رحلة الصفار إلي فرنسا

- محمد بن عبد الله الصفار المزيد...
324 /
205

وحدها و مع غيرها. و منها الترفاس‏ (1) و هو عندهم أسود، و الغالب أنهم يضيفون له في طبخه شيئا من الرّب و يحشون به بطن دجاجة الهند، و لها عندهم كذالك ثمن غزير، أخبرني بعضهم أنها تباع كذالك باثني عشر ريالا، و انظر كم تبلغ هذا الثمن.

و منها الفقاع الذي ينبت عندنا وحده و لهم به اعتناء كبير، يجعلونه وحده أو مع غيره. و لهم طبيخ من التفاح بالسكر. و من خضراواتهم النيئة: الكرافس و النبات المعروف عندنا بكروينش و الخس و فجل صغير جدا و حبات الزيتون أخضر، و لا تخطيهما مائدة (2).

و كل هذا من أنواع الشلايظ (3)، لاكن لا يركّبونه. و يحضرون أيضا بصيلات صغارا منقعات في الخل مع فلفلة خضراء، و أما البصل الكبير فلا اعتناء لهم به و هو قليل عندهم.

و لحومهم البقر و الغنم، و الكل قد بلغ غاية الغاية من السمن خصوصا العجول.

و لهم على تسمينها باعث مخصوص، و هو أن لهم موسما بكل عام يسمونه الكرنوال‏ (4)، و هو عيد ثلاثة أيام يلعبون فيه و يشوهون أنفسهم بأن يتزوا بزي فيه‏

____________

(1) ينمو الترفاس في المغرب بطريقة طبيعية في المناطق الغابوية في الشمال، و كذا في جبال الأطلس المتوسط و منطقة سوس. و أشار جاكسون إلى ارتفاع الطلب عليه كلما حلت أوقات نضجه، و أنه قد «يباع بثمن أعلى من ثمن العنب، أو غيره من بقية الفواكه و الخضر» انظر:

Account, p. 67; Dozy 1: 541.

(2) الفقاع، و الكرافس، و كروينش و غيرها، أسماء من العامية المغربية للخضروات و ما إليها من النباتات الصالحة للاقتيات انظر:

H. P. J. Renaud et G. S. Colin, Tuhfat al- Ahbab: Glossaire de la matie? re me? dicale marocaine( Paris, 4391 ), passim.

(3) لفظة ربما أصلها إسباني: أنسلادا(ensalada) ، أو من الفرنسية: سلاد(salade) ، و التي دخلت إلى العامية المغربية، و بالمفرد شلاظة، و هي السلطة بالعربية الفصيحة (المعرب).

(4) يقصد الكرنفال‏(carnaval) ، و أصلها من اللاتينية كارن‏(carn) أي لحم و لفار(Lavare) أي فعل رفع. و يتعلق الأمر هنا بمهرجان احتفالي يسود فيه اللهو و ينعقد قبل حلول فترة الصوم الكبير(care ?me) ، و يرتدي خلاله الباريزيون من مختلف الطبقات الاجتماعية ملابسهم الخاصة بالكرنفال و يمرون عبر الشوارع صاخبين منتشين بما شربوه من الخمور. غير أن الصفار لم يشاهد* * *

206

تشويه، و لهم وجوه مصنوعة بقصد ذالك ييعونها بعينين كبيرين أو فم أعوج أو نحو ذالك. و من جملة ما يصنعون في هذا العيد، أنهم يدورون في البلد بأسمن فحل من فحولها في موكب عظيم مدة ثلاثة أيام، ثم يذبحونه و يعطون لصاحبه نصيبا من المال في مقابلة تسمينه له حتى يسمن سائر الناس عجولهم، و يقول كل واحد إن عجله هو الذي يكون أسمن، و به يفعل ذالك فيتنافسون في تسمينها لأجل ذالك، و لا يوجد عندهم الهزيل أصلا، و الغالب عندهم في ذالك الشي.

و أما السمك فإنهم يتفننون في طبخه تفننا عجيبا، منه ما يطبخونه في الماء و عند أكله يصب عليه الخل و الزيت و يدر عليه الملح. و منه ما ينزع شوكه و يعجن في بعضه بعضا و يجعل أقراص و يشوى أو يطبخ. و يأكلون أيضا حيتانا تكون صغيرة و كبيرة، من خاصيتها أنها تكون في الماء خضراء فإذا ألقيت في الماء الحار صارت حمراء (1). و يعتنون بها كثيرا في مئاكلهم و لا تخطيهم في الغالب، و السمك من حيث هو لا يكون طعام بدونه أصلا. و لا يتفننون في الأطعمة بالتلون في طبخها، و إن كان عندهم من ذالك شي‏ء فيفعلونه كل وقت. و بالجملة فطعامهم كله لا لذة له، و إن ملّحه و فلفله. لكن ما لا يستغنى عنه ليس منه بد، و للضرورة ما يسد.

و فواكههم و حلاويهم حسنة لذيذة المذاق. فمن فواكههم التي كانوا يحضرونها لنا التفاح و الإنجاص‏ (2)، و يوجد عندهم في زمن الشتاء على الدوام. و هما في غاية من الصفاء سالمان من الأفات. و اللشين و هو في بلادهم قليل، و لاكن يجلب إليهم من محل آخر. و العنب في غالب الاوقات و لم يكن ينقطع عندهم أيضا وقتئذ، إلا أنه ليس كثيرا مثل التفاح و الإنجاص، إنما يحضرون منه عنقودا أو عنقودين، و يأكلون‏

____________

* * * الكرنفال، و يحتمل أن يكون قد اكتفى بقراءة ما كتب عنه الطهطاوي، أو أنه سمع كلاما في موضوعه من بعض الفرنسيين المرافقين. قارن مع ما جاء في الموضوع في تخليص، ص. 123، و أيضا،. 159.L`or ,p

(1) و يتعلق الأمر ببعض أصناف السمك المعروفة بالقشريات: و منها سرطان البحر المعروف بالهومار(homard) و الكركند المعروف باللانكوست‏(langouste) و الذي يسمى أيضا جراد البحر، و أيضا الإربيان المعروف بالكروفيت‏(crevette) . و تحتوي جميعها على مادة ملونة في قشراتها، و حينما توضع فوق النار عند طبخها تتحول من اللون الأزرق إلى الأحمر.

(2) و هي التسمية الدارجة التي يطلقها المغاربة على فاكهة الإجاص (المعرب).

207

التفاح و الإنجاص أخضران، و يطبخونهما و يفندونهما بالسكر. و من الفواكه المدخرة عندهم: المشماش يرقدونه في السكر، و منها البرقوق و الخوخ و التين الخضراء مفندة أيضا بالسكر، و يحضرون أيضا اليابسة. و منها الليمون الصغير و الأرنج بالتفنيد أيضا.

و من فواكههم أيضا اللوز، و يزول قشره بالفرك باليد من غير دق، و البندق و القسطال و هو عندهم كثير، و الجوز و الزبيب. و التمر عندهم قليلا جدا لأنه إنما يأتيهم مجلوبا من محله، فهو غريب عندهم.

و من حلاواتهم ما يعرف عندنا ببشكتوا (1)، و يتفننون فيه كثيرا، و ربما يضيفون له اللوز و السمسم، و ربما جعلوا في وسطه بياض البيض بالسكر، و ربما دهنوه بماء اللشين إلى غير ذالك من التفننات و هو عندهم حسن. و منها اللوز المفند و هو حسن، و منها الشكلاط (2) و هو معروف يطبخونه على الكيفية المعروفة، و قد يجعلون منه أقراصا يابسة و غير ذالك. و يصنعون حلواء من اللوز مع عسل السكر، و يجعلونها على شكل قبة أو برج أو صورة قرن كبير. و يعتنون باللوز المر في حلاواتهم كثيرا. و كل عسولهم من السكر، و أما عسل النحل فهو عندهم قليل جدا لا يوجد إلا لنحو التداوي، لأنه يجلب لهم من غير بلادهم، و بلادهم لا يكون فيها لكثرة البرد.

و حلاواتهم كثيرة و يحتفلون لها و يجعلون لها كواغيد مزوقة ملونة بصنائع بديعة، و ذالك مما يشهيها للنظر فيكون باعثا على شرائها، و ذالك مما يتعيّش به مقلاتهم.

و أشربتهم في الوقت الذي كنا فيه عندهم الخمر ممزوجا بالماء، و لا يشربونه صرفا كما أنهم لا يشربون الماء صرفا في الغالب لاستغنائهم عنه بالخمر، و يسيغون في خلال الأكل بالخمر. و كانوا يحضرون منه أنواعا، و لاكن غالبها نوعان: أحدها

____________

(1) يبدو من كلام محمد الصفار أن البشكيتو كان معروفا عند مغاربة القرن التاسع عشر. و سبق للغساني أن قدم تعريفا له في كتابه افتكاك، ص. 87، على الشكل التالي: «و هو خبز معجون بالسكر و صفرة البيض». و ربما كانت لفظة بشكيتو تحريفا للتسمية الإسبانية:(bizcocho) ، كما جاء ذلك عند البستاني. أما الصفار، فقد استعمل تلك التسمية للحديث عن مختلف أنواع الحلويات بوجه عام. (المعرب)، و في اتفاقية 1856 التجارية التي أبرمها المغرب مع بريطانيا العظمى وردت الإشارة إلى مادة البسكوي في النص العربي للاتفاقية لكن تحت تسمية أخرى غريبة و هي البجماط، و لا يعرف أصلها.

(2) ورد ذكره أيضا عند الغساني، افتكاك، ص. 87.

208

الخمر المعروف، و الآخر خمر يسمونه الشنيالية (1)، إذا صبت في الكأس علتها كشكشة كبيرة ثم تنزل و تصفوا، و هي عندهم أرفع من مطلق الخمر. و لا يكثرون من الشرب حتى يثملوا أو يتمايلوا، فإن ذالك عندهم معيب و فاعله لا يعد من أهل المروءة (2).

و هاؤلاء القوم لا يكترثون بادخار القوت، و لا يوجد فى بيوتهم إلا حين الأكل حتى بيوت أكابرهم و أهل الثروة منهم. و لا يعجنون الخبز في ديارهم كما عندنا، و كل ذالك في الأسواق. فإذا كان أول النهار، دفع رب الدار لخادمه الدراهم، فيذهب و يشتري كل ما يحتاجون إليه في ذالك اليوم من خبز و لحم و دجاج و سمك و خضر و غير ذالك.

و الدجاج يباع عندهم ميتا منتوف الريش و لا يذبحونه، و كذالك سائر صيدهم من أرانب و طير و غيره. كله ميتة لا يذبحون شيئا منه، و يرون أن في خنقه بقاء قوته‏ (3). فيأتي الخادم بالنفقة للدار، فيطبخ منها ما يطبخ و يشوي ما يشوى، و يعالج كل نوع بما يستحقه. و هذه عادتهم كل يوم، فلا يتكلف أحد منهم بشراء زروع و لا طحنه و لا ادخاره‏ (4). و على أرباب الأسواق إقامتها بما يكفي المدينة، حتى لا يفقد منها شي‏ء طول السنة.

و مما يستحسن عندهم، أنك لا تجد شيئا عندهم بالازدحام عليه، فهذه المدينة على كبرها و امتلائها، لا تفقد فيها شيئا من الأطعمة، و لا تراه بالزحام أصلا، حتى تظن أنه لا يشتري أحد شيئا من ذالك، لكثرة ما ترى منه في الحوانيت و الأسواق.

____________

(1) أراد الصفار أن يقول خمرة الشامبانيا المشهورة:(champagne) .

(2) وردت الملاحظة نفسها عند الغساني، افتكاك، ص. 37.

(3) و في ذلك مخالفة تامة للشريعة الإسلامية التي لا تحل على المسلمين أكل لحوم الحيوانات غير المذبوحة. و تدخل الحيوانات التي تخنق عوضا عن ذبحها في عداد «الميتة»، انظر:SEI ,s .v .. "maita "

(4) من عادة المغاربة تخزين بعض أصناف المواد الغذائية، إذ يستغلون الفرق الحاصل في أثمانها حسب الفصول. فيشترون كميات كبيرة من القمح في موسم الحصاد، و يطحن جزء منه فيصبح دقيقا، ثم يحول إلى كسكس أو إلى سميد، و يوضع الكل في أكياس تخزن في مواضع معينة من البيت، و تكون صالحة للاستهلاك طوال فصول السنة.

209

لاكن لا يفسد لهم شي‏ء من ذالك، و تبقى اللحم عندهم أياما لا تتغير و لا تفسد.

و ينجر الكلام على ما خلص إلينا علمه مما يذبح من اللحم بهذه المدينة؛ رأيت في كازيطة من كوازيطهم أنه ذبح في شهر يناير، و كان فيه عيد لهم هو رأس عامهم:

فمن الثيران سبعة آلاف و مايتان و ثمانية و أربعون، و من إناث البقر ألف واحد و ثمانماية و تسعة و ثلاثون. و من العجول سبعة آلاف و مايتان و ثمانية و عشرون، و من الغنم أحد و أربعون ألفا و ثمانماية و تسعة عشر. و ليس في هذا الشهر زيادة كثيرة على الذي قبله، إنما زاد عليه لأجل العيد. فمن البقر أربعماية واحدا و ستين، و من العجول مايتين و تسعة و ثمانين، و من الغنم ماية و ثمانية و ثمانين، انتهى.

كما ينجر الكلام إلى ما خلص إلينا من بعض أسعارهم، بعد أن تعلم أن سكتهم الريال و هو معلوم، الذي رواجه عندنا في هذا الحين بست عشرة أوقية، و الفرنك و هو خمسه، و الصلدي و هو الذي عشرون منه في الفرنك، و هو فلوسهم‏ (1).

فسعر الخبز الجيد أربعة صلدي للرطل، و لا يباع بالعدد كما عندنا بل بالوزن، و الذي دونه بصلديين. و رطل اللحم بخمسة عشر صلديا، و لا فرق بين البقر و الغنم إلا العجول فإنها بثمانية عشر، و الدجاجة الصغيرة بريال، و دجاجة الهند بثمانية فرنك، و الإوز واحدة بنصف ريال. و الزبد يختلف بالجودة و الطراوة و ضدها، فهو من عشرين صلديا إلى أربعين، و البيض اثنان منه بصلدي، و الأرنب بريال للواحدة، و رطل السكر بفرنك واحد، و القهوة بفرنكين، و الشكلاط بنصف ريال، و رطل الأتاي من اثني عشر فرنكا إلى خمسة عشر. و ليس عندهم الأتاي الجيد بل و لا المتوسط، إنما أتايهم حشيش يابس لا مذاق فيه للأتاي المعروف، و لو لا الحليب ما كان يشرب و لا اعتناء لهم به‏ (2). و ثمن الثور حيا من ماية و عشرين فرنكا فأكثر. و الثور الذي لا

____________

(1) انظر ما أوضحناه بخصوص هذه النقطة في الهامش 28 في الصفحات السابقة من هذا الكتاب.

(2) كان دخول الشاي إلى المغرب في القرن الثامن عشر، و انحصر استهلاكه في بداية الأمر على الأوساط المخزنية. و كان غالبا ما يحشر مع مختلف الهدايا المبعوثة من ملوك الدول الأوربية بواسطة سفرائهم إلى سلاطين المغرب. أما في زمن محمد الصفار، فقد اتسع نطاق استهلاك مادة الشاي، حتى بلغ جل أطراف الصحراء و واحاتها. انظر:

J.- L. Mie? ge," Origine et de? vloppement de la consommation du the? au Maroc", Bulletin e? conomique et social du Maroc, 02, 17( 6591 ): 773- 893;

210

أسمن منه الذي هو مثل ما تقدم ذكره، أعني الذي يطوفون به في عيد الكرنوال، يباع حتى بثلاثة آلاف فرنك. و قالوا إن مثل هذا يزن نحو أربعة و عشرين قنطارا.

و زيت الزيتون الحلو الجيد بفرنكين للرطل، و غيره بخمسة عشر صلديا. و رطل الشمع بخمسة و ثلاثين صلديا، و شمعهم من شحوم البقر و قد يكون من شحم الحوت، و هو في غاية البياض، و لاكن الأول هو الغالب. و أما شمع النحل فهو عديم الوجود عندهم، و يوقدون الشمع أكثر من الزيت. و لاكن شمعهم قليل الضوء، فالشمعة الواحدة من شمعنا تضي‏ء كما تضي‏ء ثلاثة أو أربعة من شمعهم. و الحطب عندهم يباع بالوزن لا بالأحمال و لا بالقت، و ثمن القنطار منه نحو ثلاثة فرنك.

هذا ما بلغنا من ذالك، و بالله التوفيق.

____________

* * * و أيضا، معلمة المغرب، ج 1، مادة، «أتاي»، ص. 105- 108. و هذا بالإضافة إلى الدراسة الأخيرة التي أنجزها الباحثان عبد الأحد السبتي و عبد الرحمان لخصاصي في الموضوع، و عنوانها: من الشاي إلى الأتاي، العادة و التاريخ، منشورات كلية الآداب بالرباط، سلسلة بحوث و دراسات رقم 25، 1999.

