هداية المسترشدين - ج1

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
735 /
353

فلا وجه لالتزام اعتبار الصدق و الكذب على مذهب النظام دون المشهور.

و على الرابع بأنّه إذا ثبت ذلك في المركّبات الخبريّة يثبت في غيرها فإنّه إذا اعتبرت النسبة ذهنيّة فلا بدّ من اعتبار الموضوع و المحمول كذلك، فيعمّ الحكم لسائر الألفاظ حتّى الإنشاءات نظرا الى وضع مبادئها لذلك فيتبعها أوضاع المشتقّات.

و التحقيق في الجواب: أن يقال: إنّ الدليل المذكور على فرض صحّته إنّما يفيد عدم وضع الألفاظ للامور الخارجيّة المأخوذة مع الوجود شطرا أو شرطا، و أمّا لو قيل بوضعها للماهيّات بملاحظة وجودها في الخارج أو على النحو الّذي اخترناه فلا دلالة فيه على بطلانه أصلا؛ إذ لا يستلزم دلالة اللفظ عليها، كذلك وجودها في الخارج إذ دلالة اللفظ على شي‏ء باعتبار وجوده لا يستلزم وجوده، فإن طابق مدلوله ما هو الواقع كان صدقا و إلّا كان كذبا و اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي على الوجهين.

و مع الغضّ عن ذلك فمن البيّن أنّ أقصى ما يفيده ذلك عدم وضعها للامور الخارجيّة و لا يثبت به الوضع للامور الذهنيّة، لإمكان وضعها للماهيّات.

رابعها: أنّ في الألفاظ ما وضع للمعدومات الممتنعة أو الممكنة و ما وضع للامور الذهنيّة كالكلّية و الجنسيّة و الفصليّة و نحوها، و مع ذلك كيف يعقل القول بوضعها للامور الخارجيّة؟ و فيه- مع عدم دلالة ذلك على وضعها للامور الذهنيّة لاحتمال كون الوضع للماهيّة من حيث هي و عدم ثبوت الكلّية بذلك، إذ أقصى ما يفيده ثبوت وضع الألفاظ المذكورة للامور الذهنيّة- أنّه إنّما يتمّ ذلك لو اريد وضعها للامور الموجودة في الخارج على أحد الوجهين السابقين، و أمّا لو اريد وضعها للامور الخارجيّة على ما ذكرناه فلا، و كذا لو اريد وضعها للمفاهيم بالنسبة الى وجودها في الخارج و لو امتنع وجودها كذلك.

نعم، يتمّ حينئذ بالنسبة الى المعدوم و اللاشي‏ء، و كذا المفاهيم الذهنيّة ممّا لا يقبل الوجود في الخارج، و قد مرّت الإشارة اليه.

354

حجّة القول بوضعها للماهيّات- مع قطع النظر عن وجودها في الذهن أو الخارج- أنّها المنساقة من تلك الألفاظ، و لذا لا تدلّ الألفاظ الموضوعة لمعانيها على وجود تلك المعاني و يصحّ الحكم على معانيها بالوجود و العدم.

و فيه: أنّه إن اريد بالماهية المفهوم من حيث كونه عنوانا لمصداقه بحسب الواقع فهو راجع الى ما قلناه، و إن اريد بها الماهيّة من حيث هي بحيث يعمّ الصورة الحاصلة منها في الذهن أو الموجود في الخارج فالتبادر المدّعى ممنوع، بل من البيّن خلافه؛ إذ لا يتبادر من الألفاظ إلّا المفاهيم على النحو الّذي قرّرناه.

و الوجه في القول الرابع ما ذكر في القول بوضعها للماهيّات إلّا أنّ ذلك الوجه إنّما يجري بالنسبة الى الكلّيات، و أمّا الامور الشخصيّة فلا يصحّ القول بوضعها للماهيّة؛ ضرورة عدم كون أسامي الأشخاص كزيد و عمرو موضوعة بإزاء نفس ماهيّة الإنسان من حيث هي، و ليس هناك مع قطع النظر عن الوجودين ماهيّة غير ماهيّة الانسان ليتحصّل بانضمامها ماهيّة الشخص، بل ليس في هويّة الشخص إلّا الماهيّة الكلّية بعد انتزاع العقل إيّاها عن الوجود، فهي إنّما تكون شخصا بانضمام الوجود اليها من غير حاجة الى انضمام أمر آخر من العوارض الخارجيّة، أو أمر نسبته الى الماهيّة نسبة الفصل الى الجنس، فهي إذا انضمّ اليها الوجود الخارجي كانت شخصيّا خارجيّا و إذا انضمّ اليها الوجود الذهني كانت شخصيّا ذهنيّا، فالوجود هو الأمر الّذي نسبته الى الماهيّة النوعيّة نسبة الفصل الى الجنس لتحصّل الشخص من جهته، فصيرورتها شخصا إنّما هي باعتبار انضمام أحد الوجودين اليها و من البيّن أيضا استحالة حصول كلّ من الوجودين في ظرف الآخر، فيستحيل أيضا حصول كلّ من الشخصين كذلك، فالشخص الخارجي لا يكون إلّا في الخارج كما أنّ الذهني لا يكون إلّا في الذهن.

فإذا تقرّر ذلك تبيّن أنّه ليس الموضوع له في الجزئيّات الخارجيّة سوى الماهيّة المنضمّة الى الوجود الخارجي، و في الجزئيّات الذهنيّة سوى المنضمّة الى الوجود الذهني، و قد عرفت أنّ الألفاظ الموضوعة للكلّيات إنّما وضعت‏

355

للماهيّات من حيث هي الشاملة للوجود منها في الذهن أو الخارج فصحّ ما ذكر من التفصيل.

قال بعض أفاضل المحقّقين: إنّ هذا هو الحقّ الّذي لا محيص عنه إن اريد بوضع الألفاظ للجزئيّات الموجودة في الذهن أو الخارج وضعها للذوات المعيّنة الّتي لو كانت موجودة لكانت موجودة في الذهن أو الخارج، على أن يكون الوجود الخارجي أو الذهني وضعا تقديريّا للموضوع له، فإنّه لو اعتبر الوجود جزء من الموضوع له أو وصفا محقّقا له- كما يوهمه ظاهر القول بأنّها موضوعة للموجودات الذهنيّة أو الخارجيّة- كان فاسدا؛ فإنّا نقطع بأنّ المفهوم من زيد مثلا ليس إلّا الذات المشخّصة من دون التفات الى كونها موجودة في الخارج أو معدومة فيه، و لذا صحّ الحكم عليه بالوجود و العدم الخارجيين و جاز التردّد في كونه موجودا في الخارج أو لا، قال (رحمه اللّه): و الظاهر أنّ مراد القائل هو ذلك المعنى و إن كانت عبارته موهمة لخلافه.

قلت: إن صحّ ما ذكر في الاحتجاج على وضع الجزئيّات للامور الخارجيّة أو الذهنيّة من عدم تعيّن الماهيّة مفهوما إلّا بعد ضمّ الوجود- بأن لا يكون هناك وراء عين الوجود الخارجي أو الذهني أمر يوجب تعيّن ذلك المفهوم- فحينئذ كيف يمكن أن يتعيّن لها ذات من دون انضمام الوجود الخارجي أو الذهني إليها، و أيضا بعد فرض عدم تعيّن الماهيّة بملاحظة الخارج إلّا بانضمام عين الوجود الخارجي اليها مع ما هو واضح من عدم إمكان حصول عين الوجود الخارجي في الذهن لا يمكن القول بحصول مفهوم الجزئي في الذهن، نظرا الى عدم إمكان حصول ما يعيّنه فيه، فحينئذ كيف يصحّ القول بوضع الألفاظ بإزائها؟ ضرورة كون المقصود من وضعها إحضار معانيها بالبال عند استعمال ألفاظها و المفروض امتناع حصولها كذلك.

و إن قيل بإمكان تعيّن الماهيّة بحيث تكون مفهوما يمتنع صدقه على كثيرين مع قطع النظر عن تحقّق الوجود له في الخارج و عدمه- كما هو قضيّة ما ذكر

356

و هو الحقّ في ذلك- بطل ما ذكر من الاحتجاج و جاز وضع اللفظ بإزاء ذلك المفهوم على حسب سائر المفاهيم من غير فرق أصلا.

و الحاصل أنّه إذا كان للجزئي مفهوم حاصل عند العقل كما أنّ للكلّي مفهوما كذلك- على ما هو قضيّة تقسيم المفهوم الى الكلّي و الجزئي- لم يكن هناك فرق بين الأمرين، و كانا على حدّ سواء و كون ذلك المفهوم في الجزئي الخارجي مرآة لملاحظة الخارج جار بالنسبة الى الكلّي أيضا، فإنّه أيضا عنوان للأمر الخارجي حسب ما مرّ بيانه، فالتفصيل المذكور غير متّجه في المقام.

هذا و اعلم أنّ بعض الأفاضل جعل النزاع في المسألة مبنيّا على النزاع في مسألة المعلوم بالذات، فمن قال بكون المعلوم بالذات هو الصورة الذهنيّة، و ذو الصورة يكون معلوما بالتبع من جهة انطباقه معه يجعل الألفاظ أسامي للصور الذهنيّة، و من قال بأنّ المعلوم بالذات إنّما هو ذو الصورة، نظرا الى أنّه الملتفت اليه و الصورة مرآة لملاحظته و لذا لا يحصل الالتفات اليها عند ملاحظة ذي الصورة- كما هو الشأن في الامور الّتي يجعل مرآة لملاحظة غيرها فإنّ من شأن المرآة أن لا يلحظ بالذات عند جعلها مرآة- فالألفاظ عنده أسامي للامور الخارجيّة.

فعلى هذا ربما يزاد قول آخر في المقام، و هو كونها أسامي للامور الخارجيّة في الموجودات الخارجيّة و للامور الذهنيّة فيما عدا ذلك؛ لذهاب بعض الأفاضل الى التفصيل المذكور في تلك المسألة، فبناء على ما ذكر من المبنى يتفرّع عليه القول بالتفصيل في هذه المسألة أيضا.

و عن بعض الأفاضل جعل النزاع في تلك المسألة لفظيّا بإرجاع الإطلاقين الى التفصيل المذكور، و عليه فيكون النزاع في هذه المسألة أيضا لفظيّا بناء على صحّة المبنى المذكور.

لكنّك خبير بوهن ذلك؛ إذ لا ربط لهذه المسألة بالمسألة المذكورة، و أيّ مانع من أن يكون المعلوم بالذات هو الصورة و يكون ما وضعت له الألفاظ هي ذوات تلك الصور؟ نظرا الى أنّ المحتاج اليه في التعبير إنّما هي تلك الامور دون صورها

357

الحاصلة عند العقل، و الوضع إنّما يتّبع مورد الحاجة و ما يحتاج الناس الى التعبير عنه غالبا في الأحكام المتداولة بينهم، فيكون الموضوع له على هذا هو ذوات تلك الصور دون الصور بأنفسها، سواء كان المعلوم بالذات هو الصور أو ذواتها.

و كأنّ ملحوظ القائل بوضعها للصور الذهنيّة كون تفهيم تلك الامور الخارجيّة بواسطة إحضار معانيها و جعلها مرآة لملاحظتها، فجعلوا الموضوع له هو تلك الصور من تلك الجهة حسب ما مرّ سواء كانت معلومة بالذات أو بالتبع.

و أنا الى الآن لم يتبيّن لي الوجه في حكم الفاضل المذكور بابتناء هذه المسألة على تلك المسألة؛ و كأنّه توهّم ذلك من جهة كون المعلوم بالذات أعرف في النظر و أبين عند العقل، فينبغي أن يكون الوضع بإزائه.

و أنت خبير بعدم وضوح الدعوى المذكورة أوّلا و عدم تفرّع الحكم المذكور عليه ثانيا؛ إذ مجرّد الأعرفيّة عند العقل غير قاض بوضع اللفظ بإزائه، لدوران الوضع غالبا مدار الحاجة و تعلّق القصد به في المخاطبة، فجعل النزاع في المسألة مبنيّا على ذلك غير متّجه، كيف! و لو كان كذلك لزم الاختلاف في وضع اللفظ إذا كان الموضوع له موجودا حال الوضع ثم انعدم، و من الواضح خلافه، و كذا الحكم بكون النزاع لفظيّا من تلك الجهة غير ظاهر، بل جعل النزاع في تلك المسألة لفظيّا بإرجاع الإطلاقين الى التفصيل المذكور في كمال البعد.

و ما يتخيّل في وجهه من وضوح فساد كون المعلوم بالذات في المعدومات الخارجيّة هو الامور الخارجيّة فينبغي حمل كلام القائل بكون المعلوم بالذات هو الامور الخارجيّة على الحكم بذلك بالنسبة الى الامور الخارجيّة، و كذا يبعد القول بكون المعلوم بالذات في الامور الخارجيّة هو الصور الذهنيّة؛ لوضوح كون المعلوم هناك هو الأمر الخارجي، فينبغي حمل كلامهم على غير ذلك، فيكون مرجع القولين الى التفصيل المذكور غير متّجه؛ لابتنائه على أن يكون المراد بالامور الخارجيّة في كلامهم هو الموجودات الخارجيّة و ليس كذلك، بل المراد

358

نفس الامور الحاصلة بصورها سواء كانت من الموجودات الخارجيّة أو لا، و على استبعاد كون الصورة معلومة بالذات في الموجودات الخارجيّة و ليس في محلّه.

فمحصّل البحث المذكور أنّ المعلوم بالذات بالعلم الحصولي هل هو نفس الصورة أو المعلوم المدرك بحصولها؟ فبالنظر الى كون الصورة هي المنكشفة بالذات عند العقل و انكشاف ذي الصورة إنّما يكون بتوسّطها يتّجه الأوّل، و بملاحظة كون العلم مرآة لملاحظة المعلوم و آلة لانكشافه فلا تكون تلك الصورة الحاصلة ملحوظة بذاتها و لا معلومة بالذات يتّجه الثاني، فلكلّ من القولين وجه ظاهر، فحمل الإطلاقين المذكورين على ذلك التفصيل في كمال البعد، بل بيّن الوهن.

مضافا الى ما في التفصيل من الحزازة الظاهرة و المخالفة للوجدان السليم؛ إذ لا نجد فرقا بين المعلومات الموجودة و غير الموجودة في كيفيّة العلم بها، كيف! و من البيّن عدم الفرق في الإدراك الحاصل بين بقاء المعلوم على حاله أو زواله إذا اعتقد بقاءه على حاله.

و ما يقال من حصول الفرق بين القسمين- فإنّا نجد من أنفسنا في القسم الأوّل الالتفات الى أمر خارج عنّا، و في الثاني نجد أنّا قد التفتنا الى ما في أنفسنا و راجعنا اليه- كما ترى؛ لوضوح كون المنكشف في المقامين هو نفس الصورة بذاتها و إن لم تكن ملتفتا إليها كذلك، لكونها مرآة لملاحظة المعلوم و المعلوم إنّما ينكشف بتوسّط تلك الصور في المقامين.

و قد عرفت أنّ المراد بالامور الخارجيّة هو نفس المعلومات سواء كانت موجودة في الخارج أو لا.

مضافا الى أنّ ملاحظة الخارج بالمعنى المتوهّم ليست مقصورة على الموجودات الخارجيّة، بل هي حاصلة في المعدومات أيضا إذا لوحظ كونها موجودة على سبيل التقدير، فالملحوظ هناك خارج عن أنفسنا بالوجه المذكور أيضا.

