رحلة الصفار إلي فرنسا

- محمد بن عبد الله الصفار المزيد...
324 /
55

في حفل استقبال بقصر التويلوري(Tuileries) ، و سلمه أيضا الرسالة التي وجهها إليه السلطان عبد الرحمن بن هشام‏ (1). و تتناول الرسالة المذكورة (الملحق رقم 4) موضوع الأمير عبد القادر، إذ طلب السلطان الحصول على مزيد من الوقت للتمكن من تنفيذ خطة تستهدف إبعاده عن المغرب دونما حاجة إلى بذل جهود مضنية في سبيل ذلك، كما جاء في الرسالة. و تضمنت هذه الأخيرة انتقادا مغربيا لموضوع التسوية الجديدة للحدود بين المغرب و الجزائر، و انتهت باحتجاج شديد على محاولات التوغل الفرنسية في السواحل الجنوبية (2).

و تطلبت الإجابة على الرسالة السلطانية أزيد من شهر، إذ عبر كيزو وزير الخارجية الفرنسي في رسالته الجوابية عن اعتقاده أنه «سيكون من الأفضل نسيان الماضي» (3) و تفادي العودة إلى استعراض جملة من الشكاوي القديمة. و في نظره أن الهدف من سفارة أشعاش إلى باريز كان هو اتخاذ المغاربة فرجة استعراضية لا أكثر.

و وردت في مذكرات كيزو معطيات إضافية عن الجوانب السياسية للسفارة المغربية، فقدمها على أنها فرجة خالية من الجوهر و ليس لها مدلول حقيقي. فقال في معرض حديثه عن أشعاش، إنه كان «شابا عربيا ذا شخصية مقبولة، على مستوى من‏

____________

(1) توجد رسالة التفويض إلى أشعاش عند عبد الرحمن بن زيدان في كتابه إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، 5 أجزاء، (الرباط، 1929- 1933)، 5: 170؛ أيضا داود، تاريخ تطوان 3: 295. و توجد ترجمة بالفرنسية للرسالة نفسها في: 125- 123/AAE /MDM .

و كتب أشعاش إلى أخيه حول استقبال الملك الفرنسي له (الملحق رقم 2، ثم الوثائق 2: 119- 121). كما نقل دوشاستو إلى الوزير ابن ادريس أخبار أنشطة أعضاء البعثة السفارية في باريز من خلال رسالة وجهها إليه، و هي مسجلة بمديرية الوثائق الملكية، تحت رقم 17570، و مؤرخة في 28 محرم 1262/ 26 يناير 1846.

(2) رسالة السلطان مولاي عبد الرحمن إلى الملك لوي فيليب مؤرخة في 7 محرم 1262/ 6 يناير 1846، و هي محررة بخط يد محمد الصفار، و توجد في: 541/ 4.AAE /ADM أما عن محاولات التوغل الفرنسية فكانت قد تمت بالفعل على مقربة من وادي نون في الجنوب، في الطريق التجارية الفاصلة بين الصويرة و تنبكتو، انظر:

AAE/ MDM 9/ 792- 992," Mission d`exploration des co? tes de Wadnoun( 3481 )"; Mie? ge, Le Maroc 2: 641- 451.

(3) 160- 155/ 4AAE /MDM ، رسالة كيزو إلى أشعاش، 14 فبراير 1846.

56

الجدية و التواضع و الدماثة، لبقا لطيف السلوك. و كان أشعاش شديد الاهتمام بإظهار تمسكه الشديد بعقيدته، و اتسامه بالاحترام و علو المنزلة. كما كان حرصه شديدا على أن يتم استقباله بطريقة جيدة تقديرا لشخصه أو لشخص السلطان الذي كان يمثله أكثر من عزمه على تحقيق هدف سياسي معين». و كان إرساله إلى باريز «دليلا للتعبير بواسطته عن علاقات الصداقة بين المغرب و فرنسا» (1). و يكشف كيزو النقاب، من خلال تعليقاته الواردة في مذكراته، كيف أن السفارة في أعين الفرنسيين كانت لا بد من أن تكون متناغمة مع الإطار الأوربي المتميز بنظرته المتمحورة على الذات إزاء الأحداث، و بشكل هيمنت فيه رغبتهم الواضحة في استعراض مظاهر التفوق الفرنسي. إن ما تميز به ضيوفهم المغاربة من كياسة و مجاملة، بالإضافة إلى حضورهم القوي فعلا، قد اعتبر في حد ذاته مؤشرات ناطقة بالنجاح الذي حققته فرنسا في اتباعها سياسة خارجية تهدف، حسب تعبير كيزو، إلى «ضمان سلامة ممتلكاتنا في إفريقيا» (2). و عبر أيضا عن اعتقاده بأن الزيارة كانت ناجحة، لأنها أدت- كما بدا له- إلى جعل المغاربة قريبين أكثر من أي وقت مضى، إلى قبول فرنسا كعنصر له حضوره الدائم في المنطقة. و كانت قراءته تلك للأحداث صائبة في عمقها، لأن السفارة وجدت مكانا لها ضمن نوادر التاريخ الفرنسي، كفصل من فصوله المثيرة التي اهتم مؤرخو الحقبة الاستعمارية بتدوينها، و اعتبارها دليلا على «عظمة فرنسا» و على نجاحها في بسط نفوذها على شمال إفريقيا، الأمر الذي كان من العسير تفاديه‏ (3).

و بعد انتهاء أشعاش من تنفيذ مهامه السياسية، أطلق العنان لنفسه و لأعضاء البعثة المرافقين له للاستمتاع بباريز و عالمها العجيب. و على عكس ما كتبه الصفار

____________

(1)Guizot ,France under Louis -Philippe ,p .222 .

(2) المرجع نفسه، ص 204.

(3)

J. Cille?," Un ambassadeur Marocain Paris( 5481- 6481 )", Le monde FranC? ais 61, 94) Octobre 9491 (: 68;" Ambassades et Missions Marocaines en France", H- T I, I) 0691 (: 56- 76.

لم يول المؤرخون الفرنسيون انتباههم إلى ما دونه محمد الصفار عن رحلته، و إن كان مييج قد أشار إلى أن سفارة أشعاش لم تدرس بما فيه الكفاية. انظر:J -L .Mie ?ge ,Le Maroc 2 :502 ,note 1

57

في رحلته حين قال: «فما كنا نخرج من المحل الذي كنا نازلين به إلا في بعض الأوقات»، كان أعضاء البعثة المغربية يعيشون حياة اجتماعية نشيطة تحت العيون اليقظة لمضيفيهم الفرنسيين. و رفضت الاستجابة لبعض دعوات الضيافة لاعتبارها لا تناسب مكانة السفير و مرتبته: «فكنا و الحمد لله في أعينهم عظاما، ينظرون إلينا دائما بعين الاحترام و التعظيم، و لو كنا مبتذلين نكثر في الدخول و الخروج لكنا بخلاف ذلك». و كان بوميي(Beaumier) يجيب عن تلك الدعوات برسائل خطية أرفقت في حالات عديدة بهدايا تذكارية من السفير. و من الأعمال الإحسانية التي قام بها أشعاش تكرمه بمنح «فقراء باريز مبلغ 5000 فرنك، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية». و أثارت حاتمية السفير و كرمه انتباه الصحافة الباريزية التي تحدثت كثيرا عن شخص السفير و اعتبرته رجلا ذا ثروة عظيمة «امتلأت يداه بالهدايا».

و كانت أروع الهدايا و أجملها هي التي قدمت إلى الملك، فقد سلم إليه أشعاش قبل مغادرة باريز و في أثناء حفل استقبال بقصر التويلوري، ستة خيول عربية، بالإضافة إلى مجموعة من الحيوانات المتوحشة. و كانت تلك الحيوانات الموجهة إلى حديقة النباتات(Jardin des Plantes) ، عبارة عن أسد و نعامتين و ثلاثة غزلان بالإضافة إلى صنف من الماعز البري غير معروف في أوربا، سماه الفرنسيون هكذا:

»mouton manchettes«

. و وجدت الصحافة صعوبة في التعبير عن تقديرها لقيمة تلك الهدايا في نمطها العربي، فجاء في تعليق كتبته جريدة الإلوستراسيون‏L`il -lustration أنه قد: «كان السلاطين المغاربة يحملون معهم الماس و العطور هدايا، فإذا بأبناء الصحراء يهدوننا اليوم الأسود و الغزلان» (1).

العودة إلى المغرب‏

و دع أشعاش و أعضاء البعثة المرافقين له باريز يوم 27 فبراير 1846. و بعد إلحاح شديد من الفرنسيين، عرج الجميع في اتجاه الجنوب على مدينة تولون(Toulon) التي كان مرساها مقرا أساسيا لوحدات الأسطول الفرنسي. و عند وصولهم هناك، قاموا بجولة استطاعية لأحد المراكب الحربية التي كانوا يجهلون مساهمتها المباشرة

____________

(1) العدد الصادر بتاريخ 10 يناير 1846.

58

لوحة 5: تقديم هدايا السلطان مولاي عبد الرحمن إلى لويس فيلييب‏

59

لوحة 6: صنف من الماعز البري المغربي هدية إلى حديقة النباتات عن جريدة الإلوستراسيون‏L`Illustration ، 21 فبراير 1846

60

في ضرب مدينتي طنجة و الصويرة بالقنابل في عام 1844 (1). و أخيرا كان وصولهم إلى مرسيليا، فتوقفوا أياما عديدة لاقتناء مقادير كبيرة من الحرير و الأقمشة المطرزة بالذهب لفائدة السلطان و الصدر الأعظم‏ (2). و في اليوم الثاني من شهر مارس، صعد الجميع إلى «الميتيور»، فوصلوا إلى تطوان بعد ذلك بخمسة أيام. و قد استقبلوا بحرارة كبيرة عند عودتهم، و هذا ما كتبه أحد الفرنسيين في الموضوع:

" اكتظت الشوارع بممثلين عن كل فصائل الطرقيين و بالعلماء الوافدين من مختلف المساجد، و هم يحملون أعلام الزوايا على اختلاف ألوانها ... و اقترب الباشا من أعضاء كل مجموعة واحدة تلو الأخرى و هو يقرأ معهم آيات من القرآن، بينما كان بعض الصالحين يحاول التقرب منه و منحه بركات الرسول ... النساء و الصبيان و الشيوخ كلهم بادروا إلى السطوح، و كانوا يرتدون الملابس الخاصة بأيام الأعياد.

و كان الحي اليهودي بصفة خاصة في أبهى حلله، بفضل ما كانت تتجمل به نساؤه من ملابس مطرزة و مجوهرات بديعة. فحيت تلك النساء الباشا بزغاريدهن و هتافاتهن، بينما اصطف رجالهن على جوانب الطرقات مقبلين باحترام كبير سلهام الباشا و كذا ركبتيه» (3).

و قبل أن يدخل أشعاش إلى بيته، اتجه إلى المسجد مباشرة حيث يوجد قبر والده، فشكر الله هناك على حسن العودة و على إنهاء مهمته بنجاح.

و على التو، اتجه السفير نحو مراكش لإطلاع السلطان على تفاصيل المهام التي‏

____________

(1) زار المغاربة المركب الحربي حيمابيس‏(Jemmapes) الذي كان بمرسى تولون يوم 25 فبراير 1846AAE /CPM 37- 35/ 16، رسالة بورسي‏(Pourcet) إلى كيزو، 2 مارس 1846. و قد ساهم هذا المركب في ضرب طنجة بالقنابل إذ كان «متموضعا في مواجهة القصبة و على مسافة لا تبعد عن المدينة مقدار رمية البندقية»، انظر كتاب:Warnier ,Compagne du Maroc ,p .69

(2) غادر أشعاش فرنسا حاملا معه ستا و أربعين لفة من البضائع تزن في مجموعها 2064 كيلو كراما، انظر:

AAE/ ADM/ Voyage," Police de chargement".

(3) 74- 71/ 16AAE /CPM ، بورسي إلى كيزو، 13 مارس 1846. يتكلم معظم يهود الجهات الشمالية من المغرب اللغة الإسبانية، لانحدارهم من اليهود المبعدين عن إسبانيا منذ القرن الخامس عشر الميلادي.

61

قضاها في فرنسا (1). و في يوم 22 مارس 1846، التقى القنصل البريطاني جون دراموند هاي(J .D .HAY) ، الذي كان أيضا في طريقه إلى مراكش، بأشعاش في الرباط، فتناولا الشاي معا هناك. و كتب هاي في مذكراته متحدثا عن أشعاش ما يلي: «إنه ليعتبر بحق من أحسن المغاربة الذين رأيتهم، و يبدو أنه قد زالت عنه تلك الدرجات المعهودة من التعصب عند المغاربة بعد زيارته باريز» (2). و حسب ما جاء عند دراموند هاي، فقد أحاط السلطان استقبال السفير أشعاش بكل مظاهر التشريف و الإجلال، و في ذلك دليل على رضى السلطان عن سلوك مبعوثه أثناء وجوده في الخارج.

و عاد أشعاش إلى تطوان لممارسة مهام الباشوية على المدينة، غير أنه ما كان بمقدرته نسيان أولئك الذين نزل عندهم ضيفا في الديار الفرنسية. و تفيدنا بعض النصوص الموجودة ضمن الوثائق الفرنسية أنه كتب إلى دوشاستو(De Chasteau) العبارات التالية: «إذا كانت لكم رغبة شي‏ء، فأخبروني بها، و بعون الله تعالى سوف ألبيها لكم» (3). و نجده بالفعل خلال ربيع 1846 و صيفه، يزود القنصل الفرنسي بمعلومات قيمة عن بعض القضايا المحلية (4). و ما لبث أن ظهر مناصرون آخرون لفرنسا، فتوسعت دائرة الأشخاص الذين اعتادوا الحصول على المال من الفرنسيين بمن فيهم كبار موظفي المخزن. و حسب المصادر الفرنسية، فإن الوزير ابن إدريس قد حصل من الفرنسيين على مبلغ قيمته 290، 29 فرنك بالعملة الإسبانية الذهبية المعروفة قديما بالدبلون. كما وافق بوسلهام بن علي على تسلم ما قيمته 360، 10 فرنكا بعد أن أقسم على «كتمان ذلك». و تلقى عامل الريف المدعو بن عبو و عودا بالحصول على ما قدره 000، 18 فرنك سنويا «طالما استمر في قيامه بأعمال يكون من شأنها

____________

(1) وثائق عائلية، ابن ادريس إلى محمد الرزيني، 20 ربيع الأول 1262/ 18 مارس 1846.

(2)

J. H. D. Hay, Journal of an Expedition to the Court of Marocco in the year 6481( Cambridge, 8481 ), p. 54.

(3) 68/ 16AAE /CPM ، أشعاش إلى دوشاستو، 10 مارس 1846.

(4) 212/ 17AAE /CPM ، دوشاستو إلى كيزو، 27 شتنبر 1846. يحدثه فيها عن التقرير الذي بعث إليه به أشعاش حول وصول قطع صغيرة من الأسطول البريطاني إلى تطوان.

62

خدمة مصالح فرنسا» (1). فتحولت بذلك توقعات ليون روش إلى حقيقة، إذ حدثت بالفعل ثورة داخل البلاط السلطاني، و تمكنت فرنسا من تدعيم موقفها إلى ذلك الحين.

فكتب القنصل البريطاني دراموند هاي بلهجة لا تخلو من الحسرة أنه: «لا يمر يوم واحد دون أن أسجل التراجع الحاصل لنفوذنا و التزايد الواضح لنفوذ الفرنسيين» (2).

و نظر المغاربة أيضا بعين الرضى إلى تلك السفارة؛ فبعد عودة أشعاش، قرر كيزو أن يرفع ضغوط بلاده عن السلطان، ليترك أمامه حرية اختيار الطريقة التي يراها مناسبة لمعالجة قضية الأمير عبد القادر (3). و نتيجة لحرمانه من المعونات المغربية، لا يستبعد أن يكون المقاوم الجزائري قد قرر تسليم نفسه و الذهاب إلى المنفى. غير أن‏

____________

(1) 165- 160/ 18AAE /CPM ، دوشاستو إلى كيزو [؟]، 12 فبراير 1847. و ذكر العروي أن بعض الأسر شرعت في الحصول على مبالغ مالية كبيرة، فأصبحت بذلك «أو فى حليف للمصالح الأوربية»، انظر:History ,p .223 . و كانت أعمال الارتشاء من القبيل نفسه سارية المفعول في الإمبراطورية العثمانية منذ القرن الثامن عشر، حيث أصبحت «شيئا مكملا لا يمكن العدول عنه عند إبرام كل الصفقات أو العمليات». انظر:

Thomas Naff," Ottoman Diplomatic Relations with Europe in the Eighteenth Century: Patterns and Trends", in Thomas Naff and Roger Owen, eds., Studies in Eighteenth Century Islamic History( Carbondale, 7791 ), p. 59.

(المعرب): و لم يستثن محمد الصفار من ذلك، إذ نجده يتسلم من جون دراموند هاي، النائب البريطاني، مبلغا ماليا قيمته مائتا جنيه استرليني مكافأة له على موقفه المساند للمقترحات البريطانية أثناء المفاوضات الخاصة بمعاهدة 1856. انظر: 72/ 99.FO ، رسالة سرية من هاي إلى كلارندن، طنجة، 13 نونبر 1856 في كتابنا: المغرب و بريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر (1856- 1886)، منشورات كلية الآداب بالرباط، الطبعة الثانية 1997، ص. 122.

