هداية المسترشدين - ج1

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
735 /
403

نعم، هناك فرق بين وضع الأعلام الشخصيّة و غيرها من الحقائق العرفيّة، نظرا الى وقوع الوضع فيها بحسب صناعة مخصوصة أو اصطلاح أقوام مخصوصين و عدم اعتبار ذلك في وضع الأعلام، و لذا لا يتفاوت الحال فيها باختلاف الصناعات و الاصطلاحات بل اللغات أيضا، لعدم اختصاص الوضع فيها بشي‏ء من ذلك، و لا ينافي ذلك كونها عرفية خاصّة، نظرا الى صدور الوضع فيها من خاصّ و تبعيّة غيره فيه. فتأمّل.

نعم، ملاحظة ظاهر إطلاقاتهم يعطي خروج ذلك عن العرفيّة، و عدم اندراجها في اللغويّة ظاهر، فتكون واسطة بين الأمرين، و كأنّه لعدم تعلّق غرض بها لم يعتنوا بشأنها و لم يجعلوها قسما برأسه، و حينئذ ينبغي زيادة قيد آخر في حدّ العرفيّة هذه ليخرج ذلك عنها، و ربما يجعل ذلك مندرجا في العرفيّة مغايرا لأقسامها المعروفة، و لا يخلو عن بعد.

و قد يقال بخروجها عن الحقيقة و المجاز و تجعل واسطة بينهما، كما قد يعزى الى الرازي و الآمدي، و هو ضعيف جدّا؛ لعدم انطباقه على شي‏ء من حدود الحقيقة و المجاز الواردة في كلمات علماء الاصول و البيان، و ربما يؤول ما عزي اليهما بما يوافق المشهور.

ثمّ إنّ الحقيقة العرفيّة إمّا عامّة، أو خاصّة، و المناط في عموميّتها عدم استناد الوضع فيها الى عرف شخص مخصوص أو فرقة معيّنة، و عدم كون وضعها في صناعة مخصوصة و حرفة معيّنة- مثلا- فخصوصيتها إمّا أن يكون لكون وضعها في عرف شخص معيّن أو فرقة معيّنة أو لكونه في صناعة مخصوصة و نحوها و إن لم يكن الوضع فيها مستندا الى خاصّ، كما لو قلنا باستناد الوضع في الألفاظ الشرعيّة الى عامّة استعمالات أهل الشريعة الشامل لكافّة العرب بعد شيوع الإسلام، فإنّه لا يجعلها عرفيّة عامّة، فما يظهر من غير واحد من الأفاضل من اعتبار العموميّة و الخصوصيّة بملاحظة من يستند الوضع اليه خاصّة ليس على ما ينبغي.

404

[الحقيقة الشرعيّة]

ثمّ إنّ الحقيقة الشرعيّة مندرجة في العرفيّة الخاصّة، إلّا أنّهم للاعتداد بشأنها جعلوها قسما برأسه، و حينئذ ينبغي زيادة قيد آخر في تعريف العرفيّة ليخرج عنه الشرعيّة، و حينئذ فبين الأقسام المذكورة تباين كلّي كما هو قضيّة تقسيم الحقيقة اليها على ما هو المعروف، و قد يطلق الحقيقة العرفيّة على اللفظ المستعمل فيما هو حقيقة فيه في العرف سواء كان بوضع أهل اللغة أو غيرهم، كما يقال: «إنّ الأصل اتّحاد الحقيقة العرفيّة و اللغويّة حتّى يثبت التعدّد» و كأنّه توسّع في الاستعمال أو أنّه اصطلاح آخر، و كأنّ الأوّل هو الأظهر، و بين العرفيّة بهذا المعنى و اللغويّة عموم من وجه، كما هو الحال بينهما و بين العرفيّة بالمعنى المتقدّم و هو ظاهر.

ثمّ إنّ نفيه الريب عن وجود الحقيقتين و ذكره الخلاف في خصوص الشرعيّة يومئ الى انتفاء الخلاف بالنسبة الى الاوليين و هو كذلك، إلّا أنّ هناك خلافا ضعيفا في خصوص العرفيّة العامّة.

و ربما يعزى الى شذوذ من العامّة و أخباريّة الخاصّة المنع منها، و هو بيّن الفساد؛ و كأنّه مبنيّ على الشبهة المعروفة في عدم تحقّق الإجماع ثمّ العلم به بعد ذلك، فيقال بامتناع اجتماع الكلّ على النقل ثمّ امتناع العلم به، و هو موهون جدّا.

و مع الغضّ عن ذلك فأقصى ما يلزم منه امتناع حصول النقل بالنسبة الى آحاد أهل اللسان المتشتّتين في البراري و البلدان، و أمّا لو اعتبر في المقام حصول النقل بالنسبة الى معظم أهل اللسان من غير ملاحظة لحال جميع الآحاد- كما هو الظاهر- فلا يدلّ على ثبوت الحقيقتين المذكورتين- بعد الاتّفاق عليه- ما يشاهد من الألفاظ المعلوم وضعها بحسب اللغة لمعانيها المعروفة بالتسامع و التظافر بحيث لا مجال فيها للريب، و كذا ما يشاهد من الموضوعات العرفية العامّة و الخاصّة.

و ما قد يناقش في العلم بثبوت الحقيقة اللغويّة من أنّ القدر المعلوم هو وضع تلك الألفاظ لمعانيها المعروفة، و أمّا كون ذلك عن واضع اللغة فغير معلوم؛ إذ ربما كانت كلّها منقولات عن معاني اخر قديمة ممّا يقطع بفساده و على فرض تسليمه‏

405

فثبوت تلك المعاني المهجورة القديمة كاف في ثبوت المطلوب، لما عرفت من كون الحقيقة اللغويّة أعمّ من المهجورة و الباقية، و القول بأنّ القدر اللازم ثبوت وضعها لمعانيها بحسب اللغة و هو لا يستلزم الاستعمال.

مدفوع بأنّ عمدة ثمرات الوضع هو الاستعمال، فسقوط الثمرة المهمّة بالنسبة الى الكلّ، و حصول النقل في الجميع قبل استعمالها ممّا يقضي العادة بامتناعه، و لو سلّم حصول نقل كذلك فإنّما هو بالنسبة الى شذوذ من الألفاظ كما لا يخفى.

قوله: (و أمّا الشرعيّة فقد اختلفوا ... الخ)

الكلام في الحقيقة الشرعيّة يقع في مقامات:

أحدها: في تعريفها و بيان مفهومها.

الثاني: في بيان محلّ النزاع فيها.

الثالث: في بيان الأقوال فيها.

الرابع: في بيان ثمرة الخلاف.

الخامس: في بيان ما يحتجّ به على إثباتها أو نفيها.

و المصنّف (رحمه اللّه) قد أعرض عن الأوّل اكتفاء بشيوعه كما ذكرنا، أو اكتفى عنه بذكر المنقول الشرعي حيث إنّ معظم الموجود من الحقائق الشرعيّة أو جميعها على القول بها من المنقولات الشرعيّة و إن كان مفهومها أعمّ لشموله للمرتجل و غيره كما نصّوا عليه.

و كيف كان، فقد عرّفوها بأنّها اللفظ المستعمل في وضع أوّل شرعي.

و المراد بالوضع الأوّل هو الوضع الّذي لا يعتبر في تحقّقه ملاحظة وضع آخر، و المقصود بذكره إخراج المجاز حيث إنّ الوضع الترخيصي الحاصل فيه ممّا يعتبر فيه وضع الحقيقة.

و قد يورد عليه وضع المنقولات الشرعيّة، فإنّه قد اعتبر فيه ملاحظة وضع المنقول منه فيخرج عن الحدّ معظم الحقائق الشرعية.

406

و يمكن دفعه بأنّه إنّما يعتبر ذلك في تحقّق النقل لا في أصل الوضع، أو يقال: إنّ الملحوظ فيه، إنّما هو المعنى المنقول منه لا خصوص الوضع بإزائه، و هو كما ترى.

و قد يفسّر الوضع الأوّل بما لا يعتبر حال استعمال اللفظ في ذلك الوضع ملاحظة وضع آخر فلا يرد عليه ما ذكر.

و أنت خبير بأنّ إطلاق الوضع إنّما ينصرف الى وضع الحقائق، فلو سلّم تحقّق الوضع المذكور في المجاز بناء على توقّف صحّة التجوّز عليه فلا حاجة الى التقييد المذكور.

و ربما يورد على منعه بدخول الألفاظ الّتي وضعها الشارع ممّا لا ربط له بالشريعة كالأعلام الخاصّة و نحوها، مع أنّها غير مندرجة في الحقيقة الشرعيّة.

و يدفعه ما هو ظاهر من اعتبار الحيثيّة في الحدّ.

ثمّ إنّ ظاهر الحدّ المذكور كغيره إنّما ينصرف الى ما كان الوضع فيه بتعيين الشارع، فلا يشمل ما إذا كان الوضع له حاصلا بالتعيّن من جهة الغلبة و كثرة الاستعمال، و أقصى ما يقال حينئذ إدراج ما يكون التعيّن فيه حاصلا من جهة الغلبة الحاصلة في كلام الشارع بخصوصه و يبقى ما يكون التعيّن فيه حاصلا بكثرة استعمال المتشرّعة في زمانه أو بمجموع الاستعمالين خارجا عن الحدّ، مع اندراجه في الحقيقة الشرعيّة على ما نصّ عليه جماعة.

إلّا أن يقال بأنّ الشارع لمّا كان هو الأصل في استعماله في المعاني المذكورة و كانت استعمالات المتشرعة فرعا على استعماله اسند الوضع الحاصل من استعمال الجميع اليه.

و فيه: أنّ أقصى ذلك أن يكون مصحّحا لإسناد الوضع اليه على سبيل المجاز فكيف يصحّ إرادته، من غير قرينة ظاهرة عليه؟! سيما في الحدود و التعريفات.

و كأنّ الحدّ المذكور و نحوه من الحدود المذكورة في كلامهم مبنيّ على اختيار

407

كون الوضع فيها تعيينيا، كما هو ظاهر مذهبهم.

و لو قيل إنّها اللفظ المستعمل في المعاني الشرعيّة الموضوع لها في عهد صاحب الشريعة كان شاملا للوجهين.

هذا، و اعلم أنّ المحكي عن المعتزلة تقسيم الموضوعات الشرعيّة على وجوه أربعة: و ذلك بأنّها إمّا أن يعرف أهل اللغة لفظها و معناها، أو لا يعرفون شيئا منهما، أو يعرفون اللفظ دون المعنى، أو بالعكس.

و خصّوا الثلاثة الأخيرة بالدينيّة فهي أخصّ مطلقا من الشرعيّة (1). و ربما يخصّ الشرعيّة بالأوّل، و هو إطلاق آخر لها في مقابلة الدينيّة.

و أنت خبير بأنّه لا وجود لقسمين من الأقسام الثلاثة الأخيرة؛ إذ ليس في الألفاظ الشرعيّة لفظ مخترع لا يعرفه أهل اللغة كما اعترف به جماعة، فلا يوجد من أقسام الدينيّة إلّا الثاني.

ثمّ من الظاهر أن جلّ المعاني الشرعيّة أو كلّها امور مستحدثة من صاحب الشريعة لا يعرفها أهل اللغة، فلا يكاد يتحقّق مصداق للحقيقة الشرعيّة غير ما فرض حقيقة دينيّة، فيتّحد مصداقا الحقيقتين في الخارج، و حينئذ فلا يتّجه جعل النزاع في الحقيقة الدينيّة مغايرا للنزاع في الشرعيّة كما وقع في المختصر و غيره حيث اسند القول بثبوت الدينيّة الى المعتزلة بعد اختياره القول بثبوت الشرعيّة.

و قد يوجّه ذلك بأنّ كثيرا من تلك المعاني امور معروفة قبل هذه الشريعة ثابتة في الشرائع السابقة، و هي معلومة عند العرب، و ربما يعبّرون عن كثير منها بالألفاظ الشرعيّة أيضا، إلّا أنّه حصل هناك اختلاف في مصاديق تلك المفاهيم بحسب اختلاف الشرائع كاختلاف مصاديق كثير منها في هذه الشريعة بحسب اختلاف الأحوال، و المفهوم العامّ متّحد في الكلّ، فما لا يكون معروفا أصلا يكون مندرجا في الدينيّة.

____________

(1) في المطبوع: بالمعنى الأوّل.

408

و فيه: تأمّل؛ إذ فيه- بعد الغضّ عن صحّة الوجه المذكور- أنّه لا ينطبق عليه ظاهر كلماتهم حيث نصّوا على حدوث المعاني الشرعيّة، و مع ذلك فمع البناء على كون النزاع في المسألة في الإيجاب و السلب الكلّيين كما سيجي‏ء بيانه لا يتحقّق وجه لما ذكر أيضا، لاندراج الدينيّة إذن في الشرعيّة فيقول بها من يقول بها كلّيا و ينفيها من ينفيها كذلك، إلّا أن يخصّ الشرعيّة بما يقابل الدينيّة، و هو خلاف ظاهر كلماتهم كما ينادي به ملاحظة حدودهم.

ثمّ إنّه قد حكي عن المعتزلة أيضا أنّ ما كان من أسماء الذوات كالمؤمن و الكافر و الإيمان و الكفر و نحوها حقيقة دينيّة، بخلاف ما كان من أسماء الأفعال كالصلاة و الزكاة و المصلّي و المزكّي و نحوها.

و الظاهر أنّهم أرادوا بأسماء الذوات ما كان متعلّقا باصول الدين و ما يتبعها ممّا لا يتعلّق بالأعمال، و بأسماء الأفعال ما كان متعلّقا بفروع الدين ممّا يتعلّق بأفعال الجوارح و نحوها.

و فيه حينئذ مع ما فيه من ركاكة التعبير أنّ دعوى الفرق بين ما كان متعلّقا باصول الدين و ما يتعلّق بالفروع بكون الأوّل ممّا لا يعرف أهل اللغة لفظه أو معناه، بخلاف ما تعلّق بالثاني من وضوح الفساد بمكان لا يحتاج الى البيان.

و الّذي يتحصّل من الكلام المذكور أنّ الحقيقة الدينيّة عندهم ما يتعلّق باصول الدين و يكون الشرعيّة أعمّ من ذلك، أو خصوص ما يتعلّق بأفعال الجوارح بناء على الاحتمال المتقدّم، فتعبيرهم عنها بأنّها ما لا يعرف أهل اللغة لفظها أو معناها أو كليهما فاسد كما عرفت.

و حيث إنّ الحقيقة الشرعيّة منسوبة الى وضع الشارع- كما هو قضيّة حدّها المذكور و غيرها- أو ما هو أعمّ منه حسب ما مرّ فبالحري أن نشير الى معناه.

فنقول: قد نصّ بعضهم بأنّ الشارع هو النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) بل عزى ذلك بعض الأفاضل الى ظاهر كلام القوم، و هو قضيّة ما ذكروه في المقام و غيره فإن ثبت كونه حقيقة عرفية فيه (صلّى اللّه عليه و اله) كما ادّعاه بعضهم فلا كلام، و إلّا فإن اخذ اللفظ على مقتضى وضعه‏

409

اللغوي فصدقه عليه (صلّى اللّه عليه و اله) لا يخلو عن إشكال؛ إذ ظاهر معناه بحسب اللغة: هو جاعل الشرع و واضعه، كما هو المتبادر منه، فيختصّ به تعالى، و قد قال تعالى:

لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً (1) و قال: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً (2) الآية، و قد ورد «الشارع» في أسمائه تعالى.

نعم، إن فسّر الشارع بمبيّن الشريعة صدق عليه (صلّى اللّه عليه و اله) و قد يستند في مجيئه بالمعنى المذكور الى نصّ جماعة من أهل اللغة بكون «شرع» بمعنى سنّ، و قد نصّ في القاموس بأنّ «سنّ الأمر» بمعنى بيّنه، لكنّه حينئذ يشمل الأئمّة (عليهم السّلام) بل سائر العلماء المبيّنين للشريعة.

