رحلة الصفار إلي فرنسا

- محمد بن عبد الله الصفار المزيد...
324 /
155

بوي‏ (1)، قريبة من نهر للوار، ثم انتهى بنا المبيت في هذه الليلة إلى بلدة يقال لها كون‏ (2). ثم بعدها أخرى تسمى بريار (3)، و هي صغيرة يمر بها نهر صغير استمداده من نهر للوار. ثم بعدها مدينة جيان‏ (4)، بسكون أوله في لسانهم، و هي بلدة كبيرة يمر بطرفها نهر للوار عليه هنالك قنطرة كبيرة محمولة على اثني عشر قوسا نتركها في الذهاب لباريز لجهة اليسار. ثم انتهى بنا المبيت في هذه الليلة، و هي الليلة السابعة من خروجنا من مرسيليا إلى مدينة أورليا (5)، و هي كبيرة يقال إن فيها خمسة و ثلاثين ألف نفس، و فيها كنيسة عجيبة الصنعة و البناء يزعمون أنه ليس عندهم بفرانسا مثلها و هي مبنية بالرخام‏ (6). و هذه المدينة على نهر للوار المذكور، و عليه بداخلها قنطرة طولها نحو خمسماية خطوة، و عرضها ما يمر فيه ثلاثة كراريص متسامتة. و لهم بها في ميدان من ميادينها قرب الكنيسة المذكورة صورة راهبة يزعمون أنها كانت عندهم في القديم‏ (7)، و كان أغار على بلادهم جنس آخر من النصارى فحزبت عليهم أحزابا منهم و أخرجتهم بالحرب، و لذالك نحو ثلاثماية سنة، و رأينا عندهم صورة هذه الراهبة في كثير من المواضع. و قد بقي لنا من هذه المدينة لمدينة باريز تسعون ميلا فركبنا من هذه البلدة إلى مدينة باريز في طريق الحديد.

طريق الحديد

و بيان صفة طريق الحديد و كيفية المشي فيها، أنهم عمدوا إلى الطريق أولا

____________

(1) و يقابلها بالفرنسية(Pouilly) .

(2) و يقابلها بالفرنسية(Cosne) .

(3) و يقابلها بالفرنسية(Briare) .

(4) و يقابلها بالفرنسية(Gien) .

(5) و يقابلها بالفرنسية(Orle ?ans) .

(6) و يتعلق الأمر بكنيسة(Ste .Croix) التي بنيت خلال القرن الثالث عشر على النمط القوطي، انظر:

Michelin Guide: Ch teaux of the Loire( Englishe ed. ), 8891, p. 941.

(7) و المقصود بها شخصية جان دارك(jeanne d`Arc) المعروفة ببطولاتها و كراماتها الدينية، و قد عاشت ما بين 1412 و 1431.

156

فأسسوها و سووها، ثم مدوا في عرضها قطعا صلبة من الخشب غليظة بين الواحدة و الأخرى ذراع أو ذراعان. ثم مدوا فوق هذه القطع على أطرافها من الجهتين سبائك من الحديد ذاهبة مع طول الطريق واحدة عن اليمين و الأخرى عن الشمال، و شدوها في قطع الخشب المذكورة بحلق من الحديد و مسامير تمسكها من أسفل كيلا تتزحزح تلك السبائك عن محل و هكذا من ابتداء الطريق إلى انتهائها. ثم فرشوا فيها رملا أو ترابا و لم يبق بارزا منها إلا السبيكتان، ثم صنعوا بابورا صغيرا) (1) ليس على شكل بابور البحر، إنما فيه الحركات التي تدور النواعير لا غير، و يركبه ثلاثة من الناس يسيرونه. ثم صنعوا أكداشا مماثلة أحسن و أرفع من الأكداش التي تجرها الخيل و أكبر منها، و جعلوا لها نواعير تجري بها في الطريق. و نواعير الأكداش على قدر ناعورتي البابور، و قاسوا ما بين الناعورتين على عرض الطريق بحيث ينزل حرف الناعورة على السبيكة البارزة، و جعلوا في ظاهر حاشية الناعورة تجويفا بحيث يستحكم إنزاله على السبيكة البارزة ليلا تزيغ عنها يمينا أو شمالا، و هكذا كل نواعير الأكداش السايرة.

و ربطوا هذه الأكداش بعضها ببعض بالغناجي‏ (2) و سلاسل الحديد الغليظة، حتى صارت صفا واحدا يقدمها البابور المذكور و الناس راكبون في هذه الأكداش، و في كل كدش قطعتان أو أكثر منفصلتان. و في كل قطعة منصبتان متقابلتان يجلس عليهما الناس، و في جانبيه عن يمين الطريق و يسارها طاقات حسان بإغلاق الزجاج الصافي، إن شئت فتحتها و إن شئت أغلقتها مع بقاء الضوء التام و الابصار العام. و إن كانت للراكبين أثقال في كراريصهم حملوا تلك الكراريص على سرير له نواعير مماثلة لنواعير الأكداش و ربطوها فيها.

فإذا أرادوا الشروع في المسير حرك الرءيس حركة البابور، فيجعل يسير مع ما هو مربوط به سيرا لم يعهد مثله في الاسراع يكاد أن يسار الطير في الهواء، بحيث قطعنا هذه المسافة في ساعتين و نصف. و كنا ننظر إلى جوانب الطريق فلا نرى ما فيها من‏

____________

(1) و يقصد به الصفار القاطرة التي تقابلها في الفرنسية(locomotive) و تجر العربات بقوة محركاتها (المعرب).

(2) مفردها غنج، و هي من الإسبانية كانشو(gancho) ، و يقابلها بالفرنسية كروشي‏(crochet) ، و هو المحجن أو الكلاب الذي يكون على هيئة المخطاف، و قد تكون أيضا عبارة عن عصي طويلة قصيرة، و بها حديدة معقنة في رأسها أو مخطاف (المعرب).

157

الأحجار أو غيرها إلا كأنها خيوط متصلة ذاهبة معنا، و لا نحقق الحجر و لا غيره.

و كنا نجهد كل الجهد أن نقرأ رشم الغباري‏ (1) الذي في جانب الطريق لحساب الأميال، مع كونها مرشومة بالسواد في أحجار بيضاء بحروف غليظة قدر الإصبع، فلا نحققها و لا يستقر بصرنا عليها لسرعة السير. و زعموا أنهم إذا أوصلوا هذه الطريق بالحديد من مرسيليا لباريز تكون المسافة بينهما بالمرور فيها نحو يوم و ليلة.

و لهم في هذه الطريق و في غيرها من طرق الحديد بابورات متعددة تذهب و تجي‏ء. و لكن كل بابور له ساعة معينة معلومة لا يسافر إلا فيها، خوف أن يلتقي اثنان في محل واحد فيتصادما و يمنع كل منهما مرور الآخر. و الغالب أن يجعلوا في الطريق الواحدة ممرين لبابورين فيمكن أن يذهبا معا، لاكن كل واحد في ممره. و إن كانا متسامتين و يكون أحدهما ذاهبا و الآخر راجعا و كل واحد في محله، و يلتقيان فلا يلتطمان و لا يتناطحان، لأن لكل واحد ممره على حدته، و ربما جعلوا فيها ثلاثة.

و هذا الطريق مقصورة على هذا البابور لا يمر فيها راجل و لا راكب، و فيها لأجل ذالك حرس و عسس خوفا من مصادمة البابور أو من يلقاه فيها. و إذا رءاه الماشي فيها على غفلة قد لا يمكنه الانحراف عنه حتى يصل إليه لشدة سرعته، و لذالك جعلوا في هذا البابور صفارات يسمع تصفيرها من بعيد ليعلم أنه جاء ليلا ياتيه على غفلة.

و إذا كان بابور آخر جائيا لوجهه فيعلم به فيعمل بحسابه. و إذا أراد الرءيس أن يوقف هذا البابور في أثناء الطريق أوقفه، و لا بد له من الوقوف لأجل تبديل الماء الذي يحرك بخاره النواعير. و مع ذالك فقد يجعلون في هذه الطريق محالا بسبائك الحديد في جانب الطريق لينحرف يمينا أو شمالا إذا عرض له عارض، لكن في بعضها لا في كلها.

و شأن هذه الطريق أن تكون سهلة مستوية لا عقبة فيها و لا انحدار، فإذا عرض لهم جبل رفعوا الميزان عليه من بعيد فلا تبقى عقبة. و إذا لم يمكنهم ذالك و لا محيد لهم عن المرور فيه، فإنهم يشقون الطريق في بطنه تحت الأرض حتى تنفد إلى خارجه، و يقيلون عليها بالبناء بإحكام و إتقان، و يمرون في بطن الجبل حتى يجاوزونه.

____________

(1) يقصد بها الصفار الصوى (مفردها صوة) التي هي أحجار منبثة بطريقة منتظمة على جوانب طول الطريق و تكتب عليها أعداد الأميال الفاصلة بين نقط انطلاق المسافرين و نقط وصولهم حتى تكون دليلا لهم في الطريق. و أما لفظة رشم الغباري فتعني الأرقام العربية (المعرب).

158

و قد ركبنا في طريق حديد أخرى من باريز لبستان من بساتينهم‏ (1)، فمررنا في مواضع تحت الجبال حتى وقعنا في الظلمة الشديدة، فاحتاجوا أن يجعلوا فيها قناديل تضي‏ء بالنهار. و بقينا سائرين تحت واحد نصف ميل، فلما خرجنا رأيت أنه كان فوقنا أشجار و بناء و أرضون و نحن سائرون تحتها.

و طرق الحديد عندهم على ضربين، أحدهما ما يقيمه البيلك بمعنى بيت المال عندنا (2)، و الآخر ما يقيمه التجار و هو الغالب. و ذالك عندهم ضرب من التجارة، فيجتمع جماعة منهم و يتفقون على ذالك، ثم يحزرون كم يصرف عليها من المال، فإذا قيل مثلا مليون فيفرقون ذالك المليون على عشرة من الناس، كل واحد يعطي ماية ألف و يكتبون بذالك أوراقا عشرة، و المكتوب فيها اصطلاح لهم، بحيث يعلم منه أن من بيده ورقة من تلك الورقات دفع في تعديل الطريق كذا فيأخذ من مستفادها على قدر ما دفع عشره مثلا. و إذا كتبوا الأوراق باعوها، فكل من يأخذ ورقة يدفع ماية ألف حتى تنفذ الأوراق كلها، و يجتمع المليون فيصرفونه عليها و يقيمون منه الخدمة و سائر الإقامات و ما يحتاج إليه في ذالك. فإذا تمت و أخذ الناس يمرون فيها و يدفعون الخراج، فكل ما يستفاد منها يقسم بين الدافعين للمال، كل واحد على قدر ما دفع، و ذالك بعد أن يأذن لهم في ذالك السلطان أو من له النظر في ذالك. و يحد لهم حدا في قدر المقبوض من المارين و مدة دوام القبض، فإذا انتقضت رجعت الطريق للبيلك هو يأخذ مستفادها أو يتركها للناس مجانا (3).

و من أراد من أهل هذه الورقات أن يبيع ورقته باعها، فإن نتج المستفاد و الربح‏

____________

(1) و يتعلق الأمر بطريق السكة الحديدية الرابط بين باريز و فرساي، و الذي كان مسرحا لوقوع حادثة سككية اكتست طابعا كارثيا سنة 1842. انظر:.Schivelbusch ,Railway Journey ,p .131

(2) بيت المال في المغرب، هو المكان الذي كانت تخزن فيه ثروات السلاطين. و خلال الفترات السابقة لعهد الحماية كانت المدخرات المالية متمركزة في ثلاثة قصور سلطانية، توجد في كل من فاس و مكناس و مراكش. انظر: العز، ج 1، ص. 104.

(3) حول موضوع تمويل مشاريع السكك الحديدية في فرنسا، انظر:

F. Braudel et E. Labrousse. eds., Histoire e? conomique et sociale de la France, vol. 3: L`ave? nement de l`e? re industrielle( 9871- 0881 ), premie? re partie) Paris, 6791 (, pp. 752- 262; Pinkney, Decisive years, pp. 63- 73, 54- 64.

159

و كان كثيرا فتكون مرغوبا فيها و ربما باعها بأكثر مما دفع و العكس بالعكس، و يحل المشتري محل البائع فيما كان يأخذه من المستفاد. و يعملون مثل ذالك في بناء القناطر، فالقناطر التي رأيناها عندهم جديدة كلها يؤدى عليها العوض في المرور.

و هي من عمل التجار حتى تمضي المدة المحدودة لهم فيرفعون أيديهم و يبقى الناس يمرون عليها بلا شي‏ء كما في القناطر القديمة. و يعملون مثل ذالك في استخراج المعادن و غير ذالك. و لا يقصر ذالك على الكبار من التجار، بل ربما كثروا الأوراق و قللوا ما فيها من العطاء بحيث يسهل على غالب الناس شراؤها، و كل واحد يأخذ على قدر ما دفع و لو كعشرة من ألف.

ثم انتهى بنا المسير في طريق الحديد المذكورة إلى داخل بيت كبير عالي السقف جدا داخل سور مدينة باريز فيه ينتهي سير البابور المذكور و منه يبتدئ السير فهو مرساه، و كان مثله في ابتدائها من مدينة أورليا. فدخلنا مدينة باريز في وسط النهار من يوم الأحد الثامن و العشرين من ذي الحجة الحرام متم عام أحد و ستين مايتين و ألف، موافقا الثامن و العشرين من الشهر دجنبير، متم عام خمسة و أربعين و ثمانمائة و ألف من ميلاد عيسى (عليه السلام) بتاريخ الروم. فكانت مدة سفرنا من مرسيليا لباريز سبعة أيام، و من تطوان لباريز خمسة عشر يوما.

و لما رجعنا (1)، نزلنا من أكداش بابور النار رجعنا لأكداش سفرنا، و كانت لحقتنا من طريق أخرى فركبنا فيها حتى بلغنا المحل الذي أعد لنزولنا هنالك. و بقي لنا من المدن التي دخلناها مدينة طولون‏ (2)، و لم نذكرها مع ما تقدم لأنها لم تكن في طريقنا و إنما سرنا إليها قصدا بعد رجوعنا من باريز. لما وصلنا إلى مدينة إكس في حال رجوعنا تركنا طريق مرسيليا و سرنا لطولون، و طريقها صعبة و عرة فيها جبال و نبات، و العمارة بها قليلة و غالبها أجنات دوالي العنب و أشجار الزيتون، و بالقرب منها قليل من أشجار اللشين.

و هذه المدينة هي مأوى عساكرهم البحرية و مرسى سفنهم الحربية، و هي صغيرة لاكنها في غاية التحصين، لها سوران و خلف كل سور حفير عظيم واسع. و عند بابها

____________

(1) عمد الصفار هنا إلى الحديث عن الرجوع، حتى يكون حديثه المفصل عن باريز قائم الذات، لأن مقام البعثة السفارية المغربية بباريز هو أهم مراحل الرحلة.

(2) و يقابلها في الفرنسية(Toulon)

160

على الحفير المذكور قنطرة يجاز عليها ترفع باليل و تبسط بالنهار، و هي دائرة بأبراج المدافع، و ليس فيها تجارة و لا كبير أسواق. إنما المقصود منها المرسى، و مرساها كبيرة جدا في جون بين الجبال محجوبة عن الريح، محتفة بأبراج المدافع مبنية المون و الشاطئ من سائر جوانبها. و قرب المرسى براح كبير مشتمل على بيوت و خزائن فيه دار صنعة المراكب و ءالاتها المسماة عندهم بالطرسنة (1)، فيها بيوت عالية جدا كبيرة يدخل لها القرسال الكبير بتمامه حتى يكون في وسط ذالك البيت مرتفعا بدعائم من الخشب فيصلح أو ينشأ جديدا. و إخراجه من البحر عندهم بحركات حتى يخرج من الماء و يرتفع على فرش من الخشب فيرفعه حتى يدخله البيت المذكور. و بعد تمامه يخرج كذالك حتى يلقى في الماء.

و لما قدمناها أتانا كبير البحر الذي يسمونه الميرنط (2)، و حض عليها في الذهاب للمرسى و أن نطلع لبعض مراكبهم التي بها فأسعفناه لذالك، فذهبنا و انتخب لنا فلائك من أحسن ما عندهم هنالك، فركبنا فيها و سرنا حتى بلغنا لبابور قرسال فصعدنا إليه فرأينا فيه من الطبجيات و المدافع و سائر آلاتها و إقامتها، و من العساكر و ترتيبها و وضع الأشياء في محلها، و إسراع من به لإجابة أمر كبيرهم و طاعتهم له، و من الإتقان و الحزم و الضبط ما ينبئ عن عظيم قوتهم وحدة عقولهم و حسن إعدادهم و تدبيرهم و استعدادهم للأمور قبل أن تنزل بهم.

و من أغرب ما وجدنا عندهم فيه أن كانوا يحلون ماء البحر حتى يصير عذبا يشرب، و ذالك بأن يطلعوه من البحر بحركات و يجعلوه في قدور على فرن و هو يغلى عليه. و انظر ما يفعلون به بعد ذالك حتى ينفصل من بزبوز (3) آخر حلوا باردا يغني‏

____________

(1) أو الترسانة، و أيضا الترسخانة. و أصل الكلمة من العربية دار الصناعة. و معناها الضيق هو «ورشة بناء و تجهيز المراكب الحربية». و دخلت تلك الكلمة فيما بعد في اللغات الأوربية، فنجدها في الإيطالية أرسنال‏(arsenale) ، و في الفرنسية أيضا أرسنال‏(arsenal) ، ثم عادت الكلمة نفسها إلى العربية لكن في شكل جديد. انظر:

Dozy 1: 024; EI 2, s. v" Dar al- Sin a".