211

الفصل الخامس فصل في ذكر مكثنا في هذه المدينة

فصل في ذكر مكثنا في هذه المدينة و مدة إقامتنا بها و ما رأيناه فيها، و ملاقات سلطانهم، و غير ذالك مما يتعلق به.

قد أسلفنا أن دخولنا لها كان يوم الأحد الثامن و العشرين من ذي الحجة، و كان خروجنا منها يوم الاثنين تاسع عشر صفر (1)، فكانت مدة إقامتنا بها خمسين يوما.

و مع قلة مدة إقامتنا بها، فما كنا نخرج من المحل الذي كنا نازلين به إلا في بعض الأوقات حين يدعوننا له، و يعزمون علينا في الذهاب لموضع من مواضعهم أو لضيافة أو فرجة أو نحو ذالك. فكان خروجنا قليلا، و كان في ذالك حفظ لحرمتنا و بقاء أبهتنا و طلاوتنا. فكنا و الحمد لله في أعينهم عظاما، ينظرون إلينا دائما بعين الاحترام و التعظيم، و لو كنا مبتذلين نكثر في الدخول و الخروج لكنا بخلاف ذالك.

كما قال أزدشير (2) لابنه، لا تمكن الناس من نفسك، فإن أجرأ الناس على الأسد أكثرهم له معاينة.

____________

(1) وصل أعضاء البعثة المغربية إلى باريز يوم الأحد 28 دجنبر 1845، و غادروها يوم الاثنين 16 فبراير 1846.

(2) يزدجرد الأول‏(Ardachir ler) ، هو مؤسس الدولة الساسانية الجديدة في بلاد فارس قبل مجي‏ء الإسلام، و كانت وفاته في سنة 242 ميلادية. ترك أقوالا بليغة في أدبيات التربية الأميرية، تداولتها الألسن و انتقلت مضامينها إلى الأدب العربي، و من ثم أصبح «يذكر اسمه، كلما تعلق الأمر بالحديث عن كلمة حكيمة أو عن سلوك واع في الميدان السياسي و العسكري»، انظر:* * *

212

و قال الشاعر:

كما يخلق الثوب الجديد ابتذاله‏* * * كذا تخلق المرء العيون اللوامح‏

و أيضا فلا نهتدي للذهاب لموضع وحدنا لعدم معرفتنا البلد و اللسان، فلم نكن نخرج إلا بقائد و سائق، فلنا عذر في عدم استقصاء أخبار هذه المدينة و أخبار أهلها.

و لما دخلنا هذه المدينة، أنزلونا بدار كانوا أعدوها لنا بالمحل المعروف عندهم بالشمزليزي المتقدم ذكره، و معنى هذه الكلمة عندهم رياض الجنة. و هو من منتزهاتهم و محال فرجاتهم و تماشيهم، و به أشجار حسنة الشكل و الترتيب و التصفيف، و أحد جانبيه متصل بالنهر، و ابتداؤه من رياض السلطان و انتهاؤه إلى قوس عال لهم هناك كان بناه بونابرط (1). فطوله ما يزيد على أربعة ستة آلاف خطوة (2)، و مع طول مسافته فإنك إذا وقفت في ابتدائه ترى انتهاءه قبالة عينك في غاية من الاستقامة و الاستواء. فاختاروا لنا هذه الدار في هذا المحل، لأنه من أشرف محالهم. و إذا كان يوم مشمش خصوصا إذا كان يوم الأحد فإنه يوم بطالتهم، فلا يبقى أحد في المدينة إلا جاء لهذا الموضع يتماشى فيه و يستريح مع من يليق به من رفقائه، إما في الأكداش و إما على رجله. و كثير منهم يأتي إليه في الكدش، فإذا وصله نزل و ترك الكدش ينتظره، و ذهب يتماشى على رجليه حتى يقضي غرضه و يركب، و يرى فيه وقتئذ من بنات الروم ما يلهي و يدهي.

و لما دخلنا لهذه الدار ألفيناهم قد هيئوها لنا بأحسن ما عندهم، قد قصروها علينا لا يدخلها إلا نحن و خدمنا، و ليست بوصاضة (3) كسائر ديار النزول لمطلق الناس.

____________

* * *

C. E. Bosworth," The Persian Impact on Arabic Literature", in A. F. L. beeston et al., eds., Arabic Literature to the End of the Umayyad Period( Cambridge, 3891 ), p. 884; EI 2, s. v." Ardashir".

(1) انطلقت أشغال بناء قوس النصر المعروف تحت اسم أرك دو تريومف:(Arc de Triomphe) في باريز، على عهد نابليون سنة 1806، و انتهت في 1836.

(2) و تعادل الخطوة مترا واحدا تقريبا.

(3) انظر الهامش رقم 2 في الصفحات السابقة من هذا الكتاب.

213

و جعلوا بها من الفرش الرفيعة و المواكن‏ (1) النفيسة و الثريات المضيئة و الخدم المطيعة، ما ينبئ عن عظيم منزلتنا عندهم. و أجروا علينا سائر ما نحتاج إليه من مأكول و غيره، حتى الأكداش هيئوها لنا بالخصوص لنركب فيها إذا خرجنا، متى احتجناها كانت حاضرة. و كانوا ينفقون علينا كل يوم في الأكل و غيره، نحو مائتي ريال‏ (2).

و جعلوا لنا من الخدمة نحو عشرين، كل له شغل خاص. و انتخبوا لرئيسنا بيتا هو أرفعها و أنفسها أثاثا، و جعلوا لنا بيتا للاجتماع. و لكل اثنين أو ثلاثة بيت للنوم و الاستراحة، كل واحد بفراشه و ما يحتاج إليه. و في كل بيت من هذه البيوت، سائر ما يحتاج إليه من آلات الكتابة و أواني الماء و كراسي الجلوس.

فمكثنا يوم الدخول، و من الغد بعث لنا سلطانهم لنأتيه في عاشرة النهار، فتهيأنا لملاقاته. فلما كان من الغد بعث لنا قائد مشوره‏ (3) و معه جلنار (4) آخر. و بعث إلينا بأربعة اكداش، فقدم أكبرها يجره عشرة من الخيل ليركب فيه رئيسنا، موشى بالحرير و الديباج من ظاهره و باطنه. ثم آخر يليه يجره ثمانية من الخيل لبعض الخواص، ثم الثالث ثم الرابع على اختلاف مراتب أصحابنا. لاكن الجميع في أحسن ما يكون، و لها مشعرة بالتعظيم و رفع المنزلة، فركب كل واحد منا كدشه و سرنا.

____________

(1) انظر الهامش رقم 5 في الصفحات السابقة من هذا الكتاب.

(2) أو ما يعادل ألف فرنك، و هو مبلغ كبير. و ذكر بوميي‏(Beaumier) في رسالة له، أن تكاليف وجبات الغذاء كانت تصل لوحدها إلى حوالي ستمائة فرنك في اليوم الواحدAAE /ADM /Voyage .، من بوميي إلى أصدقائه، دون تاريخ.

(3) انظر الدراسة، الهامش قم 101. نقلت الأخبار المتعلقة بتفاصيل الاستقبال الملكي لأعضاء البعثة عبر رسالة وجهها أشعاش إلى أخيه في تطوان، فأبلغها هذا الأخير إلى البلاط السلطاني، انظر:

(الملحق رقم 2)، رسالة عبد القادر أشعاش إلى أخيه عبد الله 1 محرم 1262/ 30 دجنبر 1845، و هي محفوظة بمديرية الوثائق الملكية تحت رقم 17579. و كتبت تلك الرسالة بخط محمد الصفار، كما أنها تحكي تفاصيل الاستقبال في قصر الملك الفرنسي أسلوب مشابه لمثيله الوارد في الرحلة، مما قد يوحي بأن الصفار و أشعاش قد اشتغلا معا في تحرير أجزاء معينة على الأقل من الرحلة.

(4) ضابط عسكري من رتبة عالية، و ترد هكذا «جلنار» أيضا في المراسلات المخزنية خلال القرن التاسع عشر (المعرب).

214

و سمعوا بنا فامتلأت الطرق و الشوارع لرؤيتنا، حتى بلغنا إلى دار السلطان.

فخصنا بالدخول على قوس لا يدخل منه إلا هو و أهله إكراما لنا. فخرجنا منه إلى رحبة واسعة، فألفينا فيها من العسكر صفوفا بعضها خلف بعض على عادتهم في الاصطفاف، يجعلون صفا خلف صف، و يقف الواحد من الصف الثاني بين الاثنين من الصف الأول، متسلحين بمكاحلهم متزيين بأحسن زيهم، و على كل جملة منهم كبير بيده سيف مسلول بارز أمام جماعته. و بمجرد وصولنا تكلمت الموسيقى فنزلنا، فدخلنا الدار فأتونا بيسير من الطعام.

ثم استدعونا للصعود في الدرج فصعدنا، فإذا هو قصر من القصور المشيدة ذو بناء عجيب و تزويق غريب و قباب مشيدة و فرش ممهدة. و التماثيل البديعة و الأواني الرفيعة و المرائي الصافية و الزخارف البادية، قصر من قصور الملوك دون شرط و لا ثنيا، و إن كل ذالك لما متاع الحيوة الدنيا.؟ و لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم، زهرة الحيوة الدنيا، لنفتنهم فيه؟ (1). ثم أخذنا في الدخول من صالة (2) إلى صالة حتى انتهينا إلى الصالة التي بها السلطان، و هي أعظم زخرفة و أكمل بهجة مما قبلها.

فألفيناه قاعدا على كرسي مملكته، و حوله عظماء دولته، و الكرسي له ثلاثة أدرج يدور به ضربوز، كل ذالك مموّه بالذهب و عليه ستور من الحرير لاكن غير مسدولة، تتدلى منه مجاديل و هدب من الذهب‏ (3). و كسوة السلطان مثل كسوة غيره من العظماء الواقفين حوله، لم يتميز عنهم بشي‏ء، و عليه سيفه و برنيطته‏ (4) على رأسه. و أما من حوله فهم كاشفوا رءوسهم، إذ لا يقفون أمام عظمائهم إلا كذالك.

و من عادتهم في اللقاء، أن ينتخب الوافد كلاما و يزوّره‏ (5)، و يكتبه في ورقة

____________

(1) سورة طه، الآية 131، و تضيف الآية: (وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏).

(2) انظر الهامش رقم 32 في الصفحات السابقة من هذا الكتاب.

(3) سبق لابن خلدون أن أشار إلى أن من علامات الملك، وجود كرسي للعرش يشترط أن يكون بارزا، حتى يصبح رمزا ناطقا عن سمو شخص السلطان و تفوقه على الآخرين. 53: 2Muqaddimah

(4) البرنيطة، من الإيطالية بيريطة(berretta) ، أو من الإسبانية بيريتة(birreta) . و تعني في العامية المغربية، كل أصناف القبعات التي يضعها الأوربيون فوق رؤوسهم، على اختلاف أنواعها: 80: 1Dozy

(5) و كأن الصفار يريد القول إن مضمون الرسالة التي قرأها أشعاش على مسامع الملك الفرنسي و حاشيته مجرد كلام ملفق لإخفاء مظاهر كاذبة. و يوجد نصها العربي في: 136- 135/ 4AAE /MDM

215

يسرده عند ملاقات السلطان، و يجيبه السلطان أيضا بمثل ذالك. فهيأ رئيسنا كلاما و كتبه في ورقة، و لما واجهه أخرج ورقته و سردها بالعربية، مضمنها بعد الحمد و الثناء مدح أمير المسلمين‏ (1) نصره الله و ذكره بالخير، إذ بعثه إلى هذا السلطان، و ذكره أيضا بما يليق به مما فيه مداراته، و ذكر جنسه و رعيته بما فيه لهم مدح من الأمور الدنيوية و الآداب و الحضرية، و ذكر ما وصل إليه من إحسانه و الفرح به منذ حل في بلاده و دخل في ولايته. و كل ذالك من المدارات الواجبة في مثل ذالك المقام، و دارهم ما دمت في دارهم الخ، و لله در من قال:

و من لم يصانع في أمور كثيرة* * * يضرس بأنياب و يوطا بمنسم‏

و قال آخر:

سالم إذا أنت لم تستطع محاربة* * * و اغلب إذا أنت لم تقدر على الغلب‏

و الق العدو بوجه باسم‏* * * حتى إذا انقلبت دنياه فانقلب‏

و قال آخر:

فلله در امرئ عارف‏* * * يجاري الزمان على فطنته‏

يجازي الصديق بإحسانه‏* * * و يبقي العدو إلى مدته‏

و يلبس للدهر ثوب الرضى‏* * * و يشطح للقرد في دولته‏

و قال آخر:

و إذا عجزت عن العدو فداره‏* * * و امزح له إن المزاح وفاق‏

____________

(1) و هو من الألقاب التي كان يحملها سلاطين المغرب. قارن بين ما كتبه الغساني عند لقائه بالملك الإسباني كارلوس الثاني‏(Carlos II) . انظر افتكاك، ص. 42- 44.

216

فالنار للماء الذي هو ضدها* * * تعطي النضاج و طبعها الإحراق‏

فلا لوم في ذالك و لا عتاب. و في الحديث: «إنا لنكثر في وجوه قوم قلوبنا تلعنهم».

و بعد فراغه من سردها فسرها الترجمان، ثم أخرج السلطان من جيبه ورقة أيضا جوابا لذالك، مضمنها أنه يحمد الله على ما تجدد من المهادنة و المحبة و المودة بينه و بين سلطان المغرب، و أنه لا يصدر منه مع دولة مراكش و المغرب إلا ما يجري على مقتضى ذالك. و سردها بعجميته، ثم فسرها الترجمان بالعربية. ثم ناوله كتاب أميرنا نصر الله، فقبضه قبض تعظيم، ثم انصرفنا من عنده فلقينا بناته و زوجته و قريباته متأدبين معنا، و لا طفنا بأطيب كلام، ثم رجعنا.

و بعد وصولنا لمحلنا، قدمت علينا من عنده بطاقات يطلب منا أن نشرفه بالقدوم إليه ليلا لنتعشى عنده. فلما كان الليل ذهبنا إليه، فدخلنا تلك الصالات فألفيناها قد أوقد فيها الشموع في ثريات عظيمة من البلور يخطف شعاعها البصر. و في جوانب الصالات و صدرها مراءي كبير عظيمة أكثر من قامة الإنسان، تنطبع فيها تلك الثريات بشموعها و سائر ما في البيت، فيخيل للناظر أنها صالات أخر فيها مثل ذالك، و ذالك لشدة صفاء المرءات. فألفيناه قد أحضر جميع وزرائه و عظماء دولته و نسائه و بناته و سائر أولاده و نساء أولاده، فكان الجميع نحوا من سبعين نفسا.

فأدخلنا لصالة الأكل، فألفينا فيها طبلة كبيرة تسع العدد المذكور، و هي مستطيلة بحيث لا يستثبت من يكون في طرفها من هو في الطرف الآخر. قد صفف عليها أواني الفواكه و الحلاوات، و في وسطها صفان متقابلان من حسك الشموع، كل حسكة بأفواه عديدة ستة أو سبعة. و بين الصفين صف آخر من أواني النوار و الأزهار. و كل حسكة منزلة في طبلة مذهبة، و فوق الطبلة على طول الصالة ثريات من البلار تضي‏ء بالشموع، و في جوانبها ثريات صغار بالشموع أيضا، فكان جملة ما يوقد في تلك الصالة من الشموع ثلاثمائة و ثلاثين. و كل ما يدور على تلك الطبلة من الأواني فهو من الذهب و الفضة. و كل الجالسين عليها لابسون الذهب على ثيابهم و سيوفهم، فكان في ذالك منظر رائق و جمال فائق من شعاع الشموع و لمعان الأواني و لباس الجالسين و صفاء المراءي و الثريات. و ما على النساء من فاخر الدرر

217

و نفيس الأحجار و برق خدود الجواري يكاد يسلب فؤاد الحواري. و أحضر مع ذالك فاخر الأطعمة و لذيذ الفواكه و طيب الحلاوي ما يباح و يستحسن.

حتى إذا فرغنا قمنا و قام معنا هو و جميع من حضر، و خرجنا لصالة أخرى، و بقينا وقوفا لا يجلس منا أحد كما هي عادتهم إلا النساء. و جعل سلطانهم يتحدث مع كل واحد منا، و يباسطه بما تيسر من الكلام، و يسأله عن أحواله و يؤنسه بطيب الكلام. و كذلك تفعل زوجته و هي عجوز في الغبرين، و لاكن عليها من الأحجار و الجواهر و اليامنض ما لا يوجد مثله إلا هنالك، و كذالك تفعل بناتها و سائر من معها. و ليس تحدث النساء مع الرجال عندهم عيبا و لا مخلا بالمروءة، بل ذالك هو المطلوب عندهم لاكن مع عفة و صيانة و عدم حماية حول الحمى، بل بنحو ظريفة أو أديبة أو تستحيي أو نحو ذالك، أو بالسؤال عن أولادها و عن أسمائهم و نحو ذالك.

