظ هو حصول المعنى في الذهن بواسطة اللفظ بل بوجه من وجوهه، أعني المفهوم المذكور الصادق عليه و هو عنوان كاشف عنه و مرآة لملاحظته، و قد تقرّر في محلّه أنّ المعلوم بالوجه إنّما يتعلّق العلم حقيقة بذلك الوجه، فليس الموضوع له هناك أيضا إلّا المفهوم.

حجّة القول بوضعها للامور الخارجيّة أنّ من قال: أكلت الخبز، و شربت الماء،

342

و اشتريت العبد، و بعت الدابّة، و خرجت من الدار، و دخلت البلد ... الى غير ذلك من الاستعمالات الكثيرة إنّما يريد من تلك الألفاظ الامور الخارجية كما هو ظاهر من ملاحظة الخطابات العرفيّة، فلو كانت هي الموضوع لها فهو المدّعى و إلّا لزم أن تكون تلك الاستعمالات كلّها مجازات، من جهة مشاكلة تلك الامور الخارجيّة لصورها الذهنيّة، و هو واضح الفساد؛ لأدائه الى انسداد باب الحقيقة و التزام التجوّز في جميع الألفاظ المتداولة، و هو مع مخالفته للأصل ضرورة كون الأصل في الاستعمال الحقيقة باطل بالاتفاق.

و يمكن الإيراد عليه من وجوه:

أحدها: المنع من استعمال تلك الألفاظ في الامور الخارجيّة، بل إنّما استعملت في الامور الذهنيّة من حيث كونها مرآة للامور الخارجيّة، فالانتقال من تلك الألفاظ الى الامور الخارجية بواسطة تلك الصور الذهنيّة، فقضيّة الدليل المذكور إبطال القول بوضعها للامور الذهنيّة من حيث حصولها في الذهن، و ذلك ممّا لا يتوهّمه أحد في المقام كما مرّ.

و أمّا وضعها للصور الذهنيّة من حيث كونها مرآة لملاحظة الامور الخارجيّة و آلة موصلة اليها فلا؛ إذ غاية ما يسلّم من ملاحظة الأمثلة المذكورة و غيرها هو كون الحكم واقعا على الامور الخارجيّة، و هو لا يستلزم استعمال اللفظ فيها؛ إذ قد تكون تلك الألفاظ مستعملة في تلك الصور الموصلة الى تلك الامور حيث جعلت مرآة لملاحظتها فوقع الحكم عليها.

ثانيها: المعارضة بالألفاظ المستعملة في المعدومات من الممتنعات و غيرها، كشريك الباري، و اجتماع النقيضين، و العنقاء، و ذي الرؤوس العشرة من الإنسان و نحوها، فإنّ استعمالها في معانيها حقيقة قطعا و لا وجود لشي‏ء منها في الخارج حتى يعقل كونها موضوعة للامور الخارجيّة.

ثالثها: المعارضة أيضا بصدق أحكام كثيرة على المفاهيم ممّا لا تحقّق لها إلّا في الذهن، مثل قولك: «الانسان نوع» و «الحيوان جنس» و «الجوهر صادق‏

343

على كثيرين» و نحوها فليس المراد بتلك الموضوعات إلّا المفاهيم الموجودة في الذهن، ضرورة عدم ثبوت تلك الأحكام لها في الخارج، و من المعلوم بعد ملاحظة العرف انتفاء التجوّز فيها.

و يمكن دفع الأوّل بأنّ المفهوم عرفا من تلك الألفاظ في الأمثلة المفروضة ليس إلّا الامور الخارجيّة ابتداء، فهي مستعملة فيها قطعا لا أن يكون المراد منها الصور الحاصلة في الأذهان الموصلة الى تلك الامور ليكون فهم الامور الخارجيّة بتلك الواسطة، و ذلك أمر معلوم بالوجدان بعد ملاحظة المفهوم من تلك الألفاظ في تلك المقامات.