(2) و معناها بالفرنسية أميرال‏(amiral) ، و هي أيضا من الكلمات العربية التي عادت مجددا إلى أصلها العربي لكن في شكل آخر:Muqaddimah 2 :73 .

(3) جمعها بزابيز، و هو الصنبور، و بالفرنسية روبيني‏(robinet) ، أو كانيل‏(Bozy 1 :18) .)cannelle( (المعرب).

161

عن الماء الحلو، إلا أنه لا يقوم مقامه في العذوبة و الحلاوة، لاكن يكتفى به عند عدم غيره. فسألنا عن ذالك رئيسه، فأخبرنا بما مضمنه، أنهم يقطرونه حتى ترتفع ملوحته لأعلا و يبقى الأسفل حلوا، أو بالعكس لم أتحقق ذالك منه وقتئذ لعدم فصاحة الترجمان. و ذكر لنا في طي ذالك تشبيها، و هو أن ماء المطر يرتفع من البحر و تذهب ملوحته بحر الشمس فكذالك هذا، و حرارة النار تقوم مقام حرارة الشمس، هذا ما ذكر لنا و لم يبلغنا بحقيقة الكيفية، و جرب ففي التجريب علم الحقائق.

و عندما طلعنا له تلقونا بموسيقاهم و طنابيرهم‏ (1)، و بعد أن حصلنا فيه رفعوا راية سلطاننا حتى جعلوها في رأس صاريهم الكبير العالي فوق بنديرتهم‏ (2)، و أطلقوا من مدافع الفرح ما ينيف على الماية و ثلاثين عمارة. ثم نزلنا منه و سرنا لنابيوس‏ (3) كبير أيضا فيه من المدافع ماية و اثنان، فطلعنا له فإذا هو من أعظم ما يكون و أتقنه، و فيه ما يحير الناظر، و بالجملة فهو مدينة حصينة على ظهر الماء. فتلقونا أيضا بالموسيقى و تصفيف من فيه من العساكر، و كانوا كثيرين، و بعد استقرارنا فيه رفع أيضا رايتنا فوق رايتهم، و طلب منا أن نتماشى فيه لننظر ما هنالك. و من طبعهم أنهم يعجبهم أن يروا ما عندهم و لا يتركون عندهم شيئا جليلا أو حقيرا إلا أطلعونا عليه. فمن جملة ما فعلوا لنا في هذا النابيوس مما هو في الظاهر فرحة، و في الباطن تخويف و قرحة، مع أنا و الحمد لله لا نخافهم و إنما نخاف الله.

أنهم أرونا كيفية حربهم بالمدافع في هذا المركب، إذا عرض لهم فيه حرب، بينما كل واحد من خدمته و من يباشر ذالك جالس أو قائم في موضعه الذى هو فيه و هم على غفلة، إذ صاح بهم كبيرهم فأقبلوا جميعا، و كل واحد جاء قاصدا لشغله.

فصاحب البارود مثلا جاء قاصدا لقرطاس البارود، فأخذه و ذهب به إلى مدفعه المعين الذي لا يذهب إلا إليه و لا يذهب لغيره. و كذالك صاحب المدق و من يجبذ المدفع‏

____________

(1) مفردها طنبور أو طنبار، و المقصود بها هنا أصناف من الآلات الموسيقية (المعرب).

(2) البنديرة، و هي الراية، و أصلها من الإسبانية بنديرة(bandera) ، 118: 1Dozy (المعرب)

(3) ربما كان أصل هذه الكلمة من الإسبانية نافيو(navio) ، أي مركب. و كان الأمر يتعلق بالمركب الحربي الكبير المسمى جيمابيس‏(Jemmapes) ، الذي استعملته البحرية الفرنسية عند رميها لمدينة طنجة بالقنابيل قبل ذلك التاريخ بستين، انظر الدراسة و الهامش رقم 58 في الصفحات السالفة من هذا الكتاب.

162

و يدفعه جاء قاصدا لذالك، و بمجرد وصوله يشرع في الفعل، و هكذا كل مدفع و خدمته. و الحاصل كل واحد منهم له شغل معين لا يفعل غيره، و كل طائفة لها مدفع معين لا تباشر إلا هو. فإذا صاح به كبيره فلا يحتاج أن يأتيه و يقف و يقول له ما أفعل، أو يذهب اثنان لأمر واحد يقوم به واحد وحده، أو تذهب جماعة لمدفع واحد و يبقى الآخر لا يذهب إليه أحد، لأن ذالك كله عطلة و هو خلاف الحزم.

فبمجرد ما صاح بهم كبيرهم المذكور، جاءوا و جبذوا المدافع من طيقانها و عمروها و أخلوها في لحظة، لأن ذالك كله فعل رجل واحد. ثم عادوا أيضا و عمروا تلك المدافع و أخلوها في لحظة. و لا تسمع مدفعا واحدا، إنما تسمع كالرعد المتتابع، ثم عادوا و عادوا، و كل ذالك في أسرع زمان.

و مدار ذالك كله على الضبط و الحزم و الاعتناء التام و عدم الغفلة في الأمور. و إلا فليست لهم قوة في أبدانهم ليست لغيرهم، بل ربما كانوا أضعف من غيرهم في ذالك، و إنما الذي لهم الاعتناء و الترتيب الحسن و وضع الأشياء في محلها، و يبنون أمورهم كلها على أصح أساس، و يستعدون للأمور قبل وقوعها، و لا يعرف حقيقة ذالك إلا من شاهده.

ثم بعد أن شفوا الغليل من ذالك، نزلنا منه و جعلت فلائكنا تدور بنا في المرسى بين المراكب للفرجة و النزهة. و كلما حاذينا مركبا اصطفت عساكره على ظهره بموسيقاهم للسلام علينا حتى استوعبنا ذالك و رجعنا، فكان فيها من القراسيل نحو الخمسين. و ليس للفرنسيس في هذا البحر الصغير مرسى للقراسيل إلا هذه. و له مراسي أخر في البحر الكبير من الوجه الآخر لأن بره يطل على البحرين معا. و كانت إقامتنا في هذه البلدة يوما كاملا بدون يوم الدخول و الخروج، فخرجنا منها و سرنا لمرسيليا فبلغناها في ست ساعات.

و بالله سبحانه التوفيق و هو الهادي إلى سواء الطريق.

163

الفصل الثالث فصل في ذكر مدينة باريز

فصل في ذكر مدينة باريز و ما يتعلق بها مما شاهدناه بها أو خلص إلينا علمه من أحوالها، و في ضمن ذالك الكلام على عوائد الفرنسيس و أحوالهم و أمورهم.

اعلم أن هذه المدينة هي قاعدة بلاد الفرنسيس و أعلم حواضرهم و كرسي مملكتهم و مسكن عظمائهم و منشأ قوانينهم و شرائعهم و دار علومهم بها يتفاخرون و في سكناها يتنافسون، و بها و بأهلها في عوائدهم و ءادابهم و حضارتهم يأتسون.

و هي مدينة عظيمة كبيرة من كبار المدن المذكورة في الأقاليم كالقسطنطينة العظمى للمسلمين و ما يضاهيها، يقال إن دورها ثمانية و أربعون ميلا، و أخبرني بعض أهلها أن الماشي الراجل يقطع دورها في سبع و عشرين ساعة. و أخبرني شخص آخر أن دورها أحد و عشرون ميلا. و ذكر الرفعة أفندي في رحلته أن محيطها سبعة فراسخ، و كان طال مكثه بها نحو الخمس سنين‏ (1). و هي موضوعة في التاسعة

____________

(1) سبعة فراسخ تعادل حوالي واحد و عشرين ميلا. و المقصود ب «الرفعة أفندي» هو رفاعة رافع الطهطاوي (انظر الهامش 127 في الصفحات الخاصة بالدراسة). و كل الإحالات إلى كتابة تخليص مأخوذة من الطبعة التي أعدها محمد عمارة، تحت عنوان: الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي، الجزء 2 (بيروت، 1973)، ص. 9- 266، و أيضا من الترجمة الفرنسية المختصرة التي وضعها أنور لوقا:

Anouar Louca, L`or de Paris: Relation de voyage, 6281- 1381( Paris, 8891 ).

164

و أربعين درجة و خمسين دقيقة من العرض الشمالي فهي لذالك كثيرة البرد (1).

و المواضع التى خلف الجدارات الموالية لجهة الجنوب لا ترى الشمس في فصل الشتاء أبدا. على أن الشمس في هذه المدينة غريبة كل الغرابة زمن الشتاء و الغيم فيها مستمر، و لا ترى الشمس إلا يوما في الشهر.

و هذه المدينة غاصة بأهلها، و هي بالنسبة لغيرها من بلدانهم بمنزلة يوم السوق عندنا مع الأيام التي لا سوق فيها، فتحسب غيرها خاليا من الناس بالنسبة لها و إن كان الغير مشحونا بالناس. و سمعنا على لسان غير واحد من أهلها أن فيها مليون من الناس. و لا يستغرب حسابهم لمن فيها (2)، فإن كل من ولد أو مات أو قدم لها أو سافر منها يكتبونه و يزممونه، و هدا شغل من هو متصد لذلك على الدوام، و كذا دأب‏

____________

(1) حسب ما جاء عند ابن خلدون، تقع باريز في القسم الثاني من النطاق السادس حيث تعصب الحياة لشدة قساوته،Muqaddimah .1 :952 و أكد أندري ميكل أن جل الأخبار المعروفة عند المسلمين في العصور الوسطى عن أوربا كانت تستند بصفة أساسية على محتويات كتاب الرحالة اليهودي إبراهيم بن يعقوب الذي عاش في القرن العاشر، و ضاعت مؤلفاته، انظر:

Andre? Miquel," L`Europe occidentale dans la relation arabe d`lbrahim b. Y qub( Xe s. )", Annales: Economies, Socie? te? s, Civilisations 12, 5) Sept- Oct 6691 (: 1501.

كما تكلم المسعود (المتوفى سنة 345/ 956) عن باريز (البويرة) فوصفها بأنها «مدينة كبيرة جدا، [...] و أنها مقر لمملكة الفرنجة»، انظر:

Les prairies d`or, traduction Barbier de Meynard et Pavet de Courteille, 3 vols.( Paris, 4681 ), 3: 76.

كما أن الإدريسي (القرن الثاني عشر) قد أشار هو الآخر إلى باريز (إباريز) و وصفها بأنها «مدينة ذات أهمية، محاطة بحقول الكروم و الباستين، و تقع في جزيرة على نهر السين»، انظر المقال الذي حرره:

Charles Pellat," La France dans la ge? ographie d`al- Idrisi", Studi maghrebini 01( 8791 ): 26.

و عن الإفرنج‏» Francs «بصفة عامة، انظر:

Andre? Miquel, Ge? ographie humaine, vol. 2, Ge? ographie arabe et repre? se? ntation du monde: La terre et l`e? tranger, pp. 453- 953.

(2) حصر الطهطاوي عدد الباريزيين يومئذ في «حوالي مليون واحد من السكان» انظر تخليص، ص. 74؛. 117.L`or ,p .

165

غيرهم من سائر الروم. و لها سور حصين مستحدث لم يكن لها في القديم‏ (1)، و هو يرى من خارج و لا يرى من داخل لأنه من داخل مردوم بالتراب و الحجارة حتى ساوى الردم رأسه أو علاه، و خلفه لخارج حفير عظيم واسع عميق، و على رأس السور لداخل مواضيع المدافع و سورها تباعد عن دورها و أبنيتها المتصلة، ليزاد في ذالك الفضاء الذي بين البناء و السور عمارات أخر فتكبر بذالك المدينة و تزيد. و لم يجعلوا لها أبوابا في السور كما هو في غيرها، نعم إذا دخلت داخل السور و وصلت إلى ابتداء العمارة ألفيت أبوابا من الحديد مسورة عن يمينها و شمالها بضرابيز (2) من الحديد، بحيث لا يدخل أحد إلا على ذلك الباب. و بها حراس و عسكريون واقفون يفتشون كل من دخل أو خرج لأجل المكوس التي توخذ ممن يدخل للمدينة أو يخرج منها بما يماكس عليه عندهم. و بإزاء ذالك الباب ديوان العشارين، و هكذا في كل مداخلها (3). و لم أقف على تحقيق فيما يعطى عليه عندهم و ما لا، إلا أن القمح لا يعطى عليه و اللحم يعطى عليه و مذبحه بخارج المدينة. و أعظم ما تؤدى عليه المكوس عندهم الخمر، حتى جعلوا له ديوانة مخصوصة في ناحية على حدتها فيها عدة من الخزائن و البيوت المعدة لإنزال براميله، و هو من ضروريات العيش عندهم.

____________

(1) في سنة 1840، أحيطت باريز بسور جديد على مسافة من مثيله القديم الذي كان الهدف من بنائه خلال القرن الثامن عشر هو التحكم في تحصيل الرسوم الواجب أداؤها على السلع الداخلة أو الخارجة من المدينة، و أصبح يشكل زمن زيارة البعثة المغربية جزءا من المنطقة شديدة الاكتظاظ بالسكان. و حين انتهت أشغال البناء سنة 1843، بلغ محيط دائرته حوالي واحد و عشرين ميلا.

و بنيت داخله حصون بارزة لنصب المدفعية، كما تمت حمايته بخندق واسع الأرجاء من كل جهاته الخارجية. و بنيت حول المدينة حصون جديدة بلغ عددها ستة عشر حصنا على مسافة تعادل رمية المدفع. و كان الهدف من ذلك كله، هو أن تكون لباريز واجهة المدينة المتمتعة بالتحصينات الجيدة و المتينة. انظر:

P. Lavedan, Histoire de Paris, se? rie" Que sais- je?" n! 43( Paris, 0691 ), p. 87- 97.

(2) مفردها ضربوز، انظر: 430: 1Dozy

(3) و يتعلق الأمر بالأبواب القديمة التي كانت تؤدي الضرائب عند المرور عبرها دخولا أو خروجا، و هي المعرفة باسم باريير(barrie ?res) ، إذ كان يقف عندها المكلفون بتحصيل رسوم الأبواب. انظر:

Jacques- Louis Me? ne? tra, Journal of My Life( New York, 6891 ), p. 431 et note 761.

166

و هذه المكوس التى تؤخذ مما يدخل على المدينة لا تدخل عندهم في خزانة البيلك، بل هي عندهم معدة لمصالح البلدة كتعديل طرقها و إيقاد الفنارات بها. و هي عندهم في كل بلد، لاكن في هذه المدينة بالخصوص منها المئون و الآلاف، يقال إن فيها ماية ألف فنار و كلها مرفوعة على أعمدة من الخشب محكمة الإنزال و التصفيف متساوية في العلو. إذا وقفت في طريق الصف و نظرت إليه ترى كأنه حبل ممدود مد البصر، ليس واحد منها بارزا عن الآخر و لا زائدا عليه في العلو. و اذا وقفت في فضاء من أماكنها خصوصا على النهر الذي بها في الليل عند ايقادها، تراها كما ترى النجوم في الليلة المظلمة الصاحية ففيها منظر عجيب. و يصرفون أيضا من هذه المكوس على اسبيطارات‏ (1) المرضى و مدارس تعليم أولاد الفقراء، و غير ذالك من مصالح البلد.

و بخارج هذه المدينة قريبا منها قلعات محتفة بها في غاية من التحصين، يسكنها العسكر و فيها أبراج المدافع‏ (2)، و بها يسكن الطبجية (3)، لهم بها بيوت عديدة فيها فرشهم و أسلحتهم و بها بيوت و خزنات لأنواع السلاح الذي يحمل من سيوف و مكاحل و توافل و بيضات و دروع، و غير ذالك من أنواع السلاح في أحسن صورة في نظافته و وضعيته و كيفية إنزاله، يصورون منه في وضعه خصصا و ثريات و سواري و أشكالا بديعة. و في هذه القلعات اصطبلات للخيل التي تجر المدافع و ءالاتها، و في كل إصطبل خدمة كثيرون لا يفترون عن العمل في صيانة الخيل. و ربطها عندهم‏

____________

(1) مفردها اسبيطار، و هي مأخوذة من الإسبانية أوسبيتال‏hospital) . أما التسمية الكلاسيكية فهي البيمارستان، و هي كلمة فارسية (مركبة من بيمار و تعني مرض، و إستان و تعني المكان)، غالبا ما كانت تحذف الباء فيقال مارستان. غير أن لهذه التسمية معنى خاصا في المغرب، إذ كانت تطلق على المكان الذي يحتفظ فيه بالمجانين و بالمصابين بالأمراض العقلية. انظر:

W. MarC? ais, Textes arabes de Tanger( Paris, 1191 ), p. 564.

بالإضافة إلى مادة «بيمارستان» في:EI 2 ,s .v ."Bimaristan "..

(2) قام الصفار رفقة أعضاء البعثة السفارية بزيارة لحصن سان كلود(St .Cloud) الواقع في جنوب غرب باريز، يوم 5 فبراير 1846. انظر:AAE /ADM Voyage ، بوميي‏(Beaumier) إلى دوشاستوde) (Chasteau ، 8 فبراير 1846.

(3) الطبجية، هم رجال المدفعية، و أصلها من التركية، انظر: 20: 2Dozy

167

من رأسها لا من رجليها، فيجعلون في رأسها صراعا من الجلد له سلسلتان تذهب واحدة يمينا و الأخرى شمالا، في رأس كل سلسلة كرة من عود يدخلون طرف السلسلة في خرصة مسمرة في الحائط قبالة الفرس، و تلك الكرة تحصرها. و يفرشون لها التبن تقف عليه، فإذا بالت عليه وراثت مرتين أو ثلاثا أبدلوه بغيره نظيفا.