(2) 31/ 99FO ,Public Record Office ، هاي إلى بالمرستون، 4 نونبر 1846. ورد ذكرها عند فلورنوي:

F. R. Flournoy, British Policy toward Morocco in the age of Palmerston( Baltimore, 5391 ), p. 611.

(3) 206- 198Guizot ,France under Louis -Philippe ,pp .. و قد اهتم الناصري في الجزء التاسع من كتابه الاستقصا بتسجيل مظاهر التلاشي المستمر للعلاقات بين السلطان و الأمير عبد القادر، إذ اتهم هذا الأخير ب «استفساد القبائل»، (ص. 50)، و بأنه «رام الاستبداد بل و التملك على المغرب» (ص. 56). و تلقى المغاربة خبر القبض عليه في جو من الفرح و الاغتباط (ص. 58).

63

هذا الانسجام في المصالح بين المغرب و فرنسا كان ظرفيا، إذ أدت ثورة عام 1848 إلى محو كل آثاره بصفة تامة. و في أعقاب ذلك ما لبثت الأطماع الأمبريالية أن برزت من جديد و بدرجة أقوى مما كانت عليه من قبل، جعلت الدولتين تدخلان مرة أخرى في دوامة الصراع و المواجهة (1).

أما الفقيه محمد الصفار، فبعد مدة قصيرة من عودته إلى تطوان، فقد شرع في كتابة فصول رحلته. و ربما كانت لديه نية كتابتها منذ البداية، لأنه اتخذ كناشا سجل فيه كل المعطيات التي عاينها خلال مشاهدته اليومية. و من المحتمل أيضا أن يكون أشعاش هو الذي أمره بذلك، حتى يتمكن من تقديم تقرير مفصل و مكتوب عن الرحلة إلى السلطان مولاي عبد الرحمن. و من الأمور الأكيدة التي لا يتسرب إليها أدنى شك، هو أن أهم ما خلفته تلك السفارة من أثر حقيقي هو الرحلة في حد ذاتها. و إذا كان الزمن قد أسهم في نسيان اسم السفير، و كذا في نسيان الهدف الذي وجهت السفارة من أجله، فإن اسم كاتبها محمد الصفار ظل على العكس من ذلك ثابتا، بل إنه سيظل كذلك على مر العصور لا محالة.

الصفار و جوانب من حياته‏

اسمه الكامل هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، أندلسي الأصل، تطواني المولد (2). أتى أجداده من مدينة جايين(Jae ?n) الأندلسية، و كان والده يلقب‏

____________

(1) يمكن العودة إلى ما مييج عن النتائج المترتبة على السفارة و عن تطورات العلاقات المغربية الفرنسية انظر:. 220- 214: 2Mie ?ge ,le Maroc

(2) يعتبر كتاب تاريخ تطوان لمؤلفه محمد داود المصدر الأساسي لحياة محمد الصفار، 7: 78- 98. و قد استفدنا في هذه الدراسة من مصادر أخرى نذكر منها ما يلي: تقييد في ترجمة الوزير الصفار، مجهول المؤلف، و محفوظ بالخزانة الحسنية تحت رقم 12419، سنشير إليه من الآن فصاعدا هكذا:

التقييد المجهول؛ أحمد الرهوني، عمدة الراوين في تاريخ تطاوين، 6: 523- 533، المكتبة العامة بتطوان؛ العباس بن إبراهيم المراكشي، الإعلام بمن حل مراكش و أغمات من الأعلام، تحقيق و نشر عبد الوهاب ابن منصور، 10 أجزاء (الرباط، 1974- 1983) 7: 34- 35؛ محمد غريط، فواصل الجمان في أنباء وزراء و كتاب الزمان (فاس، 1347/ 1928) ص. 70- 71.

64

بالجياني. يجهل كل شي‏ء عن تاريخ ولادته كما هو شأن المعاصرين له، و عن فصول حياته الأولى، مع أن البيت الذي شهد ولادته ما يزال قائما إلى اليوم في تطوان.

و هو مسكن بسيط من طابقين، لا تحتوي جهاته الداخلية على أي من مظاهر الزينة التي عادة ما تتميز بها دور الأثرياء (1). و توحي بساطة البيت بأن أسرة الصفار كانت متواضعة، و ربما كانت غنية من ثقافتها و أصلها المتميز، لكنها لم تكن على حظ من الثروة المادية.

حلت أسرة الصفار بمدينة تطوان رفقة الجموع المهاجرة فرارا من حروب الاسترداد الإسبانية، عند نهاية القرن الخامس عشر، للالتحاق ببقية المسلمين الأندلسيين الذين أعادوا بناء مدينة تطوان، و اتخذوها قاعدة للانطلاق منها وشن هجمات مضادة على إسبانيا و الثغور الأجنبية المجاورة لسبتة و طنجة. ثم هاجر جزء من الأسرة إلى فاس، غير أن الفرع التطواني منها تجذر و ترعرع في أحضان تلك المدينة المغربية الشمالية و ربوعها. و تعتبر الصورة التي كانت لدى محمد الصفار عن تطوان مسقط رأسه، و الأحاسيس الشاعرية التي انتابته عند مغادرته إياها، دليلا قاطعا على مدى ارتباطه العميق بها (2).

إن لكل مدينة مغربية خصوصياتها الفريدة، و لا تستثنى تطوان من ذلك. إذ أنها تمتد على هضبة واقعة بين الجبال و البحر الأبيض المتوسط، و تميل في وجهتها إلى الأراضي البرية الداخلية أكثر من انفتاحها على البحر. و على امتداد قرون عديدة، التحق بالعناصر المنحدرة من الأصول الأندلسية العريقة، سيل من سكان الجبال الوافدين من الريف أو من منطقة جبالة، و الذين جذبتهم تطوان إليها بأسواقها النشيطة و بساتينها اليانعة المعطاء. و إذا كانت المرسى المجاورة لها في مارتيل تعرف اليوم ركودا مطلقا، فإنها قد عاشت فيما مضى حركة تجارية دائبة. و على الرغم من أنها لم ترق إلى رتبة المرسى الرئيسية للبلاد، فإنها قد شكلت مع ذلك، صلة وصل بين الطرق التجارية النشيطة في اتجاه الشرق و الجنوب. و ازدهرت في أحضانها نماذج‏

____________

(1) و ذلك ما لاحظته سوزان ميلار في عين المكان خلال زيارة قامت بها شخصيا في شهر ماي من سنة 1973.

(2) انظر الصفحات الأولى من متن الرحلة فيما سيأتي.

65

من أثرياء التجار (1) المتميزين ببرانسهم و جلاليبهم النظيفة الناصعة البياض و الذين كانت لهم مشاركة ما في التجارة الدولية. و حاول سكان تطوان الاستفادة من بعدهم النسبي عن مراكز السلطة المخزنية، فسعوا جاهدين في الوصول إلى «الرفع من مقدار ثرواتهم عن طريق التجارة، و استمتاعهم في سلام و سكينة، بما يجدونه من سعادة في الآداب و الفنون» (2).

و كان ثراء المدينة يجذب الأنظار إليها، مما جعلها تكون بين الفينة و الأخرى، مسرحا لمظاهر العنف و الاضطراب. و في سنة 1236/ 1820 دخل إلى المدينة بعض القبليين المؤيدين للمولى إبراهيم، أحد المتنافسين على السلطة مع السلطان المولى سليمان، « [...] و استولوا على مال المرسى، و على مخازن السلطان و ما فيها من سلاح و كتان و ملف و غير ذلك [...]» (3). و في أحيان أخرى، كان السلطان يتدخل في الحياة التجارية الحرة لتطوان و يقوم- حسب التعبير المخزني- ب «أكل» ممتلكات التجار الذين تفاحشت ثرواتهم بشكل أصبح باديا للعيان‏ (4). لكن حياة الهدوء كانت في غالبية الأوقات مخيمة على المستوى المحلي للمدينة، و إن تخللتها في بعض اللحظات اضطرابات ظرفية ثمنا لما كانت تعرفه مرساها من إيقاع تجاري على حظ وافر من الرخاء.

و في بعض الأحيان، كانت تلك التجارة تلزم التطوانيين بالاغتراب مؤقتا

____________

(1) تعني لفظة «التاجر» في التعبير العامي المغربي ذلك التاجر النموذجي الناجح، الذي غالبا ما تكون له مساهمة بشكل من الأشكال في التجارة الدولية.

(2) انظر المراجع التالية:

G. S. Colin, EI I, S. V." Tittawin"; J. D. Latham," The Reconstruction and Expansion of Tetuan: The Period of Andalusian Immigration", Arabic and Islamic Studies in Honor of Gamilton A. R. Gibb, ed. G. Makdisi( Leiden, 5691 ), pp. 783- 804; A. joly," Te? touan". 2 e? me partie," Histoire", AM 5) 5091 (: 891- 462, 313- 813.

(3) الناصري، الاستقصا، 8: 152.

(4) في سنة 1242/ 1826، قبض القائد محمد أشعاش بأمر من السلطان مولاي عبد الرحمن على اثنين من أعيان تجار تطوان ثم «استصفى من أموالهما ما وصلت إليه يده ... و بعث بالكل إلى السلطان»، تطوان، 3: 278- 279.

66

و الذهاب متنقلين بعيدا عن مدينتهم. و كانوا ينطلقون في رحلاتهم مبحرين من مرسى مارتيل في اتجاه مراكز البحر الأبيض المتوسط، أو غيرها من الجهات النائية.

فحل البعض منهم بالجزائر، و وصل قليل منهم إلى جهات من بلدان أوربا. في 1212/ 1797 نجد التاجر عبد الرحمن مدينة يحصل من أمناء تطوان، على شهادة تثبت عزمه على « [...] السفر في البحر لبر النصارى لتجارة رائجة إن شاء الله، فأظهر لشهوده ما بصندوقه من المال، فكان عنده أربعة آلاف و خمسمائة و سبعون ريالا و نصف، مع ضبلون عدده ستة و ثلاثون، و عشرون من المطبوع [...]» (1). و قد وصف محمد الصفار الحاج العربي العطار، أحد أعضاء السفارة المغربية إلى فرنسا، بالشخص «الماهر بسياسة المخالطات وجوب الأقطار» (2). و كان أفراد أسرة العطار من مشاهير رجال الأعمال التطوانيين الذين اعتادوا القيام بعمليات تجارية في الخارج.

و من ثم كان التطوانيون يتحلون بحق، بسمات الفطنة و اليقظة المعهودة لدى رجال الأعمال الناجحين، و هي من الصفات التي غالبا ما اعتقد الناس خطأ أن سكان فاس ينفردون بها انفرادا متميزا عن غيرهم. لكن- علاوة على ذلك- كانت لديهم تلك المسحة غير المحلية التي جعلتهم متحررين في سلوكهم أثناء تعاملهم مع الأجانب. و كانت تلك الخاصية من الصفات النادرة في الفترات الزمنية الباكرة من مغرب القرن التاسع عشر.

غير أن وجود اتصالات مع الأجانب لا يعني بالضرورة قبولهم، لأن مدينة سبتة القريبة كانت قاعدة أمامية مسيحية لها احتكاك بهوامش تطوان و أطرافها، بشكل يجعلها تحس و كأنها يمارس عليها ضرب من الانتهاك العنيف لحرمتها. و كذلك حال طنجة غير البعيدة، التي كانت مصدرا لعدوى الأجانب‏ (3). و خلق القرب الشديد

____________

(1) تطوان، 3: 236.

(2) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب.

(3) احتلت البرتغال سبتة عام 1415، و ظلت منذ ذلك التاريخ في قبضة الأجانب. إذ انتقلت إلى يد إسبانيا في 1580، ثم أحكم عليها الإنجليز قبضتهم في 1810، فأعيدت إلى إسبانيا عند نهاية الحروب النابليونية. أما طنجة، مكان إقامة الهيئة الدبلوماسية، فقد كان بقية المغاربة ينظرون إليها دائما بعين الريبة. انظر:

. A. Rey, Revue des deux mondes," Le Maroc et la question d`Alger",( 0481 ): 816. 42

و قد ورد فيها مقتطف من كلام للوزير ابن ادريس قال فيه إن طنجة «هي مدينة المسيحين».* * *

67

من أوربا عند سكان تطوان نوعا من الإحساس المعقد الممتزج بمشاعر الألفة و الازدراء في آن واحد. و شهدت المدينة نمو روح نضالية خاصة، فاعتبر معها العديد من التطوانيين أنفسهم حاملين لواء الجهاد في حرب ضد الاحتلال المسيحي. في سنة 1791، ساند التطوانيون حركة مولاي اليزيد القائم ضد والده سيدي محمد بن عبد الله. و كان السبب الرئيسي الذي حملهم على ذلك، هو تجاهل هذا الأخير لمسألة الوجود الإسباني في سبتة. و قام مولاي اليزيد بمحاصرة المدينة المحتلة، و على الرغم من فشل جهوده، ظلت تطوان مخلصة في ولائها له، في حين نظرت إليه بقية جهات المغرب نظرة احتقار و ازدراء (1).

و هناك مصدر آخر شجع أهل تطوان على الارتباط الشديد بروح النضال الإسلامي و مبادئه. إذ كانت تطوان- منذ القرن الثامن عشر- مركزا لحركة دينية نشيطة مكثفة. و تمحورت تلك الحركة بصفة أساسية حول الزاوية الدرقاوية، المؤسسة حديثا في منطقة غير بعيدة عن تطوان، فانتشرت من هناك لتعم بقية أرجاء المغرب.

و أصبحت الزاوية الدرقاوية قبلة للزوار، فترددوا عليها للمشاركة في طقوسها التعبدية من تلاوة ذكر و غناء و جذبة، و غيرها من الممارسات المعروفة عند مختلف الزوايا و الطرق الصوفية المغربية. و ما لبثت الزاوية الدرقاوية أن بسطت نفوذها على المدينة.

و حين أعلن المولى سليمان، لأسباب سياسية و دينية، معارضته الشديدة لتقديس الأولياء و لكل ما يصاحبه من طقوس لدى الزوايا و الطرق الصوفية، أثيرت ضده في تطوان و أحوازها مشاعر العداء. و تبعا لذلك، لم تتردد كل عناصر التشكيلة الاجتماعية التطوانية، كرجال الزوايا و العلماء و التجار و الأعيان، في تقديم العون و المؤازرة لخصمه مولاي سعيد. و عمت الفرحة الكبيرة سكان مدينة تطوان حينما بلغهم خبر تنازل المولى سليمان عن الحكم لفائدة ابن أخيه مولاي عبد الرحمن بن‏

____________

* * * و يضيف راي معلقا على ذلك بقوله:

»Ce n`est plus le Maroc, ce n`est pas encore l`Espagne«

، «إنها ليست من المغرب في شي‏ء، و لكنها ليست بإسبانيا».

(1) تطوان، 3: 191.

68

هشام سنة 1822 (1).

هذه هي الأرضية التاريخية لمدينة تطوان، مسقط رأس محمد الصفار. تلك المدينة التي يمكن أن يصادف فيها المرء، جنبا إلى جنب، مظاهر أسلوب العيش الرفيع الموروث عن الأندلس، مع أساليب حياة الريف المعروفة بمظاهرها الشديدة القساوة؛ و كذا سيادة الأذواق الحضرية الراقية إلى جانب روح المجاهدين النضالية؛ كما تجد أيضا بين أحضان مساجدها علوم الدين السنية الأصلية و إلى جانبها الممارسات التعبدية التي أحدثتها الزوايا و الطرق الصوفية. إن هذه المتناقضات هي التي شكلت مكونات المحيط الذي أبصر فيه محمد الصفار النور و ترعرع فيه.

و قد بدأ محمد الصفار مرحلته التعليمية في تطوان، فتعلم على يد شيوخ عصره، و إن كانت أسماؤهم مجهولة لدينا (2). و اتجه بعد ذلك إلى فاس لقراءة العلوم بجامع القرويين صحبة رفيقه الحميم محمد عزيمان، الذي أصبح فيما بعد قاضيا بتطوان‏ (3). و لم تكن هناك مدة محددة يتلقى خلالها المتعلمون دروسهم في القرويين.

غير أن جل الطلبة، لا يقضون فيها بوجه عام سوى أربع سنوات أو خمس. و مع ذلك، فقد مكث محمد الصفار بفاس مدة استغرقت أزيد من ثماني سنوات، انهمك خلالها في دراسة علوم الفقه و الحديث و النحو و الأصول، على يد العالم‏

____________

(1) عن هذه الفصول المتعلقة بتاريخ المدينة، انظر: تطوان، 3: 206- 224، 258- 265. أما عن الزاوية الدرقاوية فيمكن الرجوع إلى مادة «درقاوة» في:EI 2 ,» Darkawa « و هناك سبب آخر لا متعاض التطوانين من المولى سليمان، و هو تضييقه الخناق على التبادل التجاري مع الخارج، مما كان له تأثير سلبي مباشر على السير العادي و المربح لأعمال التجارة بمرسى تطوان، انظر:

J. Brignon et al., Histoire du Maroc( Paris, 7691 ), p. 182.

(2) تطوان، 7: 78. لم يترك لنا الصفار أية فهرسة تتضمن لائحة بأسماء شيوخه و عناوين الكتب التي قرأها بتوجيه و رعاية منهم.

(3) المرجع نفسه. و شكلت التربية التقليدية في المغرب موضوع دراسة أنجزها إيكلمان تحت عنوان:

D. Eickelman," The Art of Memory: Islamic Education and its Social Reproduction", Comparative Studies in Society and History 02, 4( 8791 ): 594- 615.

انظر قائمة المصادر و المراجع المستفيضة التي أثبتها إيكلمان في الكتاب أعلاه.

69

الشهير ابن عبد الرحمن الحجرتي‏ (1). و لا بد من أن يكون قد حضر الجلسات المسائية التي كانت تعقد خارج جامع القرويين، و التي كان بعض الطلبة المتميزين يدرسون فيها علم البلاغة و الإنشاء، من أجل التحكم الصحيح في ناصية اللغة العربية. و لما عاد الصفار إلى تطوان في 1252/ 1836 أصبح يلقب بالفقيه دليلا على إحاطته بالفقه و ما إليه من العلوم الشرعية.