فبقينا معهم نحو ساعة بعد العشاء ثم انصرفنا.

و من الغد و بعده، لم يبق باشدور (1) في باريز من باشدورات الأجناس الذين هنالك إلا جاء لعند باشدورنا يسلم عليه و يحييه، و تابع السلطان و وزراؤه في ضيافتنا و إكرامنا.

و في يوم الخميس بعد ملاقاته بيومين، دخل عامهم و هو عام 1846 من ميلاد عيسى (عليه السلام)، و هو أول يوم من يناير عندهم، و وافق يوم العشرين من شهر دجنبير بحسابنا، فهم يتقدموننا بأحد عشر يوما في كل شهر عجمي. و سبب ذالك حسب ما أخبر به بعضهم، أن الشمس أسرع في الحركة من أيام العام بدقائق، فبقوا غافلين عن تلك الدقائق مدة من الزمان، إلى ما قبل هذا الحين بنحو ستمائة سنة، رصد حبر من أحبارهم فألفى هذا العدد من الأيام قد توفر من تلك الدقائق. فلما كان اليوم الأول من يناير بالحساب القديم، ألفوه قد تقدم بأحد عشر يوما توفرت من‏

____________

(1) من الإسبانية أمباخادور(Embajador) . صنفها بروفنسال‏

( Le? vi- Provenc? al, Les histoiriens, )) p. 28, note 26

ضمن «الكلمات الجديدة» الموجودة عند الزياني أواخر القرن الثامن عشر في كتابه الترجمانة الكبرى، غير أن الكلمة كانت تستعمل في القرن السابع عشر، و نجدها عند الغساني هكذا: الأنباشادور، افتكاك، ص. 40.

218

تلك الدقائق، فمضوا على هذا الحساب إلى الآن‏ (1).

و كان من عادتهم أنه في هذا اليوم الذي هو أول يوم من العام، لا يبقى كبير في مدينة باريز من أهلها أو من غير أهلها إلا جاء لعند السلطان لأنه عيد من أعيادهم، فلم يكن لنا بد من الذهاب إليه. فسرنا إليه في وقت العصر، فألفينا فيها من الكبراء و الباشدورات ما لا يحصى، كلهم مزينون بأحسن زينتهم يفخر بعضهم على بعض.

و ممن رافقنا هنالك من المسلمين سبعة من أهل مصر، منهم اثنان حفيدا محمد بن علي باشا مصر، و اثنان ولدا ربيبه إبراهيم باشا، و ءاخر من خواص محمد بن علي اسمه سامي باشا، و اثنان من خدامهما. و معهم هنالك غيرهم جملتهم نحو ستين، أرسلهم محمد بن علي لهنالك لتعلم العلوم التي لا توجد إلا عند هاؤلاء القوم‏ (2).

و كان على هاؤلاء المصريين من اللباس ما ليس على النصارى، عليهم غلائل لا يرى‏

____________

(1) إن التقويم الشمسي الذي يتبعه المغاربة لأسباب فلاحية، هو في أصله التقويم نفسه المعروف قديما عند الرومان بتقويم جوليان‏(Calendrier de Julien) . غير أنه لم يكن دقيقا بما فيه الكفاية، فصحح سنة 1582 على يد البابا كريكوري الثالث عشر(Gre ?goire XIII) و كان التقويم الكريكوري الجديد المتقدم بأحد عشر يوما عن مثيله القديم، غير معروف في المغرب. و إذا كان أساس الشروح التي قدمها الصفار في الباب صحيحا، و يحتمل أن يكون مصدره هو أحد المترجمين للبعثة، فإن تفاصيله غير دقيقة، انظر:

S. B. Burnaby, Elements of the Jewish and Muhammadan Calendars( London, 1091 ), pp. 215- 515.

(2) محمد علي باشا، حاكم مصر ما بين 1805 و 1848. كان أميا إلى حين بلوغه سن السابعة و الأربعين، فتولد لديه اعتقاد راسخ و ولع كبير بالتعليم، و أرسل بعثات لدراسة مختلف العلوم الحديثة في فرنسا. و كان رفاعة الطهطاوي ضمن عناصر البعثة الأولى الموجهة سنة 1826. و في سنة 1844، وصلت إلى باريز مجموعة إضافية تكونت من ثلاثين طالبا، كان من بينهم أربعة أمراء: اثنان منهم ابنان لمحمد علي، هما حليم و حسين. و اثنان من أحفاده، و هما ابنان لولده البكر إبراهيم (الذي أشار إليه الصفار خطأ على أنه كان ربيبا لمحمد علي)، و هما أحمد و إسماعيل الذي أصبح خديويا لمصر فيما بعد. و كانا معا مصحوبين بالأرميني ستيفان باي المشرف على تربيتهما.

أما سامي باشا الذي أشار إليه الصفار أيضا، فلم نتمكن من معرفة هويته، انظر:

Louca, Voyageurs et e? crivains, pp. 57- 38.

219

ثوبها من أجل ما نسج فوق الثوب من طرازات الذهب مسلكة بالأحجار و الجواهر، و أقفالها كلها جوهر و عليهم حزم مثقلة بالذهب يجرون أسيابا لا توصف حليتها، فكانوا أحسن زيا و أجمل منظرا من النصارى بكثير. هناك أيضا باشدور من عند السلطان العثماني‏ (1).

فلما اجتمعنا في صالة من صيلانهم خرج علينا سلطانهم، فوقف أولا مع الباشدور المبعوث من عند كبير رومة التي هي أصل دياناتهم و بها باباههم الكبير (2) الذي ينقادون له في أمور دينهم، و يزعمون أنه خليفة عيسى (عليه السلام). فتكلم أولا باشدور رومة المذكور بكلام في ورقة كما هي عادتهم حسبما تقدم، معناه بالعربية:

هذا عام مبارك جئنا نفرح بسلامتك و سلامة أناسك، و حمدنا الله الذي جعلك في هذا المحل و قواك على حمل ثقل ما أوليته من المرتبة العالية. فمن يوم وليت في كرسي فرانسا و أنت ساع في الخير. ردعت خيل الشر ورددتها بلجامها، إذ كان بعضها يريد أن يغير على بعض، و أنت برشادك و عقلك رددتهم إخوة و مشيتهم على الطريق المستقيم. و لم يتول سلطان إلا بإذن الله، و نحن ننظر في خدمتك أنها بهداية الله و قدرته التي تحفظنا. فنطلب الله أن يديمك في هذا المقام، و أن يبقيك دائما دمان لهذا الشقف‏ (3) تسيره بحسن سياستك. و الله يبارك لك فيمن ازداد عند أولادك في هذا العام من الحفائد، بقدر ما تتفرع جدراتك يتفرع الخير، و الله يحفظنا و يحفظك.

فأجابه السلطان بقوله: الله يجعل فيكم البركة و يجازيكم خيرا على هذا الدعاء الذي تدعون لي به و تحبون لي الخير، و هذا هو الظن بكم و بالأجناس الذين أنتم مراسيل من عندهم. و شكركم الذي تشكروني إنما هو لله، لأنه هو الذي جعلني في هذا المحل و ألهمني لهذه الخدمة، و هداني لهذه السيرة و أقدرني على ما أفعله فيها.

و نحن معشر السلاطين علينا كلفة يسألنا الله عنها، و نحن رعيان و لا بد نحفظ الغنم التي نرعاها. فما دمت في طريق الخير، فادعوا لي بدوام المملكة، و سعيي كله إنما هو في الحرص على الأخوة بين عباد الله. و ما عندي جنس أفضل من آخر، بل نريد أن تكون المحبة الخالصة بيننا و بينهم جميعا على السواء، و الله يسلمكم على مباركتكم‏

____________

(1) أورد الصفار هذا الخبر في هامش الصفحة 93 من مخطوط الرحلة.

(2) و يعني بها البابا،(Le Pape) .

(3) دمان، و معناه مقود، 462: 1Dozy . و يقصد الصفار بعبارة دمان الشقف، قائد السفينة أو المركب.

220

لي فيمن ازداد عندنا، الله بجعل سلالتي لا تتبع إلا طريق الهدى، و الله يوفقنا و إياكم للخير، انتهى.

ثم أخذ يسلم على كل واحد وحده، حتى أتى على جميع من كان حاضرا هنالك، ثم انصرفنا.

و في يوم الثلاثاء سابع المحرم، استدعانا الوزير الموكل بالبرّاني و اسمه كيزوا للضيافة ليلا (1)، فسرنا إليه، فأدخلنا دارا فسار بنا إلى قبة حسنة المنظر بديعة الشكل مبهجة مرونقة، قد علق في وسطها ثريا كبيرة من البلار. و قد احتف بها روض من النوار و الأزهار منقول في الصناديق و الأواني، مركب بأحسن تركيب. لا ترى أوانيه إنما يرى النور وحده، و تظن أن ذاك منبته. و في أركان القبة من كل جوانبها سواري منقوشة مذهبة، على كل سارية ثريا صغيرة، كل ذالك يوقد بالشموع. و قد نصب فيها كثير من الشوالي و الكراسي، و بداخلها قبة أخرى مشتملة على آلات الموسيقى، و هي كمنجات طوال قدر قامة الإنسان‏ (2) و ربابات و غير ذالك من موسيقاهم‏ (3). و من عادتهم أن غناءهم إنما يقولونه من الكواغيد (4)، فينصبون‏

____________

(1) و يوافق يوم 6 يناير 1846. كيزو (1787- 1874)(F .P .G .Guizot) ، وزير الخارجية الفرنسي وقتئذ.

و جاء في جريدة جورنال دي ديباJournal des de ?bats بتاريخ 8 يناير 1846 حول تلك الأمسية ما يلي: «أقام وزير الخارجية الفرنسي حفل عشاء كبير على شرف بن أشعاش [...] و بعد تناول وجبة العشاء [...] قدم حوالي ثلاثمائة من طلبة المعهد الموسيقي و فنانين آخرين من الجمعية الموسيقية، قطعا لمعزوفات كل من كلوك‏(Gluck) و بتهوفن‏(Beethoven) ، و فبير(Weber) ، و روسيني‏(Rossini) ، و هانديل‏(Handel) ، بدرجة نادرة من الإتقان. و بدا السفير مسرورا جدا بروعة حفل الاستقبال».

(2) مفردها كمنجة. أصلها فارسي عربت و معناها آلة قوسية. الصبيحي، معجم، ص. 138، 230، و هي المعروفة بآلة الكمان‏(Violon) . غير أن الصفار يقصد الإشارة هنا إلى أكبر أصناف آلات الكمان التي تتجاوز في حجمها آلة الفيولونسيل، إذ يكون العازف عليها واقفا و تسمى بbasse) (viollon ، (المعرب).

(3)

H. G. Farmer, A History of Arabian Music to the XIII the Century( London, 9291 ), p. 012.

(4) أي ورقة السولفيج‏(solfe ?ge) التي تكتب فيها النغمات و النوتات الموسيقية (المعرب).

221

كراسي أمامهم و يجعلون عليها أوراقا فيها ذالك الغناء، كل واحد أمامه كتابه.

فبعد أن فرغنا من عشائنا، و حضر معنا فيه بعض من عرضه صاحب الدار، خرجنا من بيت الأكل و دخلنا القبة المذكورة. فجعل الناس يدخلون أفواجا رجالا و نساء، و مناد واقف بالباب، كلما دخل شخص نادى عليه فلان جاء، فيأتي الواحد منهم بامرأته أو بنته، أو تأتي المرأة وحدها حتى امتلأت القبة. و لا يجلس إلا النساء، و كلهن مزينات بأحسن زينتهن لابسات أفخر ثيابهن على اختلاف ألوانها أبيض و أحمر و أزرق. و حد الستر في لباسهن الثديان فهما مستوران، و ما فوقهما من الصدر و الظهر و الرقبة و العضد مكشوف بادي. و يسترن بعض العضد إلى نصف الساعد بأكمام ضيقة على قدر العضد، و قد لا يبلغ المرفق. و يحتزمن على الخصر تحت ذالك الثوب بحزام ضيق لرقة خصورهن، قيل إنهن يربينه كذالك من سن الصغر بقالب معد له. فخصرها قد يمكن أن تحلق عليه بأصابعك لرقته و نحافته، و يجعلن الثوب الذي على الخصر ضيقا على قدره، حتى يكون ذالك الخصر باديا ظاهرا في رقته و لطافته. و يرخين الثوب فيما أسفل من ذالك حتى يعظم به المردف، و لعله بشي‏ء يجعلنه تحته، فتصير كما قال الشاعر:

أسيلات أبدان رقاق خصورها* * * و ثيرات ما التفت عليه المئازر

و تسدل ذالك الثوب حتى يستر بنانها، فلا يظهر من أسفلها شي‏ء بالكلية، فإذا أقبلت عليك تشتهي أن تمسكها من ذالك الخصر:

قد رق لي خصره المضني فناسبني‏* * * فقلت خير الأمور الأنسب الوسط

و قد خفا الردف عني من تثاقله‏* * * فقلت هذا على ضعفي هو الشطط

و أما شعرها فإنها تعمد إليه أولا فتسرحه تسريحا جيدا، ثم تقسمه من مقدم رأسها قسمين حتى تترك ساقية بيضاء بينهما، ثم تظفره في بعضه بعضا، ثم تلوي تلك الظفيرة على مؤخر رأسها بصنعة بديعة، فتكون دائرة مستقيمة تشبه في الشكل فم الرمانة إلا أنها أوسع منه. ثم تركز في وسط الدائرة مشطة من الصدف أو ما

222

يشبهه مرصعة بأحجار اليامنض، و ربما تلوي مع تلك الذؤابة حبلا من الجوهر و قد تجعل حبلا من الجواهر و الأحجار دائرا مع جملة الرأس. و بعضهن يجعلن على رءوسهن خمارا رقيقا من الحرير قد علقت بأطرافه أحجار و جواهر، و هذا إنما تفعله العجايز. و أما الشواب فيتركن رأسهن مكشوفا في أحسن منظر، أو بإحكام تسريح الشعر و عطفه على جانبي الناصية، تبقى الجبهة كأنها القمر، و تجعل على جانبي رأسها وردتين مصنوعتين معهما شي‏ء من النور و تلصق ذالك مع الشعر.

و يجعلن في عنقهن قلادة من فاخر الدرر النفيس الصافي المحكم الاستدارة، ثمن الحبة الواحدة منه نحو ستين ريالا. و تجعل على صدرها صفيحة مرصعة بالأحجار النفيسة، و تجعل في يديها سوارا من ذهب مرصع بالأحجار مع خيوط من الجوهر. و غالب أحجارهم اليامنض الفاخر النفيس الصافي الذي يخطف شعاعه الأبصار. و لا يستعملون من الجوهر رديّه، و إنما يستعملون اللؤلؤ الصافي المدور. و هذه اللبسة إنما هي عندهن في مثل هذا الموضع حيث يجتمعن للفرجة، و أما في الأزقة و الطرقات، فإنها تستر جميع بدنها حتى كفيها تجعل لهما غلافين، و إنما تترك مكشوفا وجهها فقط.

ثم بعد أن اجتمعوا في القبة المذكورة، حضر أصحاب الآلات و الموسيقي، فتصدر صف من البنات لابسات ثيابا بيضا جالسات على شواليهن بيد كل واحدة كتابها، و جلس خلفهم الرجال بيد كل واحد آلته، فأخذوا بالطرب و الغنا بلغاتهم.

و يتقدمهم شيخ كبير بيده قضيب يشير لهم به إلى إخفاء الصوت و إجهاره. و يضربون في آلاتهم قليلا ثم يسكتون، و يجعلون ينظرون في تلك الأوراق التي أمامهم، ثم يعودون لها و هكذا. و الحاصل آلاتهم و غناؤهم لا يطربنا و لا يهزنا، فبقينا معهم هنيّة ثم انصرفنا عنهم و تركناهم:

في مجلس ضحكت أرجاؤه طربا* * * لأنه ببديع الزهر مفروش‏

يقولون هذه أم عمر قريبة* * * دنت بك أرض نحوها و سماء

ألا إنما قرب الحبيب و بعده‏* * * إذا هو لم يوصل إليه سواء

و من الغد حضّوا علينا في الحضور بتياتروهم، و لم نكن رأينا قبل ذالك و لا

223

عرفناه و تقدم وصفه و وصف لعبه بما فيه كفاية. و أجلسونا في محل الخصوص، فبقينا نحو ساعتين ثم انصرفنا.

و في يوم الجمعة عاشر محرم، أضافنا وزير وزرائهم، و هو شيخ كبير السن و اسمه صلت‏ (1)، و لم يكن عنده غناء و لا طرب إلا موسيقى أصحاب البواقات و الأطبال من عادتهم أن يستعملوها حالة الأكل لتزداد شهوتهم في الطعام، و كانت خارج محل الأكل. ثم تتابعت علينا الضيافات من وزرائهم، و لم نكن نذهب إلا لعند من يكون من ناحية السلطان و أهل الدولة.

