التعزير، أحكامه وحدوده

- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني المزيد...
121 /
57

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

58

و حديث ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجلين يوجدان في لحاف واحد، قال: يجلدان غير سوط واحد (1).

و خبر ابن سنان (في شهود الزور) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إن شهود الزور يجلدون جلداً ليس له وقت، ذلك إلى الإمام الحديث (2) و نحوه حديث سماعة.

و خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في غلام صغير لم يدرك ابن عشر سنين زنا بامرأة، قال: يجلد الغلام دون الحد، و تجلد المرأة الحد كاملًا الحديث (3).

و نحوه حديث أبي مريم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و فيه قال (عليه السلام): يضرب الغلام دون الحد (4).

و خبر وهب بن وهب عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام) في رجل قال‌

____________

(1) الوسائل ج 18 ص 367 ب 10 من ابواب حد الزنا ح 18.

(2) الوسائل ج 18 ص 245 ب 15 من ابواب الشهادات ح 2- و في الأحاديث الواردة في شاهد الزور كما ذكرنا في المتن حديثاً يدل على اطافته و حبسه أياماً و يمكن ان يقال في مقام الجمع بين هذا الحديث و حديث ابن سنان بأن الإمام مخير بين اطافته و حبسه أياماً و بين جلده جلداً ليس له وقت، لكن يقتصر في الحبس على هذا المورد و لا يتعدى منه إلى غيره من التعزيرات كما لا يخفى.

(3) الوسائل ج 18 ص 342 ب 9 من ابواب حد الزنا ح 1.

(4) الوسائل ب 9 من ابواب حد الزنا ح 2.

59

لرجل: يا شارب الخمر يا آكل الخنزير قال: لا حدّ عليه، و لكن يضرب أسواطاً (1).

و غيرها من الأخبار مثل ما ورد في إتيان الزوجة و هي صائمة، و هو صائم و في الحيض.

هذا و ممّا يستظهر منه أيضاً أن التعزير كالحد يكون بالضرب إلّا أنه دون الحد حديث أبي حنيفة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قال لآخر: يا فاسق، قال لا حدّ عليه و يعزّر (2).

و حديث عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل سبّ رجلًا بغير قذف يعرض به هل يجلد؟ قال: عليه تعزير (3).

و حديث إسحاق بن عمار عن جعفر (عليه السلام) إن علياً (عليه السلام) كان يعزّر في الهجاء و لا يجلد الحدّ الحديث (4).

و ما في الروايات في مورد واحد من الحكم بالتعزير في رواية، و بالضرب في رواية أخرى، و ما ورد في أنه إذا تقاذف اثنان سقط عنهما الحدّ و يعزران (5).

____________

(1) الوسائل ب 19 من ابواب حد القذف ح 10.

(2) الوسائل ب 19 من أبواب حد القذف ح 4.

(3) الوسائل ب 19 من أبواب حد القذف ح 1.

(4) الوسائل ب 19 من أبواب حد القذف ح 6.

(5) الوسائل ب 18 من ابواب حد القذف ح 1 و 2.

60

و مما يستفاد منه ذلك- أيضاً بوضوح خبر اسحاق بن عمار قال:

سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن التعزير: كم هو؟ قال بضعة عشر سوطاً ما بين العشرة إلى العشرين (1).

و خبر حماد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له: كم التعزير؟ قال: دون الحد ... الحديث (2).

و ترك الاستفصال في الخبرين، و الجواب فيهما يدلان على أن التعزير لا يكون إلّا بالضرب.

و ممّا يدلّ صريحاً على ذلك الحديث المروي عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (عليهما السلام)- فيمن قال لولد الزنا، يا ولد الزنا- لم يجلد، إنّما يعزّر و هو دون الحدّ (3).

و على الجملة الأخبار الدالّة على ذلك كثيرة جدّاً. و القول بكون الحبس من أفراد التعزير مضافاً إلى أنّه خلاف الأصل نوع من الاجتهاد في مقابل النصّ سيّما مع عدم كون الحبس محصوراً في حكم الشرع بخلاف الضرب بالسّوط فانّه محصور بما دون الحدّ (4).

____________

(1) الوسائل ب 10 من أبواب بقية الحدود و التعزيرات ح 1.

(2) الوسائل ب 10 من أبواب بقية الحدود و التعزيرات/ ح/ 3.

(3) الكافي ج 7 ص 206 ح 7.

(4) لا يخفى عليك أن ميل البعض من الناشئة الجديدة المتأثرين بالآداب الغربية، و نظاماتهم إلى تعطيل التعزير بالضرب و تبديله بالحبس و غيره استهجان غير المسلمين من المتغلبين على البلاد الإسلاميّة التنبيهات الجسمية كما استهجنوا بذلك الحدود و يطلبون تعطيل أحكامها، و أحكام القصاص، و الديات، و يرون ذلك ضرباً من التنور و الثقافة.

أعاذ اللّٰه المسلمين من دعاياتهم و آرائهم، و لو فتح باب ذلك في مثل هذا الزمان و قيل في التعزير بالتخيير بين الضرب و الحبس مطلقاً و حتّى في الموارد المنصوصة و بأكثر مما دون الحد ينحصر التعزيرات كلها في الحبس. و يتعطل التعزيرات الشرعية التي ورد النص فيها بالتعزير بالسوط و ينتهى الأمر إلى تبديل الحدود بالحبس أيضاً و لا حول و لا قوة إلّا باللّٰه.

61

و ممّا يشهد على انّ التعزير هو الضرب بالسّوط دون الحدّ: الأحكام الخاصّة المترتّبة على التعزير مثل قتل من عزّر ثلاثاً في الرابعة في بعض الموارد إذ من المعلوم انّ ذلك لا يجوز قتله إذا عوقب ثلاثاً بالحبس أو أداء المال إذن كيف يكون الحبس أو اداء المال من انواع التعزير.

فان قلت: فما تقول في خبر الفضيل؟ قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):

عشرة قتلوا رجلا قال: ان شاء أوليائه قتلوهم جميعا و غرموا تسع ديات، و ان شاءوا تخيروا رجلا فقتلوه و ادى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الاخير عشر الدية كلّ رجل منهم قال. ثمّ الوالى بعد يلى ادبهم‌

62

و حبسهم (1).