تجاوز الصفار بالتعلم في فاس تحصيل الأدوات الشرعية الكافية لممارسة مهام القضاء على سبيل المثال. فبعد إنهاء دراسته بدرجات من الامتياز، كان الصفار على أتم استعداد لاحتلال أعلى المراتب في المجتمع المغربي، و لأن يكون ضمن صفوف الخاصة بكل ما تتميز به من تعارض مع فئة العامة (2). إن تردد الصفار على الأوساط العلمية و احتكاكه بمؤسساتها في فاس، قد منحه و هو شاب في مقتبل العمر من أسرة بسيطة، نوعا من «التجربة الاجتماعية المكثفة» (3) ذات الأهمية البالغة، التي سمحت له بالدخول مباشرة و احتلال مكانه ضمن العناصر الاجتماعية المكونة للنخبة الحضرية و لو على مستواها الجهوي. و اعتمادا على رسائل التوصية المسلمة إليه من أساتذته المرموقين، تمكن الصفار في وقت وجيز من فرصة عمل تتلاءم و تكوينه، فاشتغل عدلا بمدينة تطوان‏ (4). و كان العدول يحظون بالتقدير و الاحترام لدى عامة الناس، لمعرفتهم بأمور الشرع و اتصافهم بالاستقامة و الأمانة. و يؤكد محمد

____________

(1) و اسمه الكامل هو أبو العباس بن محمد بن عبد الرحمن الفيلالي الحجرتي، شيخ الجماعة بجامع القرويين، كان يعتبر من كبار علماء عصره في المغرب. توفي سنة 1303/ 1886. محمد بن جعفر الكتاني، سلوة الأنفاس و محادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء و الصلحاء بفاس، 3 أجزاء. (فاس، 1898)، 2: 206، 3: 9؛. 193Lakhdar ,La vie litte ?raire ,p .753 note

(2) انظر مادتي: «الخاصة و العامة»، في:El 2 ,"al -Khassa wa`l -Amma ".

(3).694 .Eickelman ,"Art of Memory ",p

(4) تتلخص وظيفة العدلية في العقود و الرسوم في مختلف المجالات و المعاملات بين الأطراف المعنية بها و توثيقها، و ذلك بوضع خاتم القاضي عليها. كما يتقن العدل الأسلوب الخاص بتحرير العقود الشرعية وفقا لمقاييس محددة لا بد من الالتزام بها. و تحمل الوظيفة نفسها تسمية مخالفة في البلدان الإسلامية المشرقية هي الشاهد، انظر:

Dozy, R. P. A., Supple? ment aux dictionnaires arabes, 2 vols, Beyrouth, 1891, 2: 301.

70

داود أن الصفار كان يجمع بين تلك الميزتين معا، و استطاع أن يصبح بسرعة من أبرز العدول الموجودين في تطوان. كما كان يقدم الفتاوى في القضايا الدينية، و ينوب أحيانا عن القاضي في اتخاذ القرارات. و يحتمل أنه كانت لديه طموحات ليصبح قاضيا على تطوان.

كان الصفار إضافة إلى مهام العدلية يدرس بمساجد تطوان مواد الحديث و الفقه‏ (1). كما اعتمد تقديم دروس عمومية عند الضحى من كل يوم في مواضيع المعاملات، و دروس أخرى في العبادات فيما بين العشاءين. و مما لا شك فيه أن تلك الأيام قد شكلت أوقات حبور و طمأنينة له. إذ حظي عند التطوانيين أهل بلدته بالاحترام و التقدير، فانغمس في تلك البيئة المريحة التي و فرتها له تطوان مسقط رأسه، منشغلا بمهام التدريس و خطة العدالة. كما نعم الصفار بحياة عائلية مستقرة بعد زواجه بالشريفة مباركة بنت المؤذن، فكانت له منها بنتان تزوجتا في تطوان، و ما زالت ذريتهما تعيش بهذه المدينة إلى اليوم‏ (2).

غير أن حياته الهادئة لم تبق على ذلك الحال بصفة دائمة، و ربما عرفت نهايتها بعد مصاحبته عامل تطوان محمد أشعاش، و ملازمته لابنه عبد القادر أشعاش الذي تولى المنصب نفسه بعد وفاة أبيه. و تقول المصادر إن الصفار قد أبعد على مضض عن متابعة القيام بمهمتي التدريس و العدلية، و مورست عليه بعض الضغوط لحمله على الدخول في خدمة باشا المدينة. و نظرا لمكانة الصفار الجهوية، و تمكنه العميق من أسرار اللغة العربية و علوم الشريعة، فقد أصبح مستشارا لعبد القادر أشعاش في كل القضايا ذات الصبغة الشرعية الصرفة. و يبدو أن دخول الصفار مرحلة الممارسة لمهامه‏

____________

(1) كان من بين تلامذته الشيخ المفضل أفيلال أحد رجالات تطوان المعروفين آنئذ. و قد ترك كناشة أشار فيها إلى أنه بدأ دراسته لكتاب مختصر خليل مع الصفار في 1258/ 1842، و لامية الأفعال لابن مالك في 1259/ 1244، تطوان، 7: 78- 79. و المختصر كما هو معلوم هو تلخيص لموطأ الإمام مالك، وضعه الشيخ خليل بن إسحاق الجندي، 96: 2GAL S . أما لامية الأفعال فهي في موضوع النحو و قواعد اللغة، و قد وضعها جمال الدين بن علي ابن مالك، 526: 1.GAL S و الألفية أيضا منظومة في النحو لابن مالك، 522: 2.GAL S .

(2) بعد مغادرة الصفار لمدينة تطوان، فتح بيتا جديدا في فاس و تزوج هناك مرات عديدة إلى أن بلغ عدد الزيجات أربعا، و هو العدد الذي تسمح به الشريعة الإسلامية. كما كانت له عشرة مع عدة إماء.

71

الجديدة قد تم على الشكل الآتي:

«و سبب اتصال الفقيه الصفار بالسلطان الأعظم مولانا عبد الرحمن نور الله ضريحه، أنه أمر كافة عمال إيالته بأن يتخذوا الكتاب من المدن الذين يحسنون الإنشاء و الترسيل حيث كانت مكاتبهم ترد على الأعتاب الشريفة بخط طلبة البادية الذين لا يفهمون خطابا و لا يحسنون جوابا و لا يعرفون نحوا و لا لغة. و من جملة العمال، عامل تطوان الحاج عبد القادر أشعاش، فطلب من الفقيه الصفار أن يأخذ بيده في أجوبة المكاتب التي ترد عليه من الحضرة الشريفة، فامتنع من ذلك، و لا زال يستعطفه حتى ساعده على ذلك. و لما وصل أول كتاب كتبه على لسان العامل المذكور لسيدنا مولانا عبد الله، استحسنه و قال: الآن أتخذ أشعاش الكاتب» (1).

و حين أمر السلطان مولاي عبد الرحمن عامله على تطوان، عبد القادر أشعاش، بالاستعداد تهييئا لرحلته إلى فرنسا، طلب منه اختيار «عالم يقيم أمر الدين من صلاة و قراءة»، و كان من الطبيعي جدا وقوع اختياره على محمد الصفار. و قد أظهر الصفار حب استطلاع كبير أثناء وجوده في فرنسا، فسجل أمورا كثيرة في أوراقه تسجيلا مفصلا. فهو مثلا يهتم بتذوق أنواع الطعام، و يحاول التقرب من مظاهر البذخ و من كل ما تتميز به الحياة الأوربية من مظاهر أثارت استغرابه و إعجابه بما كانت تزخر به من تنوع. و في هذا الصدد كتب بوميي(Beaumier) إلى دوشاستو(de Chasteau) في طنجة بما يلي: «إن الفقيه ... مشغول طوال الوقت. و إن لديه موهبة عقلية نادرة، و هو بصدد إنجاز بحث حقيقي، فقد كتب أشياء كثيرة» (2).

و على امتداد صفحات الرحلة، بدا الصفار مفعما بالحيوية و بدقة الملاحظات. وجدناه يعبر عن مشاعر الإعجاب أمام جمالية المرأة، و يبدي تحسراته أثناء قيامه بالوضوء استعدادا للصلاة، بل و يتألم متبرما من الساعات الطوال التي كانت تستغرقها وجبات الطعام. أما وجهات نظره و أفكاره فهي متباينة من صفحة إلى أخرى؛ بعضها مبتذل و عادي لا أصالة فيه، و بعضها الآخر أصيل بكل ما في الكلمة من معنى.

و لم تكن الرحلة عند الصفار مجرد سلسلة من الأشياء المثيرة، بل تجاوزتها لتكون‏

____________

(1) التقييد المجهول، صفحاته غير مرقمة. و قد بدأ الصفار مهامه الجديدة على عهد محمد أشعاش والد عبد القادر أشعاش، حسب ما جاء عند الرهوني.

(2)AAE /ADM /Voyage ، بوميي إلى دوشاستو، 29 يناير 1846.

72

تجربة لتكون تجربة حقيقية على درب التحولات. لكن بعد قضاء خمسين يوما في الخارج، لم يخف اشتياقه إلى مدينته تطوان و إلى بيته بقوله: «معاهد أنسنا و مطاب عيشنا و مسقط رؤوسنا و عش أفراخنا و مثار نشاطنا و أفراحنا» (1).

و بعد أن عاد الصفار إلى تطوان، استأنف مزاولة مهام العدلية، و إلقاء الدروس في الجامع، إضافة إلى قيامه بمهمة الكتابة في خدمة الباشا عبد القادر أشعاش‏ (2).

و فوق هذا و ذاك، انهمك محمد الصفار في تحرير رحلته لتقديمها كتقرير مفصل ليرفع إلى حضرة السلطان. و بعد أن أتم الصفار ذلك العمل الشاق، عاد إلى الظل، و لم يقع في فصول حياته شي‏ء يستحق الذكر خلال السنوات القليلة التالية.

غير أن هذه المرحلة ما لبثت أن انتهت في شهر رمضان من سنة 1267/ 1850، حين فقد عبد القادر أشعاش حظوته السابقة عند السلطان مولاي عبد الرحمن.

و بحكم العلاقات الحميمة القائمة بين باشا تطوان و محمد الصفار، وجد الفقيه الكاتب نفسه في وضعية غير مريحة. و قبيل حلول عيد الأضحى، أمر السلطان عامله على تطوان بالقدوم إليه في فاس لتقديم هدية العيد كما جرت العادة بذلك.

و قد امتثل أشعاش واتجه في طريقه إلى فاس مصطحبا معه محمد الصفار دون أن تساوره أي شكوك في نوايا سيده، و هذه رواية محمد داود لبقية الأحداث:

«و لما وصل إلى فاس مع القائد الحاج عبد القادر أشعاش- و كان المترجم له [أي الصفار] كاتبا له- استدعاهما الفقيه الخطيب السيد الكبير الفاسي للغذاء معه بداره، (3) فاعتذر القائد المذكور بأنه سيذهب إلى دار المخزن لتقديم هديته إلى‏

____________

(1) انظر الصفحات السابقة من هذا الكتاب بالإضافة إلى تعاليق بوميي «لقد بدأ السفير و المرافقون له ... يحسون بالشوق إلى بلدهم».AAE /ADM /Voyage ، بوميي إلى دوشاستو، 8 فبراير 1846.

(2) عثر محمد داود ضمن أوراق محمد الصفار على رسوم عدلية تحمل علامة توقيعه المعروفة عند العدول بالدبانة، و تحمل تواريخ تبتدئ بسنة 1263/ 1845. و في ذلك دليل على متابعة الصفار لمزاولة وظيفة العدلية بعد عودته من فرنسا.

(3) عبد الكبير بن المجدوب الفاسي (توفي سنة 1296/ 1879)، ينحدر من أسرة فاسية عريقة، و كان خطيبا بضريح مولاي إدريس في المدينة نفسها. انظر:

E. Le? vi- Provenc? al, Les historiens des chorfa( Paris, 2291 ), p. 643.

و استقى محمد داود معلوماته من القاضي سيدي عبد الحفيظ الفاسي حفيد سيدي عبد الكبير الفاسي المشهور.

73

السلطان. و تغدى الصفار بدار السيد الفاسي، فكان من لطف الله به أنه لما صلى العصر و أراد الخروج، استمهله صاحب الدار إلى أن فات وقت الهدية. فلما خرج الصفار من الدار و وصل إلى الصفارين، وصله نبأ إلقاء القبض على القائد المذكور و على من كانوا معه، فعاد للزاوية الفاسية من حينه بها محترما» (1).

و قد حاول الصفار، في أثناء احتمائه بحرم الزاوية، أن يتفاوض في إمكان إطلاق سراحه، و ربما تشفع له بعض معارفه في فاس و تدخلوا لصالحه لدى الجهاز المركزي للمخزن. و لا يستبعد أن يكون السلطان ما زال يذكر شخصيا أن الصفار هو كاتب الرحلة السفارية إلى فرنسا. و مهما كانت الأمور، فقد سمح للصفار بمغادرة الضريح الذي احتمى به. و لم يكتف بغض النظر عن علاقاته الحميمة بعبد القادر أشعاش، بل وجهت إليه الدعوة للالتحاق رأسا بحاشية السلطان‏ (2).

أما مصير القائد أشعاش، فقد كان أقل حظا من صاحبه. فبينما ظل الصفار آمنا على نفسه بحرم الزاوية، زج بأشعاش و معه كل أفراد أسرته في غيابات السجن.

ثم صودرت كل ممتلكاتهم و بيعت، لتعود مداخيلها إلى بيت المخزن. و تظل الأسباب التي أدت إلى خراب أسرة أشعاش غير واضحة بما فيه الكفاية. إلا أن المعطيات المفصلة المتعلقة بالممتلكات المصادرة كما نشرها محمد داود، توحي بأن ثروة الأسرة

____________

(1) تطوان، 7: 79- 80. كانت مقابر بعض الأولياء «حرما» يمكن أن يجد فيه المتابعون ملجأ آمنا لأنفسهم. غير أن هناك اختلافا بين المصادر في اختيار الصفار للضريح الذي احترم به. إذ يقول محمد داود بلجوئه إلى الزاوية الفاسية، و يؤيده في ذلك ما هو وارد في التقييد المجهول. أما الرهوني، فيعتقد أن الصفار قد فر لاجئا إلى ضريح مولاي إدريس، و هو الحرم التقليدي المعروف في فاس. أما الزاوية الفاسية، فهي المركز الديني لمؤسسها سيدي عبد القادر الفاسي (المتوفى في 1680)، و توجد في حي القلقليين بفاس، انظر:

N. Cigar, Muhammad al- Qadiri`s? Nashr al- Mathani`: The Chronicles( London, 1891 ), p. 231 et note 7; Le? vi provenc? al, Les historiens, pp. 462- 562.

أما الصفارين فهو حي صغير يتوسط قلب مدينة فاس قرب خزانة القرويين. و الاسم مأخوذ عن الحرفيين الذين يصنعون هناك الأواني النحاسية و غيرها.

(2) تطوان، 7: 79. و يؤكد داود أن الوزير ابن ادريس كان مؤيدا لرسائل التشفع الموجهة إلى السلطان و ساعد على إخراج محمد الصفار من المأزق.

74

كانت طائلة و من الأهمية بمكان. و لا يستبعد أن تكون رغبة السلطان مولاي عبد الرحمن في حيازتها سببا رئيسيا في تغيير موقفه من آل أشعاش‏ (1). و من المحتمل أن يكون قد أطلق سراح أشعاش، و سمح له بالعودة إلى تطوان ليعيش هنالك حياة عادية. و في عام 1862 أعاد السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن تعيين أشعاش عاملا على تطوان، لكنه ما لبث أن صادف صعوبات جديدة، فأقيل من منصبه.

و قضى أشعاش ما تبقى من عمره خديما مخزنيا بسيطا في مدينة مكناس إلى حين وفاته بها سنة 1282/ 1865- 1866. و لم تتمكن أسرة أشعاش بكل ما كانت تتميز به من جاه و أبهة، من استعادة سالف مجدها الذي عاشت في أحضانه حينا من الدهر بمدينة تطوان‏ (2).

أما المرحلة الثانية من حياة الصفار، و تشمل الفترة الطويلة التي قضاها في خدمة المخزن على المستوى المركزي، فهي محيرة جدا لكل من يحاول تتبع فصولها و جمع شتاتها في وحدة متناسقة. و قد أحيطت حياته خلال تلك المرحلة التي يمكن تسميتها بالمخزنية، بكثير من الغموض و السرية. و ذابت كل عناصره الذاتية و الفردية لتصبح منغمسة في خضم الوجود الواسع و الحضور القوي لشخص السلطان و بلاطه، و الذي تتمحور كل العناصر التي تكون الأطر و الموظفين المخزنيين حوله كالقطب المركزي. و كانت تبدو كل جوانب الحياة في البلاط و مظاهرها خاضعة في جميع جزئياتها إلى تقنينات بروتوكولية صارمة يصطلح عليها في التعبير المخزني بلفظة «القاعدة». و بموجبها تتحدد كل التصرفات الواجب احترامها داخل البلاط، بدءا من طريقة تقديم الشاي و انتهاء بكيفية استقبال سفراء الدول الأجنبية. و كان يتم تشكيل الموظفين الوافدين على المخزن من جهة نائية من مختلف ربوع البلاد وفقا لتلك القاعدة، و بطريقة تجعلهم يصبحون منصهرين في إطار عينة اجتماعية واحدة متراصة و متلاحمة الصفوف. حيث يتخلى كل واحد منهم عن ولاءاته الجهوية المعهودة لديه بالأمس، ليتحول إلى مخلوق جديد يخلص بكل كينونته و جوارحه إلى المؤسسة السلطانية دون غيرها. و كان انعزالهم عن بقية أفراد الرعي يزداد قوة نتيجة عدم استقرارهم في مكان واحد، بفعل حياة التنقل و الترحال الدائمة التي كان‏

____________

(1) تطوان، 3: 303، 309- 334.