و الظاهر الاتّفاق على عدم صدقه عليهم، مضافا الى أنّه خلاف المتبادر منه في العرف، و مجي‏ء سنّ بمعنى بيّن على فرض ثبوته لا يستلزم مجي‏ء شرع لذلك.

قلت: و يمكن تصحيح صدقه عليه (صلّى اللّه عليه و اله) على كلّ من الوجهين المذكورين:

أمّا على الأوّل فبانّه (صلّى اللّه عليه و اله) هو الّذي جعل الشرع في الظاهر و وضعه بين الناس و إن كان من تعليم الهي، و هذا القدر كاف في تصحيح صدقه عليه.

و أمّا على الثاني فيقال بأنّه ليس المراد مطلق المبيّن للشرع؛ لبعده عن الإطلاقات جدّا، فعلى فرض مجيئه بالمعنى المذكور ينبغي أن يراد به المظهر له من أوّل الأمر و المبيّن له بعد عدم ظهوره رأسا، و كأنّ مراده من تفسير «سنّ الأمر» بمعنى بيّنه هو ذلك، و هو حينئذ لا يصدق على الأئمّة (عليهم السّلام) و العلماء.

و كيف كان، فالظاهر صدقه على اللّه تعالى أيضا على كل من الوجهين المذكورين، و حينئذ فلو قلنا بأنّ الوضع منه تعالى أو من النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) أو منهما يصحّ النسبة المذكورة على كلّ حال.

و أمّا لو قلنا باختصاص الشارع بمعناه اللغوي به تعالى و قلنا بكونه حقيقة عرفيّة في النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) لم يصحّ النسبة الى أحد الوجهين.

____________

(1) المائدة: 48.

(2) الشورى: 13.

410

إلّا أن يلتزم بإرادة القدر الجامع من الشارع مجازا، أو يقال باستعماله في المعنيين بناء على جواز استعماله كذلك، و هو أيضا على فرض جوازه بعيد جدّا، إلّا أن يقال: إنّ الحقيقة الشرعيّة إنّما نسبت الى الشرع دون الشارع و اعتبر حينئذ في مسمّاه كون وضعه من اللّه تعالى أو النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) سواء خصّصنا الشارع باللّه تعالى أو النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) أو عمّمناه لهما.

ثمّ إنّه قد يصحّح القول بصدق الشارع على النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) بالبناء على تفويض الأحكام اليه في الجملة، للأخبار الكثيرة الدالّة عليه المرويّة من طرق أهل العصمة (عليهم السّلام)(1).

إلّا أنّه يشكل بأنّ عدّة من تلك الأخبار (2) قد دلّت على التفويض الى الأئمّة (عليهم السّلام) أيضا فيلزم صدق الشارع عليهم أيضا.

و الظاهر أنّه خلاف الاتفاق، و أيضا إن قلنا بالتفويض فليس كلّ الأحكام منه (صلّى اللّه عليه و اله) بل جلّها من اللّه تعالى، و قد ورد جملة منها في الكتاب‏ (3) العزيز، فإن صحّ البناء على التفويض فليس الأحكام المنسوبة اليه إلّا آحاد مخصوصة، و صدق الشارع عليه بمجرّد ذلك محلّ إشكال إلّا أن يقال بكون كلّ حكم من الأحكام الشرعيّة شرعا؛ فيكون صدقه على البعض كصدقه على الجملة، كما هو الظاهر؛ و لذا يعدّ اختراع بعض الأحكام تشريعا.

مضافا الى أنّ القول بالتفويض مشكل جدّا فإنّه (صلّى اللّه عليه و اله) كان ينتظر كثيرا ورود الوحي في الأحكام، و قد دلّ نصّ الآية الشريفة على انتظاره لحكمه تعالى في مسألة القبلة (4)، و لو كان الأمر مفوّضا اليه (صلّى اللّه عليه و اله) لما احتاج الى ذلك.

و أيضا دلّت الآية و الأخبار على أنّه (صلّى اللّه عليه و اله) ما كان يأتي بالأحكام من تلقاء نفسه و إنّما كان ما يأتي به امورا مأخوذة من الوحي.

____________

(1) الكافي: ج 1 ص 266- 267 ح 3 و 4 و 5 و 6.

(2) الكافي: ج 1 ص 265- 268 ح 2 و 8 و 9.

(3) آل عمران: 154، الأعراف: 54، يونس: 3.

(4) البقرة: 144.

411

و أيضا قد دلّت الأخبار الكثيرة على أنّ في القرآن تبيان كلّ شي‏ء (1) و أنّه قد أكمل الدين بحيث لم يبق شي‏ء إلّا و بيّن اللّه تعالى حكمه لرسوله، و بيّنه الرسول لأمير المؤمنين (عليه السّلام)، الى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبّع، و كلّ ذلك مناف للقول بالتفويض.

و قد يجمع بين ذلك و بين الأخبار الدالّة على التفويض على أن لا يراد من التفويض المذكور هو التفويض في تشريع الأحكام، و لتفصيل الكلام فيه مقام آخر.

قوله: (فنقول: لا نزاع في أنّ الألفاظ المتداولة ... الخ)

هذا هو المقام الثاني من المقامات المذكورة، و قد يشكل فيما ذكره في بيان محلّ النزاع أنّ ظاهر القائل بثبوت الحقيقة الشرعيّة هو القول بثبوته مطلقا، كما هو ظاهر كلام المصنف (رحمه اللّه) و غيره ممّن حرّر النزاع في المسألة و على ما ذكره من كون النزاع في الألفاظ المتداولة في ألسنة المتشرّعة الكائنة حقيقة عندهم في المعاني الشرعيّة يلزم أن يكون القائل بالثبوت قائلا بثبوت الحقيقة الشرعيّة في جميع تلك الألفاظ.

و هو بيّن الفساد؛ إذ في الألفاظ المذكورة ما لا يعلم استعمال الشارع لها في المعاني الجديدة و مع ذلك فقد يعلم كون بعضها من المصطلحات الجديدة و قد يشكّ فيه، و على فرض استعمال الشارع فيها على سبيل الندرة فقد يشكّ في بلوغها الى حدّ الحقيقة عند قدماء الأصحاب من أرباب الكتب الفقهيّة فضلا عن كونها حقيقة في عهد الشارع. و القول بخلوّ جميع الألفاظ المتداولة عن جميع ذلك واضح الفساد.

و الّذي يقتضيه النظر في المقام أنّ هناك امور إذا حصلت كان عليها مدار البحث في المقام، و القائل بالثبوت إنّما يثبتها مطلقا بالنسبة الى تلك الألفاظ.

أحدها: أن تكون الألفاظ متداولة في ألسنة المتشرّعة من قديم الأيّام، أعني‏

____________

(1) بحار الانوار: ج 92 باب 8 ص 78- 101 لاحظ أخبار الباب.

412

في مبدأ وقوع النزاع في الحقيقة الشرعيّة، إذ من البيّن انتفاء التفاوت في موضوع البحث من ذلك الزمان الى الآن.

ثانيها: أن تكون مستعملة في المعاني الجديدة الشرعيّة بالغة الى حدّ الحقيقة عند المتشرّعة في ذلك الزمان.

ثالثها: أن تكون تلك الألفاظ هي الّتي يعبّر بها الشارع عن تلك المعاني غالبا و يستعملها فيها و يريد بها إفهامها.

و بالجملة: إذا أراد التعبير عن تلك المعاني عبّر عنها بتلك الألفاظ و إن عبّر بغيرها أيضا على سبيل الندرة، فإذا تحقّقت هذه المذكورات كان موردا للنزاع، فالمثبت لها يثبتها في جميع ما كان بالصفة المذكورة و هو معيار الثبوت عنده و المانع ينفيها كذلك، و إذا انتفى أحد الامور المذكورة فليس ذلك من محلّ البحث في شي‏ء.

نعم، قد يحصل الشكّ في اندراج بعض الألفاظ في العنوان المذكور و عدمه؛ و لأجل ذلك يقع الكلام في ثبوت الحقيقة الشرعيّة في بعض الألفاظ من المثبتين لها أيضا، كما هو الحال في عدّة من الألفاظ على ما يعرف من كتب الاستدلال، و يمكن تطبيق ما ذكره المصنف على ما بيّناه، كما لا يخفى على المتأمّل فيها.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ المعروف بين الاصوليين هو القول بالإثبات و النفي المطلقين و لا يعرف بينهم في ذلك قول ثالث، و لذا اقتصر المصنّف (رحمه اللّه) على ذكرهما و كذا غيره في سائر الكتب الاصوليّة من الخاصّة و العامّة، و المعروف بين الفريقين هو القول بالإثبات؛ إذ لم ينسب الخلاف فيه إلّا الى الباقلاني و شرذمة اخرى من العامّة و لا يعرف من الأصحاب مخالف في ذلك و لا نسب الى أحد منهم ذلك، بل حكى جماعة من متقدّميهم الإجماع على ثبوت الحقيقة الشرعيّة في غير واحد من الألفاظ. منهم السيّد و الشيخ و الحلّي، و في ذلك بضميمة ما ذكرناه شهادة على إطباقهم على الثبوت.

و كيف كان، فقد ظهر بين المتأخّرين من أصحابنا القول بالنفي، و ممّن ذهب‏

413

اليه المصنّف و مال اليه جماعة من متأخّري متأخّريهم.

ثمّ إنّه قد أحدث جماعة منهم القول بالتفصيل حيث لم يروا وجها لإنكارها بالمرّة و لم يتيسّر لهم إقامة الدليل على الثبوت المطلق، و لهم في ذلك تفاصيل عديدة:

منها: التفصيل بين العبادات و المعاملات، فقيل بثبوتها في الاولى دون الثانية.

و منها: التفصيل بين الألفاظ الكثيرة الدوران كالصلاة و الزكاة و الصوم و الوضوء و الغسل و نحوها، و ما ليس بتلك المثابة من الألفاظ فالتزم بثبوتها في الاولى دون الثانية.

و منها: التفصيل بين عصر النبي (صلّى اللّه عليه و اله) و عصر الصادقين (عليهما السّلام) و ما بعده، فقيل بنفيها في الأوّل الى زمان الصادقين (عليهما السّلام) و ثبوتها في عصرهما و ما بعده.

و هذا التفصيل في الحقيقة قول بالنفي المطلق؛ لما عرفت من عدم صدق الشارع على الأئمّة (عليهم السّلام) فهو في الحقيقة تفصيل في الحقيقة المتشرّعية و بيان لمبدأ ثبوتها.

و منها: التفصيل بين الألفاظ و الأزمان، فقيل بثبوتها في الألفاظ الكثيرة الدوران في عصر النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) و فيما عداها في عصر الصادقين (عليهما السّلام) و من بعدهما، و هو في الحقيقة راجع الى التفصيل الثاني في المسألة حسب ما عرفت.

و منها: التفصيل أيضا بين الألفاظ و الأزمان، فقال: إن الألفاظ المتداولة على ألسنة المتشرّعة مختلفة في القطع بكلّ من استعمالها و نقلها الى المعاني الجديدة بحسب اختلاف الألفاظ و الأزمنة اختلافا بيّنا، فإنّ منها ما يقطع بحصول الأمرين فيه في زمان النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله).

و منها: ما يقطع باستعمال النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) إيّاه في المعنى الشرعي و لا يعلم صيرورته حقيقة إلّا في زمان انتشار الشرع و ظهور الفقهاء و المتكلّمين.

و منها: ما لا يقطع فيه باستعمال الشارع فضلا عن نقله.

و منها: ما يقطع فيه بتجدّد النقل و الاستعمال في أزمنة الفقهاء.

414

و أنت خبير بعد ملاحظة ما ذكرناه في محلّ النزاع أنّ هذا التفصيل عين التفصيل المتقدّم أو قريب منه، و هو كسابقه راجع الى التفصيل الثاني.

هذا محصّل الكلام في الأقوال و هو المقام الثالث من المقامات المذكورة.

قوله: (و إنّما استعملها الشارع فيها بطريق المجاز)

هذا الكلام يعطي اتّفاق القائلين بثبوت الحقيقة الشرعيّة و منكريها على ثبوت استعمال الشارع لها في المعاني الجديدة.

و فيه: أنّ أحد النقلين عن الباقلاني هو إنكاره للاستعمال في المعاني الشرعيّة رأسا، و إنّما قال باستعمالها في المعاني اللغويّة و جعل الزيادات شروطا خارجة عن المستعمل فيه، و كأنّه لعدم ثبوت هذه النسبة، أو لوهنه جدّا و وضوح فساده لم يلتفت اليه.

[ثمرة القول بالحقيقة الشرعيّة]

قوله: (و يظهر ثمرة الخلاف ... الخ)

هذا هو المقام الرابع من المقامات المذكورة، و قد يشكل الحال فيما ذكره بأنّه إن قيل بكون الوضع هناك تعيّنيا حاصلا من الغلبة و الاشتهار في زمان الشارع- كما هو المتعيّن عند جماعة من المتأخّرين على فرض ثبوت الحقيقة الشرعيّة- فلا يتمّ ما ذكره من الثمرة؛ لعدم انضباط تاريخ الغلبة و لا تاريخ صدور الرواية، فينبغي التوقّف في الحمل.

و القول بأنّ قضيّة الأصل تأخّرهما فيتقارنان، و هو كاف في المقصود مدفوع؛ بأنّ الغلبة ليست ممّا تحصل في آن واحد و إنّما هو من الامور التدريجيّة، فلا وجه للحكم بمقارنته لحال صدور الرواية.

مضافا الى أنّ العبرة في المقام بالظنّ و الأصل المفروض لا يفيد ظنّا في المقام ليمكن الرجوع اليه في معرفة المراد من اللفظ، و ليس الأمر في فهم معاني الألفاظ مبنيّا على التعبّد، مع ما في الأصل المذكور من المناقشة المذكورة في محلّه، على أنّه غير جار في اللفظ الوارد في الروايات المتعدّدة، لمقارنته إذن لواحد منها فيشتبه المقارن بغيره.

415

و قد يجاب عن ذلك بأنّ الغلبة الحاصلة ليست في أيّام وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و اله) بل الظاهر حصولها على القول بها قبل ذلك، فالأصل حينئذ تأخّر ورود الرواية.

و فيه حينئذ ما عرفت من التأمّل في حجّية الأصل المذكور، مع انتفاء المظنّة بمؤدّاه كما في المقام.

مضافا الى أنّ هناك أخبارا صدرت بعضها قبل حصول الغلبة قطعا و بعضها بعده فيرجع الأمر هنا الى المشتبه و لا يقتضي الأصل حينئذ أن يكون هذه الرواية هي المتأخّرة، إلّا أن يقال بكون ذلك من المشتبه بغير المحصور فيجري عليه حكم غير المحصور في المقام، لكن في كلا الدعويين تأمّل كيف! و ليس إلحاقه بالثاني أولى من إلحاقه بالأوّل.

نعم، لو ثبت كون الغلبة حاصلة في أوائل الإسلام أمكن الحكم بتأخّر الرواية، نظرا الى أنّ الغالب تأخّر الأخبار عن ذلك، نظرا الى انتشار الإسلام حينئذ و كثرة المسلمين و وفور الحاجة الى الأحكام.

و كأنّ ما ذكره من الثمرة مبنيّ على ما هو الظاهر من كلام المثبتين من بناء الأمر على كون الوضع تعيينيّا كما هو الظاهر.

و قد يناقش حينئذ أيضا بأنّه ليس تأريخ الوضع أيضا معلوما.

إلّا أنّه مدفوع بأنّ الظاهر حصوله حينئذ من أوّل الأمر؛ إذ الداعي الى ذلك حاصل من الأوّل، و هو قضيّة ما يقام عليه من الأدلّة كما سيأتي الإشارة اليه، و اتّفاق القائلين بالثبوت على الحمل على المعاني الشرعيّة أقوى شاهد على بنائهم عليه.

