رحلة الصفار إلي فرنسا

- محمد بن عبد الله الصفار المزيد...
324 /
105

و العناية. إن فرنسا هي بلاد النهج القويم و التخطيط البديع، و البلد الذي أخضعت فيه الطبيعة للإنسان، و الوطن الذي روض سكانه حتى يكونوا طائعين لحكامهم. و أمام كل هذا الواقع، ما كان منه إلا أن أبدى حسرته على ما كانت تعرفه بلاده من نقيض لكل ذلك:

«مع ضعف الإسلام و انحلال قوته و اختلال أمر أهله، فما أحزمهم و ما أشد استعدادهم، و ما أتقن أمورهم و أضبط قوانينهم. و ما أقدرهم على الحروب، و ما أقواهم على عدوهم، لا بقلوب و لا بشجاعة و لا بغيرة دين، إنما ذلك بنظامهم العجيب و ظبطهم الغريب، و إتباع قوانينهم التي لا تنخرم» (1).

و في الوقت الذي سلم فيه الصفار بتحكم الفرنسيين في مقاليد الأمور، و حقيقة الواقع تؤيد ذلك، فإنه قد كان أيضا على إدراك تام بأن ذلك النظام الظاهر للعيان بمعالمه الواضحة ينم عن وجود تخطيط عميق تندرج فيه كل مكونات المجتمع بشكل يجعلها جميعها مسخرة لخدمة الإنتاج. و يكمن هنالك السر العجيب لتلك القوة الخفية التي يلمسها و يحس بها غير الأوربيين عند مشاهدتهم ذلك النظام الذي يعم كل مظاهر الأشياء و جل جوانب الحياة الأوربية. إن الأطفال المهذبين، و صفوف الأشجار المنتظمة مؤشرات خارجية نابعة في أصلها من وجود نظام اجتماعي يشك فيه الصفار و يخشى أن يكون غير متلائم مع ما هو سائد في بلده المغرب. إذ يبدو للصفار بأنه نظام معقلن، شديد الفعالية، و أحكمت كل عناصره لتحقيق غايات اقتصادية بدلا من مقاصد دينية. و لا حاجة لنا إلى القول إن ذلك النظام الاجتماعي قد بدا أيضا لمحمد الصفار متميزا جدا بشموليته وقوته، إلى درجة أن مجرد التفكير في مجاراته أو الدخول في مافسة معه قد يكون كافيا ليخلق في نفسه مشاعر اليأس‏ (2).

لقد أتيحت للصفار و هو في أوربا فرصة الإطلالة على عالم آخر، فشاهد ما يمكن للعقل البشري تحقيقه حينما يفسح أمامه المجال لممارسة قدراته الإبداعية، غير أن ذلك العالم كان بعيد المنال. صحيح أن هنالك بعض المخترعات في فرنسا التي‏

____________

(1) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب.

(2) حول تأثير الأفكار الأوربية المتعلقة بالتنظيمات في مصر القرن التاسع عشر انظر:

Timothy Mitchell, Colonizing Egypt( Cambridge, 8891 ), ch. 1.

106

اعتبرها الصفار نافعة و مفيدة، و أنه سلم بمدى تفوق الفرنسيين في الميادين ذات الصلة بقضايا التكنولوجيا و مختلف مظاهر الحياة اليومية. و لكنه يلاحظ، على المستوى الديني، أنهم لا زالوا يعيشون في الكفر، فقال في هذا الصدد تاليا قوله تعالى في سورة الروم:؟ يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ‏؟ (1). إذ من الممكن أن تكون علومهم مثيرة للإعجاب، و طرق معاملاتهم عالية المستوى، و بيوتهم نظيفة. لكن يوجد لديهم على المستوى الأخلاقي صدع كبير يعسر ترميمه:

ألا و هو فساد إيمانهم بملكوت الله. و لا يتعلق الأمر هنا فقط بمجرد تصريح حذر بالولاء بقدر ما هو تعبير صريح عن إيمان عميق. و لم ينفرد الصفار عن غيره بتصريحه العلني بولائه للإسلام في الفقرات الأخيرة من رحلته، لأن غيره من الرحالة إلى المشرق سلكوا نهجا مماثلا: «إن كل شي‏ء في طريقة تفكيرهم يدفع بهم إلى التنكر للواقع، أو على الأقل إلى عدم الاعتراف به. و يبدو أنهم يريدون القول بأن هذا عالمكم، أما عالمنا فهو مختلف عن ذلك» (2).

و يقودنا هذا إلى نقطتنا الأخيرة. إذ يمكن قراءة رحلة الصفار- و غيرها من كتب الرحلات العربية التي يعود تاريخها إلى الحقبة نفسها- بطرق عديدة. أولا، فهي مصادر إخبارية ذات فائدة لإعادة بناء تصورات خاصة للواقع، إذ تكون بمثابة خزان تودع فيه الوقائع لوضع المشاهد المتباعدة في الزمان و المكان في إطارها الحقيقي. ثانيا، و كما سبقت لنا ملاحظة ذلك، يقدم لنا هذا الصنف من الكتابة نظرات خاطفة عن التجربة الإنسانية خلال الرحلة، و تتيح فرصة المشاركة في تلك اللحظات التي يقع فيها الاتصال بين الرحالة و العالم الخارجي و التي تضي‏ء المشاعر الداخلية المواكبة للرحلة. لكن هناك أيضا بعدا ثالثا تحققه كتابات الرحلة، و تصبح له معان خاصة

____________

(1) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب‏

(2) 228.Laroui ,Origines ,p ، و كانت ظاهرة «الإنكار» أيضا من المميزات الخاصة التي كانت ترد في روايات الحج لدى مسيحيي العصر الوسيط، حيث كانت الرغبة في التعرف على الأشياء الغريبة من الأشياء «المسيئة إلى سمعة الحج»؛ لأن الحاج المسيحي «المثالي» هو الذي يقوم برحلته «و عيونه متجهة صوب الأرض»، حسب ما جاء عند هو وارد في كتابه:

D. R. Howard, Writers and Pilgrims: Medieval Pilgrimage Narratives and Their Posterity( Berkeley, 0891 ), pp. 32- 42.

107

حينما نحاول جاهدين التوصل إلى الأشكال الثقافية المختلفة عما هو سائد عندنا.

و بما أننا نتحول إلى طرف مرافق للرحالة طوال رحلته، فإننا لا نكون منشغلين فقط بما شاهده الرحالة في أوربا، بل نكون أيضا مهتمين بالكيفية التي شاهد بها تلك الأشياء، و بالطريقة التي انعكست بها على مشاعره و ذكرته بما هو سائد في بلده. إن فرنسا و باريز هما المرآتان اللتان نقرأ فيهما تصورات الصفار لمواقع أكثر بعدا، بما في ذلك الحقول الخضراء و الأزقة المزدحمة و السهرات و الحفلات الراقصة، التي شكلت جميعها لوحة رسمت عليها صورة أخرى عن مكان لا نعرف عنه نحن القراء الأجانب إلا القليل، فكان ذلك المكان هو المغرب كما هو وارد في تصورات محمد الصفار.

و أخيرا، و على مستوى آخر، فإن هذه الأشياء المحكية تتجاوز مجرد القيام بالرحلة لتدخل في مجال آخر يجعلها ذات ترنيمات أخلاقية، تزداد قوتها بفضل تلك الميزة الكونية التي يتضمنها إحلال الشي‏ء محل الشي‏ء الآخر. و هنا تصبح الرحلة مجازا، و يتحول الرحالة إلى صانع أسطورة، و تصبح القصة خرافة. إن نموذج بنيتها- المتمثل في مرحلة الانطلاق و فصول المغامرة ثم العودة- ليس هو الأمر الوحيد الذي يجعل الروايات المتعلقة بالرحلة تكتسي صبغة كونية، بل هناك أيضا الدلالات و المعاني التي يستخلصها الرحالة نفسه من الرحلة. و في حالة محمد الصفار، فإن المغزى من روايته واضح جدا: فهو يقول لنا إنه بإمكان المرء الذهاب إلى أرض الافتتان، و إلى المكان الذي يجمع في نفسه بين الخبيث و الطيب، ثم ينغمس فيه و يعود إلى بلده حكيما سالما من الأذى.

هذا هو الدرس الذي تقدمه الرحلة. لكن لا يمكننا الجزم فيما إذا كانت مضامينها قد أقنعت أولئك الذين قرأوها خلال عصره أم لم تقنعهم. و مما لا شك فيه أن الرحلة قد تدوولت و نوقشت في الأوساط الخاصة لحاشية السلطان، ثم أودعت بالخزانة السلطانية حيث أهملت مدة تجاوزت قرنا من الزمن. و لم يكن الصفار يعتقد أبدا و لا تصور أحد أن مخطوطته ستظل راقدة زمنا طويلا لتشع بنورها على قراء ينتمون إلى عصر آخر فتمتعهم.

108

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

109

القسم الثاني التحقيق‏

110

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

111

الفصل الأول توطئة

بسم الله الرحمن الرحيم‏

و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم‏

الحمد لله مسير الخلائق في البر و البحر، و ميسر الطرائق و الأسباب لمن شاء أن يسوقه إلى ما أراد من عمران أو قفز. وفق بفضله من سبقت له العناية من خلقه، فكانت تجارتهم رابحة و لسعيهم أعظم فائدة. و أضل بعدله من كتبت عليه الشقاوة، فكانت صفقتهم خاسرة، و وجهتهم عن صوب الصواب حائرة.؟ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً؟ (1). أقام سبحانه على انفراده بالوحدانية، و اختصاصه بنعوت الألوهية و تنزه عن الأين و الأمد و الوالد و الولد، قواطع البراهين التي ليس فيها لذوي البصائر من الارتياب شائبة. (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ) (2).

و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المنفرد باختراع هذا العالم و إبداعه من غير سبق و لا مشاكلة. جعل فيه مدنا و أمصارا و براري و قفارا و قرى كبارا و صغارا، و بث فيها أمما مختلفي الألسنة و الألوان و الاعتقادات و الأديان، ليزداد أولوا البصائر

____________

(1) سورة النحل، الآية 93. و تعني «الأمة» هنا مجموعات بشرية تجمع بينها روابط قد تكون عرقية أو لغوية أو دينية؛ و حين تستعمل لفظة «أمة»، فإنها غالبا ما تعني بوجه خاص العناصر البشرية التي تتكون منها شعوب المجموعة الإسلامية. انظر مادة «أمة» في:SEI ,S .V ."Umma ".

(2) سورة الأنعام، الآية 101.

112

اعتبارا و ذووا العقول إبصارا. و أبدى فيها من عظيم آثاره ما يدل على كمال اقتداره.

فيا عجبا كيف يعصى الإله، أم كيف يجحده الجاحد و في كل شي‏ء له آية تدل على أنه الله الواحد؟

فسبحانه من إله قسم الخلق إلى موحد و مشرك، و مطبوع على قلبه و من هو لحقائق التوحيد و الإيمان مدرك. و عجل لقوم طيبتهم في الحيوة الدنيا، و ادخر لآخرين مقيم النعيم و رفع الدرجات العليا جزاء بما كانوا يعملون. (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ) (1).

و نشهد أن سيدنا و نبينا و مولانا محمدا عبده و رسوله، سيد العرب و العجم و المبعوث لسائر الأمم، المؤيد بخوارق المعجزات الباذل جهده في إبلاغ الدعوات، حتى عمت من أرض المغارب و المشارق، فمن أجاب نجا و من عاند علت سيوف الله منه المفارق. حتى أذل بعزة الله أنوف الطغيان و غطى دينه الحق على سائر الأديان. صلى الله و سلم عليه و على آله و أصحابه و أزواجه و ذريته و أحزابه، صلاة تامة زكية أبدية مباركة سنية دائمة سرمدية، نفوز بها بفضل الله بالمقامات العلية و الإكرامات الهنية. و نسلك بها على منهاجه القويم، بجاه قدره العظيم عند الرب الكريم الرحمن الرحيم، لا رب غيره و لا مأمول إلا خيره.

أما بعد، فإنه لما شرح الله صدره مولانا (2) عمدة ديننا و دنيانا، السلطان الكبير الجليل الشهير المعظم الممجد الأسمى الموقر المؤيد الأحمى فخر الجلة و سيف الملة، جمال الإسلام و علم الأعلام.

ملك الزمان و قرة الأعيان‏* * * قمر التمام و درة الأكنان‏

ملك تجمل بالجلالة و ازدهى‏* * * بالعلم و الحلم العظيم الشان‏

____________

(1) سورة الأنبياء، الآية 23.

(2) «مولى» أو «مولاي»، في اللهجة الدراجة المغربية. و هو من الألقاب التي ينعت بها سلاطين المغرب الشرفاء و ينادون بها: 632: 2Dozy . و المعني بها هنا هو السلطان عبد الرحمن بن هشام (1859- 1822).

113

نجل السلاطين من سلالة أحمد* * * أعظم بفخره عابد الرحمان‏

و كيف لا و هو شريف المنتمى و الحسب و علوي المقدار و النسب، و حسني الأخلاق و التفرع عن سيد العجم و العرب. أدام الله له نصرا و تأييدا و مهد له الأيام حتى تكون الأحرار لعبيده عبيدا. و وفر من سوابغ النعم حظوظه و أقسامه و أظفر بأعناق الأشقياء حسامه. و مد على الدنيا بساط سعده و وهب له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، و جعل الخلافة كلمة باقية في عقبه‏ (1) و بارك في عمره و متع الأنام به.

و ألهمه لأن يوجه نائبا عنه لعظيم جنس الفرنسيس‏ (2)، لمصلحة تعود على المسلمين و الإسلام، حسبما اقتضاه حسن نظره السديد و رأيه الموفق الرشيد، و جريا على عادته في الحرص على انتظام أمر الخاص و العام. و لم يزل هذا من دأب أيمة الأمة و حماة الملة، فقد كان النبي صلى عليه و سلم يبعث لذلك كبراء أصحابه و فيه أسوة، و تابعه على ذلك الخلفاء الراشدون و الأيمة المهتدون‏ (3) حسبما يعلم من محله.

____________

(1) كان سلاطين المغرب قبل عهد الحماية الفرنسية، يصرون على الجمع بين لقب «الخليفة» بكل ما ينطوي عليه من معان روحية، و لقب «السلطان» الذي يرمز إلى أن الأساس الذي تقوم عليه مشروعيتهم في الحكم لا ينحصر في نفوذهم العائلي و السياسي فحسب بل يشمل أيضا سلطتهم الدينية. و عن موضوع الخلافة، انظر:

H. A. R. Gibb," The Sunni Theory of the Caliphate", in Studies on the Civilization of Islam, eds. Stanford J. Shaw and William R. Polk( Boston, 2691 ), pp. 141- 05.

و انظر كذلك مادة «خليفة» في:SEI ,S .V ."Khalifa "

(2) كان اللقب الرسمي الذي يحمله لوي فليب‏(Louis -Philippe) (1830- 1848) هو ملك فرنساRoi) (de France ، غير أن الصفار كلما أشار إليه في بعض صفحات الرحلة كان يذكره بلفظة «سلطان» عوضا عن «ملك»، و ذلك اقتداء بما كان معمولا به في تحرير المراسلات المخزنية.

(3) و في ذلك إشارة إلى الخلفاء الأربعة الذين تحملوا أعباء الخلافة بعد وفاة الرسول بالعدل و الاستقامة و حسن التدبير، مما جعلهم يصبحون قدوة و نموذجا مثاليا للأجيال اللاحقة من المسلمين.

114

و كان له نصره الله من حسن النظر في خديمه‏ (1) الأنصح و ثمرة غرسه الأنجح، الساعي بحسن سياسته في تنفيذ أوامره السعيدة، و تدبير مصالح رعاياه القريبة و البعيدة، القائد (2) الأمجد الرئيس الأسعد، الحاج عبد القادر ابن القائد المرحوم، السيد محمد أشعاش كان الله له في المعاذ و المعاش، ما اقتضى تعيينه لذلك و تخصيصه بما هنالك. و أمره أن يصحب معه أمينين‏ (3) عاقلين ذكيين من أهل الوجاهة و الذكى بتطوان مع من لا بد لمثله منه من طالب‏ (4) و أتباع و خدمة و أعوان، و سائر ما فيه للإسلام و المسلمين زيادة رفعة و ظهور على عبدة الأوثان، القائلين بالأبوة و البنوة. و في الحديث: «رحم الله امرءا أظهر من نفسه في هذا اليوم قوة».