(2) تطوان، 6: 11، 88- 91.

75

يعيشها السلطان و حاشيته، و تحركه في موكبه من مكان إلى آخر. فقد يستقرون بعض الأحيان في أحد القصور السلطانية، و تكون الخيام أحيانا أخرى مأوى لهم و مقاما.

و مقابل ذلك، كان الموظف المخزني العامل بداخل البلاط يحقق بعض المكاسب. إذ يجد نفسه في غنى عن تحمل أعباء مصاريف حياته اليومية على جميع المستويات، من مسكن و طعام و كسوة. و في عهد السلطان مولاي عبد الرحمن، لم يكن كبار موظفي البلاط السلطاني يتقاضون أي رواتب أو أجور محددة. فكانوا من الناحية النظرية، مرتبطين مباشرة في كل حاجياتهم بشخص السلطان الذي يمكن أن ينعم عليهم بدور للسكنى أو بقطع أرضية يستغلونها فلاحيا، و أيضا بالكسوة و حتى بمقادير مالية في بعض الأحيان. لكنهم في الواقع، يستغلون سلطتهم المستمدة من مكانتهم كعاملين في خدمة البلاط، فيكونون ثرواتهم الشخصية. و بصفة عامة، فقد كان كبار موظفي المخزن يحيون دائما في بحبوحة من العيش، و ينعمون باليسر و الرفاهية، بل و حتى ببعض مظاهر الترف‏ (1).

و لو كان لدى المرء حرية الاختيار، لكان من الصعب عليه جدا مقاومة جاذبية الحياة داخل البلاط. و ما حدث لمحمد الصفار، هو أنه لم تتح له فرصة لتحديد اختياره؛ إذ أصبح محروما من حماية راعيه بالأمس في تطوان عبد القادر أشعاش، و دب إليه اليأس و الاكتئاب من جراء المدة التي قضاها محبوسا بحرم الزاوية، فلم يبق أمامه سوى الارتماء في أحضان الخدمة المخزنية داخل القصر السلطاني. و عاش الصفار طوال الثلاثين سنة اللاحقة منغمسا إلى أقصى الحدود في الوسط المخزني المركزي القريب جدا من شخص السلطان، فما لبثت فردانيته أن انصهرت في بوتقة النسيج المخزني العريض، ليصبح جزءا لا يمكن فصله عن مكوناته و ارتبطت حياته‏

____________

(1) تتضمن المراجع التالية وصفا للحياة بداخل البلاط السلطاني خلال القرن التاسع عشر:

E. Aubin, pseud,( Le? on Descos ), Morocco of To- day) London, 6091 (, ch. 21; E. Michaux- Bellaire," Au palais du sultan marocain", RMM 5, 8) aoچ‏t 8091 (: 746- 266;

و للمؤلف نفسه مادة المخزن «مخزن» في»El l ,s .v ."Makhzen ". و أهم ما صدر في هذا الباب باللغة العربية، كتاب عبد الرحمن ابن زيدان، العز و الصولة في معالم نظم الدولة، في جزئين، (الرباط، 1929- 1933)، الجزء 1.

76

ارتباطا وثيقا بذلك النسق.

و حين حل الصفار بالبلاط السلطاني، لم يلحق بمجموعة الكتاب المتخصصين في تحرير المراسلات المخزنية، بل أسند إليه السلطان مولاي عبد الرحمن مهمة السهر على تربية أفراد الأسرة السلطانية و تعليمهم، و من بينهم الأمير مولاي الحسن، الذي أصبح فيما بعد سلطانا على المغرب كما هو معلوم. و بالمقابل، فإن الصفار قد كانت «مونته تأتيه من طعام مولانا عبد الرحمن (رحمه الله) من داره السعيدة صباحا و مساء». و في أعقاب ذلك، أصبح الصفار بصفة تدريجية قريبا من أفراد الأسرة السلطانية، و لم يمض سوى وقت ضئيل حتى ظهرت مواهبه و اتضحت معالمها، فتطورت العلاقات بين الطرفين على الشكل التالي:

«و كان السلطان نفسه يحضر مجلسه حالة تلك القراءة مع الشرفاء (يعني أبناء السلطان و أحفاده)، و يقدمه للصلاة إذا لم يحضر الإمام الراتب. و يستغرق معه جل الأوقات في المذاكرة في العلوم. و كان يكتب لجلالته المكاتيب الخاصة. فكان وظيفه لدى السلطان المذكور كأنه السكرتير الخاص الذي يباشر الأعمال التي لا ينبغي أن يطلع عليها إلا من كان كامل الأمانة موضعا لكامل الثقة» (1).

و بعد أن تحول الصفار من مدرس إلى كاتب خاص يتمتع بثقة السلطان الخاصة، انتهى به المطاف إلى الارتقاء لمنصب الصدر الأعظم في السنوات الأخيرة من حكم السلطان مولاي عبد الرحمن، و هو أعلى المراتب التي يمكن أن يطمح إليها موظف مخزني‏ (2). و كانت مهمته الجديدة تتمثل في الجلوس إلى جانب السلطان، و العمل على تنفيذ أوامره، و البقاء على اتصال مستمر عن طريق المراسلة، مع جميع الموظفين المخزنيين من المستويات المحلية. و على الرغم من أن العلاقات بين السلطان و وزيره قد تختلف حسب الظروف، فإن هنالك نقطة أساسية واضحة تماما، و هي أن الصدر الأعظم لا بد من أن يتمتع بثقة السلطان الكاملة حتى يمكنه البقاء في منصبه. و من الأمور المثيرة المعبرة عن خصوصيات محمد الصفار، صموده الطويل الأمد و بقاؤه مدة

____________

(1) تطوان، 7: 81- 92.

(2) ليس هناك إجماع بين المصادر على تاريخ تعيينه، و يصل الاختلاف الموجود إلى حوالي سنتين، لأن الصفار كان يقوم بمهام الصدارة العظمى مدة طويلة قبل بداية تعيينه بصفة رسمية. تطوان، 7:

81- 92.

77

قاربت ثلاثة عقود من الزمن طرفا فعالا في مركزية السلطة المخزنية. و يعتبر هذا رقما قياسيا له أهميته في عالم المخزن المعروف بتقلباته العديدة.

و بمجرد ما أصبح الصفار صدرا أعظم للدولة، بادر في الحال إلى إقصاء منافسيه مستعينا في ذلك بمكانته السامية الجديدة. و حسب ما هو وارد عند محمد غريط، فقد كان هنالك وقتئذ رئيس البروتوكول المعروف بقائد المشور (1)، «لما له من كمال الأثرة و نفوذ المرة و مزيد الخبرة، قد استولى دونه على مواد النفع و موارد الأخذ و الدفع»، فاشتكى الصفار أمره إلى السلطان الذي أقاله من منصبه. و بعد ذلك، يضيف محمد غريط «استبد الوزير بتدبير أعماله و تنفيذ أشغاله، متمريا ضرعها منتقيا زرعها، [و] أن ما جمعه و بتطوان أودعه» (2).

و لا تسعفنا المصادر إلا بمعلومات طفيفة و خاطفة حول ما تبقى من فصول حياة

____________

(1) «المشور»، هو الساحة الواسعة الأرجاء الموجودة عند مدخل القصر السلطاني. و قائد المشهور موظف مخزني يتولى مسؤلية الحرس الموجود خارج القصر، إلى جانب إشرافه على تنظيم الإجراءات الخاصة بحفلات استقبال سفراء الدول الأجنبية أو غيرها من الأنشطة الرسمية للمخزن المركزي.

ابن زيدان، العز 1: 133- 134.

(2) غريط، فواصل الجمان، ص. 70- 71. أما التقييد المجهول، فنجده على عكس ذلك يعدد صفات الاستقامة في حق محمد الصفار. و أصبح هذا الأخير رجلا ثريا عند ممارسة مهامه مع المخزن. و تتميز سكناه و محل إقامته التي اشتراها فيما بعد في تطوان بتنميقاتها الجميلة الأشكال و بزخارفها الرفيعة على الخشب. و كانت مهامه تتيح أمامه فرصا عديدة لتحقيق المكاسب المادية، لأن العادة كانت جارية بتقديم المشتكين هبات و هدايا مالية إلى وزير الشكايات (انظر الهامش رقم 105)، «تتناسب مقاديرها مع حجم الشكاية و أهميتها» كما جاء ذلك عند:

Michaux- Bellaire," Un rouage du gouvernement marocain: La beniqat ech chikai? at de Moulay Abd el Hafid", RMM 5, 6( Juin 8091 ): 252.

و تضمنت وصية الصفار- و هي وثيقة خطية يبلغ طولها ستة أمتار و عرضها ثلاثون سنتمترا- لائحة مطولة بالممتلكات و العقارات و الديون المخلفة و الأشياء الثمينة التي كان يملكها. و يستفاد منها أنه ترك بعد وفاته أزيد من ثلاثين عقارا موزعة على مدن تطوان و فاس و زرهون و مراكش بقيمة 883، 42 ريال.

لكنه بقيت عليه ديون بلغ مجموع قيمتها 2600 ريال أداها عنه السلطان مولاي الحسن لأصحابها، وثائق عائلية، تطوان.

78

الصفار أثناء مساره الطويل في خدمة المخزن المركزي. ففي صيف سنة 1859 مثلا، حين ساءت صحة السلطان مولاي عبد الرحمن سادت الشكوك حول مصير الولاية، فكان الصفار المركز الأساسي الذي اعتمد عليه المخزن. و جاء في أحد التقارير الفرنسية، أنه تم «استدعاء طبيبين إنجليزيين إلى مكناس في شهر غشت لإجراء فحوص عليه فأكدا بأن حياته أشرقت على النهاية. و كان الصفار هو المتحكم الحقيقي في زمام الأمور» (1). كما لعب الصفار أيضا دورا أساسيا في تولية خلف السلطان المتوفى، سيدي محمد بن عبد الرحمن (1859- 1873) الذي كانت ميوله الإصلاحية واضحة المعالم‏ (2).

و كانت من الأهداف الأساسية للسلطان الجديد، محاولة تحقيق نوع من العقلنة لبنيات الدولة؛ فعمل إلى جانب وزيره محمد الصفار على إنشاء منصب حديث العهد في المغرب هو منصب وزير الشكايات، للنيابة عن السلطان في الرد عن التظلمات الصادرة على المستويات المحلية من مجموع البلاد، و كلف محمد الصفار بتحمل أعباء تلك المهمة الجسيمة. و تتلخص مهمة هذا الوزير في تلقيه جميع أنواع الشكايات، و البت أحيانا في البعض منها شخصيا «حسب رغبة السلطان»، و إحالة بعضها الآخر على حاكم البلاد و سيدها أحيانا أخرى. و كان السلطان يستمع شخصيا إلى المتقدمين بشكاويهم مرة في الأسبوع، ليؤكد بذلك دوره التقليدي كرئيس أسمى لهيئة القضاء، و أنه هو آخر هيئة شرعية يمكن اللجوء إليها في البلاد للبت بصفة نهائية و حاسمة في القضايا ذات الصبغة الشائكة أو المعقدة (3). و يقدم‏

____________

(1)Mie ?ge ,Le Maroc 2 :953 note 4 .

(2) نفسه. و في 1873 لعب الصفار دورا هاما في تهدئة ثورة الدباغين في فاس، حين أقنع السلطان مولاي الحسن بعدم إطلاق المدافع على المدينة بقوله: «يا مولانا إن فاس جوهرة فريدة في المغرب، فإذا هدمناها فمن أين لنا أن نأتي بفاس أخرى»، تطوان، 7: 89؛ المنوني، مظاهر 1: 299- 300.

(3) انظر المراجع التالية:

Laroui, Origines, p. 311; Mohamed Lahbabi, Le gouvernement marocain L`aube du XXe sie? cle( Rabat, 8591 ), pp. 371- 181.

أنشئت وزارة الشكايات بهدف التخفيف من حدة الكرب و الحزن الذي حل في نفوس المغاربة* * *

79

لنا ابن زيدان لمحة عن مهام هذه الوزارة نقتبسها من كتابه إتحاف أعلام الناس:

«و عاد المترجم [السلطان‏] في تقسيم أيام الأسبوع أنه كان- (قدس الله روحه)- يقابل أصحاب المظالم و أرباب الشكايات بنفسه. يوم الأحد يقدم له الوزير المكلف بسماع المظالم و تقييد دعاويهم في زمام المشتكين كل باسمه و نسبه و محل استيطانه و تقرير دعواه، فيأخذ المترجم الزمام و ينادي المقيدين به واحد بعد واحد و يبحث كلا على حدته بحثا مدققا حتى يأتي على جميعهم. فمن وافق مقاله ما هو مقيد عنه وقع بما يراه نظرة الأسد في إنصافه ممن ظلمه. و من وقعت منه أدنى مخالفة يتتبع قضيته و يحلل كلامه أدق تحليل حتى يتضح له وجه الحق، فيقضي بما يراه. هذا كله و وزير الشكاية واقف بإزاء المترجم [السلطان‏] و بيده تقييدة مثل التي بيد صاحب الترجمة [السلطان‏]» (1).

و ظل الصفار على رأس تلك الوزارة طوال فترتي حكم السلطانين سيدي محمد بن عبد الرحمن و خلفه المولى الحسن، إلى حين وفاته في سنة 1298/ 1881.

و بقي الصفار متمسكا إلى النهاية و بصفة قارة بخصلتي الاستقامة و الرزانة اللتين تميز بهما منذ بداية مسيرته. و بخلاف العديد من الذين أثيرت ضدهم حفيظة السلطان و انتهى المطاف بإبعادهم في سنواتهم الأخيرة، نجد الصفار ينهي الفصول الأخيرة من حياته في جو من الهدوء و الطمأنينة، تماما كما كان أمره في البداية.

و على الرغم من كبر سنه، نجده ملازما لحاشية السلطان أثناء كل التحركات و التنقلات التي كان يقوم بها المخزن المركزي بمختلف أرجاء البلاد. و في إحدى حركات مولاي الحسن، أصيب الصفار بوعكة صحية بينما كانت المحلة السلطانية تعبر المناطق الجبلية الممتدة بين فاس و مراكش، فانتاب السلطان قلق كبير على أثرها، فقيل إنه جعل محفته رهن إشارة وزيره الذي كانت حالته الصحية لا تسمح له بركوب الفرس. و حين اقتربت المحلة السلطانية من منطقة دار ولد زيدوح التادلية،

____________

* * * في أعقاب الاحتلال الإسباني لتطوان في 1859. و عن هذه الوزارة، انظر ما كتبه ابن زيدان، العز 1: 50- 54؛ المنوني، مظاهر، الطبعة الثانية، (الدار البيضاء، 1985)، 1: 43، بالإضافة إلى الهامش 102 أعلاه.

(1) يشمل هذا الوصف وزارة الشكايات خلال فترة حكم السلطان مولاي الحسن، الذي تولى الحكم كما هو معلوم بعد سيدي محمد بن عبد الرحمن. الإتحاف، 2: 516.

80

توفي محمد الصفار (1). و أمر السلطان بتحضير جنازته و تهييئها للدفن و الصلاة عليه.

ثم وضع جثمانه من جديد فوق محفة السلطان و حمل عليها إلى مراكش، فأقبر في ضريح الولي الصالح سيدي يوسف بن علي الموجود خارج باب أغمات أحد أكبر أبواب الحضرة المراكشية (2).

و كان دفن محمد الصفار بجوار الولي الصالح سابق الذكر تنفيذا لأمره أصدره السلطان مولاي الحسن، مكافأة له على المدة الطويلة التي قضاها من حياته في خدمة المخزن. و من المتناقضات الصارخة أن يكون تفاني الصفار في خدمة مؤسسة المخزن مدة طويلة هو الذي جعل اسمه يظل محفوظا، في حين سرعان ما نسي إنجازه الكبير في أدب الرحلة. و كل الذين أرخوا لحياة محمد الصفار، ركزوا جميعا على صب حياته في قالب من التقوى و الخصال الحميدة، باحثين عن كل ما يظهر فردانيته و سمو منزلته. و لم يتجاوز أي منهم، باستثناء الفقيه محمد داود (3)، الإشارة بطريقة عابرة و عرضية إلى رحلته التي قام بها إلى فرنسا. كما أن أحدا منهم لم يكلف نفسه عناء التساؤل أو التفكير في الآثار أو العواقب التي كانت لتلك الرحلة على سلوك حياة محمد الصفار خلال ما تبقى من حياته. كما أننا لم نستطع أن نعرف من كل الذين كتبوا عنه، هل كان لتجربة الصفار الخارجية تأثير معين على سياسة المخزن أم لا، بالرغم من أنه قد عاش في فترة كثر خلالها الحديث عن البرامج الإصلاحية وفقا للنمط الغربي بل و كانت وقتئذ من أبرز قضايا الساعة.

و نعلم جيدا أن دقة الملاحظة و الجودة في التعبير الباديتين بوضوح كامل من‏

____________

(1) كانت أسرة ولد زيدوح من الأسر الكبيرة التي غالبا ما زودت المخزن برجال أكفاء مارسوا مهامهم كقواد في منطقة تادلة.

(2) يعتبر سيدي يوسف بن علي أحد صلحاء القرن الثاني عشر ميلادي، و هو واحد من سبعة رجال المعروفين بمراكش، انظر:

G. Deverdun, Marrakech: Des orgines 2191, 2 vols.( Rabat, 9591- 66 ): vol. I, pp. 873- 97; vol. 2, planche 93.

(3) انظر ما كتبه محمد داود عن السفارة المغربية إلى فرنسا في: تطوان، 3: 259- 309. بينما اعتقد المراكشي خطأ أن الرحلة كانت إلى إنجلترا. و قد تدارك هذا الخطأ عبد الوهاب ابن منصور عند تحقيقه لكتاب الإعلام، 7: 35، الهامش 1.