و في يوم الأربعاء خامس عشر الشهر، استدعانا السلطان لليلة الرقص يعملها كل عام في داره في ذالك الوقت. فذهبنا إليه، فإذا تلك القصور كلها قد امتلأت ببنات الروم البارعات في الحسن و الجمال، متجردات الأجياد و النحور، رقاق الخصور، ثقال الأرداف، عراض الصدر، يخجلن بحسنهن الشموس و البدور. عليهن من الحلي و الحلل ما لا يصفه واصف و لا يضبطه عارف، قد شمرن عن أذرع كأنهن البرق الخاطف، يبهرن العقول بلماهن المعسول، و رشاقة القدود و حمرة الخدود، و تثني الغصون و تليين المعاطف. و معهن أضعافهن من الرجال لاكن النساء معتزلات على حدة، بعضهن جالسات و بعضهن وقوف. و لم يحضر هناك إلا بنت من و زوجة من و من، كنساء السلطان و أقاربه، و سائر وزرائه و عظماء دولته و خواص مملكته، و ليس فيهن فاجرات و لا عاهرت.

و بعد اجتماع الناس تكلمت الموسيقى و أخذوا في الرقص رجالا و نساء، فيأخذ الرجل بيد المرأة و يجعلان يرقصان رقصا عجيبا و يمسكها من أيديها و هو يرقص معها.

____________

(1) الجمعة 9 يناير 1846 موافق 11 محرم و ليس 10 كما ذكر الصفار. انظر:

J. Mayr and B. Spuler, Wچ‏stenfeld- Mahler? sche Vergleichungs Tabellen( Wiesbaden, 1691 ), p. 72.

أما سولت، فهو نيكولا جان دو ديو سولت‏(Nicolas Jean de Dieu Soult) الذي شغل منصب وزير للحربية، و كان رئيسا لمجلس الحكومة، كما ارتقى إلى مرتبة مارشال فرنسا:Mare ?chal de) (France ، و هو بطل للثورة و الحروب النابليونية. كان يبلغ من العمر خلال سنة 1846 سبعا و سبعين سنة. انظر:

Dictionnaire d`histoire de France Perrin, ed., 1891, s. v." Soult",

224

و من أبلغ أنواع الرقص عندهم، أن يمسكها الرجل من خصرها، فيجعل ذراعه على خصرها و يضمها لعنده بلطافة بحيث لا يعصرها، و يجعل يرقص معها. و رقصهم إنما هو بالدوران و الإشارة بالقدمين، و يرقص النساء وحدهن و الرجال وحدهم. و تارة يمسك رجلان امرأة و يرقصان معها، و ليس ذالك عندهم عيبا و لا مخلا بالمروءة، فترقص المرأة بحضور زوجها مع غيره. و إذا ترادف عليها الرجال بحيث يطلقها هذا و يمسكها هذا رغبة منهم في الرقص معها، فتنشط لذالك و تفرح له و تعظم في نفسها لكون رقصها معجبا. و قد رأيت السلطان بنفسه واقفا و أولاده و نساء أولاده و بناته يرقصون مع بعضهم بعضا و مع غيرهم، و هو يفرح لذالك و يضحك‏ (1).

و الحاصل هذا عندهم من الفرح الكبير و الزهو العجيب، الذي لا يأتي إلا مرة أو مرتين في السنة. و يبقون يرقصون ساعة، فتسكت الموسيقى و يفترون للاستراحة ثم يعودون، و هكذا إلى آخر اليل. و من أحب من الحاضرين أن يستريح، خرج إلى بيت آخر معد عندهم للاستراحة فيجلس فيه، و أما في محل الفرجة فلا يجلس إلا النساء. و من أراد الشراب أو التفكه بالفواكه أو الحلاوي، خرج إلى بيت آخر فيه سائر ذالك و معه خدمة يناولون من أراده طول اليل. حتى إذا فرغوا من الرقص و استقصوا فيه مجهودهم أمسكوا عنه، فنصبت موائد الأطعمة و الطبلات، بل كانت تهيأ من أول اليل في موضع على حدته. و ليس هذا الطعام إلا للنساء، فاعتزل النساء كلهن على حدتهن في بيوت، ثم حشدن لموضع الطعام و جلسن على تلك الطبلات فأكلن و شربن. و من اعتنوا به من الرجال، أجلسوه في بيوت عالية تشرف على ذالك المحل لينزه لواحظه.

قيل إن جملة من حضر هذه الليلة من الرجال و النساء أربعة آلاف، النساء منهن خمس عشرة ماية. و كانت صيلان هذه الدار على كثرتها و اتساعها مشحونة بالناس في غاية التزاحم و التضام، بحيث لا يمكنك أن تشق بالمرور في وسطهم. و ذكروا أن جملة ما يصرفه السلطان على هذه الليلة عشرون ألف ريال. و أما ما كان يوقد فيها من الشموع و الزاجات فالآلافات التي لا تحصى.

____________

(1) قارن بين هذا الوصف و ما كتبه الغساني عند حديثه عن عادات الرقص و طرقه المعروفة عند الإسبانيين. انظر: افتكاك، ص. 30.

225

دار كتبهم‏

(1) و من الغد ذهبنا لدار الكتب السلطانية، أعني خزانتها. و هي دار كبيرة لها أربع طبقات، في كل طبقة خمسة أو ستة بيوت كبار عالية جدا. و كل جوانب البيوت من الأرض إلى السقف مملوءة كتبا في خزائن من الخشب، و زيد في وسط البيت صناديق عالية صفا واحدا على طول البيت. و كل هذه الكتب بالتسافير الحمراء الجديدة الجيدة، مرتبة أحسن ترتيب، و كل واحد مكتوب عليه اسمه في ظاهر جلدته مما يوالي المواجه له‏ (2). و كل هذه البيوت في غاية الغاية من النظافة، لا يوجد فيها زبل و لا غبار، و لا عنكبوت و لا سوس في الكتب و لا بق، و لا غير ذالك.

و لها قومة و خدمة يقومون عليها و يحفظونها، و بيد كبيرهم مفتاح تلك البيوت.

و لا يمنعون من أراد الدخول لها، لاكن يدخل و يجلس في بيت معلوم في وسطه طبلة احتف بها كراسي للجلوس، و يطلب من قيمها ما شاء من الكتب يأتيه به ينظر فيه هنالك، و ينسخ منه إن أراد و يطالع ما أراد حتى يقضي غرضه و يذهب، و لا يرخص لأحد في إخراج كتاب واحد منها. و قومتها دائما فيها لا تقلق و لا تحجر، و يعرفون أسماء جميع ما فيها من الكتب. فمهمى قلت لواحد منهم إيتني بالكتاب الفلاني،

____________

(1) يقصد الخزانة الملكية التي أصبحت تشكل اليوم جزءا من الخزانة الوطنية في بنايتها القديمة. أما في المغرب، فغالبا ما كانت كبريات الخزانات ملحقة بالجوامع الكبيرة كما هو حال القرويين في فاس، بينما توجد المجموعات الخاصة من الكتب في حوزة أسر كبار الأعيان و الأثرياء، انظر:

(2) كانت توضع الكتب وقتئذ في خزانات البلدان الإسلامية بطريقة مكدسة، و تكتب عناوينها فوق الحواشي السفلى لأوراق الكتاب المواجهة للمشاهد بدلا من أن تكون فوق ظهر الكتاب، انظر:

F. Rosenthal, Techniques and Approach, p. 11, note 3.

226

ذهب قاصدا إليه و أتاك به في الحين. و فيهم من يعرف العربية (1)، فإذا دخلها عربي وجد من يفهم كلامه.

و هذه الكتب التي فيها على كل نوع: منها العربي مغربيه و مشرقيه مكتوبا بالقلم و مطبوعا بالاسطنبا، و منها العجمي بسائر أجناسه يوناني و لاطيني و هندي و تركي و قبطي و حبشي و فارسي، و غير ذالك. طلبنا منهم الكتب العربية، فأحضروا لنا مصحفا عظيما في مجلد كبير يحمله اثنان من الناس بينهما لكبره، و هو خط مشرقي لم ير مثله حسنا و بهجة و رونقا و كمالا. و لا يوصف ما فيه من الحلية و الذهب مما يستحسن أن يكون في خزانة ملوك الإسلام أظفرهم الله به و أنقذه من أيدي الكفرة (2)، و هو في غاية من الحفظ و الصون، و لا يلحقه من الأذى إلا مسّ المشركين له. فسألناهم من أين أتوا به، فذكروا أنهم أتوا به من مصر عند تغلبهم عليها (3).

____________

(1) كانت تدرس اللغة العربية في باريز بمدرسة اللغات الحية منذ أواخر القرن الثامن عشر. و كان أبرز المستعربين الفرنسيين خلال تلك الفترة هو سيلفستر دوساسي (1838- 1758)(Silvestre de Sacy) الذي أصبح في سنة 1824 مديرا للمدرسة الجديدة لتدريس اللغات الشرقيةEcole des Langues Orientales . و فيها تكون على يديه العديد من المتخصصين الذين اشتغل البعض منهم في الخزانة الملكية، و بها أيضا عين دوساسي محافظا لقسم المخطوطات سنة 1833؛ بينما أصبح البعض الآخر تراجمة رسميين، مثل أليكس دوكرانج‏(Alix Desgranges) ، الذي كان يعرف العربية و التركية، و أسندت إليه مهمة مرافقة البعثة المغربية في باريز. و كان دوساسي يعمل أيضا مفتشا للحروف المشرقية بالمطبعة الملكية انظر:

Henri De? he? rain, Orientalistes et antiquaires: Silvestre de sacy, ses contemporains et ses disciples( Paris, 3891 ), pp. iii, vi, xvii, 1- 21.

(2) قارن مع ما جاء عند أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي، المعروف بأفوكاي في كتابه: ناصر الدين على القوم الكافرين، تحقيق و دراسة محمد رزوق (الدار البيضاء، 1987) «فتغيرت حين رأيت كتاب الله تعالى بيد كافر نجس»، ص. 50.

(3) اصطحب نابليون بونابارت معه في حملته على مصر سنة 1798، مجموعة من العلماء المستشرقين الذين تمكنوا من «اكتشاف» العديد من المخطوطات و التحف الإسلامية الثمينة، التي انتهى بها المطاف فيما بعد إلى الديار الفرنسية. و كان من بينها هذا المصحف الكبير الحجم الذي ما يزال محفوظا ضمن مجموعات الخزانة الوطنية؛ و كان موجودا في الأصل بجامع الأزهر في* * *

227

و أحضروا لنا مصحفا آخر دونه و مصاحف أخر، منها مصحف مكتوب في ورقة طويلة في آية الكرسي. و ذالك أنهم كتبوا في هذه الورقة آية الكرسي بحروف كبيرة (1)، و جعلوا حروفها بكتابة دقيقة جدا كتب فيها القرءان العظيم من أوله إلى آخره‏ (2). ثم أتوا لنا بموطأ الإمام مالك بخط أندلسي في رق‏ (3). ثم شرح العيني على الجامع الصحيح‏ (4)، ثم كتاب يسمى كشف الظنون عن أسامي الكتب و الفنون‏ (5)، و غيرها من الكتب العربية لو تتبعنا النظر فيها لاستغرقنا فيها النهار. ثم أدخلونا سائر البيوت، و أطلعونا على جميع ما فيها من الكتب في الجملة، و كيف كان مثال الكتابة أولا و كيف صارت ثانية، و كثير من أوراق كتابة الأولين.

و فيها زيادة على الكتب كثير من مئاثر القدماء كخواتمهم التي كانوا يتختمون بها و التي كانوا يختمون بها، و دروع الحديد التي كانت للملوك يلبسونها في الحرب، و الدرقات و السيوف و دبابيس الحديد و الشواقر، و كل شي‏ء من ذلك كان لصاحب له‏

____________

* * * القاهرة، حيث «أنقذ من الحرائق التي اندلعت أثناء ثورة 30 فنديميير(vende ?miaire 12) (أكتوبر 1798) و نقل إلى فرنسا». انظر:

Bibiothe? que Nationale; Catalogue des manuscripts arabes, 2 e? me partie," Manuscrits musulmans" Tome 1, 2" Les Manuscrits du coran", ed. F. Deroche( Paris, 5891 ), pp. 06- 16.

(1) توجد آية الكرسي كما هو معلوم في سورة البقرة، الآية 225.

(2) يوجد هذا المصحف الذي يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر، ضمن مجموعات الخزانة الوطنية في باريز. انظر:

Splendeur et majeste?: Coran de la Bibiothe? que Nationale( Paris, 7891 ), p, 75 entre? e 62.

(3) من تأليف الإمام مالك بن أنس، المتوفى في 197/ 795، و هو من فقهاء المدينة المنورة و مؤسس المذهب المالكي، أحد المذاهب الأربعة المعروفة انظر:SEI ,s .v ?Malik b .Anas ?.

(4) من تأليف أبي محمد محمود بن أحمد العيني، و هو شرح لكتاب صحيح البخاري. و عنوانه الكامل: عمدة القارئ في شرح البخاري‏GAL ,2 :25 -35 ;S 2 ;05 -15 .

(5) من كتب التراجم ذات الأهمية الكبيرة. و يحتوي على أزيد من 500، 14 مادة و ترجمة. ألفه كاتب جلبي المعروف أيضا باسم حاجي خليفة، و هو من أبرز علماء العثمانيين خلال القرن السابع عشر (توفي في (1657، 1067). انظر:EI 2 ,s .v .?Katib C ?eleb ?.

228

معين. و هم إذا ظفروا بحاجة ملك أو كبير أو شي‏ء غريب، حافظوا عليه و تركوه في خزائنهم عبرة إلى آخر الدهر، و لم يضيعوه و لا يفرطون فيه. و كثير من سكك القدماء منها ما هو من مثل الحجر أو الحديد، و منها غير ذالك، و كل سكك ملوك الأندلس و ملوك المغرب. و كل سكة موضوعة في دارة صغيرة مكتوب عليها اسم سلطانها و محلها، فهي منزلة في مثل بيوت الجدول غطيت من فوق بزجاجة لتحفظها. و هناك كثير من أشكال مفاتح الأولين و أثاثهم، من جملتها قدح من الذهب مرتفع على ساق صغير مرصع بالجواهر و الأحجار، زعموا أنه كان لهارون الرشيد (1) أرسله لهم مكافأة على مصحف كان عندهم، و بعث له به سلطانهم. و كثير من مئاثر اليونانيين، و ما كانوا يجدونه من قلائد الذهب في قبور الجاهلية (2) التي كانوا يدفنونها معهم، إلى غير ذالك من الأمور.

و من بعد الغد أمر لنا السلطان بسرد العساكر، و استدعانا للفرجة فيها مبالغة في إكرامنا و الاعتناء بنا ظاهرا، لأنه لا يفعل ذالك إلا لمن هو عنده في حظوة، و زيادة في تبكيتنا و التنكيت علينا باطنا (3). فذهبنا حتى وصلنا إلى دار كبيرة، فأركبوا رءيسنا و بعض فرسانه على الخيل، و أطلعوا باقينا لعالي تلك الدار، فأشرفنا على ميدان كبير واسع ممتد، و العسكر واقفون به يمينا و شمالا، الخيل لجهة و الرجالة في جهة. و لا ترى إلا بريق السيوف و لمعان التوافل، و إشراف البيضات التي على رءوس البعض منهم،

____________

(1) هو خامس الخلفاء العباسيين (توفي في 193/ 809)، اتسعت شهرته بفضل كتاب ألف ليلة و ليلة.

و ترددت أقوال عن تبادل السفراء و الهدايا بين هارون الرشيد و ملك فرنسا شارلمان‏(Charlmagne) غير أن المصادر العربية لا تتضمن أي معلومات يمكن اعتمادها لتأكيد صحة تلك الأقوال. انظر:

Hitti, History of the Arabs, p. 892; EI 2; s. v." Harun Al- Rachid".

(2) تطلق لفظة الجاهلية للحديث عن مختلف مظاهر الحياة التي كان يوجد عليها العرب قبل الدعوة الإسلامية. و قد استعملها الصفار هنا بمعنى العهود التاريخية القديمة. انظر:SEI ,s .v ."Djahiliya ".

(3) أجري ذلك الاستعراض يوم السبت 17 يناير 1846، في موضع يسمى شان دومارس‏(Champs -de Mars) . و قد جمعت الفرق العسكرية من باريز و ضواحيها لإعطاء صورة إلى السفير المغربي «عن مختلف أنواع الأزياء العسكرية الفرنسية العجيبة»، فتحركت تلك الفرق «بدقة متناهية أدت إلى استغرابه الكلي و أثارت كل إعجابه». انظر جريدة الإلوستراسيون‏L`illustration :، بتاريخ 31 يناير 1846، و انظر أيضا اللوحة رقم 9 في هذا الكتاب.