359

و ما قد يتخيّل في المقام في توجيه ذلك من أنّ المعلوم في الامور الخارجيّة هو نفس الأمر الخارجي من غير حصول صورة منه في النفس، فيكون تلك الامور هي المعلومة بالذات بخلاف الامور الغير الموجودة فبيّن الوهن؛ إذ قضيّة ذلك انحصار المعلوم في الامور الخارجيّة بالأمر الخارجي من غير أن يكون هناك معلوم آخر بالتبع، و هو خلاف ما يقتضيه كلامهم من تعدّد المعلومين و وقوع الخلاف فيما هو معلوم منهما بالذات و ما هو معلوم بالتبع، فإنّ ذلك صريح في كون النزاع فيما يكون العلم فيه بحصول الصورة كما ذكرنا فلا تغفل.

هذا و قد يجعل النزاع في المسألة لفظيّا من جهة اخرى، و ذلك بحمل كلام القائل بوضعها للامور الذهنيّة على إرادة الماهيّة من حيث هي بناء على إطلاقهم اسم الصورة عليها في بعض المقامات، و حمل كلام القائل بوضعها للامور الخارجيّة على ذلك أيضا، نظرا الى كونها في مقابلة الصور نفسها فهي امور خارجة عن تلك الصور من حيث كونها إدراكات، و إرجاع القول بالتفصيل اليه أيضا بناء على أنّ القول بوضع الجزئيّات الخارجيّة أو الذهنيّة للامور الخارجيّة و الذهنيّة إنّما يعني بها المفاهيم الجزئيّة الّتي لو وجدت كانت في الخارج أو الذهن، و حمل القول بوضعها للماهيّات على إرادة المفاهيم على الوجه المذكور قريب جدا، فيرجع الحال في الجميع الى القول بوضع الألفاظ للمفاهيم كلّية كانت أو جزئيّة.

و لا يذهب عليك أنّ حمل كلماتهم على ذلك مجرّد احتمال، فإن كان المقصود من ذلك احتمال جعل النزاع لفظيّا فلا بأس به و إلّا فلا شاهد عليه، مضافا الى أنّ حمل القول بوضعها للصور الذهنيّة على إرادة المفاهيم من حيث هي في كمال البعد، و إطلاق الصورة على الماهيّة و إن ورد في كلامهم لكن الظاهر إطلاقها على الماهيّة المعلومة، نظرا الى اتّحادها مع الصورة، و أمّا إطلاقها على الماهيّة من حيث هي فبعيد عن ظواهر الإطلاقات.

و التقريب في ذلك بأنّ الماهيّات الّتي توضع لها الألفاظ لمّا كانت معلومات‏

360

حين الوضع كان الوضع بإزاء المعلومات و إن لم يكن بملاحظة كونها معلومات فقد اطلق الصور بملاحظة ذلك على الماهيّات المعلومة لا يخلو عن بعد؛ إذ مع عدم ملاحظة كونها معلومات يكون المراد بالصور هو نفس الماهيّات أيضا و إن كانت معلومة حين ملاحظتها، و قد عرفت بعده عن ظاهر الإطلاق.

و اعلم أنّه لو بني على كون النزاع في المقام معنويّا فلا ثمرة يترتّب عليه ظاهرا و إنّما هي مسألة علميّة لا يتفرّع عليها شي‏ء من الأحكام الفرعيّة؛ إذ لا شكّ على الأقوال في كون المقصود بالألفاظ الامور الواقعية، سواء كانت هي مقصودة من تلك الألفاظ أو لا لتكون موضوعة بإزائها مستعملة فيها أو كانت مقصودة بواسطة صورها الذهنيّة، و سواء قلنا بكون تلك المفاهيم ممّا وضع الألفاظ بإزائها مطلقة أو مقيّدة بحضورها عند العقل، كما هو أحد الوجوه المتقدّمة.

نعم، قد يتوهّم على الوجه الأخير توقّف أداء المكلّف به واقعا على العلم بكون ما يأتي به هو المكلّف به، كما إذا قال: «آتني بشاة» فإنّه لا بدّ في صدق إتيانه بالمأمور به معرفته بمعنى الشاة ثمّ إتيانه بفرد يعلم اندراجه فيه.

و يدفعه أوّلا: أنّ حضور المعنى غير العلم بوضع اللفظ بإزائه فإذا أتى بالشاة عالما بكونه شاة فقد أتى بما وضع اللفظ بإزائه و إن لم يعلم بالوضع له، و كذا لو أتى بالمصداق معتقدا خلافه أو شاكّا في كونه مصداقا مع علمه بما كلّف به لصدق إتيانه بتلك الطبيعة المعلومة و إن لم يكن اندراج ذلك المصداق فيها معلوما له حين الإتيان.

نعم، لو كان غافلا عن الطبيعة التي كلّف بإتيانها غالطا في المصداق أيضا احتمل حينئذ عدم تحقّق الامتثال على الوجه المذكور.

و ثانيا: أنّ الحضور المأخوذ في المكلّف به بناء على الوجه المذكور هو الحضور عند المستعمل دون المكلّف، فإذا أتى بالطبيعة الحاضرة عند تحقّق الإتيان سواء كان المكلّف عالما بالحال أو لا. نعم لا يتمّ ذلك على إطلاقه في العبادات، و هو كلام آخر لا ربط له بهذه المسألة.

361

و من غريب الكلام ما تخيله بعض الأعلام من تفرّع أمرين على الخلاف في المقام.

أحدهما: الاكتفاء بأداء الأذكار الموظّفة و غيرها بتخيّلها بناء على القول بوضعها للصور الذهنيّة، و أورد على ذلك أنّه لا يتمّ إذا كان مستند الحكم نحو من ذكر أو من قال و نحوهما، إذ لا يتحقّق ذلك إلّا باللسان، و أجاب بأنّ تلك أيضا ألفاظ و المفروض وضعها للصور الذهنيّة قال: بل يلزمه الحكم بعدم الامتثال فيما إذا قرأها مع الغفلة عن صورها الذهنيّة، و لك أن تقول: إنّه يلزم بناء على ظاهر القول المذكور جواز النظر الى المرأة الأجنبيّة في الخارج، إذ مقتضى الأصل حمل اللفظ على حقيقته الّتي هي الصور الذهنيّة دون الامور الخارجيّة، و هكذا الحال في أمثاله فلا بدّ له من التزام ذلك أو التزام التجوّز في جميع الاستعمالات و جعل ذلك من الأدلّة على فساد القول المذكور.

ثانيهما: اعتبار اعتقاد المستعمل و المكلّف فيما وضع له اللفظ بناء على وضعها للصور الذهنيّة و إناطة الحكم بالواقع و نفس الأمر بناء على القول بوضعها للامور الخارجيّة قال: و هذا من أهمّ المباحث في الباب، و كم يتفرّع عليه من الثمرات: مثلا أمر الشارع بإيقاع الصلوات في مواقيتها و الى القبلة مع الخلوّ عن النجاسة و أمر بترك المحرّمات و غير ذلك ممّا تعلّق به التكاليف الشرعيّة، فلو قلنا إنّ المعاني الموضوع لها هي ما يكون باعتقاد الملكّف يلزم دوران الأمر مدار ما اعتقده دون الواقع بخلاف ما إذا قلنا بوضعها للامور الواقعيّة.

و أنت خبير بوضوح عدم تفرّع شي‏ء من الأمرين على المسألة المذكورة، و تفريع الأوّل عليها مبنيّ على حمل مراد القائل بوضعها للصور الذهنيّة على الصور بملاحظة أنفسها لا من حيث كونها مرآة للواقع، و قد عرفت أنّه لا مجال لأن يحتمله أحد في المقام، كيف! و لو كان كذلك لكان اللازم على القول المذكور الاكتفاء في أداء العبادات و المعاملات و الواجبات و المحرّمات و غيرها بمحض التخيّلات، و كذا في سائر الأحكام الجارية في العادات، أو التزام التجوّز في جميع‏

362

تلك الاستعمالات، و من البيّن أنّ عاقلا لا يقول به و مثله لا يليق أن يذكر في الكتب العلميّة و لا أن يعدّ ثمرة.

و تفريع الثاني مبنيّ على الخلط بين هذه المسألة و مسألة أخذ الاعتقاد في مدلولات الألفاظ، و قد عرفت الفرق بين المقامين و أنّ اعتبار ذلك ممّا لم يذهب اليه أحد من المحقّقين و إنّما ذلك من توهّمات بعض القاصرين.

نعم، قد وقع الكلام بين جماعة من الأعلام في خصوص بعض الألفاظ كالطاهر و النجس بحسب الشرع، نظرا الى ما يفيده بعض الأخبار، و هو كلام آخر.

و ممّا يستطرف في المقام ما قد يسبق الى بعض الأوهام من تفرّع حرمة النظر الى صورة الأجنبيّة في الماء أو المرآة أو المنقوشة في الحائط أو القرطاس، و هو إنّما نشأ من الاشتراك في لفظ الصورة. نعم لو ذكر مكان ذلك تخيّل الصورة الأجنبيّة أمكن التفرّع بناء على الخيال المذكور.

[الفائدة الثانية عشر: في المشتقّ‏]

الثانية عشر لا خلاف ظاهرا في كون المشتقّات من الصفات كاسم الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة و نحوها حقيقة في الحال، لا بمعنى وضعها لخصوص الحال على أن يكون الزمان جزء من مدلولها، و لا بمعنى اعتبار اتّصاف الذوات الّتي تجري عليها بمبادئها في خصوص الحال الّتي يحكم فيها بثبوتها لموصوفاتها، ليلزم القول بالاشتراك لو قيل بكونها حقيقة في الماضي، بل المراد كون إطلاقها على ذلك في الجملة على سبيل الحقيقة سواء كانت موضوعة لخصوص ذلك أو لما يعمّه، فهي حقيقة في ذلك في الجملة سواء كانت موضوعة له بالخصوص أو كان ذلك مصداقا حقيقيّا لما وضع له.

و قد نصّ جماعة من القائلين بكونها حقيقة في الماضي على كونها حقيقة في القدر المشترك، فلا وضع عندهم بالنسبة الى خصوص الحال كما قد يتوهّم في المقام.

و كذا لا خلاف في كونها مجازا في الاستقبال سواء اخذ فيها معنى الاستقبال‏

363

أو اريد إثبات ذلك المفهوم له حال الحكم؛ نظرا الى حصوله في المستقبل فيكون الثبوت المأخوذ في تلك الصفات هو الثبوت في الجملة الشامل لثبوته في الاستقبال أيضا، فيصحّ الحمل في الحال نظرا الى تلك الملاحظة.

و ظاهر ما حكى في الوافية عن صاحب الكوكب الدرّي احتمال كونه حقيقة في الاستقبال أيضا؛ لذكره أنّ إطلاق النحاة يقتضي أنّه إطلاق حقيقي.

فإن أراد بذلك أنّ حكمهم بمجي‏ء المشتقّ للاستقبال- كما نصّوا بمجيئه للماضي و الحال- ظاهر في كونه حقيقة فيه فوهنه ظاهر، سيّما مع عدم منافاته للحال بالمعنى الّذي سنقرّره إن شاء اللّه.

و إن أراد الاستناد الى إطلاقهم اسم الفاعل على ضارب غدا- كما قد يحكى عنه- فهو موهون من وجوه شتّى سيّما مع خروج ذلك عن محلّ الكلام أيضا؛ إذ هو من قبيل الاستعمال في حال التلبّس و إن لوحظ فيه الاستقبال بالنسبة الى حال النطق.

فما يظهر من غير واحد من الأفاضل في كون ذلك من قبيل الاستعمال في الاستقبال بالمعنى الملحوظ في المقام كما ترى، و سيظهر لك حقيقة الحال.

و قد وقع الخلاف في صحّة إطلاقه حقيقة من جهة التلبّس به في الماضي على قولين أو أقوال يأتي الإشارة اليها، و قبل الخوض في المسألة و بيان الأقوال فيها و الأدلة لا بدّ من بيان امور ينكشف بها حقيقة المقصود:

[المراد بالحال في بحث المشتقّ‏]

أحدها: أنّ المراد بالحال في المقام هو حال التلبّس أي الحال الّذي يطلق عليه اللفظ بحسبه، سواء كان ماضيا بالنسبة الى حال النطق أو حالا أو مستقبلا، فلو قلت: «زيد كان ضاربا أو سيكون ضاربا» كان حقيقة لإطلاقه على الذات المتّصفة بالمبدأ، بالنظر الى حال اتّصافه و تلبّسه به و إن كان ذلك التلبّس في الماضي أو المستقبل، و أمّا اذا اريد به الاتّصاف في حال النطق فهو أيضا حقيقة، إلّا أنّه لا قائل باعتبارها بالخصوص في صدق المشتقّات حتّى يكون إطلاقها على من تلبّس في ماضي النطق أو مستقبله مجازا مطلقا، و هذا مع غاية ظهوره من ملاحظة إطلاقات المشتقّات منصوص به في كلامهم، بل حكي عن جماعة

364

دعوى الاتفاق عليه و الزمان المأخوذ في الفعل ملحوظ على الوجه المذكور أيضا، فالحال الملحوظ في المضارع إنّما يراد به حال التلبّس على الوجه الّذي قرّرناه، سواء وافق حال النطق أو كان ماضيا بالنسبة اليه أو مستقبلا، كما في قولك: جاءني زيد و هو يتكلّم، و سيجي‏ء زيد و هو يضرب عمرا و كذا الحال في المضي و الاستقبال فيعمّ كلّ منهما كلّا من حال النطق و ماضيه و مستقبله.

و ظهور إطلاق الفعل إذا اريد به الحال في حال النطق كما يظهر من الرجوع الى العرف إنّما هو من جهة استظهار كونها حال التلبّس، كما أنّ الماضي و المستقبل أيضا إنّما ينصرفان مع الإطلاق الى ما يقابل حال النطق.

و ربما يعزى الى البعض القول باختصاص الحال هنا بحال النطق و قد حكي عن ظاهر أكثر العبارات، و صريح بعض أنّ المراد بالحال في المقام هو حال النطق و ربما يومئ الى ذلك ما يأتي من الاحتجاج بقول النحاة على صحّة قولنا:

«ضارب أمس» على كونه حقيقة في الماضي، و ما ذكره جماعة من كون ضارب في قولنا: «ضارب غدا» مجازا بل في كلام العضدي حكاية الاتّفاق عليه و هو لا يتمّ إلّا على إرادة حال النطق؛ إذ لو كان الملحوظ هو حال التلبّس لم يصحّ الاحتجاج المذكور و لا حكمهم بالمجازيّة في قولنا: «ضارب غدا»، إذ ليس إطلاق الضارب في قولنا: «ضارب أمس، أو ضارب غدا» إلّا باعتبار حال التلبّس سواء اخذ قولنا: «أمس و غدا» ظرفا للنسبة أو قيدا في المحمول.