و بمدخل الإصطبل لوح مكتوب فيه قانون سياسة الخيل و مقدار علفها و غير ذالك مما يتعلق بمباشرتها. و كل فرس مسمى باسم يخصه و اسمه مكتوب في لوح صغير قبالة وجهه. و يفصلون بين كل فرس و ءاخر بلوحة غليظة معلقة من فوق، إذا ضربها الفرس برجله تباعدت و لو كانت ثابتة في الأرض لا نكسرت بضربه.

و بهذه القلعة أيضا كراريط و سراير لجر المدافع و إقاماتها من بارود و كور و غير ذالك، و بها كثير من المدافع كبارا و صغارا كل نوع على حدته. و كذالك كورها يحسن النظر إليها لحسن وضعها و ترتيبها و تصفيفها و صقالتها، كأنها اليوم خرجت من دار الصنعة. و بها خزنة للسلاح كما تقدم ذكره لا يغفل خدمتها عن تعاهدها و تزييتها، و خزنة أخرى مثلها أو أكبر منها و الكل مد البصر، لإقامات الخيل التي تجر المدافع و غيرها للحرب من برادعها و لجمها و أحبالها و سلاسلها و غير ذالك. و لكل قلعة من هذه القلع سور عظيم مثل سور البلد و الحفير خلفه و القنطرة أمام الباب ترفع و توضع، و كل قلعة مقدار بلد من البلدان.

و هذه المدينة يشقها نهر كبير يسمى لاسين، و هو جار بها من الشرق إلى الغرب، عليه فيها سبع عشرة قنطرة، و تلك القناطر على أشكال. فمنها ما هو مبني على أقواس الحجارة كغالب القناطر، و منها ما هو على أقواس الحديد، و بين الأقواس و سطح القنطرة دوائر عظيمة من الحديد كبارا و صغارا عليها سطح القنطرة. و منها نوع آخر و هو أعجبها معلقة من فوق و ليست منزلة على الأقواس كغيرها. و ذالك أنهم عمدوا إلى طرفي النهر فبنوا فيهما بناء وثيقا على شكل سارية مفتوح وسطها بقوس ليمكن المرور فيها، و ربما زادوا بناء ثالثا في وسط النهر إن كان عريضا جدا، و جعلوا أرض القنطرة الذي يمر عليه من الخشب الوثيق تحمل على سبائك من الحديد، و تلك السبائك ممسكة بقضبان من حديد قائمة على جوانب القنطرة، يدخل طرفها الأسفل في تلك الخشب حتى يتصل بالسبائك التى تحمل عليها الخشب و تسمر فيها. و هذه القضبان القائمة يمسكها من أعلاها قضبان أخر عظيمة ممتدة على حاشيتي القنطرة تسلك في البناء المذكور، و منه ابتداؤها و فيه انتهاؤها فهي التي‏

168

تمسك القنطرة. فإذا كنت ماشيا على ظهرها تحس بها تهتز، لأنها ليست منزلة على الأساس من تحت بل هي معلقة من فوق بما ذكر.

و منها شكل آخر من الخشب كلها، و على حاشيتها من فوق ضربوز من الحديد يمنع المار من الوقوع في النهر، و هو فيها و في غيرها، إلا أنه في غيرها الغالب أن يكون بناء. و كل هذه القناطر تمر عليها الكراريص و الأكداش. و هذه القناطر الغريبة الشكل كلها يعطي المار عليها لأنها مستحدثة، حتى يستوفوا ما دفع فيها ثم تصير مجانا كغيرها. و كانوا قبل استحداث هذه القناطر الجديدة يعبرون من أحد الجانبين للآخر في الفلائك إن استبعدوا البلوغ لقنطرة أخرى من القناطر القديمة، و الذي يعطى عليها شي‏ء قليل نحو فلسين من فلوسهم للماشي الراجل و ضعف ذالك أو ثلاثة أضعاف للكروصة. و هذه أشكال القناطر في هذه المدينة و في غيرها مما رأينا، و لم نر أحدا يخوض نهرا بدابته و لا برجليه أبدا.

و في وسط هذا النهر جزيرة هي أصل باريز القديم، و يسمونها بما معناه باريز القديمة (1). و لهم بهذه الجزيرة كنيسة قديمة أكبر و أقدم ما عندهم من الكنائس بباريز (2). و هذا النهر تسافر فيه المراكب و الفلايك و البابورات كبارا و صغارا، فهو مشحون بها في داخل المدينة. و فيه بيوت عظام من الخشب على شكل السفن الكبار، إلا أنها مسقفة من فوق بسقف منها، مفتوح وجهها الذي لجهة النهر، مرساة في طرفه ثابتة، معدة لغسل الثياب، تعلوا عند زيادة النهر و تنزل عند نقصانه كما هو شأن المراكب.

و فيها أيضا كذلك بيوت أخر من الخشب هي حماماتهم هنالك معدة للاستحمام بداخلها بيوت صغار بإغلاقها، و في كل بيت حوض يملأ بالماء سخنا أو باردا أو بهما ليعتدل، فمن أراد الاستحمام دخله، و هذا حمامهم، و ليس عندهم حمام على شكل حماماتنا. و عندهم حمامات كثيرة في غير النهر المذكور، بل بين‏

____________

(1) المعروفة قديما بلوتيس‏(Lute ?ce) (باللاتينية:(Lutecia Parisiorum) (و يطلق عليها اليوم)La) (Cite ?.

(2) و يتعلق الأمر بكاتدرائية نوتر دام دو باري‏(Notre Dame de Paris) المشهورة و الواقعة فيما يسمى لاسيتي‏(La Cite ?)

169

الديار و في الأسواق.

و الحوض المذكور الذي يكون في داخل البيت يكون من النحاس في الغالب، و قد يكون من الرخام على قدر ما يمتد فيه الإنسان مع جمع رجليه شيئا ما، و يصيب فيه ميزابان‏ (1) أحدهما من الماء البارد و الآخر من السخن، لكل منهما بزبور يغلق و يفتح و بأسفله مفجر يخرج منه الماء متى احتيج إليه. و هو أيضا يغلق و يفتح، فإذا أراد المغتسل أن يدخله، فتحوا له الميزابين حتى يمتلئ الحوض و يكون الماء كما يريد ثم يغلقان، فيدخله المغتسل فيتجرد من ثيابه و يعلقها في أعلاق لها هنالك و يغلق الباب و يدخل في الحوض المذكور و يضطجع فيه، فإن كان الماء معتدلا فذاك، و إن كان حارا سخنا فتح بزبوز البارد، أو باردا فتح بزبوز السخن. فإذا تغير ذالك الماء بالوسخ و أراد إبداله، فتح المفجار الذي بأسفل الحوض فيخرج منه الماء و يغسله، ثم يغلق المفجار و يرسل الميزابين حتى يستوفي غرضه و يخرج.

و ذالك البيت مضى بطاقة كبيرة لها غلف من الزجاج، عليه من داخل ساتر رقيق يمنع التكشف و لا يحجب الضوء. و من أراد أن ياتوه بالحمام المذكور لبيته، أتوه بذالك الحوض و بالماء سخنا في الأواني و بالفوط التي يستحقها للتنشف و غيره فيغتسل في بيته. إلا أن هذا لا يمكنه تبديل الماء إذا تغير، لأنه ليس في الحوض الذي يأتون بمفجار في أسفله. و ليس في بيوتهم مهاريق للماء، فلا تجد من أين ترسل شيئا من الماء و لا نقطة. و كان يشق علينا الوضوء لأجل ذالك، فكنا نحتاج أن نأتي بإناءين، أحدهما فيه الماء و الآخر نتوضأ فيه مع مشقة و احتيال لصغر الإناء، و لأن أرضهم مفروشة بالزرابي إذا قطر عليها الماء أفسدها، و هم في غنية عن إهراق الماء فلم يستعدوا له.

و ما يجتمع في البيت من الماء الوسخ أو البول أو غيره يخرجونه في الأواني، و قضاء الحاجة يكون عندهم في الأواني أيضا. أما البول ففي حلاليب‏ (2) معدة له،

____________

(1) مفردها ميزاب أو مئزب و هي الأنابيب أو الجعاب التي توصل الماء إلى الصنابير، أحدهما للماء البارد و ثانيهما للماء الحار، و تسمى أيضا بالقواديس (المعرب).

(2) مفردها حلاب و هو وعاء قد يكون من الطين أو المعدن، و له استعمالات متعددة. و الحلاب المقصود هنا هو الذي يسميه الفرنسيون:

( Pot de nuit )

، انظر: 314: 1Dozy (المعرب).

170

و أما غيره ففي إناء داخل صندوق عليه غطاء، و فوق ذالك الإناء إناء آخر نظيف، في أسفله ثقب فيه غطاء يفتح و يغلق وحده بلقشة (1)، فإذا وقعت الحاجة في الإناء الأعلا هبطت من ذالك الثقب إلى الإناء الأسفل بسرعة ثم انغلق الثقب، و يضعون له شيئا قليلا من الماء في ذالك الصندوق يخرج لذالك الإناء الأعلا بحركة بزبوز لينظفه. فإذا قضى أغلق غلقا آخر على الجميع، فلا تخرج رائحة و لا فرز حتى يمتلى‏ء فيخرجه الخدمة و ينظفونه و يردونه لمحله.

رجوع، و شاطى‏ء هذا النهر المذكور مبني بأحجار منحوتة و صخر عظيمة، و ارتفع البناء حتى علا الطريق بنحو نصف قامة من مبدأ النهر إلى منتهاه بداخل المدينة.

و على شاطئه شوارع واسعة، و إلى جوانبها الحوانيت و الديار طيقانها تطل على هذا الوادي. و طرق هذه المدينة كلها مفروشة بالحجارة المنجورة في الوسط و حواشيها مسطحة، فالوسط للكراريص و الأكداش و الحواشي للمشاة. و طرقها واسعة جدا و كلها نافذة للهواء، ليس فوقها روشن و لا ساباط (2)، لأن ضوء البيوت إنما هو من الطيقان التي تطل على الزقاق و الفضاء، فإذا غطوها بساباط أو نحوه أظلمت البيوت.

و في هذه المدينة من الأكداش و الكراريص عدد كثير جدا، يقال إن فيها من ذالك ثلاثة عشر ألفا، منها ثمانية آلاف للكراء و باقيها ملك لأربابها (3). و أن فيها من الخيل التي تجرها نحو ثمانية و أربعين ألفا. و هذه الأكداش كلها في غاية من النظافة و الصقالة و الوثاقة، يظن بها أنها كلها جدد. و كذالك خيل هذه المدينة كلها في غاية من الشبع و صفاء اللون و كبر الجثة و حسن الصورة، و لم نر مثل أكداشها و لا مثل خيلها في سائر بلادهم. و بالجملة فهذه المدينة بالنسبة لسائر بلاد الفرنسيس التي رأيناها مدنا و غيرها

____________

(1) لقشة و تنطق بالمغرب في العربية الدارجة بالنون هكذا: نقشة. و هو النابض و يقابله في الفرنسية روسور(ressort) . انظر: 552: 2Dozy (المعرب).

(2) استعمل الصفار هنا مصطلح «الساباط» المعروف و الشائع استعماله في المدن المغربية العتيقة، و هو طريق يربط بين أزقة المدينة، لكن فوقه مباشرة دور أو مساكن معلقة، فيسمى الممر المغطى بالسقف ساباط، و وردت عند دوزي بالصاد أيضا هكذا: صباط،(voچ‏te) ، بمعنى القوس. 815: 1Dozy (المعرب).

(3) يبدو أن هذا الرقم الذي أتى به الصفار ضئيل جدا، إذ جاء في جريدة الإلوستراسيون‏L`Illustration بتاريخ 15 نونبر 1845 أن باريز كانت تحتوي على 520، 2 عربة كان استعمالها مقصورا على حمل الركاب دون البضائع و غيرها من المحمولات.

171

كالحاضرة مع البادية، فكأن غيرها من المدن بالنسبة لها كله بادية.

و لا يتماشى أهل الثروة من أهل هذه البلد و ذووا الهمة منهم بل و مطلق الناس غالبا إلا في الأكداش لأمرين: أحدهما حب الرياء و الفخر الذي طبعوا عليه، فلا تسمح نفس أحدهم بالمشي على رجليه في الطرقات، إلا إن كان مقصوده الاستراحة و الفرجة (1). و الأمر الثاني، كبر المدينة جدا، فكل من يريد الذهاب من محل منها إلى آخر، يشق عليه المشي على رجليه لأنه سفر. و لذالك تجد عندهم كراريص طوالا تحمل كثيرا من الناس مكتوب عليها: «هذه تذهب إلى الحومة الفلانية»، فيركبها كل من يريد الذهاب لتلك الحومة و لو كان من الخدمة و نحوهم، و ينزل بعضها و يحمل آخرين في أثناء الطريق‏ (2). فهدير الأكداش و الكراريص بها لا يفتر ليلا و لا نهارا، حتى أن الزجاج التي بطاقاتها دائما يرتعد و يهتز من شدة فرقعتها. و بقينا بها أياما لا يأخذنا النوم من أجل هولها، لأنها لا يفتر مشيها باليل، و نرى كأننا على شاطئ البحر أو أمام رحى تدور.

و تجد سائر أسواقها و فجاجها كلها مملوة بالكراريص بقصد الكراء، و بها أسواق كثير، و إن شئت قلت كلها أسواق لأن أسواقهم كلها حوانيت‏ (3). و من عادتهم في‏

____________

(1) قارن مع ما أتى به الطهطاوي في هذا الصدد، تلخيص، ص. 76؛ 121- 120.L`or ,pp .

(2) أنشئت أول شركة للنقل الحضري في باريز بهذا النعت‏» Entreprise des omnibus «سنة 1828.

و تأسست فيما بعد شركات أخرى خصوصية لنقل الركاب بين مختلف الأحياء و المقاطعات الباريزية مقابل أجر معلوم. و عند وجود الصفار بالعاصمة الفرنسية، كانت هنالك عدة حافلات تخترق مختلف أرجاء المدينة و تحمل أسماء معينة من قبيل:(Josephine ,Gazelle ,Hirondelle) و غيرها.

انظر:Guide Michelin :Paris ,ed .,8891 ,p .4 .

(3) كان الصفار يضع نصب عينيه صورة القيسارية أو القيصرية في فاس. و معلوم أن القيسارية كانت تفتح أبوابها للزبناء نهارا و تقفل أبوابها عند المساء فتصبح أزقتها خالية. و كان في إمكان المشترين اقتناء حاجياتهم التي عادة ما يجدونها معروضة للبيع في الحوانيت الملتصقة بعضها ببعض. و يمكن إيجاد بعض المواد الضرورية معروضة للبيع في حوانيت منبثة ضمن الأحياء السكنية، غير أنه لا مجال للمقارنة بين حجم تجارة أصحاب تلك الحوانيت و أقرانهم في القيساريات. انظر:

R. Le Tourneau, La vie quotidienne Fe? s en 0091( Paris, 5691 ), pp. 121- 421; al- Qadiri) trans. Cigar (, Nashr, p. 122 and note 6; EI 2, s. v." Kaysariyya".

172

بنائهم أن يجعلوا الطبقة السفلى الموالية للأرض حوانيت و البيوت فوقها. إلا أن في غالب مواضعها تجد الحوانيت متصلا بعضها ببعض و في بعضها منفصلة، و قل أن تدخل زقاقا من أزقتها و لا تجد فيه عدة حوانيت. و حوانيتهم كلها على شكل واحد في زخرفتها و أبوابها و زجاجاتها، فما يباع فيها الحرير و الجوهر بمنزلة التي تبيع البقول و الخضر، و كلها متصلة بالأرض و ليست مرتفعة عن الأرض كحوانيتنا. و من زخرفتهم في الحوانيت، أنهم يجعلون جوانبها كلها بالمراءات الصافية ينطبع فيها كل ما في الحانوت، فلا تدري هل هي محصورة أو نافذة أو صغيرة أو كبيرة. و لا اختصاص لسوق منها بشي‏ء معين، فتجد حانوت اللحم و السمك مجاورة لحانوت البز (1) و الجواهر و نفيس السلع، و هما في النظافة سواء. فلا يوجد في حانوت اللحم دم و لا عظم و لا رائحة كريهة، و يبقى اللحم فيها أياما عديدة فلا يتغير و لا ينتن.

و من أشهر أسواقهم و أنفسها سلعا سوق يسمى باليرويال‏ (2) و هو تربيعتان‏ (3) فيهما ما يزيد على أربعماية حانوت، و في وسطه أشجار و فوارة ماء كبيرة. و فوق الحوانيت قصر سلطاني يسمى بهذا الاسم، و يقولون إنه ملك لسلطانهم المتولى الآن.

و يباع في هذه السوق الأمور النفيسة كالجواهر و الأحجار و الذهب المصوغ و الفضة و حوايج الحرير و غير ذالك، و فيه قهاوي و غير ذالك.

____________

(1) حوانيت البز هي التي يباع فيها الثوب المصنوع من الكتان أو القطن، و قد يسمى تجمعها بالبزازين (المعرب).

(2) و الإشارة بذلك إلى بالي رويال‏(Palais Royal) الذي بني في القرن السادس عشر. لكن مع حلول القرن الثامن عشر أصبحت توجد في أروقته دكاكين تجارية و محلات للتسلية و لعب القمار. و ذكر هالت أفندي، أحد الرحالة الأتراك عند مطلع القرن التاسع عشر، أن الغرف الموجودة في أعالي البناية كانت تستعمل أو كارا للدعارة، و أن «زيارة ذلك المكان أثناء الليل أمر مخجل، غير [...] أنه لا حرج في زيارته خلال النهار». انظر:Lewis ,Muslim Discovery ,p .192 .

غير أن كل محلات الدعارة و التسلية المشبوهة و المنافية للأخلاق كان قد صدر الأمر بإغلاقها بصفة نهائية زمن زيارة البعثة المغربية إلى باريز، انظر:

Guide Michelin: Paris, ed., 8891, pp. 311- 511.