فانتخب أرشده الله من أرباب الصدور ممن حكم لهم الوقت بالاجتلاء على منصة التصدير و الظهور، صهره الأرضى و [كف‏ء] (5) كريمته الأحظى، المعروف عند الحاضر و البادئ أبا عبد الله محمد بن الحاج محمد اللبادي. و الحادق اللبيب الوجيه الأريب، الماهر بسياسة المخالطات وجوب الأقطار، الحاج العربي بن الحاج عبد الكريم العطار. و اقتضى حسن نظره بالكاتب‏ (6) لما لم يطلع على ما فيه من المعائب، أن اختاره لصحبته لما هو من شأنه من المئارب. و كان من الحزم لمن تغرب عن وطنه و نئا

____________

(1) «الخديم» هى التسمية التى كان يخاطب بها جميع الموظفين المخزنيين مهما اختلفت درجاتهم و مستوياتهم و المهام المنوطة بهم. انظر: 117.Dozy 1 :453 ;Laroui ,Origines ,p

(2) «القائد»، موظف مخزني يعينه السلطان، و يمكن أن تسند إليه مهام متعددة و مختلفة. و تعني هنا- في حالة عبد القادر أشعاش- عاملا على مدينة كبيرة. ابن زيدان، العز، 1، ص. 412.

(3) «الأمين»، موظف مخزني تسند إليه مهام لها علاقة بالمستفادات و الجبايات و الشؤون المالية بوجه عام.

و كان الأمناء في تطوان يقومون بمهام المراقبة و التفتيش في المرسى إلى جانب تحصيلهم للرسوم على الصادرات و الواردات، و القيام بالأداءات التى يأمرهم السلطانب تقديمها إلى المعنيين بها. ابن زيدان، العز، 1، ص 396- 397.

(4) «الطالب» و تعني لغويا الشخص الذي يكون بصدد الدراسة و تعلم أصول الدين الإسلامي. غير أن هذه التسمية كانت تطلق أيضا في المغرب على بعض الأشخاص المتعلمين الذين يكسبون قوتهم اليومي عن طريق التجارة، انظر:Laroui ,Origines ,pp .09 ,144 .

(5) هذه الكلمة غير واضحة في النسخة الأصلية للرحلة، و ربما هي [كف‏ء]، أي زوج، (المعرب).

(6) و كان المعني هنا هو محمد الصفار.

115

أن يقيد كل ما سمع و رأى. لما قد يوجد في ذالك من العلوم و العبر، و ما حصلت جم الفوائد إلا من مخالطات البشر. و من حكم الأولين: «ما شبعت عين من نظر، و لا أذن من خبر».

عزمت إذ ذاك بحول الله أن أسود هذه الأوراق، بما نراه و نسمعه في هذه السفرة و ما يتعلق بها مما رق أو راق. على أني حاطب ليل و ساحب ذيل، لست من خيل هذا الميدان، و لا لي بما يستحسن من يدان. إلا أني جعلتها تذكرة لنفسي، لأخبر بذلك من سألني عنه من أبناء جنسي. فليعذرني أولوا الإنشاء و البلاغة، و ليسقط عني التكليف أهل الاستعارة و الكناية. و الله أسأل أن يستر معايبنا و يوفقنا لصالح عمل يرضاه منا.

فأقول و من الله أستمد المامول: كان خروجنا من معاهد أنسنا و مطاب عيشنا و مسقط رؤوسنا و عش أفراخنا و مثار نشاطنا و أفراحنا، بلدتنا تطوان أبقاها الله محفوظة على توالي الأزمان، ضحوة يوم السبت في شهر ذي الحجة الحرام، مضت منه ثلاث عشرة ليلة متم عام أحد و ستين و مايتين و ألف‏ (1). و عندما زمزم الحادي بالارتحال أنشأ لسان الحال و ساعده المقال فقال:

أتطواننا الغراء هل يسعد الدهر* * * بأوبتنا كيما يعود لنا الوصل؟

و هل يبدوا أو يدنوا محياك بعد ما* * * تلاطمت الأمواج و يجمع الشمل؟

سقت ديمة هطلا ربوعك و ارتوى‏* * * حمى طالما كان السباق به يحلوا

فأوصيك بالأحباب خيرا و إنني‏* * * على عهدهم باق و لو نأت السبل‏

فركبنا من البلد حتى بلغنا مرساها. و قد كان بعث لنا من نحن متوجهون إليه مركبا عظيما من مراكب النار المعروف بالبابور (2)، قد انتخبه لنا من أحسن ما عنده استجلابا للألفة و حفاظا للمودة. فركبنا في فلائك صغار و سرنا حتى بلغنا ذالك‏

____________

(1) و يوافقه بالميلادي يوم 13 دجنبر 1845.

(2) و معناها المركب البحري، و هي مأخوذة عن الإسبانية(vapor) . ابن زيدان، العز، 1، ص. 414.

116

السفين، و صرنا في جوفه كما يصار في لحده الدفين. فأنزلنا رءيسه فيه أحسن منزل، و جعلنا من محال إقراره و دويه بمعزل. و تلقانا أهله بالبشر و السرور و حسن البشاشة و جميل البرور، فأدخلونا قمرة (1) فيها زرابي جيدة نقية و فرش رفيعة وطية.

و قال لنا لسان حالهم و مقالهم، كونوا في عيشة هنية و إكرامات سنية، فنحن معكم على سيرة مرضية. و عندما تتام طلوعنا و رجع من كان يشيعنا، قلع المركب مخاطفه و هز للمسير أعطافه. فقلنا بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (2). ثم أطلق مدافع الفرح و البحر لنا بسكونه قد سمح، فسرنا متوكلين على الحي القيوم، موقنين بأن لا دافع و لا منجي إلا الله سبحانه: (وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) (3). و قال ابن العربي‏ (4): «من أراد أن يوقن أن الله هو الفاعل وحده و أن الأسباب ضعيفة، فليركب البحر». و هو كما قال و يقال: «من ركب البحر فقد خاطر بنفسه، و أشد منه خطرا من صحب السلطان بغير علم». هو لا شك أن راكب البحر دود على عود، خلق ضعيف في خلق قوي، تتلاعب فيه الأمواج فلا أحد من دون الله ينفعه بعلاج‏ (5).

و كانت وجهتنا لمدينة مرسيليا التي هي على ساحل هذا البحر من جهته الشمالية.

____________

(1) «القمرة»، أصلها من الإسبانية(c mara) ، و المقصود بها هنا الغرفة المخصصة لإقامة المسافرين على متن المراكب،. 411: 2Dozy

(2) سورة هود، الآية 41.

(3) سورة الإسراء، الآية 67.

(4) هو محمد ابن العربي من مشاهير رجال التصوف، أندلسي الأصل، كانت وفاته في دمشق عام 638 ه/ 1240 م. انظر مادة «ابن العربي» في‏SEI s .v ."Ibn (al) Arabi ".

(5) غالبا ما تحدث اليونان و الرومان عن البحر بنوع من الإعجاب و التمجيد المثاليين، غير أن العرب- على العكس من ذلك- غالبا ما تحدثوا عن البحر في كتاباتهم بطريقة لا تخلو من النفور. و قد جاء ضمن إحدى مراسلات عمرو بن العاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب في موضوع البحر ما يلي:

«إن البحر لخلق عظيم يشبه المطية التى يركب عليها الضعفاء كما تزحف الديدان على فروع الشجر»، انظر:

At- Tabari, Annales, ed. M. J. de Goeje et al.( Leiden, 9781- 1091 ), I: 1282, anno 82.) 846- 94 (.

117

لوحة 7: أعضاء السفارة المغربية و مرافقوهم على متن «المتيور» عن جريدة الإلوستراسيون‏

L`Illustration

، 28 فبراير 1846

118

و اعلم أن هذا البحر يسمى البحر الرومي لكثرة ما على سواحله من بلاد الروم‏ (1)

____________

* * * وردت الإشارة إليها فى المقدمة 39: 2Muqaddimah . و قد استعمل أبو الحسن علي التامكروتي فى كتابه النفحة المسكية في السفارة التركية تعبيرا مشابها، انظر الصفحة 39 من ترجمة هنري دو كاستري تحت عنوان:

Relation d`une ambassade marocaine en Turquie 9851- 1951, traduction, H. de Castries,( Paris, 9291 ).

(المعرب): و انظر النص العربي للرحلة نفسها، و قد صدرت مؤخرا بتقديم و تحقيق عبد اللطيف الشادلي، المطبعة الملكية، الرباط، 2002، ص. 81: «فأخذنا نسير في تلك المواسط و نمور، و ننجد بين الأمواج و نغور، و نصبح و نمسي لا نرى إلا السحاب و البحور، أزرق على أزرق، نحن دود على عود، في خطر الأسر و الغرق». و عن نظرة المغاربة إلى البحر و علاقتهم به، انظر أيضا أعمال ندوة:

«البحر في تاريخ المغرب»، تنسيق رقية بلمقدم، منشورات كلية الآداب بالمحمدية، 1999.

و على الرغم من وجود المغاربة، بحكم وقوع بلادهم جغرافيا على مقربة من البحر، فإنهم نادر اما كانوا يختارون مهنة الملاحة مصدرا أساسيا للعيش، و تعكس الأدبيات الشعبية بعض مظاهر الخوف الذي كان ينتاب المغاربة من البحر. انظر:

L. Brunot, La mer dans les traditions et les industries indige? nes Rabat et sale?( Paris, 1291 ), pp. 1- 21.

(1) «الروم» هو المصطلح الذى كان يشير به العرب خلال العصر الوسيط إلى اليونان و البيزنطيين. غير أن مصطلح «الرومي» امتد و أصبح يشمل فى معناه العام «المسيحي». بينما تعني «بلاد الروم» أوربا المسيحية. و حسب ما جاء عند كويتاين‏(S .D .Goitein) فإن مصطلح «الرومي» كان يستعمله يهود مصر الناطقون بالعربية في نصوص الكنيزة، لكن ابتداء من القرن الثاني عشر برزت كلمة «إفرنجي» (المشتقة من‏(» FranK «، مع التمييز بين الأوربيين الموجودين في الشرق (الروميين) و أمثالهم فى الغرب «الإفرنجيين». و بعد القرن الثالث عشر، استعملت كلمة «فرنسا» في رسائل الكينزة إشارة بذلك إلى فرنسا. انظر:

S. D. Goitein, A Mediterranean Society, 5 vols.( Berkeley, 7691- 8891 ), 1: 34.

و في المغرب، يعرف الأوربيون عند عامة الناس بمصطلح «نصارى» أو «نصرانيين». و عند استعمال الصفار لبعض المصطلحات المماثلة، فإنه يعني بكل منها أمرا بعينه: 1. «بلاد الروم» التي يقصد بها جميع البلدان التي تتكون منها أوربا المسيحية. 2. «بلاد الفرنسيس» و يعني بها أرض* * *

119

خصوصا جهته الشمالية و يسمى البحر الشامي لأنه ينتهي إلى بلاد الشام‏ (1)، و يسمى البحر المتوسط. و يعرف الآن عند عامة أهل المغرب بالبحر الصغير، لأنه في مقابلة المحيط الذي يسمونه الكبير (2). و مبدؤه من الخلج المتضايق بين طنجة و طريفة، في عرض نحو اثني عشر ميلا، و هو المسمى بالزقاق و يعرف عند العامة بالبوغاز (3).

و هو ما بين سبتة و قصر الجواز المعروف بالقصر الصغير (4) في جهة الجنوب، و بين الجزيرة الخضراء و طريفة في جهة الشمال، و ليس له منفذ للمحيط إلا من هذا الزقاق، و مبدؤه هذا هو في الإقليم‏ (5) الرابع.

و بيان ذالك أن شكل الأرض عند الحكماء كرة، و أنها محفوفة بعنصر الماء، كأنها عنبة طافية انحسر الماء عن بعض جوانبها، و هذا الذي انحسر عنه الماء من الأرض هو النصف من سطح كرتها فهي شكل دائرة أحاط الماء بها من جميع جهاتها، و الماء المحيط بها هو الذي يسمى البحر المحيط (6). و هذه الدائرة يقسمها

____________

* * * الفرنسيين. 3. فرانسا: لم يرد سابقا اسم هذا البلد إلا تحت عبارة «بلاد الفرنسيس»، كما تشهد بذلك نصوص الوثائق المخزنية. و حين حل الصفار بفرنسا و سمع بتسميتها الأصلية: فرانس‏(France) ، شرع هو الآخر في استعمالها. و لمزيد من المعلومات انظر:

Lewis, Muslim Discovery, pp. 02, 041; IB 2: 514 note 41.

(1) «الشام» هو التسمية العربية التي كانت معروفة عن بلاد سوريا خلال العصر الوسيط.

(2) و هو المحيط الأطلسي.

(3) و هي التسمية التي يطلقها المغاربة على مضيق جبل طارق. انظر:Harrell ,p .14 في حين يقول التامكروتي إن الكلمة تركية. النفحة، ص. 43.

(4) «القصر الصغير» هو النقطة التي كان ينطلق منها المغاربة لشن حملاتهم على الإسبان. و من ثم جاءت تسميته بقصر الجواز. انظر:

E. Michaux- Bellaire," El- Qc? ar Ec?- C? eghir", RMM 61, 21( 1191 ): 053.

(5) أصل كلمة «إقليم» من اليونانية(Klima) ، و تعني نطاقات معينة من المساحات المكونة للأرض عند خطوط العرض. انظر: 111: 1Muqaddimah

(6) جاء عند ابن خلدون: « [...] أن شكل الأرض كروي و أنها محفوفة بعنصر الماء كأنها عنبة طافية عليه ما انحسر الماء عن بعض جوانبها [...] و أما الذي انحسر عنه الماء من الأرض فهو النصف من سطح كرتها في شكل دائرة أحاط العنصر المائي بها من جميع جهاتها بحرا يسمى البحر المحيط [...]»، المقدمة، طبعة بيروت الصادرة سنة 1978، ص. 44.

120

بنصفين خط من المشرق إلى المغرب و هو المسمى خط الاستواء. فإذا وقفت في هذا الخط و استقبلت المشرق، فما يبقى عن يمينك فهو الجنوب، و ما عن يسارك فهو الشمال، و ما بعد خط الاستواء لجهة الجنوب كله أو جله خلاء لإفراط الحر و قلة ميل الشمس فيها عن سمت الرؤوس، و إنما العمارة فيها بعد خط الاستواء لجهة الشمال، و المعمور في هذه الجهة، أربع و ستون درجة من خط الاستواء، و الباقي منها خلاء لا عمارة فيه لشدة البرد و الجمود.

فالمعمور إذن من هذا المنكشف من الأرض مقدار ربعه. و هذا المعمور هو الذي قسمه الحكماء أقساما سبعة و سموا كل منها إقليما (1)، فهي المراد بالأقاليم السبعة.

و هذه الأقسام متساوية في العرض، مختلفة في الطول لأن طولها من المغرب إلى المشرق، و عرضها من الجنوب إلى الشمال. فالإقليم الأول أطول مما بعده، و كذا الثاني إلى السابع، فهو أقصرها على ما اقتضاه انقسام نصف الدائرة. فمبدأ الإقليم الأول عرضا خط الاستواء، ذاهبا في العرض إلى جهة الشمال. و طوله من المغرب إلى المشرق، فهو مار مع خط الاستواء من المغرب إلى المشرق، يحده من جهة الجنوب خط الاستواء، و من جهة الشمال الإقليم الثاني. و مبدأ الثاني عرضا من حيث انتهى الأول، و طوله أيضا من المغرب إلى المشرق. فيحد من جهة الإقليم الأول، و من جهة الشمال الإقليم الثالث؛ و هكذا فالأول أطولها و الأخير أقصرها، لأن أطول خط في الدائرة هو نصفها، و قد أسلفنا أن خط الاستواء يقسمها بنصفين.

ثم قسموا كل إقليم من هذه الأقاليم في طوله من المغرب إلى المشرق بعشرة أجزاء متساوية، فلذالك تسمعهم يقولون أن الموضع الفلاني في الجزء الرابع أو الخامس مثلا من الإقليم الأول أو الثاني الخ ...

فابتداء هذا البحر الصغير من الخليج المذكور و هو الجزء [] (2) من الإقليم الرابع، و انتهاؤه في آخر الجزء الرابع من الإقليم الرابع أيضا على ألف فرسخ‏ (3) و مائة و ستين‏

____________

(1) انظر الهامش أعلاه في الصفحة السابقة.

(2) ترك الصفار فراغا أبيض في مخطوطته، ربما لعدم معرفته بالمرتبة التي كان يحتلها ذلك الجزء من الإقليم الرابع، خاصة و أن ابن خلدون لم يذكر شيئا عن تلك النقطة في المقدمة.