قلت: ظاهره الجمع بين الادب و الحبس، كما ان الظاهر من الادب في مثل المقام هو التعزير بالضرب، فهل يتعدى منه إلى غيره من موارد الدية في الجنايات العمدية و يجمع بينهما مضافاً إلى الدية فيها، و هل يكون ذلك مطلقا حتّى إذا لم يكن الحبس اخف من الضرب دون الحدّ؟

ثمّ هل يتعدى منه إلى جميع ما فيه التعزير أو يقال باختصاص الحكم بالمورد؟ ثمّ المراد من حبسهم حبسهم عقوبة و تعزيرا أو منعا عن اصرارهم بما ارتكبوه حفظا للنفوس و الامن حتّى يظهر منهم التوبة؟

و على الجملة: الرواية من جهات متعددة في غاية الاجمال.

الأمر السادس

1- في عدم جواز الحاق الحبس، بالضرب دون الحد

قد ظهر لك مما سبق أنه لا يجوز إلحاق الحبس و غيره إذا كان أشدّ من الضرب دون الحد، أو لم يكن بأخفّ منه به، لاحتمال دخل خصوصية الضرب، سيّما بعد تقييده بما دون الحدّ، فان إلحاق ما لا تقدير له- في جانب أكثره- بما هو مقدر كذلك ليس من باب المفهوم بشي‌ء، فضلًا عن المنطوق، فانه قد ظهر لك أن التعزير ظاهر في الضرب دون الحد، و لا يجوز التمسك باطلاق مثل ادب أو يؤدب في بعض الموارد، فانه مضافاً إلى اختصاصه بمورده، بل عدم إطلاقه في خصوص مورده أيضاً، و مضافاً إلى انه ظاهر في التأديب الخفيف الّذي هو ادنى التعزير (2) بدلالة روايات‌

____________

(1) التهذيب ج 10 ص 217 ب 17 ح 1854.

(2) و لذلك يعبرون في مثل الصبى و الصبية أنهما يؤدبان أو أدب الغلام أو على غير البالغ الادب، قال الشهيد في الروضة: التعزير يتناول المكلف و غيره بخلاف التأديب (يعنى يختص بغير المكلف الّذي يؤدب بالضرب الخفيف و ما شابهه).

63

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

64

التعزير لا يجوز التعدي عنه إلى غير مورده، إذاً فلا يصح رفع اليد عن ظهور التعزير و الأخبار المصرحة بخصوص الضرب و الجلد بذلك، و القول بالتفصيل بين الموارد التي ورد فيها التعزير أو ورد فيها الضرب و نحوه و بين غيرها بأن يقال في تلك الموارد بالتعزير بالضرب دون الحد، و في غيرها بجواز الحبس أيضاً على ما يراه الحاكم شطط من الكلام، و لا يكاد ينقضي تعجبي ممن يميل إلى ذلك، أو يفتي به.

2- دفع بعض الاشكالات

ربما يستشكل على ما ذكر بجواز التعزير بما هو اخف من الضرب، أو الضرب بالسوط كالضرب باليد، و التوبيخ و الشتم، و الحبس مدة قصيرة كيوم أو يومين، أو المنع عن الاشتغال بعمله كذلك، فيقال: بعد ما استظهرنا من الروايات ان التعزير هو الضرب دون الحد، أو الضرب بالسوط دون الحد، و بعد ما جاء في الروايات في الموارد المتعددة الضرب بالسوط و الجلد، و اخترنا عدم جواز التعدي من ذلك إلى غيره ممّا لم يثبت مساواته له، فلا يجوز التعدي منه إلى ما دون ذلك- أيضاً- كالشتم و التوبيخ و الحبس مدة قليلة، فالقول بجواز مثل الشتم و التوبيخ‌

65

في مورد لا يرى الحاكم ضربه بالسوط قول بغير علم و مخالف للأصل، و ليس من التعزير بشي‌ء.

و الدفع بأن المعاقبة و التأديب بضرب دون الضرب بالسوط أو بما دون الضرب، و ان ليس من افراد التعزير إلّا أنا نقول به هنا بالأولوية فإذا جاز للحاكم لحفظ النظام و ردع المجرم عن ارتكاب الجرم معاقبته بالتعزير يجوز له بالأولوية القطعية معاقبة المجرمين بادنى من ذلك، و هذا كمفهوم قوله تعالى: (فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ)، (1) الّذي هو حرمة الضرب، و هنا مفهوم جواز الضرب أو الضرب بالسوط جواز مثل قول الأف، فعلى هذا يجوز الاكتفاء بما هو الأخف من التعزير حتّى في موارد ورد النص فيها بالضرب و الجلد تعزيراً، إذا رأى الحاكم ذلك.

نعم لا يجوز العدول عن الضرب دون الحد (التعزير) إلى غيره مما لم يعلم كونه اخف منه، كما ان التعدي عن المقدار المعين في النصوص إلى اكثر منه و إن كان دون الحد لا يخلو عن إشكال.

هذا كله على القول بأن أمر التعزير موكول إلى رأي الحاكم، و إلّا فلا وجه للتنزل إلى ما هو اقل من التعزير. و يمكن ان يستدل لجواز الضرب بغير السوط- و إن لم نقل بكونه من افراد التعزير بما رواه شيخنا الطوسى رفع مقامه بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: اتى على (عليه السلام) برجل‌

____________

(1) الاسراء الآية: 23.

66

عبث بذكره حتّى انزل، فضرب يده بالدرة حتّى احمرت، قال: و لا أعلمه إلّا قال: و زوجه من بيت مال المسلمين (1) و يمكن ان يقال بأن هذا- أيضاً- من افراد التعزير، بناء على عدم ظهور قولهم في تعريفه انه هو الضرب دون الحد، في الضرب الخاص الّذي يحد به و هو الضرب بالسوط.

فان قلت: إذا كان التعزير ظاهراً في الضرب دون الحد، و لم يكن للحاكم معاقبته بغيره مما يراه مفيداً للمنع عن الذنب كالحبس و اداء المال فما يصنع إذا رأي ان معاقبته بالضرب غير رادع له.

قلت: القدر المتيقن بل الّذي استقر عليه ظهور الأدلّة، و كلمات الأصحاب هو التعزير بما دون الحدّ، فإذا لم يؤثر ذلك في منعه يكرر الحاكم معاقبته فان لم يؤثر يأمر بحبسه أو يحده أو يقتله بحسب الموارد المنصوصة و القواعد الفقهيّة (2).