(3) مفردها تربيعة و المقصود بها هنا هو ساحتان فسيحتان تتخللهما حوانيت (المعرب).

173

و سوق آخر يسمى بولفار (1) يباع فيه كل شي‏ء، و هو طويل جدا بقينا ماشين فيه بالكروصة نحو ساعة. و سوق آخر قريب منهما يسمى روي ممرط (2) به مجمع للتجار يسمى عندهم البرصة (3) و به حانوت من أعظم حوانيت باريز هي وحدها سوق‏ (4) يباع فيه سائر أنواع الملبوسات من الحرير و الملف و الكتان و غير ذالك مخيطا و غير مخيط، و فيها ماية و أربعون خادما. و رب الحانوت واقف ببابها، فيتلقى المشترين و يسلهم عن مطلوبهم حتى يوصلهم لموضع غرضهم، و هناك الخدمة يناولون كل واحد ما يحب.

و كل حاجة مكتوب عليها ثمنها الذي تباع به، فلا يحتاج المشتري مع ذالك الخادم إلى مشاحنة و لا مكايسة. فإذا أراد أخذ شي‏ء منها أتى معه الخادم إلى باب الحانوت، و هناك أربعة من الكتاب يعملون الحساب و يقبضون الأثمان، فيتركه معهم بحاجته ينظروا له الثمن و يقبضونه منهم فينصرف. و قد دخلناها غير مرة فلم نجد أولئك الكتاب إلا بالازدحام عليهم في أعمال الحساب و قبض الأثمان من المشترين.

يقال أنه يباع فيها كل يوم بتقريب اثنا عشر ألف ريال‏ (5). و بها تربيعات، كل تربيعة لنوع من السلع، و يوقد بها في اليل ماية و سبعون مصباحا.

____________

(1) و يقصد الصفار بذلك‏(Les Grands Boulevards) ، المشيدة على أنقاض التحصينات الباريزية التي كان يعود تاريخها إلى القرون الوسطى. و خلال أربعينيات القرن التاسع عشر كانت على جوانب أرصفتها، مراقص و محلات للفرجة و مطاعم أنيقة.

(2) و يقابلها بالفرنسية(Rue Montmartre) .

(3) و يقابلها بالفرنسية(La Bourse) .

(4) و يتعلق الأمر بفيل دو فرانس‏(Ville de France) ، أول أكبر المتاجر الطلائعية على مستوى السبق في الانفراد بعرض أحدث السلع و مستجداتها في باريز، و التي فتحت أبوابها سنة 1843. و كان ذلك المتجر جديدا على الباريزيين أنفسهم، نظرا لاختلافه الكبير عن بقية المتاجر. إذ تباع فيه سلع و منتوجات متنوعة جدا، و أثمان البيع فيه محددة، و أرباحه المحققة سريعة بفعل ارتفاع حجم المبيعات. انظر:

Michael Miller, The Bon Marche?: Bourgeois Culture and the Department Store, 9681- 0291,( Princeton, 1891 ), pp. 12- 52.

(5) حوالي 000. 60 فرنك فرنسي في اليوم، إذ كان الفرنك يساوي حوالي عشرين سنتا.

174

و سلع هذه المدينة في غاية الغلاء، لكثرة غنى أهلها وجودة سلعها. فإن الفرنك عندهم و هو خمس الريال بمنزلة الفلوس عندنا، و الريال عندهم بمنزلة الدرهم عندنا (1) و هما غالب سكتهم. و مدار الحساب عندهم على الفرنك، كما أن الحساب عندنا على المثقال، فإذا أرادوا غيره كالريال بينوه. و لهم من الذهب دنانير صغار (2)، صرف‏

____________

(1) لم يقصد الصفار بقوله ذلك الإشارة إلى القيمة الحقيقية للدرهم الذي كان يساوي حوالي عشر قيمة القطعة النقدية الفرنسية الواحدة من خمس فرنكات، بل كان يريد القول إن قطعة الخمس فرنكات كانت تشكل وحدة القياس الأساسية للنقود الفرنسية، تماما كما كان حال الدرهم في المغرب.

و كانت تبدو أسعار السلع الفرنسية مرتفعة جدا نتيجة لانخفاض الطلب على العملة المغربية في علاقتها مع العملات الأجنبية. إن قطعة الخمس فرنكات الفرنسية كانت تزن 25 كراما، و كان استعمالها بالمغرب أمرا معهودا تحت اسم الريال. و خلال القرن الثامن عشر كانت النقود المغربية الأساسية محلية و تسمى المثقال، و هو عبارة عن عملة نقدية فضية وزنها 29 كراما؛ و الدرهم الذي هو عملة نقدية فضية وزنها 9، 2 كرام، أو ما يعادل عشر المثقال؛ ثم الأوقية و هي عملة نقدية برونزية تعادل درهما واحدا. أما في القرن التاسع عشر، فقد عوض المثقال الفضي الثقيل الوزن في الأسواق المحلية بعملات نقدية أوربية ذات قيمة منخفضة كما هو حال قطعة الخمس فرنكات الفرنسية التي أصبحت تحمل اسم الريال. و قد سمح المخزن بحدوث ذلك أملا في الحفاظ على النسبة الاسمية المرغوب فيها بين النقود البرونزية و الفضية؛ و خلال أربعينيات القرن التاسع عشر حصل تغيير على مستوى قيمة الأوقية: سابقا كانت العشر أوقيات تساوي مثقالا واحدا، و بعدئذ أصبحت ست عشرة أوقيات تساوي ريالا واحدا. و هنا لا بد من الاعتراف بالجميل للباحث‏(Thomas Park) الذي أفادني كثيرا في هذا الإطار. انظر مقالته:

" Inflation and Economic Policy in 91 th Century Morocco: The Compromise solution", Maghreb Review 01, 2- 3( 5891 ): 15- 65; G. Ayache," Aspects de la crise financie? re au Maroc apre? s l`e? xpe? dition espagnole de 0681", in Etudes d`histoire marocaine) Rabat, 3891 (, pp. 79- 831;

و أيضا عمر أفا، مسألة النقود في المغرب في القرن التاسع عشر: سوس 1822- 1906 (الدار البيضاء، 1988)، ص. 203- 214.

(2) و يقصد بها الصفار العملة النقدية الفرنسية المسماة بالفرنسية(Louis d`or) التيي كانت تساوي 20 فرنكا، و هي معروفة عند المغاربة باللويز. أما الدينار (من اللاتينية(denarius فهو عملة نقدية ذهبية إسلامية تزن حوالي 25، 4. كرامات،IB 2 :444 note 111 ;EI 2 ,s .v ."Dinar "

175

كل واحدة أربعة ريال بريالهم و فلوسهم التي هي من النحاس عشرون منها في الفرنك، و يسمى الواحد صلد (1).

و بها ديار لبيع نفيس السلع خصوصا الجواهر و الأحجار، فالغالب فيها بديار معدة لها. و من حرصهم على نفاد سلعهم أن أصحاب السلع يكتبون كواغيط يذكر كل واحد سلعته و يمدحها و يرغب الناس فيها، و يذكر محله و ثمنها و يلصقون تلك الكواغيط في الحيطان في محال اجتماع الناس و مرورهم و في القبب المعدة عندهم للبول و في ابتداء المدينة ليراها الداخل، و في كل محل يقصده الناس كثيرا. و ليس عندهم في أسواقهم جوطيات‏ (2) يباع فيها بالسماسرة كما عندنا.

و أما أشكال دورهم فإنها مخالفة لشكلنا، فإن دورهم ليست بالساحة و الفوقي و السفلي و البيوت و الغرف كما عندنا، فإنهم يتركون ساحة الدار خارجة عنها مرفقا لها لوقوف نحو الكراريض و الدواب. و أول ما تدخل الباب تصعد في الدرج، و أنت تجد البيوت طبقة فوق طبقة حتى تنتهي إلى أعلاه. و تلك البيوت هي المسماة بالصيلان‏ (3) و كلها لها طاقات كبار جدا منها تضي‏ء، تشرف على الأسواق و الشوارع أو على محل فضاء. و تجد هذه الطيقان صفا واحدا متماثلة فيها تزويق و نقش حسن، و قد يكون أمامها شبابيك من الحديد في صنعة عجيبة. و الغالب أن يكون بإزاء الدار عرصة و لو صغيرة فيها ماء و خضرة و لو شيئا ما. و لا تجد عندهم في أعراصهم هذه شيئا من أشجار الفواكه، أو دوالي العنب أو نور له رائحة طيبة أو نبات مما نألفه في أعراصنا كالنعناع و الحبق و المرزنجوش و غيرها من النباتات الزكية، فلم نر عندهم شيئا.

و بهذه المدينة في أسواقها قبب كهيئة السواري المجوفة معدة للبول، و ببابها

____________

(1) الصول أو(Sol) بالفرنسية، عملة نقدية قديمة من النحاس تساوي خمس سنتيمات. و ينطقها عامة المغاربة صلد تماما كما أورده الصفار أعلاه.

(2) مفردها جوطية، و هي سوق ينعقد يوميا في المدن المغربية، و تباع فيه الحوائج القديمة أو المستعملة بواسطة الدلال أو السمسار. انظر:

R. Le Tourneau, Fe? s avant le Protectorat( Casablanca, 9491 ), p. 242 et 873.

(3) مفردها صالة، من الإيطالية(sala) ، بالفرنسية(salle) ، و هي البيوت المجهزة بما يصلح من الأثاث و الفرش الفاخرة لاستقبال الزوار أو الضيوف (المعرب).

176

قضيب من الحديد قائما من الأرض له رأسان يمنع مريد البول من تلوث ثيابه بالبول الذي في داخلها. و يبولون أيضا في أصول الحيطان في الزقاق، و ليس ذالك عندهم عيبا، و لكن لا يغفلون عن نظافة طرقهم بالكنس و الرش بالماء.

و بهذه المدينة محال يتماشى الناس فيها هي متنزهاتهم. و نزهتهم إنما هي أن يأخذ الرجل بيد صاحبه أو صاحبته، و يقصدون موضعا من المواضع المشهورة عندهم يتماشون فيها و هم يتحدثون و ينظرون، و ليست نزهتهم بالأكل و الشرب بل و لا بالجلوس. فمن منتزهاتهم موضع يسمى الشمزليزي‏ (1)، و هو موضع قرب النهر المذكور لجهة سراية السلطان و به كان منزلنا، فيه أشجار مصطفة متوازية بين صفي الشجر كشكل الزقاق المستقيم. فإذا أورقت تلك الشجر و تعانقت أغصانها و غرد الأطيار فوقها، كان فيها منظر عجيب. و فيه كثير من القهاوي و ديار الفرجات كالتياترو (2) أو نحوه. و به فوّارات ماء كبيرة جدا فيها تماثيل من أشخاص آدميين و غيرهم، كلها ترسل من أفواهها الماء بقوة و اندفاع‏ (3) يزعمون أنهم إلاهات الماء، و بأيديهم سمك يبزق الماء أيضا. و كل ذالك بالحركات، و ماؤها يصعد عمودا واحدا إلى أعلاه، و لا يرسلونه في زمن البرد لأنه يجمد.

و بقرب هذا المحل رياض السلطان المتصل بسراية سكانه، و هو أيضا من المنتزهات عندهم‏ (4)، و إن كانت له أبواب و أسوار و على الأبواب حراس لاكن لا يمنعون أحدا من دخوله، و إنما حجّر السلطان فيه موضعا صغيرا متصلا بجدار داره. و بهذا الرياض أشجار كثيرة عظام على شكل غرسهم، و المقصود منها الظل. و في خلالها جلسات‏

____________

(1) و يقابلها بالفرنسية(Champs -Elyse ?es) الشانزيليزي، أحد الشوارع الباريزية الراقية و المشهورة.

(2) و يقابلها بالفرنسية(The ?tre) .

(3) و يتعلق الأمر بنافورتين يمكن مشاهدتهما اليوم في ساحة لاكونكورد(Place de la Concorde) ، و كان بناؤهما بأمر من الملك لويس فيليب لمحو الدلالات الشعبية التي أصبحت لتلك الساحة بعد ما نصبت فيها مقصلة الثورةGuide Michelin :Paris ,ed .,8891 ,p .74 .

(4) كانت حدائق التويلوري‏des Tuileries Jardin مجاورة للضفة اليمنى لنهر السين. و كان القصر الملكي المعروف بقصر التويلوري‏(Palais des Tuileries) يقع عند نقطة معينة من تلك الضفة، بينما كانت ساحة لاكونكورد عند الجهة الأخرى للضفة نفسها. غير أن القصر قد دمر خلال أحداث كومونة باريز في ماي 1871.

177

مخضرّة بالنباتات عليها كراسي لمن أراد أن يجلس إن تعب من المشي، و غالب من يجلس النساء أو الشيوخ الكبار. و به أحواض كبيرة جدا من الماء، و به أيضا قهاوي.

و من منتزهاتهم أيضا، جنان السلطان الذي فيه النباتات و الوحوش بحرية و برية حية و ميتة (1). و استعملوا للميتة حيلا حتى صارت ترى كأنها حية، فترى الحوت لا تشك أنه الساعة أخرج من البحر. و ذالك أنهم سلخوه من جلدته و أخرجوها صحيحة و ملئوها بتبن أو نحوه حتى صارت كأنها سمكة بلحمها طريا، و يزيدونها أنواع الأطلية التي تصبر معها الجثة. ألفينا فيه من الحيوانات المحفوظة جثتها و هي ميتة، أنواعا لا تحصى من الحيتان كبيرها و صغيرها من عظيم التمساح إلى صغير السلفاح، منها ما هو من بحر الروم، و منها ما هو من بحر الهند، و منها ما هو من البحر الكبير، و منها ما هو من النيل، إلى غير ذالك.

و هناك التمساح على أنواع، منه ما هو من النيل و منها ما هو من بحر الهند، و هو أعظم و أهيل منظرا من تمساح النيل. و منه سمك عظيم يخرج من فمه منقار طويل مسنن من جهتين كأنه منشار، و منه سمك عظيم جدا يزعمون أنه من نوع السمك الذي التقم يونس (عليه السلام). و هناك هوائش‏ (2) عظيمة لم نعرف لها اسما، و كلها

____________

(1) و يتعلق الأمر بحديقة التجارب الباريزية المسماة جردان دي بلانت‏(Jardin des Plantes) ، أسست في سنة 1626 لتمكين العلماء و الباحثين في مختلف التخصصات من إنجاز اختباراتهم التطبيقية على نماذج حقيقية من مختلف أصناف النباتات و الحيوانات. و قد فتحت أبوابها للعموم سنة 1640، و كانت لعلماء الطبيعة الفرنسيين مساهمة فعالة في إثراء محتوياتها بنماذج نباتية غربية و متنوعة جلبوها من مختلف أرجاء العالم. أما الجناح المخصص للحيوانات، فلم تتكون نواته الأولى إلا بعد اندلاع الثورة الفرنسية و نقل كل الحيوانات الموجودة وقتئذ داخل الحدائق الملكية في قصر فرساي إليها. انظر:

Guide Michelin: Paris, ed., 8891, p. 502.

أما عن انطباعات رفاعة الطهطاوي، فانظر كتابه تخليص، ص. 164، بالإضافة إلى:L`or ,pp .091 -291 .

(2) مفردها هيشة، و هي من الكلمات المستعملة في العامية المغربية عند الحديث عن حيوانات غريبة عظيمة الجثة و مخيفة في آن واحد. و عند دوزي تعني الكلمة نفسها الغابة، و معناها لا علاقة له بسياق الكلام كما هو وارد عند الصفار الذي يقصد به الوحوش 782: 2Dozy (المعرب).

178

ممتدة مع السقف مربوطة فيه بصفائح من الحديد. و أما الحيتان الصغار، فلا يدرك لها هناك عدّ و لا يحصر لها حد. و فيه أيضا من أنواع الطير ما لا يمكن إحصاؤه كبيرا و صغيرا، مألوفا و غيره و ذوا المنظر الحسن و الشكل الغريب مجلوبة من كل الأقاليم.

و منها طير له في جناحيه مناقير كما هي في رأسه. و كل نوع في بيت على حدته، حتى الطير المعروف بالبشيرة هنالك منه الأعداد العديدة. و فيه صور حيات و أفاعي عظام هائلة المنظر ملتوية على عود تفزع بالنظر إليها، غلظها كفخذ الإنسان أو أغلظ.

و فيه أيضا من الحيوانات الميتة حيوانات البلاد الغريبة، كحيوانات بلاد مريكة و بلاد الهند مما لا يعرف له اسم.

و مما هناك من الحيوانات الميتة المحشوة بالتبن الفيل و هناك أيضا حيا، و الكركدان‏ (1) و هو حيوان عظيم أصغر من الفيل له قرن واحد عظيم في أنفه، و رأسه منحن لا يقدر أن يرفعه من ثقل ذالك القرن، و يقال بأنه يقاتل الفيل بذالك القرن فيغلبه. و يقال إن من خواصه أن الأنثى منه إذا قاربت الوضع، أخرج الولد رأسه من فرجها و صار يرعى أطراف الشجر، فإذا شبع أدخل رأسه في بطن أمه. و يقال أنه إذا كان بأرض، لم يرع فيها شيئا من الحيوان حتى يكون بينه و بينها ماية فرسخ من جميع جهات الأرض هيبة له و هربا منه. و هناك أيضا ميتا بقر الوحش، و هو يشبه خلقة الفرس، إلا أن رجليه فيها شعر كثير. و هناك أيضا الدب، و هو حيوان قدر العجل و منه هناك نوعان أبيض و أسود، و زعموا أن الأبيض منه يوجد فوق الماء الجامد ببحر الظلام‏ (2). و هناك أيضا الكثير من الأسد و النمور و الضبع و السنانير (3) و الثعاليب و الغزلان و الأروي‏ (4) و غير ذالك كلها ميتة، و ترى كأنها حية لم يتغير منها شي‏ء.