(3) «الفرسخ» أصل الكلمة من الفارسية «فرسنك»(farsang) . و تعنى المسافة التى يمكن أن يقطعها الإنسان مشيا مدة ساعة. و يذكر ابن خلدون أن «الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع»، أي حوالي* * *

121

فرسخا من مبداه، و عليه هنالك سواحل الشام. و عندما يخرج هذا البحر من الخليج المذكور، و يذهب مشرقا فينفسح جنوبا و شمالا، حتى يدخل من جهة الجنوب في الإقليم الثالث، و من جهة الشمال في الإقليم الخامس، حسبما ذكر ذلك كله ابن خلدون‏ (1). و عليه من جهة الجنوب طنجة ثم سبتة ثم تطوان ثم سواحل الريف، و فيها مليلية و بادس و هما للإصبنيول‏ (2). ثم و هران و الجزائر و سائر ما كان من عمالتها، و هي الآن بيد الفرنسيس. ثم تونس و سفاقص وسوسة و سائر سواحل إفريقية (3) ثم جربة على جون هناك، ثم طرابلس و مسراته مدفن سيدي أحمد زروق‏ (4) نفعنا الله به. ثم جون يعرف بجون الكبريت‏ (5). ثم درنة و غيرها من بلاد

____________

* * * ثلاثة أميال عربية، أو ثلاثة أميال و نصف إنجليزية. 96: 1Muqaddimah ابالإضافة إلى الهامش 19 من الصفحة نفسها. و في المقدمة (طبعة بيروت 1978)، ص. 45.

(1) اعتمد الصفار في كل هذا القسم على ما كتبه ابن خلدون في المقدمة، و بالضبط على «المقدمة الثانية في قسط العمران من الأرض و الإشارة الى بعض ما فيه من الأشجار و الأقاليم» انظر:

Muqaddimah 1: 921- 331, 931- 341.

(2) احتل الإسبانيون مليلية في 1497، و تنوزل عن باديس للإسبان في 1564. انظر:

C.- A. Julien, History of North Africa: Tunisia, Algeria, Morocco( London, 0791 ), pp. 602, 622, 352.

(3) و هي التسمية العربية لتونس في العصر الوسيط. زكريا بن محمد بن محمود القزويني، آثار البلاد و أخبار العباد (بيروت، دون تاريخ)، ص. 148- 149.

(4) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى البرنوسي الفاسي، المعروف بزروق، ولد سنة 846 هجرية موافق 1442 ميلادية. و هو من مشاهير الفقهاء و القضاة، و كان يحظى بالكثير من التقدير و التبجيل في كل أرجاء بلدان الشمال الإفريقي. انظر: كتاب نشر المثاني للقادري، ترجمة نورمان سيكار:

Al- Qadiri,( trans. Cigar ), Nashr, p. 061 and note 31; Le? i- Provenc? al, Les historiens, p. 781, note 3.

(5) الموضع الذي يتحدث عنه الصفار هنا هو خليج سرت، غير أننا لم نعثر في أي من القواميس الجغرافية المعروفة على اسم لمكان يحمل كلمة «الكبريت» التي يستعملها هنا الصفار. هذا مع العلم أن مادة الكبريت لها أهميتها القصوى في صناعة البارود و الأدوية؛ و ربما كانت المنطقة المذكورة مصدرا لها في فترة من الفترات. انظر مادة «كبريت» في:EI 2 ,"Kibrit "..

122

برقة (1). ثم الإسكندرية، ثم مر كذالك إلى سواحل الشام. و عليه من جهة الشمال طريفة ثم الجزيرة الخضراء و جبل طارق، ثم مالقة ثم المرية و سائر سواحل الأندلس و هي الآن المعروفة باصبانية، و هي كلها للإصبنيول إلا جبل طارق فإنه للانكليز. ثم بلاد فرانسا، و أول مراسيها مما يلي الإصبنيول مرسى صغيرة يقال لها بور بندر (2). ثم مرسيليا، ثم طولون و سائر سواحل فرانسا. ثم يليها بلاد إيطاليا، و منها مدينة جنوة، و هي للصردوا (3)، ثم مدينة الكرنة و هي للكرنيز (4). ثم بعدها مدينة رومة العظمى، و ليست على الساحل بل في البر. ثم نابل و هي للنبليطان و هو جبل خارج في البحر، و عند انتهائه جزيرة سيسليا فصل بينهما فاصل صغير يسمى بوغاز مسينا، و هي للنبليطان أيضا. ثم دخل البحر في جون خلف نابل، و يسمى ذالك الجون غلف فنسية، و انتهى هنالك إلى بلاد النامسا و منها فنسية (5) المنسوب لها الغلف المذكور.

ثم على شاطئ هذا الجون مما يلي النامسا قبالة نابل، بلاد الترك و الغرناوط (6).

و هناك جزر كثيرة متزاحمة. ثم يلي بلاد الترك على هذا الساحل بلاد المورة (7)، و هي للكريك‏ (8). ثم دخل البحر في جون صغير خلف المورة، و رجع إلى بلاد الترك. ثم انحصر في خليج متضايق يعرف ببوغاز شانة قلعة (9)، ثم انفسح يسير إلى مدينة

____________

(1) و هو اسم كان يطلقه الجغرافيون العرب في العصر الوسيط على مدينة المرج و المنطقة المحيطة بها، و الواقعة في ما كان يعرف بقورينة الإغريقية القديمة، و هي ليبيا اليوم، انظر مادة «برقة»، في:

EI 2," Barka".

(2) و اسمها بالفرنسية بور فاندر(Port -Vendres) .

(3) و يعنى بها السردينيين.

(4) و يقصد بذلك ليفورنو(Livorno) ، و هي اليوم من المدن الإيطالية.

(5) المعروفة اليوم بفنيزيا(Venezia) ، و هي من المدن الإيطالية.

(6) يعنى بالغرناوط بلاد ألبانيا.

(7) و هي موري‏(More ?e) ، و جاءت هذه التسمية نتيجة لانتشار شجرة التوت على أرضها انتشارا كبيرا (من اليونانيةmorea و اللاتينية(morus ، و تسمى أيضا البيلوبونيز(Pe ?loponne ?se) (المعرب).

(8) و هم الإغريق أو اليونان.

(9) و أصلها من التركية(c ?anakkale) ، و هي مركبة من كلمة(c ?anak) التركية و معناها القدرة، و من لفظة(kale) قلعة العربية بمعنى الحصن، و المقصود بها هنا مضيق الدردنيل.

123

القسطنطينة العظمى و هي اسطانبول‏ (1). ثم خرج في خليج أيضا يسمى خليج القسطنطينة، و انفسح في بلاد الموسكوا (2). و هذا البحر المنفسح في بلاد الموسكوا هو الذي يعرف عند العامة بالبحر الأكحل، و يسمى عند الترك قاراداننر و هما كلمتان:

فقار هو الأسود، و دانير هو البحر باللغة التركية، يعني البحر الأسود بتقديم الصفة كما هي قاعدة تركيب العجم. و هنالك انحصر هذا الداخل هنا، ثم ذهب من بوغاز شانة قلعة على مدينة إزمير. ثم عليه هنالك و بعده أمم كثيرة من الروم و الأتراك، إلى أن وصل لبلاد الشام، و دار إلى جهة الإسكندرية، و هذا منتهاه.

و في هذا البحر جزر كثيرة عامرة؛ فمنها جزيرة يابسة (3) و ميورقة و ماعون‏ (4)، و كلها للإصبنيول قرب بلاده. و منها جزيرة سردانية و هي للصردوا، و منها جزيرة كرسيكة و هي للفرنسيس، و منها جزيرة صقلية و هي للنبليطان، و هي التي تسمى الآن سيسليا و تقدم ذكرها (5). و منها جزيرة مالطة المشهورة، و هي في حكم الانكليز.

و منها جزيرة كريت قبالة المورة. و منها جزيرة قبرس قبالة سواحل الشام. و فيه جزر أخرى صغيرة كثيرة خصوصا في بلاد الترك و المورة.

رجع إلى ما كنا فيه. فبعد مسيرنا أربعة أيام و نحن في أرغد عيش و أهنا مقام،

____________

(1) استعمل الرحالة المغاربة كلا التسميتين. في القرن الرابع عشر الميلادي، أشار ابن بطوطة إلى أن «أحد الجزئين المكونين لمدينة القسطنطينية هو استنبول. و هو الواقع على الضفة الشرقية للنهر»IB 2 :. 508 أما في القرن السادس عشر، فقد سماها التامكروتي بالقسطنطينية، النفحة، ص. 43. و لمزيد من التفاصيل حول أصول تلك التسمية، انظر:

D. J. Georgacas," The Names of Constantinople", Transactions of the American Philological association 87( 7491 ): 663- 76; El 2, s. v." Istanbul".

(2) و المقصود بها روسيا القيصرية، و ترد في المراسلات المخزنية خلال القرن التاسع عشر هكذا: المسك، أو «الموسك» أو الموسكوا، انظر محفظات المغرب و روسيا بمديرية الوثائق الملكية في الرباط (المعرب).

(3) و هى جزيرة إيبيزة(Ibiza) .

(4) و هي جزر مينورقة و ما يورقة(Majorque) و(Minorque) .

(5) تمكن الأغالبة منذ القرن التاسع الميلادي من احتلال صقلية، فظلت تحت السيطرة العربية لمدة قاربت المائتي سنة. القزويني، آثار البلاد، ص. 215- 216؛ و كذلك:

P. Hitti, The Histoiry of the Arabs( New York, 7691 ), pp. 206- 606.

124

ترفعنا الأمواج طورا و تخفضنا أخرى مع سكون الرياح و اعتدال الهواء. و بقرب المسافة تزاد البشرى، و قد كنا على و جل من هوله المبين، إذ كان ركوبنا فيه في شهر دجنبير (1).

فسلمنا الله من كيده و إن أصاب بعضنا نصيب من ميده. و في اليوم الخامس، بدا منه بعض اضطراب يسير، و قد أشرفنا على غلف ليون‏ (2) الذي مجازه في غالب الأوقات صعب عسير. و كان للمركب بشي‏ء من الفحم حاجة و مسيس، فاقتضى ذاك دخولنا لمرسى بور بندر التي هي أول مراسي الفرنسيس. فأرسينا فيها ظهر يوم الأربعاء (3)، فسكن الفؤاد و زال الدهش، و رجع لكل واحد منا نشاطه و زال ميده و انتعش.

و هي مرسى صغيرة، لاكنها لإتقانها و إحكام صنعتها و حسن مداخلها و بناء شواطئها تلحق أو تفوق الكبيرة. ليس فيها رياح و لا تمويج، فيصير المركب في داخلها كأنه في وسط صهريج، يبقى سائرا حتى يلتصق بالشاطئ، و يربط حباله في أخراص‏ (4) غليظة من الحديد، مسمرة في الحجارة العظيمة التي بني بها الشاطئ المذكور. و على باب هذه المرسى أبراج للمدافع و فنارات عظيمة عالية على جبال هنالك تضي‏ء بالليل ليهتدى بها إلى المرسى. و على هذه المرسى قرية صغيرة تسمى بالاسم المتقدم، و إليها تنسب المرسى. فيها ديار و حوانيت على الشاطئ، يباع فيها

____________

(1) يتميز التقويم القمري المعمول به عند المسلمين بعدم الاستقرار، مما جعله غير صالح لضبط مواقيت الأعمال الفلاحية. و في المغرب كانت الشهور معروفة بأسمائها اللاتينية منذ وقت باكر، أي منذ السنوات السابقة للفترة ما قبل الاستعمارية. و كان المغاربة يستعملون الشهور الرومانية في كلامهم اليومي الدارج، و يسمونها بالأشهر الفلاحية. بينما خصصوا التقويم الإسلامي لضبط تواريخ المراسلات المخزنية و الأعياد الدينية، انظر:

A. Joly," Un calendrier agricol marocain" AM 3, 2( 5091 ): 103- 913; Dozy 1: 524.

(2) و يعنى بذلك خليج الأسود(Golfe de lions) ، و لا علاقة له بمدينة ليون المعروفة الواقعة كما هو معلوم في وسط فرنسا (المعرب).

(3) «كان النقص الحاصل في الماء و الفحم، بالإضافة إلى الرياح الشديدة، من الأسباب التى جعلت قائد ألمركب يقرر الدخول إلى المرسى المذكورة»، روش إلى كيزو، بور فاندر، 17 دجنبر 1845.

(4) أخراص و خراص في اللغة هي جريدة النخل. أما المقصود بأخراص عند الصفار هنا فهي مأخوذة من مفردها خرص أو خرصة، و هي الحلقة التي توضع في الأذن. و يعني بها الحلقات الحديدية الدائرية الشكل التي تشد بها حبال المراكب الراسية. 362: 1Dozy (المعرب).

125

المأكولات من خبز و لحم و فواكه و خضر و غير ذالك. و عليها كثير من بساتين العنب، و هي من البوادي لا من الحواضر. و لم نر في مرساها من السلع إلا بوطات‏ (1)، الخمر و لعلها ببادية العنب.

فبتنا بها و أخذ المركب ما كان يحتاجه و أصبحنا بها، و عند ارتفاع النهار قلعنا منها و دخلنا في غلف ليون و قد طمحت له العيون. فلقينا من هدوه و طيب المسير فيه ما كان نادرا من أمره. إلا في نحو ثلاث ساعات من آخر اليل اضطرب بنا شيئا ما، فأصبحنا صباح يوم الجمعة في مرسى مرسيليا، فحمدنا الله على السلامة و بلوغ الغاية و قطع المسافة. فكانت مدة سفرنا فيه بعد إسقاط الإقامة المذكورة خمسة أيام.

و بعد ارتفاع النهار جاءنا كبير البلد و طلع إلينا للمركب، فسلم تسليم البشاشة و أبدى من وجهه طلاقة و هشاشة. و أنزلنا في إعزاز و إكرام و توقير و فرح و إعظام. و عند نزولنا أطلقوا المدافع حتى ملأ خبر وصولنا من الأقصى و الأدنى المسامع، فدخلنا البلد فتلقونا بالبشر و الألطاف و البرور و الاسعاف. و صفف لنا كبيرهم العساكر خيلا و رجالا تعظيما لنا و إجلالا. و أركبونا في أكداش‏ (2) منتخبة تجرها خيل مزينة، إلى أن أوصلونا إلى دار سنية، فأقمنا بها في عيشة هنية (3) بقية يوم النزول، و يوم السبت بعده. و في ضحوة يوم الأحد أزمعنا الرحيل منها قاصدين مدينة باريز، إذ هي كرسي سلطنتهم و قرار مملكتهم.

____________

(1) من الإسبانية(bota) و معناها البرميل (المعرب).

(2) يسمى المغاربة العربة التى تجرها الخيل «الكوتشي» أو «الكودشى» و جمعها «أكداش». و أصلها من الإسبانية(coche) . و الاسم معروف عند المغاربة منذ زمن، حيث ورد ذكره عند الغساني في رحلته إلى إسبانيا خلال القرن السابع عشر افتكاك، ص. 9. و كتب شيني في هذا الصدد، أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله (1757- 1790) «لم يكن يظهر أبدا أمام الناس إلا ممتطيا صهوة فرس أو راكبا في عربته ذات العجلتين»:

L. Chenier, The Present State of the Empire of Morocco, 2 vols.( London, 8871 ), 2: 703- 803.

(3) كانت إقامة أعضاء السفارة في فندق الشرق‏AAE /CPM 51 /512 -612 .(Ho ?tel d`Orient) بورسي‏(Pourcet) إلى كيزو، 19 دجنبر 1845. انظر أيضا رسالة أشعاش إلى السلطان مولاي عبد الرحمن، 20 ذي الحجة 1261/ 20 دجنبر 1845، و هي محفوظة بمديرية الوثائق الملكية تحت رقم 17578.

126

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

127

الفصل الثاني فصل في سفرنا في البر من مرسيلية لباريز

اعلم أن قانون السفر في هذه البلاد أن المسافر لا يحمل معه زادا و لا فراشا و لا خزانة و لا غير ذالك، و إنما يحتفظ بدراهمه و رياله و ذهبه، فبذالك يبلغ المنى من كل آماله و بلوغ أربه‏ (1). و ذالك أن هذه الطريق كلها أو جلها عمران، فلا يفارق المار عمارة حتى يدخل في أخرى. و كلما وصل عمارة وجد فيها أسواقا يباع فيها من كل شي‏ء يحتاجه المسافر. و فيها دار أو ديار تسمى عندهم الأوكنضة، و تسمى البوصاضة (2).