الأمر السابع في حكم التأديب بالسجن و اداء المال

ربما يوجه التعزير بالحبس و اداء المال بالغاء الخصوصيّة في مثلهما إذا كان شدته على المجرم مساوياً للضرب دون الحد و كان اثره في تحقق المصلحة التي يرى الحاكم تعزيره لها أيضاً مساوياً للتعزير بالضرب دون الحدّ فيعاقب من يرى تعزيره بعشرين سوطاً بالحبس في المدة التي كان اثره بحسب حال هذا المجرم مساوياً لتاديبه بالتعزير أو بأداء مال كان اثره في ذلك بالنسبة إليه مساوياً لتعزيره بهذا العدد من الأسواط، و عليه يختلف ذلك باختلاف احوال المجرمين من حيث قدرتهم الماليّة و البدنيّة‌

____________

(1) التهذيب ج 10 ص 64 الباب الرابع من كتاب الحدود ح 233/ 16، 234/ 17.

(2) قال يحيى بن سعيد الحلى (رحمه الله) في نزهة الناظر: يقتل في الثالثة بعد قيام الحد و التعزير عليه مرتين، ستة شارب الخمر، جاءت أحاديث صحيحة، و به قال أكثر أصحابنا ... الخ، و أفتى المفيد (قدس سره) في المقنعة بمعاقبة من اتجر بالسموم القاتلة، فان لم يمنع و أقام على بيعها و عرف بذلك ضربت عنقه، و أفتى بذلك الشيخ في النهاية و ابن ادريس في السرائر.

67

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

68

و غير هذه، فرب شخص لا يؤدب بأداء مئات الآلاف و لا تكون في اداء هذا المبلغ الكثير مشقة عليه، و يؤدب بضرب عشرين سوطاً أو حبس شهرين، أو يؤدب بأداء مليون مثل ما يؤدب بضرب عشرين سوطاً، و تكون مشقة اداء هذا المال الكثير و ضرب عشرين سوطاً عليه على السواء، و عليه يجب على الحاكم ملاحظة جميع الجوانب و المناسبات.

و هكذا يوجه التعزير بالحبس أو اداء المال بطريق أولى إذا كان الحبس و اداء المال اخف من الضرب بالنسبة إليه و مؤثراً لردعه و تحقق ما للتعزير من المصلحة.

و على الأوّل الأمر في اختيار التعزير أو الحبس أو اداء المال و إن كان بنظر الحاكم إلّا أنّ الأحوط له ان يخير المجرم في اختيار ذلك، بل ليس له الاختيار في ذلك، و أمّا على الثاني فيمكن القول بعدم جواز العدول من الأخفّ إلى الأشدّ، و إن كان الاخفّ الحبس و الأشدّ الضرب.

و يمكن ان يستشهد لذلك بما في المبسوط قال في كتاب الأشربة:

إذا فعل إنسان ما يستحق به التعزير مثل ان قبّل امرأة حراماً أو اتاها فيما دون الفرج أو اتى غلاماً بين فخذيه عندهم، لأن ذلك عندنا لواط، أو ضرب إنساناً أو شتمه بغير حق، فللامام تأديبه، فان رأى ان يوبخه على ذلك و يبكته أو يحبسه فعل، و إن رأى ان يعزّره فيضربه ضرباً لا يبلغ به الأدنى من الحدود و ادناها أربعون جلدة فعل، فإذا فعل، فان سلم منه،

69

فلا كلام، و إن تلف منه كان مضموناً عند قوم، و قال قوم: إن علم الإمام انّه لا يردعه إلّا التعزير وجب عليه ان يعزره، و إن رأى أنّه يرتدع بغيره كان التعزير إليه إن شاء عزّره تعزيراً واجباً أو مباحاً (1) و هو الّذي يقتضيه مذهبنا.

و لا يخفى عليك ان كلامه (قدس سره) لا يدل على ان الحبس عنده تعزير، كما نسبه إلى أبي حنيفة، بل الّذي يقتضيه التأمل في كلامه ان مختاره هو ما ذكره في ذيل كلامه، و قال: و هو الّذي يقتضيه مذهبنا، و ما ذكره في صدر كلامه كأنه حكاه عن غيرنا ممن خالف مذهبنا، و لو قلنا: إن مختاره ذلك فليس اختياره هذا من باب ان الحبس عنده نوع من التعزير بل ظاهر كلامه يعطي بانه لا يجب على الحاكم الاخذ بالتعزير إذا امكن تاديبه بغيره مما هو اخف، و ان لم يمكن ذلك إلّا بالتعزير وجب تعزيره،

____________

(1) قوله، و ان رأى انه يرتدع بغيره ... الخ، إذا كان الغير الّذي يرتدع به مساوياً للتعزير ان شاء الإمام عزره و ان شاء تركه يعنى يردعه بغيره و أما ان كان غيره أخف و هو يرتدع به فالوجه في جواز تعزيره- ان كان اطلاق الادلة- فيمكن منع اطلاقها، لانها ليست من جهة هذا في مقام البيان، و الاصل و الاحتياط يقتضى اختيار الاخف. و يأتى وجه تقسيمه التعزير إلى الواجب و المباح في الأمر الثامن و ان مختاره ان الإمام ان علم انه لا يردعه إلّا التعزير وجب عليه ان يعزره، و ان رأى أنه يرتدع بغيره كان التعزير إليه ان شاء عزره و ان شاء تركه فالتعزير في الصورة الاولى واجب و في الثانية مباح.

70

و على هذا يجب ان يكون الحبس و كلما يؤدّبه به دون التعزير و اخف منه عند العرف، فلا يجوز له ان يؤدّبه بحبسه في مدة كان أشدّ من تعزيره المناسب.

ثمّ إن ما ذكر- و إن كان اقرب إلى النظر من إلحاق الحبس و غيره مطلقاً بالتعزير- إلّا انه يمكن ان يستشكل في ذلك بمنع المساواة بين مثل الحبس في مدة، و الضرب دون الحد، و ان كانا مساويين في التأثير في مصلحة معاقبة المجرم، لاحتمال خصوصية الضرب، و عدم تعطيل اعمال المجرمين بالحبس، و غير ذلك من الفوارق بينهما، بل و المفاسد التي تترتب على حبس المجرمين- تعزيراً- من جهة كثرتهم، فليس ذلك من باب رجل شك بين الثلاث و الأربع يبنى على الأربع، فيقال: إن المرأة إذا شكت هو حكم شكها، لعدم دخالة كون الشاك الرجل في الحكم.

مضافاً إلى انه إذا كان الحبس و التعزير غير متفاوتين في التأثير، فما فائدة العدول عما هو منطوق النصوص، الّذي هو اظهر و أقوى إلى المفهوم.

اللهمّ إلّا ان يقال: إن الفائدة تظهر فيما إذا رأي الحاكم اختيار الحبس أو اداء المال، و جعل المجرم مخيراً في اختيار التعزير و غيره.