81

خلال صفحات الرحلة قد كانتا أيضا من الصفات المطلوبة في الأوساط المخزنية، و أن ما اتصف به الرجل من ذكاء و لباقة سبق أن مكناه من إيجاد الطريق التي أدت به إلى فرنسا، قد كانت كذلك من بين المزايا المطلوبة أيضا في حاشية البلاط السلطاني. لكن، حتى يمكننا اكتشاف خصوصيات الرجل و تجربته الفريدة، فإننا ملزمون بالعودة إلى الرحلة ذاتها. و كما أن الحديث عن فصول حياة محمد الصفار يعزز فهمنا لمضمون رحلته، كذلك ستساهم قراءتنا لمتن الرحلة في تعميق معرفتنا بجوانب إضافية من حياته.

صدفة اللقاء مع الجديد

تكمن أهمية رحلة الصفار إلى فرنسا و دلالاتها العميقة، في ما تتميز به من فرادة و طابع عالمي. و قد انبعث، من خلال صفحات الرحلة، صوت من الماضي حيا بكل ما في الكلمة من معنى، ليتيح لنا فرصة الدخول إلى عالم يبدو اقتحامه أمرا عسيرا. و إذا كانت قيمة الكتابات الخاصة بالرحلات تكمن في حرفيتها و في ما تتميز به من «إحالة مستمرة على الحاضر» (1)، فإننا نجد أنفسنا هنا أمام ما هو واقعي.

إن الواقعة المشعة، و الانطباع القائم على أساس سذاجة مستبصرة يحتويان في داخلهما على جانب روائي إنساني. و نتيجة لمعرفتنا المحدودة بالعصر، و في غياب أصوات أخرى تتكلم بوضوح مماثل، فإن خصوصيات الرحلة هي التي ستوسع درجات فهمنا.

غير أن الرحلة تضرب أيضا على أوتار تتجاوز ما هو واقعي، و خاصة حينما يفحص النص بنظرات و عيون أخرى غير النظرة التاريخية الصرفة. و أقترح في هذا القسم، تقديم بعض الطرق الهادفة إلى تأويل رحلة الصفار التي تنطوي على مستويات عميقة المعاني. و كانت لدى الأنثروبولوجيين تبصرات بطبيعة التجربة المكتسبة من خلال الرحلات، كما أسهب النقاد الأدبيون في الحديث عن بنية

____________

(1)

Paul Fussell, Abroad: British Literary Traveling between the Wars( New York, 0891 ), p. 302.

و يبدو المدى الذي أثر به عمل فوسيل النقدي في قراءتي للصفار واضحا.

82

الرحلة و عما يتضمنه أسلوبها من تعبير حكائي، فكانت استفادتي منهما معا لتذليل الصعاب و بلوغ الهدف المنشود.

و ذكر الناقد بول فوسيل(Paul Fussell) أن أدب الرحلة فن أدبي يحتوي على نمطين إدراكيين متباينين، أولهما هو الفعلي و البعيد عن الأوهام، أي العالم المادي الملموس؛ و ثانيهما هو النمط الخيالي، الذي يتحول فيه الخاص إلى ما هو عام، و الشي‏ء الحقيقي إلى ما هو تصوري، كما تتحول فيه الملاحظة إلى تهيؤات. «إن كتاب الرحلة شبيه بقصيدة شعرية في إعطائها دلالات عالمية لنسيج محلي صرف» (1). و كان موضوع اهتمامات فوسيل هو كتابات الرحلات البريطانية في فترة ما بين الحربين العالميتين. غير أن الملاحظات التي أبداها و كذا تعليقاته الصائبة تنطبق بقوة مماثلة على رحلة محمد الصفار. مما يوحي بان أجود نموذج لهذا الفن الأدبي، و بغض النظر عن خصوصياته الثقافية، غني بمزايا ذات طابع عالمي مماثل.

و يكتسي السفر إلى أماكن بعيدة للغاية منا، طابعا سحريا، بل و يكون بمثابة حدث كفيل بتغيير مجرى حياتنا. و قد أثار الأنثروبولوجيون الانتباه منذ مدة طويلة إلى مدى التأثير الذي يحدثه السفر في السلوك لبشري و على القدرات الإدراكية لبني الإنسان، و خاصة قدرته العجيبة على نقلنا من مستوى ما هو عادي أو «دنيوي»، إلى مستوى زمان و مكان ما يلبثان أن يصبحا مليئين بخصوصيات «القداسة» (2). و سواء أكان السفر من أجل المتعة أم كان في إطار القيام بالواجب الذي تفرضه طبيعة العمل، فإن السفر فترة فاصلة تفرض ذاتها على الحياة اليومية، و هي فاصلة بين ما

____________

(1) نفسه، ص. 214.

(2) يذكر نيلسون كرابورن‏(Nelson H .H .Graburn) كتابات كل من دوركهايم‏(Durkheim) ، و موس‏(Mauss) ، و ليش‏(Leach) ، و فان جينيب‏(Van Gennep) ، معتبرا إياها ذات أهمية خاصة لصياغة المفاهيم المتعلقة بالقدسي و الدنيوي في علاقاته مع الرحلة. انظر كتابه:

Nelson H. H. Graburn," Tourism: The Sacred Journey", in Valene Smith, ed., Hosts and Guests: the Anthropology of Tourism, 2 nd? ed.( Philadelphia, 9891 ), pp. 42, 62.

و انظر أيضا:

V. Turner and E. Turner. Image and Pilgrimage in Christian Culture: Anthropological Perspectives( New York, 8791 ), ch. I.

83

تتميز به هذه الأخيرة من رتابة و ما هو مثير للإعجاب. و بالفعل، فإن مجرد التعاقب الحاصل بين حالتي العادي و الخارق للعادة، قد يصبح مقياسا لمرور الزمن ذاته. و قال نيلسون كرابورن‏

( Nelson Graburn )

في هذا الصدد، بأن التعاقبات المتباينة بين ما هو قدسي و دنيوي، هي إحدى السبل التي نسلكها لعد مراحل حياتنا و قياسها. إن السفر يساعدنا على تحديد الزمن بالنسبة لأنفسنا، و ذلك بتقسيم الحياة إلى أجزاء منفصلة و مطبوعة بما يمكن تسميته طقوس المغادرة و العودة (1).

إن هذين الحدثين، أي مرحلة الذهاب أو المغادرة التي غالبا ما تتسم بكونها مؤلمة و موجعة، و مرحلة العودة المليئة عكس ذلك بالفرح و الانشراح، هما اللذان يحتل السفر موقعا وسطا فيما بينهما، و يسموان به إلى مستوى الشي‏ء غير العادي. و يؤكد فوسيل على تلك البنية «الثلاثية» التي يتميز بها السرد الروائي للرحلة؛ إذ يقوم الشخص المركزي، كما هو حال البطل الرومانسي، بمغادرة الأشياء المألوفة لديه و يرمي بنفسه نحو المجهول: «أولا، بداية الرحلة بالانفصال عن المألوف؛ و ثانيا، محاولات التأقلم و الشروع في خوض المغامرة؛ و ثالثا، عودة البطل و اندماجه مجددا في المجتمع» (2). إن الرحلة لشبيهة بنوع من «الحياة المصغرة، ذات البداية المشرقة، ثم وسطها، فنهايتها ... المطبوعة بطقوس تزج بنا زجا و بلا رجعة نحو العدم» (3).

و يبدو من خلال رحلة محمد الصفار، أن الابتعاد عما هو مألوف، و الانتقال إلى حالة ذات مستوى شعوري و فكري أسمى، أمر واضح لا غبار عليه. و على الرغم من كون العالم المغربي بعيدا تماما عن كونه من الوجوه البطولية المغامرة، فقد كان مع ذلك مقبلا على خوض تجربة مثيرة. و يمكننا من خلال تعابيره معاينة مدى تأثره العميق، إذ لم يتمالك نفسه حينما أشرف على مغادرة تطوان فجادت قريحته بالبيتين التاليين:

أ تطواننا الغراء هل يسعد الدهر* * * بأوبتنا كيما يعود لنا الوصل؟

____________

(1)Graburn ,"Tourism ",pp .42 -52 .

(2)Fussell ,Abroad ,p .802 .

(3)Graburn ,"Tourism ",p .62 .

84

و هل يبدوا أو يدنوا محياك بعد ما* * * تلاطمت الأمواج و يجمع الشمل؟

(1)

و تضاعفت آلام الصفار من جراء الفراق بخوفه من هول البحر. فالرحلة عبر البحر تفوق كثيرا مستوى المجهول، بل هي مغازلة صريحة للموت. و هنا أيضا، فإن هذا الشعور نموذجي متبادل بين الناس، لأنه غالبا ما يخشى المسافر في أعماقه أن يموت بعيدا عن موطنه الأصلي.

كما تكون مرحلة العودة مشحونة أيضا بالصعوبات. فعند الرجوع إلى الأمور المعتادة، يجد المسافر نفسه مشدودا بين تناقضات مشاعره الوجدانية. إذ لا تعني العودة إلى البيت مجرد التمكن من تجديد الصلة بالأحبة لطول الشوق إليهم، بل تعني أيضا الرجوع إلى القيود و الالتزامات التي تفرضها عليه الحياة اليومية، و أن يترك من ورائه ذلك الطابع السحري العجيب المميز للرحلة (2). و إذا كانت رحلة الصفار لا تحتوي على أي وصف لظروف العودة إلى البلد، فإنها تتضمن تعبيرا شعوريا عميقا بلغ ذروته القصوى من السمو. فقد جاء في الصفحة الأخيرة من مخطوط الرحلة، عندما ودع الصفار فرنسا هذا القول: «و أستغفر الله مما جنت يداي، و أبصرت هناك عيناي من المناكر الشنيعة، و سمعته أذناي من الإشراك و الكفريات الفظيعة» (3).

و كانت الملاحظة عبارة عن خاتمة: إذ تضمنت اعترافا منه بأهمية الأشياء العجيبة التي شاهدها، و تنكرا في الوقت نفسه لمعايشته إياها مدة من الزمن. و بذلك يتحرر الصفار من افتتانه بالتجربة المقدسة، و يشرع في العودة إلى المألوف و المعتاد، و هو واع بما يفعل.

إن البنية الثلاثية للرحلة تجعلها ترتفع إلى مستوى «القصة الرمزية للحياة الإنسانية ذاتها» (4). و كما هو الشأن في الحياة، فقد تتخللها لحظات من البهجة و الحبور و لحظات أخرى من التعاسة و الأسى. و تعلقت بعض الأشياء التي شاهدها الصفار في فرنسا بأمور ذات صلة بالحياة المدنية. غير أنه كانت للكثير منها أيضا

____________

(1) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب.

(2)Graburn ,"Tourism ",p .72 .

(3) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب.

(4)Fussell ,Abroad ,p .902 .

85

علاقة بما صادفه من أشياء غريبة و أخرى عجيبة و شاذة، بل و معاينته لأشياء لم يكن ليتوقعها أبدا لأنها لم تدر في خلده من قبل. إن جدة الموضوع عليه كانت مصدرا لصعوبته، كما كانت في الوقت نفسه مصدرا لإعجابه. و إذا أخذنا بعين الاعتبار الأرضية الثقافية التي ينتمي إليها محمد الصفار، أمكننا أن نفهم كيف أن الأشياء غير المعهودة التي لم يسبق له رؤية مثلها كانت موضوع شكه و ريبته. و كيف أن الجديد لا يمكن أن يشكل في اعتقاده سوى الخطر المحدق لا محالة. و قد أشار فرانز روزنتال(Franz Rosenthal) ، قائلا إنه في عصر المخطوط يكون «النجاح النهائي للأفكار الجديدة التي لا تتماشى مع الأنماط الفكرية السائدة ... نجاحا غير مضمون. و إذا لم تحظ فكرة جديدة بموافقة مجموعة عريضة من العلماء خلال مدة زمنية وجيزة، فالأحرى بها أن تدفن في رفوف إحدى المكتبات، مع وجود آمال ضئيلة في اكتشافها من جديد في وقت لاحق» (1). و فيما يتعلق بشخص وجد نفسه ملزما بكتابة تقرير يتعلق بقضايا معقدة و بأمور غير معهودة، فإن مسألة الثقة به تبدو غير كبيرة. و حتى يتسنى له ضمان القبول لأفكاره تلك، كان عليه بالضرورة العمل على صبها في قوالب معروفة، و تقديمها وفقا للأشكال المعترف بها وقتئذ، و المقبولة من لدن سدنة الأعراف و التقاليد. و خوفا من أن يكون مآل تقريره هو أن يرفضه السلطان سيده العارف ببواطن الأمور، فإنه كان على وعي تام بان أفضل وسيلة لبلوغ الهدف هي الالتزام باحترام الأعراف السائدة (2).

و هنالك ضغوط أخرى كان لها تأثيرها الواضح على محمد الصفار. إذ لا بد من التذكير أن السلطان كان مهتما بالمشروع شخصيا، مما جعله يرقى إلى مستوى عال من الجدية. و لا يستبعد أن يكون التقرير موضع اهتمام و مناقشة مستفيضة في البلاط السلطاني، و ربما قرأه السلطان مولاي عبد الرحمن شخصيا. و ربما كان أيضا البعض من حاشية السلطان من أصدقائه أيام الدراسة، و البعض الآخر من أفراد الأسرة أو

____________

(1)

Franz Rosenthal, The Technique and Approach of Muslim Scholarship, Analecta Orientalia 42( Rome, 7491 ), p. 75.

و كان ذلك هو المصير الذي آلت إليه مخطوطة محمد الصفار. و ربما اعتبر السلطان مضمون الرحلة ضمن القضايا السرية للمخزن وقتئذ، انظر: 512.Laroui ,Origines ,p

(2) انظر نماذج من عناوين الرحلات المغربية في ببليوغرافية هذا الكتاب.

86

من أولئك الذين تربطهم به بعض العلاقات الزبونية، و جميع هؤلاء ينتمون إلى طبقته الاجتماعية. و حتى لا يلحق الصفار بنفسه و لا بولي نعمته عبد القادر أشعاش أي خزي أو أذى، كان عليه بذل قصارى جهده لتحقيق أفضل النتائج الممكنة. فكان لا بد له من أن يظهر عبر أسلوب كتابته و روايته لمختلف فصول الرحلة، كل الخصال الحميدة التي كان يتصف بها كخاصية الوقار و الاطلاع الواسع، و الحرص على سلامة الأفكار من العيوب الإيديولوجية، حتى يضمن لها أوفر حظوظ القبول لدى العناصر المكونة للوسط المخزني في مستوياته المركزية. علاوة على ذلك، كان عليه أن يحرر تقريره عن الرحلة بأسلوب أدبي رفيع يعكس مدى تمكنه من ناصية اللغة العربية و أسرارها.

فما هي عناصر الأسلوب التي منحته المزايا الرفيعة المطلوبة؟ أولا و قبل كل شي‏ء، هناك القرار الذي اتخذه الصفار لصياغة تقريره في قالب الرحلة، و هي من الأجناس الأدبية ذات الأصول العريقة في التقاليد الكلاسيكية. و إذا كانت الكتابات المتعلقة بالرحلات معروفة منذ أزمنة بعيدة و في أماكن عديدة، فإن ذلك الجنس الأدبي قد عرف نموه بصورة زاهية في كل من الأندلس و بلدان المغارب.

و بفعل الإيمان العميق لسكان المغرب، و بعدهم الجغرافي عن منابع الإسلام الأولى في شبه الجزيرة العربية، كانوا حريصين أشد الحرص على أداء فريضة الحج. و كانت الروايات الخاصة بالرحلات الحجازية، التي يشارك فيها الحاج مغامرته مع الآخرين، نموذجا مثاليا للقصة ذات الطابع القدسي. و يتم المرور فيها بالمراحل التالية التي تعتبر أبرز المحطات المكونة للبنية السردية للحكاية: بداية من التوسل و التضرع إلى الله، إلى مراحل الرحلة، ثم المخاطر التي صودفت أثناء الرحلة، و أخيرا بلوغ الهدف المنشود الذي كان يبدو بعيد المنال في البداية. و كان الوصول إلى الديار المقدسة من أكثر الأمور إثارة للمشاعر، إذ تنضوي تحته كل وقائع الرحلة. و يعطي بلوغ ذلك الهدف شكلا و مغزى حقيقيا للرحلة، فيجعلها تكتسي دلالات فعلية بشكل لا يمكن أن يتأتى تحقيقه في حالة الاقتصار على رواية ذات طابع كرونولوجي بسيط. و على مستوى الزمن، فإن أدب الرحلة قد يمتد ليشمل روايات تتعلق برحلات مخصصة لأغراض أخرى، كالتوجه بعيدا طلبا للعلم، أو الذهاب في بعثة سفارية في إطار مهمة دبلوماسية. غير أن أفضل نموذج للرحلة و روايتها على الإطلاق هو الكتابات المتعلقة بالرحلات الحجازية نحو الديار المقدسة.

87

و كان أدب الرحلة تقليدا مغربيا متأصلا جدا في خلفية محمد الصفار الثقافية، مما يسّر الشكل المنطقي الذي صب فيه تجربته في ميدان الرحلات. و الأهم من ذلك، هو أن ذلك النهج كان معروفا عند قرائه، لأن قراءة التوطئة التي افتتح بها رحلته و الشبيهة جدا بالعبارات المعهودة في افتتاحيات نصوص الرحلات الحجازية، كفيلة بمنح هؤلاء القراء مزيدا من الاطمئنان، كما هو حال غالبية النصوص ذات الطابع التقديسي التي تفتتح دائما بديباجة مطولة من التعاويذ و الأدعية المماثلة (1).