____________

(1) غالبا ما تحدث الأجانب عن المخاطر و المتاعب الكبيرة التي يطرحها السفر و التنقل عبر مختلف أرجاء المغرب. و حينما يكون السفر تحت إشراف المخزن و عنايته، فإنه عادة ما كان الموظفون المخزنيون المحليون من عمال و قواد يزودون المسافرين بالمؤونة الضرورية؛ و مع ذلك لم يكن حصولهم على تلك المؤونة مضمونا دائما مما كان يضطرهم فى الغالب إلى حمل زادهم أو إلى شرائه و الحصول عليه بمختلف الطرق التي تسمح لهم بها الظروف، 71.Hay ,Journal p أما حمل المسافرين للنقود، فكان محفوفا دائما بالمخاطر لانتشار اللصوص في المسالك و الطرق،Laroui ,Origines ,p .36

(2) «الأوكنضة»، أصلها من الإيطالية(locanda) ، و هي عبارة عن حانة صغيرة تتوفر في الوقت نفسه على مطعم للأكل و على عدد قليل من الغرف للإيواء. و قد وصفها الطهطاوي بأنها «مواضع معدة للطعام و الشراب مشتملة على سائر أنواع المطعومات و المشروبات في غاية النظافة و الظرافة و فيها محال للنوم»، تلخيص، ص. 114؛ 148L`or ,p . بينما يقول الصفار إنها مكان خاص للنوم، و يمكن شراء المواد الغذائية من خارجها، و في ذلك شبه كبير بما هو معهود في المغرب. فقد قدم لنا جاكسن وصفا لفندق بمدينة فاس جاء فيه، أنه «بناية من ثلاثة طوابق [...] تحتوي على ما بين الخمسين أو المائة من الغرف الصغيرة [...] حيث جرت العادة أن يحمل المسافر معه ما يمكنه* * *

128

و الفرق بينهما أنه إن كان فيها موضعا الثواء و الطعام فهي الثانية، و إن كان فيها موضع الثواء فقط و كل واحد يأتي بطعامه من السوق فهي الأولى. و هي دار كبيرة ذات بيوت كثيرة في فوقيها، و كل البيوت لها طاقات كبار على قدر قامة الإنسان أو أكثر تشرف على ما تحتها من الشوارع و الأسواق.

و كل بيت فيه فراش واحد أو أكثر للنوم بغطائه و وطائه و ستوره، و الكل في غاية النظافة و اللين. و قد تكون أرضه مفروشة بالزرابي الجيدة يطأها الداخل بنعله، إذ ليس من عادتهم خلع النعال إلا إن دخل فراش النوم. و كل طاقات البيت عليها ستور من الحرير أو غيره مما يضاهيه. و فيه عدة من الشوالي‏ (1) للجلوس عليها، و لا يعرفون الجلوس بالأرض أصلا، و لا تطاوعهم لبستهم له لضيق سراولهم. و في وسطه طبلة من رفيع الخشب أو المرمر معدة للكتابة عليها و نشر الكتاب إن كان، و نحو ذالك من وضع شي‏ء عليها و غيره. و فيه خزانة من العود الجيد يشرق و كأنه المرءات ذات جوالق‏ (2)، عديدة ليحفظ فيها ما يعز عليه من أمتعته و ثيابه و غيرها، و قد يكون فيه‏

____________

* * * اتخاذه فراشا للنوم، لأن تلك الفنادق غير مجهزة بالأفرشة، باستثناء حصير يسمح لك باستعماله إلى جانب ما تحمله معك من وسائل خاصة؛ و إذا كنت في حاجة إلى وجبة أكل خفيفة، فليس بإمكانك الحصول عليها داخل الفندق، بل يجب شراؤها من دكان خارجي يبيع المأكولات أو من حانوت لأحد الجزارين».

J. G. Jackson, An Account of the Empire of Morocco and the District of Suse( Philadelphia, 0181 ), p. 321.

كان «الفندق» من الأماكن الخاصة بإيواء عامة الناس عند تنقلاتهم، و خاصة منهم أهل البوادي، في حين كانت تهيأ للشخصيات الهامة من مستوى محمد الصفار، عند زيارتهم لمدن مغربية أخرى، أماكن خاصة للإقامة. و هي عادة ما تكون من دور كبار الأعيان. أما «البوصاضة»، فأصلها من الإسبانية(posada) ، و هي المكان المخصص لإيواء المسافرين ليلا، بالإضافة إلى تمكينهم من إبدال خيولهم المرهقة بأخرى مستريحة.

(1) مفردها شلية، و أصلها من الإسبانية(silla) ، و هي الكراسي، 783: 1Dozy .

(2) جاء في المعجم الوسيط، ج 1، ص. 131 عن الجوالق، أنها تسمى أيضا «الغرارة»، و معناها كما هو وارد بالمعجم نفسه، ص. 654: وعاء من الخيش و نحوه و هو أكبر من الجوالق. و المقصود بالجوالق عند الصفار أكياس تحفظ بها الملابس، (المعرب): و أشكر الأستاذ سعيد بن سعيد العلوي الذي مكنني من قراءة هذه الكلمة غير الواضحة في المخطوط، و من معناها كما أوردته أعلاه.

129

أكثر من واحدة. و من لازم كل فراش خزانة صغيرة عند رجليه، بداخلها إناء نظيف للبول. و في غالب البيوت مكانة (1) كبيرة و ثريات و حسك للشموع، و مرءات كبيرة واحدة أو أكثر في غاية الصفا و المتونة مبنية في الحائط، حتى أنه من شدة صفائها و طولها [تظهر] لغير المتأمل أنها طريق نافذة. و من لازم كل بيت من بيوت هذه الدار غراريف‏ (2) مملوة بالماء، كل واحد منزل في وسط إناء واسع، و معه فويطات صغار نقية مطوية للتنشف بها و التنظيف. و في غالب البيوت تصاوير و تماثيل من البلدان و الأشجار و أشخاص الحيوانات و السفن و البحار و غير ذالك. و لهم بها اعتناء كبير فلا يخلوا منها محل، و إن كان شيئا قليلا. و قد يكون في هذا البيت غراريف من النوار المصنوعة من الكاغيد و نحوه، يغطونه بزجاجة ليبقى لونه دائما محفوظا من التغيير.

و يوجد في بعضها آلة السنتير (3) الذي هو من جملة ملاهيهم و أنواع موسيقاتهم.

و من لازم كل بيت كانون‏ (4) صغير مبني بالرخام و نحوه على شكل لطيف، توقد فيه النار بالحطب زمن البرد و الشتاء، و عليه مدخنة نافذة للهواء، فلا يتأثر البيت بالدخان أصلا لإحكام تلك المدخنة و ليبس الحطب و نظافته، و هذا ضروري لكل بيت رفيعا كان صاحبه أو وضيعا. و يكون في البيت أيضا الدواة و القلم، و سائر

____________

(1) جمعها مواكن، و هي التسمية التي كان المغاربة و لا يزالون يطلقونها على مختلف أنواع الساعات.

انظر: أحمد الصبيحي، معجم إرجاع الدارج في المغرب إلى حظيرة أصله العربي، تقديم محمد حجي (سلا، 1990)، مادة «لمكانا»، ص. 164- 165. و يرى محمد ابن عزوز حكيم أن أصلها من الإسبانية(maquina) ، انظر كتابه:

Glosario de quientas voces espanolas usadas entre los marroquies en el arabe vulgar,( Madrid, 3591 )

(المعرب).

(2) مفردها غراف، و المقصود بها هنا أوان يغرف بها الماء، انظر 208- 207: 2Dozy (المعرب).

(3) و هو آلة البيانو، انظر مادة «سنطير»، 496: 1Dozy .

(4) و هو المعروف في المغرب بالمجمر أو النافخ حسب الجهات، و هو من وسائل التدفئة خلال الفصل البارد و من أدوات الطبخ التقليدية المستعملة لتحضير الطعام على اختلاف أشكاله. انظر:

Harrell, p. 06; L. Brunot, Textes arabes de Rabat, 2 vol.( Rabat, 2591 ), 2 M 307.

أما الكانون الذي أشار إليه الصفار، فهو المعروف عند الفرنسيين ب‏(chemine ?e) ، و استعماله مقصور على التدفئة كما هو معروف.

130

آلات الكتابة. و هذه الذي ذكر هو أثاث بيوتهم كلهم، و إن اختلفت أوصافه بالجودة و ضدها باعتبار الغنى و الفقر.

و في تلك الدار خدمة كثيرون، رجالا و نساء و طباخون. و قشينة (1) الطبخ محتوية على آلات الطبخ كلها و سائر ما يطبخ. فإذا دخلها الداخل، أطلعوه لبيت من بيوتها، فإن كان غرضه الأكل فقط، فيأمر الخادم يأتيه بما يريد منه من مطبوخات و فواكه و حلاوات و غير ذالك. فإذا فرغ من الأكل و أراد الخروج، أتاه الخادم بورقة فيها ما يلزمه في ذالك من الثمن. و إن كان غرضه مع ذالك في البيات و الإقامة، يبقى هنالك ما شاء و يختار من البيوت ما أحب، كل على قدره. و كل ما يريد ياتيه به الخادم، و لا يحتاج في دعاء الخادم إلى كلفة، بل و لا إلى تحرك من موضعه. و ذالك لأنهم جعلوا داخل كل بيت خيط و لكل خيوط البيوت أو جملة منها اتصال ببعضها بعضا، فإذا جبذ ذالك الخيط، وصلت حركته إلى ناقوس، فيتكلم الناقوس فيأتي الخادم سريعا، و يعرف من أي بيت هو بعلامة لهم في ذالك.

و بهذا الذي ذكرنا، يستغني المسافر في هذه البلاد عن حمل الزاد و ما عطف عليه، و من قانون السفر في هذه البلاد، أن المسافرين لا يركبون ظهور الدواب بسرج و لا بردعة و لا غير ذالك، و لا يسافرون على أرجلهم، إلا إن كان واحدا من العسكر الرجالة أو من الفقراء، و إنما السفر هنا في الأكداش و الكراريص‏ (2) و الخيل تجرها، و هي على أشكال و أنواع. فمنها شكل مربع يسع أربعة من الناس، كل اثنين على منصبة متقابلين جالسين، و يتمكن كل منهم أن يمد رجليه لكن تحت المنصبة المقابلة

____________

(1) «قشينة»، و تنطق بالكاف هكذا «كشينة»، و إن وردت عند الصفار بالقاف، و أصلها من الإسبانية(cocina) ، أي المطبخ. انظر: 481: 2Dozy .

(2) مفردها كروصة، و أصلها من الإسبانية(carroza) . و هي عربة ذات عجلات أربع تجرها الخيول، انظر: 464.: 2Dozy انتبه الرحالة الأربيون أثناء تنقلاتهم عبر أرجاء البلاد المغربية، خلال القرن التاسع عشر، إلى غياب وسائل النقل ذات العجلات. و ذكر جون دارموندهاي في الصفحات 121- 122 من كتابه:

Western Barbary: Its Wild Tribes and Savage Animals( London,

(1861 أنه شاهد «على جانب الطريق عربة في حالة يرثى لها»؛ و أضاف قائلا: «و كان شكلها أسوأ من أقدم العربات المصرية التي كنت قد رأيت نموذجا منها بعيد اكتشافها على ضفاف نهر النيل.

و كانت تلك وسيلة النقل الوحيدة ذات العجلات التي صادفتها في المغرب».

131

له لأنه فارغ. و في جوانبه طاقات بأبواب الزجاج الصافي، يرى منها الطرق و الدنيا و الناس. و إن شاء فتحها إن لم يخف من حر و لا برد و لا غبار و نحوه، و إن خاف من شي‏ء من ذالك أغلقها و يبقى له الضوء و النظر. و على كل منصبة مضربة (1) صغيرة ليجلس عليها الجالس. و فيه محال لإنزال بعض الحوائج الخفيفة، و كله من الخشب الجيد الصافي أرضه و جوانبه و سقفه. فهو في الحقيقة بيت من البيوت، لا يخاف راكبه من ريح و لا مطر و لا شمس و لا حر و لا برد لأنه داخل بيته. و إن أراد أن يخفي نفسه و لا يعرفه أحد، فيرخي من داخله على الطاقات ستورا معدة هنالك، و يطلقها إذا تأذى بشعاع الشمس و نحوه.

و بخارجه من قدام موضع لجلوس الذي يسير الدواب التي تجره، و بمؤخره خارجه أيضا موضع آخر يجلس فيه خادم معين للمسير أو خديم الراكب، و ارتفاعه من الأرض بمقدار ذراعين‏ (2)، و هو مرفوع على كراريط (3) لطاف تربط من مقدمها بالخيل التي تجر واحدا أو أكثر. و قد يكون ركوب المسير على واحد من الخيل التي تجر، و بيده سوطه الذي يزجر به الدواب فتعدوا عدوا سريعا، فيكون مشيه في غاية السرعة يضاهي إغارة الخيل.

و منها شكل مستطيل يسع عددا كثيرا من الناس قد تكون وجهتهم واحدة، و قد يكون غرض أحدهم في أثناء الطريق فينزله حيث أراد، و يحمل غيره من هنالك إن كان. و غالب من يركبه جماعة متئالفون كالرجل و زوجته و أولاده و أقاربه أو هو و أصحاب له ليبقوا مجتمعين في محل واحد. و قد يكون هذا الشكل بطبقتين إحداهما فوق الأخرى، و قد يكون بقطعات منفصلة من بعضها بعضا. و قد يجعل على ظهره من فوق حوائج المسافر و أمتعته مغطاة بما يكنها من المطر و نحوه. و منها شكل آخر يسع اثنين فقط و فيها أشكال أخر.

____________

(1) و يجب قراءتها هكذا «مضربة» بالراء المشددة و هي الفراش الذي قد يستعمله المغاربة للجلوس أو النوم أو لهما معا، و قد تكون صغيرة أو متوسطة أو كبيرة الحجم حسب الحاجة. (المعرب)، انظر:

Hans Wehr, p. 045.

(2) «الذراع»، وحدة عربية للقياس، و تبلغ حوالي نصف متر.

(3) مفردها كريطة، و أصلها من الإسبانية(carreta) . و هي العربة الصغيرة ذات العجلتين، انظر: 164: 2Dozy ، و كذا: الغساني، افتكاك، ص. 39.

132

و منها أشكال أخر لحمل السلع و الأثقال و لا سقف لها، إلا أنهم يغطون السلعة بما يمنع وصول المطر لها بإحكام و إتقان، بأن يجعلوا عليه أقواسا من رقيق الخشب، و يمدون عليها ثوبا غليضا من ثياب القلاع و يحبذونه و يسمرونه، فتصير السلعة في داخله كأنها في وسط الخيمة فلا يصيبها المطر أصلا. و يجعل المسير موضعه تحت هذا الساتر، فلا يصيبه المطر أيضا. و الحاصل أن المطر لا يمنع من السفر في هذه البلاد، لأنه لا يصيب المسافر و لا أمتعته منه شي‏ء و لا تتأثر به الطريق لما سيذكر.

و منها ما هو معد لحمل ما ثقل من حجارة و حديد و نحو ذالك، و يجره الكثير من الخيل المربوط بعضها في بعض، فيعددون الخيل الجارة على مقدار ثقل المجرور. و ليس عندهم في هذا كبير مشقة و لا تعب، و لو كان المحمول بلغ الغاية في الثقل بحيث يزن القناطير العديدة، فلا يكون معه إلا شخص واحد يربط الدواب بئالة الجر و يحلها.

و أما المحمول فهو لازم لموضعه لا ينزل منه إلا عند منتهى السفر، و نقله على الأرض تجره الكراريط المربوطة في الدواب. و بهذا يسهل عليهم حمل الأثقال العظيمة بغير كلفة و لا مشقة. و لا يحملون شيئا على ظهور الدواب، و ما تحمله الدابة الوحدة على ظهرها قد تجر أضعافه عشر مرات وحدها بشرط أن تكون الطريق على ما سيذكر.