و على ذلك كله، فالاقوى في النظر انه إذا كان الحبس أو اداء المال‌

71

أخفّ من الضرب دون الحدّ، المناسب للجرم، يجوز ترك التعزير، بل لا يجوز التعزير، و يجب الاكتفاء بما هو الأخفّ، و إذا كان الحبس مساوياً للتعزير المناسب- أيضاً- لا يبعد جواز الاكتفاء به إذ رأى الحاكم ذلك، غير أنّ الاحوط بل الأقوى ان يخير المجرم في اختيار أي منهما شاء و بعد اختياره الحبس أو اداء المال يصير التأديب بكلّ منهما بالنسبة إلى التعزير بالضرب بالسوط التأديب بالأخفّ الّذي سمعت انه لا يجوز التعدي منه إذا كان وافياً بالمصلحة بالاشدّ. و اللّٰه اعلم (1).

____________

(1) و ممن يستفاد منه من العامّة- التدرج في التعزير، و أن الحبس (على القول به) يجب أن يكون أخف من الضرب- الماوردى في (الأحكام السلطانية، و الولايات الدينية) قال في الباب التاسع عشر: الفصل السادس في التعزير، و التعزير تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود، و يختلف حكمه باختلاف حاله، و حال فاعله، فيوافق الحدود من وجه، و هو أنه تأديب استصلاح و زجر، يختلف بحسب اختلاف الذنب. و يخالف الحدود من ثلاثة أوجه: أحدها أن تاديب ذى الهيبة من أهل الصيانة أخف من تاديب أهل البذاء و السفاهة، لقول النبي (صلى الله عليه و سلم): «أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم» (1) فتدرج في الناس على منازلهم، فان تساووا في الحدود المقدرة، فيكون تعزير من جل قدره بالاعراض عنه، و تعزير من دونه بالتعنيف له، و تعزير من دونه بزواجر الكلام، و غاية الاستخفاف الّذي لا قذف فيه، و لا سب، ثمّ يعدل عن دون ذلك إلى الحبس الّذي يحبسون فيه، على حسب ذنبهم، و بحسب هفواتهم، فمنهم من يحبس يوماً، و منهم من يحبس أكثر منه إلى غاية مقدرة و قال أبو عبد اللّه الزبيرى من اصحاب الشافعي: تقدر غايته بشهر للاستبراء، و الكشف، و بستة أشهر للتأديب، و التقويم، ثمّ يعدل عن دون ذلك إلى النفى، و الابعاد، إذا تعدت ذنوبه إلى اجتذاب غيره اليها، و استضراره بها، و اختلف في غاية نفيه و ابعاده، فالظاهر من مذهب الشافعى تقدر بما دون الحول، و لو بيوم واحد، لئلا يصير مساوياً لتعزير الحول في الزنا، و ظاهر مذهب مالك أنه يجوز ان يزاد فيه على الحول بما يرى من أسباب الزواجر ثمّ يعدل بمن دون ذلك إلى الضرب ينزلون فيه على حسب الهفوة في مقدار الضرب، و بحسب الرتبة في الامتهان و الصيانة.

ثمّ ذكر اختلافهم في أكثر ما ينتهى إليه الضرب في التعزير، و ذكر في آخر هذا الفصل من انواع التعزير الصلب حيّاً ثلاثة أيام، و حلق الشعر دون اللحية؛ و تسويد الوجه، و لم يعين مرتبة كلّ من هذه الثلاثة.

و في كلامه مواقع للنظر، و اكثر ما اختاره أو حكى عن غيره من الاقاويل أقوال بغير علم، لم يرد بها آية أو رواية صحيحة، و ما ذكر من كون غير الضرب دون الحد من الحبس و غيره من انواع التعزير مخالف لصريح كلمات علماء أهل اللغة، و المتبادر من هذا اللفظ في عرف الشرع و المتشرعة، و مع ذلك كلامه لا يخلو عن الفائدة جدير بأن يتأمل فيه.

و كيف كان، فكلامه ينادى بأعلى صوته أن الحبس أخف من النفى و أن النفى أخف من الضرب، و هذا لا يكون الا إذا كان الحبس أو النفى في مدة يعد بحسب حال كلّ مجرم أقل من أكثر ما ينتهى إليه الضرب، بل ظاهر كلامه يعطى أن يكون أقل من الضرب مطلقاً، فالتعزير يتدرج بحسب الشدة و الخفة، و منازل الناس و حالاتهم و بحسب اختلاف الذنوب إلى ما هو شديد، فاول مراتبه و أخفها الاعراض عن المجرم ثمّ التعنيف له ثمّ زواجر الكلام، و غاية الاستخفاف، و في المرتبة الرابعة التي هي أشد مما قبلها الحبس، و بعدها النفى، و المرتبة السادسة الضرب و هي اشد المراتب.

هذا، و العمل في مقام التعزير على حسب التدرج الّذي ذكره حسن لا ينبغي؛ بل لا يجوز العدول عنه إذا كان ما قبل الضرب اخف منه، و أما إذا كان مساوياً له، فالعدول عن الضرب إليه لا يجوز الا إذا اختاره المجرم، كما ذكرناه في المتن، و أما اخذ المال من المجرم تعزيراً، فليس في كلامه.

(1) مسند احمد بن حنبل ج 6 ص 181.

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

73

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

74

الأمر الثامن تعيين مقدار التعزير موكول إلى الحاكم

قال الشيخ في المبسوط: التعزير موكول إلى الإمام، لا يجب عليه ذلك، فان رأى التعزير فعل و إن رأى تركه فعل، سواء كان عنده انه لا يردعه غير التعزير، أو كان يرتدع بغير التعزير.

و قال في موضع آخر منه: إن علم الإمام انه لا يردعه إلّا التعزير وجب عليه ان يعزره، و إن رأي انه يرتدع بغيره كان التعزير إليه، إن شاء عزره، و إن شاء تركه، فان فعل ذلك، فلا ضمان على الإمام، سواء عزره تعزيراً واجباً أو مباحاً، و هو الّذي يقتضيه مذهبنا.

و قال في الخلاف في كتاب الأشربة (م 13): التعزير إلى الإمام بلا خلاف، إلّا انه إذا علم انه لا يردعه إلّا التعزير، لم يجز له تركه، و إن علم ان غيره يقوم مقامه من الكلام و التعنيف، كان له ان يعدل إليه، و يجوز له تعزيره، و به قال أبو حنيفة، و قال الشافعي: هو بالخيار في جميع الأحوال، دليلنا ظواهر الأخبار، و تناولها الأمر بالتعزير، و ذلك يقتضي الايجاب.