ثمّ إنّه قد يناقش في المقام بأنّ الحمل على الحقيقة الشرعيّة حينئذ مطلقا مبنيّ على تقديم عرف المتكلّم في المخاطبات، و على القول بتقديم عرف المخاطب أو غيره أو التوقّف يشكل الحكم المذكور مع كون المخاطب من أهل العرف أو اللغة.

و يدفعه أنّ الحقيقة الشرعيّة ليست كغيرها من العرفيّات، بل لا بدّ من حمل‏

416

كلام الشارع عليها مع الإطلاق على كلّ حال؛ إذ هو ثمرة وضعها لذلك و لذا لم يتأمّل أحد في ذلك مع حصول التأمّل في تقديم أحد العرفين.

على أنّ المخاطب إذا كان من أهل الشرع فهو تابع لعرف الشارع إذا كان في مقام بيان الأحكام و إن لم يتبعه في سائر المخاطبات.

قوله: (و على اللغويّة بناء على الثاني)

أراد بها غير الشرعيّة فيعمّ العرفيّة إن ثبت هناك عرف.

و قد يتأمّل في الحمل المذكور أيضا بأنّه قد يقال بحصول الاشتهار في المجاز المفروض؛ إذ لا ينافي القول به القول بنفي الحقيقة الشرعيّة، فحينئذ يبتنى المسألة على تقديم الحقيقة المرجوحة على المجاز الراجح، و لهم فيه أقوال فكيف يحكم بحملها على المعاني اللغويّة على كلّ حال؟ إلّا أن يقال بأنّ المنكرين للحقيقة الشرعيّة ينكرون ذلك أيضا في جميع الألفاظ، و هو كما ترى.

قوله: (و أمّا إذا استعملت في كلام أهل الشرع ... الخ)

أراد به بعد زمان الشارع، إذ من الظاهر أنّ الحال في وروده في كلام أهل الشرع في زمانه كحال وروده في كلامه (صلّى اللّه عليه و اله).

و قد يناقش في ذلك أيضا بأنّ تلك الألفاظ مع البناء على نفي الحقيقة الشرعيّة لم تصر حقيقة في المعاني الجديدة بمجرّد وفاته (صلّى اللّه عليه و اله) و إنّما صارت حقيقة بالتدريج بعد مدّة و لم يتعيّن فيه مبدأ النقل، و حينئذ فإطلاق القول بحمله على المعاني الشرعيّة في كلام أهل الشرع و نفي الخلاف عنه ليس في محلّه.

و كأنّه أراد به كلام الفقهاء المعروفين من أرباب الكتب الفرعيّة و من قاربهم في الزمان؛ إذ لا كلام في ثبوت الحقيقة المتشرعة في تلك الأزمنة.

ثمّ لا يذهب عليك أنّ النزاع في المسألة ليس بتلك المثابة في الفائدة؛ إذ الثمرة المذكورة كما عرفت إنّما هو في صورة انتفاء القرائن و لا يتحقّق ذلك في الألفاظ الموصوفة في الكتاب و السنّة إلّا قليلا، إذ الغالب أنّ في الألفاظ الشرعيّة المستعملة من القرائن المتّصلة أو المنفصلة ما يفيد إرادة المعنى الشرعي، و خلوّ

417

سابق الكلام و لا حقه عمّا يفيد ذلك و انتفاء سائر الشواهد عليه كانّه نادر فيهما، و أيضا معظم أحاديثنا المرويّة في الأحكام الشرعيّة إنّما هي عن الصادقين (عليهما السّلام) و من بعدهما و ليس عندنا من الروايات النبويّة في الأحكام من غير جهتهم (عليهم السّلام) إلّا أقل قليل و لا يكاد يوجد فيما اختصّ غيرهم (عليهم السّلام) بنقله حديث معتبر يمكن التعويل عليه في الأحكام إلّا قليل من الروايات المعتضدة بالشهرة، و مع ذلك فوجود تلك الألفاظ فيها خاليا عن القرينة في كمال الندرة.

و كذا الحال فيما يتعلّق بالأحكام من القرآن؛ لورود تفسير معظم تلك الآيات في الروايات المأثورة عن الأئمّة الهداة (عليهم السّلام)، أو في كلام من يعتمد عليه من أئمّة التفسير، و ورود ما هو من الألفاظ المذكورة فيها من دون ظهور ما هو المراد بوجه إلّا من جهة هذه المسألة قليل أيضا، و حينئذ فملاحظة ما عرفت من عدم صدق الشارع على الأئمّة (عليهم السّلام) لا تكون الثمرة المتفرّعة على هذا المرام بتلك المثابة من الاهتمام.

و إن اريد ترتّب تلك الفائدة عليها بالنسبة الى كلام الصادقين (عليهما السّلام) و من بعدهما من جهته، لوضوح أنّه مع ثبوت الحقيقة في عصر النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) يثبت بالنسبة الى أعصارهم، و أمّا مع عدمه فربما يشكّ بالنسبة الى كلامهم أيضا، ففائدة الخلاف المذكور و إن لم تكن مهمّة بالنسبة الى ما ورد عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) لكنّها مهمّة بالنسبة الى ما ورد عن الأئمّة.

ففيه: أنّ تلك الفائدة و إن ترتّبت على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة إلّا أنّها تترتّب في الحقيقة على الكلام في مبدأ الحقيقة المتشرعة على القول بنفي الشرعيّة أيضا إذا تعيّن حصولها في عصرهما كما هو الظاهر و كأنّه ممّا لا ينبغي التأمّل فيه بل الظاهر كما قيل وقوع النزاع في الحقيقة الشرعيّة في تلك الأعصار مع إطباقهم إذن على ثبوت الحقيقة المتشرعة.

و احتمال ترتّب الفائدة عليه بالنسبة الى الأحاديث النبويّة المرويّة من جهتهم (عليهم السّلام) إن كان هناك لفظ خال عن القرينة.

418

موهون بأنّ الظاهر من نقلهم لها مطلقا في مقام بيان الأحكام مع فرض اختلاف العرف إرادة المعاني الشرعيّة؛ إذ لو لا ذلك لأشاروا اليه و لم ينقلوها على إطلاقها مع كون المنساق عنها في زمانهم خلاف ما أراده النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله).

على أنّ كون المنقول لفظ «النبيّ» (صلّى اللّه عليه و اله) في الغالب غير معلوم، بل لا يبعد أن يكون إسنادها الى النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) غالبا من جهة التقيّة، كما في روايات السكوني و أضرابه، نظرا الى كون جميع ما عندهم مأخوذا عنه (صلّى اللّه عليه و اله) و كلّما يذكرونه من الأحكام فهو عن الرسول (صلّى اللّه عليه و اله) عن جبرئيل عن اللّه تعالى.

و بالجملة: ليس المقصود عدم ترتّب فائدة على المسألة و لا غناء الفقيه عنها بالمرّة- إذ لا شكّ في لزوم معرفتها و استفراغ الوسع في تحصيلها، لاحتمال اختلاف الحكم من جهتها و توقّف بعض المسائل عليها- بل المدّعى أنّها ليست بتلك المكانة من الحاجة بحيث يتوقّف الأمر عليها غالبا و يكون استنباط الأحكام من جهتها كثيرا، بل لا يتوقّف الحكم عليها إلّا في أقلّ قليل من المسائل، كما لا يخفى بعد ممارسة كتب الاستدلال.

[حجّة المثبتين‏]

قوله: (إنّ الصلاة اسم للركعات ... الخ)

ظاهر قوله: «اسم» يعطي كونها حقيقة في ذلك، و حينئذ فذكره المقدّمة الثانية المشتملة على دعوى القطع بكونها حقيقة فيها من جهة تبادرها منها ليس بمتّجه، بل ينبغي جعل ذلك دليلا على المقدّمة الاولى.

و القول بكون تلك المقدّمة مسوقة لأجل الاحتجاج على الاولى و إن عطفها عليها بعيد جدّا و ان كان ذلك ظاهر كلامه الآتي في الإيراد سيّما مع دعوى القطع بالمقدّمة الاولى، و دعوى القطع بالثانية مع زيادة لفظة «أيضا» إذ لو كان القطع بالاولى حاصلا عن الثانية لم يصحّ التعبير بذلك.

فالأظهر أن يحمل قوله: «اسم» على مجرّد استعمالها في المعاني المذكورة و كونها مفيدا لها في الجملة؛ دفعا للاحتمال المعزى الى الباقلاني من إنكاره استعمال تلك الألفاظ في المعاني الشرعيّة الجديدة، و حينئذ فيكون المقدّمة الثانية في محلّها.

419

نعم، قد يحمل المقدّمة الثانية على دعوى القطع بسبق تلك المعاني في إطلاق الشارع، و حينئذ يمكن حمل قوله: «اسم» على ظاهره و يراد به ذلك بالنسبة الى استعمالات المتشرّعة، إلّا أنّه حينئذ تكون المقدّمة الثالثة- أعني خصوص دعواه عدم حصول ذلك إلّا بتصرّف الشارع و نقله- لغوا لثبوت المدّعى حينئذ بالمقدّمتين المذكورتين.

إلّا أن يقال بأنّ تلك المقدّمة ليست لإثبات مجرّد كونها حقيقة بل لخصوصيّة كونها على سبيل التعيين حيث إنّ الحقيقة الشرعيّة هو ذلك عندهم، كما يقضي به ظاهر حدّها المعروف، و يومئ اليه ظاهر الثمرة المتفرّعة على القولين.

أو يراد ب «تصرّف الشارع و نقله» مجرّد استعمال الشارع و نقله من المعاني اللغويّة اليها و لو على سبيل المجاز و يكون مقصوده من بيان ذلك و إن كان واضحا إظهار كون الشارع هو الأصل في استعمالها في المعاني الجديدة، ليتّجه نسبتها إذن الى الشارع و إن كان وصولها الى حدّ الحقيقة بضميمة استعمالات المتشرّعة في زمانه، و كلا الوجهين لا يخلو عن تعسّف، فتأمّل.

قوله: (ثمّ إنّ هذا لم يحصل ... الخ)

لا يخفى أنّه لو جعل المقدّمتين المتقدّمتين لإثبات الحقيقة في لسان المتشرّعة كما هو أحد الوجوه المذكورة ثمّ اريد بذلك إثبات كونه بوضع الشارع ليثبت كونها حقيقة شرعيّة كان ما ذكر مصادرة على المطلوب؛ إذ ليس ذلك إلّا عين المدّعى، فإنّ الكلام كما مرّ في أنّ وضع الألفاظ المذكورة بإزاء المعاني المعروفة هل هو من جعل الشارع و تعيينه، أو من الاشتهار في ألسنة المتشرّعة؟

و ليس في المقدّمة المذكورة سوى دعوى كونه من جعل الشارع و تعيينه، و هو عين ذلك المدّعى.

قوله: (إنّه لا يلزم من استعمالها في غير معانيها ... الخ)

لا يخفى أنّ هذا الإيراد لا يرتبط بشي‏ء من المقدّمات المذكورة؛ إذ ليس في كلام المستدلّ استناد الى دلالة مجرّد الاستعمال على الحقيقة حتّى يورد عليه بمنع ذلك.

420

و قد يوجّه ذلك بجعله منعا للمقدّمة الأخيرة حيث ادّعى أنّ كونها حقيقة إنّما كان بتصرّف الشارع و نقله فذكر أنّ القدر المسلّم من تصرّف الشارع فيها هو استعماله إيّاها في المعاني المذكورة و لا يلزم من ذلك كونها حقائق شرعيّة، و أمّا نقلها الى المعاني الشرعيّة على سبيل التعيين أو التعيّن فغير معلوم، فاقتصر في بيان ذلك على ما ذكر لوضوح الحال، و هو كما ترى.

قوله: (إنّه إن اريد بمجازيّتها أنّ الشارع ... الخ)

فيه:- مع عدم كون شي‏ء من الوجهين المذكورين تفسيرا للمجازيّة، بل قد اخذ مع مجازيّتها أمر آخر مردّد بينهما- أنّ الوجوه غير منحصرة في ذلك؛ لإمكان أن يكون الشارع قد استعملها في غير معانيها و لم تشهر في زمانه الى أن تبلغ حدّ الحقيقة، هذا إذا أراد بالاشتهار الاشتهار و الغلبة في زمانه (صلّى اللّه عليه و اله)، و إن أراد الأعمّ فهو واضح الفساد، كما سيشير اليه المصنّف.

قوله: (فهو خلاف الظاهر ... الخ)

فيه: أنّ تلك الخصوصيّة ممّا لا ربط له بالمقام؛ إذ لو فرض بلوغها الى حدّ الحقيقة في زمان الشارع كانت حقيقة شرعيّة أيضا و إن كانت الخصوصيّة المفروضة خلاف الظاهر، و إن لم تبلغ اليها في زمانه لم تكن و إن كانت المعاني من مستحدثات الشارع، فالمناط بلوغ تلك الألفاظ حدّ الحقيقة في تلك المعاني في عصره، سواء كان أهل اللغة يعرفون تلك المعاني أو لا.

قوله: (فلأنّ دعوى كونها أسماء ... الخ)

فيه: أنّه لم يستدلّ على كونها حقائق شرعيّة بمجرّد تينك المقدّمتين حتّى يتوجّه المنع المذكور، بل ضمّ اليهما مقدّمة اخرى فيكون الثابت منهما الوضع في زمان المتشرّعة غير هادم للاستدلال، فالمناسب منع المقدّمة الثالثة.

نعم، ما ذكره يتّجه على بعض الوجوه السالفة في بيان الاستدلال، و حمل كلام المستدلّ عليه بعيد جدّا، كما أشرنا اليه.

قوله: (فلما أوردناه على أصل الحجّة ... الخ)

421

قد يقال: إنّ دعوى تبادر تلك المعاني منها لمّا كانت من قدماء الاصوليين و كانت أعصارهم قريبة من عهد الشارع فلا يبعد علمهم بالحال بالنسبة الى زمانه (صلّى اللّه عليه و اله)، فمجرّد منعه من التبادر من جهة بعد العهد و خفاء الحال لا يكون دافعا للاستدلال بالنسبة اليهم مع علمهم بها، بل هو الظاهر عندنا أيضا، كما يظهر من تتبع موارد استعمالاتها في المنقول من كلام الشارع و المتشرّعة في ذلك العصر، غاية الأمر أن لا يتمّ ذلك بالنسبة الى كلّ الألفاظ فيتمّ الاحتجاج بعدم القول بالفصل حسب ما مرّ.

[حجّة النافين‏]

قوله: (لفهّمها المخاطبين بها)

فيه: أنّ ذلك إنّما يلزم لو قلنا بحصول النقل على سبيل التعيين و أمّا لو قيل به على سبيل التعيّن فلا، بل ملاحظة الغلبة كافية بالنسبة اليهم و الى من بعدهم ممّن يقف على استعمالاتهم، كما هو الحال في سائر المنقولات الحاصلة بالغلبة سيّما إذا قلنا باستناد النقل الى مجموع استعمالات الشارع و المتشرّعة.

و اورد عليه أيضا بأنّ ما يقضي به الوجه المذكور لإثبات هذه المقدّمة هو وجوب تفهيم المراد من تلك الألفاظ، و هو كما يحصل ببيان الوضع كذا يحصل ببيان المراد من الألفاظ المذكورة، و قد حصل ذلك بالبيانات النبويّة حيث روي في تفسير الألفاظ المستعملة في غير المعاني اللغويّة أحاديث كثيرة.

و اجيب عنه بأنّ ثمرة الخلاف إنّما تظهر في الألفاظ الخالية عن القرينة المتّصلة أو المنفصلة كما سبق، فلو ثبت نقل الشارع لهذه الألفاظ من معانيها اللغويّة كانت تلك المعاني مرادة من الألفاظ الخالية عن القرينة كما هو شأن الحقائق، فلا بدّ إذن من بيان كون تلك المعاني مرادة، و ذلك إمّا ببيان المراد، أو بيان الوضع، و المفروض انتفاء الأوّل فتعيّن الثاني و هو ما أردناه.