فإن قلت: لا شكّ أنّ الانتقال هناك الى الامور الخارجيّة إنّما يكون بتوسط الصّور الذهنيّة؛ لعدم إمكان إحضار نفس الامور الخارجيّة بواسطة الألفاظ المستعملة من غير واسطة، فمن أين يعلم كون اللفظ مستعملا في الامور الخارجيّة دون الصور الذهنيّة؟ مع أنّ المفروض حصول الانتقال الى الأمرين، فكما أنّه يحتمل أن تكون مستعملة في الامور الخارجيّة- و يكون الانتقال الى الصور الذهنيّة من باب المقدّمة، حيث إنّه لا يمكن إحضارها إلّا بصورها- كذا يحتمل أن تكون تلك الصّور هي المستعمل فيها من حيث إيصالها الى الامور الخارجيّة، فيتبعها الانتقال الى الخارج، فإنّ الانتقال الى الصّور من حيث كونها مرآة للخارج يستلزم الانتقال الى الامور الخارجيّة.

قلت: لا ريب أنّ الصور الذهنيّة الحاصلة في المقام غير ملحوظة من حيث كونها صورا حاصلة في الذهن أصلا، بل ليست ملحوظة إلّا من حيث ملاحظة الخارج بها، فليس المفهوم من تلك الألفاظ إلّا الامور الخارجيّة و ليس الانتقال من اللفظ في ملاحظة السامع إلّا اليها ابتداء غير أنّ الانتقال اليها في الواقع إنّما كان بواسطة صورها و قضيّة ذلك كون حصول الصورة مقدّمة عقليّة للانتقال الى تلك المعاني، فإنّ دلالة اللفظ على المعنى كونه بحيث يلزم من العلم به العلم بمعناه، فمعنى اللفظ في الحقيقة غير العلم بمعناه الحاصل من الدلالة- أعني‏

344

الصورة الحاصلة- فتلك الصورة الحاصلة من ثمرات الدلالة، لا أنّها نفس المدلول. فتأمّل.

و يمكن دفع الثاني بأنّه إنّما يتمّ المعارضة المذكورة إذا كان المراد من وضع الألفاظ للامور الخارجيّة وضعها لها بحيث يؤخذ وجودها الخارجي جزء للمدلول أو قيدا فيه، و لو اريد وضعها للامور الخارجيّة بمعنى كون الملحوظ فيها ذلك و لو كان وجودها تقديريّا حسب ما تقدّمت الإشارة اليه فلا نقض بما ذكر.

نعم قد يصحّ المعارضة بمثل المعدوم المطلق و اللا شي‏ء و نحوهما.

و التزام القائل المذكور بالتخصيص غير بعيد حينئذ؛ لبداهة عدم إمكان القول بوضعها للامور الخارجيّة، حيث إنّه لا مصداق لها في الخارج لا محقّقا و لا مقدّرا.

و دفع الثالث بالتزام التجوّز في الألفاظ المذكورة، و دعوى القطع بعدم كونها إذن مجازات ممنوعة؛ كيف! و من الظاهر أنّ المتبادر من الإنسان و الحيوان و نحوهما ليس إلّا الامور الخارجيّة، و يصحّ سلبها قطعا عن الامور الحاصلة في الأذهان، و حينئذ فكيف يقطع بانتفاء المجاز في المقام مع كون المراد بها المعاني الحاصلة في الأذهان؟ و لو قرّرت المعارضة بالنسبة الى لفظ «النوع» و «الجنس» و «الفصل» و نحوها فهي من الاصطلاحات الخاصّة، و لا بعد في الالتزام بالتخصيص بالنسبة اليها أيضا.

و لا يذهب عليك أنّ التزام التخصيص في المقام و فيما مرّ مبني على حمل القول بوضعها للامور الخارجيّة على الوجه الثالث، و أمّا لو اريد به ما قلناه فالإشكال مندفع من أصله، كما هو ظاهر من ملاحظة ما قرّرناه.

و الأولى الإيراد على الدليل المذكور بأنّه غير مثبت للمدّعى؛ لإمكان القول بوضعها للماهيّات من حيث هي، و لا تجوّز إذن في إطلاقها على الامور الخارجيّة؛ لحصول الماهيّات في الخارج، إلّا أن يدّعى كون تلك الاستعمالات في خصوص الامور الخارجيّة مع ملاحظة الخصوصيّة في المستعمل فيه، و هو حينئذ محلّ منع، مضافا الى ما عرفت من كونه أخصّ من المدّعى؛ لعدم جريانه‏

345

في كثير من الألفاظ ممّا وضع للامور الذهنيّة كالكلّية و نحوها، و ما وضع للأعمّ كالزوجيّة و الفرديّة و نحوهما و التزام التخصيص إذن يرجع الى القول بالتفصيل.