و ظاهر كلامه عدم الفرق بين ما كان الذنب من حقوق الناس كالشتم و السب و الحبس، أو من حقوق اللّٰه تعالى كترك الصلاة و إفطار صوم شهر رمضان، بل صرح في الخلاف في كتاب الأشربة ان التعزير من حدود اللّٰه تعالى.

75

هذا، و يستظهر من فتوى المفيد- في المقنعة في باب حد الزنا و اللواط- أن الإمام بالخيار في العفو، و إقامة الحد إذا تاب المجرم، دون ما إذا لم يتب، فيجب عليه إقامة الحد، أنه بالخيار- أيضاً- في صورة التوبة في التعزير بالأولوية، و حكى في الجواهر موافقة الحلبيين مع المفيد في ذلك.

و لم أجد فيما طالعته من كلمات الفقهاء مخالفاً للشيخ في أن التعزير إلى الإمام كما نفي الخلاف هو بنفسه أيضاً، و يستفاد من كلامه ان نفيه الخلاف فيه يكون في الجملة فلا ينافي وجوبه عليه إذا علم انه لم يردعه إلّا التعزير، و ما في بعض العبارات من الوجوب مطلقاً في مطلق التعزير، أو في بعض أفراده محمول على الثبوت أو الوجوب فيما إذا علم أنه لم يردعه إلّا التعزير، أو فيما إذا لم يعلم أنه يرتدع من دون التعزير، أو بما هو أخف منه، دون ما إذا علم أنه يرتدع من دون التعزير أو التأديب بما هو أخف منه، بل في هذه الصورة أيضاً ربما يرى في التعزير مصلحة أخرى كعدم تجري الناس و استهانتهم بالمعاصي فالأمر موكول إليه يعنى إلى ما يرى من المصلحة في ذلك، و تختلف بحسب اختلاف الذنوب و المذنبين. و على هذا له التعزير و إن تاب المجرم بعد قيام البينة عليه، فالفرق بينه و بين الحد أن في الحد بعد قيام البينة- على القول المشهور- ليس أمره موكولًا إليه و يجب عليه إجراء الحد.

76

إن قلت: ما ذكر ينافي ظواهر كثير من الأخبار الواردة في التعزير الدالّة على وجوبه.

قلت: الأخبار المأثورة في التعزير طائفتان:

طائفة منها متضمنة لنقل الافعال و الأقضية، و هي لا دلالة لها على وجوب التعزير، و عدم إيكال أمره إلى الحاكم.

و طائفة أخرى ما فيها التعبير بلفظ يعزر، أو عزر، أو عليه التعزير أو يعزر، أو يجلد- مثلًا- ثلثين سوطاً، و هي التي يمكن أن يقال: إن ظاهرها الوجوب.

و لكن يضعف ذلك:

أولًا: بعدم كون هذه الأخبار في مقام البيان- من هذه الجهة- حتّى و إن لم ير الإمام تعزيره، أو تاب قبل قيام البينة عليه. أو عفا عنه صاحب الحقّ بعد رفع أمره إلى الحاكم- على القول بان التعزير ليس مطلقا من حقوق اللّٰه تعالى- فالحكم بالتعزير لبعض الجرائم، أو تعيين مقداره في هذه الأحاديث غير ناظر إلى هذه الجوانب التي لم يكن الحديث في صدد بيانها.

و ثانياً: بأنه قد علم من سيرة النبي (صلى الله عليه و آله) و سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) بل و سيرة حكام الجور التي لم تردع عنها ائمّة الحق ان أمر التعزير موكول إلى الحاكم. و القدر المخرج منه ما إذا علم عدم ردعه إلّا بالتعزير.

77

و ثالثاً: بأن الأصل عدم الوجوب إلّا ما ثبت بالدليل.

هذا، و يمكن أن يقال: ان الاطلاق في الروايات- على فرض قبوله في بعض الموارد إنّما كان لوجود المصلحة النوعية في التعزير فيه، مثل ما إذا وجد رجل و امرأة تحت فراش واحد، (1) أو التفخيذ، و نحو ذلك، ففي مثل هذه الموارد التي لو لم يعزر المجرم يلزم منه تجري الناس بهتك حرمات اللّٰه، و يختل النظام، و يصير معرضاً لانتقاص الناس، و اتهام الشرع بالتهاون بمثل هذه الجرائم، عبر عما هو موكول بنظر الحاكم بألفاظ تفيد الوجوب، لأن الحاكم يرى ذلك بحسب النوع. و لو فرض مورد لم ير ذلك فالأمر موكول فيه. و الروايات منصرفة عنه فتدبر.

خلاصة البحث

أوّلًا: أنه يشكل القول بجواز التعزير إذا رأى الحاكم عدم مصلحة فيه. أمّا إذا رأى مع ذلك مصلحة في تركه، فلا يجوز بلا إشكال.

و ثانياً: أن الحاكم بالخيار، إذا قامت البينة على موجب التعزير،

____________

(1) الوسائل ج 18 ص 410 ح 2 و 1

78

و تاب المجرم بعد قيام البينة.

و ثالثاً: أنه يجب التعزير إذا رأى الحاكم أنه لا يردعه إلّا التعزير، و كذا إذا رأى مصلحة اخرى فيه، و لم يتب المجرم قبل قيام البينة عليه.

و رابعاً: أنه لا يجوز ترك التعزير إذا رأى الحاكم عدم تأثيره في ردعه، لاستلزامه فساد الاستهانة بالمعاصي.

و الأولى أن يقال في مثل هذه الصورة: إن الحاكم إذا رأى عدم تأثير التعزير في ردع المجرم، و رأى ان ترك تعزيره يستلزم مفسدة تجرى أهل المعاصى؟ أو رأى في تعزيره مصلحة اخرى يجب عليه التعزير.

و الحاصل أنه يجب التعزير إذا رأى الحاكم عدم ردعه الا به، و لا يجوز له التعزير مطلقاً إذا تاب المجرم قبل قيام البينة، و إذا كان ما هو أخف من التعزير مؤثراً في ردعه، أو وافياً بمصلحة التعزير، و يشكل الجواز إذا لم ير المصلحة فيه، و في سائر الموارد أمر التعزير موكول إلى رأيه بحسب ما يرى، مراعياً حفظ المصالح النظامية، و دفع ما يفسد الأمور و يختل النظام.

و يبقى الكلام في ما هو نظيره في الحدود من حقوق الناس.