و الحاصل أنّه قد اطلق الضارب على الموضوع المذكور باعتبار حال صدقه عليه من الأمس أو الغد، سواء اريد بذلك الحكم بصدق ذلك المفهوم عليه في الأمس أو الغد- كما هو الظاهر من العبارة- أو اريد صدق ذلك المفهوم مقيّدا بملاحظة حصوله في الأمس أو الغد عليه في الحال، إذ من البيّن إطلاق المشتقّ على كلّ من الوجهين على الذات المتلبّسة بالمبدأ، فعلى الأوّل قد حمل على الذات الغير المتلبّسة في الحال لا باعتبار حال عدم تلبّسها، بل باعتبار زمان تلبّسها به، و على الثاني قد لوحظ صدقه على المتلبّس بالمبدأ بالنظر الى حال‏

365

تلبّسه به من الماضي أو المستقبل و حمل مقيّدا بذلك الاعتبار على الذات الغير المتلبّسة في الحال فليس إطلاق المشتقّ حينئذ إلّا بالنظر الى حال التلبّس أيضا، إلّا أنّ في صحّة الحمل المذكور، إذن من دون حاجة الى التأويل تأمّلا و هو كلام آخر لا ربط له بالمقام، فبملاحظة ذلك قد يشكل الحال في دعوى الاتّفاق المذكور.

قلت: كلامهم في المرام غير خال عن الإبهام، و كثيرا ما يقع الخلط في المقام، و الّذي يقتضيه التحقيق هو ما ذكرناه، و الظاهر أنّ إطلاق «الضارب» في المثالين على سبيل الحقيقة حسب ما قرّرناه و غاية ما يمكن أن يوجّه به ما ذكروه أنّ قضيّة الحمل في قولنا: «زيد ضارب» هو ثبوت ذلك المفهوم لزيد في حال النطق كما هو ظاهر من الرجوع الى العرف، فإذا قيّد بذلك كان خارجا عن مقتضى وضعه.

نعم، لو اكتفينا في صدق مفهوم الضارب بالفعل بثبوت المبدأ للذات في أحد الأزمنة الثلاثة صحّ الحمل على سبيل الحقيقة، و كان قولنا: «غدا» قرينة على خصوص ما هو حاصل في المقام من تلك الأقسام، إلّا أنّه ليس ذلك هو المفهوم من المشتقّ بالاتّفاق، و هذا بخلاف قولك: «زيد يكون ضاربا غدا» إذ قضيّته ثبوت المحمول له في المستقبل فلا مجاز أصلا.

و أمّا قولك: «ضارب أمس» فيبتني المجازيّة و عدمه فيه على الخلاف المذكور، فلو قيل بوضع المشتقّ للأعمّ من الماضي و الحال فلا شكّ في صدق ذلك المفهوم عليه في الحال من غير تجوّز و يكون ذكر «أمس» قرينة على تعيين أحد الوجهين، و إن قلنا بوضعه للحال كان أيضا مجازا كالمستقبل.

و التجوّز في المقام و إن كان بالنسبة الى الحمل دون اللفظ بالنظر الى معناه الأفرادي، إلّا أنّ السبب فيه هو ملاحظة معناه الافرادي كما عرفت، فالإجماع على المجازيّة في المثال المذكور من جهة إجماعهم على عدم وضعه للمعنى الأعمّ.

و أنت خبير بأنّ ذلك مع وهنه و إن احتمل بالنسبة الى ما ذكر في الاحتجاج،

366

إلّا أنّه بالنظر الى كلام العضدي في غاية البعد؛ لظهور عبارته جدّا في حكاية الإجماع على التجوّز في المشتقّ.

إلّا أن يقال: إنّه مع ظهور الحمل المذكور في اتّصاف الموضوع بالمحمول في حال النطق يكون ذلك قرينة على استعمال المشتقّ في الأعمّ ممّا حصل له المبدأ في الاستقبال، فيصحّ الحمل و يكون قوله: «غدا» قرينة على ذلك، و يجري مثله فيما ذكروه في الاحتجاج.

و فيه: أنّه لا شكّ في أنّ الملحوظ في المقام ليس إثبات مفهوم الضارب له في الحال ليلزم الملاحظة المذكورة في مفهومه حتّى يصحّ حمله كذلك، بل المقصود على الوجه الأوّل إثبات ذلك المفهوم له في زمان الماضي أو المستقبل، و على الوجه الثاني إثبات المفهوم المقيّد بحصوله في الماضي أو المستقبل بالنسبة الى الحال، نعم قد يكون دعوى الإجماع المذكور مبنيا على ما ذكر و إن كان فاسدا كما عرفت.

و كيف كان، فلا ينبغي التأمّل في كون المشتقّات حقيقة بالنسبة الى حال التلبّس و لا عبرة فيها بحال النطق، و ينبغي حمل ما يتراءى منافاته لذلك من كلماتهم على ما لا ينافيه لوضوح الحال فيه.

و كأنّ المنشأ في توهّم البعض على ما حكي عنه انصراف حمل المشتقّ على الذات مع الإطلاق الى اتّصافها به في حال النطق كما في قولك: «زيد قائم، أو عالم، أو نائم» و نحو ذلك، فتوهّم من ذلك كونه حقيقة في خصوص حال النطق و هو بيّن الفساد؛ إذ قضيّة الحمل حينئذ هو الحكم بثبوت المحمول له بالنسبة الى الحال فيكون حال تلبّسه هو حال النطق، فانصرافه اليه على القول بوضعه للحال من جهة كونه حال التلبّس، لا من جهة كونه حال النطق، و هو ظاهر.

و كذا المراد بالاستقبال في المقام هو الاستقبال المقابل للحال المذكور، و ذلك بأن يطلق المشتقّ على غير المتلبّس بالمبدأ نظرا الى تلبّسه به بعد ذلك، كأن يطلق الضارب على زيد في الحال باعتبار صدور الضرب منه في الاستقبال، و هذا الّذي‏

367

اتّفقوا على كونه مجازا فيه، فمحلّ الخلاف هو إطلاقه على المتلبّس في الماضي في مقابلة الحال و الاستقبال المذكورين و ليس الخلاف في كونه حقيقة في خصوص الماضي أيضا، كما قد يتوهّم على ما سيجي‏ء الإشارة اليه عند بيان الأدلّة، بل النزاع كما أشرنا اليه في كونه موضوعا لخصوص المتلبّس بالمبدأ بالنظر الى حال تلبّسه به أو لما حصل له التلبّس به في الجملة، سواء كان في الحال أو الماضي ليكون إطلاقه حقيقة في الصورتين.

[المعروف بين علماء العربيّة عدم دلالة الصفات على الزمان على سبيل التضمّن على ما هو الحال في الأفعال‏]

ثانيها: المعروف بين علماء العربيّة و غيرهم عدم دلالة الصفات على الزمان على سبيل التضمّن على ما هو الحال في الأفعال، و الظاهر أنّه ممّا لا كلام فيه و إن أوهم بعض العبائر دلالتها على الزمان كذلك؛ إذ كونها من جملة الأسماء و عدم اندراج الزمان في مداليل الأسماء من المسلّمات المشهورات كما هو ظاهر من ملاحظة حدودها و غيرها.

مضافا الى اتّضاح ذلك من ملاحظة الاستعمالات؛ إذ لو كان الزمان جزء من مدلولها لدلّت عليه على نحو دلالة الأفعال، مع وضوح الفرق بينهما بعد ملاحظة العرف، و ظهور عدم انفهام الزمان منها كذلك.

و قد يتراءى من كلام القائلين بكون المشتقّ حقيقة في الحال أن يكون الزمان مأخوذا في مفهومه على سبيل التضمّن، و لذا احتمل بعضهم اختلاف مذهبي أهل العربيّة و الاصول في دلالة المشتقّات على الزمان.

و هو توهّم ضعيف؛ إذ ليس في كلام أهل الاصول ما يومئ الى كون الزمان مدلولا تضمّنيا للمشتقّات كما ستعرف ذلك من ملاحظة أقوالهم و أدلّتهم في المقام.

و الأظهر أنّه لا كلام في عدم دلالتها على الزمان على سبيل القيديّة أيضا- بأن يكون قد اخذ أحد الأزمنة الثلاثة قيدا في مدلولها بحسب الوضع، فيكون ما وضعت بإزائها هو الذات المتّصفة بالمبدأ مقيّدا بكون الاتّصاف في الحال على أن يكون القيد خارجا و التقييد داخلا- لما عرفت من أنّ القائل بكونها حقيقة في الماضي لا يقول بدلالتها على الزمان أصلا، و إنّما يعتبر في مفهومها تحقّق‏

368

الاتّصاف في الجملة، و ليس مقصوده اشتراكها بين الماضي و الحال لتكون دالّة على الزمان، و احتجاجهم على ذلك بتحقّق استعمالها في الأزمنة، فظاهر الاستعمال يقتضي كونها حقيقة في الكلّ خرج الاستقبال بالإجماع فبقي الباقي لا دلالة فيه على ذلك؛ إذ المقصود من ذلك إطلاق اللفظ باعتبار الاتّصاف في الماضي أو الحال أو الاستقبال لا استعماله في خصوص كلّ من تلك الأزمنة، كيف! و لو اريد ما يتراءى من ظاهره لكانوا قائلين باندراج الزمان في مدلولها على سبيل التضمّن كما في الأفعال، و قد عرفت وضوح فساده.

فمحصّل استدلالهم أنّها قد اطلقت على الذات المتّصفة بالمبدأ في أيّ من الأزمنة الثلاثة، و حيث دلّ الدليل على كونها مجازا باعتبار الاتّصاف اللاحق فالأصل المذكور يقتضي كونها حقيقة باعتبار الاتّصاف الحاصل، سواء كان في الماضي أو الحال، و ذلك ممّا لا ربط له بدلالتها على الزمان على نحو الشطريّة أو الشرطيّة كما لا يخفى، مضافا الى ما عرفت من عدم ظهور قائل باشتراك المشتقّات لفظا بين المعنيين.

و قد صرّح جماعة من القائلين بكونها حقيقة في الماضي بكونها حقيقة في القدر المشترك، و سيظهر لك ذلك من ملاحظة أدلّتهم إن شاء اللّه.

و أمّا القائلون بكونها حقيقة في الحال فلم يريدوا بذلك إلّا كونها حقيقة في الذات المتّصفة بالمبدأ على أن يكون اتّصافها به حاصلا متحقّقا فمهما اطلقت على ذات لا بدّ من اتّصافها بذلك المبدأ في الحال الملحوظ في ذلك الإطلاق، و أين ذلك من دلالتها على الزمان و أخذ الزمان قيدا في مدلولها؟ فالحال فيها نظير الحال في الجوامد فإنّها إنّما تصدق على مصاديقها مع صدق مفاهيمها عليها في الحال، و سيجي‏ء توضيح الكلام فيه إن شاء اللّه.

على أنّك قد عرفت أنّ الحال المذكورة هي حال التلبّس، و ليست بالحال المعدودة من أحد الأزمنة و إن اندرجت فيها في بعض الاعتبارات.

فجعل النزاع في المقام في كون الحال قيدا فيما وضعت بإزائه على القول‏

369

بكونها حقيقة في الحال- ليكون الحال إذن مدلولا التزاميّا بيّنا بالمعنى الأخصّ للمشتقّات و يكون دلالتها عليه على نحو دلالة العمى على البصر و عدمه على القول الآخر، لكون مجرّد الاتّصاف و لو في الماضي كافيا في صدقها عندهم كما يوجد في كلام بعض الأفاضل- ليس على ما ينبغي؛ إذ لا دلالة في كلام القائلين بكونها حقيقة في الحال على ذلك، لإمكان تصحيحه على نحو ما قلناه بل و استظهاره من كلامهم حسب ما سنقرّره إن شاء اللّه.

فظهر بما قرّرناه أنّه لا ربط للنزاع المذكور بأخذ الزمان في مفاهيم المشتقّات على سبيل التضمّن أو التقييد، و لا يلزم اعتبار شي‏ء من الوجهين في شي‏ء من الأقوال المذكورة في المسألة، و لا معارضة بين كلمات علماء الاصول و ما ذكره النحاة من عدم دلالتها على الزمان، و ما صرّح به علماء البيان من عدم إفادتها التقييد بأحد الأزمنة الثلاثة حسب ما حكي عنهم‏ (1).

[المشتقّات الّتي وضع النزاع فيها تعمّ أسماء الفاعلين و المفعولين و الصفات المشبهة و أسماء التفضيل و الأوصاف المشتقّة]

ثالثها: أنّ المشتقّات الّتي وقع النزاع فيها في المقام تعمّ أسماء الفاعلين و المفعولين و الصفات المشبهة و أسماء التفضيل و الأوصاف المشتقّة، كالأحمر و الأصفر و الحمراء و الصفراء و نحوها من الصفات.

و ربما يقال بخروج اسم المفعول عن محلّ البحث، و كذا الصفة المشبّهة و اسم التفضيل لظهور الوضع للأعمّ في الأوّل، و لخصوص الحال في الأخيرين.

و يضعّفه إطلاق كلمات الاصوليين من غير إشارة منهم الى تخصيص النزاع باسم الفاعل و التعبير الغالب في كلماتهم بلفظ المشتق الشامل للجميع.

و قد فرّع غير واحد من الأفاضل على المسألة كراهة الوضوء بالماء المسخّن بالشمس بعد زوال حرارته، مع أنّه من قبيل اسم المفعول.

ثمّ إنّ ظاهر كلماتهم تعميم النزاع فيها لسائر أحوالها و أنواعها من غير تقييد لمحلّ البحث ببعض صورها إلّا أنّه قد وقع تقييد النزاع ببعض الصور في كلمات‏

____________

(1) فبناء بعض الأفاضل على تحقّق المعارضة بين ما حكي عن علماء البيان و ما ذهب اليه جماعة من علماء الاصول ليس على ما ينبغي (منه (رحمه اللّه)).

370

جماعة من المتأخّرين على وجوه شتّى:

منها: ما ذكره التفتازاني من أنّ النزاع في اسم الفاعل الّذي بمعنى الحدوث لا في مثل المؤمن و الكافر و النائم و اليقظان و الحلو و الحامض و الحرّ و العبد و نحو ذلك ممّا يعتبر في بعضه الاتّصاف به مع عدم طريان المنافي و في بعضه الاتّصاف بالفعل البتة.

و منها: ما ذكره الشهيد الثاني طاب ثراه و الإسنوي و جماعة من المتأخّرين من اختصاص النزاع بما إذا لم يطرأ على المحلّ ضدّ وجودي للوصف الزائل، و أمّا مع طريانه فلا كلام في عدم صدق المشتقّ على سبيل الحقيقة، و حكي عن الرازي في المحصول دعوى الاتّفاق على المجازيّة حينئذ، قال بعض أفاضل المتأخّرين:

لم نجد ذلك في المحصول و لا في كلام علماء الاصول.

و منها: تخصيص النزاع بما إذا كان المشتقّ محكوما به، و أمّا إذا كان محكوما عليه فلا كلام في صدقه مع الزوال، و قد حكي التخصيص المذكور عن الشهيد الثاني و الغزالي و الإسنوي و هذا التخصيص من جانب القائل باشتراط البقاء، كما أنّ الأوّلين من جانب القائلين بعدمه.

و يضعّف جميع هذه التقييدات إطلاق كلماتهم في المسألة و عدم تعرّض أحد من المتقدّمين للتقييد، بل و كذا جماعة من المتأخرين، و تصريح جماعة منهم بأنّ تلك التقييدات إنّما نشأت بين المتأخّرين و ليس هناك تعرّض لها في كلام الأوّلين.