229

و شعاع الدروع التي هم لابسونها على ظهورهم و صدورهم.

و كان في صدر الميدان ولد السلطان الأكبر مع باقي إخوته، فأوقفوا رءيسنا معهم و جعلنا ننظر. ثم تحركت العساكر، فانزاحت الخيل عن محلها، و جعلت تذهب إلى طرف الميدان. و تزحزحت أيضا الرجالة، فبينما هم وقوف ملتصقين ببعضهم بعضا إذا انفصلوا فصاروا أبراجا و جداول مربعة. ثم انفصلوا انفصالا آخر و صاروا جداول و صفوفا، فأقبلوا لصدر الميدان ليتسردوا هنالك، فانقسموا على ستة أو سبعة أقسام، كل قسمة انقسمت أيضا على اثني عشرة قطعة. و كل قطعة على حدتها بكبير يقدمها بيده سيف مسلول، مشتملة على ثلاثة صفوف، كل صف فيه أكثر من ثلاثين رجلا، دون صف أصحاب الموسيقا. فأول من يتقدم من القسمة و يسمونها الطرونبة (1) صف فيه ثلاثة عشر أصحاب الشواقير، قد علقوا عليهم مكاحلهم و جعلوا شواقرهم على رقابهم، و عليهم الجلود و على رأسهم برنيطة (2) طويلة سوداء كأنها جلد معز منتفخ. و فائدة تقدمهم إذا عرض في الطريق شجرة أو عود أو غابة، أزالوا ذالك بشواقرهم و فتحوا الطريق.

ثم يتلوهم أصحاب الموسيقى في صفين يتقدمهم واحد بيده دبوس من حديد، و خلفه صفان، كلهم أصحاب الأطبال في كل صف ثمانية عشر. و خلفهما واحد بطبل كبير، و معه شخصان بهندقتين‏ (3) كبيرتين من النحاس يضربان بهما. ثم بعدهم صفوف أصحاب الغيطات و معهم شخص أو شخصان يحمل عمودا من صفر في رأسه قبة صغيرة فيها جلاجل فيضرب بكفه على العمود فتتحرك تلك الجلاجل، و ذالك من تمام الموسيقى.

و يتلوهم صفوف العسكر كل قطعة على حدتها، مشيتهم خطوة واحدة يرفعون‏

____________

(1) و هذا تحريف من الصفار للمفردة الفرنسية تروب‏(troupe) ، أي فرقة (المعرب).

(2) انظر الهامش رقم 13 أعلاه، و معناها قبعة.

(3) المعنى واضح من خلال السياق، و يتعلق الأمر بصفحتين نحاسيتين دائريتين متوسطتين و مسطحتين تضرب إحداهما بالأخرى في الفرق الموسيقية الكبيرة، و اسمها بالفرنسية سيمبال‏(cymbale) ، و في العربية: الصنج و جمعها صنوج (المعرب). أما لفظة هندقة التي استعملها الصفار هنا، فلم نعثر عليها في أي من القواميس و تعني في المغربية الدارجة إحداث ضجيج و هرج و مرج في مناسبة ما قد تعبر عن الفرح أو القرح.

230

أرجلهم معا و يضعونه كذالك. و لا يخرج أحد منهم من الصف لا يمينا و لا شمالا، و لا يفارق موضعه. و إذا وصل الصف إلى ركن الميدان و أراد أن ينعطف إلى صدره ليجعل صدر الميدان عن يمينه، فيقف الطرف الذي هو من داخل الميدان حتى ينعطف الطرف الذي هو من جهة الركن حتى يستوي الصف، ثم يتقدمون جميعا.

و في حال الانعطاف المذكور، يواجههم كبيرهم الذي يتقدمهم و يمشي القهقرا (1)، و هو يشير لهم بالدبوس‏ (2) التى في يده، يمدها على كفيه يشير لهم بها لتقدم من يريد تقديمه و تأخر من يريد تأخيره. يريهم كيفية الانحراف حتى يستقيموا كلهم، فيتقدمون جميعا إلى صدر الميدان. و أصحاب الموسيقى الذين يتقدمون أولا، إذا وصلوا صدر الميدان تصففوا و وقفوا يضربون في آلاتهم حتى تمضي طرنبتهم كلها، فينصرفون مع آخرها. و هكذا في كل قطعة و طرونبة حتى مروا عن آخرهم. و كلما حاذى كبيرهم الواقفين صدر الميدان، رد ذبابة سيفه للأرض إشارة للسلام عليهم، فيردون عليه بنزع البرنيطة من على رءوسهم. و لا يمر آخر طرونبة حتى يكون أول التي تليها في إثرها من غير تراخ و لا فصل، و كذالك الفصل بين الصفوف يكون متساويا لا تفاوت فيه. و كل طرونبة لها راية، و رايتهم صغيرة يحملها واحد في طرف صف من الصفوف الأخيرة، و لا يجعلونها في المقدم. و كان لهم فيها رايات ممزقة بما لاقته من الحروب، أبقوها كذالك و لم يجددوها افتخارا بما لاقته، و زيادة رفعة لأهلها و لمن يحملها حيث صبر عليها.

و كان يمر مع بعض القطع في آخرهم امرأة لابسة لباس العسكر تمشي بمشيتهم، معلق عليها صندوة صغير من الشراب له بزبوز من عطش سقته. و معهم أيضا طبيب خلفه خادمه و متعلمه و من يحمل له آلة طبه. و كل عسكري حامل قرابا (3) خلف‏

____________

(1) هكذا: في النص الأصلي للرحلة، و الصحيح هو القهقرى (المعرب).

(2) جمعها دبابيس، و هي عصا قد تكون من خشب أو من حديد طولها قدمان تقريبا و في رأسها شي‏ء متميز كالكرة أو مشابهها، بالفرنسية(massue) 423: 1Dozy . غير أن الصفار يعني بها هنا العصا التي يستعملها رئيس الفرقة الموسيقية لتسيير أعضائها (المعرب).

(3) القراب في اللغة هو الغمد و جمعه أقربة. و في المغرب نوع من القفف ذات شكل دائري تسمى القراب بتسكين القاف. و يقصد بها الصفار هنا ما يشبه الكيس أو الحقيبة الصغيرة التي يحملها الجنود فوق أكتافهم. 133: 2Dozy (المعرب).

231

لوحة 9: مراسيم الاستعراض العسكري في شان دور مارس(Champs -de -Mars) عن جريدة الإلوستراسيون‏L`Illustration ، 31 يناير 1846

232

ظهره فيه ما يمكنه حمله من مأكول و غيره. و على فم ذالك القراب ثوب مقنط لعله فراشه، و بيده مكحلته و عليه سيفه. و يعلق عليه أيضا ما يجعل فيه البارود و القراطيس و إقامات الحرب. و هذا كله مبالغة في الحزم، فإذا أمره كبيره بالسفر، يجد نفسه مستجمعا لكل ما يحتاج إليه.

ثم بعد أن مرت جموع الرجّالة، تلتهم أصحاب المدافع ثم الفرسان. و كان عندهم هنالك أربعة و عشرون مدفعا من مدافع الاثني عشر، كلها تشرق لصقالتها و صفائها، في أربعة صفوف. كل صف فيه ستة مدافع، و كل صف من المدافع يتلوه صف آخر يحمل إقامتها في ربيعتين‏ (1) لكل مدفع. و كل مدفع على كريطته يجرها ستة من الخيل، اثنان أمام اثنين. و لكل مدفع عشرة من الطبجية يباشرون عمارته و إخراجه و جره، ثلاثة منهم راكبون على ثلاثة من الخيل، و باقيهم راكب على المدفع و على كراريط إقامته، و يعلق على كل كريطة فردة كريطة أخرى يحملونها احتياطا، ليلا ينكسر لهم شي‏ء من ذالك، فيجدون خلفه قريبا حاضرا، حتى مرت صفوف المدافع كلها بإقاماتها.

ثم أقبلت الخيل تتلوهم، انقسموا أيضا أقساما و قطعا كما تقدم العسكر الرجلى.

و أول من يتقدمهم أصحاب الموسيقى راكبين على خيولهم، لاكن إنما هم أصحاب الغيطات و ليس فيهم أطبال. و هاؤلاء الخيالة أنوع: منهم طائفة بأيديهم سيوف مسلولة و مكاحلهم قصار معلقة عن يمينهم. و منهم طائفة بالرماح فقط، في رأس كل رمح رقعة صغيرة مثلثة اللون بيضاء و حمراء و زرقاء، يرى لها خفقان و اضطراب من بعيد، زيادة في الإدهاش و الإرهاب، يفزعون بها كما يفزعون ببريق السيوف المسلولة و التوافل و البيضات التي على رءوسهم. و منهم طائفة بالبيضات على رءوسهم‏ (2).

____________

(1) مفردها ربيعة بتسكين الراء، و معناها هنا صندوق يستعمل لحفظ البارود، و استعمال هذه اللفظة شائع في العامية المغربية. التي غالبا ما تعني صندوقا من حجم صغير يحتفظ فيه بالأشياء الثمينة. لكن من الممكن أن تكون الربيعة كبيرة الحجم، كما هو حال الصندوق الذي يوضع في أضرحة الأولياء لتجمع فيه الهبات النقدية المقدمة من طرف الزوار. انظر:Harrell ,p .321

(2) أشار ابن خلدون في المقدمة إلى مدى وقع التأثير النفسي للرايات و الموسيقي أثناء المعارك، فقال إن الهدف من «نشر الألوية و الرايات و قرع الطبول و النفخ في الأبواق و القرون» هو إرعاب العدو. و أضاف قائلا: «إن النفس عند سماع النغم و الأصوات يدركها الفرح و الطرب بلا شك، فيصيب مزاج الروح نشوة يستسهل بها الصعب و يستميت في ذلك الوجه [...] لأجل ذلك تتخذ العجم في مواطن حروبهم الآلات الموسيقية». المقدمة، النسخة العربية سابقة الذكر، ص 258.

233

و منهم طائفة أخرى لابسين الدروع على صدورهم و ظهورهم. كما أن العسكر الرجلى أيضا كذالك، كل طائفة لها عمل خاص من مباشرة الحرب، قائما أو راقدا على جنبه، و إطفاء النيران إن وقعت في العسكر، و هكذا حتى مروا عن آخرهم.

و مضوا و تركوا قلوبنا تشتعل نارا، لما رأينا من قوتهم و ضبطهم و حزمهم و حسن ترتيبهم، و وضعهم كل شي‏ء في محله، مع ضعف الإسلام و انحلال قوته و اختلال أمر أهله. فما أحزمهم و ما أشد استعدادهم، و ما أتقن أمورهم و أضبط قوانينهم. و ما أقدرهم على الحروب و ما أقواهم على عدوهم، لا بقلوب و لا بشجاعة و لا بغيرة دين، إنما ذالك بنظامهم العجيب و ضبطهم الغريب، و اتباع قوانينهم التي هي عندهم لا تنخرم.

إن صدرت من واحد منهم زلة أجروا عليه شريعتها، سواء كان رفيعا أو وضيعا.

و إن ظهرت لأحد منهم مزية أرقوه درجتها، لا يطمع أحد منهم في غير ما هو له، و لا يخاف على ما في يده أن ينزع منه. فعلى ذالك يبدلون مهجهم في المعارك، و يلقون بأنفسهم في المهالك. و لو رأيت سيرتهم و قوانينهم لتعجبت منها غاية العجب، مع كفرهم و انمحاء نور الإيمان من قلوبهم، و ما راء كمن سمع الخ. اللهم أعد للإسلام عزته، و جدد للدين نصرته بجاه النبي (صلى الله‏ عليه و سلم).

و من الغد و بعده، ذهبوا بنا لقصرين من قصورهم السلطانية، أحدهما يسمى باليرويال‏ (1)، و الآخر يسمى لوفر (2)، و كل منهما قصر عظيم ضخم مشيد. فالأول مشتمل على أثاث البيت كله عندهم التي يكون عند الملوك، لاكنه غير مستعمل بل مستور محفوظ مصون يتعاهده الخدمة كل وقت و هو فارغ لا يسكنه. و فيه أثاث سلطانهم المتولي الآن و تصاوير أقاربه و أحواله، و كيف كان في أول نشأته و بعد ذالك إلى أن تولى المملكة.

و أما قصر لوفر، و هو قريب من القصر الآخر، فهو فارغ لا يسكنه أحد و لا أثاث.

و فيه من التصاوير و الثماثيل ما لا يحصى: منها أجسام من الحجارة و نحوها، و منها نقوش و رقوم. فكان هناك كثير من صورتي مريم و عيسى بزعمهم، و تصاوير صور الماضين من سلاطينهم و تصاوير صور اليونانيين، و منهم سقراطس و فلاطون الحكيمان، و صور أصحاب الطوفان و رجالهم حين وصل إليهم الماء و هم يتعلقون‏

____________

(1) و يقابلها في الفرنسية(Palais Royal) .

(2) و يقابلها في الفرنسية(Le Louvre) .

234

بالشجر، و بعضهم يتعلق ببعض.

و بناء هذا القصر من أرفع ما يكون و أبدعه. و من جملة ما فيه، أثاث و حوائج من آثار القدماء. و من جملة ما فيه، ذوات أموات مصبرة بعد طلائها بأنواع الأطلية التي تصبر معها الذات. و هي مكفنة بثياب فيها رقم و تخطيط، و جعلوا لها في ظاهر الكفن وجها له عينان كبيران و حاجبان سوداوان كأنه شخص حي، زعموا أن هذه الأجسام توجد بمصر. و كان أوائل أهل مصر، إذا مات لهم ميت فعلوا به ذالك و تركوه في داره، و لا زالوا يوجدون بمصر تحت الأرض. و أخبرني بعض من حضر منهم، أنه قبل ذالك بعام حضر للفتح على ذات منهم اشتراها واحد منهم من مصر و قدم بها، فحلّ عنها ذالك الكفن بعد معالجة شديدة لأنه كان مطليا بالقار، فألفوها ذات امرأة و هي عندهم في هذا المحل. منها ما هو ممدود على صناديق في وسط البيوت، و منها ما هو في خزانة واقفا.

و رأيت الكلام عليها في تأليف صغير من تئاليفهم في التاريخ، و أن أهل مصر كانوا يفعلون بها ما ذكر ليلا يغيب عنهم الميت. و كان الواحد منهم إذا استسلف مالا من أحد أو ابتاع منه بدين، رهنه صورة من تلك الصور كصورة أبيه أو بنته و نحو ذالك إلى أن يؤدي الدين فيردها، و لا يسمح فيها و يتركها و لو فداها بنفسه‏ (1).

و من جملة ما في هذا البيت، بيوت عديدة في طبقة من طبقاتها فيها تصاوير مراسي بلادهم، و قدر كل واحدة و عمارتها و ما تتميز به عن غيرها. و فيها أمثلة أنوع المراكب حقيقة لا تصويرا، بل هي مراكب صغار كمثال البابور و النابيوس الكبير عندهم و الذي دونه و الفراكط و بابور البر، و كيفية إنشاء المركب من أول مرة، و أين يوضع و هكذا. و كل مركب بإقاماته و صواريه و أحباله و سلاسله، و غير ذالك من إقامته و إن كان صغيرا. و فيها كثير من آلات الحرب القديمة، كالأقواس و الدرقات و الدروع و الرماح و غير ذالك. و فيها أمثلة المدافع كبارا و صغارا، نظير ما ذكر في المراكب، ففيها من ذلك ما يستحسن النظر إليه. و الحاصل هو قصر مشيد ضخم ظريف مزخرف، لو لا كثرة ما فيه من التصاوير فإنها تقبح حسنه.

____________

(1) خلال عصر البطالسة، و في مدافن الأموات حيث كانت تحفظ المومياوات الملكية، كان بإمكان الكهنة أن يولوا اهتمامهم للمومياوات التي كان «يمكنهم التصرف فيها بالبيع و الشراء بموجب عقد أو ما إليه». انظر:Encyclopaedia Britannica ,11 e ?me ed ."Mummy "

235

دار الفزك

و في غد ذاك اليوم ذهبنا لدار من ديار تعلمهم يسمونها دار الفزك (1)، و هو اسم علم عندهم، و يترجمون عنه بعلم الطبائع و بعلم الكيمياء. و مداره على علم معرفة طبائع ذوات الأشياء، كجذب المغناطيس الحديد و تموج الهواء بالصوت الذي يسير فيه، و غير ذلك مما لم نعرف له اسما. و في هذه الدار آلات غريبة و أشكال عجيبة (2).