حجّة القول بوضعها للامور الذهنيّة امور:

أحدها: أنّ وضع الألفاظ للمعاني إنّما هو لأجل التفهيم و التفهّم، و من البيّن أنّ ذلك إنّما يكون بحصول الصور في الذهن، فليس المفهوم من الألفاظ إلّا الصور الحاصلة، و هي التي ينتقل اليها من الألفاظ فتكون الألفاظ موضوعة بإزائها و هي مرآة لملاحظة الامور الخارجيّة و آلة لمعرفتها.

و يدفعه أنّ كون التفهيم و التفهّم بحصول الصور لا يستدعي كون الألفاظ موضوعة بإزاء الصور؛ لجواز أن تكون موضوعة للامور الخارجيّة و يكون الانتقال اليها بواسطة صورها، ضرورة انحصار طريق العلم بها حينئذ بذلك، فليس المنتقل اليه إلّا نفس الامور الخارجيّة إلّا أنّ الانتقال اليها بحصول صورها لا أنّ المنتقل اليه هو نفس الصورة، و هذا هو الظاهر من ملاحظة العرف.

فإن قلت: إنّ الصورة الحاصلة إذا اخذت مرآة للخارج و وضع اللفظ بإزائها من تلك الجهة كان المنتقل اليه أوّلا بحسب الملاحظة هو الأمر الخارج قطعا، إلّا أنّ المنتقل اليه في الواقع هو الصورة أوّلا، فكون المنتقل اليه بحسب العرف هو الامور الخارجيّة أوّلا إنّما هو من هذه الجهة، لا لكون اللفظ موضوعا بإزائها.

قلت: الظاهر تعلّق الوضع بما يحصل الانتقال من اللفظ اليه ابتداء بحسب ما يفهم منه في العرف حسب ما مرّت الإشارة اليه، و مع الغضّ عنه فمجرّد قيام ما ذكره من الاحتمال كاف في هدم الاستدلال.

ثانيها: أنّها لو لم تكن موضوعة لذلك لما اختلفت التسمية بحسب اختلاف الصور الذهنيّة مع عدم اختلاف الشي‏ء في الخارج، فدوران التسمية مدار ذلك دالّ على وضعها بإزاء الصور الذهنيّة حيث اختلفت الأسامي باختلافها من دون اختلاف الأمر الخارجي، يدلّ على ذلك أنّ من رأى شبحا من بعيد يسمّيه إنسانا إذا اعتقده ذلك، ثمّ إذا عتقده شجرا يطلق عليه اسم الشجر، ثمّ إذا اعتقده حجرا

346

أطلق عليه اسمه من غير خروج عن حقيقة اللفظ في شي‏ء من ذلك، فلو كانت الألفاظ أسامي للامور الخارجيّة لزم أن يكون إطلاق غير ما هو اسمه في الواقع عليه إمّا غلطا، أو مجازا مع أنّه ليس كذلك قطعا فتوارد تلك الأسامي عليه على سبيل الحقيقة، مع كون الحقيقة الخارجيّة متّحدة ليس إلّا لتعدّد الصور المتواردة عليه، فيكون أوضاعها متعلّقة بالصور الذهنيّة حيث دار الاستعمال الحقيقي مدارها.

و كذا لو ظنّ الأشياء المختلفة في النوع من نوع واحد و اطلق اسم ذلك النوع عليها كان حقيقة و إن كانت حقائقها مختلفة متباينة.

فظهر من اختلاف التسمية على سبيل الحقيقة مع اتّحاد الحقيقة الخارجيّة و من اتّحادها كذلك مع اختلاف الحقيقة في الحقيقة وضع اللفظ بإزاء الصور الذهنيّة دون الامور الخارجيّة حيث كانت التسمية في المقامين تابعة للاولى دون الأخيرة.