و يشهد له ملاحظة أدلّتهم في المسألة حيث استندوا فيها الى ما هو من قبيل ما أخرجوه من محل البحث، و منه حدث إلتجاء كلّ من الفريقين الى التخصيص حيث ضاق به الخناق في الحكم بالإطلاق، و رأوا ظهور فساد القول بإطلاق الاشتراط أو عدمه فبنوا على خروج ذلك عن محلّ البحث.

و كيف كان، فمع البناء على الإطلاق في محلّ البحث كما هو الظاهر يكون التخصيصات المذكورة في بعض الوجوه تفصيلا في المسألة.

إذا تقرّر ذلك فنقول: المعروف بين الاصوليين في المقام قولان:

371

أحدهما: عدم اشتراط بقاء المبدأ في صدق المشتقّ، و هو المعروف بين أصحابنا و قد نصّ عليه العلّامة (رحمه اللّه) في عدّة من كتبه و السيد العميدي و الشهيد و المحقّق الكركي، و عزاه جماعة الى أصحابنا الإمامية مؤذنين باتّفاقهم عليه منهم السيد العميدي و الشهيد الثاني، و أسنده في المبادئ الى أكثر المحقّقين، و في المطوّل الى الأكثر، و قد ذهب اليه كثير من العامّة منهم عبد القاهر و الشافعي و من تبعه، و حكي ذلك من الجبائي و المعتزلة، و عزي الى ابن سينا و غيره.

ثانيهما: القول باشتراط البقاء، و عزي الى الرازي و البيضاوي و الحنفيّة، و حكاه في النهاية عن قوم.

و يحكى هناك قول ثالث، و هو اشتراط البقاء فيما يمكن بقاؤه و عدمه في غيره، و عزاه في النهاية الى قوم، إلّا أنّه قال في أثناء الاحتجاج: «إنّ الفرق بين ممكن الثبوت و غيره منفيّ بالإجماع» و هو يومئ إلى حدوث القول المذكور أيضا و كونه خرقا للإجماع.

و لبعض المتأخّرين من أصحابنا تفصيل آخر، و هو أنّ المشتقّ حقيقة في الماضي إذا كان اتّصاف الذات بالمبدأ أكثريّا، بحيث يكون عدم الاتّصاف بالمبدأ مضمحلا في جنب الاتّصاف، و لم يكن الذات معرضا عن المبدأ و راغبا عنه، سواء كان المشتقّ محكوما عليه أو به، و سواء طرأ الضدّ أو لا.

و ربما يفصّل في المقام بين الألفاظ و خصوص المشتقّات فلا يجعل هناك ضابطة في الاشتقاق، بل يقال بدوران الأمر في كلّ لفظ مدار ما هو متبادر منه، فنحو القاتل و الضارب و الآكل و الشارب و البائع و المشتري حقيقة في الأعمّ، و نحو النائم و المستيقظ و القائم و القاعد و الحاضر و المسافر حقيقة في الحال.

و ربما يجعل الأصل في أسماء المفعولين البناء على الأوّل؛ نظرا الى غلبة وضعها لذلك، و الأصل في الصفات المشبّهة و أسماء التفضيل هو الثاني لذلك أيضا، فيلحق المشكوك بالغالب.

و قد يقال بخروج المشتقّات المذكورة عن محلّ النزاع حسب ما أشرنا إليه.

372

حجّة القول بعدم اشتراط البقاء وجوه:

أحدها: الأصل فإنّها تستعمل تارة في الحال، و اخرى في الماضي، و الأصل فيما استعمل في معنيين أن يكون حقيقة في القدر المشترك بينهما، دفعا للاشتراك و المجاز.

ثانيها: التبادر، إذ المتبادر من القاتل و الضارب و المحسن و المكرم و البائع و المشتري و نحوها هو من تحقّق منه تلك المبادئ، سواء كان في حال صدوره أو بعدها، و لذا نجد الفرق بين قولنا: «ضارب و ضارب الآن ...» و هكذا في غيره و ليس ذلك إلّا لإطلاق الأوّل و تقييد الثاني.

ثالثها: عدم صحّة السلب، إذ لا يصحّ سلب القاتل و الضارب مطلقا عمّن وقع منه القتل أو الضرب و انقضى، فيفيد ذلك اندراجه في المفهوم المذكور فيكون موضوعا لما يعمّه.

رابعها: أنّه يصحّ قطعا أن يقال في العرف على سبيل الحقيقة لمن وقع منه الضرب في اليوم السابق: «إنّه ضارب أمس» و صدق المقيّد يستلزم صدق المطلق.

خامسها: صحّة تقسيمها الى المتلبّس بالمبدأ في الحال و المتلبّس به في الماضي، و ظاهر القسمة يعطي كون المقسم حقيقة فيما يعمّ القسمين.

سادسها: صحّة تقييدها بالحال و الماضي تقول: «زيد ضارب الآن و ضارب أمس» من غير لزوم تكرار و لا تناقض و لو كانت حقيقة في أحد الأمرين لزم أحد المذكورين.

سابعها: أنّها لو كانت حقيقة في الحال خاصّة لكان إطلاق المؤمن على الغافل و النائم و المغمى عليه مجازا؛ لعدم حصول المبدأ فيهم، و من الواضح خلافه؛ للإجماع على صدق المؤمن عليهم في تلك الأحوال من غير شكّ.

ثامنها: أنّه لو اعتبر في صدقها التلبّس بالمبدأ في الحال للزم أن لا يصحّ الاشتقاق من المبادئ الّتي لا يمكن حصولها في الحال، و التالي باطل فالمقدّم مثله.

373

أمّا الملازمة فظاهرة؛ إذ ما لا يمكن وجوده في الحال لا يعقل حصول الاتّصاف به في الحال.

و أمّا بطلان التالي فللزوم عدم صدق المخبر و المتكلّم و كذا الصادق و الكاذب و الآمر و الناهي و نحوها على أحد؛ إذ الخبر: اسم لمجموع القول الّذي يحتمل الصدق و الكذب، و من البيّن أنّه تدريجي الحصول غير قارّ الذات، فلا يمكن اجتماع أجزائه في الوجود، و ليس الكلّ و الجزء متشاركين في الاسم ليكفي في صدق التلبّس به التلبّس بجزئه، فلا قيام له بها في الحال، و كذا الكلام في الكلام و الصدق و الكذب و الأمر و النهي.

أمّا الأوّل و الأخيران فلكونها أسامي للحروف الصادرة على الترتيب، و لا يمكن الاجتماع بينها في الوجود.

و أمّا الثاني و الثالث فلإنّهما متعلقان بالخبر، و هو غير حاصل في الحال.

تاسعها: أنّه لو لا الوضع للأعمّ لما صحّ الاستدلال بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي ... إلخ‏ (1) و قوله: السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ ... الخ‏ (2) على وجوب حدّ الزاني و السارق لانصرافهما إذن بمقتضى الوضع الى من تلبّس بالزنى أو السرقة حال نزول الآية فلا يندرج غيرهم فيهما و هو فاسد؛ لاحتجاج العلماء خلفا عن سلف بهما على ثبوت الحكم لمطلق الزاني و السارق.

و هذا التقرير مبني على كون المراد بالحال في المقام حال النطق و قد عرفت أنّه خلاف التحقيق، فالصواب تغيير الاحتجاج بجعل التالي عدم صحّة الاستدلال بهما على وجوب الحدّ إلّا على من كان مشغولا بالزنى أو السرقة متلبّسا بهما دون من وقع منه ذلك و انقضى، و هو خلاف ما اتّفقوا عليه، على ما ذكر.

عاشرها: ما يستفاد من ظاهر غير واحد من الأخبار:

فعن الصادق (عليه السّلام) بعد ذكر قوله تعالى: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏ (3): «من‏

____________

(1) سورة النور: 2.

(2) سورة المائدة: 38.

(3) سورة البقرة: 124.

374

عبد صنما أو وثنا لا يكون إماما» (1)، و ليس الوجه في ذلك إلّا صدق الظالم عليه بذلك و إن تاب عنه.

و في خبر آخر عن النبي (صلّى اللّه عليه و اله) أنّه قال: «أنا دعوة أبي إبراهيم» فسئل عن ذلك فذكر (صلّى اللّه عليه و اله) ما أوحى اللّه الى إبراهيم من جعله إماما للناس، و سؤاله ذلك لبعض ذريّته (الى أن قال): قال لا اعطيك لظالم من ذريّتك عهدا، فقال إبراهيم عندها:

و اجنبني و بنيّ أن نعبد الأصنام قال (صلّى اللّه عليه و اله): فانتهت الدعوة إليّ، و إنّي و عليّ لم نسجد للصنم و اتّخذني نبيّا و اتّخذ عليّا وصيّا (2).

فإنّ الظاهر من سياقه أنّ من سجد للصنم لا يناله العهد، و ليس ذلك إلّا لاندراجه في الظالم.

حادي عشرها: اتّفاق أهل اللغة على أنّ اسم الفاعل بمعنى الماضي لا يعمل و لو لا صحّة إطلاقه على الماضي لما أمكن ذلك، كذا قرّره العلّامة في النهاية.

و هو بظاهره غير متّجه؛ لوضوح أنّ غاية ما يفيده الاتّفاق المذكور صحّة استعماله في الماضي و هو ممّا لا كلام فيه، إلّا أن يقال: إنّ اتّفاقهم على الحكم المذكور يشير الى كونه معنى حقيقيّا، نظرا الى ظهور حكمهم بكونه معنى للمشتقّ و اختصاصه بحكم مخصوص في ذلك.

و قد يقرّر الاحتجاج بوجهين آخرين أشار إليهما العضدي:

أحدهما: أنّ أهل اللغة أجمعوا على صحّة «ضارب أمس» و الأصل في الإطلاق الحقيقة.

و يوهنه ما عرفت من ضعف الاستناد الى الأصل المذكور في متعدّد المعنى، إلّا أن يرجع ذلك الى الوجه الأوّل، و هو خلاف ظاهر التقرير المذكور.

مع أنّه موهون أيضا بما عرفت، مضافا الى أنّه لا حاجة إذن الى الاستناد في صحّة استعماله الى إجماع أهل العربيّة على صحّة الاستعمال المذكور، إذ جواز إطلاقه على المتلبّس في الماضي في الجملة ممّا لا كلام فيه.

____________

(1) الكافي 1/ 175.

(2) راجع بحار الأنوار 25/ 200.

375

ثانيهما: أنّهم أجمعوا على أنّه اسم فاعل، فلو لم يكن المتّصف به كذلك فاعلا حقيقة لما أجمعوا عليه عادة، و توضيحه أنّهم اتّفقوا على كون لفظ «الضارب» اسما للفاعل فيما إذا اطلق على من انقضى عنه التلبّس بذلك الفعل، فقد اتّفقوا على صدق الفاعل عليه مع إنقضاء تلبّسه به و هو أيضا من جملة المشتقّات، فظاهر إجماعهم يفيد كونه حقيقة لبعد كون اتّفاقهم على صدق المجازي.

و يوهنه أنّ ما أجمعوا عليه كونه اسم فاعل بمعناه المصطلح دون معناه الإشتقاقي، و لو فرض إرادة ذلك فيمكن تصحيحه بإطلاق الفاعل حينئذ على المتلبّس في الحال بالمعنى المتقدّم، كما لا يخفى.

و قد يقرّر ذلك بوجه آخر، و هو أنّ لفظ «الضارب» بالمعنى المذكور اسم فاعل حقيقة، للاتّفاق عليه فقضيّة الاتّفاق المذكور أن يكون استعمال اسم الفاعل بمعنى الماضي حقيقة.

و هو في الوهن كسابقه؛ نظرا الى كونه من باب اشتباه العارض بالمعروض، و قد وقع منهم نظائر هذا الاشتباه في موارد اخرى، يأتي الإشارة اليها إن شاء اللّه تعالى.

ثاني عشرها: أنّهم قالوا في تعريف اسم الفاعل: «إنّه ما اشتقّ من فعل لمن قام به» فظاهر لفظ «قام» هو القيام في الماضي، و قضيّة ذلك كونه حقيقة في خصوص الماضي، فلمّا قام الإجماع على كونه حقيقة في الحال في الجملة لزم حمله إذن على ما يعمّها، و حمله على خصوص الحال بعيد جدّا، كما أنّ حمله على ما يعمّ الثبوت و لو في الاستقبال مضافا الى كونه أبعد من الوجه المذكور مدفوع بالإجماع، فدلّ ذلك على وضعه لمن تحقّق فيه المبدأ في الجملة، سواء كان في الماضي أو في الحال، و هو المدّعى.

و الجواب أمّا عن الأوّل فبما عرفت من ضعف الاستناد الى الأصل المذكور في إثبات اللغات، سيّما فيما إذا كان الاستعمال في القدر المشترك غير متحقّق الحصول كما في المقام.

376

مضافا الى أنّ الإطلاق على الماضي غير ثابت في كثير من المشتقّات- كالأحمر و الأصفر و النائم و اليقظان و القائم و القاعد و نحوها- فهو أخصّ من المدّعى. و دعوى انتفاء القائل بالفصل في المقام محلّ منع.

على أنّ المتبادر من الأمثلة المذكورة خصوص الحال، و هو دليل المجازيّة في غيرها، و لا ريب أنّ ذلك أقوى في الدلالة من الأصل المدّعى.

و قد يورد عليه أيضا بأنّ ذلك إنّما يتمّ إذا لم يعلم كونه حقيقة في خصوص أحد المعنيين، إذ قضيّة الأصل مع العلم به ترجيح كونه مجازا في الآخر و القدر المشترك بينهما دفعا للاشتراك المرجوح بالنسبة الى المجاز و هو كذلك في المقام، لإجماعهم على كونه حقيقة في الحال.

و يدفعه ما عرفت من أنّ إجماعهم على الأعمّ من كونه معنى حقيقيّا أو مصداقا حقيقيّا له، لا على خصوص الأوّل، كما قد يتراءى في بادئ النظر.

و أمّا عن الثاني فبما عرفت من انتقاضه بتبادر خلافه أيضا في موارد كثيرة اخرى، على أنّ تبادر القدر المشترك منها في الأمثلة المذكورة محلّ نظر حسب ما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا عن الثالث فبأنّه إن اريد بذلك عدم صحّة سلب الضارب عنه بالنسبة الى ماضي النطق و إن كان بملاحظة حال تلبّسه به فممنوع، و لا يفيد إلّا كونه حقيقة في حال التلبّس، و هو كما عرفت خارج عن محلّ البحث.

و إن اريد عدم صحّة سلبه عنه بحسب حال النطق نظرا الى تلبّسه به في الماضي فممنوع، على أنّه معارض بصحّة السلب في أمثلة كثيرة اخرى مما تقدّم الإشارة اليها.

و أمّا عن الرابع فبأنّ صدق قولنا: «ضارب أمس» في المثال المفروض ليس من محلّ النزاع؛ لاستعماله إذن في حال التلبّس حسب ما مرّ بيانه، و ما ذكر من استلزامه صدق زيد ضارب مع الإطلاق إن اريد به صدقه عليه بملاحظة حال اتّصافه به- أعني الأمس- فلا يفيد المدّعى، إذ ذلك أيضا من قبيل إطلاقه على حال التلبّس.

377

و ان اريد صدقه بالنسبة الى حال النطق فممنوع و صدق المقيّد لا يستلزم إلّا صدق المطلق على نحو المقيّد، لقضائه بصدق المطلق نظرا الى حصوله في ضمن ذلك المقيّد لا بالنظر الى حصول آخر.