و اجيب أيضا بأنّ فائدة الوضع أن يستغنى عن القرينة في الاستعمال؛ إذ لو نصب القرينة كلّما استعمل في تلك المعاني لعرى الوضع عن الفائدة، و من البيّن أنّه مع عدم إفهام الوضع و إعلامه المخاطبين لا يستغنى عن القرينة في الاستعمال.

422

و اورد عليه أنّه لو تمّ ذلك لكان دليلا آخر لا تتميما لهذا الدليل؛ إذ بعد أخذ هذه المقدّمة- أعني انتفاء فائدة الوضع على تقدير عدم الإعلام- يلغو حديث كوننا مكلّفين و اشتراط التكليف بالفهم، إذ يمكن تقرير الدليل مع طرح تينك المقدّمتين، بأن يقال: لو ثبت النقل لزم الإعلام به، و إلّا لعرى الوضع عن الفائدة و التالي باطل لما ذكر من انتفاء التواتر الخ، و بناء الإعتراض على الدليل المذكور في الأصل لا على هذا الدليل، ففي هذا الجواب تسليم للإعتراض و تغيير للدليل.

قلت: مبنى هذا الجواب و الجواب المتقدّم أمر واحد، و لا يتمّ الاحتجاج في شي‏ء منهما بدون أخذ المقدّمتين المذكورتين؛ لابتناء الأمر في الجواب الأوّل على كون المراد من الألفاظ الخالية عن القرائن هو المعنى الشرعي دون المعنى اللغوي.

و هذا المجيب قد اعتبر ذلك أيضا و إن لم يصرّح به، ضرورة أنّ هناك ألفاظا خالية عن القرائن و أنّه اريد منها أحد المعنيين، إلّا أنّه قد استند الأوّل في حملها على المعاني الشرعيّة الى اتّفاق الفريقين عليه حيث جعلوا ذلك ثمرة للنزاع، و في الجواب المذكور قد استند فيه الى ما هو المنشأ لذلك الاتّفاق، فإنّه لو التزم في إفهام تلك المعاني بالإتيان بالقرائن ليكون المراد بالألفاظ الخالية عنها هو المعنى اللغوي لعرى الوضع عن الفائدة؛ لوضوح أنّه مع عدم الإعلام بالوضع يفتقر إفهام الموضوع له الى الإتيان بالقرينة بخلاف إفهام المعنى الأوّل على ما كان الحال عليه قبل الوضع.

و إذا بطل حمل الألفاظ العارية عن القرينة على المعاني اللغويّة في صورة تحقّق الوضع لها إمّا لاتّفاق الفريقين عليه، أو لزوم عراء الوضع عن الفائدة فلا بدّ إذن من إفهام الوضع؛ إذ لا شكّ في كوننا مكلّفين بما تضمّنه و أنّ الفهم شرط التكليف ... الى آخر الدليل، فجعل هذا الجواب مبنيّا على تغيير الدليل بخلاف الوجه الأوّل ليس على ما ينبغي؛ إذ لو كان الاستناد الى عدم حمل المطلقات حينئذ على المعنى اللغوي موجبا لذلك فهو مشترك بين الوجهين، و إلّا فلم يعتبر في‏

423

الثاني ما يزيد على ذلك عند التحقيق و إن كان ظاهر تقريره قد يوهم خلاف ذلك.

و قد ظهر بما ذكرنا أنّ ما ذكر من إمكان تقرير الدليل بطرح المقدّمتين المذكورتين ليس بمتّجه، و ما ذكر في بيانه من الاكتفاء في إثبات الملازمة بانتفاء فائدة الوضع إنّما يتمّ مع أخذ هاتين المقدّمتين، فإنّه حينئذ إمّا أن يلتزم في إرادة الموضوع له من مراعاة القرينة فيراد من المطلقات هو المعنى السابق ففيه خلوّ الوضع عن الفائدة، و إمّا أن يراد منها المعنى الموضوع له بمجرّد الوضع له من غير إعلام و هو باطل؛ إذ لا يفهم المقصود حينئذ بمجرّد ذلك، و لا شكّ في كوننا مكلّفين بما تضمّنه و أنّ الفهم شرط التكليف، فإبطال هذه الصورة يتوقّف على ملاحظة المقدّمتين المذكورتين و بذلك يتمّ الدليل. فتأمّل.

قوله: (لمشاركتنا لهم في التكليف)

لا يخفى أنّ مجرّد المشاركة في التكليف لا يقضي بنقل الوضع الينا، و وجوب ذلك عليهم غير معلوم؛ لاحتمال اكتفائهم في معرفة ذلك بما يظهر من استقراء كلام الشارع و استعمالاتهم، و على فرض التسليم فلا عصمة فيهم يمنع من ترك الواجب أو الغفلة عنه، و مع الغضّ عن ذلك فالواجب بيانهم لما هو مراد الشارع منها و هو حاصل بتفسيرهم لما أطلقه الشارع ممّا أراد به المعاني الشرعيّة، و إطلاقهم ما اريد به المعاني اللغويّة و لو بترك القرينة المنضمّة اليها، لانتفاء الحاجة اليها مع عدم بيان النقل.

لا يقال: إنّه مع وضع الشارع لتلك الألفاظ لا بدّ من حمل المطلقات عليه اتّفاقا، فكيف يقال بحملها حينئذ على المعاني اللغويّة؟.

إذ نقول: إنّ الاتّفاق إنّما هو بعد ثبوت الوضع لا بمجرّد احتماله، و المقصود ممّا ذكرنا عدم صحّة الاستناد الى الوجه المذكور في لزوم بيان النقل الينا على تقدير حصوله، نظرا الى قيام الاحتمال المذكور.

قوله: (و إلّا لما وقع الخلاف فيه)

فيه: أوّلا: أنّه منقوض بوقوع الخلاف في كثير من المتواترات، و ثانيا:

424

أنّ مجرّد كون الشي‏ء متواترا لا يقضي بانتفاء الخلاف فيه؛ لإمكان حصوله عند قوم دون آخرين أو عدم إفادته القطع للبعض أو الكلّ نظرا الى وجود ما يمنع منه، كما بيّن في محلّه.

و يجاب عنه بأنّا ننقل الكلام إذن الى الفرقة الّتي لم يتواتر بالنسبة اليهم، فنقول: إنّ التواتر مفقود و الآحاد غير مفيد.

و فيه: أنّ الكلام في عدم صحّة الاستناد في انتفاء التواتر بلزوم انتفاء الخلاف، و هذا الكلام على فرض صحّته لا يصحّح الاستناد اليه، فالإيراد بحاله.

قوله: (و الثاني لا يفيد العلم)

اورد عليه بأنّ تفهيم المعنى المراد كاف في المقام، و ليس ذلك مسألة اصولية ليعتبر فيه القطع، بل هو بيان لما اريد من اللفظ، و المسألة الاصولية هي معرفة وضع الشارع لها، و هو غير لازم.

و يدفعه أنّ هذا راجع الى منع إحدى المقدّمتين المذكورتين من لزوم إعلام الشارع بالوضع و لزوم نقل المخاطبين الينا، و قد مرّ الكلام فيه، و لا ربط له يمنع هذه المقدّمة بعد تسليم المقدّمتين المتقدّمتين.

ثمّ لا يذهب عليك أنّ ما ادّعاه من اعتبار القطع في المقام كلام في غاية السقوط؛ لكون المسألة من مباحث الألفاظ و هي ممّا يكتفى فيها بالظنّ اتّفاقا، و لو استند فيه الى ما اشتهر من وجوب القطع في الاصول.

ففيه أوّلا: أنّه لم يقم حجّة عليه؛ إذ ليست المسائل الاصوليّة إلّا كغيرها من الأحكام الشرعيّة، و لا بدّ فيها من القطع أو الظنّ المنتهى اليه.

و ثانيا: أنّ المراد بالاصول هناك اصول الدين لا اصول الفقه.

و ثالثا: بعد التسليم فمباحث الألفاظ خارجة عنها قطعا، و التفصيل بين الأوضاع الشرعيّة و غيرها من اللغويّة و العرفيّة، كما قد يحتمل في المقام غير معقول؛ لاتّحاد المناط في الكلّ، بل الظاهر الاتّفاق عليه كذلك.

ثمّ إنّ عدم إفادة الآحاد للعلم لا يقضي بعدم حصول النقل الّذي هو تكليف‏

425

الحاضرين، فغاية الأمر عدم ثبوته بذلك عندنا، و هو لا يقضي بانتفائه في الواقع، كما هو المقصود.

فإن قلت: إنّ الواجب على الحاضرين إبلاغه بطريق التواتر؛ إذ لا فائدة في نقل الآحاد في المقام.

قلت: لا معنى لوجوب نقله متواترا على كلّ من الآحاد، فغاية الأمر وجوب النقل آحادا على كلّ منهم لحصول التواتر بالمجموع، و ليس الجميع عدولا لئلّا يتهاونوا بالتكليف، على أنّه قد يحصل مانع آخر من حصول التواتر في الطبقات.

قوله: (إنّما هو بحسب دلالتها بالوضع فيها)

إن أراد بذلك حصول الوضع في تلك اللغة من أرباب اللسان فمسلّم و لا يثبت به المدعى؛ إذ المفروض كون الشارع من العرب و سيّدهم، و لو فرض كون الواضع لها هو اللّه تعالى فكون النقل بحسب ذلك اللسان كاف فيه، كما أنّ وضعه كذلك كاف في الانتساب الى اللغة لو قلنا بكون واضع اللغات هو اللّه سبحانه لاتّحاد الواضع اذن في الكلّ، و إن اعتبر وقوع الوضع من واضع أصل اللغة فممنوع، بل ظاهر الفساد؛ لوضوح كون المنقولات العرفيّة العامّة و الخاصّة مندرجة في العربيّة مع كون الوضع فيها من غيرهم، على أنّه لا يتمّ لو قلنا بأنّ واضع اللغات هو اللّه تعالى، و قلنا بكون الوضع في الحقيقة الشرعيّة منه تعالى.

[ردّ حجّة النافين‏]

قوله: (باعتبار الترديد بالقرائن)

اورد عليه بأنّ العلم بالترديد بالقرائن لو حصل للكلّ لم يقع خلاف، و إلّا لنقلنا الكلام الى من لم يحصل له العلم، فنقول: إنّ علمه إمّا بالتواتر، أو بالآحاد ... الخ.

و يدفعه أنّ الترديد بالقرائن قد حصل بالنسبة الى الحاضرين، و هم قد نقلوا تلك الأخبار على حالها ليقف من بعدهم على الحال، فإن لم يحصل هناك علم لبعضهم فلا مانع، و كون طريق معرفته حينئذ منحصرا في التواتر و الآحاد و عدم حصول الأوّل و عدم الاكتفاء بالثاني لا يقضي بعدم حصول التفهيم لهم و نقلهم ما يفيد ذلك، فكيف يمكن تتميم الاحتجاج بمجرّد ذلك؟.

426

قوله: (كيف! و قد جعلها الشارع حقائق شرعيّة في تلك المعاني مجازات لغويّة في المعنى اللغوي)

لا يخفى أنّ الألفاظ المذكورة إنّما تكون حينئذ مجازات لغويّة في المعنى الشرعي لا في المعنى اللغوي، و لو اريد به صيرورتها مجازات في معناها اللغوي بعد النقل فهو ممّا لا ربط له بالمقام، مع أنّها حينئذ تكون مجازات شرعيّة لا لغويّة.

و قد يتكلّف في توجيهه بأنّ المراد من قوله: «في المعنى اللغوي» بالنسبة الى المعنى اللغوي أي بملاحظة ما وضع لها في اللغة، فالمراد أنّ تلك الألفاظ صارت حقائق شرعيّة في المعاني الحادثة بالنسبة الى العرف الشرعي مجازات لغويّة فيها بالنسبة الى اللغة.

ثمّ لا يذهب عليك أنّ الألفاظ المذكورة إذا استعملها الشارع حينئذ في المعاني الشرعيّة كانت حقائق شرعيّة، و ليست بهذه الملاحظة مجازات أصلا، و إن استعملها غيره في تلك المعاني من غير تبعيّته- بل من جهة مناسبتها لمعناها اللغوي- كانت مجازات لغويّة و لم تكن حينئذ حقائق شرعيّة.

فإن أراد المصنّف بذلك اجتماع تينك الصفتين في لفظ واحد في آن واحد بالاعتبارين كما هو الظاهر من العبارة المذكورة فذلك فاسد قطعا؛ إذ لا يمكن اجتماع الأمرين كذلك، كما هو ظاهر من حدّيهما لاعتبار الحيثيّة في كلّ منهما.

و إن أراد كونها مجازات لغويّة لو استعملت فيها بمناسبة المعاني اللغويّة من غير ملاحظة لوضعها في الشرع فهو غير مجد فيما هو بصدده، فإنّ كونها مجازات لغويّة من تلك الجهة يقضي بكونها عربيّة لو استعملت على تلك الجهة، فمن أين ثبت كونها عربيّة لو استعملت فيها من جهة الوضع لها مع الفرق الظاهر بين الجهتين؟ فإنّ الاستعمال في الاولى من جهة تبعيّة الواضع بخلاف الثانية.

و غاية ما يوجّه به ذلك أن يقال: إنّ مراده من ذلك بيان تقريب للحكم، فإنّ تلك الألفاظ بالنظر الى استعمالها في تلك المعاني إذا كانت عربيّة لم يخرجها الوضع الشرعي من ذلك، لعدم تصرّف الشارع حينئذ في اللفظ و لا في المعنى، و هو كما ترى.

427

و من الغريب ما قيل‏ (1) في توجيهه من أنّ تلك الألفاظ حال استعمالها في المعاني الشرعيّة حقائق شرعيّة فيها مجازات لغويّة عند صدور استعمالها فيها من أهل اللغة، فيكون المراد أنّ تلك الألفاظ حقائق شرعيّة بالفعل مجازات لغويّة بالقوّة، و هذا القدر كاف في اتّصافها بوصف العربيّة، إذ بعد صيرورة القوّة فعلا تكون عربيّة لا محالة.

قلت: فهي إذن غير عربيّة لكنها قابلة لأن تكون عربيّة لو استعملت على غير هذا النحو، و أين ذلك من الحكم بكونها عربيّة بالفعل؟ كما هو المفروض في كلام المجيب، إلّا أن يحمل ما ذكره المجيب على المجاز و يجعل ذلك علاقة للتجوّز، و هو مع ما فيه من التعسّف- لعدم ملائمته لسوق كلامه- غير كاف في دفع الاستدلال.

قوله: (و مع التنزّل نمنع ... الخ)

لا يخفى أنّ هذا الكلام صدر من المجيب في مقام المنع لإبداء المناقشة فيما استند اليه المستدلّ و إن لم يكن موافقا للتحقيق، فإنّ كون القرآن كلّه عربيّا أمر واضح غنيّ عن البيان، و قد قال اللّه تعالى: لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَ عَرَبِيٌ‏ (2).

فالأولى مع التنزّل أن يقال بأنّ وجود غير العربي فيه لا يقضي بعدم كونه عربيّا؛ إذ المناط في صدق العربي و العجمي على النظم و الاسلوب كما هو ظاهر، كيف! و قد ورد المعرّب و الرومي و الأعلام العجميّة و غيرها في القرآن و ليست بأقرب الى العربيّة من الحقائق الشرعيّة.

قوله: (و التحقيق أن: يقال ... الخ)

ما حقّقه في المقام إنّما يتمّ إذا أفاد الظنّ بانتفاء الوضع تعيينا و تعيّنا، و أمّا مع الشكّ في ذلك- نظرا الى شيوع الخلاف فيه من قديم الزمان و ذهاب المعظم الى‏

____________

(1) ذكره بعضهم في كتاب له في المبادئ اللغوية. (منه (رحمه اللّه)).

(2) سورة فصلت: 44.