و أما ما فيه من الحيوانات الحية، فمنها الفيل و هو خلق عظيم الجثة، له خرطوم طويل و فمه في أصل ذالك الخرطوم من أسفل، فيتناول الشي‏ء بذالك الخرطوم و يرمي به إلى داخل فمه. و مع كبر جثته فله فهم و استيناس بسائسه، فقد كان‏

____________

(1) و هو الكركدن بالعربية الفصحى أو وحيد القرن‏(Rhinoce ?ros) (المعرب).

(2) و المقصود به هو المحيط المتجمد الشمالي.

(3) مفردها سنور، و هو القط الوحشي (المعرب).

(4) الأروي، من الحيوانات العاشبة، و من سماته المميزة وجود قرنين كبيرين في رأسه شبيهين بأغصان الشجر، و يسمى بالعربية الفصحى الأيل، بينما يطلق عليه عامة المغاربة اسم لاروي (المعرب).

179

داخل ضربوز عظيم من الحديد و خلفه ضربوز آخر من عظيم الخشب و له باب، فيكلمه سائسه و يقول له افتح الباب، فيجعل يفتل خلابتها بخرطومه حتى يفتحها، و يقول له اغلقها فيعود فيغلقها. و أخبرني من رءا هنالك فيلين في تياتروا للعب‏ (1) يلعبان و يجيبان من دعاهما و يقبلان من أعطاهما شيئا، و يردان له الآنية يمسكانها بذالك الخرطوم.

و منها الزرافة (2) و هي حيوان عجيب الخلقة، و يداها أطول من رجليها. فإذا وضع لها بالأرض ما تأكله تفاجّت بيديها لتصل إليه، و هي ظريفة حسنة المنظر. و لها عنق‏

____________

(1) و يقصد بذلك محل الفرجة المعروف بالسرك‏(Cirque) ، و بخصوص الفيل في المغرب، فقد استجابت العاهلة البريطانية فكتوريا لطلب تقدم به السلطان مولاي الحسن فأهدته فيلا أنثى. و قد أثار وصولها إلى منطقة زمور ثم إلى فاس اهتمام السكان و نال إعجاب السلطان و عياله، انظر: خالد بن الصغير، مخطوط جديد حول هدية الفيل من الملكة فكتوريا إلى السلطان مولاي الحسن، في مجلة دار النيابة، العدد 12، 1986؛ و أيضا:

Khalid Ben Srhir," Le rapport du Capitaine Ingelfield sur le Makhzen et la tribu des Zemmours( 1981 )", in Hespe? ris- Tamuda, fascicule 2, 1991, pp. 942- 182.

(المعرب).

(2) كانت الزرافة المشار إليها أعلاه حديثة العهد بالحديقة الباريزية، التي نزلت بها قبل زيارة الصفار بسنوات قليلة، فكانت بذلك حدثا جديدا على الباريزيين أنفسهم. انظر:

Louca, Voyageurs et e? crivains, pp. 04, 452- 552.

و هناك تشابه كبير بين مضمون المقطع الذي خصصه الصفار للحديث عن الزرافة و بين ما هو وارد في كتاب محمد بن محمد أبو يحيى المعروف بالقزويني (المتوفى في 682/ 1283): عجائب المخلوقات و غرائب الموجودات، الذي ظل إلى حدود أيام محمد الصفار أساسيا اعتمده المسلمون في مواضيع العلوم الطبيعية. و يحتوي القسم الثاني من هذا الكتاب على وصف لمملكة الحيوانات، جاء فيه عن الزرافة ما يلي: «رأسها كرأس الإبل و قرنها كقرن البقر و جلدها كالنمر و قوائمها كالبعير و أظلافها كالبقر طويلة العنق جدا طويلة اليدين قصيرة الرجلين و صورتها بالبعير أقرب و جلدها بالبقر أقرب و أشبه و ذنبها كذنب الظباء. قالوا الزرافة متولدة من ناقة الحبش و البقرة الوحشية» انظر: كمال الدين الدميري، حياة الحيوان الكبرى، في جزئين (القاهرة، 1306/ 1888- 1889)، ج 2؛ و يوجد نص القزويني في الهامش، بالصفحة 177؛ انظر أيضا:

EI 2, s. v." al- Kazwini, Zakariyya b. Muhammad b. Mahmud Abu Yahya".

180

طويل كالبعير و هي أعلا منه، و رأسها مستطيل كرأس الفرس إلا أنه أدق منه. و في جبهتها مثل قرنين مقطوعين، إلا أنهما من لحم و شعر كأذنين مقطوعين. و ذنبها يشبه من أعلاه ذنب البقر، و في أسفله شعرات و لونها حسن، و ليست لونا واحدا بل فيها الأبيض و الأحمر فهي بلقاء، و هي نظيفة لا يرى في مؤخرها و لا في ذنبها أثر روث و لا قذر. و من طبعها الحنانة و الألفة، يناولها الإنسان بيده ما تأكل فتأخذه منه برفق و يدور خلفها فلا تضربه و لا تؤذيه. و يقال أنها متولدة من ثلاث حيوانات، الناقة الوحشية و البقرة الوحشية و الضبع، فينزوا الضبع على الناقة فتأتي بذكر، فينزوا ذالك الذكر على البقرة فيتولد منه الزرافة. و الصحيح أنه خلق مستقل بذاته ذكر و أنثى كسائر الحيوانات.

و منها الجواميس و البخت و الليين، و هو حيوان قدر الجدي و له قرنان كل قرن يخرج منه قرينات صغار، فقرناه كفروع الشجرة، و لذلك يقال: «الليين يزيد كل عام قريين». و منها حمر من أرض الهند و لها لون أحمر حسن، و هي شرارة تعدوا على من يقرب منها. و كان عندهم هناك حمار من حمرنا زعموا أنه خنثى‏ (1)، فسألناهم الاطلاع عليه فاعتلوا بحضور النساء. و هنالك كثير من الغزلان و الأسود و النمور على أشكال و أنواع، منها النوع المعروف، و منها نوع آخر جلده مخطط زعموا أنه نمر بلاد ميريكة. و هناك أيضا كثير من الذياب و هي أكبر من ذياب بلدنا، و فيها شرارة و عداء على من قرب منها. و كثير من القرود على أشكال و أنواع، ثم هناك أيضا عدد كثير من الحيوانات التي تشبه في القدر القنية و الأرنب و النمس و الفأر. و هناك أيضا قبة كبيرة مخصوصة بأنواع الطير، و تلك القبة من سلك رقيق بحيث تمنعهم الخروج و لا تمنعهم الضوء و النظر.

و في هذا البستان أيضا سراية بيرة مشتملة على بيوت عديدة فيها أنواع الأحجار و المعادن النفيسة و غيرها، لا يدرك لها عدد و لا يمكن إحصاؤها لكثرتها. فأول ما دخلنا، لقينا قبالة بابه صلدة (2) من تراب و عظام ملتصق بعضها ببعض، زعموا أنها من بقية الطوفان. و فيه أيضا صلدة كبيرة من الذهب الخالص الصافي، زعموا أنها

____________

(1) أو خنثوي، أو هيمافروديت‏(Hermaphrodite) ، و معناه أن يحمل صنف معين من النبات أو الحيوان أو الإنسان أعضاء تناسلية ذكرية و أنثوية في آن واحد.

(2) و معناها هنا الكتلة المتماسكة من الصخر أو التراب (المعرب).

181

ألفيت كذالك في معدنها. ثم ما لا يحصى من أنواع معادن الذهب و الفضة و النحاس و الرصاص و الحديد. و منه صخرة عظيمة من الحديد زعموا أنها نزلت كذالك من السماء، مع أشكال كثيرة من أحجار الزمرد و اليامنض‏ (1) و غيره مما لا نعرف له اسما، و إن كان كل نوع مكتوب عليه اسمه و بيانه. مع أنواع أيضا من الرخام الصافي و الملون، مع عظام حيتة زعموا أنها من بقية الطوفان‏ (2)، و أنهم قاسوها على أشكال الحيوانات الموجودة الآن، فلم يجدوا ما يوافقها و يشاكلها. و هناك ريش السمندل‏ (3) و جميع أصناف حبوب القمح الذي يوجد ببلادهم منه في سنبله و منه حب في زجاجات، إلى غير ذالك مما لا يحصى من أنواع المعادن.

و في هذا البستان أيضا أنواع النباتات غريبة و غيرها. فما يمكن جعله في الأرض في تلك البلاد فهو في الأرض، و كل خشبة مغروز عليها عود صغير في رأسه ورقة مكتوب فيها اسم تلك العشبة و خاصيتها. و ما كان من النباتات الغريبة التي لا تحتمل برد بلادهم، جعلوا لها بيوتا سقفها و جوانبها من الزجاج المنطق بفساقي الخشب، بحيث يمكن فتحه و غلقه. و جعلوا في أرض البيت القواديس من الحديد يجري فيها ماء حار يسخن بنار خارجة عن البيت، و فوق القواديس شبابيك من الحديد هي أرض البيت، و جعلوا النباتات في الصناديق و الأواني. و يجعلون حرارة ذالك البيت التي تنشأ مما ذكر على ما يوافق النبات الذي فيها، فإذا كان النبات من أرض الصحراء كالنخلة مثلا، جعلوا الحرارة مثل حرارة الصحراء بحيث تصلح للنخل. أو كان النبات من بلاد ميريكة، جعلوا الحرارة كحرارة ميريكة، و هكذا. فإذا كان زمن البرد و الغيم أغلقوا ذالك البيت من جميع جهاته، و ربّوا النبات بالحرارة

____________

(1) تحريف للتسمية الفرنسية ديامان‏(diamant) ، و هو الماس الرفيع الجودة. و عند الغساني، يامنط:

افتكاك، ص. 84.

(2) كان الترجمان الفرنسي المرافق للبعثة المغربية خلال جولتها الاستطلاعية يستعمل كلمة الطوفان وسيلة لوصف بعض مظاهر الحياة في فترات ما قبل التاريخ حتى يفهمها الصفار الذي لم يكن بإمكانه و بحكم معتقداته الدينية الثابتة تصور أي تطور تاريخي للكون لا تربطه علاقة مباشرة بالقدرة الإلاهية.

(3) و يقابله بالفرنسية سلاماندر(salamandre) ، و هو حيوان صغير من فصيلة الضفدعيات أصفر اللون منقط بالسواد (المعرب).

182

المذكورة. و إذا كان يوم شمس و دفاء، فتحوا عليها شيئا من تلك الأغلاق ليدخل عليها الهواء، و في زمن الصيف و الحرارة يخرجونها للفضاء.

فمما رأينا عندهم في تلك البيوت، النخلة و الموز و شجرة القهوة و الأتاي، و هما صغيرتان ليسا من الشجر الذي يعظم. و ثمرة يسمونها أنانا (1) تجلب من بلاد ميريكة، و هي قدر الليمة الكبيرة في رأسها ورقات، و هي مدرجة كجوزة الصنوبر، و لهم بها اعتناء تباع الواحدة منها بخمسة ريال و أكثر، و يقطعونها قطعا قطعا و يأكلونها بالسكر و ربما طبخوها، و مذاقها حلو في حموضة فلذالك يدرون عليها السكر.

و براح هذا البستان خارج هذه البيوت مشتمل على أشجار عظام صفوفا مستوية و خصص ماء و جلسات مربعة و مستديرة، و بيوت لخدمته و قومته و عسكريه، فهو من أشهر أماكن باريز. و فائدة وضع ما ذكر من الحيوانات و النباتات و المعادن فيه، أن كل من يتعاطى علما من العلوم المتعلقة بذالك، إذا رءا في كتابه اسم شي‏ء من ذالك، فيمكنه أن يقف عليه و يعرف حقيقته‏ (2)، و من أراد الاطلاع على شي‏ء من ذالك و الفرجة فيه فلا يمنعونه. لكن بعض الأماكن كالبيوت المغلقة لا تباح إلا في أوقات مخصوصة كيوم الأحد مثلا.

التياتروا

و من محال فرجاتهم المحال المسماة بالتياتروا، و تسمى الكومزية و تسمى الأوبرة،

____________

(1) مأخوذة عن الفرنسية أناناس‏(ananas) ، و هي مصنفة تحت التسمية النباتية التالية:ananas) (comosus .

(2) لم يكن تصنيف النباتات مجهولا في المغرب، إذ ألف أحد علماء القرن السادس عشر من مدينة فاس و هو قاسم بن محمد الوزير الغساني، كتابا صنف فيه 379 نوعا من النباتات الموجودة في المغرب.

غير أن العمل على تصنيف النباتات التي لا يمكن الاستفادة منها عمليا قد شكل في حد ذاته شيئا جديدا عند الصفار. انظر:

H. P. J. Renaud," Un essai de classification botanique dans l`?

د

uvre d`un me? decin marocain du XVIe sie? cle", Me? morial Henri Basset: Nouvelles e? tudes nord- africaines et orientales, 2 vols.( Paris, 8291 ), 2: 791- 602.

183

و هو محل يلعب فيه بمستغربات اللعب و مضحكاته، و حكاية ما وقع من حرب أو نادرة أو نحو ذالك. فهو جد في صورة هزل، لأنه قد يكون في ذالك اللعب اعتبار أو تأديب أو أعجوبة أو قضية مخصوصة، و يكتسبون من ذالك علوما جمة (1).

و بيان شكل هذا المحل و كيفية اللعب فيه، أنه قبة عالية و في جوانبها بيوت طبقة فوق طبقة تشرف على محل اللعب و في أرضها انحذار، و هي مسطرة بالشوالي و الكراسي صفا أمام صف ليجلس عليها المتفرجون. و فائدة الانحذار ليلا يحجب من يكون أمام الشخص الذي يكون خلفه، ليأخذ كل واحد حظه من النظر لمحل اللعب.

و خارج القبة ميدان كبير هو محل اللعب، و يسدل على ابتداء ذالك الميدان ستارة ترخى و ترفع، فيجلس المتفرجون في تلك البيوت التي في جوانب القبة و في أرضها، كل على حسب فلوسه و عطائه. و يجتمع اللعابون في الميدان المذكور، و يجلس أصحاب الموسيقي في طرف القبة متصلين بالميدان. و لا يعمر إلا في اليل، و يوقدون في وسط القبة ثريا كبيرة، و في جوانبها ثريات صغار.

____________

(1) المسرح و الكوميديا و الأوبيرا(The ?atre ,come ?die ,ope ?ra) ، و كلها من مظاهر الفرجة الاسستعراضية الموجهة إلى الجمهور الأوربي بصفة خاصة، لكونها لم تشكل أبدا جزءا من مكونات الثقافة الإسلامية السنية. و لذلك كان الذهاب إلى قاعات العروض المسرحية و ما شابهها من التجارب الجديدة التي كان يقدم على خوضها غالبية الزوار المترددين على الديار الأوربية. و سبق لرفاعة الطهطاوي أن أكد على أهمية المسرح في تهذيب الأخلاق و نشر القيم النبيلة في أوساط عامة الناس (تلخيص، ص. 154. 119(L`or ,p .. و وصف خير الدين التونسي المسرح بأنه «من ألوان الشعر التي تصلح قراءتها على مسامع عامة الناس لتهذيب أخلاقهم»، انظر:

Khayr ad- Din at- Tunisi, The Political Treatise of a Nineteenth- century Muslim Statesman, trans. L. C. Brown( Cambridge, Mass., 7691 ), p. 041.

و قد أعجب أعضاء البعثة المغربية بالمسارح الباريزية، فترددوا على قاعات العروض مرات عديدة.

و شاهدوا في مدة لن تتجاوز أسبوعا واحدا، ما بين 1 و 7 فبراير 1846، عروضا لثلاث فرجات مختلفة، عرضا للأوبيرا و مسرحية، ثم حفلة غنائية أحيتها الآنسة راشيل‏(Mlle Rachelle) التي اشتهرت بعروضها في قاعات الحفلات الباريزية وقتئذ. انظر:AAE /ADM /Voyage ، بوميي إلى دوشاستو، 8 فبراير 1846.

184

لوحة 8: بطاقة دعوة إلى الصفار لحضور فرجة في قصر التويلوري‏

AAE/ ADM/" Voyage de Sidi Aschasch, Pacha de Te? touan."

185

و في ابتداء ذالك الميدان صفا واحدا من المصابيح، و كلها بضوء اسبيريطوا (1) الذي يجري في القواديس. و من عجيب أمره أنه لا ينطفئ و لو نفخت عليه بمنافخ الدنيا، و ييس بفتيلة و لا شمعة إنما هو لسان من النار يخرج من جعبة و لها طرّاشة (2)، إذا فتلتها انسد مجرى الجعبة فينطفئ السراج، فإذا فتلتها بالعكس رجع كما كان، و كل ضوء حوانيتهم و أسواقهم و سائر فناراتهم منه. و يتعاقد من يريده مع صاحبه الذي يرسله على قدر من الزمان معين كساعة أو ساعتين، فإذا مضى ذالك الزمن انطفى السراج لأن مرسله يقطع له المادة وقتئذ، و هو من حكمهم العجيبة.