و أمّا عن الخامس فبعد ما عرفت من وهن دلالة التقسيم على الحقيقة أنّ القسمة المذكورة إنّما تفيد كونه حقيقة في الأعمّ من حال النطق، و هو غير المدّعى لما عرفت من الاتّفاق على كونه حقيقة في حال التلبّس، و هو أعمّ من حال النطق، فيصدق «الضارب» في المثال المفروض على من هو متلبّس بالضرب في حال النطق و على من انقضى عنه، بملاحظة تلبّسه به في الوقت الملحوظ في إطلاقه عليه، و مع تسليم صحّة التقسيم بالنسبة الى حال التلبّس و ماضيه أيضا فهو إنّما يجري في بعض الأمثلة دون غيرها، فلا يفيد تمام المدّعى.

على أنّه معارض بصحّة السلب و غيرها من علائم المجاز الحاصلة في أمثلة اخرى، حسب ما أشرنا اليها.

و بنحو ذلك يجاب عن السادس.

و أمّا عن السابع فأوّلا: بأنّ التصديق حاصل للنفس في الحالتين المذكورتين غير أنّه غير ملتفت اليه فيهما، و فرق بين حصول التصديق و الالتفات الى حصوله كيف! و لو كان التصديق مرتفعا بالنوم أو الغفلة توقّف حصوله ثانيا على كسب جديد و ليس كذلك قطعا.

و ما يقال من أنّ التصديق يتوقّف على تصوّر أطرافه و الحكم بوقوع النسبة أو لا وقوعها، و هو غير حاصل في حال النوم أو الغفلة.

مدفوع؛ بأنّ حصول الصورة في النفس غير التفاته الى ذلك الحصول، و أقصى ما يسلّم حينئذ انتفاء الالتفات لا نفس الحصول، فتصوّر الأطراف و الحكم بثبوت المحمول للموضوع أو نفيه عنه حاصل للنفس، إلّا أنّه غير ملتفت الى شي‏ء منها في الحالتين و ما بمنزلتهما.

و ما قد يقال من عدم توقّف التصديق على تصوّر الأطراف في بقائه‏

378

و استدامته و إنّما يتوقّف عليه في ابتداء حصوله غير متّجه، كيف! و ليس التصديق إلّا نفس الحكم أو مجموع الحكم و التصوّرات، فكيف يعقل حصوله من دونها ابتداء أو استدامة؟!

و قد يقال بمثل ذلك في طريان الجنون أيضا؛ إذ لا يحتاج المجنون بعد رفع الجنون الى تجديد الاكتساب لما حصّله من العلوم، فهي حاصلة له موجودة عنده في الخزانة.

إلّا أنّ الجنون مانع من التفاته اليها كالسكر و الإغماء، فإبدال النائم و الغافل بالمجنون غير نافع في المقام.

نعم، لو طال جنونه بحيث زالت الصورة المذكورة عن النفس بالمرّة صحّ ما ذكر، إلّا أنّ صدق المؤمن عليه حينئذ على سبيل الحقيقة غير مسلّم، و إنّما هو في حكم المسلم كالأطفال، بل لو بني الأمر على ذلك في كل مجنون لم يكن بعيدا، و ربما يستظهر ذلك من كلام جماعة من الأصحاب.

و ثانيا: بأنّه أخصّ من المدّعى أو غير مطابق للدعوى، فإنّه إن جعل النزاع في الأعم ممّا يكون المبدأ فيه حدوثيا و غيره كما هو الظاهر، فهو غير واف به، و إن خصّ بما إذا كان المبدأ فيه حدوثيّا فهو غير مطابق للمدّعى.

و ثالثا: بانتقاضه بعدم صدق المؤمن عليه بعد ارتداده، و عدم صدق الكافر عليه إذا سبق منه الكفر، و إلّا لكان جملة من اكابر الصحابة كفّارا على الحقيقة.

و الجواب عنه بكون المنع هناك من جهة الشرع دون اللغة جار في المقام.

و رابعا: بالتزام عدم صدق المؤمن عليه حينئذ على سبيل الحقيقة و إنّما هو بحكم المؤمن في الشرع، و هو كما ترى.

و أمّا عن الثامن فأوّلا: بخروج الأمثلة المذكورة عن محلّ النزاع على ما قيل، و قد مرّت الإشارة اليه.

و ثانيا: بأنّه أخصّ من المدّعى، فلا يثبت به العموم، و الإجماع المركّب غير متحقّق في المقام.

379

و ثالثا: بأنّه ليس المدار في حصول المبدأ في الحال على التحقّق العقلي بل الصدق العرفي كاف فيه، و هو حاصل في المقام لصدق قولك: «فلان يتكلّم أو يخبر» في هذا الحال قطعا من غير تجوّز أصلا اذا كان في حال التكلّم و الإخبار.

و رابعا: بما عرفت من أنّ المدار في إطلاق المشتقّات على ملاحظة التلبّس و هي أعمّ من حال النطق، و حينئذ فلا يمنع عدم إمكان حصول مبادئها في الحال من صدقها على سبيل الحقيقة، بالنظر الى حصول التلبّس بها في الزمان و إن لم يمكن اجتماع أجزائها في الوجود. فتأمّل.

و أمّا عن التاسع فأوّلا: بخروج الأمثلة المذكورة عن محلّ النزاع على ما قيل.

و ثانيا: بأنّه أخصّ من المدّعي و لا مانع من القول بالتفصيل.

و ثالثا: بقيام القرينة عليه في المقام ضرورة عدم إرادة إيقاع الحدّ عليه في حال تلبّسه بالزنى أو السرقة، و لا كلام في جواز استعمال المشتقّات باعتبار التلبّس في الماضي مع انضمام القرينة.

و رابعا: بالمنع من استعمال المشتقّ في الآيتين المذكورتين و ما بمعناهما في الماضي باعتبار الحال الملحوظ في الإطلاق، حسب ما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا عن العاشر فبعد الغضّ عن إسنادهما بعدم وضوح دلالتهما على المدّعى إذ غاية الأمر دلالتهما على إطلاق الظالم في الآية على المعنى الأعمّ، و هو أعمّ من الحقيقة، على أنّه قد يصحّح ذلك بإطلاقه باعتبار حال التلبّس، كما ستعرف الوجه فيه إن شاء اللّه.

و أمّا عن الحادي عشر فأوّلا: أنّ اتّفاق أهل اللغة لا يفيد زيادة على استعماله في الماضي، و هو أعمّ من الحقيقة كما مرّ.

و اتّفاقهم على ثبوت ذلك المعنى و ثبوت حكم مخصوص له بحسبه لا يفيد ثبوت الوضع له بوجه كيف! و جميع ما ذكر حاصل بالنسبة الى استعماله في المستقبل مع كونه مجازا فيه بالاتّفاق، فملاحظة اتّفاقهم على إطلاقه باعتبار

380

المستقبل و بيانهم لحكمه في الأعمال مع كونه مجازا فيه تشهد بكون الملحوظ عندهم بيان حكم اللفظ، سواء كان حقيقة أو مجازا، فلا دلالة في ذلك على كونه حقيقة بالنسبة الى الماضي أيضا.

و ثانيا: أنّ استعماله في الماضي في المثال الذي ذكروه إنّما هو من قبيل استعماله في حال التلبّس و إن كان ماضيا بالنسبة الى حال النطق و ليس ذلك من محلّ النزاع حسب ما مرّ القول فيه، مضافا الى أنّ ذلك لو تمّ لم يفد تمام المدّعى؛ لعدم جريانه في جميع المشتقّات.

و أمّا عن الثاني عشر فبأنّ إطلاق الماضي على الحال ممّا لا مانع منه و لا بعد فيه بعد جريان التعبير به عن الحال في الاستعمالات، كما لا يخفى على من لاحظ أمثال المقام في الإطلاقات، مضافا الى ما عرفت من كون المراد بالحال في المقام هو حال التلبّس و قد مرّ أنّه لا ينافي المضيّ بالنسبة الى حال النطق، فحمل العبارة على الأعمّ من الماضي و الحال غير مناف لما ذكرناه.

و مع الغضّ عن ذلك فهم عنوا بالتحديد المذكور بيان اسم الفاعل بحسب اصطلاحهم سواء استعمل الصيغة في معناه الحقيقي أو المجازي و لا ريب في شمول اسم الفاعل للصيغة المفروضة في الأحوال الثلاثة، و ليسوا بصدد بيان ما وضع له الصيغة المفروضة حتى يستفاد من ذلك كونه حقيقة في الصورتين، فتأمّل.

حجّة القائل باشتراط البقاء امور.

أحدها: أنّ المتبادر من الأحمر و الأصفر و الأبيض و الحسن و القبيح و الجميل و الكريم و الصالح و التقي و الزاهد و العالم و الجاهل و نحوها هو خصوص من اتّصف بتلك المبادئ في الحال، و التبادر دليل الحقيقة.

و يجاب عنه تارة بمنع كون التبادر المدّعى مستندا الى نفس اللفظ بل الى غلبة الاستعمال، و يكشف عنه أنّه لو كان كذلك لاطّرد في غيرها من المشتقّات؛ لاتّحاد جهة الوضع فيها، لما تقرّر من كون أوضاعها نوعيّة، و لعدم قائل بالتفصيل في الألفاظ على ما يظهر من كلماتهم كما عرفت، و ليس كذلك؛ إذ لا يتبادر ذلك‏

381

في نحو القاتل و الجارح و البائع و المشتري و المعلّم و المضروب و المنصور و نحوها.

و اخرى بأنّ التبادر المدّعى في تلك الأمثلة معارض بتبادر خلافه في أمثلة اخرى، فإن اجيب بكون تبادر الأعمّ في تلك الأمثلة من جهة الغلبة لم يكن ذلك أولى من العكس.

ثانيها: صحّة السلب مع انتفاء التلبّس في الحال في الأمثلة المذكورة.

و يرد عليه المعارضة المذكورة بعدم صحّته في الأمثلة الأخيرة.

و قد يقرّر ذلك بوجه آخر، بيانه: أنّه يصحّ أن يقال لمن انقضى عنه الضرب في الحال: «إنّه ليس بضارب الآن» و اذا صحّ السلب المقيّد صحّ السلب المطلق، ضرورة صدق المطلق بصدق المقيّد.

و بعبارة اخرى قولنا: «ليس بضارب الآن» قضيّة وقتيّة و صدق الوقتيّة يستلزم صدق المطلقة العامّة، فيصحّ القول بأنّه ليس بضارب مع الإطلاق، و صحّة سلبه كذلك دليل المجاز، فيكون مجازا في الماضي فلا يكون موضوعا لما يعمّه، فتعيّن وضعه لخصوص المتلبّس في الحال و هو المدّعى.

و يمكن الإيراد عليه بالنقض و الحلّ، أمّا الأوّل فلأنّه لو تمّ ذلك لدلّ على صحّة سلبه عن المتلبّس في الحال أيضا؛ إذ يصحّ أن يقال لمن لم يكن متلبّسا بالضرب في الماضي و قد تلبّس به في الحال: «إنّه ليس بضارب أمس» و صدق المقيّد يستلزم صدق المطلق ... الى آخر الدليل.

و أمّا الثاني فبأنّ قوله «الآن» امّا أن يؤخذ قيدا في المحمول أو ظرفا للحكم، فعلى الأوّل يسلّم صدق السالبة المذكورة، لكن لا يكون نفس السلب حينئذ مقيّدا بل يكون من قبيل سلب المقيّد، و من البيّن أنّ سلب المقيّد لا يستلزم سلب المطلق، و على الثاني صدق القضيّة المذكورة ممنوع، بل هو أوّل الدعوى؛ إذ القائل بعدم اشتراط البقاء يقول بصدق الضارب عليه في الحال مع تلبّسه به في الماضي.

و قد يجاب أيضا بعد تسليم صدق النفي مع جعل القيد ظرفا للحكم بأنّ قضيّة ذلك صدق السلب في الوقت الخاصّ، و أقصى ما يلزم من ذلك صدق السلب على‏

382

سبيل الإطلاق العامّ و هو غير مناف لصدق الايجاب كذلك؛ ضرورة عدم تناقض المطلقتين.

و يدفعه أنّ المطلقتين إنّما لا يتناقضان في حكم العقل لا في حكم العرف، ضرورة وجدان التناقض عرفا بين قولك: «زيد ضارب و زيد ليس بضارب» و هو المحكّم في المقام و أيضا لو سلّم صدق الايجاب أيضا فهو غير مانع لصحّة الدليل؛ إذ المقصود صحّة السلب لا عدم صحّة الايجاب، فإنّه المأخوذ دليلا في المجاز، و أمّا صحّة الايجاب فلا ربط له بالدلالة على حال اللفظ، و لذا لم يعدّ من علائم الحقيقة.

و يمكن الجواب عن ذلك بالفرق بين صدق السلب على سبيل الإطلاق بملاحظة الإطلاق العامّ المنظور في حكم العقل و صدقه على سبيل الإطلاق في حكم العرف، فالأوّل مسلّم، و لا ثمرة فيه؛ إذ ليس مجرّد ذلك علامة للمجاز، و الثاني ممنوع.

قلت: بعد تسليم صدق السلب المذكور في الحال على أن يكون الحال ظرفا للحكم كما هو المفروض يتمّ الاحتجاج و لو اخذ صدق الإطلاق العامّ اللازم لذلك بملاحظة العقل، و الرجوع الى العرف إنّما هو في الحكم الأوّل و أمّا الثاني فلا حاجة فيه الى ملاحظة العرف، بل قطع العقل بصحّة السلب كاف في الدلالة على المقصود.

و أنت خبير بأنّه لا حاجة إذن الى ضمّ المقدّمات الأخيرة، بل مجرّد إثبات صدق السالبة المفروضة كاف في إثبات المطلوب، إذ عدم صدق المفهوم من اللفظ عليه في الحال و صحّة سلبه عنه حينئذ قاض بعدم وضع اللفظ للمفهوم الأعمّ و إلّا لما صحّ سلبه عن مصداقه، فلا حاجة الى إثبات صحّة سلبه عنه مع إسقاط القيد المذكور؛ إذ المفروض إطلاق المسلوب و إن اعتبر كون السلب في الحال.

فإن قلت: إنّ صحة السلب الدالّ على المجاز إنّما هو صحّة السلب المنافي للايجاب، و ليس صحّة السلب المذكور منافيا للايجاب؛ لإمكان صحّة الإثبات أيضا.

383

قلت: أوّلا: أنّه لا دليل على اعتبار الشرط المذكور، بل لا وجه له حسب ما عرفت تفصيل القول فيه.

و ثانيا: أنّ المعتبر في منافاته للايجاب لو قيل به إنّما هو على نحو ما تعلّق به السلب، و من البيّن أنّه لا يصحّ أن يقال له: «إنّه ضارب الآن» فتعيّن الجواب في المنع عن صحّة السلب لو اخذ الحال قيدا للحكم.

و ما يتراءى من صحّة السلب مع التقييد فإنّما هو مبني على انصراف التقييد الى كونه قيدا في المحمول، و فيه تأمّل سيأتي الإشارة اليه إن شاء اللّه تعالى.