428

الثبوت و قيام بعض الشواهد على النقل- فإنّه و إن فرض عدم إفادتها الظنّ في مقابلة الأصل لتنهض حجّة على الإثبات إلّا أنّه لا أقلّ من الشكّ كما هو معلوم بالوجدان بعد الغضّ عن الأدلّة المفيدة للظنّ.

و كأنّه الظاهر من آخر كلامه حيث قال: «إنّه لا يبقى لنا وثوق بالإفادة مطلقا» فلا وجه للحكم بالنفي من جهة الأصل، إذ ليست حجّية الأصل في مباحث الألفاظ من باب التعبّد و إنّما هي من جهة إفادة الظنّ، فمع عدم حصول الظنّ من جهته لا وجه للرجوع اليه و الحكم بمقتضاه مع عدم حصول ظنّ بما هو مراد الشارع من تلك الألفاظ.

و الحاصل: أنّه لا شكّ في حمل تلك الألفاظ على المعاني اللغويّة بالنسبة الى ما قبل الشرع، و كذا في الحمل على المعاني الشرعيّة في عرف المتشرّعة، و قد حصل الشكّ في زمان الشارع في كون الحال فيه حال زمان المتشرّعة أو حال ما قبل الشريعة، فمع الشكّ لا وجه لتعيين أحد الوجهين و حمل الحديث على أحد المعنيين مع عدم انفهام أحدهما منه حينئذ و حصول الشكّ في فهم أهل ذلك العصر، فلا بدّ إذن من التوقّف، و قد مرّت الإشارة الى ذلك في المسائل المتقدّمة، فبناؤه على النفي و الرجوع الى الاصول الفقهيّة محتجّا بما بيّنه (رحمه اللّه) ليس على ما ينبغي.

نعم إن قام هناك دليل على حجّية الأصل المذكور في مباحث الألفاظ على سبيل التعبّد اتّجه ذلك، لكنّه ليس في الأدلّة ما يشمل ذلك، بل الحجّة في باب الألفاظ هو الظنّ حسب ما قرّروه، و المفروض انتفاؤه في المقام.

فظهر ممّا قرّرناه أنّ احتجاج النافين بمجرّد الأصل غير كاف في المقام، بل لا بدّ بعد العجز عن إقامة الدليل على أحد الطرفين و حصول الشكّ في النقل و عدمه من التوقّف في الحكم و الحمل.

ثمّ إنّ هنا أدلّة اخر غير ما ذكروه تدلّ على حصول الوضع فيها في زمان الشارع بل من أوّل الأمر.

429

منها: أنّ المسألة لغويّة متعلّقة بالأوضاع و من البيّن حجّية النقل فيها و إن كان مبنيّا على الاجتهاد و ملاحظة العلامات، كما هو الحال غالبا في إثبات اللغات و انّا إذا راجعنا كلمات أهل الخبرة في المقام وجدنا معظم العامّة و الخاصّة قائلين بثبوتها، حتّى أنّه لا يعرف فيه مخالف من العامّة سوى القاضي و بعض آخر ممّن تبعه، و لا من الخاصّة سوى جماعة من متأخّريهم، بل الإجماع منقول عليه في الجملة من جماعة من متقدميهم حسب ما مرّت الإشارة اليه و عدم ظهور قائل بالفصل مع اعتضاده بعدم ظهور خلاف فيه بينهم، و قد اكتفي بما دون ذلك في مباحث الألفاظ فلا مجال لإنكاره في المقام.

مضافا الى تقديم قول المثبت على النافي، فبعد فرض تكافؤ القولين ينبغي ترجيح قول المثبت أيضا، و ليس في المقام دليل على النفي سوى الأصل ففي الحقيقة لا معارض لأقوال المثبتين، فمرجع هذا الوجه عند التأمّل الى وجوه ثلاثة.

و منها: الاستقراء فإنّ من تتبع موارد استعمالات كثير من الألفاظ المستعملة في المعاني الجديدة كالصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الوضوء و الغسل و نحوها وجد استعمال الشارع لها في تلك المعاني على نحو استعمال الحقائق، بحيث يحصل الظنّ من ملاحظة استعمالاتها بالبناء فيها على النقل.

و الحاصل أنّه يفهم ذلك من ملاحظة استعمالات الشارع على نحو ما يفهم أوضاع اللغة و نحوها من ملاحظة استعمالات العرب و أرباب الاصطلاح، و يعبّر عنه بالترديد بالقرائن، و ذلك طريقة جارية في فهم الأوضاع بل هو الغالب في المعرفة باللغات، فيستفاد من ذلك ثبوت الحقيقة الشرعيّة في الألفاظ الّتي حصل الاستقراء في موارد استعمالها دون جميع الألفاظ ممّا فرض فيه النزاع، و حينئذ فلا بدّ في تتميم الدليل من ملاحظة عدم القول بالفصل حسب ما مرّت الإشارة اليه.

و هناك طريق ثان للاستقراء يستفاد منه شمول الحكم للكلّ تقريره: أنّ المستفاد من تتبّع الألفاظ و ملاحظة نقل الشارع لجملة منها الى المعاني الجديدة هو بناء الشارع فيما يعبّر عنه من المعاني الجديدة المتداولة على نقل اللفظ اليها،

430

و تعيين تلك الألفاظ للتعبير عن تلك المعاني، كيف! و الأمر الباعث على النقل فيما عرفت نقلها بالاستقراء المذكور أولا هو الباعث على النقل في الباقي.

و بالجملة: أنّ استفادة ذلك من ملاحظة جملة من الألفاظ المذكورة غير بعيد لمن تأمّل في المقام بعد استنباط جهة النقل فيها من استقراء خصوصيّاتها.

و فيه أيضا طريق ثالث يستفاد منه أيضا عموم الوضع، و هو أنّا إذا استقرأنا طريقة أرباب العلوم المدوّنة كالنحو و التصريف و البيان و المنطق و غيرها و كذا أرباب الحرف و الصناعات على كثرتها وجدناهم قد وضعوا ألفاظا خاصّة بإزاء كلّ ما يحتاجون الى بيانها و يتداول بينهم ذكرها، لئلّا يقع الخلط و الاشتباه و لا يطول المقام بذكر القرينة من غير طائل، و من البيّن أنّ اهتمام الشارع في بيان الشريعة أعظم من اهتمامهم في حرفهم و صنائعهم، و ملاحظته للحكم أكثر من ملاحظتهم و الاحتياج الى أداء تلك المعاني أعظم من الاحتياج اليها و الاهتمام بشأنها أشدّ من الاهتمام بغيرها، و قضيّة ذلك وقوع النقل من صاحب الشريعة بالأولى.

و بالجملة: أنّ المستفاد من استقراء الحال في سائر أرباب الصناعات العلميّة و العمليّة الظنّ بوقوع ذلك عن صاحب الشريعة أيضا، فمرجع الاستقراء أيضا الى وجوه ثلاثة و إن كان الوجه الأوّل منها مأخوذا في الثاني.

و منها: أن ذلك هو المستفاد مما ورد في الأخبار في بيان جملة، منها:

كقوله (عليه السّلام): «الصلاة: ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود» (1) و التعبير بنحو ذلك و ما يقرب منها كثير في الأخبار و قد وردت في عدّة من الألفاظ و هو ظاهر فيما قلناه، فإنّ ظاهر الحمل قاض بكونه حقيقة في المعنى المذكور كما يستفاد ذلك من تعبيرات أهل اللغة.

و منها: دليل الحكمة، فإنّ من المقرّر في مباحث الألفاظ أنّ كلّ معنى تشتدّ الحاجة اليه يجب في الحكمة وضع لفظ بإزائه، و من البيّن شدّة الحاجة الى المعاني‏

____________

(1) الوسائل 1: ب 1 من أبواب الوضوء ص 257 ح 8.

431

الجديدة الشرعيّة و كثرة دورانها في الشريعة فكيف يهمل الشارع الحكيم وضع الألفاظ بإزائها؟ مع ما يرى من شدّة اهتمامه بالشريعة و عظم حاجة الناس اليها و قوام امور الدين و الدنيا بها.

و منها: أنّ جملة من تلك الألفاظ قد صارت حقائق في المعاني الشرعيّة في الشرائع السابقة، كالصلاة و الصوم و الزكاة و قد عبّر بها في القرآن حكاية عن الأنبياء السابقين، و هو معلوم أيضا من الخارج فهي حقيقة فيها قبل مجي‏ء هذه الشريعة أيضا.

و ما يورد عليه من مخالفة هذا اللسان للغاتهم فغاية الأمر أن يكون للمعاني المستحدثة عندهم ألفاظ موضوعة من لغاتهم، و لا يلزم من ذلك وضع هذه الألفاظ بإزائها، و من أنّ هذه المعاني امور جديدة لم يكونوا يعرفونها و إنّما اتي بها في شرعنا، فعلى فرض كون هذه الألفاظ حقيقة في المعاني الثابتة في شرائعهم لا يثبت به كونها حقيقة فيما ثبت في شرعنا، بل لا بدّ في ثبوته عندنا من وضع جديد.

مدفوع، أمّا الأوّل فبانّ الظاهر أنّ العرب كانوا يعبّرون عنها بهذه الألفاظ، و لذا وقع التعبير بها في الكتاب العزيز، و قد كان كثير من العرب متدينين ببعض تلك الأديان و كانت تلك الألفاظ معروفة عندهم و إن كان المعبّر به عنها في أصل شرعهم من غير اللغة العربيّة.

و أمّا الثاني فبما مرّت الإشارة اليه من أنّ الاختلاف إنّما وقع في المصداق كاختلاف كثير من تلك العبادات في شرعنا بحسب اختلاف الأحوال، و أمّا المفهوم العامّ المأخوذ في وضع تلك الألفاظ فهو يعمّ الجميع.

فقد ظهر ممّا قرّرناه من الوجوه قوّة القول بالثبوت مطلقا، و لو نوقش في استقلال كلّ واحد من الوجوه المذكورة في إفادة الظنّ فلا مجال للإنكار بعد ضمّ بعضها الى البعض، لحصول المظنّة بمؤدّاها، و هي كافية في المقام قطعا، بل يكتفى بما دون ذلك في مباحث الألفاظ.

432

و أمّا حجج القائلين بالتفاصيل المذكورة فهي مبنية على كون الوضع فيها تعينيّا لا تعيينيّا، فيختلف الحال فيه باختلاف الألفاظ في شدّة الحاجة و كثرة الدوران و عدمها و طول المدّة و قصرها، و كلّ ذهب على حسب ما اعتقده في البلوغ الى حدّ الحقيقة.

نعم، التفصيل بين العبادات و المعاملات ليس مبنيّا على ذلك و إنّما احتجّ عليه بأنّ ألفاظ المعاملات باقية على معانيها اللغويّة و لم يستعملها الشارع في معان جديدة، و إنّما ضمّ الى معانيها اللغويّة شروطا لصحّتها من غير أن يعتبر ذلك في تسميتها، و لذا يرجع فيها الى العرف و لا يتوقّف تفسيرها على توقيف الشرع، بخلاف العبادات لكونها من الامور المجعولة الشرعيّة و الماهيات المقرّرة من صاحب الشريعة، و لذا حكموا بأنّها توقيفيّة يعنون به توقيفيّة موضوعاتها، و إلّا فالأحكام توقيفيّة في العبادات و المعاملات من غير فرق اتّفاقا، فالألفاظ الدالّة عليها موضوعة بالأوضاع الشرعيّة على خلاف المعاملات.

و يدفعه أنّ المناط في المقام حسب ما ذكره و تقدّمت الإشارة اليه هو كون المعنى من الامور المجعولة الشرعيّة دون المعاني القديمة الثابتة قبل الشريعة، لكن لا اختصاص لذلك بالعبادات كما زعمه؛ إذ للشارع في غيرها أيضا ماهيّات مخترعة و امور مجعولة لم يكن قبل ورود الشريعة كالإيمان و الكفر، و الطهارة و النجاسة، و الفسق و العدالة، و الخلع و الايلاء و اللعان و نحوها، فلا اختصاص للمعاني المستحدثة بالعبادات و لا تمتاز العبادة بذلك عن غيرها، بل لا امتياز لها إلّا بالتوقّف على القربة بخلاف غيرها، و هذا ممّا لا ربط له في ثبوت الحقيقة الشرعيّة و نفيها.

نعم لو لم يكن للشارع ماهية مجعولة و معنى جديد في غير العبادات صحّ ما ذكره، لكن ليس الحال على ذلك كما عرفت.

و أنت خبير بأنّ مقتضى الكلام المذكور خروج المعاملات عند هذا القائل عن محلّ النزاع في الحقيقة الشرعيّة؛ إذ قد عرفت أنّ محلّ النزاع هو الألفاظ

433

المستعملة في المعاني الجديدة المقرّرة في الشريعة، و هو حينئذ قائل بثبوتها في ذلك مطلقا، إلّا أنّه يعتقد انتفاء ذلك في المعاملات فلذا حكم بعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة بالنسبة اليها.

و لو اعتقد ثبوت معان جديدة هناك يقال بثبوتها فيها أيضا بمقتضى ما نسب اليه من الاحتجاج فهو في الحقيقة مفصّل في أمر آخر غير هذه المسألة.

ثمّ لا يذهب عليك أنّ ما استند اليه لا ينهض دليلا على ثبوت الحقيقة الشرعيّة في العبادات؛ إذ ما ذكره من كونها امورا جعليّة و ماهيّات جديدة متوقّفة على بيان صاحب الشريعة ممّا لا خلاف فيه بين الفريقين، و لا دلالة فيه على حصول الوضع؛ و لذا وقع الخلاف فيه مع الاتّفاق على ذلك فلا وجه للاستناد اليه، إلّا أن يضمّ اليه غيره ممّا مرّ في الاحتجاج.

و كأنّ مقصود القائل من ذلك إبداء الفرق بين العبادات و المعاملات بأنّه لم يقرّر الشارع في المعاملات معان جديدة ليضع الألفاظ بإزائها بخلاف العبادات، ثمّ يحتجّ لثبوتها فيها بما يحتجّ به المثبتون لها.

و كيف كان، فقد عرفت ما فيه، و قد عرفت أيضا أنّ الأمر في الحقيقة الشرعيّة ليس متوقّفا على كون الوضع فيها تعينيّا كما زعموه، بل الظاهر القول بكونه تعيينيّا كما هو ظاهر كلام القوم حسب ما عرفت.

و قد يستبعد من وقوع ذلك؛ إذ لو وقع لصرّح به النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) و صعد على المنبر لإبلاغه لما يترتّب عليه من الثمرة العظيمة، و لو كان كذلك لما خفي على أحد من الامّة لتوفّر الدواعي الى نقله كيف! و لم ينقل ذلك أحد من أرباب التواريخ و لا غيرهم و لا حكوا إيقاعه بشي‏ء من تلك الأوضاع.

و يدفعه أنّ وقوع الوضع لا يستتبع شيئا من ذلك؛ إذ هو تعيين قلبي لا يفتقر الى عقد و لا إيقاع، و إفهام ذلك للمخاطبين لا يتوقّف على صعود على المنبر و لا تصريح بالحال، بل يحصل بالترديد بالقرائن كما هو الحال في سائر الاصطلاحات و اللغات، و هو ظاهر.

434

[الصحيح و الأعمّ‏]

و لنتبع الكلام في المرام بمسألة اخرى تداول ذكرها بين الأعلام يناسب إيرادها في المقام، و هي أنّ ألفاظ العبادات كالصلاة و الزكاة و الصيام هل هي أسامي للصحيحة المستجمعة لجميع الأجزاء المعتبرة في الصحّة و شرائطها، أو يعمّها و الفاسدة؟ و قد اختلفوا في ذلك على قولين، أو أقوال، و لنوضح الكلام في المسألة برسم مقامات أربعة:

الأوّل في بيان محلّ النزاع في ذلك:

فنقول: إنّ النزاع في المقام إنّما هو في ألفاظ العبادات ممّا استعملها الشارع في المعاني الجديدة المستحدثة كالصلاة و الزكاة و الصوم و الوضوء و الغسل و نحوها، دون ما كان من ألفاظ العبادات مستعملة في معانيها اللغويّة كالزيارة و الدعاء و تلاوة القرآن و نحوها، فلا ريب في وضعها في اللغة للأعمّ، و المفروض استعمالها في المعاني اللغويّة فتكون مستعملة في الأعمّ من الصحيحة و الفاسدة.