و من جملة علومهم التي يتعاطونها علم جر الأثقال، و لهم فيه تأليف. و لا تسمع في طرقهم إلا دوي الجر و صوت السلاسل التي يربط بها ما ذكر. و مشي الأثقال يكون بالهوينا، بخلاف مشي كراريص الركاب فإنها في غاية السرعة. و الذي سهل لهم ذالك تسطيح الطرق و إصلاحها و تعاهدها، لهم بها اعتناء كبير و هي عمدتهم في جل الأمور. فالطريق عندهم كأنها سطح بيت لا يوجد فيها خضخاض‏ (1) و لا حفر و لا شوك و لا حجر و لا غير ذالك. و مهما انثلم شي‏ء بادروا بإصلاحه، فلا يغفلون عن تعاهدها. و في طريقنا هذه، ما مررنا على موضع منها إلا وجدنا بجانبي الطريق أكداسا من الحجر يمينا و شمالا أعدت هناك لإصلاحها. و غاية ما يفعلون في ذالك، أنهم يعمدون إلى تلك الأحجار فيكسرونها حتى تصير ذات شناقيب‏ (2) ليستحكم‏

____________

(1) من الخضخضة و هي تحريك الأشياء بطريقة عنيفة إلى حد ما، و المقصود بها هنا ذلك التحريك المزعج الذي يحس به المسافر عند التنقل في طريق غير مستوية أو لوجود الحفر بها، (المعرب).

(2) جاءت عند دوزي بحرف الغين بدلا من القاف، مفردها شنغوبة و جمعها شناغيب، و تستعمل في الحديث عن النتوءات البارزة في الخشب أو الحجر. 792: 1Dozy (المعرب).

133

التحام بعضها ببعض مع التراب، فإذا حصل الخلل في موضع منها فرشوا فيه تلك الحجارة و سووها و الكراريط تدقها في حال مرورها عليها حتى تصير أصلب ما يكون.

و إن كان بجانبها جرف، بنوا بطرفها و سادة تدعمها. و جل حافتها في كثير من المواضع مغروس بالأشجار العظام تظلل الطريق. و ليس لهم نهر و لا خندق و لا حفير و لا خليج إلا عليه قنطرة (1). فما رأينا في طريقنا هذه من يخوض نهرا قط برجله أو دابته. و لا تجد في الطريق شقا أصلا، كلها مسطحة مستوية، لا تعثر الدابة و لا الكروصة في شي‏ء منها أصلا. و من شدة اعتنائهم بها أنا وجدنا في مواضع منها أناسا بيدهم شطاطيب‏ (2) يسوون بها أثر مشي الكراريط، ليلا يتتابع مشيها في محل واحد فيصير شقا أو حفرة تتأذى بها الطريق.

و من اعتنائهم بها أيضا أنهم جعلوا في كل البلدان أو جلها موازين يزنون بها أثقال ما في الكراريص. و بيان كيفيتها أنها دفة غليظة من الخشب مركبة على شي‏ء تحتها، إذا أحست بالثقل نزلت بقدر ما يكون عليها من الثقل. و لهم رشوم‏ (3) في‏

____________

(1) كانت القناطر نادرة في المغرب خلال أربعينيات القرن التاسع عشر، و إن كانت تتوفر البلاد على نماذج منها. فقد أشار جون دارموندهاي إلى مروره، و هو في طريقه إلى مراكش سنة 1846، على قنطرتين ذوي بناء محكم متين، تتكون إحداهما من خمسة أقواس و تقع على مقربة من منطقة الشاوية، قيل إن أعمال بنائها أنجزت على يد أحد الإسبانيين. في حين تتكون الثانية من خمسة و عشرين قوسا، و تقع قرب مراكش. غير أن عبور جل الوديان و المجاري المائية في المغرب كان لا بد من أن يتم بواسطة المراكب. و ذكر دراموندهاي أن عبوره لواد سبو صحبة جماعة من مرافقيه، قد استنفذ منه يوما كاملا، إذ «بدأت عملية العبور مباشرة بنقل الخيول و الأمتعة دفعة واحدة [...] على متن مركب قديم حالته مزرية جدا [...] و كان الواد عريضا سريع الجريان. و لم يكن يتوفر المركب إلا على مجدافين، فاستغرقت كل من مراحل العبور أزيد من ساعتين؛ و بالرغم من شروعنا في عبور الواد مع بداية النهار، فإننا لم ننته من ذلك إلا مع غروب الشمس.»Hay ,Journal ,p .02

(2) مفردها شطابة بتشديد الطاء على وزن فعالة: أداة للتشطيب، و هي المكنسة، 756: 1Dozy ، (المعرب).

(3) مفردها رشم، و معناها هنا أرقام لتعداد المسافات، 532: 1Dozy ، (المعرب).

134

نزول القنطار (1) مثلا و ءاخر للقنطارين و ءاخر للعشرة مثلا، و هكذا، فكلما زاد الثقل زادت اللوحة في الهبوط. فإذا وصلت الكروصة إلى ذالك الموضع ألجئوها للمرور على تلك اللوحة، فتخرج الخيل و تبقى كراريط الكروصة على تلك اللوحة فتنزل بمقدار الثقل، فيعرفون كم فيها من وزن. ثم بعد ذالك ينظرون نواعير (2) الكراريط هل يحمل مثلها ذالك الثقل أم لا. و لهم حد في عرض حاشيتها بقدر ما تحمل من الثقل، فكلما كان أثقل كانت الحاشية أعرض. و إذا كانت حاشية الناعورة رقيقة و المحمول ثقيل، أثرت أثرا قويا في الطريق، فيصير أثرها شقا فيسري منه الفساد للطريق. و لهم في هذا الميزان غرض آخر، و هو اختبار المحمول هل زاد أو نقص أو لم يزد و لم ينقص لأجل المكوس‏ (3) التي يؤدونها عند دخولهم البلدان بما يماكس عليه أو

____________

(1) أصل الكلمة يوناني، و هي وحدة للوزن تبلغ مائة و تسمى أيضا بالهندردوايت (و في اللاتينية(centenarium ، و كان يساوي في المغرب 100 رطل، أو حوالي 50 كيلو كراما. غير أن وحدة القياس المعتمدة على أساس الرطل تختلف في المغرب من منطقة إلى أخرى، و أيضا حسب السلعة الموزونة. و بصفة عامة، عادة ما كان يساوي الرطل حوالي 500 كرام، انظر:Laroui ,Origines ,pp .94 -05 ;Dozy 2 :124 .

(2) مفردها ناعورة، و هي الأداة العربية المعروفة المستعملة في أعمال الري، لكن الصفار يعني بها عجلات العربة. و لما كانت عربات النقل ذات العجلات نادرة جدا في المغرب أيام محمد الصفار فإن مصطلح العجلة أيضا كان مجهولا غير متداول، و بالتالي فكلما دعت الضرورة إلى الحديث عن العجلة اقتصر في ذلك على استعمال لفظة الناعورة، انظر:

G. S. Colin," La noria marocaine et les machines hydrauliques dans le monde arabe", Hesp. 41( 2391 ): 23- 94; Thomas Glick, Islamic and Christian Spain in Early Middle Ages) Princeton, 9791 (, pp. 632- 932.

(3) مفردها مكس، و هي من الكلف المخزنية المفروضة على السلع عند دخولها أو خروجها من أبواب المدن، تدخل ضمن الضرائب غير الشرعية. و يقصد الصفار بالمكوس هنا رسوم الدخول المعروفة تحت اسم‏» l`octroi «و هي من الواجبات الضريبية التي كان يسمح للبلديات بفرضها على رواج بعض السلع الاستهلاكية. و كانت المكوس المغربية شأنها في ذلك شأن رسوم الدخول الفرنسية مصدرا لكثير من مظاهر التوتر بين المخزن و سكان الحواضر بوجه خاص. المنوني، مظاهر 1: 297- 301؛ انظر «مكس» في:SEI ,S .V "Maks ". و

كذا:

E. Michaux- Bellaire," L`organisation des finances au Maroc", AM 11( 7091 ): 181, 981, 602- 702, 312- 612.

135

عند خروجهم، ليلا يحمل فيها خفية ما لم يدفع عليه مكسا.

و لهم و كلاء و نقباء على الطريق بخصوصها يتعاهدون إصلاحها و يقومون به، لا شغل لهم إلا ذالك، و الغالب أن تكون دورهم على الطريق. و من اعتنائهم أنه كلما افترق طريقان، نصبوا في مفرقهما عمودا فيه لوح مكتوب فيه أين تخرج هذه و أين توصل هذه. و سهولة الطريق سبب في سهولة المقصد. و لهم في جوانبها رشوم بالغباري للأميال‏ (1)، فحيثما كان المسافر منها يعرف كم مضى له من محل خروجه، و كم بقي له للمحل الذي يقصده.

ثم إن السفر يتيسر في هذه البلاد ليلا و نهارا من غير مشقة و لا تعب، و ذالك لما عندهم من الأمان التام‏ (2). فلا يخشى المسافر من لص و لا قاطع طريق و لا متعرض.

و لأجل ذالك لا ترى فيهم من يحمل سلاحا قط، و إنما يحمل السلاح العسكر فقط في حال احتياجه إليه. و لسهولة الطريق فيتمكن الإنسان من المشي فيها كل وقت من ليل أو نهار، و لو كانت في وسط بلد، لأن بلدانهم لا تغلق أبوابها اكتفاء بالحراس، و غالبها لا سور لها و لا أبواب، ففي أي وقت وصلتها تدخلها.

و لعدم إعياء الدواب و تعبها لأنها تتبدل هي وسائقها في كل ساعة، ففي‏

____________

(1) الميل، من وحدات قياس المسافة المستعملة عند العرب و الأوربيين على السواء. جاء عند ابن خلدون أن الميل يعادل أريعة ألف ذراع، أي حوالي كيلومترين. 96: 1Muquaddimah ، ثم الهامش رقم 19 من الصفحة نفسها. أما رشوم الغبار، فهي الأرقام العربية.

(2) من العلامات الدالة على كفاءة الحكام، النجاح في ضمان أمن الطرقات و سلامة المتنقلين عبر أرجاء البلاد، 2: 3Muqaddimah . و كان المسافرون ملزمين بالاعتماد على أحد ممثلي المخزن المحليين لحماية أنفسهم من مخاطر الطرق. و قد أشار جون دارموندهاي إلى أن البادية المغربية «مليئة باللصوص، فأرغم السلطان قبيلتين أو ثلاثا على نصب الخيام قرب الطريق لحماية المسافرين من شرورهم». انظرJournal ,p .52 ، لكن حينما ينتقل الموكب السلطاني في ما يسمى ب «الحركة»، يصبح الأمر ممارسة سياسية الهدف منها إثبات وجود السلطة المخزنية: انظر:

J. Dakhlia," Dans la mouvance du prince: la symbolique du pouvoir itine? rant au Maghreb", Annales: Economies, Socie? te? s, Civilisations 34, 3( mai- juin 8891 ): 537- 067.

136

الطريق إصطبلات‏ (1)، و تسمى بلغتهم البوسطة فيها خيل كثيرة. إذا وصلها الراكب ترك فيها ما عنده من الخيل و أخذ غيرها مستريحة، و يذهب معها من هنالك من يسوقها إلى أن يمشي ساعة و نحوها فيجد بوسطة أخرى فتتبدل فيها الخيل و سائقها أيضا و هكذا، فتبقى الخيل التي تجر دائما مستريحة و يبقى مشيها سريعا لا يتغير.

و قد تبدل علينا في ذهابنا من مرسيليا لباريز ما يزيد على ثمانماية فرس، و كنا بثلاثة أكداش يجرها أحد عشر فرسا، ثلاثة و ثلاثة و أربعة (2).

و لأن المسافر لا يمنعه السير من النوم لتيسره في الكدش، و إن لم يكن بأكمله لعدم تمكنه من الامتداد. و السفر قطعة من العذاب كيفما كان، كما أفصح عنه الحديث الكريم، فإنه يمنع كمال لذة النوم مع غيره. و لما جلس إمام الحرمين موضع أبيه سئل لم كان السفر قطعة من العذاب، فأجاب على الفور: لأن فيه فراق الأحبة. و لا يعارض كونه قطعة من العذاب حديث ابن عباس و ابن عمر (3) مرفوعا: سافروا تغنموا، و في رواية ترزقوا، و في رواية تصحوا. لأنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة و الغنيمة و الرزق أن لا يكون قطعة من العذاب لما فيه من المشقة.

و من واصل السفر في هذه الطريق ليلا و نهارا، يصل من مرسيليا في نحو ثلاثة أيام. و بهذا السير تسير البراوات‏ (4) و المكاتيب من إحداهما للأخرى، فتصل في ثلاثة أيام أو أقل، مع أن المسافة بينهما لمن كان راكبا على ظهر الدابة ما يقرب من الشهر.

____________

(1) مفردها إسطبل، و أصلها من اللاتينية(stabulum) ، و بالإسبانية(Establo) . 26: 1Dozy ؛ انظر مادة «إسطبل» في:EI 2 S .V ,"Istabl ".

(2) و ربما أراد الصفار أن يقول هكذا: «تجرها أحد عشر فرسا ثلاثة و أربعة و أربعة»، حتى يكتمل عدد الإحدى عشر فرسا (المعرب).

(3) كان ابن عمر و ابن عباس من الشخصيات البارزة في صدر الإسلام. و كان ابن عمر المتوفى سنة 693 ميلادية هو الولد البكر للخليفة عمر بن الخطاب و أحد صحابة الرسول (صلى الله‏ عليه و سلم) المقربين. أما عبد الله ابن العباس المتوفى عام 687 ميلادية فقد كان ابن عم الرسول (صلى الله‏ عليه و سلم) و قد اشتهر بمعرفته العميقة للحديث و الشريعة. انظر مادتي «عبد الله بن العباس» و «عبد الله بن عمر بن الخطاب» في:SEI .

(4) مفردها برية أو برا، و قد تعني أصنافا متعددة من الوثائق، كالعقد أو الوصل أو غيره، لكنها تعني هنا الرسائل العادية التي يبعث بها الأفراد إلى بعضهم عبر البريد، انظر: 63: 1Dozy (المعرب).

137

و مررنا في طريقنا هذه على مدن و قرى، و أراضى و طاء و جبال و ربى. و اعلم أن هؤلاء القوم ليس عندهم في مساكنهم أخصاص‏ (1)، و لا خيم و لا نوايل‏ (2)، و إنما يعرفون البناء لا غير. إلا أن بناء البوادي متميز عن بناء الحواضر، فقراهم في الحقيقة من جملة المدن يوجد فيها ما يوجد في الحاضرة من الأسواق و ما يباع فيها و غير ذالك. و قد رأينا في طريقنا هذه ما يشهد شهادة حق لأهل هذه البلاد بالاعتناء التام و التبصر العام بأمور دنياهم و إصلاح معاشهم و إتقان تدبيرهم. فهم جادون كل الجد في عمارة الأرض بالبناء و الغرس و غيره، لا يسلكون في ذالك طريق التساهل و لا يصحبهم فيه تغافل و لا تكاسل. فلا ترى عندهم شيئا من الأرض ضائعا أصلا، و لا ترى عندهم خرابا و لا أرضا مواتا (3) حتى أن الأرض التي ترابها ردي‏ء ينقلون لها التراب الجيد من أرض أخرى. و يعطون لكل نوع من الأرض ما يستحقه، فما يصلح للحرث يحرث و ما يصلح للغرس يغرس، و يفرقون أيضا في الغرس بين ما يصلح في الأرض الحارة و الباردة و هكذا، و ما يصلح لحفر تراب البناء و الحجر يتركونه له و هكذا.

و أشجارهم كلها أو جلها مستنبتة و لو كانت في رؤوس الجبال أو بطون الأودية (4)، و لا يحاشون من ذالك موضعا. حتى أنهم يغرسون الأشجار في مجاري‏

____________

(1) مفردها الخص، و جمعها أخصاص و خصوص و خصاص، و هي البيت المصنوع من القش أو القصب أو من أغصان الشجر. 375: 1Dozy (المعرب).

(2) مفردها نوالة، و في الإسبانية(naguela) ، و هي مسكن من القش أو القصب غالبا ما يوجد في بوادي شمال المغرب. 747- 746: 2Dozy (المعرب).

(3) لاحظ جون دراموندهاي أثناء تنقلاته أن البادية الممتدة بين مدينتي طنجة و الرباط «تكاد تكون خالية من السكان»، و أضاف مشيرا إلى أن المناطق الممتدة مباشرة في اتجاه الجنوب تتوفر على «بادية ذات مجالات زراعية محروثة حرثا جيدا أفضل مما سبق أن رأيناه إلى ذلك الحين، [...] حيث بدت لنا حقول ناظرة من القمح و الشعير»:

Journal, p. 45

؛ و انظر أيضا:Laroui ,Origines ,43 -83

(4) كانت الغابات في المغرب معرضة للخطر بفعل استعمالها المكثف كمجال رعوي: «كان الماعز يبذل قصارى جهده لابتلاع البراعم و النباتات الجديدة، بينما استمر سكان البلاد في ممارسة عادتهم القبيحة، و هي تحطيم جذوع الأشجار لاستخدام خشبها في تحضير الفحم، و استعمال الأغصان الشائكة لتزريب حقولهم»، انظر:Aubin ,Morocco ,p .21 .