رجع، فإذا حضر أوان اللعب و اجتمع الناس، فتكون الستارة مرخية على ذالك الميدان، فترتفع الستارة فتبدوا في ذالك الميدان صور عجيبة و أشكال غريبة، فيصورون البلدان و الأشجار و البراري و البحار و السماء و الشمس و القمر و النجوم، و كل ذالك رقوم و نقوش في الكواغيط، و لكن لا يشك من رءاها أنها حقيقة. و يصورون ضوء الليل و النهار و الفجر و ضوء القمر تحت السحاب و غير ذالك. و لا بد أن يكون هناك جواري مزينات بأحسن الزينة و أجمل اللباس، و عسكر و سلطان لابسي الدروع و البيضات و بيدهم الأسلحة من السيوف و الرماح و المكاحل و غير ذالك. و يلعبون أربع أو خمس لعبات في الليلة، و إذا انقضت اللعبة الأولى أرخوا الستارة المذكورة و غيروا التصوير الذي كان في المرة الأولى، و يصورون تصويرا آخر يوافق اللعبة الثانية، و هكذا في كل لعبة (3).

ثم إن اللعبات عندهم محفوظة معلومة لا أنهم يخترعونها هنالك. و اللعب الذي‏

____________

(1) ظهرت مصابيح الإنارة المعتمدة على مادة الغاز في باريز لأول مرة في العقد الثاني من القرن التاسع عشر، و كانت تسمى وقتئذ بيك دو كاز(bec de gaz) . و تعني لفظة اسبيريطو في العامية المغربية نوعا من الكحول أو الوقود الذي يبدو ضوءه شبيها بضوء الغاز عند إيقاده.

(2) فعل طرش، أي أغلق. و قد كتب دوزي أنها تعني اليوم في المغرب عكس ذلك، أي فتح:Dozy 2 . 35، و المقصود بالطراشة هنا، المفتاح الذي يسمح بمرور الغاز إلى المصباح فيضي‏ء، أو يمنع مروره فينطفى‏ء حسب الحاجة (المعرب).

(3) اعتقد الصفار خطأ، و نتيجة لجهله اللغة الفرنسية و بالتالي لموضوع المسرحية و حبكتها الروائية، أن كل مشهد جديد من المشاهد المعروضة يشكل مسرحية قائمة الذات.

186

يريدون أن يلعبوا به يكتبونه في النهار في الكوازيط، و يذكرون أنهم يريدون أن يلعبوا في المحل الفلاني، و يشهرون ذالك للناس ليقع الاعلام بذالك و مدار لعبهم على تناشد أشعارهم و التغني بلغاتهم خصوصا المتعاشقين، فيجعلون واحدا عاشقا و أخرى معشوقته و يبرزان للميدان يتناشدان و يغنيان، و تارة تكون المعشوقة راضية عن عاشقها مقبلة عليه و تارة تبغضه و تعرض عنه. و ينشدان لكل حالة ما تقتضيه، و هم الذين يفهمون كلام بعضهم بعضا. عندهم لذة تلك المحاورات و المناشدات أحسن من رؤية التصوير و الأعاجيب، لما تشتمل عليه محاورتهم من الرقائق و الأدبيات و العلوم الغريبة و المسائل المشكلة، و الأجوبة المسكتة و النوادر المضحكة و نحو ذالك.

و إذا قصدوا في لعبهم حكاية حرب وقع مثلا، فيصورون السلطان و جيشه و خيلهم و أسلحتهم على ما كانت عليه وقتئذ، و البلد التي وقع الحرب عليها. و قد حضرناهم مرة يلعبون بحكاية حرب وقع بإشبيلية، فصوروا إشبيلية و صومعتها و أبوابها و مشاهير أمكنتها، بحيث قال من حضر ممن رءا إشبيلية هي هذه بعينها. و صوروا بل جعلوا حقيقة سلطانا و عساكره لابسين زي الوقت الذي كان فيه ذالك الحرب، و زينوا الجواري بلباس ذالك الوقت أيضا، و أخذوا في الحرب حتى دخلوها.

و إذا أرادوا أن يحكوا حال قسيسين مثلا إذا خلوا أخذوا في اللهو و الشرب و الطرب، و إذا رأوا الناس أظهروا الخشوع و الإعراض عن رؤية النساء و نحو ذالك، فيصورون الكنيسة و سائر ما يكون فيها، و يجعلون بعضا منهم قسيسين و يلبسون زيهم و يحضرون أواني الشراب إذا خلوا، فإذا رأوا أحدا تركوا ذالك و أخفوه بسرعة و قاموا إلى الصلاة، و إذا جاءتهم امرأة تتبرك بهم فلا يلتفتون إليها.

و إذا أرادوا أن يحكوا حال فرعون مع موسى (عليه السلام)، فيصدرون البحر و يجعل يتماوج كأنه حقيقة، و ينفلق حتى ينجوا منه موسى و أصحابه و ينطبق على فرعون و قومه. و قد رأيناهم مرة صوروا الجنة بقصور و أشجار و أنهار و منظر حسن، و صوروا ملائكة يطيرون في الهواء بأجنحة بيض. و ذالك بأن عمدوا إلى جوار صغار و جعلوا لهن أجنحة، و ربطوا كل واحدة بخيط رقيق لا يبصر إلا بعد التأمل، يمسكها من أعلاها و شخص يجريه من فوق بحيث لا يظهر، و إنما ترى كأنها تطير بجناحيها في الهواء. و صوروا أمواتا خرجوا من تحت الأرض، و شخصا آخر ابتلعته الأرض حتى ري‏ء بعض ذالك في الجنة. و يصورون أيضا الطوفان و سفينة نوح.

187

و قد رأينا مرة موضعا عندهم يسمونه الديوراما (1)، دخلناه نهارا فصعدنا في درج مظلمة حتى انتهينا إلى أعلاه، و هو مظلم إلا أن فيه بعض الضوء من كوة هنالك، و هو على شكل التياتروا. فأرخيت الستارة و جعلوا يجهزون المكان خلفها، فلما رفعت ظهرت كنيسة ذات قبب و سواري و خصص كانت مضيئة بضوء النهار، أعني بضوء مصور كأنه ضوء النهار، ثم أخذ في النقصان كأنها عشية و الشمس تئول للغروب، حتى ذهب الضوء كله و استحكمت الظلمة، فظهر نور خفي فجعل يكبر و ينتشر حتى ظهرت ثريا كبيرة معلقة في وسطها تضي‏ء، و ظهر معها في أرض الكنيسة ناس كثيرون يصلون و لم يكن لهم ظهور قبل ذالك مع أنه لم يتغير التصوير. و كان الناس صغارا في رأي العين فجعلوا يكبرون و يعظمون، ثم أرخيت الستارة و غير التصوير.

فلما ارتفعت ظهرت مدينة عظيمة ذات بناء محكم و برج عال مستحكم، و يخرج من خلالها نهر عليه قنطرة عظيمة و فيه سفينة صغيرة. و في أعلا المدينة من جبل إلى جبل قنطرة أخرى كبيرة من قناطر الحديد، و حول المدينة أشجار و نبات، فجعل الثلج ينزل عليها و نحن نرى الثلج نازلا، و هو أبيض مترادف قوي و نسمع وقعه على السقف فوقنا، بحيث من لم يكن له علم أن ذالك لعب فلا يشك أنه الثلج حقيقة. فبقي ينزل حتى صار كل شي‏ء أبيض، و كادت أن تتغطى المدينة به، ثم فتر و جعل يسيل من فوق السطوح و يجري في الطرق.

ثم أرخيت الستارة و غير التصوير، ثم رفعت فظهرت مدينة أخرى ذات بناء

____________

(1) كانت الديوراما(Diorama) ، التي اخترعها الفرنسي لوي جاك ماندي داكير(Louis -Jacques -Mande ?Daguerre) (1787- 1851)، من وسائل الفرجة التي استهوت الباريزيين في القرن التاسع عشر. و هي منظر بانورامي خلف الستار يحضر برسوم مصغرة لأشياء مختلفة، و يمكن مشاهدته من خلال فتحة صغيرة و تكون درجة الإنارة قوية بالشكل الذي يجعل المشهد يبدو للناظرين إليه نابضا بالحيوية و الواقعية.

Dolf Sternberger, Panorama of the Nineteenth Century, trans Joachim Neugroschel( New York, 7791 ), pp. 881- 981; La Grande Encyclope? die Larousse, ed., 3791; s. v." Daguerre, Louis- Jacques- Mande?".

و كان الصفار قد شاهد فيها عرضا حول تغير الفصول، بالإضافة إلى مشهد داخلي لكنيسة القديس مارك‏(St .Mark) في مدينة البندقية، انظر جريدة الإلوستراسيون‏L`illustration ، 7 فبراير 1846.

188

قديم، فيها قلع و حصون، و الناس يظهرون ماشين في أزقتها و يظهر كأن السماء فوقها مغيمة، فجعل الغيم يشتد و الظلمة تنزل حتى أظلمت. و كانت الظلمة جائية من خلف المدينة، فبمجرد وصولها لها صرصرت ريح عاتية و يسمع لها دوي و صفير، و أخذ المطر ينزل كأفواه القرب، و تكلم رعد عظيم له دوي من فوق، و نحن نسمع وقع المطر على السقف كأنه حقيقة. ثم ظهر نور في الأفق خلف المدينة كأنه الفجر قد طلع، حتى انجلى الضوء، فجعل المطر ينزل و يظهر كأنه مار بين الجبال له خراطيم عظيمة، و كأنه يجي‏ء إلى المدينة بحر من خلفها مما انحدر من الجبال و سال من الأودية من مياه المطر حتى كأنه يريد أن يغرق المدينة. ثم أرخيت الستارة و انتهى، و كان هذا كله في نحو ربع ساعة، و كانوا يصورون بذالك الطوفان لاكن لم يكملوه.

و تارة يكون لعبهم المذكور برقص تلك الجواري، فيمسكن بأيدي بعضهن بعضا و يأخذن في رقص عجيب و تليين أعضائهن و تثنية معاطفهن، حتى يكاد أن يلتقي فمها بعقبها من خلف، و يقفزن على رجل واحدة و يدخلن في بعضهن بعضا حتى كأنهن لسن آدمييات. و تارة يمسك واحد من الرجال واحدة من تلك الجواري و يتراقصان.

و هذه التياتروا ليست مجمعا للحرافيش و الأوباش، بل يحضرها أكابرهم و أهل المروءة منهم، و يحضرها الرجل و زوجته و بناته، و الرجل و أصحابه. و يجعلها السلطان في داره، و له في داره محل معد لها، فيدعوا اللعابين و المتفرجين، و يجلس هو و أولاده و نساؤه و نساء أولاده و جميع وزرائه و خواصه، و أهل اللعب يلعبون بالرقص و التعاشق و غير ذالك، و هم ينظرون و ينشطون بذالك. و يزعمون أن في ذالك تأديبا للنفوس و تهذيبا للأخلاق و راحة للقلب و البدن، ليعود إلى شغله بنشاط و قريحة.

أفد طبعك المكدود بالجد راحة* * * يجم و علله بشي‏ء من المزح‏

و سئل الشعبي هل كان أصحاب رسول الله (صلى الله‏ عليه و سلم) يضحكون؟

قال نعم و الإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي‏ (1). و كان نعيمان الصحابي من أولع‏

____________

(1) مأخوذ عن كتاب ابن حجر العسقلاني (المتوفى في 852/ 1449)، الإصابة في تمييز الصحابة (كلكوتة، 1856- 1893)، 3: 569- 570. و أيضاEI 2 ,s .v ."Ibn Hadjar Al -?Askalani " و أقدم هنا شكري الجزيل للأستاذ المهداوي المدغاني الذي أرشدني إلى هذا المصدر. أما عن الشعبي، فهو عمر بن شرحبيل الشعبي من مشاهير علماء القرن الثامن الميلادي.

189

الناس بالمزاح و كان بدريا، قيل أنه ذكر عند النبي (صلى الله‏ عليه و سلم) أنه يكثر المزاح و الضحك، فقال: يدخل الجنة و هو يضحك. فمن مزح نعيمان ما روي أنه أهدى لرسول الله (صلى الله‏ عليه و سلم) جرة عسل اشتراها من أعرابي بدينار، فجاء بالأعرابي إلى باب النبي (صلى الله‏ عليه و سلم) و قال: خذ الثمن من هاهنا. فلما علم (صلى الله‏ عليه و سلم) بذالك، قال لنعيمان ما حملك على ما صنعت؟ فقال أردت برّك و لم يكن معي شي‏ء، فتبسم و أعطى الأعرابي ثمنه.

و مر يوما بمخرمة ابن نوفل الزهري و هو ضرير فقال له: قدني حتى أبول. فأخذ بيده حتى أتى به إلى المسجد فأجلسه في آخر المسجد، فصاح به الناس إنك في المسجد، فقال: من قادني. فقالوا: نعيمان. قال: لله علي أن أضربه بعصاي هذه إن وجدته. فبلغ ذالك نعيمانا فجاء إليه و قال: يا أبا المسور هل لك في نعيمان؟ قال:

نعم. قال: هو ذا يصلي، فأخذ بيده و جاء إلى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه و هو يصلي، و قال: هذا نعيمان. فعلاه بعصاه، فصاح الناس: أمير المؤمنين. فقال:

من قادني. فقالوا: نعيمان. قال و الله لا تعرضت له بسوء بعدها.

و قال عطاء بن السائب رضي الله عنه: كان سعيد بن جبير يقص علينا حتى يبكينا، و ربما لم يقم حتى أنه يضحكهم و يبسط آمالهم. فمن لطائفه ما حكي أنه بعد ما فرغ من ميعاده، قال سمعت الناس يتكلمون بالتصحيف و كنت لا أعرفه، فوقع في قلبي أن أتعلمه، فدخلت سوق الكاتبين و اشتريت كتابا في التصحيف.

فأول شي‏ء رأيت في التصحيف سكباج تصحيفه نيك تاج‏ (1)، فحلفت لا أشتغل به بعدها، فضحك الناس من قوله حتى غشي عليهم.

الكوازيط

و لأهل باريز كغيرهم من سائر الفرنسيس بل و سائر الروم، تشوف لما يتجدد من‏

____________

(1) سكباج هو صنف من الطعام على شكل حساء. أما نيك تاج فهي مركبة من كلمة «نيك» التي تعني في اللغة جامع أو ضاجع، انظر: القاموس المحيط، ج 3، ص. 332 (بيروت، دون تاريخ).

أما تاج فهو اسم لامرأة. و من ثم فإن نيك تاج تعني مضاجعة تاج. و باستثناء العلامات الصوتية المميزة، فإن شكل كتابة الكلمتين المذكورتين يكاد يبدو متطابقا (المعرب).

190

الأخبار و يحدث من الوقائع في سائر الأقطار، فاتخذوا لذالك الكوازيط (1)، و هي ورقات يكتب فيها كل ما وصل إليهم علمه من الحوادث و الوقائع في بلدهم أو غيرها من البلدان النائية أو القريبة.

و بيان كيفيتها أن صاحب دار الكازيطة، يتخذ أقواما يرسلهم لالتقاط الأخبار من كل ما يسمعونه أو يرونه في ذالك اليوم من المهمات و الحوادث و الوقائع و النوادر، و غير ذالك مما يحسن الإخبار به. و من جملة محال التقاطهم للأخبار، القمرتان الكبيرة و الصغيرة اللتان يجتمعون فيها لتدبير قوانينهم‏ (2). فإذا اجتمع أهل القمرة و أخذوا في الخوض في نوازلهم و وقائعهم، جلس أصحاب الكوازيط في ناحية يكتبون كلما تكلم به فيها. فكل ما وقع الكلام عليه فيها و انبرم من الأحكام يصبح غدا في الكوازيط، و يشهر لسائر الناس، و ليس يقدر أحد أن يمنعهم من ذالك، إلا إن كان كلامهم في أمر سري يجب كتمه عن سائر الناس فيمنعونهم.

و لأصحاب الكوازيط مراسلات و مكاتبات مع سائر البلاد، و لهم في كل بلد من يعرفهم بأخبارها و ما وقع فيها أو بلغها من جهة أخرى، فلذالك تجد أهل الكوازيط يعرفون غرائب الأخبار قبل الناس. و هاؤلاء الملتقطون يظلون يومهم في التقاط الأخبار، فإذا أمسوا أتى كل واحد منهم بما جمعه في ذالك اليوم، فيطبعه صاحب الكازيطة، و يجعل منه عدة ورقات بطبع الاسطنبا، و سيأتي بيانها. فإذا أصبح فرقها على من يأخذها منه، يبعث لكل واحد من مرتبيه ورقة. و معنى هذا أن سائر أكابر

____________

(1) ذكر الغساني الكزيطة و قدم لها وصفا في رحلته التي يعود تاريخها إلى القرن السابع عشر فقال:

«و يسمونها الكاسيطة، فيطلع الإنسان منها على أخبار كثيرة، إلا أن فيها من الزيادة و الكذب ما تحمل عليه الشهوة النفسانية»، افتكاك، ص. 67. و قد اعتمد الصفار في وصفه للكوازيط اعتمادا كبيرا على ما أورده رفاعة الطهطاوي في كتابه تخليص، ص. 104، 171، بالإضافة إلى:. 201- 200، 138L`or ,p .. و لم تظهر الصحف بطريقة منتظمة في المغرب إلا مع حلول ثمانينيات القرن التاسع عشر في مدينة طنجة. و في زمن محمد الصفار، كان الرقاص هو الوسيلة الوحيدة المستعملة لنقل الأخبار الرسمية على شكل رسائل يوجهها السلطان إلى عماله على الأقاليم‏Aubin ,Morocco ,pp .86 ,423 ، انظر أيضا ابن زيدان، العز 1، ص. 407.

(2) و يعني بالقمرتين كلا من:(Chambre des pairs) و(Chambre de ?s de ?pute ?s) ، و سيأتي الحديث عنهما بالتفصيل في حينه.

191

الفرنسيس، خصوصا في باريز، يتفقون مع صاحب الكازيطة على أن يرسل لهم كل يوم كازيطة جديدة، و يدفعون له عددا معلوما كل عام، أعني ثمنها. و كذالك سائر القهاوي كل يوم ترسل لهم كوازيط متعددة من عند أناس شتى. فإذا دخلها الداخل، فأول ما يناوله الخادم الكازيطة ليطلع على ما تجدد من الأخبار، ثم يأتيه بالقهوة و يتحافظون عليها و يرفعونها. فمن أراد علم ما وقع في غابر السنين، فيفتش على كازيطة ذالك الوقت في القهاوي أو غيرها، فيجد فيها ذالك.