و الأقوى فيه إن ثبت قبل التوبة لا يجوز للحاكم ترك التعزير، أو التأديب المناسب إذا لم يعف صاحب الحق، و طلب منه ذلك، و كان الجرم مما ليس فيه قصاص و لا دية. و إن تاب قبل رفع الأمر إلى الحاكم و ثبوته عنده، فليس عليه شي‌ء، لأنّ التوبة تجب ما قبلها، و التائب من‌

79

الذنب كمن لا ذنب له (1) (2).

____________

(1) الوسائل ج 11 ص 358 ح 8.

(2) قال الماوردى في الآداب السلطانية (ف 6 ب 19): و لو تعلق بالتعزير حق لآدمي كالتعزير في الشتم و المواثبة، ففيه حق للمشتوم و المضروب، و حق السلطنة للتقويم و التهذيب، فلا يجوز لوالى الأمر أن يسقط بعفوه حق المشتوم و المضروب و عليه أن يستوفي له حقه من تعزير الشاتم أو الضارب الخ ... و لا يخفى عليك أنه ربما يستدل- كما يستظهر من بعض العامّة- لرجحان العفو عن تعزير ذوى السوابق الحسنة، و أهل الصيانة، بل وجوبه بالنبوى المعروف الّذي أخرجه أحمد و البخارى و أبو داود، كما أخرج عنهم السيوطى في الجامع الصغير «اقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم الا الحدود» قال ابن الاثير: هم الّذين لا يعرفون بالشر: فيزل أحدهم الزلة، و الحديث و ان كان ضعيف السند الا أن مضمونه معمول به، لانهم أفتوا بأن مما يلاحظ الحاكم في التعزير هو حال المجرم، و أنه على ظاهر حال حسن أو قبيح. هذا و قد أخرج هذا الحديث الشريف الرضى في مجازات الآثار النبويّة (ح 184) و لفظ الحديث حسب اخراجه (أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم فان أحدهم ليعثر، و أن يده بيد اللّٰه يرفعها) (1) و قال في شرحه: و هذا القول مجاز، و المراد بذكر يد اللّٰه- هاهنا- معونة اللّٰه تعالى و تقدس، و نصرته فكانه عليه الصلاة و السلام اراد ان احدهم ليعثر، و ان معونة اللّٰه من ورائه تنهضه من سقطته و تقيله من عثرته (إلى ان قال).

و المراد بذى الهيئات- هاهنا- ذووا الاديان لا ذوو الملابس الحسان، كما يظن من لا علم له، لان هيئة الدين، و ظاهره أحسن الهيئات؛ و أفخم المعارض و الملابس.

أقول و هذا باب عزيز سديد يفتح للحاكم إلى العفو من المجرمين الّذين كان ظاهر حالهم حسناً مقبولا.

(1) مسند احمد بن حنبل ج 6 ص 181.

80

و إن كان الجرم مما جعل الشارع فيه القصاص أو الدية يكون أمر تعزيره إن تاب بعد ثبوته موكولًا إلى الحاكم مطلقاً و يمكن ان يقال بعدم التعزير فيما فيه القصاص أو الدية و اختصاص التعزير بغير ما فيه القصاص أو الدية. و اللّٰه أعلم.

الأمر التاسع في حكم الشفاعة في التعزيرات

انه هل تجوز الشفاعة في التعزيرات؟ و يجوز للحاكم قبولها إذا رأى ذلك؟ أو حكم الشفاعة فيها حكمها في الحدود فلا تجوز؟

مقتضى الأصل جوازها، و جواز قبولها إذا رآه الحاكم، لأنه ربما يرى كفاية ما صدر منه من إعلام إيقاع التعزير و الانذار به في منع المجرم عن الذنب، و مصلحة النظام، و ربما كان ترك تعزيره بشفاعة المؤمنين أوقع و أقوى في منعه، و ردعه، و تركه العود إليه، و على الجملة جواز القبول و عدمه بعد ما كان أمر التعزير موكولًا إلى الحاكم على التفصيل الذي مرّ في الأمر الثامن يدور مدار كون القبول بدواع صحيحة شرعيّة، و ملاحظات سياسية نظاميّة، أو بدواع نفسانية غير شرعيّة، فما هو اللازم على الحاكم رعايته في مقام إجراء التعزير و إيقافه و قبول الشفاعة،

81

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

82

المصالح النظاميّة، و استصلاح العباد، و المنع من المعاصي، و الردع عما يوجب فساد الأمور، و استخفاف الناس بفعل المحرمات مكتفياً في ذلك بأقل ما يتحقق به تلك المقاصد و الأغراض مراعياً لكمال الاحتياط، فان من أعظم ما ابتلى به القاضى أن يتجاوز عن الحد، و يضرب سوطاً في غير محلّه، و زائداً على الحد المعيّن، و على ما يؤدب به من أراد تأديبه، فقد قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله):

«إن أبغض الناس إلى اللّٰه عز و جل رجل جرّد ظهر مسلم بغير حق» (1).

و روي عنه (صلى الله عليه و آله) أنّه قال:

«لا يحل لوال يؤمن باللّٰه و اليوم الآخر ان يجلد اكثر من عشرة اسواط إلّا في حدّ» (2).

____________

(1) الوسائل ج 18 ص 336 ابواب مقدمات الحدود و احكامها العامّة ب 26 ح 1.

(2) الفقيه ج 4 ص 52 ب نوادر الحدود (ب 17 ح 187/ 9 هذا الخبر مع ضعف سنده معارض بأخبار معتمد و لم يعمل بظاهره، و يحمل على شدة مسئولية الوالى إذا جلد اكثر من عشرة اسواط، و للطحاوى في (مشكل الآثار ج 3 ص (17- 164) كلام طويل، قال في اثنائه: فقال قائل: هذا حديث قد تركه أهل العلم جميعاً، لانهم لم يختلفوا في التعزير إن للامام ان يتجاوز به عشرة اسواط، و إنّما يختلفون فيما لا يتجاوزه بعدها في ذلك. ثمّ ذكر اختلافاتهم في ذلك، فراجعه ان شئت. و لفظ الحديث على ما اخرجه الطحاوى عن أبي بردة بن نيار ان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) كان يقول: لا يجلد فوق عشر جلدات الا في حد من حدود اللّٰه.

83

و مما يدل على جواز الشفاعة ما رواه الكلينى باسناده عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: كان اسامة بن زيد يشفع في الشي‌ء الذي لا حد فيه، فأتي رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) بانسان قد وجب عليه حد، فشفع له اسامة، فقال له رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): لا تشفع في حدّ (1).

و يستفاد من هذا الحديث مضافاً إلى ذلك ان أمر التعزير موكول إلى رأي الحاكم، لأن اسامة كان يشفع فيه، فلولا انه يرى ان للحاكم ذلك لم يكن يشفع فيه، و لو لم يكن ذلك للحاكم لنبهه رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) و نهاه.