____________

(1) إن كلمة فزك من تعريب الصفار، أخذها عن لفظة(physique) الفرنسية. و قال إنها تعني «علم دراسة الأشياء الطبيعية»، غير أن واقع الأمر استعمل المصطلح بمفهوم أوسع، يشمل في معناه «العلوم التجريبية» حيث عاين الصفار إجراء تجارب في الكهرباء السكونية و الضغط و الموجات الصوتية و التكبير الظاهري بواسطة العدسات المكبرة. و قدم الطهطاوي للصفار مساعدة طفيفة في الموضوع، على الرغم من إشارته إلى أن الكيمياء كانت من العلوم الموجودة في فرنسا، فقال إنها تهدف إلى «معرفة تحليل الأجزاء و تركيبها (...) و ليس المراد بالكيميا حجر الفلاسفة كما يظنه بعض الناس فإن هذا لا تعرفه الإفرنج و لا تعتقده أصلا». تخليص، ص. 22؛ .. 57.L`or ,p و استعمل خير الدين التونسي أيضا مصطلح الفزك بالمعنى نفسه، أي التجارب العلمية، انظر:

Khayr ad- Din at Tunisi( trans. Brown ), The Surest Path, p. 901 note 211.

و كانت «دار الفزك» تسمى وقت وجود الصفار في باريز: كونسرفتوار دي زار إي ميتيي‏(Conservatoire des Arts et Me ?tiers) ، أو معهد الفنون و الصنائع، و تعرف اليوم باسم آخر هو:

موزي ناسيونال دي تكنيك‏(Musse ?e National des Techniques) أو المتحف الوطني للتقنيات حيث لا تزال جل الآلات التي شاهدها الصفار. انظر:

AAE/ ADM/ Voyages" Visites dans Paris".

(2) إلى حدود أيام محمد الصفار، لم تكن العلوم في المغرب قد عرفت أي تطور يستحق الذكر منذ زمن ابن خلدون. لكن غياب التجديد لم يكن يعني عدم وجود اهتمامات بالقضايا العلمية، لأن الطلبة استمروا مع ذلك في دراسة النصوص القديمة الموروثة عن قرون خلت، لاحتوائها بصفة أساسية على قضايا علمية في مواضيع تتعلق بممارسة الشعائر الدينية، كما كان حال علم الفلك لضبط أوقات الصلاة، و الهندسة لتحديد اتجاه القبلة في المساجد. انظر:

H. P. J. Renaud," L`enseignement des sciences exactes et l`e? dition d`ouvrages scientifiques au Maroc avant l`occupatin europe? enne", Hesp. 41, 1( 2391 ): 87- 98.

-

236

فأول ما لقينا فيها دائرة مربعة من قنانيط صفر واقفة على سوقها و يتصل بها غير ذالك من الحركات من أعلاها (1). و في وجه منها زجاجة كبيرة على شكل دائرة الناعورة تحرك تلك الزجاجة بيد كيد الناعورة، فتدور كما تدور الناعورة. فإذا دورت هذه الزجاجة و قرب شخص يده من تلك القنانيط، خرج له منها مثل البرق في لونه و سرعته. إلا أنه نقط نقط مترادفة، فتؤثر في يده كأنما ضرب بشي‏ء يؤلمه ضربة سريعة، لاكن لا يبقى لها بعد ذالك أثر وجع و لا غيره كما يبقى من أثر الضرب الحقيقي.

و أعجب من هذا، أنه وقف شخص في حال تدوير الزجاجة، فأمسك بيده كرة من صفر متصلة بالقنوطة المواجهة للزجاجة، فجعل شعر رأسه ينتفش و يقف شعرة بعد شعرة، و أمسك تلك الكورة بيده اليمنى، و مد يده اليسرى متباعدة منه، فقرّب شخص منها يده، فخرج له من تلك اليد الممدودة ذالك البرق الذي كان يخرج أولا من القنانيط. مع أن الماسك لا يتأثر بشي‏ء من ذالك و لا يخرج له، و لا يقال إن للواقف الماسك حيلة في عدم تأثره بذالك، فإنه وقف واحد منا و أمسك تلك الكرة بيده فلم يتأثر بشي‏ء. و قرب منه شخص آخر، فخرج له من يده نقط النار المذكورة.

و تلك القنانيط مسدودة من كل جهة، و يزعمون أن ذالك مثال لبرق السماء، و أنه ينشأ عن انضغاط الهواء بعضه ببعض، كما تنشأ النار عن الانضغاط الواقع بين‏

____________

- و كان الصفار نفسه شديد الاهتمام بعلوم التوقيت كما يخبرنا بذلك محمد داود، تطوان 7: 93.

و سبق للفقيد الأستاذ محمد المنوني أن أطلع سوزان ميلر على نسخة لمخطوط تحت عنوان: نصرة بعض المتأخرين لمحراب مسجد القرويين، مكتوب بخط محمد الصفار، و هو في موضوع اتجاه القبلة بجامع القرويين في فاس، وزارة الثقافة، جائزة الحسن الثاني للوثائق و المخطوطات لسنة 1973، رقم 220.

(1) استعمل الصفار لفظة «حركة» بمعنى قوة محركة، إشارة بذلك إلى مختلف الأشكال الجديدة و الغربية لأنواع الطاقة الكهربائية و البخارية و الميكانيكية المستخدمة وقتئذ لتشغيل عدة آليات في فرنسا. أما لفظة «قنوطة»، فأصلها من الإسبانية(canete) ، و تعني في اللهجة الدارجة التطوانية البكرة من الخشب أو القصب التي يكبب فيها الخيط أو الحرير بشكل يجعل استعمالها هينا عند الحاجة.

الخطابي، مشاهدات، ج 2، ص. 43، الهامش 17. و هنا يقدم الصفار وصفا مفصلا لتجربة في الكهرباء السكونية.

237

الحجر و الحديد.

ثم انصرفنا عن هذا و وقفنا في موضع آخر، فرأينا فيه لوحة مجوفة و في داخلها حركة. و يمتد من جانبيها خيطان فيهما ليّ و تجعيد كأنهما من سلك الحديد، لفّ عليهما خيوط أخر من الحرير أو نحوه، و في طرف هذين الخيطين قنوطتين صغيرتين من نحاس، فإذا حركت الحركة التي في باطن اللوحة حدث في الخيطين ارتعاد و اضطراب، فإذا أمسك شخص القنوطتين اللتين في طرف الخيطين مع تلك الحركة، ارتعدت عروق يده من داخل ارتعادا لا يقدر أن يصبر معه، فيرسلهما من يده في حينه. و زعموا أن تلك الحركة تمتد ما امتد الخيطان و لو إلى أقصى البلاد، فمن أمسكهما و حركت الحركة ارتعدت عروق يده و لو كان بينه و بينها مسافة بعيدة.

و فائدة ذالك الإعلام بالخبر كما سيأتي قريبا.

ثم عمد شخص منهم إلى لوحة في وسطها جعبة صغيرة نافذة، و لها طراشة (1) تغلق بها و تفتح، فجاء بزجاجة على شكل قادوس صغير إلا أنها غير نافذة، فقلبها على اللوحة و صارت تلك الجعيبة في وسطها، و أحكم إنزال الزجاجة على اللوحة بحيث لم يبق من بين حواشيها و بين اللوحة متنفس، ثم فتح تلك الجعيبة و أطلع فيها النفس بئالة حتى ري‏ء بخاره خارجا من فم الجعبة يدور داخل الزجاجة و ينزل إلى تحت. ثم أغلق الجعبة و استحكم ذالك النفس داخل الزجاجة، فلزقت الزجاجة مكانها حتى لا يقدر أحد أن يرفعها، و لو استعان بغيره من ثقل الهواء الذي هو داخلها، حتى يتنفس ذالك الهواء و حينئذ ترتفع. و ذالك عندهم مثال لكون الهواء إذ لم يجد منفذا، فإنه يثقل على ما نزل عليه ثقلا لا يقدر معه على النهوض و التحرك.

ثم انصرفنا من هذا الموضع فوقفنا في موضع آخر، فأتى شخص بلوحة من نحاس صغيرة، و شدها بلولب يدخل في وسطها و تنزل عليه مرتفعة عن الأرض حتى لا يبقى لها الطنين، ثم درّ عليها رملا أسود رقيقا و عمد إلى قوس كقوس الكمنجة و أصلحه و جعل يجر على حرف تلك اللوحة فيسمع لذالك صوت حاد.

و جعل ذالك الرمل يضطرب و تحدث له أشكال و دوائر كأنما صنعت باليد، و لا يصنعها

____________

(1) سبق شرح معناها في الهامش رقم 54 في الصفحات السابقة من هذا الكتاب.

238

إلا عارف بالدّابد (1) و الآلة و هذا مثالها بإشارة:

رسم 1: تجربة خاصة بالموجات الصوتية

هكذا في الجملة، و إلا فهي أتقن من هذا و أحسن. و يزعمون أن ذالك الطنين هو الذي أحدث تلك الأشكال و الدوائر. و ذالك عندهم مثال لكون الهواء يتموج بالصوت، و يحدث فيه بالصوت هالات تنتشر مثل ما حدث في الرمل من ذالك الصوت، فهو مثال لإدراكه بالحس. و مثله أيضا إذا ألقيت حجرا في الماء، فإنه يحدث في الماء أدوارا و هالات، و تنتشر حتى تبعد عن النظر. و مقصودهم بذالك أن يتوصلوا به إلى معرفة المدة التي يبلغ فيها الصوت من موضع إلى موضع.

و لهم في هذا المحل آلات كثيرة على ضروب مختلفة و أشكال متباينة، و لا يعرف نتيجة ذالك إلا هم. و من جملة ما رأيناه في هذه الدار، آلة تكبر الذوات الصغيرة، أي تصيرها كبيرة في رأي العين. و ذالك بأن أغلقوا بيتا و جميع ما فيه من الطيقان حتى صار مظلما ظلمة حالكة، و أتوا بنحو فنار، إلا أنه ليس من الزجاج بل من الخشب أو النحاس، و فيه ثقب صغير عليه زجاجة صغيرة جدا قدر الأنملة، و أوقدوا في داخله قطعة شمع و أغلقوه، و جعلوا ذالك الثقب قبالة الحائط، فيضعون شيئا و إن كان دقيقا جدا على تلك الزجاجة و يلصقونه فيها بما يمكن أن يلصق به، فينطبع في الحائط في ضوء تلك الزجاجة أعظم ما يكون و أكبره. فكان يظهر في شوكة النحلة سبعة أشبار و تظهر كأنها شطبة. و وضعوا عليها القملة فظهرت كالنسر، و وضعوا عين‏

____________

(1) أصله الضابط، و هو أداة حديدية أو خشبية يستعملها بعض الحرفيين أو الصناع، فحرفت إلى دابد للتخفيف. الصبيحي، معجم، ص. 116 (المعرب).

239

الذبابة فظهرت كالغربال الكبير و كلها ثقب كثقب الغربال. و وضعوا عليه لسان ضفدع صغيرة فانطبع في الحائط أعظم ما يكون، و ظهرت عروقه كلها كبيرها و صغيرها، و يظهر الدم يجري في تلك العروق ذاهبا و راجعا في أسرع ما يكون، كأنما هدمت قرية نمل دقيق فتراه يجوح في بعضه بعضا. ثم وضعوا قبالها خمير دقيق طال شيئا ما حتى تغيرت رائحتها، فظهر فيها دود أمثال كبار الحنوش تكعكع و تلتوي على بعضها بعضا، و في خارج ذالك لا يظهر فيها شي‏ء. و يضعون هناك قطعة لحم من لحوم الحيوانات، و يرون ما حدث فيها من التغيرات.

ثم فرغوا من هذا و أتوا بزجاجة نافذة من جهتين، في أسفلها عمود من حديد، و ينزل عليه من فوق عمود آخر و يلتقيان برأسيهما، و في طرف كل عمود منهما شريطة من نحاس، و تتصل الشريطة بعمل و أوان و حركات. فإذا التقى العمودان برأسيهما، حدث من بينهما نور عظيم أضاء له ذالك البيت مع شدة إظلامه ضوءا عظيما. و قالوا لو أرادوا أن يجعلوا هذا فوق محل عال من باريز ترى منه باريز كلها لأضاءت بذالك كلها ضوءا يغني عن الفنارات. ثم وضعوا بين رأسي العمودين قطعة فضة فذابت بسرعة، و وضعوا فيه معدنا آخر زعموا أن النار لا تعمل فيه شيئا فذاب بسرعة. و إذا والت إحدى الشريطتين الأخرى، خرجت من بينهما نار مثل البرق. و إذا أمسكها أحد بيده و بلّه بالريق، ارتعدت عروقه من داخل حتى لا يصبر و يرسله بسرعة. و إذا أفسخوا تلك الشريطة من العمل الذي هي متصلة به، لم يبق فيها شي‏ء من ذالك. و هذا العمل أواني صغار من الحديد متصلة ببعضها بعضا بقطعة نحاس صغيرة، جملة منها في ناحية و جملة في ناحية قبالتها، و إحدى الجملتين منفصلة عن الأخرى، و يربط من كل عمل شريطة من الشريطتين المذكورتين، فيخرج منهما ما ذكر. و انظر ما في تلك الأواني من الحكمة.

و من أعجب ما رأيناه في هذا المحل و أغربه، حركة يصل بها الخبر من محل إلى محل في لحظة، و إن كان بعيدا مع استيفائه و استيعابه لأنها بالكتابة (1). و بيان ذلك‏

____________

(1) كان التلغراف الكهربائي لا زال يخطو خطواته الأولى أنذاك. و في سنة 1844 صوت البرلمان على ميزانية لإنشاء أول خط تلغرافي بين باريز وروان‏(Rouen) ، غير أن استعماله لم يصبح رهن إشارة عموم الفرنسيين إلا مع حلول سنة 1851.

La Grande Encyclope? die Larousse, ed 6881., s. v." Te? le? graphe"; Pinkney, Decisive Years, p. 85- 95.

240

أنهم جعلوا دائرة من صفر مصمتة كوجه المكانة، و بسطوها و رشموا في دائرتها الحروف كلها و حركاتها من فتحة و ضمة و كسرة لأنها عندهم حروف أيضا. و هذه الدائرة مسمرة في كرسي منزلة عليه مبسوطة، و في جانب كرسيها الذي هي منزلة عليه ثقب بعدد الحروف، تحت كل حرف ثقب. ثم عملوا قبالتها دائرة أخرى فيها الحروف كلها أيضا، إلا أنها قائمة لا مبسوطة، و في وسطها موري‏ (1) يصل رأسه للحروف. و وصلوا بين الدائرتين بخيطين، أحدها من جانب و الآخر من الجانب الآخر، و كأن الخيطين من سلك فيهما تجعيد.

فإذا أراد المتكلم أن يتكلم مع صاحبه بكلمة، عمد إلى أول حرف منها في الدائرة المبسوطة، فغرز إبرة في الثقب الذي تحت ذالك الحرف، و يدورها حتى يحصرها خازوق‏ (2) هنالك. و في حال حركة هذا الحرف، يتحرك الموري الذي في الدائرة الأخرى، فيجعل يدور حتى يصل لذالك الحرف فيقف عنده، ثم يشير لحركته فيشير لها الموري أيضا، و هكذا فكلما أشار الأول لحرف و دور الدائرة الأخرى لذالك الحرف حتى يقف عنده. و هكذا حتى يستوعب ما شاء من الكلام مع صاحبه، مع فهم كامل و تبليغ تام في أبلغ سرعة. زعموا أنه لو اتصلت هذه الحركة بين هاتين الدائرتين، لوصل الكلام من الأولى للثانية إذا كان بينهما ماية ألف و خمسة عشر ألف ساعة في ثانية من الثواني التي هي سدس عشر الدقيقة. و هذا أمر يكاد يحيله العقل، لاكن من شاهد ذالك لا ينكره. اختبرناه بكم من كلمة، فإذا أشير إلى الحرف في الدائرة الأولى، لم ندرك أن ننقل بصرنا منها إلى الدائرة الثانية، حتى يكون الموري قد وقف عند الحرف المشار إليه. و زعموا أنهم وصلوا هذه الحركة من باريز إلى أورليا (3) و بينهما تسعون ميلا. و أنها عندهم أيضا موصلة من‏

____________

(1) لا يعرف أصل هذه الكلمة، غير أن معناها واضح من خلال السياق، و المقصود بها هنا هو المؤشر الشبيه بعقرب الساعة (المعرب).

(2) جاء تعريفه عند البستاني كالتالي: «عبارة عن وتد طويل حاد الرأس كان يستعمل من جملة العقوبات لمن يستحق القتل [...] و ذلك بأن يدخل في إست المحكوم عليه فيخرق أحشاءه و يصعد في جوفه»، أورده الصبيحي، معجم، ص. 115. أما معناها هنا فواضح من خلال السياق، فهو بمثابة قضيب حديدي يلعب هنا دور الحاجز (المعرب).

(3) أي أورليان، و بالفرنسية هكذا(Orle ?ans) .