ثالثها: أنّها لو كانت موضوعة للأعمّ لصحّ إطلاق القاعد على القائم و القائم على القاعد و النائم على المستيقظ و المستيقظ على النائم و نحوها، و من الواضح فساده، و كذا يلزم صحّة إطلاق الكافر على المؤمن و المؤمن على الكافر، و ليس كذلك و إلّا لكان جملة من أكابر الصحابة كفّارا على الحقيقة، و المرتدّ عن الدين مؤمنا على الحقيقة، و ليس كذلك إجماعا.

و اجيب أوّلا: بالتزام المنع و التخصيص في محلّ النزاع، لطريان الضدّ الوجودي في المقام، و محلّ النزاع ما إذا لم يطرأ ذلك، و كون المبدأ ثبوتيا في بعضها و محلّ النزاع ما إذا كان حدوثيّا، و قد عرفت ما فيه.

و ثانيا: بأنّ ذلك معارض بأنّه لو كان موضوعا للحال لما صحّ إطلاق القاتل و الضارب و الجارح و البائع و المشتري و نحوها على من انقضى عنه المبدأ إلّا على سبيل المجاز، مع أنّ ملاحظة الاستعمالات تشهد بخلافه.

و الوجه في التفصيل بين ما يمكن حصوله في الحال و ما لا يمكن فيه ذلك هو الأخذ بأدلّة القائل باشتراط التلبّس في الحال، إلّا أنّ ذلك إنّما يتمّ فيما يمكن فيه ذلك دون غيره؛ إذ لا يعقل اشتراط التلبّس في الحال فيما لا يمكن حصوله فيها كالمخبر و المتكلّم و نحوهما، فلا يمكن القول بوضعه لخصوص المتلبّس في الحال؛ إذ لا وجه لوضع اللفظ للمعنى على وجه لا يمكن إرادته في الاستعمالات، و لأنّه يلزم أن يكون استعمالاته كلّها مجازات لا حقيقة لها، و ذلك و إن لم يكن‏

384

متعذرا إلّا أنّه لا أقلّ من كونه مستبعدا مخالفا للظاهر، و هو كاف في المقام لابتناء ثبوت الأوضاع على الظنّ.

و يدفعه ما عرفت في ردّ أدلّة القائلين باعتبار الحال و أنّ المعتبر في صدق وجود المبدأ في الحال على القول باشتراطه كونه على النحو الصادق في العرف دون التدقيقات العقليّة ... الى آخر ما مرّ.

حجّة التفصيل الّذي اختاره بعض المتأخّرين أنّهم يطلقون المشتقّات مع حصول الاتّصاف على النحو المذكور من دون نصب قرينة كالكاتب و الخيّاط و القارئ و المعلّم و المتعلّم و نحوها و لو كان المحلّ متّصفا بالضدّ الوجودي كالنوم و نحوه، قال: و القول بأنّ الألفاظ المذكورة كلّها موضوعة لملكات هذه الأفعال ممّا يأبى عنه الطبع السليم في أكثر الأمثلة، و غير موافق لمعنى مبادئها على ما في كتب اللغة.

و فيه أوّلا: أنّ صدق المشتقّات المذكورة ليس مبنيّا على أكثريّة الاتّصاف بالمبدأ، إذ ليس هناك أغلبيّة في الغالب، غاية الأمر حصول الاتّصاف في زمان يعتدّ به و إن كان مغلوبا بالنسبة الى أزمنته عدم الاتّصاف، بل قد يكون زمان عدم الاتّصاف به أضعاف زمان الاتّصاف كما في المعلّم و المتعلّم و القارئ و نحوها فلا يطابق ما عنون به الدعوى.

و ثانيا: أنّه منقوض بالنائم و المستيقظ و الساكن و المتحرّك و الحاضر و المسافر، فإنّه لا يصدق شي‏ء من تلك المشتقّات مع زوال المبدأ مع عدم إعراض الذات عنها و عدم قصور زمن الاتّصاف بها عمّا فرض في المبادئ المذكورة، بل و مع أغلبيّة اتصافها بها.

و ثالثا: أنّ ما ذكر على ما فرض صحّته إنّما يثبت كونه حقيقة في الصورة المذكورة، و أمّا عدم صدقه على سبيل الحقيقة في غيرها فلا دلالة في ذلك عليه، مضافا الى ما يرى من صدقها حقيقة بحسب العرف كالقاتل و الضارب و البائع و المشتري و نحوها، لوجود أمارات الحقيقة في تلك الأمثلة مع عدم اتّصاف‏

385

الذات بمبادئها إلّا في زمان يسير و لو مع إعراضها عن ذلك، فإنّك تقول: «فلان قاتل عمرو» بعد مضيّ اتّصافه بقتله مع عدم إمكان عوده اليه، و كذا يصدق عليه أنّه جارحه أو ضاربه و لو مع ندامته عن ذلك و عزمه على عدم العود اليه، و تقول:

«فلان بائع الدار أو مشتريه» و لو ندم عن ذلك و عزم على عدم إقدامه عليه.

فظهر أنّ جعل المناط في صدق المشتقّ و عدمه ما ذكر ممّا لا وجه له أصلا، و اعتبار الإعراض عن المبدأ و عدمه ممّا لا مدخل له في صدقها.

نعم، إنّما يلاحظ ذلك في الصنائع و الملكات كالبقّال و البنّاء و العطّار و الخيّاط و نحوها؛ لقضاء الإعراض برفع اليد عن الصنعة، فلا بقاء للمبدأ معه، و المبادئ المأخوذة في الأمثلة المفروضة يطلق على الصنعة و الملكة قطعا، بل لا يبعد كونها حقيقة في ذلك عرفا كما يظهر ذلك من ملاحظة الاستعمالات الدائرة، خصوصا بالنسبة الى الخيّاط فإنّ الشائع إطلاقه على صاحب الصنعة المعروفة.

و الوجه في التفصيل الأخير اختلاف الحال في المشتقّات بعد الرجوع الى العرف و عدم جريانها على نحو واحد في الاستعمالات، و لم يثبت هناك أصل كلّي يعمّ جميعها، و لا وضع نوعي يجري عليه فيها، فينبغي الرجوع في كلّ منها الى ما هو المتبادر منه في العرف، و دلّ عليه أمارات الحقيقة و المجاز.

نعم، لا يبعد البناء على أصالة الحمل على الحال في الصفات المشبّهة و أفعل التفضيل؛ لغلبتهما في ذلك بل لا يعرف فيهما مثال اريد به غير ذلك، و أصالة الحمل على الأعمّ في اسم المفعول؛ لغلبته في ذلك مع احتمال خروج الثلاثة عن محلّ البحث حسب ما مرّ نقله عن الفاضل المذكور.

و أنت خبير بأنّ إرجاع الأمر الى خصوصيّات الألفاظ و البناء على الرجوع الى المتبادر من كلّ لفظ من غير أن يكون هناك معنى ملحوظا في وضع الجميع ينافي كون الوضع نوعيّا في المشتقّات، كما هو المعروف بل الثابت من تتبّع أقوالهم، و ملاحظة المشتقّات الدائرة في المحاورات الجارية.

و أنا الى الآن لم يحضرني قائل بكون الوضع في المشتقّات شخصيّا، فالبناء

386

على ذلك في غاية البعد، و كان الوقف في موضوعها الأوّلي و البناء على النقل فيما يتبادر منه خلاف ذلك أولى من التزام شخصيّة أوضاعها كما لا يخفى.

هذا و الّذي يتقوّى في بادئ النظر أن يقال بالتفصيل بين المشتقّات المأخوذة على سبيل التعدية و لو بواسطة الحرف و المأخوذة على سبيل اللزوم، فالاولى موضوعة للأعمّ من الماضي و الحال، و الثانية موضوعة لخصوص الحال، فيكون هناك وضعان نوعيّان متعلّقين بالمشتقّات باعتبار نوعيها و لو مع اتّحاد الصيغة، فاعتبر في أحدهما حصول الاتّصاف في الجملة، سواء كان حاصلا في الحال أو لا، و في الآخر تحقّقه بالفعل على النحو المذكور.

يشهد بذلك استقراء الحال في المشتقّات، فإنّ ما كان من قبيل الأوّل يكون المتبادر منه هو المعنى الأعمّ، فيصدق أساميها بحسب العرف مع حصول الاتّصاف في الحال و عدمه، كالقاتل و الضارب و البائع و المشتري و المضروب و المنصور و المكتوب و المنقوش و غيرها من الأمثلة ممّا اخذ متعديا، سواء كان من أسماء الفاعلين أو المفعولين.

و ما كان من قبيل الثاني فالمتبادر منه هو الاتّصاف في الحال، كالقائم و القاعد و الجالس و المضطجع و المستلقي و النائم و المستيقظ و الأحمر و الأصفر و الحسن و القبيح و الأفضل و الأحسن الى غير ذلك.

و حيث كانت الصفات المشبّهة و أسماء التفضيل مأخوذة على وجه اللزوم كان المتبادر منها هو الحال و كان استعمالها في الماضي خروجا عمّا يقتضيه وضعها، و لمّا كانت أسماء المفعولين مأخوذة على سبيل التعدية في الغالب كان الغالب صدقها مع زوال المبدأ أيضا، و لو كانت مأخوذة على وجه اللزوم لم تصدق كذلك كالمحموم و المهموم و المغموم و الموجود و المعدوم و نحوها، فإنّ المقصود بها ما ثبت له صفة الحمّى و الهمّ و الغمّ أو الوجود أو العدم من غير ملاحظة تعدية تلك الصفة من الغير اليه، و لو لوحظ ذلك في وضعها بواسطة الحرف كانت كالأوّل كالممرور به و المهدى اليه فتتبع صيغ المشتقّات، و استقراء أقسامها شاهد لما فصّلناه،

387

و لو وجد هناك بعض الصيغ على خلاف ذلك فيمكن القول بثبوت وضع ثانوي بالنسبة اليه و لا ينافي ذلك ما قررناه، إذ الأوضاع النوعيّة إنّما تستفاد من ملاحظة غالب الألفاظ و تتبّع معظم الموارد. هذا ما يقتضيه ظاهر النظر في المقام.

و أمّا ما يفضي اليه التحقيق بعد التأمل في المرام أن يقال بكون المشتقّات موضوعة بإزاء مفاهيم الصفات المدلول عليها بها، فالعالم و القائم و القاعد و الأحمر و الأصفر و نحوها أسام للمفهومات المعيّنة و الصفات المعلومة الجارية على الذوات المتّحدة معها المحمولة عليها، فهي عنوانات لتلك الذوات و مفاهيم يصحّ التعبير عن تلك الذوات بها من جهة اتّحادها معها و اندراجها فيها، و هذا هو المراد باعتبار الذات المطلقة في تلك الأوصاف، فإنّ المقصود بذلك إجراؤها على الذوات و التعبير عن تلك الذوات بها و بالعكس، نظرا الى اتّحادها بها، لا أنّه قد اعتبر هناك صريح مفهوم الذات جزء من مداليلها حتّى يكون مفهوم «الضارب» هو ذات ثبت له الضرب و مفهوم «العالم» ذات ثبت له العلم ... و هكذا و إن أمكن التعبير عنها بذلك حيث إنّها جارية على تلك الذوات، فيقال: إنّ العالم ذات ثبت له العلم، كما أنّه قد يقال ذلك في الجوامد أيضا فيقال: إنّ الحيوان ذات ثبت له الحسّ و الحركة، و ذلك لا يستدعي كون الذات جزء من مفاهيمها.

كيف! و لو كان كذلك لكانت مفاهيم تلك الألفاظ عبارة عن الموصوف و الصفة معا فتكون دالّة على كلّ من الأمرين بالتضمّن، بل و على الاتّصاف أيضا فيكون مفادها مفاد المركّب التامّ أو الناقص، و من البيّن خلافه؛ إذ لا يستفاد منها بحسب الوضع إلّا معنى واحد و مفهوم فارد وضعي عنوان لذات متّصفة بتلك المبادئ، غاية الأمر أن يقال بدلالتها على الذات و الاتّصاف بالالتزام، بناء على وضع اللفظ لتلك المفاهيم من حيث كونها جارية على الذوات بخلاف نفس المبادئ حيث لم تؤخذ عنوانا للذات و لا اجريت عليها و إنّما وضعت للصفات المباينة لموصوفاتها.

و أيضا لو أخذ بظاهر التفسير المذكور كان المشتقّ اسما لنفس الذات المقيّدة

388

بالقيد المفروض على أن يكون القيد خارجا و التقييد داخلا، فإنّ مفاده حينئذ هو الذات المتّصفة بالمبدأ لا مجموع الذات و اتّصافها بالمبدأ، ليكون كلّ من الأمرين جزء ممّا وضع له، فيتخلّص وضعه إذن للذات و يكون معناه الحدثي خارجا عن معناه قيدا فيه، كما في العمى و البصر، و لا ينبغي الريب في فساده.

و مما يشير الى ذلك أيضا أنّها تقع محمولات على الذوات من غير تكلّف و تأويل، و من المقرّر أنّ المأخوذ في جانب الموضوع الذات و في جهة المحمول المفهوم.

كيف! و لو كانت الذات جزء من مفاهيم تلك الصفات لكان في قولك: «هذا الذات ضارب» تكرار للذات، فكأنّك قلت: «هذا الذات ذات ثبت له الضرب» و هو مع ركاكته بعيد عن فهم العرف، كما لا يخفى بعد إمعان النظر.

فإن قلت: إذا لم يكن الذات مأخوذة في مفاهيم تلك الصفات لم يلائم ذلك جعلها موضوعات و الحكم عليها؛ لما تقرّر من اعتبار الذات في جانب الموضوع مع وقوعها موضوعات من غير تكلّف.

قلت: لمّا كانت تلك المفاهيم جارية على الذوات و عنوانات لها صحّ جعلها موضوعات بذلك الاعتبار، ففي قولك: «العالم كذا» قد جعلت «العالم» عنوانا للذات المعيّنة و حكمت على تلك الذات المعلومة بذلك العنوان المندرجة فيه بما ذكر في المحمول ... و هكذا في سائر الأمثلة.

إذا تقرّر ما ذكرناه فنقول: إنّه إذا اريد التعبير عن الذوات بتلك المفاهيم و جعلها عنوانات لها فلا بدّ من صدق تلك المفاهيم عليها و اندراجها فيها، و إلّا لم يصحّ إطلاقها عليها على سبيل الحقيقة؛ إذ ذلك إنّما يكون من قبيل إطلاق الكلّي على الفرد و لا يعقل ذلك إلّا بصدق تلك المفاهيم عليها، فإذا حصل ذلك صحّ التعبير المذكور سواء كانت تلك الذوات مندرجة تحت تلك العنوانات حال التكلّم أو لا، ففي قولك: «كلّ عالم كامل» قد حكمت بثبوت الكمال للذات المتّصفة بالعلم، سواء كان اتّصافها به حال قولك هذا أو قبله أو بعده، فالمقصود ثبوت‏

389

الكمال لها حين الاندراج في ذلك العنوان، فالتعبير المذكور حينئذ ممّا لا إشكال فيه و لا خروج فيه عن مقتضى الوضع أصلا، و الحال فيه كحال سائر الألفاظ الجامدة الموضوعة للمفاهيم الكلّية أو الجزئيّة، و هذا هو المراد بإطلاق المشتقّ على الذات باعتبار حال التلبّس و قد عرفت أنّه لا خلاف في كونه حقيقة جاريا على وفق الوضع.