138

الخنادق و السيول و حافات الأنهار، و لا تتأثر بشي‏ء من ذالك و لا يحملها السيل.

و ذالك لأنهم لا يغفلون عن تعاهدها، يعالجونها كل وقت بما تستحقه من تنقية و غيرها. و ليس اعتناؤهم قاصرا على الأشجار المثمرة، بل هي عندهم بالنسبة لغيرها قليلة. فغالب أشجارهم لا ثمار لها، و إنما فائدتها الظل و الحطب و الخشب. و مما عندهم من الأشجار المثمرة الزيتون بناحية مرسيليا و طولون‏ (1)، عندهم هناك منه كثير، و شجره لا يتعاظم عندهم كما يكون بالمغرب‏ (2)، بل غالبه يجنبه الإنسان من الأرض، و هم يتعمدون ردعه فيبقى دائما صغيرا ليعظم حبه و يشتد غصنه. و زيتهم في غاية الحلاوة و الصفا، حتى أنه يضرب المثل بزيت فرانسا فيما ذكر، و يجلب القليل منه للأقاليم لحلاوته.

و عندهم أيضا كثير من أشجار اللوز، خصوصا ناحية مرسيليا و ما يقرب منها حلوه و مره. و اعتناؤهم بالمر كالحلو أو أكثر يستعملونه في حلاوات‏ (3)، و يعقدون عليه الصابون و غير ذالك. و عندهم كثير من أشجار اللوز بل الجوز و توت دود الحرير، و ذكره عندهم أكثر من الأنثى‏ (4). و عندهم كثير من أشجار التفاح و الإجاص و البرقوق، و حب الملوك و المشماش قليل فيما رأينا. و أما ثماره فلا ينقطع عندهم، لكن بعد تيبيسه و ترقيده بالسكار، فلا تخطيه مائدة. و كذالك أشجار التين قليلة عندهم، إنما رأينا منها شيئا يسيرا بناحية مرسيليا و طولون.

____________

(1) و يعني بها مدينة تولون‏(Toulon) .

(2) و يعني الصفار بتلك التسمية بلاده المعروفة بالمغرب الأقصى و ليس بلاد المغرب الكبير، لأنه يشير إلى بقية بلدانه بأسمائها المعروفة، و هي الجزائر و إفريقية التي كانت تطلق على تونس. و فيما يتعلق بمسألة شعور المغاربة بالحس الوطني أو بالهوية المغربية، انظر:

Laroui, Origines, pp. 75- 95.

(3) يريد الصفار أن يقول الحلويات (المعرب).

(4) و المقصود به هو شجر التوت. غير أن إشارة الصفار هنا إلى ذكره و أنثاه تظل غير واضحة. و بما أن هناك بعض أشجار التوت غير المثمرة، فربما هي التي صنفها الصفار من قبيل الذكور، انظر مادة «التوت» في:

Encycloaedia Britannica, 0991 ed., s. v." Mulberry".

.

139

و أشجار اللشين‏ (1) كثيرة عندهم، لكن يجعلونها في صناديق و نحوها. فإذا كانت أيام الصيف و الحر أخرجوها للفضاء، فإذا جاء البرد و الثلج و الشتا أدخلوها للبيوت لشدة البرد عندهم خوفا من يبسها. رأينا منها بباريز بيوتا كثيرة، و هي منزلة فيها على أحسن ترتيب، و لها طاقات و سقف من الزجاج. فإذا كان يوم مشمش فتحوها ليدخل لها الهواء، و إذا كان يوم برد أغلقوها، و تلك الصناديق كبار، و كذالك الأشجار التي فيها رأينا تاريخ واحدة في صندوقها مر لها فيه ما يزيد على أربعماية سنة. و يدخلون تلك الصناديق و يخرجونها بجر و حركات على ما عهد من حيلهم في ذالك. و لم نر عندهم اللشين مغروسا بالأرض إلا يسيرا منه حوز طولون، و أخبرونا أن لهم منه أيضا بجزيرة في البحر قبالة طولون‏ (2)، و أشجار الرمان عندهم قليلة رأينا منها أيضا في البيوت.

و غالب أشجارهم الصفصاف و نحوه مما يعلوا و يعظم، و فائدته عندهم الظل أيام الحر، و استفاد ما يخرج منه من الحطب بالتنقية أو قطعه من أصله. و للحطب عندهم شأن و بال، و تاجر الحطب عندهم كتاجر الذهب، لما تقدم من إيقادهم النار في كل بيت دائما أيام البرد. فتجد عندهم ساحات كبار جدا فيها جبال من الحطب، كله يابس نظيف مقطوع قطعا صغارا نحو الذراع، و يباع عندهم بالوزن لا بالأحمال.

و ليس عندهم غابة مباحة للاحتطاب، بل كل واحد يحتطب من ملكه و يغرس الأشجار في فدانه أو بستانه بقصد ذالك، و إن كانت غابة فهي مملوكة لأربابها لا مباحة.

و لهم قوانين في قطع الأشجار. منها أن من له غابة يقسمها على مقدار ما تبلغ‏

____________

(1) و قد تنطق أيضا بالتاء في بعض جهات المغرب، هكذا: «اللتشين»، و هو البرتقال، من فصيلة الحوامض. و أشارد. هاي إلى كثرة ذلك المنتوج خلال القرن التاسع عشر في أحواز الرباط إلى درجة أن «غلته قد بيعت أحيانا قبل جنيها بما يقارب 1 شلنغ عن كل ألف برتقالة»Journal ,p .34 . أما جاكسن، فذكر أن أحواز مدينة «تطوان كانت تنتج ألذ أصناف البرتقال في العالم على الإطلاق، هذا فضلا عن التين و العنب و البطيخ و المشمش و البرقوق و التوت و التفاح و الإجاص و الرمان و الأترج و الليم»، انظر:Jackson ,Account ,p .11 .

(2) و يتعلق الأمر بالجزر الصغيرة المعروفة إما تحت اسم‏(Iles d`Hye ?res) أو(Iles d`or) ، و تقع أمام مرسى تولون مباشرة.

140

فيه أشجارها، فإن كانت تبلغ على عشر سنين، فيقسمها على عشرة أجزاء، كل عام يقطع جزءا، أو على ثلاثين فثلاثين و هكذا. بحيث إذا قطع الأخير منها وجد ما كان قطعه أولا بلغ بعد خلفه. و منها أنه لا يقطع شجرة حتى يوقف عليها من له النظر في ذالك، فإن كانت تصلح للبيلك‏ (1) للمراكب أو نحوها طبعها بطابعه، و متى شاء أخذها لاكن بعد دفع الثمن، و إن لم تكن تصلح له أباح لربها قطعها بعد أن يؤدي عليها خراجا (2) معلوما عندهم على الأشجار. و الأشجار في أرضهم كثيرة جدا، لا ترى عن يمينك و شمالك إلا هي. و مع كثرتها لا تجد شيئا من الحطب مجانا حتى السقوط، بل يحافظون على كبيره و صغيره و لا يضيعون منه شيئا، و لا يخرجونه من أيديهم إلا بالثمن. و لا يقدر أحد أن يأخذه من تلك غيره بغير إذنه.

و من جملة قوانينهم التي أسسوها و جعلوها شريعة (3) من شرائعهم، أن أرض‏

____________

(1) استعمل الصفار هنا لفظة «البيلك» التركية، و يعني بها الدولة المعروفة في المغرب بتسمية «المخزن» المشهورة. و ربما أوحى إليه باستعمالها التراجمة المرافقون لأعضاء البعثة السفارية أثناء وجودها في فرنسا، و الذين سبق لهم أن قضوا مد معينة في الجزائر؛ كما استعمل مصطلح «البيلك» للإشارة إلى دويلة الأمير عبد القادر المعلن عن قيامها في وهران، انظر:

Azan, L`e? mir Abd el Kader, p. 331.

(2) كانت تفرض ضريبة الخراج على الأراضي. و كانت في الأصل من الضرائب المفروضة على غير المسلمين، لكنها أصبحت تعم المسلمين أيضا. و حسب المذهبي المالكي، فإن الخراج لم يكن ضريبة بل نوعا من «واجب للكراء» يؤديه الفرد مقابل استغلاله للأرض التي كانت ملكا للجماعة. و بدأ العمل بالخراج في المغرب منذ حوالي القرن الثالث عشر الميلادي، فأصبح يؤدى منذ ذلك الحين بنوع من الانتظام. لكنه غالبا ما كان يحمل اسم «النائبة». انظر ما كتبه ميشوبلير في المقالتين التاليتين:

" l? impo? t de la nai? ba et la loi musulmane au Maroc", RMM 11( 0191 ): 693- 404.

، و كذا:

E Michaux- Bellaire," le droit de proprie? te? au Maroc", RMM 7( 9091 ): 563- 873.

(3) «الشريعة» هي مجمل التعاليم الإسلامية التي نزلت على الرسول عن طريق الوحي. و استعمل الصفار المصطلح نفسه، شأنه في ذلك شأن الطهطاوي، للإشارة إلى القوانين الوضعية الفرنسية، انظر:L`or ,p .331 ؛ تلخيص، ص. 94. كما يستعمل الصفار أيضا مصطلح «قانون»، و يعني به تقنينات و تنظيمات مختلفة تطبق إلى جانب القوانين الوضعية. و يفرق فقهاء المسلمين بين* * *

141

فرانسا كلها حرم لا تهتك و لا يتعدى أحد على ملك آخر (1). و من فعل عوقب عقوبة معلومة عندهم لا شفاعة فيها، و لا يقدر أحد أن يدفعها عنه. و قد رأينا في بعض الطريق زربا (2) صغيرا فاصلا بين الطريق و الملك، فأخبرنا بعض من كان معنا أنه علامة على الحد بين الملك و الطريق، فمن تخطاه برجل واحدة سجن خمس سنين، و من وقع خلفه بكله سجن خمسة عشرة سنة. و لذلك لا تجد عندهم إنسانا و لا دابة هائمة في ملك أحد و لو كانت أرض مرعى، فإنما يتصرف فيها ربها لا يشاركه فيها غيره. مع أن ماشيتهم لا تسرح إلا نادرا، و اعتمادها إنما هو على العلف. و كل أحد يزرع في ملكه ما يقضب للعلف و الأكل طول السنة يعمله لنفسه أو للبيع، و لم نر عندهم مراعي ينبت فيها الكلأ وحده كما عندنا بالمغرب.

و من استفادة أشجارهم المذكورة الخشب العظام التي تصلح للأعمال و الأبنية، و الورقة التي يصنع بها الأبواب و الصناديق، و غير ذالك مما يصنع من الخشب كالمراكب و الفلائك و صواريها و غير ذالك. و يحتالون على الشجرة من صغرها حتى تطلع مستقيمة و تكون عمودا واحدا، فتصلح للصواري و نحوها. و احتياجهم في البناء للخشب أكثر من غيره، لأن الفصل بين البيوت إنما يكون بالخشب المطلية بأنواع الأطلية لا يعرف أنها خشب إلا بعد التأمل، و لا يبنون بالحجارة إلا الجدرات الخارجية.

و لهم في غرس هذه الأشجار التي في البراري ترتيب و تصفيف عجيب في غاية

____________

* * * مدلول المصطلحين؛ فيعتبرون الشريعة مجمل القوانين السماوية الثابتة، بينما يدخلون في إطار «القانون» مختلف التقنيات التنظيمية القابلة للتغيير و التي وضعها بنو الإنسان، حتى تكون قابلة لمسايرة المستجدات بصفة عامة، و ليس هناك أي تناقض بين الاثنين و إن كانت مصادرها الأصلية مختلفة تماما، انظر:

A. Hourani," Aspects of Islamic Culture: Introduction", in Naff and Owen, Studies, pp. 662- 762.

(1) لاحظ الصفار غياب الأراضي الجماعية التي يسمح فيها لعامة الناس برعي ماشيتهم و جمع العلف لفائدتها، كما كان معهودا وقتئذ في البوادي المغربية.

(2) «الزرب»، و هي أغصان شائكة تستعمل سياجا للحقول و الممتلكات الخاصة، أو وسيلة لحصر الماشية في البوادي و منعها من التنقل. انظر: 584: 1Dozy (المعرب).

142

من الإتقان، فيجعلونها صفوفا متساوية و خطوطا متوازية، لا ترى واحدة خارجة و لا بارزة عن أختها في الصف. فترى زقاقا طويلا جدا بين صفي الشجر المتوازية، ليس فيه اعوجاج، وصف الشجرة من هاهنا و هاهنا كأنه ذات متصلة في غاية الاستقامة.

و يجعلونها جداول و خطوطا و على أشكال شتى، و بسبب إتقانها في الغرس و الإنزال، لا يمنع غرسها من عمارة باقي الأرض بالحرث و نحوه. و في الغالب لا يتركون الفدان أبيض كله، بل يغرسون أطرافه بالأشجار، و حيث تكون في الطرف لا تمنع من عمارة الوسط.

و لهم اعتناء تام و اهتبال و اهتمام بدوالي العنب، حتى أن بساتين العنب عندهم ربما كانت أكثر من أرض الحرث و ذالك لولوعهم بالخمر، إذ هو من ضروريات عيشهم، و لو أريقت خمرهم لفاضت منها البحار. و أما الحرث فعندهم منه حظ وافر يكفيهم إن كان صالحا. و في حوز باريز محاريث جيدة، و قمح باريز في غاية البياض و الصفا.

و من قوانينهم في الزراعة أن بيلكهم يعطي عطاء معلوما عندهم لمن ظهرت على يده مزية لم يات بها غيره من الفلاحين، ترغيبا منهم للزارعين في أن يجتهدوا في الحرث و الازدراع، و أن يأتي كل منهم بما يفوق به غيره في الزراعة. و من قوانينهم أيضا، أنه إذا جاءهم في برهم ما يكفيهم من الزرع فيمنعون من دخول غيره من خارج بلادهم. حتى إن جاء من جهة أخرى ليطحن في بلادهم و يخرج، فيكون دخوله و خروجه بالوزن ليلا يبقى منه شي‏ء في بلادهم، و ذالك ليلا تكسد زروع رعيتهم الذين يحرثونها، فيزهدون في الحرث فيعود عليهم الضرر. و إن كانت الغلة ناقصة، أباحوا دخوله من الآفاق، و تسامحوا في عشوره‏ (1) ليكثر جلبه من الآفاق.

و أرضهم على الجملة ليست أرض خصب و كلإ كأرض المغرب، إنما هي أرض صلبة قرعة خشنة، لولا دوام النبش فيها و التزبيل‏ (2) و الخدمة و عدم وطء المواشي و الأرجل‏

____________

(1) «العشور»، و المقصود به عشر الانتاج السنوي المفروض أداؤه من طرف جميع المسلمين تطبيقا للتشريعات السماوية. و في المغرب، حيث كانت تقاس المداخيل أساسا بقطعان الماشية أو بالمحاصيل الزراعية، كان يساوي «العشور» عشر المحصول السنوي من الحبوب. انظر مادة «عشر» في:SEI ,s .v ."Ushr "

(2) المقصود بالتزبيل هنا، إغناء الأرض و تقوية تربتها بوسائل التخصيب المعتمدة أساسا على روث البهائم و حتى براز الإنسان أو ما شابه ذلك من المواد المخصبة للأرض (المعرب).

143

لها، لما أخرجت ما تخرجه من الثمار و غيرها بما ذكر. و لم نر عندهم شيئا من النباتات و العشب التي تكون عندنا في فصل الشتاء.

و رأينا في هذه الطريق أيضا كثيرا من الأودية و الأنهار، و كلها تسافر فيها المراكب و الفلائك و بابورات النار. و مراكب الأنهار عندهم طوال ممسوحة القيعان، إذ ليس في النهر من العمق مثل ما في البحر، لكن ما ينقص من عمقه يزاد في طوله. و سواء في ذالك النهر الكبير و الصغير، لأنه و إن كان لا يمكن أن تسافر فيه المراكب لقصر عمقه، فإنهم يحفرونه و يعمقونه و يعتنون بتصفية مجراه على قدر ما يمكن فيه سير المراكب. و لا يقتصرون في الأنهار على ما انشق بنفسه بل يحدثونه و يحفرونه. فإذا كان نهران متقابلان و لا اتصال لأحد بالآخر، فإنهم يشقون بينهما نهرا آخر صغيرا ليتصلا، حتى تصل المراكب من هذا لهذا. و لا تجد عندهم نهرا منهارا جرفه و لا ذاهبا في غير مجراه و لا غير ذالك من التفريط، بل يعتنون بإصلاحها غاية، و غالب حافاتها مبنية بأوثق بناء و أتقنه.