241

القمرة التي يجتمعون فيها لتدبير قوانينهم إلى دار السلطان بعمل مغيب تحت الأرض. و وكل بها من يحفظها من الجهتين، فيكلمون السلطان من القمرة، و هو في داره و يرد عليهم الجواب و بينهما مسافة طويلة. و هذه صورة ذالك في الجملة بتقريب:

رسم 2: التلغراف‏

فالدائرة التي في جانبها الشاخص القائم هي المبسوطة، و النقط الدائرة بها هي الثقب التي تحت كل حرف، فيدخل فيها مثل الإبرة و يدور حتى يقف عند ذالك الشاخص. و الدائرة الأخرى هي القائمة، و الذي في وسطها هو الموري. و ما امتد من إحداها للأخرى هما الخيطان فيهما تجعيد و يرتعدان عند الأخذ في الحركة، و هذا من العجب، انتهى.

دار الإصطنبا، أعني طبع الكتب‏

و في يوم الخميس ثالث عشر الشهر، ذهبنا لدار طبع الكتب المسماة بالإصطنبا (1)، و هي أيضا من أعاجيب الصنائع. و لتعلم أولا، أن الحروف التي‏

____________

(1) الكلمة، مأخوذة عن الإسبانية إستانبا(estampa) ، و هي المطبعة، و المقصود بها هنا المطبعة الملكية.

و لما كان الصفار كاتبا و له اهتمامات أدبية، فليس من المستغرب أن يولي عنايته الكبيرة لآلة الطباعة. و كانت أول مطبعة في المغرب قد أدخلت إلى فاس ابتداء من 1865 من الصنف الحجري، و هناك طبعت فيها كتب غالبيتها في مواضيع دينية. و ظهرت أول مطبعة تيبوغرافية في طنجة سنة 1880، غير أن استعمالها لم يشمل الكتب العربية إلا في أوائل القرن العشرين. و عن تاريخ الطباعة في المغرب انظر: محمد المنوني، مظاهر 1: 201- 251، بالإضافة إلى الدراسات التالية:

G. Ayache," L`apparition de l`imprimerie au Maroc", H- T 5( 4691 ): 341- 161; Fawzi

242

يطبعون بها مسامير من قزدير أسفلها غليظ و أعلاها مشحوذ و فيه الحرف، منها ما هو حرف واحد و منها ما هو حرفان متصلان. إذا كانا يكتبان كذالك، فيعمد إلى الحروف الذي يريد أن يكتبها و يجمعها في لوحة على مقدار الورقة المطبوعة، و ينزلها مرتبة بسطورها على كيفية الرسم، و يشدها في اللوحة ببعضها بعضا بئالة حتى لا يختل ترتيبها، فتكون محكمة في اللوحة، ثم يطليها بالمداد و ينزل عليها الورقة و يعصرها بزيّار (1) فتخرج الورقة مكتوبة كلها. هذه الإشارة إلى كيفيتها في الجملة، و لنذكر ما رأينا في هذه الدار تفصيلا.

فأول ما دخلنا بيت فيه أفران و معلمون يفرغون الحروف. و الإفراغ يكون في قالب من نحاس على قدر ذالك المسمار، و الحرف محفور في أسفل القالب هكذا مثلا س لحرف السين. فإذا دخل القزدير المذاب في القالب، فإنه يخرج بذالك الحرف في رأسه، لاكنه في أسفل القالب مستقيم و يخرج في المسمار معكوسا، فإذا طبع به جاء الطبع مستقيما كما هو الشأن في كل طابع. و هذا عمل هاؤلاء يفرغون الحروف على اختلاف أشكالها عربية و عجمية، و ينزلونها صبة واحدة.

ثم بعدهم بيت آخر فيه عملة و خدام أكثر من الأولين، عملهم تصويب تلك الحروف بإصلاحها و تمليسها و تسويتها و إزالة الشناقيب التي تخرج في جوانها، و هكذا تصير في أحسن تقويم مستقيمة متساوية. بحيث إذا أنزلت في لوحة الطبع و رتبت يكون سطحها شيئا واحدا، ليس فيها أعلا و لا نازل ليستقيم بها الطبع و لا يخطئ حرف موضعه. ثم بعدهم عملة آخرون يفرقون الحروف من بعضها بعضا، و ينزلون‏

____________

-

Abdulrazak, The Kingdom of the Book: The History of Printing as an Agency of Change in Morocco between 5681- 2191( Unpublished Ph. D. dissertation, Boston University,) 0991 ).

و انظر تعريبنا لهذه الأطروحة: فوزي عبد الرزاق: مملكة الكتاب: تاريخ الطباعة في المغرب، 1865- 1912. تعريب خالد بن الصغير، صدرت ضمن منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة نصوص و أعمال مترجمة، رقم 3، 1996 (المعرب)؛ و انظر أيضا فوزي عبد الرزاق، المطبوعات الحجرية في المغرب (الرباط، 1989)، و فيه لائحة كاملة بجميع المطبوعات الحجرية الصادرة في فاس.

(1) المقصود بها هنا أداة للضغط المحكم، 618: 1Dozy ، (المعرب).

243

كل شكل على حدته في لوحة ذات بيوت كثيرة، كل بيت يملأ بحرف خاص.

ثم بعدهم بيت آخر فيه النساخون‏ (1). و عملهم أن يوتون بالكتاب الذي يريدون طبع مثله بورقة منه مثلا و ينزلها النساخ أمامه، و يأخذ في يده اللوحة و يرتب فيما الحروف مثل ما هي في الورقة. فينزل أولا السطر كله في حديدة حتى يكمل، ثم يضعه في اللوحة، ثم يعدل سطرا آخر و ينزله، و هكذا حتى يعمر لوحته على قدر ما فيها من الأسطر. و حروفها مثل الحروف التي في الورقة و مرتبة ترتيبها، فيفعل هذا صانعه المذكور و إن كان لا يعرف الكتابة و القراءة، يكفيه أن يعرف مقابلة الحروف بمثلها. فاختبرنا واحدا منهم، و كتبنا له بيدنا سطرا، فأنزله كما هو بحروفه و ترتيبها.

ثم قلنا له افسخه ففسخه، و كانت أربعة و ثلاثين حرفا، فرد كل حرف في بيته الذي ينزل فيه بسرعة، أخذها بيده جملة ثم جعل يفرقها في بيوتها كأنما يدرّ درورا على شي‏ء، فلم يخط في حرف واحد منها بإنزاله في غير محله مع غاية السرعة، فتعجبنا منه غاية العجب. فإذا رتبت الحروف في اللوحة، دخلت ليد عملة آخرين.

فدخلنا بعد هذا بيتا فيه صهاريج من ماء، و رزم الكاغيد منزلة على حواشي الصهاريج. و ذالك أنهم يغمسون الكاغيد أولا في الماء، فيدخلون أربع أو خمس ورقات جملة في الماء. ثم يخرجونها و يضعونها على حاشية الصهريج حتى يسيل عنها الماء و يذهب عنها بعض البلل.

ثم بعدها بيت آخر فيه آلات و دوالب، و هي على نار لا ترى ينشف فيه الكاغيد من البلل المذكور. على كل دولب ثلاث خدامات، واحدة تدخل أوراق الكاغد في الدولب، و أخرى تأخد الأوراق الخارجة من الدولب فتدخل الورقة مبلولة، فتدور في الدولب فتخرج يابسة بحرارة نار هناك باطنية. ثم تدخل هذه الأوراق و لوحة الحروف لبيت الطبع، و هو على نوعين: أحدها باليد و الآخر بالدولب. فأما الأول فيحتاج إلى ثلاثة أناس، فيأخذ أحدهم لوحة الحروف و ينزلها في محلها التي تنزل فيه على شي‏ء مرتفع أمامه. و إذا نزلت المرة الأولى فلا تعود ترتفع من محلها حتى يفرغ من الطبع بها. و ءاخر بيده جلدة مطوية على عود يطليها أولا بالمداد، ثم يمرها على الحروف التي في اللوحة ليسودها بالمداد. و مدادهم ليس سائلا كمدادنا، بل يعطي الصبغ من غير سيلان. ثم يأخذ الأول الورقة التي يريد طبعها بيضاء، و يجعلها على لوحة أخرى،

____________

(1) كما يبدو من السياق، فإن الصفار يعني بذلك مصففي الحروف.

244

و يفصل بينها و بين اللوحة بما يمنع وصول الوسخ لها. ثم ينزلها على لوحة الحروف، و يطبق عليها من فوق بئالة رزينة من الحديد بحركة يديرها، ثم يفتح عنها فتخرج الورقة مطبوعة. فيأخذها شخص آخر هو ثالث العملة، و يطبعون على تلك اللوحة ما شاءوا من الأوراق، ماية و ألفا أو عشرة آلاف كلها متماثلة. و كذالك يفعلون في ورقة أخرى و أخرى، حتى يأتوا على آخر أوراق الكتاب. فيوم يتم الكتاب، يخرج معه ألف كتاب مثلا. و إذا توفرت الشروط فلا تبقى كلفة في الطبع، ففي الساعة الواحدة يطبع المئين من الورقات.

و النوع الآخر من نوعي الطبع يكون بالدولب، تارة يدوره شخص و تارة يدور وحده بحركة البابور أو بالماء الجاري كالرحى. فيجلس واحد و يأخذ الورقة، فيطعمها الدولب فيبتلعها الدولب، و تدور فيه حتى تمر على لوحة الحروف، فتنفصل عنه مكتوبة، فيأخذها شخص آخر، و فيه تلك الجلدة تأخذ المداد من محل هنالك، و تنزل على الحروف فتسود. كل ذالك بالحركات لا باليد، ففي دورة تنزل الورقة على الحروف فتنطبع، و في دورة أخرى تنزل عليها جلدة المداد فتسودها و الحركة متصلة.

و هذه اللوحة التي فيها الحروف، إذا فرغ من الطبع بها فسخت منها تلك الحروف و وضع فيها حروف أخر ترتيب ورقة أخرى. و قد يتركونها بحروفها و يرتبون غيرها في لوحة أخرى، فيتركون الكتاب كله مرتبا في ألواحه، فإذا أرادوا طبعه مرة فلا يتكلفون لترتيب حروفه مرة أخرى. رأينا عندهم بيوتا فيما ألواح كتب معينة مرتبا فيها حروفها.

و بعد فراغ الكتاب من الطبع، إن أرادوا تسفيره فهناك صنعته أيضا. فيدخل لبيوت أخر، أحدهما تقصص فيما حواشيه بحركة البابور تحرك السكين حتى تمرها على حواشي الأوراق فتقصصها. و بيت آخر تزير فيه بئالة، بأن تجمع رزم من الكاغيد و تجعل بين لوحين، أحدهما من فوق و الآخر من أسفل بين أعمدة من الحديد و تحرك بالماء حتى تنحصر لأعلا فذالك زيّارها. و بيت آخر فيه عمل التسفير، فتدخل لهذه الدار الأوراق بيضاء و يخرج منها الكتاب مسفّرا.

و أعجب ما رأينا عندهم من آلة الكتابة، نوع خاص يطبع لك الكتاب بأي خط شئت، عربيا أو عجميا، مغربيا أو مشرقيا، أو كيف ما شئت. و ذالك أنهم يأتون بالورقة مكتوبة بمداد خاص يصنعونه مستحمر اللون كمداد الجوز، فيضعونها على حجرة عندهم، و يشدون عليها ثم يحلون عنها فتنطبع الكتابة في الحجرة كما هي في‏

245

الورقة. ثم يطبعون على تلك الحجرة ما شاءوا من الأوراق بعد أن يدهنوا الحجرة بذالك المداد فتخرج الأوراق مكتوبة بمثل الكتابة الأولى من غير زيادة و لا نقصان، و لا تحريف و لا تغيير. كتبت بيدي سطرا بذالك المداد في ورقة، و وضعوها على الحجرة فانطبعت فيها الكتابة. ثم طبعوا على الحجرة ورقة أخرى، فخرجت بمثل ذالك السطر بعينه. فمن أراد طبع، بل تعديد كتاب بما شاء من الخطوط، فينسخه أولا بذالك المداد ثم يطبع منه ما شاء، فيخرج الخط الأول بعينه‏ (1).

و جملة ما في هذه الدار من الخدمة ثمانماية، و خدمتها دائمة مستمرة لا تفتر، حتى يتعجب الإنسان أين تدخل هذه الكتب، و لكن كل شي‏ء عندهم مدون في الكتب. و لا ترى عندهم مكانا خاليا من الكتب، لهم بها استيناس و استفادة. و لا يتكلون على حفظهم في شي‏ء من الأشياء خوف النسيان و الضياع كما قيل:

العلم صيد و الكتابة قيده‏* * * قيد صيودك بالحبال الموثقة

و من الجهالة أن تصيد حمامة* * * فتتركها بين الأوانس مطلقة

و مما قيل في الكتب:

سميري إذا جالسته كان مسليا* * * فؤادك مما فيه من ألم الوجد

يفيدك علما أو يزيدك حكمة* * * و غير حسود أو مصر على حقد

و يحفظ ما استودعته غير خائن‏* * * و لا غافل عهدا على قدم العهد

____________

(1) يتعلق الأمر هنا بالطباعة الحجرية. و كان العلماء التقليديون معجبين بها جدا، لأنها تغني عن المرور من مرحلة تصفيف الحروف، و تقلل بالتالي من فرص الوقوع في الأخطاء. كما تمكن في الوقت نفسه من الحفاظ على مختلف نماذج الخطوط اليدوية عبر الزمن. فوزي عبد الرزاق، المطبوعات، ص. 8، بالإضافة إلى الهامش 61 أعلاه.

246

و قال الآخر:

إذا ما خلا الناس في دورهم‏* * * بخمر سلام و خود كعاب‏

و جادت لهم حسنات الزمان‏* * * بعز الندامى وجود السحاب‏

خلوت و صحبي كتب العلوم‏* * * و بنت عروسي بنت الكتاب‏

و قال آخر:

إذا ما خلوت من المؤنسين‏* * * فإن أنيسي لي دفتري‏

فلم أخل من شاعر محسن‏* * * و من عالم صالح منذر

و من حكم بين أثنائها* * * فوائد للناظر المفكر

و إن ضاق صدري بأسراره‏* * * فأودعته السر لم يظهر

و إن صرح الشعر باسم الحبيب‏* * * فلم أحتشمه و لم أحصر

و إن عدت من ضجرة بالهجا* * * و سب الخليفة لم أحذر

فلست أرى مؤنسا ما* * * حييت نديما عليه إلى المحشر

و قال آخر:

أنست إلى التفرد طول عمري‏* * * فما لي في البرية من أنيس‏

جعلت محادثي و أنيس نفسي‏* * * و أنسي دفتري بدل الجليس‏

247

قد اسغيت عن فرسي برجلي‏* * * إذا سافرت أو بغل كبوس‏

و بطني سفرتي و الجيب خرجي‏* * * و همياني فمي أبدا و كيسري‏

و بيتي حين يدركني مساءي‏* * * و أهلي كل ذي عقل نفيس‏

انتهى ما يتعلق بدار الإسطنبا.

ثم بعد ذالك بنحو يومين، ذهبنا لموضع يسمونه البنطيوا (1) و هو بناء عال جدا.

و هو قبة عالية ارتفاعها من الأرض بنحو ربعماية ذراع، و دارت بها أبنية. و هذا المحل تظهر منه باريز كلها، و إذا كنت في أعلاه ترى الناس في الأرض كأنهم صبيان صغار. و هذا الموضع مدفن عظمائهم، و قبورهم في مخادع تحت الأرض في صناديق من الحجر موضوعة على وجه الأرض و بها جثتهم مغلق عليها. و إلى جانب ذالك الصندوق، زلافة مغلق عليها فيها قلب ذالك الميت ينزعونه منه و يطلونه بما يحفظه، و يجعلونه في تلك الزلافة و يغلقون، إشارة إلى أنه كان ذا قلب. و هناك تصاوير آدميين عظام الأجسام بيد واحد منهم تاج، زعموا أنها صورة الزمان، و أن من مات من الملوك نزع منه تاجه و ألبسه آخر، فهم يفنون و يموتون و هو لا يموت، و بيد آخر سيف زعموا أنه الدين.

و من خرافاتهم هنالك، أن عمد قيم ذالك الموضع إلى ثقب في ركن و له منفذ تحت الأرض، فجعل فمه عليه و أخذ يسئل الأموات و يجيبه صدا من تحت الأرض، فيقول ما معناه، كيف أنتم و يقول بخير، فيجيبه الصدا بخير كأن الأموات يجيبونه، و هو يجيب نفسه بنفسه. و يضرب في جلدة هنالك، فيسمع تحت الأرض دوي عظبم كالصواعق، كأن الأموات لهم هنالك مدافع يدفعون بها عن أنفسهم.

____________

(1) البانتيون و يقابله بالفرنسية(Le Panthe ?on) ، بني في القرن الثامن عشر ليكون كنيسة. و عند قيام الثورة الفرنسية كرس من جديد لخدمة الآلهة القديمة، و يعتبر من المدافن الرئيسية لكبار الشخصيات و عظمائهم في فرنسا.