____________

(1) الوسائل ج 18 ص 333 ابواب مقدمات الحدود و احكامها العامّة ب 20 ح 3.

84

الأمر العاشر في حكم التعزيرات المعينة العدد، في النصوص

انه قد ورد في النصوص تعزيرات معينة العدد مثل ما ورد في الرجل و المرأة يوجدان في لحاف واحد يجلدان مائة مائة غير سوط (1).

و ما ورد في رجلين يوجدان كذلك، قال يجلدان غير سوط واحد (2) و في نصرانى قذف مسلماً فقال له يا زاني، فقال: يجلد ثمانين جلدة لحق‌

____________

(1) الوسائل ج 18 ص 364 و 367 ابواب حد الزنا ب 10 ح 3 و 19 و 20.

(2) الوسائل ج 18 ص 367 ابواب حد الزنا ب 10 ح 18.

85

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

86

المسلم و ثمانين سوطاً إلّا سوطاً لحرمة الإسلام ... الحديث (1).

و ما ورد في من اتى امراته و هو صائم أو هي حائض انه ضرب خمسة و عشرين سوطاً (2).

فهل يجوز للحاكم في الموارد الأول و الثانى الذي ورد النص فيهما بأنهما يجلدان مائة أو ثمانين غير سوط- بعد الغض عن معارضهما، و هو خبر سليمان بن هلال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3) و عدم الجمع بينهما بحمل الأولين على أكثر مقدار التعزير، و حمل الثانى على ادنى ذلك، أو على بيان احد افراد التعزير الذي للحاكم أن يختاره ... و كذا في المورد الثالث التعزير بالأقل، و في المورد الرابع و الخامس التعزير بما يراه من الأقل من خمسة و عشرين أو الاكثر منه. و هل يجوز له ترك تعزيرهم إن تابوا بعد إقامة البينة عليهم و لم ير الحاكم المصلحة في تعزيرهم؟ المسألة محل تامل و اشكال، و يمكن ان يقال بجواز ترك تعزيرهم في صورة التوبة، و عدم مصلحة فيه، و عدم ترتب مفسدة على تركه، لأنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له. و أما في غير هذه الصورة سيّما إذا وجدا في لحاف واحد، فالاكتفاء بالأقل في غاية الاشكال، و لا يبعد ان تكون حكمة‌

____________

(1) الوسائل ج 18 ص 450 ح 3 ابواب حد القذف ب 17 ح 3

(2) الوسائل ج 18 ص 585 و 586 ابواب بقية الحدود ب 12 ح 1 ب 13 ح 1 و 2.

(3) الوسائل ج 18 ص 367 ابواب حد الزنا ب 10 ح 21.

87

حكم الشارع بأنهما يجلدان غير سوط عظم ذلك العمل، و ان معاقبته بالأقل يوجب استصغاره بل و استصغار اللواط. و فيمن اتى امرأته في شهر رمضان و هو صائم أو هي حائض يمكن ان يقال: إن الحديث منصرف عن صورة علم الحاكم بأنه لا يرتدع بهذا المقدار، فلا بدّ من الأكثر حتّى يرتدع، و أمّا إذا احتمل انه يرتدع بذلك، فلا يجوز التعزير بالأكثر، و لا الاقل لحرمة شهر رمضان، و كأن حكمة جعل هذا المقدار الذي هو ربع حد الزاني اشتراك هذا الوطي مع الوطي بالزنا في الحرمة، و خفة حرمته من الزنا، و على كلّ حال فالمسألة لا تخلو من الاشكال.

88

الأمر الحادى عشر في حكم عقوبة المجرم، باداء المال

أنّه ربما يختلج بالبال في توجيه عقوبة المجرم بالزامه بأداء المال إن رأى الحاكم البهيمة ملكاً للفاعل ذبحت إن كانت مما يقع عليه الذكاة، و حرقت بعد ذلك بالنار، كما يفعل بما لا يملكه من ذلك، و إن كانت مما لا تقع عليه الذكاة أخرجت إلى بلد آخر بيعت هناك، و تصدق بثمنها، و لم يعط صاحبها شي‌ء منه، عقوبة له على ما جناه، و رجاء لتكفير ذنبه بذلك بالصدقة عنه بثمنها على المساكين و الفقراء، و إن كانت البهيمة لغير الفاعل بها أغرم لصاحبها ثمنها، و كان الحكم فيه ما ذكرناه من ذبح ما تقع عليه الذكاة و تحريقه بالنار ليزول أثره من الناس، و إخراج ما لا تقع عليه الذكاة إلى بلد آخر ليباع فيه و يتصدّق بثمنه على الفقراء.

أقول: ما ذهب إليه- (قدس سره)- من التصدق بثمنها لا يستفاد من الأدلّة، و المشهور على أنه ملك لصاحبها إن كان هو الفاعل، و إن كان‌

89

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

90

الواطي غير المالك يغرم لصاحبها قيمتها، و يكون ثمنها له، و على فرض صحة ما ذهب إليه فهو مختص بمورده لا يتعدى منه إلى غيره (1) و نظير كلام المفيد (رضوان اللّٰه عليه) ما حكى ابن إدريس في السرائر في أواخر باب دية الجنين عن السيد المرتضى رفع اللّٰه درجتهما: إن دية الميّت تكون لبيت المال (قال): و هو الذي يقوى في نفسي، لأن ما ذهب إليه شيخنا أبو جعفر (ره) لا دليل عليه، و هذه جناية يأخذها الإمام على طريق العقوبة و الردع فيجعلها في بيت المال.

أقول: هذا القول مخالف لما عليه المشهور من أنّ ديته له دون الورثة يحج بها عنه أو يصرف في غير ذلك من أبواب الخير، كما دل عليه حسن حسين بن خالد (2) المؤيد بمرسل محمّد بن صباح (3) و لا يعارضهما خبر اسحاق بن عمّار أنه قال للصادق (عليه السلام): فمن يأخذ ديته؟

قال: الإمام هذا للّٰه، لامكان الجمع بينهما بأن الإمام يأخذ الدية و يصرفها‌

____________

(1) لا يخفى عليك انى لم اظفر بمن افتى بالتعزير بالمال مطلقاً من احد من فقهاءنا، بل جزم بعضهم مثل العلامة بأنه ليس في التعزير جرح المجرم أو اخذ ماله و ذكر في «الفقه على المذاهب الاربعة» انه اجاز بعض الحنفية التعزير بالمال على انه إذا تاب يرد له (ص 401 ج 5).