____________

(1) عن أدبيات الرحلة عند العرب، انظر:

M. Hadj- Sadok," Le genre ` Rihl", Bulletin des e? tudes arabes 8, 04( 8491 ): 591- 602; GALS 3, index, s. v. rihla; EI 2, s. vv." Djughrafiya"," Hadj".

و عن الأسفار و الرحلات إلى الغرب، انظر:

B. Lewis, The Muslim Discovery of Europe( New York, 2891 ); I. Abu- Lughod, The Arab Rediscovery of Europe: a Study in Cultural Encounters) Princeton, 3691 (; Henri Pe? re? s, L? Espagne vue par les voyageurs musulmans de 0161 0391) Paris, 7391 (.

و عن الرحلات الإسلامية، انظر:

Dictionary of the Middle Ages, vol. 21, s. v." Travel and Transport, Islamic", by Richard Bulliet.

بالإضافة إلى العمل بالغ الأهمية الذي أنجزه أندري ميكيل تحت عنوان:

Andre? Miquel, La ge? ographie humaine du monde musulman jusqu`au milieu du 11 e sie? cle, 4 vols.( Paris, 7691- 8891 ), vol 1, ch. 4 et vol. 2, ch. 7.

و انظر أيضا الهامش 25 سابق الذكر في الصفحات السابقة من هذا الكتاب.

أما عن الكتابات المغربية في موضوع أدب الرحلة، فانظر ما يلي: عبد السلام ابن سودة، دليل مؤرخ المغرب الأقصى، في جزئين، (الدار البيضاء 1960- 1965)، 2: 333- 370. و قد أشار فيه المؤلف إلى حوالي 240 عنوانا، جلها رحلات حجازية غير منشورة. و من المصادر الأخرى، محمد الفاسي، «الرحلة السفارية المغربية»، في البينة، 1، 6 (أكتوبر 1962): 11- 24؛ «الرحالة المغاربة و مآثرهم»، في دعوة الحق، 2، 4 (يناير 1959) 22- 25، و كتب هذا المؤلف نفسه تقديما لكتاب الإكسير في افتكاك الأسير، لمحمد بن عثمان المكناسي، نشره محمد الفاسي (الرباط، 1965).

و انظر أيضا:M .Lakhdar ,La vie litte ?raire ، بالإضافة إلى محمد المنوني، المصادر العربية لتاريخ المغرب، الجزء 1 (الدار البيضاء، 1983)، و الجزء 2 (المحمدية 1989).

88

و في الحقيقة، إننا نجد أنفسنا هنا أمام مشكلة. ذلك بأن أسمى أشكال الرحلات و أكثرها اتساما بالورع و التقوى هي التي تشد فيها الرحال إلى منابع الإسلام الأولى و معاقل الإيمان المقدسة. أما أن تكون هذه الرحلة قاصدة بلاد الغرب، ففي ذلك قلب للأمور رأسا على عقب: فهي رحلة في اتجاه اللامقدس بل إلى ما يعتبر مدنسا من وجهة النظر الإسلامية التقليدية. إذ يكون الرحالة المسلم المتوجه إلى بلاد الغرب عرضة للخضوع إلى المقاييس و الإغراءات السائدة في مجتمع يعتبر فاسدا في جوهره. و هناك لا بد من مواجهة المسلم لصعوبات كبيرة للقيام بالشعائر و الواجبات الدينية. كما أنه يكون مهددا في كل وقت و حين بما يلوث عقيدته أو يدنسها. و كان المشكل المطروح سواء على الصفار أم غيره من الرحالة المسلمين المتوجهين إلى أوربا، هو كيفية التخلص من رائحة ذلك الدنس الملتصقة بهم، و كيفية تبرير سلوكهم حتى يلقى القبول من إخوانهم في الدين و العقيدة.

و كان الصفار على وعي تام بهذا المشكل القائم، فواجهه متسترا وراء عبارة لها وزنها، ألا و هي: مصالح الأمة. و بناء على ذلك، فإن الرحلة إلى بلاد الغرب تستحق أن تتمتع بموافقة جماعة المسلمين لأنها مطابقة للقيم الدينية الهادفة إلى حماية المؤمنين. و في هذا السياق، قال الصفار إن السلطان أرسل البعثة السفارية «جريا على عادته في الحرص على انتظام أمر الخاص و العام»، و أضاف معززا كلامه بما يلي: «و لم يزل هذا دأب أئمة الأمة و حماة الملة. فقد كان (صلى الله‏ عليه و سلم) يبعث لذلك كبراء أصحابه، و فيه إسوة. و تابعه في ذلك الخلفاء الراشدون و الأئمة المهتدون» (1). ليست هناك على الإطلاق سلطة أعلى من هذه السلطة- و هي سابقة سنها المسلمون الأوائل- يمكن أن يستند إليها محمد الصفار ليمنح مغامرته طابع المشروعية و يجعلها أمرا مقبولا و مستحسنا. و سبق لكرابورن القول إن إجماع الجماعة على رأي واحد في مسألة السفر أمر مهم لموضوع الرحلة. إذ هناك ما يبرر الوقت المستهلك و الجهد المبذول اللذين كان من الممكن إنفاقهما لتحقيق أهداف اجتماعية أخرى‏ (2). و هكذا يكون الصفار، بإيجاد رابطة لجهوده مع قداسة الحج، و بحديثه عن النتائج الإيجابية المكتسبة في الماضي عبر الطرق الدبلوماسية، قد بحث عن كل ما

____________

(1) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب.

(2)Graburn ,"Tourism ",p .82 .

89

من شأنه أن يبارك خطواته، إذ وضع مشروعه في سياق تيار له تقاليد عريقة و موغلة في الزمن.

و بالرغم من افتقار الصفار إلى معرفة سابقة و مباشرة بالبلاد الفرنسية، فمن الأكيد جدا أن يكون قد تمكن مسبقا من تكوين أفكار و تصور تصورات تتعلق بأوربا، معتمدا في ذلك على غيره من الذين حلوا قبله بربوعها. و هذا فضلا عن معرفته الشخصية بخصائص النظام الاجتماعي بوجه عام. و لم يقتصر تكوينه على تزويده فقط بالنمط الأدبي للرحلة، بل مكنه أيضا من اكتساب مفاهيم تتعلق بالطريقة التي تتكون بموجبها البنيات المجتمعية. و في هذا المجال، كان مصدره الأساسي هو كتابات ابن خلدون، المؤرخ و الفيلسوف و المنظر الاجتماعي المغاربي، الذي عاش خلال القرن الرابع عشر الميلادي. و كانت المقدمة أهم و أغنى المصادر على الإطلاق التي استقى منها الصفار أفكاره، سواء في مواضيع الجغرافيا و المجتمع، أم حول طبيعة السلطة السياسية بكل مكوناتها (1).

و انصب اهتمام ابن خلدون على ظاهرة العمران و على الكيفية التي يعبر بها عن ذاتيته داخل المجتمع. و عنده أن أفضل طريقة يمكن لبني البشر سلوكها لضمان عيش سليم هي أن يعيشوا متكتلين ضمن مجموعات. و أن بقاء المجموعة و ازدهارها يظل مرتبطا بدرجة التعاون و التآزر الموجودين بين العناصر المكونة لها. و حينما قال الصفار إن فرنسا مركز للحضارة، كان يرى أمامه تجسيدا لأفكار ابن خلدون، لما شاهد عددا

____________

(1) كل الإحالات الواردة في هذا الكتاب على المقدمة مأخوذة عن النسخة الإنجليزية التي وضعها روزنتال:

F. Rosenthal, the Muqaddimah: An Introduction to History, 3 vols.( Princeton, 7691 ).

و يحتوي الجزء الجزء الأول منها على ترجمة لابن خلدون. بينما نجد تلخيصا مركزا لنظرية ابن خلدون في الدولة ضمن الفصل الرابع من كتاب روزنتال الذي يحمل العنوان التالي:

E. I. J. Rosenthal, Political Thought in Medieval Islam( Cambridge, 8691 ).

و للاطلاع على وجهة نظر مغربية في الموضوع، يمكن الرجوع إلى كتاب علي أومليل:

Ali Oumlil, L`histoire et son discours( Rabat, 2891 ).

(المعرب): و عند تعريبنا أو تعاملنا مع الفقرات المتعلقة بابن خلدون اعتمدنا على الطبعة العربية الصادرة في بيروت سنة 1978.

90

هائلا من السكان و هم يشتغلون بحيوية كبيرة و بانسجام و توافق تامين. كما تبنى محمد الصفار المفاهيم الخلدونية المتعلقة بالسلطة السياسية. و كان الفيلسوف المغاربي يؤمن بأن بني الإنسان أنانيون بطبعهم، و لا بد من استعمال القوة لكبح جماحهم.

و من الخصائص المميزة للمجتمعات المحكمة التنظيم، هي أن يكون على رأسها ملك قوي تحت إمرته جيش شديد البأس، و لديه إمكانات مالية متينة يستند عليها لتدبير كل شؤونه. إن اهتمامات الصفار- كما تبدو من خلال صفحات الرحلة- بالقضايا العسكرية و المالية، لم تكن مجرد انعكاس لمشاكل كانت قائمة وقتئذ في المغرب، بل كانت في الوقت نفسه إسقاطا لاعتقاداته المكتسبة من قراءته لكتابات ابن خلدون، و التي تعتبر المال و الرجال دعامتين أساسيتين لا مناص منهما لضمان استمرار الدولة و وجودها.

إن نظريات ابن خلدون المتعلقة بالتنظيم الاجتماعي قد زودت محمد الصفار بأفكار واضحة المعالم عن المجتمعات الفاعلة و المنتجة. و كل الأشياء التي شاهدها الصفار في فرنسا من دور و بنايات مشيدة، و ورشات عمل و حوانيت نابضة بالحيوية، إلى جانب الحقول المزروعة و الأراضي المحروثة و غيرها، كانت دلائل ناطقة بدرجات التقدم الحضاري، بشكل مماثل لما سبق له الاطلاع عليه في صفحات المقدمة. و حتى الخطبة التي ألقاها ملك فرنسا من أعلى عرشه يوم الاحتفال بمطلع السنة الجديدة، كانت تعبيرا عن المفاهيم الخلدونية المدونة في المقدمة المتعلقة بمظاهر السلطة عند الملوك‏ (1). و تعتبر كل هذه الأفكار جزء من الثقافة التقليدية المنقولة عبر الأجيال من العلماء المغاربة إلى الأجيال اللاحقة، و في وسط ضيق من المتعلمين في مستوياتهم العليا، و هي معروفة لدى العناصر ذات التكوين الجيد. و من الطبيعي أن تجد مثل تلك الأفكار صدى لها، بل و أن تلقى الاستحسان في ذهن كل هؤلاء عند قراءتهم للرحلة. إن استحضار الصفار لابن خلدون و احتماءه بأفكاره قد فسحا له مجالا واسعا للتصرف بكامل الحرية. ذلك بأن تقديمه لتصوراته المتعلقة بفرنسا وفقا للنمط الخلدوني، جعله قادرا على التعبير عن مدى إعجابه بالفرنسيين و بكل ما حققوه من منجزات، مع إمكانية بقائه في الوقت نفسه في إطار الحدود الثقافية المسموح بها.

و كان بوسعه القيام بذلك، لأن المجتمع الفرنسي كان يبدو له- على الأقل من حيث‏

____________

(1) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب.

91

مظاهره المادية الخارجية- منسجما مع فكرة الدولة الإسلامية محكمة التنظير و التسيير، و السائدة إلى حدود القرن الرابع عشر الميلادي.

و إذا كان ابن خلدون قد ساهم في وضع اللبنات و الأسس التي بنى عليها الصفار رحلته، فإن الطهطاوي هو الذي زود الفقيه التطواني بمواد البناء. و إذا اكتفى الصفار بإشارة عابرة إلى اسم الرحالة و المفكر المصري المذكور، فإن المقارنة بين متني الرحلتين تبين أن الصفار أخذ أشياء كثيرة عن الطهطاوي‏ (1). و لا نستطيع الجزم بأن الصفار قد اطلع على كتاب الطهطاوي خلال مدة وجوده في فرنسا، أو بأنه وجد نسخة من تخليص الإبريز في المغرب بعد عودته. غير أن ما يبدو واضحا، هو أن كتاب الطهطاوي كان مفتوحا أمام الصفار في بعض النقط، و استمد منه أشياء عديدة، نظر الوجود أوجه تشابه كبيرة في الأسلوب و الشكل و في بعض التفاصيل.

بل و هناك تصرف واضح في عبارات الطهطاوي من حيث أسلوبها الأصلي، بشكل لا يمكن أن ينظر إليه من حيث الأعراف الغربية إلا بأنه من باب السرقة الأدبية. غير

____________

(1) ولد رفاعة الطهطاوي في طهطا بمصر العليا سنة 1801، و تلقى دراسته بجامع الأزهر. و في 1826 أرسله الخديوي محمد علي إلى باريز ليؤم مجموعة من الطلبة في الصلاة. درس في باريز لمدة خمس سنوات، فتعلم الفرنسية بطلاقة، و لخص انطباعاته حول فرنسا في كتاب تحت عنوان:

تخليص الإبريز في تلخيص باريز، و قد نشر بمطبعة بولاق بعد مدة قصيرة من عودته إلى مصر.

و حظي ذلك الكتاب بشعبية كبيرة، فترجم إلى التركية، كما كان معروفا أيضا عند المثقفين المغاربة. و قد صدرت له حديثا ترجمة إلى الفرنسية أنجزها أنور لوقا:

Anouar Louca, L`or de Paris: Relation de voyage, 6281- 1381,( paris, 8891 ).

و كانت وفاة الطهطاوي سنة 1873. أما عن فصول حياته و أفكاره، فانظر ما يلي:

و وردت إشارة الصفار العابرة للطهطاوي هكذا: «الرفعة أفندي»، انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب.

92

أن ذلك ليس من عيوب الأعراف و التقاليد الإسلامية، بل يعتبر على العكس من ذلك مؤشرا على مدى كفاءة الكتاب و اعتماده على مصادر من الدرجة الأولى تستحق كامل الثقة بل و الاقتداء بها.

و لما كان الطهطاوي رجلا عالما شأنه في ذلك شأن الصفار، فقد كان عليه القيام بدور مماثل، و هو تقديم الوعظ و النصائح الدينية إلى مجموعة من المسلمين غير المتبحرين في شؤون الدين، أثناء إقامتهم في وسط تسود فيه ثقافة أجنبية عنهم.

و قد كان مصدر المعرفة الذي نهل منه الرجلان واحدا، كما كانت نظرتهما إلى العالم مماثلة، هذا رغما عن عدم وقوع لقاء سابق بين شخصيهما. إذ كانت تجمع بينهما نوع من القرابة الروحية التي جعلت الصفار يطمئن إليه، و يستمد منه كل ما كان في حاجة إليه بطريقة بسيطة. و كان الصفار يقدر الطهطاوي لسبب آخر، هو أن العالم المصري سمحت له الظروف بالمكوث مدة قاربت خمس سنوات في باريز، بينما لم يقم هو نفسه بالعاصمة الفرنسية سوى خمسين يوما. و يعترف الصفار بأنه لم يتردد في البحث عند الطهطاوي عن كل ما يعوزه في تجربته الشخصية و خاصة في كل ما يتصل بخصوصيات المجتمع الفرنسي.

غير أن هناك حدودا واضحة للتشابه الموجود بين الرحلتين، لأن الظروف التي تمت فيها كل واحدة منهما تظل مختلفة. و حينما غادر الطهطاوي مصر متجها إلى فرنسا خلال سنة 1826، كانت الحركة الإصلاحية في بلاده قد أخذت طريقها منذ مدة، بفعل وجود إرادة حديدية لدى حاكم البلاد محمد علي باشا (1). و إن مظاهر التغيير و أنماطه التي بدأت تحدث على أرض الواقع في الديار المصرية لم تؤخذ بعد بعين الاعتبار في المغرب، و لم تعرف بداياتها الأولى إلا بعد مرور عشرات السنين.

إذ كان العديد من المصريين يدرسون و يناقشون مواضيع في الفلسفة الفرنسية و علوم السياسة، و القوانين و الأعراف الاجتماعية، و المعرفة العلمية، و كلها أشياء لا عهد للمغاربة وقتئذ بفهمها أو بتقديرها حق قدرها. و الدليل على ذلك، هو الغياب الكلي و المطلق عند محمد الصفار في رحلته لبعض المواضيع الوارد ذكرها في كتاب الطهطاوي. و لا بد من التذكير أيضا بأن الطهطاوي كان مبعوثا إلى فرنسا من لدن قائد

____________

(1) عن حركة الإصلاح في مصر، انظر الآتي:

A. L. as- Sayyid Marsot, A Short History of Modern Egypt( Cambridge, 5891 ), pp. 45- 66.

93

سياسي كان يوجد يومئذ في وضعية المهاجم. هذا في حين كان الصفار قد أرسلته زعامة تعيش في فترة اتسمت بالتراجع. و كان هدف الطهطاوي هو أن يكون مدافعا عن الإصلاحات، بينما لم تتجاوز نوايا الصفار مستوى القيام بالمشاهدة و تحرير وصف لها على هيئة تقرير. و من جهة أخرى، فإن رحلة الطهطاوي لقيت كل التشجيع و نالت إعجاب الخديوي بها، بينما لم يقرأ رحلة الصفار إلا عدد محدود من الأشخاص الموجودين ضمن حاشية السلطان، و الذين كانت مواقفهم من التغيير مشكوكا في طبيعتها إلى حد كبير. و يمكن القول في نهاية التحليل إن كل هذه العوامل المتباينة قد حددت طبيعة كلتا الرحلتين و جعلت إحداهما تختلف عن الأخرى.