و من جملة ما هو مرقوم صدر الكازيطة، أن ثمنها كذا في العام. و كنا مدة إقامتنا بباريز، كل يوم تأتي لصاحب الدار التي كنا فيها كازيطة جديدة من أصح كوازيطهم أخبارا، مكتوب في أولها أن ثمنها ستة عشر ريالا في العام. و يتعاقد صاحبها مع من شاء أن يبعثها له على ما شاء من الزمن قليله و كثيره، إلا ما نقص عن شهر، فلا يبيعها له مدة عشرين يوما مثلا. و كان يقال أن صاحب هذه الكازيطة المذكورة يطبع كل يوم نحو خمسة عشر ألف كازيطة (1)، و كل واحدة في ورقة طولها و عرضها نحو ذراعين مكتوبة من جهتين. تجد فيها أخبار باريز و سائر بلاد الفرنسيس، و أخبار بلاد النصارى كلها و بلاد المشرق و المغرب و البر و البحر. و يسافر منها الأعداد لسائر البلدان، فكلما دخلت بلدا من بلدان فرنسا، تجد فيها كازيطة باريز كما أنك تجد بباريز كوازيط الآفاق.

فبسبب ذالك لا يخفى عليهم خبر، سواء كان داخليا أو خارجيا. و ليس ما فيها كله صحيح، بل ربما كان الكذب فيها أكثر من الصدق، و لاكنها تتضمن أخبارا تتشوف النفس للعلم بها. و لها عندهم فوائد، منها الاطلاع على ما تجدد من الحوادث و الأخبار. و منها أن من ظهر له رأي في أمر من الأمور و لم يكن من أهله، فإنه يكتبه في الكازيطة و يشهر لسائر الناس حتى يطلع عليه ذووا رأيهم، فإن كان سدادا اتبعوه و إن كان صاحبه حقيرا، و هذا مما يستحسن كما قال الشاعر:

____________

(1) يمكن اعتبار رقم 000، 15 نسخة الذي أتى به الصفار هنا رقما صحيحا في حالة الكازيطة التي كانت تصل إلى محل إقامة البعثة المغربية؛ غير أن الصحيفتين اليوميتين الباريزيتين الأكثر شعبية خلال أربعينيات القرن التاسع عشر في فرنسا هما: لابريس‏La Presse و لوسييكل‏Le Sie ?cle ، و كانتا تعرفان معا رواجا يتجاوز 000، 50 نسخةPinkeny ,Decisve years ,p .06 ..

192

لا تحقرن الرأي و هو موافق‏* * * وجه الصواب إذا أتى من ناقص‏

فالدار و هو أجل شي‏ء يقتنى‏* * * ما حط قيمته هوان الغائص‏ (1).

و من جملة قوانينهم التي أسسها لهم سلطانهم لويز الثامن عشر، و التزموا اتباعها، أنه لا يمنع إنسان في فرانسا أن يظهر رأيه و أن يكتبه و يطبعه، بشرط أن لا يضر ما في القوانين، فإن أضر أزيل. و كان من جملة ما نقموا على ملكهم شرل العاشر الذي كان قبل هذا الملك الموجود الآن. و كان السبب في قيامهم عليه و خلعهم طاعته، أنه أظهر النهي عن أن يظهر أحد رأيه أو يكتبه و يطبعه في الكازيطات، إلا إذا اطلع عليه أحد من أهل الدولة، فلا يظهر منها إلا ما أراد إظهاره‏ (2).

و يكتبون في الكوازيط اعتراضات على أهل القمرتين فيما أبدوه من القوانين.

و إن جار سلطانهم فضلا عن كبير من كبرائهم، أو خرج عن القانون في أمر ما، يكتبونه في الكازيطة و يقولون إنه ظالم و ليس على الحق، و لا يقدر أن يقابل من قال ذالك أو فعله بسوء. و منها أن من فعل فعلا عظيما يمدح به أو يذم، فإنه يكتب في الكوازيط ليكون معلوما للخاص و العام. فإن كان حسنا مدحوه به لينشط و يرغب في مثله، و إن كان قبيحا ذموه عليه ليرتدع عن مثله. و منها أن من كان مظلوما من أحد بمظلمة، كتبها في هذه الورقات ليطلع عليها كل الناس، فتعرف قصة المظلوم و الظالم من غير زيادة و لا نقص، حتى تصل لمحل الحكم و ينظر فيها بما تقتضيه شرائعهم.

و منها أن من أراد إشهار سلعته مثلا، فيكتبها في الكازيطة و يمدحها و يذكر محله و ثمنها رغبة في النفاد، أو أراد أن يبيع دارا أو عقارا، أشهر ذالك في الكوازيط ليعلمه الناس. و بالجملة، فالكوازيط عندهم من أهم المهمات، حتى أن أحدهم قد يصبر على الأكل و الشرب و لا يصبر على النظر في الكازيطة.

____________

(1) تخليص، ص. 104؛ 138L`or ,p .

(2) استقى الصفار معلوماته من رفاعة الطهطاوي الذي كان حاضرا في الديار الفرنسية عند بداية اندلاع ثورة 1830، فخصص لها حيزا كبيرا من كتابه، انظر:

تخليص، ص. 201- 224، 263- 237.L`or ,pp

193

و لأهل باريز حرص تام على التكسب رجالهم و نسائهم لا يتقاعدون و لا يكاسلون، و النساء مثل الرجال في ذالك أو أكثر (1). و لا تجد أحدا منهم خاليا عن شغل، و إن كان عندهم من أنواع البطالات و الفرجات العجب العجاب. لاكن ذالك لا يلهيهم عن أشغالهم، فيعطون لكل وقت ما يستحقه. و تلك الفرجات تعينهم على أشغالهم لما فيه من استراحة النفس ليعودوا لها بنشاط. و لا يرضى أحد منهم أن يكون فقيرا، فإن الموت عندهم أهون من الفقر، و صاحبه حقير دليل كما قيل:

ذريني للغنى أسعى فإني‏* * * رأيت الناس شرهم الفقير

و أحقرهم و أهونهم عليه‏* * * و إن كانا له نسب و خير

يباعده القريب و تزدريه‏* * * حليلته و ينهره الصغير

و تلقى ذا الغنا و له جلال‏* * * يكاد فؤاد صاحبه يطير (2)

و قد قيل: الفقر رأس كل بلاء و داعية إلى مقت الناس، و هو مع ذالك مسلبة للمروءة مذهبة للحياء، و متى نزل بالرجل الفقر لم يجد بدا من ترك الحياء. و قد قيل: من حفظ دينه حفظ الأكرمين، عرضه و دينه. و قال الشاعر:

لا تلمني إذا اقتنيت الأواقي‏* * * فالأواقي لماء وجهي أواقي‏

و قال لقمان‏ (3) لابنه: «يا بني أكلت الحنظل و دقت الصبر، فلم أر شيئا أمر من‏

____________

(1) انظر الفصل الحادي عشر الذي خصصه الطهطاوي من رحلته لهذا الجانب تحت عنوان «في كسب مدينة باريس و مهارتها»، تخليص، ص. 149- 153؛ 175- 173.L`or ,pp

(2) قارن بين هذه الأبيات و ما نظمه شاعر تازة ابن شجاع، و قد أوردها ابن خلدون في المقدمة، انظر:

Muqaddimah 3: 964.

(3) من الأسماء المعروفة قبل الإسلام، و قد اشتهر لقمان بحكمه البليغة المنتشرة في الأوساط العربية و الإسلامية،SEI ,s .v ."Lukman "

194

الفقر، فإذا افتقرت فلا تحدث به الناس كي لا ينتقصونك، و لاكن سل الله». و كان بعض الناس يقول: «صاحب المال عند الناس أعذب من الماء و أرفع من السماء و أحلى من الشهد و أذكى من الورد. خطأه صواب و سيئاته حسنات، و قوله مقبول يرفع مجلسه و لا يمل حديثه. و المفلس عندهم أكذب من لمعان السراب و أثقل من الرصاص، لا يسلم عليه إذا قدم و لا يسئل عنه إذا غاب، مصافحته تنقض الوضوء و قراءته تقطع الصلاة».

و قال بعضهم: «نظرت إلى ما يذل العزيز و يكسره، فلم أر شيئا أذل له و لا أكسر من الفاقة». و قال الشاعر:

و كل مقل حين يبدوا لحاجة* * * إلى كل من يلقا من الناس مدنبا

و كان بنوا عمي يقولون مرحبا* * * فلما رأوني معدما مات مرحبا

و قال آخر:

جروح الليالي ما لهن طبيب‏* * * و عيش الفتى بالفقر ليس يطيب‏

و حسبك أن المرء في حال فقره‏* * * تحمقه الأقوام و هو لبيب‏

و قال آخر:

لعمرك إن المال قد يجعل الفتى‏* * * سنيا و إن الفقر بالمرء قد يزدر

و ما رفع النفس الدنية كالغنى‏* * * و لا وضع النفس الشريفة كالفقر

و قال بعض الحكماء: «الحركة بركة و التواني هلكة و الكسل شؤم، و كلب طائف خير من أسد نائم». و قيل: «من العجز و التواني تنتج الفاقة».

195

قال الشاعر:

فإن التواني أنكح العجز بنته‏* * * و ساق إليها حين زوجها مهرا

فراشا وطيا ثم قال لها اتكي‏* * * فإنكما لا بد أن تلدا الفقرا

و أغلب تكسب هاؤلاء القوم التجارات و الصنائع. و لهم من التجارات أمور خارجة عن البيع و الشراء. منها ما يسمى بالبنكة: و هي أن يودع الرجل قدرا من المال عند من هو متصد لذالك، و يدفع له المودع عنده ربحه في كل سنة قدرا معلوما عندهم، فإذا أراد رب المال أخذ رأس ماله أخذه. و هي على ضربين: بنكة الدولة و بنكة التجار. و فائدة بنكة التجار أكثر من فائدة بنكة السلطان، لاكن بنكة السلطان أوثق و ءامن، لأن الدولة دائما موجودة لا تفلس، بخلاف التجار فقد يفلسون‏ (1).

و منها جمعية تسمى بما معناه الشركاء في الضمانة، و هي المعروفة بالسكوروا (2).

و ذالك بأن تلتزم لمن يدفع لها قدرا معينا من المال كل سنة، أنه إذا تلف له بيته أو حانوته أو ما فيهما بحادثة قهرية كالحرق و الهدم و نحو ذالك، أو غرق له مركب في‏

____________

(1) حين يتحدث الصفار عن بنكة الدولة أو بنكة السلطان، فهو يقصد بذلك «بنك فرنسا المركزي»، أي‏(Banque de France) . و انطلاقا مما هو ساري المفعول في المغرب، فإن الصفار لم يفرق بين الثروة الخاصة لملوك فرنسا و خزينة الدولة. و على الرغم من أن مؤسسة «بنك فرنسا» قد أوكلت إليها الحكومة الفرنسية مسؤولية السهر على الشؤون المالية، فقد كانت ملكيتها خاصة و لم تكن تخضع إلا لمراقبة حكومية طفيفة. انظر:Pinkeny ,Decisive Years ,p .71 ؛ و عن مصطلح «دولة»» dawla «، انظر:

H. A. R. Gib," The Evolution of Government in Early Islam", in Studies on the civilization of Islam, ed. S. Shaw and W. Polk( Boston, 2691 ), p. 64 note 1.

أما عن أفكار الطهطاوي التي تأثر بها الصفار في هذا الصدد، فانظر:

تخليص، ص. 149، 173- 174.L`or ,pp

(2) المقصود منها شركات التأمين، و قد استفاد الصفار في هذا الجانب من كتابات الطهطاوي. تخليص، ص. 149- 150؛ 174.L`or ,p

196

البحر أو أصابته جائحة، فإنها تغرم له كل ما ضاع له، و تعيد له داره أو حانوته كما كانت. و منها جمعية تسمى الكنبية (1): و هي أن الجماعة من التجار أو غيرهم، يجتمعون و يخرج كل واحد ما استطاع من المال، و يشتركون في استخراج المعادن و تصويب الطرق و بناء القناطر و عمل القوارب و الفلائك في الأنهار و الأودية. على أن يقيموا كل ذالك بما يحتاج إليه، و ما حصل فيه من المستفاد يقتسمونه على حسب رءوس أموالهم، و يدفعون لبيت المال شيئا معلوما ليمكنهم من ذالك. لأن كل هذه الأمور كلها لبيت المال، بعد أن يحدّ لهم في ذالك حدا معلوما. و من قوانينهم، أن الإنسان لا يشرع في التجارة إذا أرادها، إلا إذا دفع لبيت المال قدرا معلوما، و يعطونه نيشانا (2) علامة على الإذن له في ذالك.

و علم التجارة عندهم من جملة العلوم التي تدرّس و تدوّن و لها مكاتب و مدارس.

و للنساء مهارة في التجارة كالرجال أو أكثر، فغالب من يعمر الحوانيت النساء. و من حرصهم على التكسب، أنك لا تجد عندهم فقيرا قادرا على الشغل يسئل الناس و يمنعونه من ذالك، و يرون أن إعطاء القادر على الشغل فيه إعانة على الكسل و عدم التكسب.

و أهل باريز موصوفون بذكاء العقل وحدة الذهن و دقة النظر (3)، و لا يقنعون في‏

____________

(1) يريد أن يقول كبانية، و يقابلها في الفرنسية(compagnie) . و كل المعلومات التي ساقها الصفار للحديث عن شركة المحاصة، مستمدة من رفاعة الطهطاوي. أما عن الدور الذي قامت به شركات المحاصة في تصنيع فرنسا، فيمكن الرجوع إلى كتاب:Pinkney ,Decisive Years ,pp .63 -93 .

(2) النيشان، هي الرسائل التي كان يحررها الكتاب العاملون في بلاط الإمبراطورية العثمانية، فيضع السلطان خاتمه عليها بعد موافقته على مضمونها. انظر التامكروتي،En -nafhat ,p .26

(المعرب): و استعمل المغاربة هذه الكلمة في القرن التاسع عشر للحديث عن الأوسمة التشريفية المعروفة في الفرنسية بالميداليات هكذا:(me ?dailles) و الكلمة أصلها من الفارسية و تعني العلامة، و قد دخلت التركية و تطلق على العلامة التي تنصب بقصد التدريب على الرماية. كما تطلق الكلمة على الشارة و الشعار. و ما يقصده الصفار هنا بالنيشان هو الرخصة المعروفة في الفرنسية بليسانس هكذا:(licence) . انظر أحمد سليمان، تأصيل ما ورد في تاريخ الجبرتي من الدخيل (القاهرة، 1979)، ص. 190.

(3) اعتمد الصفار في هذه النقطة على الفصل الثاني الذي وضع له الطهطاوي العنوان التالي: «في الكلام على أهل باريس و صفاتهم»، تخليص، ص. 75- 91؛. 131- 118.L`or ,pp

197

معرفة الأشياء بالتقليد، بل يبحثون عن أصل الشي‏ء و يستدلون عليه و يقبلون فيه و يردون. و من اعتنائهم بذالك، أنهم كلهم يعرفون القراءة و الكتابة، و يدونون في الكتب كل شي‏ء. حتى الصنائع فلا بد أن يكون الصانع يعرف الكتابة و القراءة ليتقن صنعته، و يجب أن يبتدع في صنعته شيئا لم يسبق به. و لأنه إن فعل زادت مرتبته و علت حظوته عند دولتهم، و يعطونه على ذالك و يمدحونه و يذكرونه بما استنبط، ترغيبا منهم في الترقي في الأمور. فيكون كل شي‏ء دائما في الزيادة، فذالك يحملهم على تدقيق النظر و إمعان التأمل، و استكشاف دقائق الخفيات في سائر تصرفاتهم. و لهم مدارس و مكاتب، حتى في علوم الطبخ و الغرس و البناء و الزراعة و معالجة النباتات و إنتاج الحيوانات و غير ذالك. فكل ما يسمعونه أو يرونه أو يستنبطونه أو يبلغ إليهم علمه، يدونونه في الدواوين و يحفظونه على مر الأيام.

و من طبعهم الخفة و الطيش، فتجدهم إذا اجتمعوا في موضع لا يقر لهم قرار، و لا تراهم إلا بعضهم يموج في بعض. و لا يجلسون إلا في حالة الأكل، و بعد الفراغ منه يقومون. و الجلوس عندهم عيب و لا يجلس إلا النساء، و لو أدى إلى وقوفه طول اليل إن كان اجتماعهم لفرجة أو رقص. و إذا أراد أحدهم الجلوس و الاستراحة، فيذهب لبيت آخر خاليا من الناس، إلا إن قصد مثل قصده. و ما رأينا رجالهم يجلسون في ليالي الفرجة إلا في التياتروا حين اللعب، فإذا قضيت اللعبة قاموا.

و تجدهم في أزقتهم و طرقهم و محال تماشيهم إذا لم يكن لم شغل، كل واحد يأخذ بيد صاحبه أو صاحبته و يجعلون يتماشون ذاهبين راجعين جادين في المشي كأنهم يريدون حاجة، و ما مقصودهم إلا الحديث و الاستراحة. و ربما فعل ذالك الواحد وحده، و يقولون إن في ذالك عونا لهم على التفكر و استخراج خبايا العقل و استنباط الأمور و التدبيرات، و قد جرب ذالك فصحّ.