و اورد عليه بوجوه:

الأوّل: المنع من الملازمة المذكورة، فليس اختلاف التسمية بحسب اختلاف الاعتقاد لازما للقول بوضعها للامور الذهنيّة، لاحتمال كونها موضوعة للامور الخارجيّة على حسب اعتقاد المتكلّم، فغاية ما يلزم من الدليل المذكور بطلان وضعها للامور الخارجيّة المطابقة لنفس الأمر من غير مدخليّة لاعتقاد المتكلّم فيه؛ إذ لا وجه إذن لتغيّر التسمية مع عدم اختلاف المسمّى بحسب الحقيقة، و أمّا لو قيل بوضعها للامور الخارجيّة على حسب ما يعتقده المستعمل فلا مانع، إذ من الظاهر حينئذ دوران التسمية مدار اعتقاد المتكلّم نظرا الى اختلاف الحال في الأمر الخارجي بحسب معتقده.

و يدفعه أنّه إن أراد بوضعها للامور الخارجيّة على حسب اعتقاد المتكلّم أنّها موضوعة بإزاء ما يعتقده المتكلّم خارجيّا حتّى يكون الاعتقاد مأخوذا في وضع الألفاظ فهو راجع الى المذهب الضعيف المتقدّم و إن خالفه في اعتبار خصوص اعتقاد المتكلّم إن اريد اعتباره فيه مطلقا، و قد قام الدليل القاطع على فساده، كما مرّت الإشارة اليه.

347

و إن أراد به وضعها للامور الذهنيّة من حيث كونها مرآة للخارج فمع بعده عن التعبير المذكور أنّه بعينه مراد القائل بوضعها للامور الذهنيّة؛ لظهور فساد القول بكونها موضوعة بإزاء الامور الذهنيّة من حيث حصولها في الذهن، و لا مجال لذهاب أحد اليه حسب ما مرّ بيانه، فيكون ذلك إذن تسليما لكلام المستدلّ و إرجاعا للقول الآخر اليه.

الثاني: أنّه يجوز أن يكون لفظ الإنسان و الشجر و الحجر موضوعا للإنسان و الشجر و الحجر الخارجي، إلّا أنّ المتكلّم لمّا ظنّ الشبح إنسانا في الخارج أطلق عليه ما هو موضوع له ثمّ لمّا ظنّه شجرا أطلق عليه اسمه ... و هكذا، فإطلاق اللفظ ليس إلّا باعتبار كون الموضوع له هو الأمر الخارجي.

و فيه أنّ ذلك لا يصحّح الاستعمال؛ إذ غاية الأمر أن يكون المستعمل معذورا في إطلاقه نظرا الى ظنّه، و أمّا بعد الانكشاف فلا بدّ من الحكم بكون الاستعمال غلطا، و ملاحظة حدّي الحقيقة و المجاز تنادي به؛ لعدم اندراجه في شي‏ء منهما، و من البيّن انحصار الاستعمال الصحيح فيهما، مع أنّه من الواضح أيضا خلافه، إذ ليس شي‏ء من تلك الإطلاقات غلطا بحسب اللغة.

الثالث: أنّه لو تمّ ذلك لقضي بنفي الوضع للصور الذهنيّة أيضا، إذ على هذا القول تكون الألفاظ موضوعة بإزاء الصور الذهنيّة المطابقة لذيها بحسب الواقع، كما أنّ القائل بوضعها للامور الخارجيّة يريد بها الامور الخارجيّة المطابقة للواقع، فحينئذ ينبغي أن لا يطلق اللفظ إلّا على الصورة الواحدة المطابقة دون غيرها، و البناء على اعتبار المطابقة في الثاني دون الأوّل تحكّم بل فاسد؛ إذ لا داعي للفرق.

و أنت خبير بما فيه؛ إذ من البيّن أنّ القائل بوضعها للامور الخارجيّة لا يحتاج الى اعتبار المطابقة، ضرورة كون الشي‏ء الخارجي هو نفس الواقع، و كذا القائل بوضعها للامور الذهنيّة بالنسبة الى مطابقتها لما في الذهن، إذ ليس الأمر الذهني إلّا الشي‏ء الحاصل في الذهن، فلا مغايرة في المقامين حتّى يعتبر المطابقة.