نعم هناك شرائط اعتبرها الشارع في صحّتها كما اعتبر نظير ذلك في المعاملات.

ثمّ إنّ الخلاف في أنّ المعاني المقرّرة من الشرع الّتي استعمل فيها تلك الألفاظ هل هي خصوص الصحيحة، أو هي أعمّ منها و من الفاسدة؟ فيصحّ النزاع فيها من القائلين بثبوت الحقيقة الشرعيّة و نفاتها، إذ لا كلام في استعمال تلك الألفاظ في المعاني الجديدة كما عرفت، و إنّما الكلام هناك في كونه على وجه الحقيقة أو لا كما مرّ.

فإن قلت: على هذا يكون النزاع بناء على القول بنفي الحقيقة الشرعيّة في المعنى المستعمل فيه في كلام الشارع و ليس ذلك قابلا للخلاف، لوضوح استعمالها في كلّ من الصحيحة و الفاسدة كصلاة الحائض و صوم الوصال و صيام العيدين و نحوها.

و بالجملة: أنّ صحّة استعمالها في كلّ من المعنيين و وقوعه و لو على القول المذكور ليس ممّا يقبل التشكيك ليقع محلّا للكلام، و إنّما القابل لوقوع النزاع فيه بناء على ثبوت الحقيقة الشرعيّة هو تعيين ما وضع اللفظ له، سواء كان على سبيل‏

435

التعيّن أو التعيين، و مع البناء على نفيها فلا مجال للنزاع فيها؛ إذ وضوح استعمالها في كلّ من الأمرين بمكان لا يحتاج الى البيان.

قلت: ليس النزاع في المقام في تعيين المعنى الحقيقي ليبتني على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة، و لا في مجرّد ما استعمل اللفظ فيه لئلّا يكون قابلا للخلاف و المنازعة، بل الخلاف في أنّ المعاني المحدثة من الشارع المقرّرة في الشريعة المستعملة فيها تلك الألفاظ المخصوصة هل هي خصوص الصحيحة، أو الأعمّ منها و من الفاسدة؟ و لا ينافي ذلك استعمالها في الفاسدة أيضا، لغرض من الأغراض.

و الفرق واضح بين الأمرين و إن كان استعمالها مجازا على الوجهين، فإنّ الأوّل هو الشائع في الاستعمال حتّى أنّها صارت حقيقة عند المتشرّعة بخلاف الثاني، لبقائه على المجازيّة في ألسنة المتشرّعة، إذ لا قائل باشتراكها لفظا عند المتشرّعة بين الأمرين.

و يظهر الثمرة في ذلك فيما إذا قامت القرينة الصارفة عن إرادة المعنى اللغوي، فإنّه يتعيّن حملها على ما هو المختار في المقام من غير حاجة الى القرينة المعيّنة، و لا تبقى دائرة بين حملها على الأعمّ أو خصوص الصحيحة، كما مرّت إليه الإشارة.

و إن أبيت عن ذلك فقرّر الخلاف في المقام في تعيين ما هي حقيقة فيه عند المتشرّعة، إذ هو المعنى المستعمل فيه عند صاحب الشريعة، و لا مجال للإيراد المذكور فيه و مرجعه الى ما تقدّم.

و ما في كلام بعض الأفاضل بعد حكمه بعدم ابتناء المسألة على ثبوت الحقيقة الشرعيّة: «أنّه لا ريب في أنّ الماهيّات المحدثة امور مخترعة من الشارع، و لا شكّ أنّ ما أحدثه الشارع متّصف بالصحّة لا غير بمعنى أنّه بحيث لو أتى به على ما اخترعه الشارع يكون موجبا للامتثال للأمر بالماهية من حيث هو أمر بالماهية».

غير مفهوم المعنى سيّما مع ذهابه الى القول بكونها للأعمّ فإنّه إن أراد أنّ‏

436

الماهيّات المحدثة من الشارع الّتي استعمل الشارع فيها تلك الألفاظ متّصفة بالصحّة لا غير- إذ لا يحدث الشارع أمرا فاسدا- فهذا هو عين القول بكون تلك الألفاظ بإزاء الصحيحة مع الإشارة الى دليله، و إن أراد أنّ الماهيّات الّتي أحدثها الشارع متّصفة بالصحّة قطعا فالشارع على القول بالأعمّ لم يستعمل تلك الألفاظ فيما أحدثه و إنّما استعملها في شي‏ء آخر أعمّ منه فهو كما ترى و مع ذلك فالعبارة لا تفي به.

ثمّ إنّ اعتباره الحيثيّة في الأمر في قوله: «للأمر بالماهيّة من حيث إنّه أمر بالماهيّة» غير مفهوم الجهة.

و الحاصل: أنّ الكلام في أنّ ما أحدثه الشارع و قرّره من تلك الطبائع الجعليّة و عبّر عنها بتلك الألفاظ الخاصّة هل هو خصوص الصحيحة، أو الأعمّ منها و من الفاسدة؟ و إن حكمنا بأنّ مطلوب الشارع هو قسم منها بعد ما قام الدليل على فساد بعضها فهذا هو عين المتنازع فيه في المقام، فكيف ينفى عنه الريب في بيان محلّ الكلام؟.

المقام الثاني في بيان الأقوال في المسألة:

و هي عديدة:

منها: القول بوضعها للصحيحة الجامعة لجميع الأجزاء المعتبرة و سائر شروط الصحّة، و اليه ذهب جماعة من الخاصّة و العامّة.

فمن الخاصّة: السيّد و الشيخ في ظاهر المحكي عن كلاميهما، و العلّامة في ظاهر موضع من النهاية، و السيد عميد الدين في موضع من المنية و الشهيدان في القواعد و المسالك، و استثنى الأوّل منه الحجّ لوجوب المضي فيه، و من فضلاء العصر الشريف الاستاذ (قدّس سرّه‏) و عزاه الى أكثر المحقّقين، و الفقيه الاستاذ رفع مقامه و غيرهما.

و من العامّة: أبو الحسين البصري و عبد الجبار بن أحمد، و حكي القول به عن الآمدي و الحاجبي و غيرهما، و حكاه الإسنوي عن الأكثرين، و حكى في‏

437

المحصول عن الأكثرين القول بحمل النفي الوارد على الأسماء الشرعيّة كقوله:

«لا صلاة إلّا بطهور» على نفي الحقيقة، لإخبار صاحب الشرع به.

و منها: القول بوضعها للمستجمعة لجميع الأجزاء المعتبرة فيها من غير اعتبار للشرائط في وضعها، و هو محكيّ عن البعض، و كأنّ ملحوظ القائل به مراعاة دخول الأجزاء في الكلّ فلا يمكن الحكم بصدق الكلّ مع انتفاء شي‏ء منها، و أنّ الشرائط خارجة عن المشروط فلا وجه لأخذها فيه، و إلّا لكانت أجزاء، هذا خلف. و ستعرف وهنه.

و منها: أنّها موضوعة بإزاء الأعمّ من الصحيحة و الفاسدة من غير مراعاة لاعتبار جميع الأجزاء و لا الشرائط، بل إنّما يعتبر ما يحصل معه التسمية في عرف المتشرّعة، و اليه ذهب من الخاصّة العلّامة في غير موضع من النهاية و ولده في الإيضاح و السيد عميد الدين في موضع من المنية و الشهيد الثاني في تمهيده و روضته و شيخنا البهائي و جماعة من الفضلاء المعاصرين، و من العامّة القاضي أبو بكر و أبو عبد اللّه البصري و غيرهم.

ثمّ إنّه يمكن تقرير القول المذكور على وجوه:

أحدها: أن يقال بوضعها لخصوص أجزاء مخصوصة من غير اعتبار وجود سائر الأجزاء معها و لا عدمها في التسمية، فيقال: إنّ الصلاة مثلا اسم لخصوص الأركان المخصوصة و سائر الأجزاء لا يعتبر وجودها في التسمية، فإذا انتفى أحد الأركان انتفت التسمية بخلاف غيرها.

و يشكل حينئذ بأنّ سائر الأجزاء ممّا عدا الأركان تكون خارجة عن المسمّى فتكون كالشرائط فلا يصحّ عدّها أجزاء، كيف و من الواضح انتفاء الكلّ بانتفاء جزئه فكيف يلتزم في المقام بخلافه؟!.

و يمكن الجواب بأنّ القدر الثابت هو كونها أجزاء في الجملة لا كونها أجزاء لمطلق الصلاة، فنقول: إنّها أجزاء للصلاة الصحيحة و لا منافاة؛ فإنّ كون الشي‏ء جزء للأخصّ لا يستلزم أن يكون جزء للأعمّ، ضرورة كون الناطق جزء للإنسان دون الحيوان.

438

و فيه: أنّه مع عدم اعتبار تلك الأجزاء في مسمّى مطلق الصلاة يكون استعمالها في المستجمع للأركان و غيرها كما هو الغالب مجازا؛ لكونه استعمالا للّفظ فيما وضع له و غيره، إذ المفروض خروج الباقي عن الموضوع له.

و قد يجاب عن ذلك بأنّه مع كون ما اندرج فيه ذلك أنواعا أو أصنافا لذلك الكلّي لا يلزم أن يكون إطلاق الكلّي عليه مجازا، كما يشاهد ذلك في إطلاق الحيوان على الإنسان و إطلاق الإنسان على الرومي و الزنجي.

و يدفعه أنّ إطلاق الحيوان على الإنسان و نحوه إنّما يكون حقيقة إذا اريد به معناه المطلق، فيكون استعماله في المقيّد من جهة حصول المطلق فيه، و مع التنزّل نقول به إذا استعمل في خصوص الحصّة المقيّدة بتلك الخصوصيّة، و أمّا استعماله في مجموع الحيوان و الناطق فلا ريب في كونه مجازا، بل قد يشكّ في صحّة استعمال الكلّي فيه، و قد يقطع بعدم جوازه كما إذا استعمل لفظ «الجسم» في مفهوم الجسم النامي الحسّاس الناطق، فإنّ إرادة هذا المفهوم المركّب منه غير صحيح و لو على سبيل المجاز. و التزام التجوّز في المقام ممّا لا وجه له.

كيف! و يصحّ القول بكون القراءة جزء من الصلاة، كما هو ظاهر من ملاحظة الشرع بل الظاهر قضاء الضرورة به، و كذا الحال في غيرها من أجزائها، و لا يصحّ أن يقال: إنّ الناطق جزء من الحيوان أو الحسّاس جزء من الجسم النامي أو الجسم المطلق ... و هكذا، و هو ظاهر.

و أيضا فأجزاء الصلاة و نحوها أجزاء خارجيّة متباينة و ليست من الأجزاء التحليليّة المتّحدة في المصداق، فإطلاق اللفظ الموضوع لبعضها على الكلّ مجاز، بل قد يكون غلطا و ليس من قبيل إطلاق الجنس على النوع أو النوع على الصنف أو الفرد.

ثانيها: أن يقال بكون جميع الأجزاء المفروضة للعبادة جزء لمطلق تلك العبادة و لا يلزم من ذلك انتفاؤها بانتفاء كلّ منها؛ إذ الأجزاء على قسمين:

فإنّ منها: ما يكون بقاء الكلّ و قوامه مرتبطا بها كالأعضاء الرئيسيّة و نحوها

439

للإنسان، و لا ريب حينئذ بانتفاء الكلّ مع انتفاء كلّ منها.

و منها: ما لا يكون كذلك كاليد و الإصبع و الظفر للإنسان، لعدم انتفاء الكلّ بانتفائها، و صدق الإنسان بعد قطع كلّ منها كصدقة قبله.

فإن قلت: بعد فرض شي‏ء جزء لشي‏ء كيف يعقل وجود الكلّ حقيقة مع انتفائه؟ إذ من الفطريّات الحكم بانتفاء الكلّ بانتفاء جزئه.

قلت: إنّما يرد ذلك إذا قلنا بكون ذلك جزء معتبرا في معنى اللفظ على كلّ حال، و أمّا إذا قلنا بجزئيّته حين حصوله دون عدمه فلا، و يتصوّر ذلك بأن يقال بوضع اللفظ لما يقوم به الهيئة العرفيّة المخصوصة من تلك الأجزاء مثلا، فإن قامت بعشرين منها مثلا كان ذلك كلّا، و إن قامت بعشرة منها كان ذلك أيضا كلّا، و لا ينتفي مسمّى اللفظ مع انتفاء الباقي و إن انتفت الخصوصيّة السابقة؛ إذ هي غير مأخوذة في معنى اللفظ و قد وقع نحو ذلك في كثير من الأوضاع، فإنّ لفظ «البيت» إنّما وضع لما قام به هيئة البيت المخصوصة المعروفة في العادة، و تلك الهيئة قد تقوم بجميع الأركان و الجدران و الروازن و الأبواب و الأخشاب و غيرها ممّا يندرج في اسم البيت مع وجوده، و قد تقوم بمجرّد الأركان و بعض الجدران، و قد تقوم بذلك و ببعض آخر على اختلاف وجوهه، إلّا أنّ وجود الأركان و نحوها قد اعتبر في تحقّق مفهومه لتقوّم الهيئة بها بحيث لا حصول لها بدونها، و أمّا البواقي فغير مأخوذة بالخصوص فإن حصلت كانت جزء لقيام الهيئة بها حينئذ أيضا، و إلّا فلا.

و اختلاف الهيئة مع زيادة ما تقوم به و نقصه لا يوجب اختلاف المعنى؛ فإن خصوصيّة شي‏ء منها غير مأخوذة في الوضع و إنّما اعتبرت على وجه يعمّ الجميع.

و نحوه الكلام في الأعلام الشخصيّة، نظرا الى عدم اختلاف التسمية مع اختلاف المسمّى جدّا فإنّ البدن المأخوذ في وضعها مختلف في نفسه جدّا من زمن الرضاع الى حين الشيخوخة، مع قطع النظر عن ورود سائر الطوارئ عليه، و التسمية على حالها من غير اختلاف و ليس ذلك إلّا لكون الوضع فيها على ما ذكرنا.

440

إذا تقرّر ذلك فنقول: إنّ الوضع في المقام إنّما كان على النحو المذكور، فهناك أجزاء قد اخذت في تحقّق المفهوم و بها قوامه، فإذا انتفى شي‏ء منها انتفى ذلك المفهوم بانتفائه، و أجزاء ليست على تلك الصفة فهي أجزاء مادامت موجودة و إذا انعدمت لا ينعدم الكلّ بانعدامها، فالصلاة مثلا قد اخذت الأركان المعروفة في تحقّق مفهومها على كلّ حال، و أمّا سائر الأجزاء فإن وجدت كانت أجزاء، لقيام الهيئة حينئذ بالمجموع، و إلّا لم ينتف الكلّ بانتفائها لقيام الهيئة حينئذ بالأركان، و هذا الوجه قد مال اليه بعض الفضلاء و إن لم يذكر في بيانه ما فصّلناه.

و يضعّفه أنّه لا فرق بين أركان الصلاة و غيرها من الأجزاء في صدق اسم الصلاة عرفا مع انتفاء كلّ منها إذا تحقّق هناك من الأجزاء ما يصدق معه الاسم.

و الحاصل: أنّ كلّ واحد من أجزاء الصلاة إذا انتفى و حصل الباقي صدق معه الاسم بحسب العرف قطعا من غير فرق بين الأركان و غيرها، فليس هناك أجزاء معيّنة للصلاة تعتبر هي بخصوصها في تحقّق مفهومها، فهي بناء على وضعها للأعمّ موضوعة بإزاء جملة من تلك الأفعال المخصوصة ممّا يقوم بها الهيئة المعروفة من غير تعيين لخصوص ما يقوم به، و قد يكون الحال كذلك في غيرها من العبادات أيضا.