248

و بعد ذالك بأيام، حثوا علينا في الذهاب لقصرين من قصورهم السلطانية خارج باريز، أحدها ببلدة يقال لها سنكلو (1)، و الآخر ببلدة أخرى يقال لها فرسان‏ (2) و هما قريبان من باريز. فذهبنا إليهما، فإذا هما من القصور المشيدة، احتف بكل واحد منهما بستان عظيم، فيه أشجار أنيقة و مياه متدفقة، و خصص و صهاريج و تماثيل كلها تبزق الماء الزلال. و مما رأيناه في واحد منها طبلة من الرخام، زعموا أنها كانت خشبة و ألقيت في الماء و بقيت فيه حتى صارت رخامة، و ذالك عندهم خشب مخصوص.

و اعتناؤهم في البساتين غالبا إنما هو مد الطرقات و تعديلها، و تنقية الأشجار حتى تكون مستوية مع بعضها بعضا من فوق و من تحت. و فيها جلسات و تربيعات و أشكال النباتات، و بيوت للنباتات التي لا يخرجونها زمن البرد. و الماء بها كثير، و لا يدرك لها طرف لكبرها.

و غالب ما رأيناه في قصور في فرسان تصويرات الحروب من أول الزمان إلى الآن، لاكن لا يصورون إلا الحروب التي كانت لهم فها الغلبة، و لا يصورون أنفسهم. و مما يحكى، أن شخصا مر بالسوق فرءا الناس، مجتمعين على صورة رجل و أسد تعاركا فغلب الرجل الأسد، فذهب فلقي أسدا فأخبره بما رءا فقال له: «لو كان الأسد يعرف التصوير لرأيت ما يفعل، و حيث لا يعرفه، فليصور كل واحد ما شاء».

و فيه تصاوير كبرائهم و عظمائهم و سلاطينهم و شجعانهم و رهبانهم، منها ما هو من الحجارة و منها ما هو نقش و رقوم. فرأينا عندهم هناك صورة دخولهم مدينة الجزائر و دخولهم مدينة القسمطينة. و صورة تغلبهم على تلك النواحي كلها. و صورة السلطان العثماني عبد المجيد، و صورة محمد بن علي باشا مصر. و غالب درج هذا القصر من المرمر الملون، و فيه مواضع و بيوت كانت لسلطانهم لويز السادس عشر (3). و لما مات بقيت تلك الأماكن على هيئتها بجميع أثاثها، يحفظ و يصان حتى فراشه و مواضع جلوسه و تاجه و كنيسته، الكل باق على حاله إلى آخر ما هنالك من الزخارف.

____________

(1) سان كلود، و يقابلها بالفرنسية(Saint Could) .

(2) يقصد فرساي و بالفرنسية هكذا:(Versailles) .

(3) و هو ملك فرنسا الذي أعدم هو و زوجته ماري أنتوانيت‏(Marie Antoinette) بمقصلة الثورة الفرنسية و التي لم يقل عنها الصفار شيئا على الإطلاق في متن رحلته، انظر:

Dictionnaire d`histoire de France Perrin, ed 1891., s. v." Louis XVI".

249

القمرة

و في رابع عشر صفر، ذهبنا للقمرتين الكبيرة و الصغيرة (1). و القمرة دار يجتمعون فيها لتدبير قوانينهم و الكلام في أمورهم. و بناء موضع الاجتماع قبة على شكل بناء التياتروا في أرضها انحدار، و كلها مصففة بالكراسي. و فائدة الانحدار، ليروا كلهم من يكون أمامهم. و عند انتهاء الكراسي مرقاة على شكل المنبر، إلا أن درجها من جانبها.

فمن يريد التكلم يصعد تلك المرقاة حتى يكون مشرفا على الجالسين، و يتكلم بما يريد أن يتكلم به. و كل واحد من الجالسين أمامه الدواة و القلم و الكاغد. فالمتكلم يتكلم، و هذا يكتب حتى يذهب و يخلو و يتأمل في ذالك الكلام، فيوافق عليه أو يرده بحجته. و إن ظهر لأحد من الجالسين أن يعارض ذالك المتكلم بمعارضة قريبة، قام عن كرسيه و تكلم معه. و إن كانت المعارضة طويلة، فحتى تصل له نوبة التكلم و يصعد ذالك المنبر و يقول ما بدا له.

و خلف ذالك المتكلم ثلاثة من الناس، وظيفتهم إذا طال الكلام في مسلة، أن يمضوا الحكم فيها و يقطعوا الكلام. و ذالك بقانون معلوم به يقع ترجيح أحد الجانبين، منها الحكم لأكثر العدد. فإذا قال عشرة كذا، و قال عشرون بخلافهم، فالحكم بما قاله العشرون، و لو زاد أحد الفريقين على الآخر بشخص واحد.

____________

(1) معناها هنا مجلس،(Chambre) . و يعني بالقمرة الكبيرة شامبر دو باير(Chambre des Pairs) ، أي مجلس النبلاء. و القمرة الصغيرة، شامبر دي ديبوتي‏(Chambre des De ?pute ?s) . و كانت تعقد الأولى في قصر اللكسمبورغ‏(Palais du Luxembourg) ، و الثانية في قصر البربون‏Palais) (bourbon . و يؤكد الصفار أنه زار كلا المجلسين. إلا أن الغالبية العظمى من كلامه في هذا الحانب المتعلق بالسلوك السياسي للحكومة الفرنسية مأخوذ عن الطهطاوي. انظر: تخليص، ص.L`or ,.PP .231 -931 ;601 -39 بل نجد الصفار يتبنى استعمال مصطلحات الطهطاوي مثل ملك، بدلا من سلطان الذي اعتاد استعماله في رحلته. إن الدستور الذي صدر في عهد الملك لويس الثامن عشر(Louis XVIII) سنة 1814 و راجعه لوي فليب‏(Louis Philippe) عام 1830 قد حافظ على محدودية الاقتراع و منح امتيازات عريضة للنبلاء و طبقة الملاكين انظر:

La Grande encyclope? die Larousse, ed 2791., s. v." France".

250

و هذا هو شكل القمرة الصغيرة أيضا. و الفرق بينهما أن القمرة الكبيرة تحامي عن الملك و رءساء الدولة و تعضد أمرها. و من وظيفتها، تجديد قانون مفقود أو إبقاء قانون موجود على حاله. و الصغيرة تحامي عن الرعية و تنصرها و تطلب حقوقها، فكأنها خصم للأخرى. و لا يحضر القمرة الكبيرة إلا من بلغ عمره خمسة و عشرين سنة، و لا يستحق الكلام فيها إلا إذا بلغ الثلاثين، إلا إذا كان من أقارب الملك، فإنه يدخلها من صغره، و لا يستحق الكلام فيها إلا إذا بلغ خمسا و عشرين سنة. و الذين يحضرون في القمرة الكبيرة، غالبهم رؤساء الدولة من الوزراء و القضاة و الحكام، و كبراء معلومون لذالك.

و الذين يحضرون في الصغيرة هم وكلاء الرعية يبعثونهم من سائر البلاد، و عددهم أربعمائة و نيف. و يشترط فيهم و فيمن ينتخبهم للإرسال، شروط معلومة عندهم: منها أنه لا يدخل هذا الديوان و يستحق الكلام فيه إلا من بلغ أربعين سنة، و أن تكون له أملاك يؤدي عنها لبيت مالهم في خراجها ألف فرنك. و من شرط من ينتخبهم أن يبلغ عمره ثلاثون سنة، و أن تكون له أملاك يؤدي عليها ثلاثمائة فرنك فأكثر في العام. و هذا الديوان‏ (1) لا يفتح إلا من رأس السنة لرأس السنة، و لا يفتح إلا إذا أمر السلطان بفتحه. و متى أراد إبطاله أبطله، بشرط أن يجدد آخر بأناس آخرين، و أن لا يزيد في تجديد الآخر على ثلاثة أشهر. و لا يمضي قانون من قوانينهم و لا حكم من أحكامهم، إلا إذا اتفق عليه أهل القمرة الصغيرة و القمرة الكبيرة، و السلطان و وزراؤه. و أما أحكام النوازل و الجزءيات، فهي عندهم مدونة في الكتب.

و لا يستقل السلطان وحده بحكم من الأحكام، لاكن لا يمضي حكم إلا إذا أنفذه أمره. و هو أعظم أهل الدولة: فهو الذي يأمر و ينهى في عساكر البر و البحر، و هو الذي يعقد الحرب و الصلح و المعاهدة و التجارة بين أهل ملته و غيرها، و هو الذي يولي المناصب الأصلية و يجدد بعض قوانين و سياسات و يأمر بما يلزم و يمضيه. لاكن بعد اتفاق من ذكر عليه، و هو الذي يتولى الإمضاء. انتهى ما يتعلق بالقمرة.

____________

(1) الديوان من الأسماء المستعملة عند العثمانيين، بمعنى «مجلس للدولة يضم كبار موظفي الدولة و يرأسه السلطان أو الصدر الأعظم»، انظر:Naff and Owen ,Studies ,glossary ,p .904 .

251

مدرسة من مدارسهم‏

و بعد ذالك بيومين، ذهبنا لمدرسة من مدارس تعليمهم، فيها إحدى عشر ماية و خمسة و عشرون متعلما (1). منهم ستماية بدورهم يذهبون و يجيئون للتعليم، و منهم خمسمائة و خمسة و عشرون مقيمون بها، و فيها أربعون معلما و أربعون ناظرا، و هي دار كبيرة جدا. و المقيمون بها لهم فيها أكثرهم و مثواهم و فرش نومهم و موضع مرضهم و بيت الطبيب و ءالات الطب و العقاقير و موضع الاستحمام، و مواضع لوضع ملابسهم و مواضع يغسلون بها وجوههم في الصباح، و الكل في غاية النظافة و الإتقان.

و يتعلم فيها الحساب و الهندسة، و الفلسفة و اللسان و علم الفزيك و الكيمياء و الطبيعيات، و كيفية التصوير و التشريح. و يتعلم فيها أيضا القفز و التعلق بنحو السور، و المشي على الأشياء الرقيقة و المشي في الهواء بعد أن يأخذ بيده مخطافا يتعلق به، و يغرزه في شي‏ء أعلا و ينقله و هو ماش معه. و القفز على الأشياء المرتفعة كحبل ممدود و غير ذالك مما يعد عند بعض الناس لعبا، و هو عندهم علم من العلوم يقرأ و يدرس و يتعلم بالكيفية حسا. و من قانون المتعلمين بها، أنهم يأكلون في الساعة الثانية عشر من النهار. و في حين أكلهم يقف واحد في مرقاة هنالك، و يسرد عليهم كتابا من علم التاريخ و نحوه، ليلا تذهب تلك اللحظة ضائعة. و بعد فراغهم من الأكل يوذن لهم في اللعب، فينهضون يلعبون و يثبون و يتسابقون، و يبقون كذالك نصف ساعة ثم يرجعون إلى شغلهم.

ثم ذهبنا لموضع آخر من مواضع التعليم، إلا أنه تعليم صغير. و ذالك أن هذا المحل يجتمع فيه أولاد الفقراء الذين يذهب آباؤهم و أمهاتهم لأشغال يعملونها، و يبقون الأولاد وحدهم فيجتمعون في تلك الدار. و فيها متعلمة تعلمهم شيئا من الأدب و الحروف و ابتداء القراءة، ليلا يبقوا في الأزقة هائمين و لا يكون اجتماعهم هنالك من غير فائدة. و تعلمهم كيفية القيام و القعود و الإقبال و الإدبار و ملاقات الناس و التسليم عليهم، و كيف يأخذون ألواحهم و كيف يمحونها، و كيف يمشون مشية واحدة

____________

(1) من المحتمل جدا أن يكون المقصود هنا مدرسة البوليتكنيك:(Polytechnique Ecole) التي أسست عند اندلاع الثورة الفرنسية و بها يتم تهيي‏ء الطلبة لمتابعة دراستهم العلمية و التقنية العليا، انظر:

Grande encyclope? die Larousse, ed. 3791, s. v." Polytechnique, e? cole".

252

في صف واحد على هيئة مشية العسكر. و تعزل الذكور على حدة و الإناث على حدة، و كلهم صغار من نحو أربع سنين، فإذا بلغوا ست سنين لم يبق للإناث اجتماع بالذكور.

ثم ذهبنا لموضع آخر يتعلم فيه الصبيان. فأول ما يتعلمون حرفا واحدا، ثم حرفين ثم ثلاثة الخ الحروف. ثم حرفين مركبين و ثلاثة أحرف، ثم كلمة ثم كلمتين ثم جملة كلام الخ، ثم رجعنا.

و بعد ذالك بيومين خرجنا من مدينة باريز و رجعنا من حيث جئنا، و الحمد لله رب العالمين.

253

الفصل السادس خاتمة في بيان مداخلهم‏

خاتمة في بيان مداخلهم و وجوه جباياتهم و مخرجها، و في ضمن ذالك بيان بعض قوانينهم.

اعلم أن من قوانينهم أن يجتمعوا كل سنة في القمرتين، و يحدثون قوانين لم تكن أو يقرون ما كان منها موجودا. و من جملة ذالك، أنهم يقدرون جبايات العام و ما يصرف فيه من بيت مالهم بموافقة السلطان و أهل الرأي منهم، فقدروا ذالك في عامهم هذا على عادتهم. و ذالك الذي يقدرونه من الداخل و الخارج، يكتب في كتاب و يبرز للناس، و تطبع منه عدة كتب تباع و تشترى، فحصل في يدنا كتاب هذا العام، و فسره لنا بعض تراجمهم‏ (1).

و من قوانينهم أن جعلوا ذالك الداخل يدخل بيد وزير الخزنة (2) أعني أمين بيت مالهم، و يخرج على يد الوزراء جميعا، كل واحد و ما يخرج على يده. و بيان ذالك أنهم رأوا أن السلطان وحده لا يستقل بأمور الرعية كلها، فأراحوه من تكلف المشقة في ذالك، و اتخذوا عدة أناس، سموهم وزراء، و كلفوا كل واحد بأمر خاص و جعلوا

____________

(1) و عنوان هذا الكتاب هو:

Recueil des lois de finance et autres lois de la session de 4481( Paris, Imprimerie Royale, 6481 ). AN/ ADXIX/ F- 82/ 4481- 6481.

(2) أي وزير المالية أو الخزينة، و يقابله بالفرنسية:(Ministre du Tre ?sor) .

254

نظره قاصرا عليه‏ (1) و هم تسعة وزراء:

الأول وزير الخزنة، أعني بيت مالهم و يدخل بيده جميع جبايات فرانسا، و منها يخرج أيضا، و يدفع لكل وزير ما يصرف في على يده، و يقال إن له من الكتاب خمس عشرة ماية.

و الثاني وزير الأمور الخارجية، و وظيفته النظر في كل ما هو خارج فرانسا و عمالتها، من نصب القنصوات في البلاد و بعث الباشادورات للبلاد، و تولي الكلام مع المملكات الخارجة عنهم، و يبعث للأقاليم من يتجسس الأخبار و ينظر في أمور من عندهم ببلادهم من النواحي الخارجية، و على يده يكون مصروف جميع ما يتعلق بالأمور الخارجية.

و الثالث وزير الأمور الداخلية، أعني ما هو داخل سلطنة فرانسا. و له النظر في تولية الحكام‏ (2) في سائر البلاد، و تفقد مصالح البلدان و ضبط أمور الرعية، و غير ذالك مما يتعلق بالأمور الداخلية. و هو بمنزلة القائد عندنا، إلا أنهم يجعلون واحدا كبيرا و يجعل على يديه النياب في البلاد.

و الرابع وزير محكمة الدين و الشرع‏ (3)، و له النظر في أمور الكنائس و تولية القضاة و الشهود، و غير ذالك مما يتعلق بدينهم و شرعهم.

و الخامس وزير المدارس، و هو ناظر تعليم العلوم‏ (4). و له النظر في أمور التعليم‏

____________

(1) إلى حدود أربعينيات القرن التاسع عشر، كان الجهاز المخزني في مستوياته العليا بسيطا إلى حد بعيد.

حيث كان يتكون فقط من السلطان و من الصدر الأعظم الذي كان في الوقت نفسه مستشارا و منفذا لأوامر السلطان. و كان يسهر على تحرير المراسلات المخزنية عدد صغير من الكتاب. و لم يعرف المغرب وجود وزراء مستقلين بالمهام الموكلة إليهم إلا بعد حلول عهدي السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن (1859- 1873) و خلفه السلطان مولاي الحسن (1873- 1894). انظر المنوني، مظاهر، ص 30- 92، بالإضافة إلى كل من:

Laroui, Origines, p. 88; Lahbabi, Le gouvernement marocain, pp. 131- 931.

(2) و يقصد الصفار بذلك رؤساء المقاطعات و الولايات المحلية(Pre ?fets) . انظر الفصل الثاني الهامش رقم 56 في الصفحات السابقة من هذا الكتاب.

(3) أي وزير العدل و الشؤون الدينية، و يقابله بالفرنسية:(Ministre de la Justice et des Cultes) .

(4) وزير المعارف، أو وزير التربية الوطنية، و يقابله بالفرنسية(Ministre de l`Instruction Publique) .