غير أن ما ينفرد به الصفار في رحلته، هو أن ملاحظاته تأتي مباشرة فورية. فقد شاهد فرنسا بعيون الرجل الذي يفضل التوصل إلى معرفة الأشياء عبر التجربة المباشرة و المعيشة، بدلا من المعرفة المكتسبة من الكتب. و من ثم جاءت رحلته مليئة و غنية بالانطباعات الحية التي خالجته في حينها و عبر عنها بكامل الصدق و الوفاء.

إن مفهوم الملاحظة الشخصية أو المشاهدة، يعني محاولة التعلم و اكتساب المعرفة دونما حاجة إلى عنصر وسيط. إذ كان الرحالة الكلاسيكيون يعتبرون ذلك النهج طريقة مثلى و ذات فعالية كبيرة لكسب المعرفة (1). و كانت إشارة الصفار إلى هذا المبدأ بصريح العبارة، بل و ذهب إلى حد تدعيمه بأمثلة ملموسة. و يقول في هذا الصدد:

«و ما حصلت جم الفوائد إلا من مخالطات البشر» (2). و أتحفنا الصفار من خلال وصف مشاهداته بتفاصيل دقيقة، و كأنه يريد إقناعنا بحضوره الفعلي و بمعاينته الحقيقية وقتئذ لتلك الأشياء الموصوفة. و على الرغم من عدم الاستيعاب الكلي لوظيفة الأشياء التي كلف نفسه عناء وصفها، فإنه لا يتوانى عن التفصيل في الحديث واصفا جزئياتها الكبيرة و الصغيرة، لأن التدقيق في التفاصيل شي‏ء ذو قيمة

____________

(1) «و نقل المعاينة أوعب و أتم من نقل الخبر و العلم، فالملكة الحاصلة عن الخبر على قدر جودة التعليم و ملكة المتعلم [...] و حصوله ملكته». المقدمة، انظر، ص. 399- 400، من الطبعة العربية. و عن المزيد من الإشارات المتعلقة بمدى أهمية الحقيقة المعيشة لدى رحالة العصر الوسيط، انظر الآتي:

Eickelman," Art of Memory", p. 105 note 02; A. Miquel, Ge? ographie humaine 1: 531.

(2) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب.

94

في حد ذاته، و فيه إدراك للحقيقة. و في ذلك الإطار قدم الصفار جاهدا شروحا دقيقة حول مجموعة من التجارب العلمية المليئة بالألغاز، كما أحصى بالعد و العدد الشموع المضيئة لإحدى قاعات الأكل. بالإضافة إلى نقله الأمين لأشكال القناطر و بنياتها و تصاميمها الهندسية المعقدة.

و إذا كان الصفار حريصا على تصوير تلك الأشياء بكل تفصيلاتها، فإن هدفه لم يكن مجرد الوصول إلى تقديم صورة عنها أقرب إلى الحقيقة، بل هو أنه يؤكد لنا بالبراهين عمق وجوده الفعلي بين أحضان تلك الأشياء الموصوفة. و بالرغم من أن الوفاء و الحرص على مسايرة التقليد، كان جيل محمد الصفار لا يزال يعتبره مقياسا أساسيا للحقيقة، فإن تأكيده على فردانيته، و تقديمه لتجربته كعمل مستقل و قائم الذات، هو بمثابة مؤشر على بداية ظهور الجديد، و بأسلوب أدبي أكثر واقعية، يجمع بين الحاكي و المحكي عنه بشكل أكثر حميمية و إيحاء بالألفة مما كان معهودا في الماضي. إنها ليست مجرد تفاصيل و تدقيقات لأشياء ورد الحديث عنها بطريقة اعتباطية حبا في ذكر التفاصيل لذاتها، بل هي في واقع الأمر تأكيد للذات، و تنبيه إلى أن الأمر يتعلق بصدفة لقاء حقيقية مع الجديد (1).

و علاوة على ذلك، فإن الصفار يفرق بطريقة متأنية بين ما شاهده بعينيه، و بين ما قاله الآخرون له، و في هذا مزيد من الرفع لمقدار مصداقيته. إذ تكررت عنده عبارات من قبيل: «يزعمون أن»، أو «يقولون إن»، و ما شابهها من المؤشرات المنبئة بأن الخبر الوارد قد أتاه من مصدر ثان، ربما كان هو الترجمان المرافق لأعضاء البعثة، مما يجعلنا ننظر إلى الخبر بعين الريبة و الحذر على الفور. و تنبه الصفار إلى أن الفرنسيين كانوا يسلكون خطة مدروسة بإحكام من خلال برنامج الزيارات الذي حضروه لإطلاع أعضاء البعثة على مختلف مظاهر الحياة الفرنسية. فقد ظل المغاربة تحت المراقبة المباشرة لمضيفيهم الفرنسيين، فنقلوهم من مواضع سياحية إلى أخرى،

____________

(1) انظر على سبيل المثال رحلة الغساني، افتكاك، التي لا توجد فيها سوى أوصاف مقتضبة للأشياء التي شاهدها الرحالة المغربي بالمقارنة مع ما قدمه محمد الصفار. و عن تنامي الواقعية في كتابه القصة في الأدب الإنجليزي خلال القرن الثامن عشر، انظر:

Ian Watt, the Rise of the Novel: Studies in Defoe, Richardson and Fielding( Berkeley, 7591 ), ch. 1.

95

لخلق «أحسن الانطباعات لديهم بعظمة فرنسا وقوتها» (1). و لم يفت الصفار التعبير عن استيائه من التعريج المتعب بأعضاء البعثة السفارية إلى مدينة تولون‏

( Toulon )

لحملهم على مشاهدة بعض من وحدات الأسطول الفرنسي. كما امتلأ قلبه بالحسرة و الأسى في أعقاب الاستعراض العسكري الذي جرت وقائعه في ساحة شان- دومارس(Champ -de Mars) . و يحتوي متن الرحلة على تراتبية ضمنية للحقيقة، مصحوبة بملاحظات مباشرة على أعلى المستويات. إذ لجأ الصفار إلى نقل المعلومات المستمدة من المصادر الإسلامية في الوسط، بينما وضع الأخبار المستقاة من المسيحيين الذين كان ضيفا عليهم في المؤخرة. و كان بارعا بالفعل في إفصاحه عن القيمة الحقيقية لكل منهما.

و على الرغم من تحمس الصفار للحقيقة، فإنه لم يستطع أن يقدم لنا سوى انطباعات جزئية حول فرنسا. و ذلك لأنه ظل محصورا بين أشياء شاهدها و بعض الأمور التي استطاع إدراك كنهها. و قد ظن الصفار، مثله في ذلك مثل الطهطاوي، أن فرنسا هي باريز بمفهومها الواسع، أي مدينة الصالونات، و الشوارع الفسيحة، و المدينة الزاخرة بمختلف المظاهر الاستعراضية (2).

إن الصفار لم يشاهد غير القليل من المظاهر القاتمة و السيئة لأعماق الحياة الباريزية: من انتشار للفقر و المرض و ممارسة الدعارة، و ارتفاع لأعداد العاطلين عن العمل، إلى جانب الفوارق الصارخة و المؤلمة الموجودة بين الأثرياء و البؤساء؛ و كلها قضايا شغلت بال رجال الأدب المعاصرين من ذوي النزعة الاحتجاجية على الواقع‏

____________

(1) العبارة مأخوذة من التعليمات الموجهة من كيزو(Guizot) إلى بورسي‏(Pourcet) و أورباين‏(Urbain) ، انظر:AAE /CPM ، 15/ 23 نونبر 1845. و عبر الملك لوي فليب عن الفكرة نفسها بصريح العبارة، في رسالته إلى السلطان عبد الرحمن بن هشام في موضوع زيارة السفير المغربي بقوله: «و قد أمرنا وزراءنا أن يبالغوا في إكرامه و تبجيله لكي تطيب له بلادنا و أن يعرضو عليه كل ما فيها من عجائب الفنون و الصنايع». من رسالة لويس فيليب إلى مولاي عبد الرحمن، 13 فبراير 1846، مسجلة ضمن محفوظات مديرية الوثائق الملكية تحت رقم 17575، انظر: (الملحق رقم 3).

(2) سبق للمستشرق الفرنسي سيلفستر دو ساسي‏(Silvestre de Sacy) ، أن لاحظ كيف عمم الطهطاوي أحكامه على الفرنسيين انطلاقا «مما هو سائد لدى سكان باريز»Louca ,L`or ,p .812 .

96

الاجتماعي المر السائد وقتئذ في فرنسا (1). و قد كانت باريز، في نظر الصفار، مدينة تقطنها نساء عفيفات، و يعمرها رجال جادون مجدون في عملهم لا يبغون غير خدمة مصالح دولتهم العادلة و المحكمة التنظيم. و بذلك كانت باريز، هي ذلك الموضع السحري الحافل بكل ما هو رمزي، و هي أيضا المكان الطبيعي الذي تحققت على أرضيته أهداف الرحلة. إن الصفار حين نسب تلك المجموعة من الصفات المثالية إلى باريز، قد ارتقى بها إلى درجة ما هو مقدس، و كثف من درجة الحوار مع بلده تكثيفا أدى إلى وجود معنى تحتي متميز و قائم الذات لرحلته.

و لا بد من أن يخلق التعاقب الموجود بين المقدس و ما هو دون ذلك في موضوع الرحلة، توترا لا مفر منه في وعي الرحالة، بين المكان الذي تمت زيارته و المكان الذي خلفه وراء ظهره. و رغم محاولتنا الهادفة إلى تناسي موطننا، فإن هناك لحظات لا تعد و لا تحصى أثناء الرحلة لا بد أن تذكرنا (2) به. و إن تجربة الرحلة أشبه ما تكون بمرآة ذات وجهين، أحدهما يعكس ما هو جديد، و الآخر يحتفظ بصورة الأشياء المعروفة.

و بصفة حتمية، يجد المرء نفسه و قد بدأ يفكر وفقا لأسلوب المتناقضات، سواء منها ما هو متلائم أم غير متلائم مع الأشياء الجاري بها العمل في الموطن الأصلي للرحالة المسافر. و قد أثارت السرعة و الظروف المريحة التي كان يتم بها التنقل في أرجاء فرنسا لدى الصفار ما تعرفه أحوال السفر و التنقل في المغرب من صعوبات؛ كما ذكرته المراعي الخصبة التي شاهدها عبر نوافذ العربة بحقول بلاده اليانعة الأكثر اخضرارا.

و عند نقط الاختلاف هذه، ينقلنا الكاتب ليقربنا إلى حد بعيد من إدراك طبيعة تلك السيرورة الخيالية التي تقع فيها الرحلة. و تلك هي اللحظات التي يصبح فيها الإيقاع بين العالم الداخلي و الخارجي منسجما بما فيه الكفاية و بالشكل الذي يسمح‏

____________

(1) في سنة 1842 كتب أوجين سو(Eugene Sue) سلسلة من المقالات في جريدة جورنال دي ديبا(Journal des de ?bats) ، تحت عنوان:"Les myste ?res de Paris "، أطلع فيها القراء على «العالم السفلي المخيف لباريز نتيجة للفقر و سيادة العنف». انظر:

David Pinkney, Decisive Years in France, 0481- 7481( Princeton, 6891 ), p. 79.

(2)

I. de Sola Pool," Effects of Cross- national Contact on National and International Image", in H. Kelman, ed., International Behavoir, a Social- psychological Analysis( New York, 5691 ), p. 221.

97

لنا بالاستماع إليه دون عناء. و سبق للفرنسي كلود ليفي- ستروس‏

( Claude Le? vi )) Strauss

أن لاحظ في كتابه «المدارات الحزبية»(Tristes Tropiques) ، أن السفر يعني التمزق على ثلاثة مستويات، هي: الزمان و المكان و العلاقات الاجتماعية (1).

و حسب أندري ميكيل(Andre ?Miquel) ، فإنه عندما يتعلق الأمر بالرحالة المسلمين خلال العصر الوسيط، تسمح لهم الرحلة إلى بلدان غير إسلامية بكل ما تنطوي عليه من تنافرات عديدة، بإتاحة الفرصة أمامهم بشكل لا مثيل له لتجاوز التفاهات المعهودة لديهم من جراء تجربتهم في الحياة اليومية و تحديهم للخيال‏ (2). و حتى يتسنى للمرء التوصل إلى فهم حقيقي للدينامية المحركة لصدفة اللقاء الثقافي، يلزمه الولوج إلى داخل المجال الشعوري للرحلة، حتى يبلغ نقطة الانحراف، حيث تصبح القيم المتراكمة لديه عاجزة عن التعبير، و أيضا حيث تكون صدفة اللقاء مع الجديد منعشة و منشطة لقوة التفكير. و سبق أن قال ألان تراشتنبيرك(Alan Trachtenberg) ، في هذا الصدد: «إننا نبحث عن براهين ثقافية في تلك اللحظات الدقيقة التي يحدث فيها الاتصال بين الأشياء الجديدة و مثيلتها القديمة المعتادة لدينا، و نعمل على إدخال قوة الأشياء ذاتها، ضمن وعينا التاريخي، لترسيخ رد فعل تجاهها ثم استحضاره داخل مجال شعورنا» (3). و بذلك، يمكن النظر إلى رحلة الصفار من منظور آخر، فتصبح مجموعة من التداخلات المفعمة بالحيوية «بين أشياء جديدة و عادت قديمة» تمثل تلك القوة المميزة لردود فعله إزاء ظواهر معينة و هي في أوج الطراوة. و سنقوم فيما سيأتي بفحص لهذا التجاور بين المشاعر و الأشياء، وفقا للتصنيف الثلاثي الذي وضعه ليفي- ستروس و المتضمن للزمان و المكان و العلاقات الاجتماعية، بصفتها

____________

(1) وردت تلك الملاحظة عند أندري ميكيل في كتابه: 115: 1Ge ?ographie humaine ، و اعتمد فيها على قراءة أحد فصول كتاب ليفي ستروس، انظر:

Claude Le? vi- Struss, Tristes Tropiques, trans. J. Russell( New York, 0791 ), chapter entitled" The Quest for Power", pp. 83- 64.

(2)Ge ?ographie humaine 1 :511 ,021 .

(3) وردت هذه العبارات ضمن مقدمة الكتاب التالي:

Wolfgang Schivelbusch, The Railway Journey: The Industrializatio n of Time and Space in the 91 th Century( Berkeley, 6891 ), p. XV.

98

عناصر أكد مدى قابليتها للتمزق خلال اللحظات التي تستغرقها الرحلة.

لقد وجد الصفار نفسه منذ وصوله إلى فرنسا أمام مشاهد و أشياء مثيرة كانت جميعها غير معهودة لديه. و شكلت العلاقة بين الزمان و المكان عنصر ارتباك فوري و آني لدى محمد الصفار، بفعل التباين التكنولوجي الموجود بين فرنسا و المغرب. إذ قدم الرحالة من عالم يتنقل فيه المسافرون على الأقدام أو على الدواب، ليحل بأوربا التي دشنت وقتها انتقالها من مرحلة الاعتماد على القدرات الحيوانية إلى القوة الميكانيكية. و في المغرب يمكن أن يقطع المسافر مسافة طولها ثلاثة أو أربعة أميال في ساعة زمنية، حسب الأحوال التي تكون عليها مسالك المرور. أما في فرنسا فقد كانت نسبة السرعة حسب المدة الزمنية، تفوق ذلك بمرتين حتى في حالة استعمال وسائل النقل المعتمدة على القوة الحيوانية؛ إذ بلغت سرعة الأكداش الفرنسية في أربعينيات القرن التاسع عشر حوالي ستة أميال في الساعة، و هي نسبة تبدو مع ذلك هائلة جدا في نظر إنسان مغربي‏ (1).

و كان لقاء الصفار للمرة الأولى مع تلك الأبعاد الجديدة للسرعة أثناء تنقله في العربة بين مرسيليا و أورليان. و عندما صعد إليها، انخدع بمظهرها فبدت له من فرط تجهيزاتها و كأنها «في الحقيقة بيت من البيوت»، لكنها ما لبثت فجأة أن بدأت تجرها الخيول في عرض الطريق بسرعة كبيرة، جعلت البيت الهادئ يتحول إلى قذيفة تخترق الأجواء و تحطم كل المفاهيم المعروفة عن قدرة الجسم البشري على قطع المسافات.

و حينما ركب الصفار متن القطار لعبور المسافة الفاصلة بين أورليان و باريز، ارتبكت في ذهنه كل المفاهيم المعهودة لديه عن العلاقة بين عنصري المسافة و الزمن. و على الرغم من أن السكة الحديدية كانت لا تزال في خطواتها الأولى، فإن القاطرة كانت تتحرك بسرعة أكبر من عربات الخيول بمعدل يقارب الثلاثين ميلا في الساعة (2).

لقد وصف الصفار ذلك الإحساس الغريب الذي انتابه حينما وجد نفسه‏

____________

(1) انظر ما كتبه العروي حول سرعة التنقل و نسبها في المغرب: 44- 54.Laroui ,Origines ,pp . أما المعطيات المتعلقة بفرنسا، فهي مأخوذة عن بينكني:Pinkney ,Decisive Years . و استفدنا في المناقشات التالية حول السكة الحديدية في بداياتها الأولى و مدى تأثيراتها النفسية في الركاب مما كتبه شيفيلبوش:Schivelbusch ,Railway Journey ,ch .4

(2)Pinkney ,Decisve years ,p .35 .