و كيف كان، فينبغي أن يقال حينئذ بكونها أسامي لما يقوم به هيئاتها بحسب العرف ممّا يصدق معها الاسم، سواء اعتبر في حصولها تحقّق بعض الأجزاء بخصوصها كما قد يقال به في بعض العبادات، أو لا كما هو الحال في الصلاة، و هذا ثالث الوجوه في المقام.

و يشكل ذلك أيضا مع بعد الوجه المذكور في نفسه أنّه لا معيار حينئذ لتعيين المعنى المراد، و الرجوع فيه الى العرف إنّما يكون بعد حصول الغلبة و الاشتهار، و أمّا قبله فلا يكاد يتعيّن الموضوع له أو المستعمل فيه بوجه، لعدم إمكان الإحالة الى العرف حينئذ، بل لا يكاد يحصل في العرف معنى جامع بينها بحيث يشمل الصحيح و الفاسد عندنا أيضا، و سيجي‏ء تتمّة الكلام.

441

ثمّ إنّك بعد ما عرفت ما قرّرناه في تبيين المرام تعرف ضعف ما قرّره بعض الأفاضل في المقام، حيث إنّه رأى القول بوضع الألفاظ المذكورة للأعمّ من الصحيح الجامع لجميع الأجزاء و الشرائط- بحيث يعمّ صدقه حال انتفاء الجزء أو الشرط- مشكلا.

فقرّر النزاع تارة في الأعمّ بحسب الشرائط دون الأجزاء فجعل مدلول اللفظ على القول المذكور هو المستجمع لجميع الأجزاء من غير اعتبار استجماع الشرائط، فهي على هذا معتبرة في الصحّة خاصّة، و حينئذ فالقائل بالوضع للصحيح و الوضع للأعمّ متوافقان في اعتبار استجماع الأجزاء، و إنّما التفاوت بينهما في اعتبار الشرائط.

و اخرى عمّم النزاع في الكلّ، و دفع الإشكال المذكور بأنّ مبنى كلام القوم على العرف و ليس كلّ جزء ممّا ينتفي الكلّ بإنتفائه عرفا، بل منها ما ينتفي الكلّ بإنتفائه كالرقبة للإنسان، و منها ما لا ينتفي كالإصبع و الظفر له لبقاء الكلّ في العرف مع انتفائهما، فالصلاة و إن كانت موضوعة للماهيّة التامّة الأجزاء لكن لا يصحّ سلبها عنها بمجرّد النقض في بعض الأجزاء.

و ظاهر كلامه المذكور أنّه و إن انتفى الكلّ حقيقة في حكم العقل بإنتفاء ذلك إلّا أنّه لا ينتفي ذلك بالنظر الى العرف، و هو المناط في مباحث الألفاظ.

و أنت خبير بأنّ تخصيص النزاع بالشرائط خلاف ما هو المعروف، بل خلاف ما هو الواقع في المقام.

و من الغريب أنّه قرّر النزاع أوّلا في الأعمّ من الجزء و الشرط، و ردّ ما ربما يظهر من بعضهم من التفصيل بينهما بما ذكره في الوجه الثاني من الوجهين المذكورين، و حينئذ فلا وجه لتقريره النزاع على الوجه المذكور و تفسيره قول القائل بالأعمّ بما ذكره، ففي كلامه (رحمه اللّه) اضطراب لا يخفى على الناظر فيه.

ثمّ إنّه بعد فرض الشي‏ء جزء و وضع اللفظ لتمام الأجزاء لا بدّ من انتفاء الكلّ بانتفاء أيّ جزء منها، لقيام الضرورة على انتفاء الكلّ بانتفاء الجزء، و الحكم ببقاء

442

الكلّ عرفا بعد فرض الجزئيّة إنّما هو من باب المسامحة العرفيّة، و لا يناط بها الأحكام الشرعيّة، كما قرّر في محلّه، و إن فرض كونه جزء من المسمّى لا مأخوذا في التسمية فليس المسمّى خصوص ذلك المفروض كلّا حسب ما قرّرناه آنفا، فانتفاء ذلك الجزء لا يستلزم انتفاء أصل المسمّى عقلا و لا عرفا، و هو كلام آخر و قد يرجع كلامه الى ذلك، إلّا أنّ ظاهر تعبيره بما ذكر يأباه كما لا يخفى.

المقام الثالث في بيان حجج الأقوال المذكورة:

[أدلّة الصحيحي‏]

أمّا القول بكونها للصحيحة فيحتجّ له بوجوه:

الأوّل: التبادر فإنّ أسامي العبادات كالصلاة و الصيام و الزكاة و الوضوء و الغسل و التيمّم و غيرها إذا اطلقت عند المتشرّعة انصرفت الى الصحيحة، ألا ترى أنّك إذا قلت: «صلّيت الصبح أو صمت الجمعة أو توضّأت أو اغتسلت» لم ينصرف إلّا الى الصحيح من تلك الأعمال و لم يفهم منها في عرف المشترّعة إلّا ذلك، فاطلاق تلك الألفاظ لا ينصرف إلّا الى الصحيحة و لا يحمل على الفاسدة إلّا بالقرينة، كما هو واضح من ملاحظة الإطلاقات الدائرة، و ذلك من أقوى الأمارات على كونها حقيقة في الاولى مجازا في الثانية.

و ممّا يوضح ذلك أنّ المتشرّعة إنّما يحكمون بكون الصلاة و غيرها من الألفاظ المذكورة عبارة عن الامور الراجحة و العبادات المطلوبة للّه تعالى و لا يجعلونها أسامي لما يعمّ الطاعة و المعصية فقد تكون طاعة و قد تكون معصية بل الأغلب فيها المعصية، بل لا يمكن عدّها مطلقا من الطاعات أصلا؛ إذ لا يتعلّق الأمر حينئذ بما هو مفهوم الصلاة مثلا و إنّما يتعلّق ببعض أنواعها خاصّة، و كأنّ هذا بيّن الفساد بعد الرجوع الى عرف المتشرّعة؛ إذ لا يعدّون الصلاة و الزكاة و نحوهما إلّا من الطاعات و العبادات.

و اورد عليه بأنّ تبادر الصحيحة من تلك الألفاظ مسلّم، إلّا أنّه ليس كلّ تبادر أمارة على الحقيقة بل ما لا يكون لغير اللفظ فيه مدخليّة فإنّ سبق المعنى من اللفظ إذا استند الى مجرّد إطلاقه من غير ملاحظة شي‏ء من الامور الخارجيّة معه دلّ‏

443

على حصول الوضع له، و أمّا إذا انضمّ اليه شي‏ء آخر أو احتمل انضمامه اليه احتمالا متساويا لم يكن دليلا على الحقيقة؛ إذ لا ملازمة حينئذ بين الفهم المذكور و الوضع كما مرّ بيانه، ألا ترى أنّ المتبادر من سائر العقود كالبيع و الإجارة و المزارعة و المساقاة و غيرها إذا اطلقت ليس إلّا الصحيحة مع أنّها موضوعة للأعمّ فكذا الحال في التبادر الحاصل في ألفاظ العبادات، فإنّ الظاهر أنّ التبادر الحاصل في المقامين من قبيل واحد و الباعث عليه في العقود و الإيقاعات هو الباعث على الانصراف في العبادات.

و ما يتوهم من أنّ الأصل في التبادر أن يكون دليلا على الحقيقة إلّا أن يدلّ دليل على خلافه و هو ثابت في المعاملات فنقول بمقتضاه، بخلاف ما نحن فيه.

فممّا لا دليل عليه بل ليس الدليل على الوضع إلّا التبادر على النحو المذكور بعد تحقّقه و المعرفة بحصوله و لو على سبيل الظنّ.

و دعوى كون الأصل في كلّ تبادر أن يكون مستندا الى نفس اللفظ ممنوعة.

و القول بأصالة عدم ضمّ شي‏ء آخر الى اللفظ في حصوله معارض بأصالة عدم استقلال اللفظ في إفادته.

على أنّ الأصل لا حجّة فيه في هذه المقامات إلّا من جهة إفادة الظنّ دون التعبد و مع حصول الظنّ لا كلام و إنّما الكلام في حصوله في المقام، و هو ممنوع إن لم نقل بكون المظنون خلافه، كما يشهد به ملاحظة نظائره من المعاملات كما عرفت.

و يشهد له أيضا أنّه لو كان التبادر هنا ناشئا عن الوضع لكان ذلك منساقا الى الذهن في سائر المقامات و ليس كذلك، ألا ترى أنّك إذا قلت: «رأيت فلانا يصلّي، أو جماعة يصلّون» لم يدلّ ذلك على كون ما وقع صحيحا كيف! و لو لم يكن كذلك لصحّ الإخبار بأنّ زيدا لا يصلّي و لا يصوم و لا يغتسل من الجنابة إذا كانت أعماله المذكورة فاسدة و من الظاهر أنّه يحكم بكذب القائل إذا أطلق حينئذ في الإخبار بخلاف ما إذا قيّدها بالصحيحة، فلو كانت تلك الألفاظ منساقة الى‏

444

خصوص الصحيحة لم يكن فرق بين الإطلاق و التقييد و من الواضح خلافه.

و أيضا لو كان الأمر كما ادّعى لما صحّ الإخبار عن أحد بانّه صلّى أو صام أو أتى بشي‏ء من العبادات إلّا مع العلم بصحّة فعله، و هو ممّا لا يمكن عادة و لو تحقّق ففي غاية الندرة مع صحّة الإخبار بها بحسب العرف من غير إشكال و لا زال بعضهم يخبر عن بعض بما ذكر.

فظهر من جميع ذلك أنّ التبادر المدّعى ليس من جهة الوضع و إنّما هو من جهة قضاء خصوص المقام، أو ظهور الإطلاق فيه في بعض المقامات.

و الجواب عنه أنّ مجرّد احتمال كون التبادر المذكور ناشئا من الخارج غير دافع للاستدلال؛ إذ لو كان انفتاح أبواب الاحتمالات باعثا على المنع من الأخذ بالظاهر في مباحث الألفاظ لانسدّ باب إثبات الأوضاع بالتبادر أو غيره في سائر المقامات.

و ظاهر الحال هنا استناد التبادر الى نفس اللفظ؛ إذ ليس ذلك من جهة شيوع الصحيحة، إذ الفاسدة أكثر منها بكثير.

و لا من جهة شيوع استعمالها فيها؛ إذ قلّة استعمالها في الفاسدة على فرضها بحيث يوجب صرف الإطلاق عنها لو كانت حقيقة فيها غير ظاهرة، لإطلاقها كثيرا على الفاسدة أيضا.

و لا من جهة انصراف المطلق الى الكامل و إلّا لانصرفت الى الفرد الكامل الجامع لمعظم الآداب و المندوبات، و من البيّن خلافه.

و دعوى بعض الأفاضل انصراف الإطلاق اليها غريب، فدوران الانصراف مدار الصحّة شاهد على استناده الى نفس اللفظ.

و ما توهّم من انتقاض ذلك بسائر العقود و الإيقاعات لانصرافها أيضا الى الصحيحة مع أنّها موضوعة للأعمّ فهو على إطلاقه ممنوع.

و القول بوضعها للأعمّ مطلقا غير مسلّم أيضا و إن لم تكن موضوعة لخصوص الصحيح الشرعي، كما سنبيّن الحال فيها إن شاء اللّه تعالى.

445

ثمّ إنّ ما ذكر من عدم انصراف الألفاظ المذكورة في الأمثلة المفروضة الى الصحيحة مع الخلوّ عن القرينة ممنوع، بل الظاهر خلافه.

توضيح ذلك: أنّ الصلاة مثلا إنّما وضعت للأفعال المعهودة المتكرّرة في اليوم و الليلة المطابقة لأمره تعالى، لكن حصل هناك اختلاف في تعيين مصداقها فهو في كلّ من المذاهب و الآراء شي‏ء غير ما يقوله الآخر، بل العاملون على مذهب واحد يختلف الحال فيهم من جهة المعرفة بالأحكام و تأدية القراءة و الأذكار الواجبة و غيرها، كما يشاهد ذلك في صلوات العوام، إذ كلّ يعتقد أنّ ما يؤدّيه مصداق لتلك الماهيّة الصحيحة المطلوبة للّه تعالى مع ما بينها من الاختلاف الفاحش، بل لا يبعد القول بكون اختلاف صلاة اليهود و النصارى للصلاة الثابتة عندنا من هذا القبيل أيضا، كما مرّت الإشارة اليه، فإنّ المفهوم الإجمالي الملحوظ في وضع الصلاة صادق عليها أيضا حال صحّتها، غير أنّ النسخ الطارئ عليها أخرجها من ذلك المفهوم من جهة طريان الفساد عليها و ارتفاع الأمر بها، فلفظة «الصلاة» مستعملة في معنى واحد و كلّ يطلقها على المصداق الثابت عنده لاعتقاد مطابقته لتلك الطبيعة، و إطلاق كلّ من الفرق تلك على ما هو باطل عنده صحيح عند غيره يصحّ من جهة تبعيّته له، كما أنّه يصحّ التبعية في الوضع من غير لزوم تجوّز ليصحّ بملاحظة ذلك إطلاق الصلاة على الصحيحة عندنا و على الصحيحة عند سائر الفرق من المخالفين كالنواصب و الخوارج بل و اليهود و النصارى، إلّا أنّ صدقها على الواقعة من الفرقة المحقّة المطابقة لأمره تعالى واقعي و على غيرها من جهة التبعيّة لمعتقده.

و كذا الحال في كلّ فرقة بالنسبة الى ما يعتقده ذلك فإنّ إطلاق اللفظ عليه بملاحظة الواقع و على ما يعتقده غيره من جهة تبعيّته له من غير لزوم تجوّز في اللفظ؛ إذ المفروض استعماله فيما وضع له- أعني تلك العبادة الصحيحة- و إطلاقه على المصداق المعيّن من جهة حصولها فيه واقعا أو في اعتقاد عاملها تبعا لما يعتقده، و هذه التبعيّة و إن كانت خلاف الظاهر أيضا إلّا أنّ في الأمثلة المذكورة

446

قرينة عليه، فإنّ نسبة الصلاة فيها الى أشخاص معيّنة تفيد إيقاعها على ما هو معتقدهم؛ فإنّه لما اختلفت الآراء في تعيين تلك الطبيعة و اختلفت الأشخاص في أدائها فحيث ما نسب الى شخص فإنّما ينصرف الى تلك العبادة المأتيّ بها على حسب معتقد الفاعل، سواء كان من أهل الحقّ أو من سائر الفرق حتّى اليهود و النصارى.

و الحاصل: أنّها تنصرف حينئذ الى الأفعال المعهودة ممّا يعتقد الفاعل كونه مصداقا للصلاة المطلوبة، و لذا يصحّ أن يقال: ما صلّى إذا صلّى صلاة فاسدة باعتقاده كأن صلّى مع الحدث عالما عامدا، و كذا إذا أتى المسلم بصلاة اليهود أو النصارى بخلاف ما إذا أتوا بها، و ليس ذلك إلّا من جهة كون النسبة قرينة على إطلاقها على الصحيحة في نظر الآتي بها، و من هذه الجهة لا يصحّ سلبها مع أدائه لها كذلك، و كذا الحال في سائر العبادات.

و أمّا ما ذكر من عدم صحّة الإخبار بأدائه لتلك الأفعال إذا لم يعلم صحّتها بالخصوص فأوهن شي‏ء؛ إذ مبنى الإخبار بالمذكورات شرعا و عرفا على ظاهر الحال، و سيجي‏ء إن شاء اللّه ما يزيد المقام توضيحا. فتأمّل.