و إذا كان على حافتها طريق بنوا طرفها الموالي للنهر، و ربما جعلوا فيه أعمدة عظيمة من الحجارة، و أجروا فوق هذه الأعمدة ممدودا عليها أعمدة طوالا من الخشب مسمرة في رؤوس أعمدة الأحجار ليلا تنهار الطريق، و خوف أن تميل كروصة في حالة المشي فيحصرها الحاجز المذكور عن الوقوع في الجرف.

و الأنهار في بلادهم كثيرة، و من أشهرها و أكبرها فيما مررنا عليه نهر يسمى الرون‏ (1). و مبدؤه من ناحية مدينة اليون، فيدخلها و يلتقي معه فيها نهر آخر يسمى لاصون‏ (2). ثم يخرج منها مشرقا إلى أن يخلص للبحر الصغير غربي مرسيليا، و يتصل به في طريقه أنهار أخر. فكلما زاد اتسع مجراه و كثر ماؤه، فيرى في بعض المواضع كأنه بحر من البحور، تسافر فيه المراكب الكبار ذوات النار و غيرها، و يطلق على الجميع الرون تغليبا، و على شاطئه فيما بين اليون و مرسيليا بلدان كثيرة و قناطير ضخام مشيدة على أشكال مختلفة، و بساتين و أشجار يحمل بكثرة الأمطار و ينقص بنقصانها، و لا يتأثر البنا المؤسس بطرفه و لا الأشجار من زيادته لتأسيسه أولا على الإتقان.

____________

(1) «الرون»، هو نهر(Rho ?ne) الذي يسير انطلاقا من مشارف مدينة ليون في اتجاه الجنوب.

(2)(La Sao ?ne) ، هو من أهم روافد نهر الرون سابق الذكر.

144

و منها نهر يسمى للوار (1)، و هو فيما بين اليون و باريز جاريا لناحية الغرب إلى أن يخلص للبحر الكبير، أول ما رأيناه في حال ذهابنا لباريز بمدينة يقال لها الروان‏ (2)، و لم يغب عنا حتى جاوزنا مدينة أورليا (3)، التي هي آخر مرحلة لباريز. و على شاطئه أيضا بلدان عديدة و عمارات مديدة، تسافر فيه المراكب العظام و يتصل به غيره من الأنهار، و يطلق على الجميع للوار تغليبا. و يمر في وسط كثير من البلدان، و عليه في محال العبور داخل بلدة أو غيرها، القناطر العجيبة البناء على أشكال مختلفة سيأتي بيانها.

و منها نهر يسمى لاسين‏ (4)، و هو داخل مدينة باريز على نعت ما تقدم، و وصفه و مصبه في البحر الكبير فهو جار بها غربا، هذه أكبر ما رأينا. و الأنهار الصغار كثيرة، و غالب أنهارهم متصل بعضها ببعض، و إن لم تكن متصلة وصلوها كما تقدم.

و غالب ما يوسق في مراكب الأنهار الأمور الثقيلة، كالحجارة و الخشب و الفحم و آلات البناء و الخضر و الفواكه، و غير ذالك مما يثقل حمله. و جل هذه الطريق سهل و وطاء، و لم نر عندهم من شواهق الجبال مثل ما عندنا، إلا في ناحية مدينة اليون فإنها جبال و عقبات. لاكن يحتالون على العقبة بجعل الطريق دائرة معها، حتى لا يحس بمشقتها، و إن كان جبلا صغيرا شقوا الطريق في وسطه حتى تسلك الكروصة بسهولة. و ما بعد اليون لناحية باريز، فيه روابي و أكام. و كلما قربت لباريز، وجدت البطاح و السهل، حتى أنه في ناحية باريز لا ترى جبلا قط. و أصعب عندهم مما رأينا، ما بين مدينة إكس‏ (5) و طولون، فإنها جبال و عرة و عقبات صعبة تتأثر الكروصة فيها بالبطو في المشي لصعوبة الطريق.

و كل هذه الطريق عامرة، و لا سيما بين مرسيليا و اليون، فإن عمرانها متزاحمة و بلدانها متقاربة. فالعمارة فيما بينهما أكثر مما بين اليون و باريز، فإنه يوجد فيها الفضاء الكثير، و هذا بالنظر للبلدان و القرى. و أما الدويرات المجتمعة و المنفردة على‏

____________

(1)(La Loire) .

(2)(Roanne) .

(3).(Orle ?ans) .

(4)(La Seine) .

(5)(Aix en Provence) .

145

جوانب الطريق، فلا يخلو منها موضع. فلا تمر في محل من هذه الطريق إلا و أنت ترى البنيان، إما بلدة أو قرية أو دار أو دور، إن لم يكن قريبا فبعيد. و كل بستان من بساتينهم فيه دار مبنية عامرة بخادم البستان و أهله.

و كل ما في الطريق من البلدان فإن الطريق تمر في وسطها، تشقها شقا بين حوانيتها و أسواقها. و في هذه الطريق داخل عمارة أو خارجها، الكثير من الصنائع التي يحتاج إليها المسافرون، كصناع الأكداش و الكراريص و سائر إقامتها، و السمارين الذين يسمرون الدواب بصفائحهم و سائر آلاتهم، فإذا اختل للمسافر شي‏ء من ذالك وجد إصلاحه قريبا. و فيها كثير من ديار الخمارين الذين يبيعونها في الطريق للمسافرين، و فيها كثير من بوسطات الخيل التي تكرى لجر الأكداش و الكراريص، كلما افتقر المسافر لشي‏ء منها ألفاه قريبا.

و أما المدن و البلدان التي مررنا عليها في طريقنا هذه، فأولها مدينة مرسيليا التي نزلناها بعد خروجنا من البحر، و هي مدينة كبيرة من حواضر بلاد فرانسا. و لا سور لها من جهة البحر، و مرساها محصنة بأبراج المدافع يمينا و شمالا. لها مدخل ضيق، و عليها فنارات‏ (1) عظام توقد بالليل للاهتداء. و على المرسى قهاوي عديدة في أحسن ما يكون من الزخرفة و التزيين. و مرساها جون داخل لجهة البلد، بينها و بين جبل صغير مقابل لها، و شاطئها مبني على نمط ما تقدم في مرسى بوربندر. و بهذه المرسى صناديق مرساة لازمة لموضعها و فيها ثقب كبير، فمن أراد الدخول لداخل المرسى، ربط فيها حبال سفينته و جعل يجبذ لتدخل سفينته لعدم الريح بداخل المرسى.

و ليست مرسى للقراسيل‏ (2) و المراكب الحربية، إنما هي مرسى لمراكب التجارة، ألفينا بها من مراكب السلع و التجارة ما لا يوجد معها مسلك، كان بها على ما قيل ما يزيد على ألفي مركب. لأن هذه البلد بلد المتجر، فيها التجار من سائر الأقاليم، و فيها جميع ما يوجد ببلاد فرانسا من السلع و الصنائع. و سلع غير الفرنسيس فيها

____________

(1) مفردها فنار، و أصلها من الإسبانية(fanal) ، و هي المصابيح المستعملة للإنارة. 292: 2Dozy (المعرب).

(2) مفردها قرصال و أصلها من الإيطالية(corsale) ، أي لص البحر. و بما أن القرصنة لم تصبح بالكثافة التي كانت معهودة من قبل في حوض البحر الأبيض المتوسط، فإن اللفظة هنا تعني صنفا من أصناف المراكب الحربية. انظر:Brunot ,La mer ,pp .733 -443 .

146

قليلة، إلا سلعة يرغبون فيها لعدمها أو قلتها عندهم. و إذا جاءتهم سلعة من خارج بلادهم و عندهم مثلها، فإنهم يتغالون في عشورها (1) حتى لا تدخل، حرصا منهم على نفاذ سلع بلادهم لتدوم صنائعهم، و ليلا يزهد الصناع في صنائعهم إن كسدت.

و بهذه المدينة ديار عالية البناء مشيدة و أسواق مزينة، و حوانيت بأنواع السلع و أنفسها مزخرفة. و الحوانيت التي على المرسى متصلة بالشاطئ تصل المراكب و الفلائك حتى تتصل بحافة المرسى المبنية بالصخر العظيمة، فلا يبقى بينها و بين الحوانيت إلا الممر. و شوارعها واسعة و للشوارع و الطرق وسط و حاشيتان، فالوسط للأكداش و الكراريص و الحاشيتين للرجالة. و مما يستقبح فيها، أن مجاري أخباثها و نجاستها تمر على وجه الأرض في وسط الشوارع لا يخلوا منها طريق، و ذالك في البول لا غير، و أما الغائط فإنه يباع بالثمن، فلا يفضل حتى يسيح على وجه الأرض، فله أهل موكلون به، يطوفون عليه ببوطات كبار يملئونها منه و ييبسونه لتزبيل الأرض و الأشجار.

و شوارعها كلها نافذة بعضها لبعض، فليس فيها زقاق محصور، و بها ميادين واسعة فيها صفوف من أشجار كبار يتماشى الناس فيها للاستراحة، و تلك الأشجار تظللهم أيام الحر. و من أشهر حاراتها موضع يسمى عندهم بورالي‏ (2)، به أشجار و خصص ماء، و به غالب ديار أكابرهم و أهل الثروة منهم.

و هذه المدينة من جملة إيالات‏ (3) فرانسا حاكمة على عمالتها. و ذلك لأن‏

____________

(1) انظر الهامش 43 أعلاه. و يمكن أن تعني أيضا الرسوم المفروضة على الصادرات التي يتم تحصيلها عند خروج السلع من المدينة. و في 1845 سميت الرسوم المؤداة على جميع أنواع السلع الموجهة من فاس إلى الجزائر «عشور فندق النجارين» و هو المكان الذي يتم فيه تحصيل تلك الضرائب. انظر:

E. Michaux- Bellaire," Les impo? ts marocains", AM 1( 4091 ): 56.

(2) و يتعلق الأمر بالقصر الذي يحمل اسم شاتو دو بوريلي‏(Ch teau de Bore ?ly) ، و قد بناه أحد أثرياء مرسيليا في أواخر القرن الثامن عشر، في منطقة تمتد في منتزه واسع الأرجاء.

(3) مفردها إيالة، و هي من الكلمات العربية التي تحولت إلى مصطلح إداري لدى العثمانيين، معناها الإقليم. و تم تبني المصطلح نفسه في المغرب على عهد السعديين، ابن زيدان، العز، 1، ص. 399.

و عند نهاية القرن الثامن عشر فككت الأقاليم الفرنسية التي كانت موجودة قبيل الثورة و عوضت بست و ثمانين مقاطعة يسميها الفرنسيون دبرتمان:(de ?partements) .

147

عندهم في جميع بلاد فرانسا خمس أو ست و ثمانون إيالة، كل إيالة فيها مدينة كبيرة و ما يضاف إليها من عمالتها من البلدان الصغار. و لكل إيالة حاكمان، أحدهما حاكم العسكر و نظره مقصور عليه، و الثاني حاكم الرعية غير العسكر و هو بمنزلة قائد البلد عندنا، و مرتبة الأول عندهم أعلا من الثاني‏ (1). و مقرهما يكون في بلد الإيالة التي هي حاكمة على غيرها، و لهما خلائف في حكومتهما. فمن حكومة مرسيليا و عمالتها مدينة طولون فحكومتها من تحت حكومة مرسيليا، و من عمالتها مدينة إكس‏ (2) الآتي ذكرها.

و بخارج هذه المدينة و أحوازها عمران متزاحمة و بناءات متلاصقة، تمشي بعدها عدة أميال و فراسخ كأنك داخل بلدة، و أهلها يريدون أن يجبلوا لها ماء من مسيرة بعيدة على نحو ثلاثة أيام من نهر قرب مدينة أفنيون‏ (3)، و صرفوا على عمله أموالا جزيلة و إلى الآن لم يصل، و لكنهم جادون في العمل يحفرون له مهاوي عميقة في بطون الجبال و يبنون له القناطير العظام فيما بين الجبلين، و حفرهم المذكور بحركات البابور التي تدور بالنار، فيخرجون من بطن الأرض جبالا من التراب من ذالك الحفر (4). و يريدون أن يحدثوا بها مرسى أخرى و هم جادون في عملها، لأن مرساها القديمة تتقعد فيها أثفال المدينة و أوساخها، إذ لا منفذ لها سوى هنالك، فكادت أن تفسد بسبب ذالك، حتى أن ماءها أسود نتن، فأرادوا أن يجعلوا أخرى عن يسار هذه‏

____________

(1) «حاكم الرعية» يعني به الصفار و الى المقاطعة المعروف في فرنسا باسم البريفي‏(pre ?fet) ، و هو أعلى هيئة مدنية رسمية تشرف على سير أعمال المقاطعة. أما «حاكم العسكر»، فهو موظف عسكري من رتبة جنرال يتولى مسؤولية الإشراف على تسيير ثكنة عسكرية محلية خاضعة لأوامر وزارة الحربية، انظر:

Grande encylope? die Larousse, ed., 2881., s. v" De? partement".

(2) مدينة(Aix en Provence) سابقة الذكر.

(3) مدينة(Avignon) .

(4) شرع منذ سنة 1839 في مد قناة مائية من نهر دورانس‏(Durance) إلى مرسيليا عبر مسافة بلغت 83 كيلومترا. و كان أزيد من 21 كيلومترا من مجموع طول القناة يمر في بطن الأرض. أما الأشغال فقد انتهت سنة 1847، انظر:L`Illustration ,6 septembre .5481

148

بالنسبة للداخل سالمة مما ذكر (1).

ثم بعد انفصالنا عن مرسيليا و أحوازها، مررنا على بلدة يقال لها إكس، و هي بلدة صغيرة بالنسبة لمرسيليا و هي من عمالتها، بها أسواق و حوانيت و أوكنضات، و بها عساكر و قشلات‏ (2) للعسكر. و لهذه البلدة عند الفرنسيس مزيد اختصاص بعلوم شرائعهم حتى أن من وجب عليه القتل من عمالة مرسيليا بهذه البلدة يكون قتله، لأن بها يقع التحاكم في قضيته‏ (3).

و رأينا لهم بها صليبا عظيما في ميدان بطرفها و صورته خشبة قائمة معترضة في رأسها قطعة خشب صغيرة، و عليها صورة رجل مصلوب مجرد من ثيابه، ما عدى ثوبا سترت به عورته. فهالنا منظره و أفزعتنا رؤيته، و ظننا أنه صاحب جناية علقوه، إذ لا يشك من رءاه أنه آدمي مصلوب. فسألت عن ذالك، فأخبروني أنه معبودهم و صليبهم الذي يعبدونه، و هم يزعمون أنه عيسى أي صورته مصلوبا. و لا شك أنهم يعتقدون إلهيته كما أخبر عنهم القرءان العزيز، و لا شك في كذب زعمهم و بطلان معتقدهم:

(ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ) (4) الخ الآية. (ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ، أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (5) الخ الآية. و هذا هو الصليب المنصوب في كنائسهم يعبدونه و يعظمونه و يصلون له، و يكسره عيسى (عليه السلام) عند نزوله تكذيبا لهم و إبطالا لما يدعونه من تعظيمه و لإبطال دين النصرانية.

____________

(1) أدى الغزو الفرنسي للجزائر إلى ارتفاع درجة النشاط التجاري بمرسى مرسيليا، فأصبحت الحاجة ملحة إلى مرسى ذات إمكانات أكبر مما كان لها من قبل، إذ كان عمق مياه المرسى القديمة لا يسمح بدخول المراكب الكبيرة ذات الحمولات الثقيلة جدا. و في سنة 1844، أي قبيل حلول الصفار بفرنسا، تمت المصادقة على قانون يرخص الشروع في بناء رصيف جديد للمرسى شمال الأرصفة القديمة. انظر:

Guide Michelin: Provence, ed., 6791, p. 59.

(2) مفردها «قشلة»، و هي كلمة تركية قشلا، و تعني الثكنة العسكرية، 359: 2Dozy

(3) كانت مدينة إيكس تحتضن مقر محكمة الاستيناف التابعة لمقاطعة مرسيليا. انظر:

Guide Michelin: Provence, ed., 6791, p. 64.

(4) سورة النساء، الآية 157.

(5) سورة التوبة، الآية 30.