99

محمولا على متن عربة القطار، فقال بأنه: «يسير ... سيرا لم يعهد مثله في الإسراع يكاد أن يساير الطير في الهواء ... و كنا ننظر إلى جوانب الطريق فلا نرى ما فيها من الأحجار أو غيرها إلا كأنها خيوط متصلة ذاهبة معنا، و لا نحقق الحجر و لا غيره» (1). إن هذه الإشارة إلى الشعور بالطيران لم تكن أمر مقصورا على الرحالة المسلمين دون غيرهم، لأن الرحالة الأوربيين استعملوا أيضا تعبيرا مماثلا على وجه التقريب عند حديثهم عن ركوب القطار للمرة الأولى؛ و هو شعور يفقد عنصري الزمان و المكان قوتيهما المعهودتين لدى الشخص، لأن الرحلة التي كان من المفروض أن تستغرق في المغرب أياما معدودة قد تمت في ساعتين و نصف فقط. إننا نعرف جيدا أن تصور فكرتي الزمان و المكان و كذا العلاقات القائمة بينهما، من الأمور المحددة ثقافيا؛ كما أننا نعرف أيضا أنه من الممكن الاستئناس بتلك العلاقات عن طريق التجربة المتكررة. و كانت تلك هي الحالة عند ركوب القطار الذي أصبح في آخر الأمر من الأشياء الروتينية سواء عند الغربيين أم عند غيرهم. و ما تتميز به حالة محمد الصفار أنها تجعلنا حاضرين بين أحضان الجديد و معايشين للحدث في حالته الخالصة من أي مشاعر أو معرفة مسبقة لعناصره.

و تحتوي الرحلة على أمثلة دقيقة و أساسية أخرى عن العلاقات القائمة بين عنصري الزمان و المكان. و قد انتقل الصفار، أثناء وجوده في فرنسا، من عالم يقاس فيه الزمن بطقوس العبادات إلى عالم يقاس فيه العنصر نفسه، و في غالبية الأحيان، بالحركات الميكانيكية لعقارب الساعة. و في المغرب، كما هو الحال أيضا في جميع بلدان العالم الإسلامي، فإن إيقاع اليوم تتحكم فيه أوقات الصلاة و مواعيدها. إذ يستيقظ المرء ليصلي صلاة الصبح، و يتناول وجبة الغذاء بعد صلاة الظهر، ثم ينهي نهاره بأداء صلاة العشاء. و كان إيقاع الحياة الإسلامية بكل مظاهرها يسير في عالم الذكور وفقا لأوقات محددة تتحكم فيها مواعيد الصلاة، سواء أتعلق الأمر بإبرام عقود و صفقات أم تعلق بتحديد لقاءات أو ما شابه ذلك. و بعبارة أخرى، كان تذكير المرء بأوقات اليوم و ساعاته يتم دائما بواسطة نداء المؤذن المنبعث من صوامع المساجد.

و بذلك كان إيقاع مواقيت الصلاة أدق وسيلة توقيت يمكن أي يطمئن لها المسلم، كما يطمئن سكان العاصمة البريطانية لندن لساعة بيك بن الشهيرة.

____________

(1) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب.

100

و حين كان الصفار بعيدا عن موطنه، و بحكم وجوده في أرض غير إسلامية، فقد وجد نفسه فجأة محروما من تلك المؤشرات الثقافية المحددة لعنصر الزمن. فقال لنا إن اللقاء مع الملك لوي فيليب(Louis -Philippe) قد حدد موعده «في عاشرة النهار»؛ و إن حفل الاستقبال بالقصر الملكي بمناسبة رأس السنة الجديدة هو «أول يوم من يناير عندهم». أي أن فرنسا كانت من حيث عنصر الزمن أرضا تسود فيها الساعة الميكانيكية و التقويم المسيحي، و يقاس فيها الوقت بفوارق زمنية محددة. و كانت توجد في المغرب أيضا ساعات، لكنها غالبا ما كانت تتخذ تحفا تزيينية (1). و قد شاهد الرحالة الأوربيون نماذج منها في بعض الديار الراقية، لكنها نادرا ما كانت تموضعات عقاربها مطابقة للتوقيت الصحيح. و لا يعني ذلك أن المغاربة كانوا يجهلون الساعة الميكانيكية، لأن العكس هو الصحيح، و إنما كان اهتمامهم بها غير كبير (2). فالمشكل الذي كان يعاني منه الصفار ليس هو معرفة الساعة بدقة خلال اليوم، بقدر ما كان منشغلا من الناحية الدينية بالمواعيد التي تحدد مواقيت الصلاة بموجبها.

و هناك جانب أساسي آخر من جوانب الحياة اليومية شكل حقلا نتتبع فيه الصفار مرة أخرى و هو يخوض مغامرة المواجهة مع الجديد، ألا و هو الحد الفاصل بين المجالين الخاص و العام. و سبق لمايكل جيلزنان(Michael Gilsenan) أن قال بأن «المجال ليس نوعا من الأشكال الجاهزة، بل هم عبارة عن مجموعة من البنيات و العلاقات التي لا بد من الاطلاع عليها ... و اكتسابها بالتالي بطريقة ثابتة خلال الحياة اليومية» (3). إن حاجيات بني الإنسان و أنشطتهم متباينة من ثقافة إلى أخرى، و المجال هو الميدان الذي تمارس على أرضيته تلك الوظائف على اختلافها. و لعل تعرف الفرد الأجنبي على القوانين المعقدة التي تحدد المجال و وظائفه الاجتماعية المتغيرة

____________

(1) و نستثني من ذلك طبعا، الساعات الموجودة في القصور السلطاني و الجوامع الكبيرة التي يحرص على ضبط توقيتها لتحديد أوقات الصلاة بشكل سليم. ابن زيدان، العز، 1: 138- 139.

(2) أشار جون دراموندهاي أثناء وصفه لإحدى دور الأعيان بمدينة الرباط، إلى أنها: «كانت مفروشة على النمط المغربي الرفيع، و كانت بها زرابي من مختلف الأصناف، و عدة مرايا و ساعات. و كان يطلق العنان للساعات لكي تختار لنفسها التوقيت الذي ترغب فيه»، انظر:Journal ,p .34

(3)

Michael Gilsenan, Recognizing Islam: Religion and Society in the Modern Arab World( New York ), 2891 (, p. 781.

101

ليعتبر من أصعب تجارب الرحلة عليه. فلا بد من أن يتوصل الرحالة إلى الاستئناس بها عن طريق التعلم أو من خلال الأمثلة، و كل فشل في تعلمها يمكن أن تترتب عنه معاناة و حيرة شديدة. و جل الذين سافروا إلى الخارج لا بد من أن تكون لديهم حكاية واحدة على الأقل، تتعلق بسوء فهم ثقافي ناتج عن خطأ في تأويل تلك الرموز التي تشكل الحدود الفاصلة بين الثقافات.

و صادف الصفار، أثناء وجوده في فرنسا، صعوبات في فهم طبيعة العلاقات القائمة على مستوى المجال المجتمعي. و على سبيل المثال، قدم لنا وصفا لأحد المنازل الفرنسية النموذجية فقال: «و أما أشكال دورهم فإنها مخالفة لشكلنا، فإن دورهم ليست بالساحة و الفوقي و السفلي و البيوت و الغرف كما عندنا، فإنهم يتركون ساحة الدار خارجة عنها مرفقا لها لوقوف نحو الكراريص و الدواب ... و تلك البيوت ...

و كلها لها طاقات كبارا جدا منها تضي‏ء، تشرف على الأسواق و الشوارع» (1). إن التناقض الموجود بين محتوى هذا الوصف و الدار المغربية التقليدية مثير جدا للاهتمام: إذ لا نجد في المغرب نوافذ لتوفير إمكانية الإطلال على الشارع، كما أنه ليست هنالك نقطة معينة يمكن من خلالها، و انطلاقا من الخارج، مشاهدة ما هو بداخل الدار. ذلك بأن الجزء الداخلي للدار يعتبر مكانا خصوصيا صرفا، و تشكل فيه الساحة التي تتوسط الدار مجالا تجري بين أحضانه مختلف مظاهر الحياة العائلية، و لا سبيل لوجود مكان لوقوف الدواب. و بعبارة أخرى، فإن المجال بداخل المنزل المغربي يشكل رابطة قوية بين تداخلات اجتماعية كثيفة تفتقدها فرنسا (2).

و يشكل فناء الدار في المغرب مجالا يمكن للأجنبي عن البيت الوقوف فيه دون انتهاك حرمته الداخلية، و دون إحراج النساء اللواتي لا يرغبن في الظهور أمامه. و كان ولوج الصفار إلى إحدى الدور الفرنسية مباشرة دون حاجة إلى المرور عبر ساحتها تجربة فريدة لم يعرفها من قبل. علاوة على ذلك، فقد وجد بعد و لوجه إلى الدار أن داخلها مفتوح تماما على الخارج بفعل وجود نوافذ كبيرة، و الضوء يغمر أرجاء البيت الداخلية،

____________

(1) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب.

(2) انظر التصميم الخاص بإحدى الدور التطوانية النمودجية في المرجع الآتي:

Ernst Rackow, Beitr ge zur Kenntnis der Materiellen Kultur Nordwest- Marokkos: Wohnraun, Hausrat, Kostچ‏m( Wiesbaden, 8561 ), p. 5 and Tafel 4.

102

مما جعل كل محتوياته تكون مفضوحة و بالتالي عرضة للمشاهدة. إن هذا الانفتاح التام، و ما يترتب عنه من كشف عن أفراد العائلة و ممتلكاتهم الموجودة داخل البيت حتى تكون عرضة للمشاهدين، ليعتبر ظاهرة جديدة تختلف تماما عن الحماية التي توفرها الجدران المحيطة بالحياة العائلية في المغرب. و بعبارة أوضح، فإن المفاهيم المتعلقة بجوانب الحياة العائلية الخاصة لا بد من مراجعتها في الإطار الخاص بفرنسا.

إن قدرة الصفار على إدراك الحدود المجالية قد ارتبكت بشكل أكبر حينما بدأ استكشافه لمختلف جوانب الممارسات الاجتماعية. و على سبيل المثال، أعجب محمد الصفار بالحمام فقدم عنه وصفا مطولا حين قال: «و فيه أيضا كذالك بيوت أخر من الخشب هي حماماتهم هنالك معدة للاستحمام بداخلها بيوت صغار بأغلاقها. و في كل بيت حوض يملأ بالماء سخنا أو باردا أو بهما ليعتدل ... و هذا حمامهم، و ليس عندهم حمام على شكل حماماتنا» (1). و هناك جوانب أخرى أكد الصفار من خلالها على مدى خاصية الانعزال المحيطة بعملية الاستحمام فقال:

«و ذلك البيت مضى بطاقة كبيرة لها غلف من الزجاج، عليه من داخل ساتر رقيق يمنع التكشف و لا يحجب الضوء» (2). و يمكن المرء أيضا الاستحمام في غرفته، فيطلب من الخدم إتيانه بالماء. و بعبارة أخرى، فإن الحمام عند الفرنسيين مسألة خاصة صرفة، تدخل ضمن تلك اللائحة المقتضبة من الأنشطة الجسدية الواجب على الفرد القيام بها بمعزل تام عن الآخرين إما من باب الحياء و إما من باب التواضع.

أما في المغرب، فإن الحمام يمثل فضاء مختلفا تماما عن كل هذا: إذ يتم الاستحمام في غرفة واسعة و مفتوحة لا توجد بها أية جدران تفرق بين مهاجع صغيرة و فردية. كما يمكن أن يستغرق الساعات الطوال، و يشكل حدثا اجتماعيا مهما للفرد خلال يومه ذلك‏ (3). و قد يتبادل الناس الأخبار و الوقائع المثيرة داخل الحمام، كما قد يتحدثون فيه عن قضايا التجار و المال، أو يضربون فيه المواعيد لتنفيذ بعض المشاريع البسيطة أو الهامة. أي أن طقوس الحمام تمثل تجربة اجتماعية جذابة للرجال و النساء على السواء، رغما عن كونها تتم في جو من التفرقة الجنسية بين‏

____________

(1) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب.

(2) نفسها.

(3)Rackow ,Beitr ge ,p .7 .

103

الذكور و الإناث كما هو حال أغلب الوقائع الاجتماعية. و كان يعتبر غياب الحواجز بداخل المجال المكون للحمام، و إتاحته حرية المرور و الالتقاء بين الأفراد و أجسادهم عارية، شيئا لائقا و لا عيب فيه. و بعبارة أخرى، كان الحمام مسألة تدخل في إطار اهتمامات الناس بصفتهم يمثلون جماعة و ليس بقضية شخصية تخص الفرد وحده.

و مع إعجاب الصفار الكبير بالطابع التكنولوجي المميز للحمام، فإنه ظل غير مقتنع بضرورة الانفراد و الانعزال أثناء الاستحمام. و أشار الصفار ملمحا إلى أن تلك المميزات التكنولوجية ربما لم توظف في محلها المناسب، إذ كان بالإمكان استغلال تجهيزات من ذلك القبيل بطريقة أكثر نفعا، كتمكين المرء من القيام بالشعائر التي كانت بالفعل غير متوافرة.

و أصبحت درجة الارتباك إزاء الحدود المجالية الفاصلة أكثر ارتفاعا، حينما تعلق الأمر بالعلاقات القائمة بين الرجال و النساء، و التي اختلفت المقاييس المتحكمة فيها بشكل جذري عما هو سائد في المغرب. و يبدو أن استيعاب الصفار لدروسه كان سريعا في هذا الإطار، بل نجده تواقا إلى مشاطرتنا إياه تلك المعرفة المكتسبة. لقد تقمص الصفار دور المرشد المعين، و شرع في توجيه النصائح لنا حول كيفية معاملتنا للنساء بالطريقة المناسبة لو كتب لنا نحن أيضا أن نكون يوما ما في فرنسا، فقال ما يلي: «و أما العفيفات منهن، فإن من دخل بيت زوجها و هي هنالك، فإنه لا يعد من الظرفاء و الأدباء إلا إذا أبدأها بالتحية و خاطبها خطاب مباششة و ملاطفة في عفة.

و بذلك ينشط زوجها و يزداد عنده فاعل ذالك رفعة و محبة» (1).

إن الأمور قد انقلبت تماما هنا رأسا على عقب، لأن الصفار الذي ينتمي إلى ثقافة تقليدية يعتبر فيها اللقاء بين الرجل و المرأة من قبيل الأشياء النادرة، يجد أمامه إمكانات عديدة للتفاعل مع النساء الفرنسيات اللواتي كن عنده موضع إعجاب و تقدير كبيرين. هذا في الوقت الذي كانت فيه النساء في المغرب يضعن الخمار على وجوههن أثناء وجودهن خارج البيت حتى يكن محجوبات كليا عن العيون، بل و كن يظللن حبيسات الجدران و الأبواب لكي لا يصبحن عرضة للمشاهدة المفضوحة بأعين الغرباء. أما في فرنسا، فإن هناك غياب يكاد يكون مطلقا لمثل تلك الحدود الفاصلة بين الطرفين. إذ تختلط النساء مع الرجال في الصالونات، و يتزين بملابس تكاد لا

____________

(1) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب.

104

تستر إلا أجزاء من جسدهن، بل و تعرض شعورهن و صدورهن و أذرعهن شبه العارية دون إحساس بالخجل. أما في الشارع، فإنهن تكشفن عن وجوههن، و تحدقن بأعينهن في كل الاتجاهات بكامل الحرية و الانطلاق.

لقد أحس الصفار بنشوة عارمة نتيجة لاقترابه الشديد من النساء. و حينما شرع في وصف سلوكهن و ملابسهن، تحول فجأة إلى شاعر، و عمد إلى أسلوب السجع للرفع من المستوى الجمالي لأسلوب كتابته و التعبير بصدق عن مشاعره الفياضة.

و من خلال أسلوبه البلاغي المتأنق، نحس بشوقه العميق إلى القيام بتجربة حسية، لأن بعضا من العديد من تلك الصور التي قدمها الصفار، و إن كانت جلها غير أصلية، توحي بوجود محاولة لديه للتكتم على شهوانيته الجنسية التي هي من الطبائع الفطرية لبني الإنسان قاطبة. و كذلك كان الصفار، كما هو الحال مع جميع الأشياء، يظهر مكبوتاته و يبديها. و بخلاف الطهطاوي الذي كانت وجهات نظره في النساء الفرنسيات أقل إيجابية، رأى الرحالة المغربي أنهن قد كن في الجملة عفيفات فاضلات. و بطبيعة الحال، فإن الصفار لم يكن يفهم الفرنسية، لكن يبدو أنه أدرك أن الحواجز البدنية و المجالية القائمة بين الرجل و النساء في المجتمع المغربي يوجد في فرنسا ما يقوم مقامها على هيأة مجموعة من الأعراف و الطقوس الأخلاقية المصطلح عليها باللياقة و اللطافة أو الكياسة(Politesse) التي تكون حاضرة بكل ثقلها كلما كان اللقاء بين الرجال و النساء. و بناء عليه، فقد ركز الصفار اهتمامه على أن يلقن الآخرين مبادئ أولية في موضوع السلوك القويم الواجب نهجه سواء أثناء الإقبال على النساء و الترحيب بهن أم عند توديعهن، حتى لا يرتكب المرء أي خطأ في إطار هذا المجال الحيوي من العلاقات الاجتماعية.

و كانت الرحلة مليئة باللقاء مع الجديد و مع الأشياء المتميزة بغرابتها أو بطابعها المثير، فكانت تلاحق الرحالة مرحبة به في كل وقت و حين. غير أن تلك الأشياء الغريبة كان لها أيضا منطقها الداخلي الخاص بها. و بالنسبة للصفار، فإن فرنسا كانت تعني ذلك البلد الذي يسود فيه النظام، فما من موقع يقع عليه بصره إلا و يشاهد فيه الدلائل الناطقة بمدى النجاح في وضع الأشياء في أماكنها الصحيحة:

فالأشجار تنمو في صفوف منتظمة مستقيمة، و الحقول محروثة بطرق هندسية بديعة، و الشوارع أنيقة و محتويات الخزانات مرتبة بدقة، و العساكر يمشون في صفوف متراصة، و الخيول مطيعة لراكبيها، و حتى النساء يصففن شعورهن بكامل الدقة