و من طبعهم أنهم يحبون من كان خفيف الحركة طلق الوجه مبدي البشاشة، كثير الكلام بالمباسطة أو السؤال عما يبغى السؤال عنه، أو البحث في العلوم أو نحو ذلك من الأخبار بالمغربات، و التحدث عن أحوال البلدان و عوائد أهلها. و يميلون كل الميل إلى من هذه صفته و تحصل لهم به ألفة، و إن لم تسبق بينهم و بينه معرفة، و إن كان كلامهم معه بواسطة ترجمان مثلا، و يستثقلون من يكون بضد ذالك، و تنفر منه طباعهم و يبعدون منه.

و من طبعهم الحدة و الشرارة و الأنفة، فتراهم يتداعون للبراز على أدنى كلمة

198

يلقيها أحدهم للآخر من سب أو قذف مثلا. و لا يسع المدعو له إلا أن يجيب، و إلا بقي يعاير بالجبن و الذلة طول عمره. و يتشارطون في البراز كيف يكون، و بأي سلاح يقاتلون و كيفية المحاربة و محلها، و غير ذالك من الأمور المتعلقة بذالك، و لا يتعرض لهم في ذالك حاكم و لا غيره. و لهم حظ وافر في الأدب الدنيوي و الظرافة و الرقة و الحضارة، و يراعون الأدب في مخاطبتهم و كلامهم، فلا تكاد تسمع منّهم السّاقط في الكلام، و لا يتعرضون للغريب من دينهم أو من المسلمين بسوء. و لا ينادي عليه صبيانهم و لا يوذونهم كما يسمع على غيرهم من بعض أجناس النصارى، و ذالك من جملة ما يتعلمونه و يقرءونه و يدونونه في الكتب، لتكون لهم بذالك المزية على غيرهم. و قد اختصوا من بين أجناس سائر النصارى بالأدب و الحضارة و المروءة الدنيوية، حتى أن كبراء الأجناس يرسلون أولادهم لباريز لتعلم آداب الفرنسيس و تربيتهم، و اختصت باريز بذالك لأنها دار ملكهم و أحضر بلادهم.

و من أوصافهم أنهم أصحاب جد في بيعهم و شرائهم و سائر معاملاتهم و تصرفاتهم، فلا تجد فيهم غشا كما هو في اليهود، و لا ترى فيهم خروجا عن الطريق، و ليسوا فجارا إلا في دينهم. و لهم اعتناء تام بالنظافة الظاهرة في بيوتهم و أزقتهم و حوانيتهم و أبدانهم و ملابسهم، فلا ترى على أحد منهم ثوبا و سخا و لا ملطخا بقذر، و لا يكون في الغالب إلا جديدا. و في حاراتهم و أسواقهم أقوام جالسون على كراسيهم، و بيدهم أمشاط من الشعر يمشطون بها الملف و النعال. فمن رءا في ثوبه تغييرا أو في نعله غبار و نحوه، وقف عند واحد منهم فيمشط له ثوبه و يمسح نعله حتى يرجع له لمعان كأنه جديد، و يعطيه أجرته على ذالك.

و لا يغفلون يوما واحدا على نفض فرشهم التي ينامون عليها، و بعد يومين أو ثلاثة يبدلون بطانتها و ظهارتها بأخرى نظيفة. و كذلك الفوط التي تجعل على حجر الآكلين، لا تكون دائما إلا نظيفة. و إذا أصابها شي‏ء من الإدام أو الطعام أو مسح بها اليد، لا يأتيك بها مرة أخرى حتى تغسل و تنظف. و لا ترى في طرقهم من الكناسة و الزبل أصلا، و كل يوم تكنس و ترش بالماء إن لم يكن المطر. إلا أن أعيب ما يعاب فيها أنهم يبولون في أصول الحيطان، و الماء المضاف بالبول يجري على وجه الأرض، لاكن يشفع في ذالك سعة الطريق حتى يبقى ذالك في ناحية لا يضر بالماشين. و لا ترى أبواب حوانيتهم و دورهم و شبابيك طيقانهم و فناراتهم التى توقد في الأسواق و الحوانيت إلا ممسوحة نظيفة تشرق و تلمع كأنها اليوم وضعت.

199

و لنسائها نصيب من الجمال و البياض و خصب البدن. و سواد العين و الحاجبين معدوم عندهم، و النادر لا حكم له. فلذالك يزين نساءهم لبس السواد و يواتيهن أكثر من غيره من الألوان، و يحسن أن ينشد هنا في ذالك:

رأيتك في السواد فقلت بدر* * * بدا في ظلمة اليل البهيم‏

و ألقيت السواد فقلت شمس‏* * * محت بشعاعها ضوء النجوم‏

و مما يحكى أنه قدم تاجر إلى المدينة يحمل من خمر العراق، فباع الجميع إلا السود، فرفع قضيته تلك إلى الدارمي‏ (1). و كان الدارمي قد نسك و تعبد فعمل بيتين، فأمر من يغني بهما في المدينة، و هما:

قل للمليحة في الخمار الأسود* * * ماذا أردت بزاهد متعبد

قد كان شمر للصلوة إزاره‏* * * حتى قعدت له بباب المسجد

فشاع الخبر في المدينة أن الدارمي قد رجع عن زهده و تعشق صاحبة الخمار الأسود، فلم تبق بالمدينة مليحة إلا اشترت لها خمارا أسود. فلما أنفذ التاجر ما كان معه من الخمر السود، رجع الدارمي إلى تعبده، و عمد إلى ثياب نسكه فلبسها.

و ليس عندهم الغزل و التشبيب و التعشق إلا في النساء، و لا يميلون إلى الغلمان و الأحداث، و ذالك عندهم عيب كبير، و فيه العقوبة و لو كان برضاهما. بخلاف عشق النساء و الخلوة بهن، فإن ذالك إذا كان عن رضى منها لا يتعرض لهما متعرض، و لا يلزم فيه شي‏ء عندهم. لاكن فاعلوه عندهم ساقط المروءة ناقص العرض، و خصوصا الفاعلة، فإنه لا يبالى بها، و يستنكف أهل المروءة من الكلام معها و السلام عليها و لو لغير ذالك القصد، و إن كان ذالك مباحا إذا كان برضى الجميع.

____________

(1) و معناها هنا الرجل الزاهد أو الناسك المتعبد (المعرب).

200

و أما العفيفات منهن، فإن من دخل بيت زوجها و هي هنالك، فإنه لا يعد من الظرفاء و الأدباء إلا إذا أبدأها بالتحية و خاطبها خطاب مباششة و ملاطفة في عفة.

و بذالك ينشط زوجها و يزداد عنده فاعل ذالك رفعة و محبة، و بعدها يحيى الزوج و غيره من الرجال، فمن أراد قضاء حاجته مع الرجل فليقصد المرأة. هذا ما استقرت عليه عادتهم، و بالله التوفيق.

201

الفصل الرابع فصل في عوائدهم في المأكل‏

فصل في عوائدهم في المأكل و بيان أنواع مئاكلهم‏ (1).

اعلم أن من عادة هاؤلاء القوم أنهم لا يعرفون اقتعاد بسيطة الأرض، و لا يجلسون إلا على الشوالي‏ (2)، و لم نر مدة إقامتنا ببلادهم أحدا منهم جالسا على الأرض مباشرة.

و من عادتهم أنهم لا يباشرون الطعام باليد، و لا يجتمعون على ماعون واحد (3).

فإذا حضر وقت الأكل أتى الخدمة بطبلة من الخشب، إن كان القوم قليلين فصغيرة، و إلا فكبيرة، و ينصبون لها أرجلا من الخشب تنزل عليها. و تلك الأرجل تنجبذ من بعضها بعضا و تتداخل، فإن جبذوها من بعضها بعضا فتكبر الطبلة و يزاد في وسطها

____________

(1) يلاحظ أن المعلومات التي أوردها الصفار حول فنون الطبخ و عادات الأكل عند الفرنسيين، أشد طولا و تفصيلا مما في القسم الذي خصصه الطهطاوي للموضوع نفسه. انظر: تخليص، ص. 113- 115؛ و أيضا، 50- 148L`or ,pp .

(2) مفردها شلية من الإسبانية سيليا(silla) ، انظر: 783: 1Dozy .

(3) وصف جاكسن طريقة الأكل عند المغاربة على الشكل التالي: «يقوم المغاربة [...] بغسل أياديهم قبل تناولهم الطعام الذي [...] يأكلونه بأصابعهم: حيث يجلس ستة أفراد حول قصعة كبيرة [...] فيضع كل منهم يده فيها ليحمل لقمة من الطعام و يرسلها نحو فمه بخفة بديعة دون أن تلمس الأصابع الشفتين [...] و لا تجد في ديارهم كراسي أو طاولات، بل يجلسون مربعين أرجلهم على الزرابي أو الحصائر، ثم يتناولون الطعام من القصعة أو الآنية الموضوعة على الأرض. انظر:

Jackson, Account, p. 931

202

ألواح حتى تكون على قدر الأرجل، و إلا فتكون صغيرة بتداخل الأرجل و الاكتفاء بالطبلة الأصلية من غير زيادة. فهي تقبل التصغير و التكبير بحسب الآكلين، فتكون بحيث يجلس عليها أربعة مثلا، ثم تصير بحيث يجلس عليها عشرة و أكثر. ثم يفرشون عليها ثوبا أبيض في غاية النظافة يسترها كلها، ثم ينزلون لكل واحد ماعونا صغيرا فارغا فيه فوطة بيضاء مطوية ليجعلها على حجره، و معه قطعة من الخبز و ملعقة من الفضة و سكين صغيرة و شوكة صغيرة بثلاثة أسنان، و ذالك من الفضة في الغالب.

ثم يصففون على الطبلة أواني الفواكه و الحلاوات، و ربما زادوا مع ذالك صفا آخر من محابق النوار، و يجعلون لكل واحد زجاجة من الماء معها كأسها ليصب فيه من الزجاجة و يشرب. فأما الزجاجة فقد يشركون اثنين في واحدة، و أما الكأس فلا يكون إلا كل واحد بكأسه، و لا يشرب أحد فيما شرب فيه آخر في ذالك المحل.

و يرون أن ذالك أبلغ في النظافة، و إن كان الجالس من قومهم زادوه زجاجة خمر معها كأسها. ثم يصففون أيضا لكل اثنين أو ثلاثة إناء من زجاجتين صغيرتين ملتصقتين، في إحداهما ملح و في الآخر الفلفل الذي نسميه الابزار مسحوقا، و فيه ملعقة لطيفة جدا يؤخذ بها منه لأنهم لا يطبخون أطعمتهم بالملح، و عند الأكل كل واحد يملح على قدر شهوته.

ثم يأتون بطاس من نحاس مموه مثقوب الجوانب إما مستدير و إما مستطيل، عليه مغصة مبسوطة، و في قعر الطاس قطعة من شمع فيوقدونها و يجعلون ذالك الغطاء فوقها و ينزلون عليها مواعين الطعام ليبقى سخنا، فيجعلون واحدا في هذا الجانب و ءاخر في الجانب الآخر. ثم يصففون الشوالي مع جوانب الطبلة. على عدد الجالسين، و يبقى الخدمة يهيئون في هذه الطبلة نحو ساعتين، و ينزلون خارج الطبلة عددا كثيرا من الطباسيل‏ (1) و ما يتبعها من المعاليق و السكاكين و المشاوي.

فإذا وصل الوقت، فيأتي الآكلون و يجلسون على شواليهم، و الخدمة واقفون على رءوسهم، فينزلون لكل واحد طويسة من الزجاج فيها ماء يغسل به يده، و فويطة أخرى يمسح بها يده. ثم يجعل الفويطة الأولى على حجره، و يجعل الملعقة و ما معها

____________

(1) مفردها طبسيل، و هو الإناء المخصص للأكل: بالفرنسية بلاطو هكذا(Plateau) . انظر: 20: 2Dozy (المعرب).

203

عن يمينه. فيأتون أولا بالمرقة المعروفة عندنا بالشربة، و هم يتفننون فيها، تارة، يركبونها من النباتات مع مرق اللحم، و تارة من الدقيق مع نحو فداوش، فيشربها بتلك الملعقة. فإذا فرغ رفع الخادم الطبسيل الذي كانت فيه و الملعقة التى أكلت بها، و يأتيه بطبسيل آخر نظيف. ثم يأتي الخادم بماعون كبير فيه لحم أو سمك أو دجاج أو غير ذالك، بعد أن يقطعه قطعا صغيرة ليسهل تناول البعض منه. و فيه ملعقة يغرف بها منه أو غيرها من الآلات التي يؤخذ بها ذالك الطعام، فيعرضه على الجالسين، فإن اشتهاه أخذ منه أو أمر الخادم أن يغرف له منه، و إلا صرفه عنه قائلا له مرسي‏ (1)، و معناها كثر خيرك، و هذا من آدابهم حتى مع خدامهم.

فإن كان المأخوذ مثل اللحم، فإنه يمسك الشوكة بيده اليسرى و السكين بيده اليمنى، فيغرز الشوكة في اللحم و يقطع بالسكينة و يرفع إلى فمه، و لا يباشر بالمس باليد، فإن ذالك عندهم من القذر. و إن كان فاترا من الملح، فيجد آنيته حذاءه فيجعل فيه من الملح على قدر ما يريد، و كذالك الفلفل إن احتاج إليه. و هو في خلال ذالك يقطع من الخبز بيده، فإن أراد أن يودمها ركزها في الشوكة و ءادمها، و إلا رفعها إلى فيه بيده. و إن كان الطعام يحتاج للزيت و الخل، فلهم أيضا زجاجتان في أحدهما خل و في الأخرى زيت مشتركتان في لوحة ينزلان فيها و تمسك بمخطاف صغير، فإذا وضع الطعام الذي يحتاج لذالك، أتبعه الخادم بالزيت و الخل، فإذا فرغ من أكل ما نصب له، رفع الخادم الطبسيل و ما تنوول به الطعام و أتاه بغيره نظيفا، و هكذا في كل أكلة. و لذالك يعدون ما ذكر من الطباسيل و ما معها، لأنهم يبدلونها في كل طعام حتى لا يأكل ثانيا فيما أكل فيه أولا، و هذا من مبالغتهم في النظافة.

و لهم في الأطعمة ترتيب معلوم، فيقدمون أولا أنواع المطبوخات من لحم و غيره، ثم يتبعونها بأنواع المشويات من دجاج و غيره، ثم يختمون بالفواكه و الحلاوات.

و يبتدءون في كل نوع، بما سهل هضمه و خف على المعدة حمله، فيقدمون السمك و الدجاج على اللحوم و نحو ذالك، و يفصلون بين كل نوع و الذي يليه بفاصل.

و علامة انقضاء المطبوخ و ابتداء المشوي أن يأتوا بينهما بأكواس فيها بيض معقود بسكر و دقيق و حليب يجعلونه في الثلج حتى يصير مثله في البرودة. و علامة نزول الفواكه أن يبدلوا شكل الطباسيل و ما معها، فينزلون طباسيل رقيقة الشكل ظريفة،

____________

(1) بالفرنسية(merci) .

204

و معها سكينة و شوكة مموّهان بالذهب. فإذا فرغوا من أكل الجميع، أتاهم الخدمة بماء مطبوخ فيه ما تزال به نكهة الطعام كالسعتر و نحوه، فيغسلون أيديهم و يمضمضون، ثم يمسح يده و يقومون.

و إن كانوا في دار أحد منهم، فلا يقومون حتى تقوم ربة المنزل أولا، و لا يجلسون في الابتداء حتى تجلس. فإذا قاموا فيذهبون لمحل آخر، لأن محل الأكل غير محل الجلوس، محافظة على نظافة محل الجلوس. فيتبعهم الخدمة بالقهوة فيشربونها، و يأخذون في الحديث شيئا ما إن لم يكن لهم ما يحبسهم و يذهب كل واحد لشأنه.

و مقدار مكثهم على الطبلة نحو ساعتين، لأن من عادتهم إطالة الحديث حال الأكل، ليبالغوا في الأكل. و قد قالت العرب: «من تمام الضيافة، الطلاقة عند أول وهلة و إطالة الحديث عند المواكلة». و كنا نكره مجي‏ء وقت الأكل لطول الجلوس، و لا نفهم كلامهم، مع أن كثيرا من أطعمتهم لا توافقنا، فكنا نعيا و نمل لطول المكث و الجلوس. هذا ما يتعلق بكيفية الأكل.

و أما أطعمتهم فعمدتها اللحم و السمك و الدجاج، و الدجاج الكبير المعروف عندنا بدجاج الهند (1)، و لحوم الصيد و الإوز. ثم الأرز و الفداويش و كويرات يصنعونها من الدقيق قلبها هاش و يقلونها كالسفنج الصغير. و الجلبانة الخضراء و لا تنقطع عندهم لأنهم يعالجون زرعها في البيوت بالنار كما تقدم، و كذالك الفول الأخضر يوجد عندهم دائما. و كذالك السلق و اللوبيا و يطبخونها بالحليب و الكرافس نيئا و مطبوخا، و اللفت و يطبخونها وحدها و لا يجعلونها مع اللحم كما نفعله نحن.

و لفتهم كثير الحلاوة، حتى أن بعض الناس لا يقدر على أكلها لشدة حلاوتها. و لهم أنواع من العقيد (2)، منه ما هو من البيض و السكر و الدقيق و الحليب، و منها ما هو من القهوة و منها غير ذالك. و من خضراواتهم الخرشرف أضلاعه و كوبه، و يطبخون كلا على حدته. و كذالك نوع من الكرنب و يطبخونه وحده بلا ملح، و حين يوضع للأكل يملح و يجعل عليه الخل و الزيت.

و من خضراواتهم أيضا البطاطة الرومية و قل أن يخطيها طعام، يستعملونها

____________

(1) الديك الرومي.

(2) نوع من الحلويات الذي يحضر بالدقيق و البيض و الحليب و السكر (المعرب).