149

قال القسطلاني‏ (1) في شرح الصحيح عند قوله في الحديث: فيكسر الصليب الخ ما نصه. و الأصل فيه ما روي أن رهطا من اليهود سبوا عيسى و أمه (عليهما السلام)، فدعا عليهم فمسخهم الله قردة و خنازير، فأجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء، فقال لأصحابه أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل و يصلب و يدخل الجنة؟ فقام رجل منهم، فألقى الله عليه شبهه، فقتل و صلب.

و قيل كان رجلا منافقا فخرج ليدل عليه، فدخل بيت عيسى و رجع عيسى و أبقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه و هم يظنون أنه عيسى. ثم اختلفوا فقال بعضهم إنه إله لا يصح قتله، و قال بعضهم إنه قد قتل و صلب، و قال بعضهم إن كان عيسى فأين صاحبنا و إن كان صاحبنا فأين عيسى؟ و قال بعضهم، رفع إلى السماء.

و قال بعضهم، الوجه وجه عيسى و البدن بدن صاحبنا. ثم تسلطوا على أصحاب عيسى (عليه السلام) بالقتل و الطلب و الحبس حتى بلغ أمرهم إلى صاحب الروم‏ (2)، فقيل له أن اليهود تسلطوا على أصحاب رجل كان يذكر لهم أنه رسول الله، و كان يحيي الموتى و يبري الأكمه و الأبرص و يفعل العجائب، و عدوا عليه فقتلوه و صلبوه.

فأرسل إلى المصلوب فوضع عن جذعه، و جي‏ء بالجذع الذي صلب عليه فعظمه صاحب الروم، و جعلوا منه صلبانا، فمن ثم عظم النصارى الصلبان، انتهى.

فصليب بمعنى مصلوب، و هو عندهم على أشكال و الصورة واحدة كما تقدم.

و لاكن تارة يكون كبيرا و تارة يكون صغيرا، و يكون من الخشب و الحجارة و الحديد

____________

(1) يعتبر القسطلاني من كبار العلماء المصريين و من المراجع الأساسية في مادة الحديث، توفي سنة 932/ 1517. و معلوم أن المسلمين يؤمنون بنبوة المسيح، لكنهم لا يشاطرون الأفكار المسيحية القائلة بصلبه، و يعتقدون أن شخصا شبيها بالمسيح قد حل محله و تعرض للقتل. و يفصلون بذلك بين المسيح و الرمز التقديسي الذي يمثله الصليب كما هو معروف في اعتقاد المسيحيين. أما الكلام الذي ساقه الصفار في رحلته حول هذا الموضوع، فقد أخذه عن كتاب القسطلاني إرشاد الساري في شرح البخاري. انظر مادتي «عيسى» و «القسطلاني» في:

. SEI, s. v."? Isa" and" al- kastalani"

(2) و هو بونتيوس بيلاتوس‏(Pontius Pilatus) أو بيلات بونت‏(Pilat Ponte) ، الحاكم الروماني على فلسطين ما بين 26 و 36 بعد الميلاد.

انظر:

M. Mourre, Dictionnaire d`histoire universelle, ed., 2: 5661.

(المعرب).

150

و النحاس و الذهب و بالكتابة و غير ذالك. و تارة تكون عليه الصورة مصلوبة و تارة يكتبون بالجذع وحده كما تقدم في كلام القسطلاني. و يباع منه في حوانيتهم كثير، و يصورون صورة عيسى في زعمهم على أشكال، تارة رجلا كبيرا و تارة صبيا صغيرا وحده أو في حجر مريم أو في يدها، و في الكنيسة يصلون لهما معا. و إذا سألت أحدا منهم عن تلك الصورة ما هي، فيصرح بالألوهية أو البنوة و بالأمومة في جانب مريم حاشاهما من ذالك، و تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. و ما زادتنا رؤية ذالك إلا تبصرا بكفرهم و اطلاعا على إبطال معتقدهم و سخافة عقولهم. فالحمد لله الذي هدينا للملة الحنيفية، نسئل الله سبحانه أن يحفظ علينا الإيمان إلى الممات ءآمين، بجاه النبي الأمين، عليه أفضل الصلاة و أزكى السلام إلى يوم الدين.

ثم انتهى بنا المبيت أول ليلة إلى مدينة يقال لها أفنيون، و هي مدينة كبيرة لها سور دار عليها و أبواب، و هي موسومة بالقدم، و بها ما بمثلها من بلدانهم من الأسواق و العساكر، و غير ذالك. و يقال إن فيها ثلاثة و ثلاثين ألف نفس، و يمر بطرفها نهر عظيم، نهر الرون المتقدم، و عليه هنالك القناطر المشيدة، و فيه بإزائها الكثير من المراكب كبارا و صغارا. و هنالك أيضا شي‏ء كثير جدا من الخشب و الألواح و الحطب و الفحم، و غير ذالك مما يوسق في ذالك النهر، و هي من حواضر بلادهم. و الأرض التي بحوزها بطاح وطية، و هي أرض خصب و حرث لم نر عندهم أخضر منها.

و بحذائها نهر آخر يسمى ديرانس‏ (1)، عليه قنطرة من الخشب كلها حسبنا فيها نحو خمسين قوسا.

ثم مررنا بعدها على بلدان واحدة تسمى ورنص‏ (2) و أخرى صرك (3)، و بطرفها نهر صغير يسمى افيز (4)، عليه قنطرة صغيرة. ثم أخرى يقال لها أورنج‏ (5)، و هي بلدة قديمة بها قوس كان بابا لها مؤرخا عليه بتاريخهم أن له ما يزيد على ألفي سنة

____________

(1) نهردورانس‏(Durance) .

(2) لم نتمكن من معرفة ما يقابلها في الفرنسية.

(3) و يقابلها بالفرنسية(Sorgues) .

(4) و يقابلها بالفرنسية(Ouve ?ze) .

(5) و يقابلها بالفرنسية(Orange) .

151

بالتثنية (1). ثم أخرى يقال لها مرناس‏ (2)، ثم أخرى يقال لها لبلي‏ (3)، ثم أخرى يقال لها مونطي لمار (4)، ثم أخرى يقال لها لوريول‏ (5)، و بعدها نهر صغير يقال له دروم‏ (6)، عليه قنطرة يلتقي هنالك مع نهر الرون المذكور. ثم أخرى يقال لها لبياس‏ (7)، و كلها بلدان صغار متماثلة أو متقاربة.

ثم انتهى بنا المبيت في الليلة الثانية إلى بلدة يقال لها فلنص‏ (8)، و هي بلدة كبيرة و بها آثار الحضارة، و بها قصبة للعسكر لها سور قديم فيها المدافع. و لهذه البلدة عندهم مزيد اختصاص بعلم الطبجية، ياتون إليها من نواحي أخر لتعلم ذالك‏ (9).

و نزل ليلة بتنا بها ثلج عظيم غطى أرضها و سطوحها و أعواد أشجارها، حتى أصبحت كلها بيضاء. و لقد رأينا الكراريص التي باتت سائرة أو في الفضاء ينحذر من ظهرها قطع الثلج، غلظها نحو الأصبع أو أكثر، و فيها أول ما رأينا الثلج بهذه البلاد، و رأينا بعدها مثل ذالك أو أكثر.

و بعد هذه البلدة نهر صغير يسمى ليزاير (10)، عليه قنطرة جديدة كل من يمر عليها يعطي. و قد جعلوا في طرفها بيتا صغيرا به أناس لا يمر أحد إلا دفع لهم ما هو

____________

(1) و يتعلق الأمر بقوس النصر المعروف باسم:L`Arc de Triomphe d`Ornge ، بني سنة 49 قبل الميلاد، على يد قيصر روما تخليدا لانتصاراته على الغاليين انظر:Guide Michelin :Provence ,ed .,6791 ,P .11

(2) و يقابلها بالفرنسية(Mornas) .

(3) و يقابلها بالفرنسية(Lapalud) .

(4) و يقابلها بالفرنسية(Monte ?limar) .

(5) و يقابلها بالفرنسية(Loriol) .

(6) و يقابلها بالفرنسية(Dro ?me) .

(7) و يقابلها بالفرنسية(La Paillasse) .

(8) و يقابلها بالفرنسية(Valence) .

(9) و يتعلق الأمر بمدرسة مختصة في تبقين تقنية استعمال المدافع، و بها تلقى ناببليون بونبارت تكوينه في المدفعية سنة 1785. انظر:

Guide Michelin Valle? e du Rho? ne, ed., 5891, p. 814

(10) و يقابلها بالفرنسية(Ise ?re)

152

معين عندهم حتى يستوفوا ما صرف عليها. ثم مررنا بعدها على بلدة يقال لها طان‏ (1)، بإمالة الطاء، و هي على نهر الرون المذكور. ثم بعدها بليدة يقال لها سفلي‏ (2) على شاطئ النهر المذكور. ثم أخرى يقال لها فياج دوروسيوا (3)، ثم أخرى يقال لها أفيين‏ (4)، و هي قديمة و بها لهم كنيسة مذكورة عندهم يسمونها ساموريس‏ (5).

و بهذه البلدة ديار صنعة الملف، فهي مشهورة به. و كل مسير هذا اليوم أو جله على شاطئ نهر الرون المذكور.

ليون‏

ثم انتهى بنا المبيت في الليلة الثالثة إلى مدينة اليون‏ (6) بفتح الهمزة و سكون اللام و ضم الياء التحتية و هي مدينة كبيرة من حواضر بلاد فرانسا، و هي أكبر من مرسيليا و هي بين الجبال و لها أسوار حصينة. و هي دار صنعة الحرير ببلاد فرانسا، يخدم فيها ثوب المشجر (7)، و غيره من ثياب الحرير النفيسة، يقال إن فيها من خدام الحرير الآلاف من الناس. و يدخلها نهران أحدهما يسمى الرون و هو المتقدم ذكره، و الآخر يسمى لاصون، و يلتقيان بداخلها فيصير نهرا واحدا عظيما يشقها إلى انتهائها. و معنى الرون في لسانهم الرجل و لاصون المرأة، فكأنه التقى رجل بامرأة

____________

(1) و يقابلها بالفرنسية(Tain) .

(2) و يقابلها بالفرنسية(St .-Vallier) .

(3) و يقابلها بالفرنسية(Village de Roussillon) .

(4) و يقابلها بالفرنسية(Vienne) ، و هي فيينا القديمة، التي احتلها الرومان خلال القرن الأول الميلادي، فكانت من المعاقل الأولى للمسيحية في فرنسا، انظر:Mourre ,2 :5622 .

(5) «الملف»، نوع من الثوب الرفيع الجودة، تخاط منه أصناف جيدة من الملابس الخارجية. و أصل الكلمة من المدينة الإيطالية.(Amalfi) ابن زيدان، العز، 1، ص. 418. ثم:Harrell ,p .18 ;Dozy 2 126 ;IB 2 ;44 .

(6) و يقابلها بالفرنسية(Lyon) .

(7) «الثوب المشجر» صنف من الأثواب الحريرية الرفيعة يتميز بزخارفه البهية، و كان يصنع في الأصل بمدينة دمشق السورية.Dozy 1 :037 .

153

و تزوج بها. و في هذا النهر داخل هذه المدينة ما لا يحصى من المراكب و البابورات و الفلائك. و على حاشيتية أسواق و حوانيت مزخرفة بالسلع و الأشياء الرفيعة، و حوانيت اللحم و الخبز و الفواكه و الخضر و غير ذالك. و عليه بداخل البلد القناطر الضخام المشيدة على الأقواس و الأعمدة العظام. و كل هذه القناطر عليها صفوف من الفنارات من الزجاج الصافي تضي‏ء باليل على الطريق و المول‏ (1). و كذلك سائر طرقها و حوانيتها يكون لها باليل منظر عجيب.

و بها الكثير من العساكر و الجيوش، و ديارهم و هي من جملة إيالات فرانسا حاكمة على غيرها، بها جلنار العسكر و كبير البلد الذى يسمونهم بلسانهم البريفي‏ (2) كما تقدم في مرسيليا. و بها كثير من ديار الصنائع التي يسمونها الفبريكات‏ (3)، حتى أن جل حيطانها سود من دخان ديار الصنائع، و غالب من يخدم في هذه الصنائع بهذه المدينة و غيرها النساء، فعلين العمدة في ذالك.

و أهلها جادون كل الجد في البناء بداخلها و زيادة العمارة بأطرافها، حيت انتهى البناء المتصل. فبها قناطر جدد و طرق الحديد (4)، توصل منها لغيرها و من غيرها لها.

و هذه المدينة يكثر القصد إليها بالأسفار و السلع، إذ هي من أعمدة بلاد فرانسا لما اختصت به من الصانع و الفبريكات التي لا توجد أو هي قليلة في غيرها من بلادهم. و بناؤها أتقن و أحكم من بناء مرسيليا، و بخارجها عمران متزاحمة جدا حتى كادت أن تكون كلها مدينة واحدة. و لم نر هذه المدينة كغيرها من المدن التي في طريقنا هذه إلا بالمرور عليها، و لم يكن لنا استقرار في شي‏ء منها، فلذالك نقصر في وصفها.

ثم انفصلنا عن المدينة و أحوازها في طريق بين الجبال و على رءوسها، لاكن تمر عليها الكراريص بسهولة عهدك بنفسك في البطحاء و الجبل أمامك حتى تجد نفسك على رأسه، و ذلك لبسطهم الطرق و تدييرها مع الجبال، و إعلاء ما كان منها منحذرا و النقص مما كان منها عقبة، حتى تصير كأنها كلها وطاء، و لا تحس بالعقبة إلا في‏

____________

(1) من الفرنسية(Mo ?le) ، أي رصيف المرسى (المعرب).

(2) و يقابلها بالفرنسية(Le pre ?fet) .

(3) و يقابلها بالفرنسية(fabriques) .

(4) و يعني بها السكة الحديدية التي سيأتي الحيث عنها بالتفصيل.

154

مواضع قليلة. و في هذه المسافة مياه متدفقة و خنادق تجري في خلال أشجار متعانقة و بساتين بأنواع الغرس متناسقة. فانتهينا إلى بلدة يقال لها طرر (1) بلدة صغيرة و بها السواقي من الماء الجاري، و يخدم بها الثياب البيض. و في عشية هدا اليوم نزل ثلج عظيم حتى صرنا عند إظلال الليل لا نميز الأرض من السماء من بياض الثلج، و أما البرد فلا تسل عن الزمهرير. لاكن لم يصبنا و الحمد لله منه بأس لكوننا داخل الكدش و الطيقان مغلقة و يجتمع فيه نفسنا لصغره و انسداده، فيحصل لنا بذالك دفاء حسن لا نحس معه بألم البرد حتى نخرج منها.

ثم انتهى بنا المبيت في هذه الليلة إلى بلدة يقال لها الروان‏ (2)، و هي بلدة متوسطة و حولها عمران كثيرة، لاكن متفرقة على الآكام و الروابي و الظهور. و قبل دخولنا لها مررنا على نهر للوار الكبير المتقدم ذكره. و بين هذه البلدة و مدينة اليون طريق من طرق الحديد يسير فيها بابور البر حسبما يأتي توضيحه.

ثم بعد انفصالنا عنها مررنا على بلدة يقال لها لابليس‏ (3)، و هي قرية صغيرة، ثم بعدها على قرى كثيرة. ثم انتهى بنا المبيت في هذه الليلة إلى بلدة يقال لها مولان‏ (4)، و هي بلدة متوسطة أو متحيزة للكبر. ثم بعدها قرية يقال لها فيني‏ (5)، ثم مدينة نفير (6) بالتصغير، و هي كبيرة من حواضر بلادهم على شاطئ نهر يقال له لليفر (7)، و هو نهر صغير لاكن تسافر فيه المراكب و الفلايك. ثم بلدة يقال لها

____________

(1) و يقابلها بالفرنسية(Tarara) ، و هي من المدن المشهورة بإنتاجها لثوب رفيع يصنع من القطن الممتاز، و كانت تتم صناعته بمدينة الموصل العراقية، و من ثم جاءت تسميته بالموصلي أو(mousseline) بالفرنسية. انظر:

Guide Michelin: Valle? e du Rho? ne, ed., 5891., p. 941.

(2) و يقابلها بالفرنسية(Roanne) .

(3) و يقابلها بالفرنسية(Lapalisse) .

(4) و يقابلها بالفرنسية(Moulins) .

(5) و الصحيح هو(Imphy) .

(6) و يقابلها بالفرنسية(Nevers) .

(7) و يقابلها بالفرنسية(Nie ?vre) .