348

نعم، يعتبر المطابقة في المقام بين الصورة الحاصلة و ذيها، و هو حاصل ضرورة اتّحادهما بالذات و إن تغايرا بالاعتبار، و أمّا المطابقة بين الصورة الحاصلة المطابقة للماهيّة المعلومة للمصداق الّذي ينتزع منها تلك الماهيّة و يطلق اللفظ عليها من تلك الجهة، فلا دليل على اعتبارها، غاية الأمر حينئذ أن يكون استعمال اللفظ في المعنى المذكور في غير محلّه، و ذلك لا يستدعي غلطا في الاستعمال.

الرابع: المعارضة بقلب الدليل بأن يقال: إنّها لو كانت موضوعة للصور الذهنيّة لما تغيّرت التسمية مع تغيّر الشبح المرئيّ بحسب الواقع إذا لم يعلم به المتكلّم و كانت الصورة الاولى باقية مستمرّة، و التالي باطل قطعا؛ لامتناع إطلاق الحجر على الإنسان حقيقة.

فإن قيل: إنّ الموضوع له هو صورة الشبح المطابقة له بحسب الواقع، فتغيير التسمية إنّما يكون من تلك الجهة.

قلنا: قضيّة ذلك عدم صحّة الإطلاق في الصورتين، و مبنى الاحتجاج على صحّتهما، و القول بكون المناط في صحّة الاستعمال اعتقاد المطابقة للواقع جار على القول بوضعها للامور الخارجيّة أيضا، فيصحّ توارد الأسامي المختلفة مع اتّحاد المسمّى، نظرا الى اختلاف الاعتقاد، ففيه هدم للاحتجاج، و تجويز ذلك على القول بوضعها للامور الذهنيّة دون القول بوضعها للامور الخارجيّة تحكّم بحت.

و فيه: أنّ الاعتقاد لا يصحّح الاستعمال بحسب الواقع و إنّما يصحّحه بحسب اعتقاد المستعمل، فبعد انكشاف الخلاف ينبغي الحكم بالغلط حسب ما مرّ و من المعلوم خلافه، فذلك إذن شاهد على وضعها للامور الذهنيّة، لما عرفت من الوجه في صحّة الاستعمال حينئذ على القول المذكور، غاية الأمر أن يكون إرادة المعنى المذكور في غير محلّه، و ذلك لا يوجب غلطا في الاستعمال كما عرفت.

فما ذكر من تغيّر التسمية مع تغيّر الشبح إن اريد به تغيّر الاسم بالنسبة الى من‏

349

يعلم به فممنوع، و ليس ذلك إلّا لملاحظة الصورة الحاصلة، و إن اريد تغيّره بالنظر الى الواقع مع عدم ملاحظة الصورة الحاصلة فممنوع؛ إذ من الواضح أنّ القائل بوضع الألفاظ للصور الذهنيّة لا يقول به، فإنّ المناط عنده في ذلك ملاحظة الصورة الذهنيّة.

و كذا الحال لو اريد تغيّره بالنسبة الى من يعتقد بقاء الأوّل؛ لوضوح فساده ضرورة صحّة إطلاق اللفظ الأوّل عليه بالنسبة اليه فيصحّ استناده الى ذلك نظير ما مرّ من الاحتجاج.

الخامس: المعارضة بأنّها لو كانت موضوعة بإزاء الصور الذهنيّة لم يجز إرادة الامور الخارجيّة منها إلّا على سبيل المجاز، و من الواضع بملاحظة الاستعمالات خلافه.

و يدفعه ما عرفت من أنّه ليس مراد القائل بوضعها للامور الذهنيّة كونها موضوعة للصور بنفسها بل من حيث كونها مرآة لملاحظة الخارج، و حينئذ فإرادة الامور الخارجيّة بتوسّط تلك الصور الذهنيّة ممّا لا مانع منه أصلا و لا تقضي بتجوّز في اللفظ، كيف! و لا بدّ من التوسّط المذكور على القولين و إن كان هناك فرق بين الوجهين حسب ما عرفت.

أو أنّ المراد وضعها للمفاهيم من حيث كونها مدركات للعقل، و حينئذ لا تجوّز في إطلاقها على الامور الخارجيّة أيضا؛ ضرورة صدق تلك المفاهيم عليها، غاية الأمر أن يعتبر في استعمال اللفظ فيها كونها مدركات للعقل.