و أمّا إذا أردت التعبير بها عن تلك الذات بملاحظة حال عدم اندراجها في ذلك العنوان فإن كان ذلك باعتبار ما يحصل من الاندراج بعد ذلك فمن البيّن حينئذ عدم صحّة الإطلاق المذكور على سبيل الحقيقة؛ إذ التعبير المذكور كما عرفت من قبيل إطلاق الكلّي على فرده و المفروض أنّ ما اطلق عليه اللفظ حينئذ ليس من جملة أفراده، فلا يكون ذلك المفهوم حاصلا في ضمنه حتى يصحّ الإطلاق من جهته، فلا بدّ إذن من التصرّف في معنى اللفظ بأن يكون من قبيل استعمال اللفظ فيما يؤول اليه حتّى يصحّ إطلاقه على ذلك الفرد، فيصير اللفظ بذلك مجازا غير مستعمل في المفهوم الّذي وضع له، و هذا ما ذكروه من كونه مجازا في المستقبل.

و قد يجعل ذلك من باب المجاز في الحمل كما في الاستعارة على مذهب السكّاكي، فيكون مجازا عقليّا، إلّا أنّه بعيد عن ظاهر الاستعمالات. نعم، لو قام قرينة على ملاحظته فلا مانع منه.

و هكذا الحال إذا اطلق المشتقّ على الذات بملاحظة حصول الاتّصاف في الماضي إذا كان المنظور صدق المشتقّ في الحال من جهة سبق الاتّصاف بالمبدأ؛ إذ لا معنى لصحّة إطلاق اللفظ عليه على سبيل الحقيقة، مع أنّ المفروض عدم كونه من مصاديقه.

و القول بكون المفهوم من تلك الألفاظ هو المعنى الأعمّ الصادق مع بقاء المبدأ و زواله مدفوع ببعد ذلك عن ظاهر تلك الألفاظ لوضوح عدم حصول ذلك المفهوم فيه بعد زوال المبدأ، و لذا لا يصحّ أن يحمل المشتقّ عليه مع تقييد الحمل بالحال،

390

فلا يقال: «إنّه ضارب الآن» على أن يكون الآن ظرفا للنسبة، و منع صحّة سلبه عنه كذلك كما مرّت الاشارة اليه مما لا وجه له.

كيف! و من البيّن صحّة السلب المذكور بأدنى التفات الى العرف، و هو أقوى شاهد على المجازيّة و عدم كون الموضوع له هو المفهوم الأعمّ من الماضي و الحال.

فإن قلت: لا شبهة في صحّة إطلاق القاتل و الضارب و الناصر و نحوها حقيقة على من تلبّس بتلك المبادئ و لو بعد زوالها، كما يشهد به ملاحظة الاستعمالات العرفيّة، و لذا لا يصحّ سلبها عنه مع الإطلاق كما مر فكيف الجمع بين الأمرين؟.

قلت: يمكن تصحيح كون الإطلاقات المذكورة على سبيل الحقيقة بملاحظة جعل الوصف المفروض عنوانا لتلك الذات، من حيث اتّحادها معه حين اتّصافها به و ثبوت ذلك المفهوم لها، فتلك الذات لمّا كانت أمرا واحدا في الحالين لا تغيير فيها باعتبار ثبوت ذلك الوصف لها و عدمه صحّت الإشارة اليها بذلك العنوان، بملاحظة حال اندراجها فيه و إن لم تكن مندرجة فيه حال الإطلاق، فقد جعل ذلك الوصف من جهة صدقه على تلك الذات حال تلبسها به عنوانا لها و ان ارتفع صدقه عليها بعد ذلك، نظرا الى اتّحاد الذات في الحالين، فاللفظ حينئذ مستعمل فيما وضع له، أعني نفس ذلك المفهوم و جعل ذلك المفهوم عنوانا لتلك الذات مطلقا، فإطلاق ذلك المفهوم على تلك الذات إنّما هو باعتبار حال اتّحادها معه، إلّا أنّه لم يلحظ تلك الذات بشرط الاتّحاد المذكور، بل جعل ذلك عنوانا معرّفا لها في نفسها فيصحّ الحكم عليها مع ملاحظة حال الاتّصاف و بعدها، فإطلاق القاتل على زيد إنّما هو باعتبار حال اتّصافه بالقتل حين صدوره منه، إلّا أنّه جعل ذلك عنوانا معرّفا له و لو بعد انقضاء الاتّصاف.

و قد يجري الاعتبار المذكور في الجوامد أيضا، كما إذا قلت: «أكرم زوجة زيد» و أردت بذلك العنوان بيان الذات الواقعة مصداقا له من غير أن يكون المقصود صدق العنوان عليه حال الإطلاق، بل المراد تعيين تلك الذات بالوجه‏

391

المذكور بملاحظة حال اتّحادها به و صدقه عليها، سواء بقي الصدق أو لا، و لذا يثبت الحكم حينئذ بعد زوال الصدق أيضا و يصحّ الحكم عليها و لو كانت حال الإطلاق خارجة عن ذلك العنوان من غير أن يكون هناك تجوّز في استعماله على النحو المذكور.

نعم، لا بدّ هناك من قيام قرينة على كون المقصود ذلك حيث إنّه مخالف لظاهر متفاهم العرف حال الإطلاق.

فإن قلت: إن إطلاق الكلّي على الفرد ينزّل منزلة حمل ذلك الكلّي على الفرد المفروض حملا شائعا، و لا وجه لصحّة الحمل في المقام بعد انقضاء الاتّصاف؛ لانتفاء الاتّحاد الّذي هو المناط في صحّة الحمل.

قلت: إنّ إطلاقه على الفرد المفروض إنّما هو بملاحظة حال اتّحاده معه، إلّا أنّه جعل ذلك عنوانا لمعرفة تلك الذات و آلة لملاحظتها في نفسها و الحكم عليها من غير اعتبار للوصف العنواني في إطلاقه، و قد تقرّر عدم لزوم اعتبار ذلك في صحّة الحمل فكما أنّه قد لا يعتبر الوصف العنواني في صحّة الحمل فقد لا يعتبر في صحّة عقد الوضع يجعل العنوان آلة لملاحظة الذات المأخوذة في جانب الموضوع، و لذا صحّ تقييد العامّتين باللادوام من دون لزوم تجوّز في اللفظ، فمجرّد الاتّحاد المفروض كاف في صحّة الإطلاق المذكور و جعل ذلك العنوان آلة لملاحظة تلك الذات في نفسها و إن ارتفع الاتّحاد حين الإطلاق، إذ لا منافاة بين ارتفاع الاتّحاد حال الإطلاق و ملاحظة حال حصوله في إطلاق اللفظ.

و حيث كان المعتبر في جانب الموضوع هو الذات و عند وقوع المشتقّ موضوعا للحكم إنّما يراد به الإشارة الى الذات التي وقعت مصداقا له كان المفهوم المذكور ملحوظا من حيث كونه عنوانا للذات و مرآة لملاحظته، فلذا يكثر فيه الملاحظة المذكورة حتّى أنّه قيل بالاتّفاق‏ (1) على كونه حقيقة في الأعمّ عند وقوعه موضوعا، كما مرّ.

____________

(1) باتّفاقهم خ ل.

392

و الوجه فيه في الحقيقة هو ما بيّناه، لا كونه إذن موضوعا للأعمّ كما هو ظاهر الكلام المذكور؛ إذ لا وجه لالتزام وضع خاصّ للّفظ حال وقوعه موضوعا دون سائر الأحوال، و هو و إن جاز عقلا إلّا أنّه عديم النظير في الأوضاع اللفظيّة.

فإن قلت: على هذا لا فرق بين إطلاقه على الذات المفروضة بعد اتّحادها مع المفهوم المذكور أو قبله، إذ كما يصحّ جعل الاتّحاد المفروض حال حصوله مصحّحا لإطلاق اللفظ و جعل ذلك المفهوم آلة لملاحظتها في نفسها من غير لزوم تجوّز فيما إذا حصل الاتّصاف في الماضي فليصحّ ذلك بالنسبة الى المستقبل أيضا.

قلت: الحال على ما ذكرت إلّا أنّه لمّا كان الاتّحاد المفروض حاصلا في الأوّل صحّ جعله عنوانا لمعرفة تلك الذات معرّفا لها، نظرا الى حصول الاندراج بخلاف الثاني، إذ مع عدم حصول الاندراج و الإتّصاف يبعد الاعتبار المذكور بحسب ملاحظة العرف، و لذا لم يجر عليه الاستعمالات العرفيّة، إلّا أنّه لا تجوّز فيما لو اعتبر ذلك و قام عليه القرينة، كما هو الحال في الخاصّتين بجعل الوصف هناك عنوانا للذات مصحّحا للحكم عليه و لو مع زوال الاتّصاف أو عدم حصوله، فإنّ مضمون اللا دوام سلب الحكم عن الموضوع حال عدم اتّصافه بالوصف المأخوذ في العنوان و هو يعمّ الوجهين.

و دعوى التجوّز في الاستعمال المفروض ممّا لا وجه له، بعد ما عرفت، غاية الأمر عدم انصراف اللفظ اليه عرفا مع الإطلاق، لما عرفت من مخالفته لظاهر الملاحظات العرفيّة، و هو لا يقضي بالمجازيّة بعد ثبوت استعمال اللفظ في معناه الموضوع له، حسب ما قرّرناه و إن كان اعتباره كذلك خارجا عن الملحوظ في أنظار العرف.

فإن قلت: على هذا ينبغي صحّة الإطلاق المذكور بالنسبة الى سائر المشتقّات، مع أنّا نرى الفرق بينها فإنّ ما كان مبادئها من قبيل الأفعال الصادرة كالقتل و الضرب و الإكرام و نحوها نجد صحّة استعمالها في الغالب مع زوال المبدأ

393

أيضا، و لذا يقال: «هذا قاتل زيد أو ضاربه أو مكرمه» و إن لم يكن في حال صدور تلك الأفعال منه، و أمّا ما كان من قبيل الصفات كالصغير و الشاب و الحيّ و الأحمر و الأصفر و نحوها فالغالب عدم استعمالها كذلك، و لذا لا يطلق شي‏ء من تلك الألفاظ بعد زوال الاتّصاف سيّما مع طريان الضدّ الوجودي، كما في تلك الأمثلة.

قلت: لا يخفى أنّ ظاهر إطلاق اللفظ بملاحظة معناه الموضوع له على مصداق من المصاديق تحقّق ذلك المعنى في ذلك المصداق بالفعل و اندراجه تحته بحسب الحال الّذي لو حظ إطلاق اللفظ عليه بحسبه و إن لم يكن حال النطق، فإطلاقه عليه باعتبار تحقّقه في زمان سابق و جعل ذلك عنوانا لملاحظة تلك الذات المندرجة تحته و لو بعد زوال الإتّصاف خروج عن مقتضى ظاهر اللفظ، إلّا أنّه لمّا قام الدواعي على ملاحظة ذلك في جملة من المشتقّات كان ذلك باعثا على جريان الإطلاقات عليها كما في الأمثلة المتقدّمة، فإنّه لمّا كان اتّصاف الذات بذلك المبدأ في آن من الأوان و كانت الأغراض متعلّقة بحسب العادة بتعريف تلك الذات و بيانها بالجهة المذكورة جروا في التعبيرات على النحو المذكور، و شاع فيها الملاحظة المذكورة في الإطلاقات العرفيّة بحيث صار الاعتبار المذكور هو الظاهر في كثير منها بخلاف الصفات اللازمة، فإنّ تعريف الذات و بيانها غالبا إنّما يكون بتلك الصفة الحاصلة فيها سيّما مع طريان الضدّ الوجودي فهناك و إن أمكن الاعتبار المذكور بحسب العقل، إلّا أنّه لم تجر العادة به و لم يتعارف في المخاطبات، فلذا لا ينصرف اللفظ اليه مع الإطلاق، بل و لا مع القرينة في بعضها؛ إذ إرادة المجاز من جهة علاقة ما كان قد يكون أقرب منه في الملاحظات العرفيّة، اللّهم إلّا أن يقوم قرينة دالّة على خصوص الاعتبار المذكور كما إذا وقع ذلك موضوعا في الخاصّتين لدلالة اللا دوام بملاحظة المقام على الاعتبار المذكور.

فتحصّل ممّا بيّناه أنّ إطلاق المشتقّات على من زال عنه المبدأ على سبيل الحقيقة كما هو الظاهر في كثير من الأمثلة لا ينافي وضعها لخصوص الحال بالمعنى المذكور، و تبيّن الوجه في الفرق الحاصل بين الأمثلة من غير حاجة الى‏

394

التزام شي‏ء من التفصيلات المذكورة ممّا أورده في تخصيص محلّ النزاع، و ما ذهب اليه الجماعة من المتأخرين فيما حكينا عنهم من التفاصيل، فتأمّل في المقام؛ فإنّه من مزال الأقدام.

تتميم: قد فرّع على الخلاف في المسألة كراهة الوضوء بالماء المسخّن بالشمس بعد زوال السخونة عنه على القول بعدم اشتراط بقاء المبدأ في صدق المشتقّ بخلاف ما لو قيل بالاشتراط، و كذا الحال في كراهة التخلّي تحت الأشجار المثمرة بعد رفع الثمرة، و كذا لو نذر مالا لمجاوري المشاهد المشرّفة أو لساكني بلدة معيّنة أو لخدمة الروضات المعظّمة، أو وقف دارا عليهم، أو أوصى بمال لهم، أو للغزاة أو المعلّمين أو المتعلّمين، أو وقف شيئا عليهم، أو شرط خروج المحدودين أو الفسّاق أو شاربي الخمور و نحوهم عن الوقف ... الى غير ذلك من الأحكام المتعلّقة بنحو تلك الألفاظ، سواء تعلّقت بها في أصل الشرع أو بحسب جعل الجاعل في العقود أو الإيقاعات أو سائر الالتزامات الواقعة من الناس.

و الّذي يقتضيه التأمّل في المقام- حسب ما مرّ من الكلام من القول بوضع تلك الألفاظ للمفاهيم المعيّنة المعلومة الجارية على الذوات الصادقة عليها- أنّ قضيّة تعلّق الحكم بتلك العنوانات اعتبار اندراج الأفراد تحت تلك العناوين و صدقها عليها، إلّا أنّه يختلف الحال فيها من جهة الاختلاف في ملاحظة ذلك العنوان على الوجهين المذكورين، فقد يكون العنوان ملحوظا بذاته فلا بدّ إذن في اندراج المصداق تحت ذلك العنوان من حصوله فيه بالفعل، و قد يؤخذ مرآة لملاحظة الذوات الصادق عليها على الوجه الّذي فصّلناه، و حينئذ يكتفى بتحقّقه في ضمن ذلك الفرد و لو في الماضي، كما في المحدود و الزاني و السارق و القاتل و نحوها و معظم أسماء المفعولين من هذا القبيل، فيكون اندراجه تحت العنوان بعد زوال المبدأ بملاحظة الاعتبار المذكور الملحوظ في ذلك العنوان حسب ما مرّ، و حينئذ فلا بدّ من ملاحظة الحال في اللفظ المفروض و مراعاة ما هو الملحوظ فيه بحسب المحاورات و في خصوص ذلك المقام، و مع الشكّ لا يبعد البناء على‏

395

الوجه الأوّل لما عرفت من أنّه قضية ظاهر اللفظ، مضافا الى أصالة عدم تعلّق الحكم بما عدا ذلك و كذا يختلف الحال فيه من جهة اختلاف المبادئ المأخوذة في المشتقّات فقد يكون المبدأ فيها وصفا أو قولا، و قد يكون ملكة راسخة أو حالة مخصوصة، و قد يكون حرفة و صناعة.