الثاني: صحّة السلب، فإنّه يصحّ سلب كلّ من العبادات عن الفاسدة فيصحّ أن يقال لمن صلّى مع الحدث متعمّدا أو بدون القراءة كذلك: إنّه لم يصلّ حقيقة، و إنّما وقع منه الصورة، و كذا الحال في غيرها من الوضوء و الغسل و التيمّم و نحوها، و صدق تلك العبادات على الفاسدة منها ليس إلّا من جهة المشاكلة، و إلّا فصحّة السلب عنها عند التأمّل في العرف ظاهر، و ذلك دليل على عدم كون الفاسدة من الأفراد الحقيقيّة لها، فلا تكون أسامي لما يعمّها فينحصر الأمر في كونها أسامي لخصوص الصحيحة منها، و هو المدّعى.

و يمكن أن يقرّر ذلك بوجه آخر بأن يستند الى عدم صحّة السلب بناء على ما تقرّر فيما مرّ من كون عدم صحّة السلب على بعض الوجوه مثبتا لنفس الموضوع له ابتداء دون مصاديقه الحقيقيّة، و ذلك بأخذ الحمل ذاتيّا لا متعارفيّا و أخذ معنى‏

447

اللفظ في الموضوع أو المحمول على جهة الإجمال، فإنّه إذا لم يصحّ سلب الحيوان الناطق عن الانسان أو سلب الانسان عنه بحسب العرف دلّ على أنّ ذلك هو معناه، ضرورة صحّة سلب كلّ مفهوم عن مفهوم مغاير له على الوجه المذكور و إن اتّحدا في الصدق، و بهذا الوجه يصحّ سلب الخاصّ عن العامّ و بالعكس، تقول:

«الحيوان ليس بانسان، و الانسان ليس بحيوان» و إن لم يصحّ ذلك بحسب الحمل الشائع فنقول في المقام إنّه إذا اخذت الماهيّة مستجمعة لجميع الأجزاء و الشرائط المعتبرة في صحّتها فلا يصحّ سلب الصلاة عنها بالمعنى المذكور في عرف المتشرّعة، كما لا يخفى على من أجاد التأمّل في ملاحظة عرفهم فيكون ذلك هو عين معناها.

و الجواب عن ذلك بمنع الدعويين المذكورتين، و القول بعدم صحّة السلب على الوجه الأول و صحّته في الثاني كما ترى؛ إذ من أمعن النظر في العرف يجد الأمر على ما ذكرنا.

الثالث: ظواهر الآيات و الأخبار كقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ (1) و قوله عز و جل: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (2) و قوله (عليه السّلام): «الصلاة عمود الدين» (3) و «الصلاة قربان كلّ تقي» (4) و «الصوم جنّة من النار» (5) و «الصوم لي» (6) الى غير ذلك من الأخبار المتكثّرة جدّا الواردة في الأبواب المتفرّقة، فإنّ حمل تلك المحمولات على مطلق الصلاة معرّفا باللام ظاهر جدّا في أنّ الطبيعة المقرّرة من الشارع المحدثة منه هي المتّصفة بذلك، لا أنّ نوعا منها كذلك و البواقي امور محرّمة متّصفة بما يضادّ الصفات المذكورة كالزنا و السرقة، فإنّه في غاية البعد عن ظواهر تلك التعبيرات الواردة في تلك الآيات و الروايات كما لا يخفى.

____________

(1) سورة العنكبوت: 45.

(2) سورة النساء: 103.

(3) المحاسن: ص 44.

(4) عيون أخبار الرضا: ج 2 ص 7 ح 16.

(5) المحاسن: ص 289.

(6) بحار الأنوار: ج 96 ص 255 ح 31.

448

الرابع: ما دلّ من الأخبار على نفي الصلاة مع انتفاء بعض الأجزاء و الشرائط كقوله (عليه السّلام): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (1) و قوله (عليه السّلام): «لا صلاة إلّا بطهور» (2) و قوله (عليه السّلام): «لا صلاة لمن لم يقم صلبه» (3) و «لا صلاة إلّا الى القبلة» (4) و قوله (عليه السّلام) في حدّ الركوع و السجود: «و من لم يسبّح فلا صلاة له» (5) و قوله: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» (6) ... الى غير ذلك ممّا ورد في الأخبار في الصلاة و غيرها ممّا يقف عليه المتتبّع، فإنّ قضيّة ذلك بحسب ظاهر اللفظ هو نفي الحقيقة، و قد أخبر به صاحب الشريعة، و لو كانت أسامي للأعمّ لما صحّ ذلك بل لزم حملها على نفي صفة من صفاتها كالكمال أو الصحّة مع بقاء الحقيقة، و هو خروج عن ظاهر العبارة.

ثمّ إنّ هذه الروايات و إن كانت واردة في خصوص بعض الألفاظ و بعض الأجزاء و الشرائط إلّا أنّه يتممّ الكلام في المقامين بعدم القول بالفصل، إذ لا فارق بين تلك الألفاظ و غيرها و لا تلك الأجزاء و الشرائط و ما عداها، مضافا الى عدم فرق في العرف الّذي هو عمدة معتمد القائلين بوضعها للأعمّ بين تلك الأجزاء و الشرائط و تلك الألفاظ و غيرها.

و قد أورد عليه بوجوه:

أحدها: المنع من كون العبارة المذكورة حقيقة في نفي وجود الماهيّة و إنّما مفادها نفي وجود صفة من صفاتها الظاهر ذلك في بقاء الحقيقة. نعم قضيّة وضعها القديم هو نفي الحقيقة لكن قد هجر ذلك المعنى بالنسبة الى التركيب المذكور و حصل النقل الى المعنى الثاني، كما يظهر ذلك من ملاحظة استعمالاته كما في «لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد» و «لا قراءة إلّا من مصحف» و «لا علم إلّا

____________

(1) عوالي اللآلي: ج 1 ص 196 ح 2.

(2) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 58 ح 129.

(3) الوسائل: ب 18 من أبواب الركوع ح 6 ص 9.

(4) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 278 ح 855.

(5) الوسائل: ب 4 من أبواب الركوع ح 7 ص 924.

(6) عوالي اللآلي: ج 3 ص 132 ح 5.

449

ما نفع» و «لا عمل إلّا بنيّة» و «لا كلام إلّا ما أفاد» ... الى غير ذلك، فعلى هذا تكون تلك الأخبار أدلّة على القول بوضعها للأعمّ على عكس ما أراد المستدلّ.

ثانيها: أنّ العبارة المذكورة قد شاع استعمالها في نفي الكمال أو الصحّة من غير أن يراد بها نفي الحقيقة، فإن سلّمنا بقاء وضعها لنفي الحقيقة فلا أقلّ من شهرة استعمالها في نفي الصفة، فبملاحظة تلك الشهرة تكون من المجازات الراجحة على الحقيقة فيقدّم الحمل عليه على الحمل على الحقيقة، و من التنزّل فلا أقلّ من مساواة الظنّ الحاصل من الشهرة للظنّ بإرادة الموضوع له فيحصل الإجمال الباعث على سقوط الاستدلال.

و يضعّف هذين الوجهين أنّه لا شكّ في كون مفاد العبارة المذكورة بحسب اللغة بل العرف أيضا هو نفي الحقيقة.

و دعوى نقلها أو كونها مجازا راجحا أو مساويا للحقيقة في نفي وجود الصفة مع انتفاء القرائن الخاصّة مجرّد دعوى خالية عن الحجّة، بل ملاحظة فهم العرف في استعمالها مجرّدا عن القرينة تنادى بخلافه، كما في قولك: «لا وصول الى الدرجة العالية إلّا بالتقوى، و لا روح للعمل إلّا بالإقبال، و لا قبول للطاعة إلّا بالولاية» الى غير ذلك من الأمثلة المتكثّرة.

و مجرّد استعمالها في عدّة مقامات قضت القرائن الداخلة أو الخارجة بإرادة نفي صفة من الصفات- نظرا الى القطع ببقاء الذات- لا يقضي بعدم انصرافها الى ما وضعت له مع انتفاء القرينة، كيف! و ليس بأشيع من تخصيص العامّ و استعمال الأمر في الندب و لم يقل أحد فيهما بالنقل.

نعم، ربما قيل بصيرورة الثاني مساويا للحقيقة، إلّا أنّه موهون مردود عند المعظم.

فدعوى مرجوحية الحمل على المعنى المذكور أو مساواته للآخر عجيب.

و أعجب منه دعوى الحقيقة العرفيّة في ذلك كما لا يخفى على من أعطى النظر حقّه في استعمالات تلك العبارة في مواضع الخلوّ عن القرينة.

450

و ممّا يوضح ما ذكرناه أنّه قد احتجّ جماعة من الخاصّة و العامّة في مبحث المجمل و المبيّن على نفي الإجمال في: «لا صلاة إلّا بطهور» و نحوه بأنّ مفاد العبارة نفي الحقيقة و هو ممكن، و قد أخبر الشارع به فيحمل على الحقيقة و لم يتفوّه أحد هناك بمنع دلالة العبارة على ذلك حتّى أنّ من ذهب الى الإجمال فيها لم يتشبّث بذلك بل ادّعى صدق الصلاة على الفاسدة، فأثبت بذلك عدم إمكان صرف النفي الى الحقيقة، فالتزم بصرف النفي الى الصفة، و حينئذ بنى على إجمال العبارة من جهة تعدد الصفات كالكمال و الصحّة، و لم يقع منهم مناقشة في دلالتها على نفي الحقيقة كما هو معلوم من ملاحظة الباب المذكور من كتب الاصول.

و من غريب الكلام ما ذكره بعض الأعلام في المقام حيث استشهد على عدم دلالة العبارة المذكورة على نفي الحقيقة بأنّه لم يتمسّك أحد من العلماء الفحول في ذلك المبحث لإثبات نفي الإجمال بأصالة الحقيقة و تمسّكوا بكونها موضوعة للصحيحة من العبادات، لما عرفت من أنّ الحال على خلاف ما ذكره مصرّحين بخلافه و هي مذكورة في معظم الكتب الاصوليّة منصوص به في كلام الأجلّة و لو لا مخافة الإطناب في الكلام لذكرنا جملة من عبائرهم في المقام.

ثمّ الظاهر انّها في معظم الموارد الّتي لم يرد بها نفي الحقيقة على الحقيقة فإنّما اريد بها ذلك أيضا على سبيل المبالغة فإنّ المقصود بالتعبير المذكور حصر الموضوع في المحمول ادّعاء، جعلا لما عداه بحكم العدم كما هو واضح بعد ملاحظة موارد تلك الاستعمالات.

و مجرّد شيوع استعمالها كذلك لا يوجب هجر وضعها لنفي الحقيقة و نقلها الى نفي الصفة؛ إذ المفروض ابتناء المعنى المذكور عليه و عدم استفادة ما هو المقصود إلّا بذلك.

على أنّه لو ادّعي النقل أو الشهرة فإنّما يدّعى في نحو «لا صلاة إلّا بطهور» حيث إنّ له نظائر كثيرة استعملت في المعنى المذكور، و أمّا نحو «لا صلاة له، و لا صيام له» و نحوهما كما في عدّة من الأخبار المذكورة و غيرها فلا وجه لهذه‏

451

الدعوى بالنسبة اليه أصلا، و فيه كفاية في الدلالة على المدّعى.

ثالثها: أنّ ظاهر تلك العبارة و إن كان ذلك إلّا أنّ ظاهر المقام يصرفها عن ذلك، فإنّ شأن الشارع بيان الأحكام الشرعيّة لا مجرد انتفاء الحقيقة و الماهيّة و عدم حصول مسمّى الموضوعات اللفظيّة، فينصرف الى نفي الكمال أو الصحّة، كما قيل نحوه فيما أثبت فيه ذلك كقوله (عليه السّلام): «الطواف بالبيت صلاة» (1) و «الإثنان فما فوقها جماعة» (2) حيث حمل على إرادة الفضيلة.

و فيه أنّه لا مانع من إرادة نفي الحقيقة في المقام؛ إذ الحقيقة المذكورة من مقرّرات صاحب الشريعة فليس بيان ذلك إلّا من شأنه، و الفرق بينه و بين المثالين المذكورين ظاهر لا يخفى.

رابعها: أنّه لو بنى على ظاهر العبارة لزم أن لا تكون الصلاة الخالية عن الفاتحة صلاة و لو كانت متروكة نسيانا أو لعذر و لا قائل به، و القول بتقييدها بصورة القدرة و العمد خروج عن ظاهر اللفظ فليس بأولى من حملها على نفي الكمال من غير التزام بالتخصيص؛ إذ لا بعد في كون صلاة الناسي للفاتحة أو غير القادر عليها دون صلاة الآتي بها عن الكمال، بل الظاهر ذلك.

و دعوى ترجيح التخصيص على المجاز غير جارية في المقام؛ لشيوع التجوّز هنا حتّى قيل فيه بالنقل، مضافا الى ما في التخصيص المذكور من الخروج عن الظاهر؛ لكونه تخصيصا بالأكثر و هو على فرض جوازه بعيد جدّا، و لا أقلّ من مساواته لما ذكر من الإحتمال، و هو كاف في هدم الاستدلال.

و فيه- مع اختصاص المناقشة ببعض الروايات المذكورة فلا مانع في غيره من تلك الجهة- أنّه لا بدّ من التقييد المذكور قطعا، للأدلّة الدالّة عليه، فالمراد أنّه لا صلاة للقادر الغير الغافل إلّا بالفاتحة.

و دعوى معارضة ذلك بالحمل على نفي الكمال و لا حاجة إذن الى التقييد فيتقاوم الاحتمالان غير متّجهة؛ ضرورة كون الحمل عليه في غاية البعد من اللفظ.

____________

(1) عوالي اللآلي: ج 2 ص 167 ح 3.

(2) عيون أخبار الرضا: ج 2 ص 61 ح 248.

452

و يشهد له فهم كافّة الأصحاب و غيرهم حيث اتّفقوا على دلالتها على وجوب الفاتحة في الصلاة، و لو حمل على المعنى المذكور لم يكن دالّا على وجوب الفاتحة أصلا، و هو كما ترى إسقاط للرواية عن الإفادة، فعلى فرض الخروج عن حقيقة اللفظ فلا مناص حينئذ من حملها على نفي الصحّة، فلا بدّ من الالتزام بالتقييد، و حينئذ فيلزم الخروج عن الظاهر من وجهين، بخلاف ما إذا حمل على ما قلناه فيقدّم عليه.

و ما ذكر من لزوم التخصيص بالأكثر فممّا لا يعرف الوجه فيه، فإنّ نسيان الفاتحة في كمال الندرة، و كذا عدم القدرة عليها كما يشاهد ذلك بالنظر الى أحوال المسلمين.

خامسها: أنّها معارضة بقوله (عليه السّلام): «إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة» (1) فإنّ ظاهر العطف قاض بالمغايرة، و تحقّق مفهوم كلّ منهما بدون الآخر و قوله (عليه السّلام):

«الصلاة: ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود» (2) و نحو ذلك ممّا ورد فإنّ ظاهر العبارة تحقّق الماهيّة بذلك، و هو يعمّ الصحيح و الفاسد.

و فيه أنّ الرواية الاولى لا دلالة فيها على ذلك بوجه؛ لظهور مغايرة الشرط للمشروط، و ليس القائل بوضع الصلاة للصحيحة قائلا باندراج الشرائط في مسمّى اللفظ كما قد يتوهّم.

فإن قلت: إذا حكم بوجوب الصلاة فقد دلّ ذلك على وجوب ما اشترط في مسمّاه، فأيّ فائدة في ذكره؟

قلت: أوّلا: أنّ ذلك مبني على القول بوجوب المقدّمة، فلا دلالة فيها على ذلك على القول بعدمه، كما هو مذهب المعترض و إن اخذ في التسمية.

و ثانيا: أنّ في التصريح بالحكم زيادة دلالة على المقصود؛ إذ قد يخفى الحكم بالوجوب لعدم اندراجه في الدلالات اللفظيّة، مضافا الى ما فيه من الدلالة على‏

____________

(1) الوسائل: ب 4 من أبواب الوضوء ح 1 ج 1 ص 261.

(2) الوسائل: ب 1 من أبواب الوضوء ح 8 ج 1 ص 257.