السادس: المعارضة أيضا بأنّها لو كانت موضوعة بإزاء الصور الذهنيّة لوجب الانتقال اليها عند الإطلاق و تبادرها في الفهم، مع أنّه لا ينتقل الذهن عند سماع الألفاظ إلّا الى الامور الخارجيّة من غير التفات الى الصور الذهنيّة.

و فيه: ما عرفت من فساد حمل كلام القائل بوضعها للامور الذهنيّة على إرادة نفس الصور و الإدراكات بنفسها، فعدم الالتفات الى نفس الصور الذهنيّة غير مانع عن صحّة القول المذكور حسب ما عرفت تفصيل القول فيه.

350

فالتحقيق في الجواب أن يقال: إنّ القائل بوضع الألفاظ للامور الخارجيّة إنّما يقول بوضعها لها على حسب نفس الأمر، ضرورة مطابقة الخارج لنفس الأمر، لكن من الظاهر أنّه لا بدّ في استعمال الألفاظ في تلك المعاني و إطلاقها بحسب الموارد من طريق الى معرفتها حتّى يستعمل الألفاظ فيها و يصحّ إطلاقها على مصاديقها.

و حينئذ فنقول: إنّ إطلاق الألفاظ المذكورة على الشبح المرئي من البعيد إمّا أن يكون على سبيل الحمل- كأن يقول: هذا شجر، أو حجر و نحو ذلك- أو باستعمالها في خصوص ذلك- بأن يقول: هذا الشجر كذا، أو هذا الحجر كذا- و هكذا.

أمّا على الأوّل فمن البيّن أنّه ليس المستعمل فيه لتلك الألفاظ إلّا معانيها الخارجيّة، غاية الأمر أنّه مع عدم المطابقة يلزم كذب ذلك الحكم و عدم مطابقته للواقع من غير لزوم غلط في الاستعمال، و حصول الكذب حينئذ ممّا لا مجال لإنكاره بناء على المشهور في تفسير الصدق و الكذب، و منه يظهر وجه آخر لضعف الإيراد الأوّل، إذ بناء على ما ذكر لا كذب في تلك الإخبار، لكونه حجرا في اعتقاده و كذا شجرا أو إنسانا فذلك إنّما يوافق مذهب النظام دون ما هو المشهور.

و أمّا على الثاني فليس استعمال تلك الألفاظ إلّا في معانيها الحقيقيّة؛ إذ لم يرد بالشجر و الحجر و الإنسان إلّا معانيها الخارجيّة و إنّما أطلقها على الشي‏ء المفروض من جهة اعتقاد مطابقته لها و كونه فردا لذلك المعنى و حصول تلك الطبيعة في ضمنه، فالمستعمل فيه اللفظ هو معناه الكلّي الخارجي- أعني الطبيعة اللابشرط- و إطلاقه على ذلك الفرد من جهة اعتقاد انطباقها معه و اتّحادها به، فبعد انكشاف الخلاف و ظهور عدم المطابقة لا يلزم كون ذلك الاستعمال غلطا؛ لوضوح استعماله فيما وضع له، غاية الأمر ظهور كون استعماله في ذلك المعنى في غير محلّه، لعدم انطباق ما اطلق عليه لتلك الطبيعة الّتي استعمل اللفظ فيها، و ليس ذلك من قبيل استعمال الشجر في الحجر مثلا حتّى يرد ذلك فلا دلالة في الدوران‏

351

المذكور على وضع الألفاظ للحقائق الذهنيّة أصلا.

و مع الغضّ عن ذلك كلّه فغاية ما يلزم من الدليل المذكور على فرض صحّته عدم وضعها للامور الخارجيّة، و بمجرّد ذلك لا يتعيّن القول بوضعها للامور الذهنيّة؛ لاحتمال كونها موضوعة بإزاء المفاهيم من حيث هي مع قطع النظر عن وجودها في الذهن أو في الخارج.

ثالثها: أنّها لو كانت موضوعة بإزاء الامور الخارجيّة لزم امتناع الكذب في الإخبار؛ إذ ليس ما وضع له اللفظ حينئذ إلّا الأمر الموجود في الخارج، فإذا كان اللفظ مستعملا في معناه كان ذلك موجودا في الخارج؛ إذ ليس مدلول اللفظ إلّا عين ما في الخارج، و من ذلك يعلم امتناع صدق الخبر أيضا، فإنّ الصدق و الكذب مطابقة مدلول الخبر لما هو الواقع و عدمها، فإذا فرض كون الكلام موضوعا بإزاء الامور الخارجيّة كان مدلوله عين ما هو الواقع و لا معنى لمطابقة الشي‏ء لنفسه و عدمها.