و يختلف الحال في صدق التلبّس بحسب اختلافها فلا بدّ في الأوّل من حصول التلبّس بالفعل في صدقه.

و أمّا الثاني فيعتبر فيه بقاء الملكة و الحالة، و منه شارب الخمر و شارب القهوة و شارب القليان و نحوها، فإنّ المراد بتلك الألفاظ من كان مشتغلا بذلك الفعل و كان ديدنه ذلك، فالمأخوذ مبدأ في تلك المشتقّات هو المعنى المذكور كما يعرف من الرجوع الى العرف، و نحوه الكلام في المجاور و الساكن و القاطن و الخادم و نحوها.

و أمّا الثالث فلا بدّ في صدقه من عدم ترك الحرفة و الإعراض عن الصنعة و إن وقع منه ذلك أحيانا على سبيل الاتّفاق، كما يعرف من ملاحظة موارد استعمال المشتقّات المأخوذة على ذلك الوجه كالبقّال و الخيّاط و الصائغ و التاجر و الحائك و نحوها، و قد يكون المبدأ مشتركا بين الوجوه الثلاثة أو وجهين منها كما في الكاتب و القارئ و نحوهما فيعتبر التعيين من ملاحظة المقام، و يختلف الحال جدّا من جهة ذلك، و لا بدّ من ملاحظة ما هو الظاهر في خصوص كلّ من الألفاظ و مراعاة الأمارات القائمة في خصوص المقامات. فتأمّل.

***

396

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

397

معالم الدين:

أصل‏

لا ريب في وجود الحقيقة اللغويّة و العرفيّة. و أمّا الشرعيّة، فقد اختلفوا في إثباتها و نفيها. فذهب إلى كلّ فريق. و قبل الخوض في الاستدلال، لا بدّ من تحرير محلّ النزاع.

فنقول: لا نزاع في أنّ الألفاظ المتداولة على لسان أهل الشرع، المستعملة في خلاف معانيها اللّغويّة، قد صارت حقائق في تلك المعاني، كاستعمال «الصلاة» في الأفعال المخصوصة، بعد وضعها في اللّغة للدعاء، و استعمال «الزكاة» في القدر المخرج من المال، بعد وضعها في اللّغة للنموّ، و استعمال «الحجّ» في أداء المناسك المخصوصة، بعد وضعه في اللّغة لمطلق القصد. و إنّما النزاع في أنّ صيرورتها كذلك، هل هي بوضع الشارع و تعيينه إيّاها بازاء تلك المعاني بحيث تدلّ عليها بغير قرينة، لتكون حقائق شرعيّة فيها، أو بواسطة غلبة هذه الألفاظ في المعاني المذكورة في لسان أهل الشرع، و إنّما استعملها الشارع فيها بطريق المجاز بمعونة القرائن، فتكون حقائق عرفيّة خاصّة، لا شرعيّة.

و تظهر ثمرة الخلاف فيما إذا وقعت مجرّدة عن القرائن في كلام الشارع؛ فانّها تحمل على المعاني المذكورة بناء على الأوّل، و على‏

398

اللّغويّة بناء على الثاني. و أمّا إذا استعملت في كلام أهل الشرع، فأنّها تحمل على الشرعيّ بغير خلاف.

احتجّ المثبتون: بأنّا نقطع بأنّ «الصلاة» اسم للركعات المخصوصة بما فيها من الأقوال و الهيئات، و أنّ «الزكاة» لأداء مال مخصوص، و «الصيام» لامساك مخصوص، و «الحجّ» لقصد مخصوص. و نقطع أيضا بسبق هذه المعاني منها إلى الفهم عند إطلاقها، و ذلك علامة الحقيقة. ثمّ إنّ هذا لم يحصل إلّا بتصرّف الشارع و نقله لها إليها، و هو معنى الحقيقة الشرعيّة.

و أورد عليه: أنّه لا يلزم من استعمالها في غير معانيها أن تكون حقائق شرعيّة، بل يجوز كونها مجازات.

و ردّ بوجهين: أحدهما: أنّه إن اريد بمجازيّتها: أنّ الشارع استعملها في [غير] معانيها، لمناسبة المعنى اللّغويّ، و لم يكن ذلك معهودا من أهل اللّغة، ثم اشتهر، فأفاد بغير قرينة، فذلك معنى الحقيقة الشرعيّة، و قد ثبت المدّعى؛ و إن اريد بالمجازيّة: أنّ أهل اللّغة استعملوها في هذه المعاني و الشارع تبعهم فيه، فهو خلاف الظاهر؛ لأنّها معان حدثت، و لم يكن أهل اللّغة يعرفونها، و استعمال اللّفظ في المعنى فرع معرفته.

و ثانيهما: أنّ هذه المعاني تفهم من الألفاظ عند الاطلاق بغير قرينة. و لو كانت مجازات لغويّة، لما فهمت إلّا بالقرينة.

و في كلا هذين الوجهين مع أصل الحجّة بحث.

أمّا في الحجّة، فلأنّ دعوى كونها أسماء لمعانيها الشرعيّة لسبقها منها إلى الفهم عند إطلاقها، إن كانت بالنسبة إلى إطلاق الشارع فهي ممنوعة. و إن كانت بالنظر إلى اطلاق أهل الشرع فالذي يلزم حينئذ هو كونها حقائق عرفيّة لهم، لا حقايق شرعيّة.

و أمّا في الوجه الأوّل، فلأنّ قوله: «فذلك معنى الحقيقة الشرعيّة»

399

ممنوع، إذ الاشتهار و الافادة بغير قرينة إنّما هو في عرف أهل الشرع، لا في إطلاق الشارع. فهي حينئذ حقيقة عرفيّة لهم، لا شرعيّة.

و أمّا في الوجه الثاني، فلما أوردناه على الحجّة، من أنّ السبق إلى الفهم بغير قرينة إنّما هو بالنسبة إلى المتشرّعة لا إلى الشارع.

حجّة النافين وجهان.

الأوّل: أنّه لو ثبت نقل الشارع هذه الألفاظ إلى غير معانيها اللّغوية، لفهّمها المخاطبين بها، حيث انّهم مكلّفون بما تتضمّنه. و لا ريب أنّ الفهم شرط التكليف. و لو فهّمهم إيّاها، لنقل ذلك إلينا، لمشاركتنا لهم في التكليف. و لو نقل، فإمّا بالتواتر، أو بالآحاد. و الأوّل لم يوجد قطعا، و إلّا لما وقع الخلاف فيه. و الثّاني لا يفيد العلم. على أنّ العادة تقضي في مثله بالتواتر.

الوجه الثاني: أنّها لو كانت حقائق شرعيّة لكانت غير عربيّة، و اللّازم باطل، فالملزوم مثله. بيان الملازمة: أنّ اختصاص الألفاظ باللّغات إنّما هو بحسب دلالتها بالوضع فيها. و العرب لم يضعوها؛ لأنّه المفروض، فلا تكون عربيّة. و أمّا بطلان اللّازم، فلانّه يلزمه أن لا يكون القرآن عربيّا؛ لاشتماله عليها. و ما بعضه خاصّة عربيّ لا يكون عربيّا كلّه. و قد قال اللّه سبحانه:

«إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا»

.

و أجيب عن الأوّل: بأن فهّمها لهم و لنا باعتبار التّرديد بالقرائن، كالأطفال يتعلّمون اللّغات من غير أن يصرّح لهم بوضع اللّفظ للمعنى؛ إذ هو ممتنع بالنسبة إلى من لا يعلم شيئا من الألفاظ. و هذا طريق قطعيّ لا ينكر. فان عنيتم بالتفهيم بالنقل: ما يتناول هذا، منعنا بطلان اللازم، و إن عنيتم به: التصريح بوضع اللفظ للمعنى، منعنا الملازمة.

و عن الثاني: بالمنع من كونها غير عربيّة. كيف، و قد جعلها الشارع حقائق شرعيّة في تلك المعاني مجازات لغويّة في المعنى اللّغويّ؛ فإنّ‏

400

المجازات الحادثة عربيّة، و إن لم يصرّح العرب بآحادها، لدلالة الاستقراء على تجويزهم نوعها. و مع التنزّل، نمنع كون القرآن كلّه عربيّا، و الضمير في «إنّا أنزلناه» للسّورة، لا للقرآن، و قد يطلق «القرآن» على السورة و على الآية.

فان قيل: يصدق على كلّ سورة و آية أنّها بعض القرآن، و بعض الشي‏ء لا يصدق عليه أنّه نفس ذلك الشي‏ء.

قلنا: هذا إنّما يكون فيما لم يشارك البعض الكلّ في مفهوم الاسم، كالعشرة، فانّها اسم لمجموع الآحاد المخصوصة، فلا يصدق على البعض، بخلاف نحو الماء، فانّه اسم للجسم البسيط البارد الرطب بالطبع، فيصدق على الكلّ و على أيّ بعض فرض منه، فيقال: هذا البحر ماء، و يراد بالماء مفهومه الكلّيّ، و يقال: إنّه بعض الماء، و يراد به مجموع المياه الذي هو أحد جزئيات ذلك المفهوم. و القرآن من هذا القبيل، فيصدق على السورة أنّها قرآن و بعض من القرآن، بالاعتبارين، على أنّا نقول: إنّ القرآن قد وضع- بحسب الاشتراك- للمجموع الشخصيّ وضعا آخر، فيصحّ بهذا الاعتبار أن يقال السورة بعض القرآن.

إذا عرفت هذا، فقد ظهر لك ضعف الحجّتين.

و التحقيق أن يقال: لا ريب في وضع هذه الألفاظ للمعاني اللغويّة، و كونها حينئذ حقائق فيها لغة، و لم يعلم من حال الشارع إلّا أنّه استعملها في المعاني المذكورة. أما كون ذلك الاستعمال بطريق النقل، أو انّه غلب في زمانه و اشتهر حتّى أفاد بغير قرينة، فليس بمعلوم؛ لجواز الاستناد في فهم المراد منها إلى القرائن الحاليّة أو المقاليّة؛ فلا يبقى لنا وثوق بالإفادة مطلقا. و بدون ذلك لا يثبت المطلوب.

فالترجيح لمذهب النافين، و إن كان المنقول من دليلهم مشاركا في الضعف لدليل المثبتين.

401

[الحقيقة اللغويّة و العرفيّة]

قوله: لا ريب في وجود الحقيقة اللغوية ... الخ‏

لمّا كانت الحقائق المذكورة معروفة حكم بوجود الأوّلين و ذكر الخلاف في الثالثة من دون إشارة الى تعريفها، و ما تقدّم من بيان المنقول اللغوي و العرفي و الشرعي لا ربط له بها؛ فإنّ الحقائق المذكورة أعمّ منها.

و قد يعرّف الحقيقة اللغويّة بأنّها اللفظ المستعمل فيما وضع له بحسب اللغة، و الحقيقة العرفية بما استعمل فيما وضع له لا بحسب اللغة.

و الموضوع له في الأول يعمّ جميع المعاني اللغوية المتعدّدة للّفظ الواحد و إن تقدّم بعضها على البعض، بل و لو كان وضعه للثاني مع هجر الأوّل، كما في المنقول اللغوي.

و استظهر بعض المحقّقين من كلام علماء الاصول و البيان أنّ المعتبر في الحقيقة اللغويّة كونها أصليّة غير مسبوقة بوضع أصلا، و على هذا يلزم أن لا يتحقّق مشترك لغوي إلّا مع فرض تقارن الوضعين، و هو كما ترى، و هو أيضا يعمّ الأوضاع المهجورة و الباقية و إن كان المعنى المهجور مجازا بالنسبة الى المعنى الطارئ؛ إذ لا منافاة بين الحقيقة اللغوية و المجاز العرفي و لا ينتقض الحدّ به باعتباره الثاني؛ لاعتبار الحيثية فيه.

و الوضع في الثاني يعمّ الأوضاع التعيينية و التعيّنية الملحوظة فيها المناسبة للمعنى اللغوي و غيره فيندرج فيها المنقولات و المرتجلات العرفيّة و يندرج فيه أيضا الأوضاع العرفيّة المهجورة و غيرها.

و ربما يعزى الى ظاهر البعض اعتبار بقاء الوضع في الحقيقة العرفيّة، فيخرج عنه المهجورة، و هو ضعيف و إدراجه إذن في الحقيقة اللغويّة أضعف.

و ظاهر الحدّ المذكور اندراج الألفاظ المستحدثة في العرفيّة، و هو غير بعيد؛ لخروجها عن حدّ اللغويّة و جعلها واسطة من البعيد، فالأولى إدراجها في العرفيّة، و قد قطع به بعض المحقّقين، و على هذا لا يستلزم الحقيقة العرفية الحقيقة اللغوية، و لا الموضوع اللغوي كما لا ملازمة في العكس.

402

و ربما يظهر من بعضهم‏ (1) اعتبار طروّ الوضع الجديد على الوضع الأصلي في الحقيقة العرفيّة، و حينئذ يخرج الألفاظ المذكورة عنها.

و عليه أيضا لا يثبت الملازمة بين الحقيقتين في شي‏ء من الجانبين؛ إذ لا ملازمة بين الوضع و الاستعمال إلّا أنّه حينئذ يستلزم الحقيقة العرفيّة الموضوع اللغوي.

و ظاهر الحدّ المذكور و غيره إدراج الأعلام الشخصيّة المتجدّدة في الحقيقة العرفيّة.

و أمّا القول بأنّ ظاهرهم حصر العرفيّة في العامّة و الخاصّة و هي غير مندرجة في شي‏ء منهما- أمّا الأوّل فظاهر، و أمّا الثاني فلتصريحهم بكون الوضع فيها من قوم أو فريق و الأعلام الشخصيّة إنّما يكون الوضع فيها غالبا من واحد، و أيضا استعمال الأعلام في مسمّياتها حقيقة من أيّ مستعمل كان و العرفيّة الخاصّة إنّما يكون حقيقة لو كان المستعمل لها من أهل ذلك الاصطلاح- فيمكن المناقشة فيه أوّلا: بمنع الحصر، و كما أنّ ظاهرهم حصر العرفيّة في العامّة و الخاصّة فكذا ظاهرهم حصر الحقيقة في اللغويّة و العرفيّة فأيّ داع للقول بثبوت الواسطة بين الأخيرتين دون الاوليين.

و ثانيا: بالتزامه و إدراجها في العرفية الخاصّة، و اعتبار كون الوضع فيها من قوم أو فريق غير ثابت، بل الظاهر خلافه كما هو قضيّة حدّ العرفية، و ورود مثل ذلك في كلامهم مبنيّ على الغالب.

و القول بأنّ الحقيقة العرفيّة الخاصّة إنّما تكون حقيقة إذا كان المستعمل من أهل الاصطلاح محلّ منع، بل الظاهر أنّه إذا استعمل في كلام أهل ذلك الاصطلاح و كلّ من تابعهم في ملاحظة ذلك الوضع كان حقيقة كما هو الشأن في جميع الحقائق من غير فرق.

____________

(1) صاحب الوافية. (منه (رحمه اللّه)).