و اجيب عنه تارة بأنّ الدلالة الوضعيّة ليست كالدلالة العقليّة حتّى لا يمكن تخلّفها عن المدلول، بل إنّما توجب إحضار مدلوله بالبال سواء طابق الواقع أو خالفه، فيلحظ المطابقة و عدمها بالنسبة الى المعنى الحاضر في الذهن بواسطة الدلالة المذكورة.

و اخرى بأنّ المراد من وضعها للامور الخارجيّة هو وضعها للموجودات الخارجيّة بزعم المتكلّم و اعتقاده، لا الامور الخارجيّة المطابقة لنفس الأمر، فحينئذ يكون مع مطابقته للواقع صدقا و مع عدمه كذبا.

و ثالثة بالمعارضة بأنّه لو كان الكلام موضوعا للنسبة الذهنيّة لكان مدلول الكلام هو تلك النسبة، فيكون الواقع بالنسبة اليه هو ذلك، و حينئذ فيكون صدقه و كذبه بملاحظة تحقّق تلك النسبة في الذهن و عدمه لا بملاحظة حصول النسبة الخارجيّة و عدمه، فيكون المناط في الصدق و الكذب باعتبار المطابقة للاعتقاد و عدمها، هو إنّما يوافق مذهب النظام دون المشهور.

352

و رابعة بأنّه أخصّ من المدّعى فإنّه إنّما يفيد عدم الوضع للامور الخارجيّة بالنسبة الى المركّبات الخبريّة دون غيرها.

و يرد على الأوّل أنّ الأمر الحاصل في الذهن إنّما يؤخذ مرآة لما هو مدلول اللفظ و المحكوم عليه بالمطابقة و عدمها إنّما هو مدلوله، و المفروض أنّ مدلوله هو عين ما في الخارج فلا يمكن فرض المطابقة و عدمها بالنسبة اليه، و حينئذ فمع انتفاء مدلوله في الخارج يكون اللفظ خاليا عن المعنى لوضعه لخصوص الموجود في الخارج و المفروض انتفائه، هذا إذا كان الملحوظ استعماله فيما وضع له، و أمّا إذا فرض استعماله في غير ما وضع له- أعني المفهوم المعدوم- فيكون إمّا غلطا أو مجازا، و لا يندرج أيضا في الكذب إلّا أن يلاحظ كذبه بالنظر الى ظاهر اللفظ، و فيه ما لا يخفى.

و مع الغضّ عن ذلك نجعل التالي للشرطيّة المذكورة عدم إمكان الكذب مع استعمال اللفظ في حقيقته، و هو أيضا واضح البطلان، و الملازمة ظاهرة ممّا ذكر.

و على الثاني ما عرفت من وهن الكلام المذكور؛ إذ لا ربط للاعتقاد بموضوعات الألفاظ خصوصا على هذا القول، و أخذ العلم في معاني الألفاظ مذهب سخيف قام الدليل القاطع على فساده، مضافا الى عدم جريانه في صورة تعمّد الكذب، لانتفاء مطابقته لاعتقاده أيضا.

و على الثالث أنّ ما ذكر مبني على أن يكون المقصود وضع الألفاظ للصور الذهنية بأنفسها أو ما يقرب من ذلك، و قد عرفت وضوح فساده، و أنّه ممّا لم يذهب اليه أحد، و أمّا إذا اريد وضعها للصور الذهنيّة من حيث كونها مرآة لملاحظة الخارج أو للمفاهيم المقيّدة بكونها معلومة حسب ما مرّ فلا ورود لذلك أصلا.

مضافا الى أنّه لو بني الأمر في القول المذكور على ما ذكر فاللازم حينئذ عدم اتّصاف الخبر بالصدق و الكذب على القول المذكور أيضا، فيكون اللازم مشترك الورود بين القولين، نظرا الى كون الواقع بناء عليه هو الأمر الذهني و المفروض أنّه عين الموضوع له فلا تغاير بين المدلول و الواقع حتّى يعتبر المطابقة و عدمها،