(2) التهذيب ج 10 ص 273- 274 ح 1073/ 18.

(3) التهذيب ج 10 ص 270- 271 ح 1065/ 10- الكافي ج 7 ص 347- 348.

91

للّٰه في وجوه البرّ مضافاً إلى أنه ليس في خبر إسحاق بن عمّار أن الدية تؤخذ منه على سبيل العقوبة (1).

ثمّ إنه قد يختلج بالبال أيضاً دلالة بعض الآيات الكريمة و الأحاديث الشريفة على وجوب الكفارة و التصدق على المساكين بجواز الجرائم الماليّة في مطلق المعاصي.

و فيه: أيضاً أن التعدي في هذه النصوص عن مواردها إلى غيرها ضرب من القياس، مضافاً إلى أن ترتب الكفّارة و التصدق في هذه الموارد على مخالفة الأمر عمداً أو عذراً ليس من الأحكام النظاميّة التي يحكم بها القاضى كالحدود، و التعزيرات، فالكفارات في مواردها تجب و إن لم يثبت عند القاضى، و ليست كالحد و التعزير اللذين يسقطان إذا لم يثبتا عنده، فمن أتى أهله و هي حائض بناء على وجوب الكفارة فيه تجب عليه الكفارة، و لا يجب عليه الاقرار به عند القاضى لأن يعزره، و هكذا من أفطر صوم شهر رمضان تجب عليه الكفارة، و إن لم يثبت ذلك عند القاضى أو عفى عنه أو تاب قبل الاثبات.

هذا، و ربما يتوهم الاستدلال على تعزير المجرم بأخذ ماله بما رواه الكلينى (رضوان اللّٰه تعالى عليه) عن على بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلى عن السكونى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قضى النبي (صلى الله عليه و آله) فيمن سرق الثمار‌

____________

(1) راجع في ذلك الجواهر المسألة الثانية من مسائل دية الجنين ج 43 ص 387- 388.

92

في كمّه فما أكل منه فلا شي‌ء عليه و ما حمل فيعزر و يغرم قيمته مرتين (1) و رواه الشيخ أيضاً باسناده عن على بن إبراهيم إلّا أنه قال «فيمن سرق في كمّه» (2) أقول: لم أجد في كلماتهم من استدل به، لأنى لم أجد من أفتى بذلك فضلًا من أن يستدل له، و الحديث مع ضعف سنده غير معمول به، قال العلامة المجلسي (رضوان اللّٰه عليه) في المرآة: لم يعمل بظاهره أحد من الأصحاب فيما رأيناه، و قال التقى المجلسى (قدس سره): يمكن أن يكون المرتان لما أكل و لما حمل لأن جواز الأكل مشروط بعدم الحمل (3)، و هذا العمل و إن كان خلاف الظاهر دليل على تركهم الخبر، و لذا يحملونه على مثل هذا المحمل، و هذا مضافاً إلى أنه معارض في مورده باطلاق ما يدل على تغريمه بمثله أو قيمته مرة واحدة، و تقييده بمثل هذا المقيد الّذي أعرض عنه الأصحاب لا يوافق القواعد، و لو قيل بدلالته بالتغريم مرتين في سائر موارد تغريم المثل أو القيمة بالغاء الخصوصية يكون معارضاً بنصوص الأحاديث الدالة على تغريم المثل أو القيمة و اللّٰه تعالى يعلم.

____________

(1) الكافي ج 7 ص 230 ح 3.

(2) التهذيب ج 10 ص 110 ح 431/ 48.

(3) روضة المتقين ج 10 ص 184.

93

الأمر الثانى عشر في حكم تأديب المجرمين، بجرح ابدانهم

الظاهر أنه لا خلاف بينهم في عدم جواز عقوبة المجرمين تأديباً، أو تعزيراً بجرح ابدانهم على نحو يكون ذلك من انواع التعزير، و كان اختياره موكولًا إلى الحاكم في جميع الموارد بأن يقال: إنه مخير بين ضرب المجرم دون الحدّ، و جرح بدنه، و على هذا القول يكون الحبس بل واخذ المال أيضاً من انواع العقوبات التي أمرها موكول إلى الحاكم، فله اختيار ايّ واحد من الأربعة في جميع الجرائم، و بالنسبة إلى جميع المذنبين، بل يمكن دعوى الاجماع على عدم جواز ذلك.

فان قلت: قد وردت رواية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ان ثلاثة نفر رفعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، واحد منهم امسك رجلًا و اقبل الآخر فقتله، و الآخر‌

94

يراهم فقضى في الربيئة (1) ان تسمل عيناه و في الّذي امسك ان يسجن حتّى يموت كما امسك، و قضى في الّذي قتل ان يقتل (2).

و ضعفها منجبر بعمل الأصحاب بل قيل كما في الجواهر: انه مقطوع به في كلامهم، و قال الشيخ في الخلاف: إذا كان معهم ردء ينظر لهم فانه تسمل عينه، و لا يجب عليه القتل (إلى ان قال): دليلنا ما قدمناه في المسألة الأولى سواء يعني إجماع الفرقة و اخبارهم (3).

قلت: لا يجوز التعدي في هذا الحكم عن مورده إلى غيره قطعاً و اتفاقاً، فلا تسمل عينا من رأى سارقاً يسرق أو زانياً يزني أو احداً يمثل بأحد، و نحو ذلك. فهذا الحكم كالحكم بسجن الممسك حتّى يموت، لا يتعدى عنه إلى غيره، فكما لم يكن للحاكم القضاء بسجن الممسك حتّى يموت، و تسميل عيني من كان يراهما لو لا هذه الرواية، لا يجوز في غير هذا المورد الحكم بالامساك في السجن حتّى يموت، و بتسميل عيني المجرم.

فان قلت: فما تقول في الروايات التي وردت في سرقة الصبيّ، و انه‌

____________

(1) في بعض النسخ الرؤية، و في الثالثة الرئية، و في الرابعة الربية و في الخامسة الروية.

(2) التهذيب ج 10 ص 219 باب الاثنين إذا قتلا واحداً و الثلاثة ج 10/ 863.

(3) الخلاف ج 3 ص 100 كتاب الجنايات م 37.

95

تقطع اطراف اصابعه؟ و في رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

سألته عن الصبيّ يسرق؟ قال: ان كان له سبع سنين أو اقل رفع عنه، فان عاد بعد السبع قطعت بنانه أو حكت حتّى تدمي، فان عاد قطع منه اسفل من بنانه ... الحديث (1).

و حيث ان الروايات مختلفة في حكم سرقة الصبيّ، قال التقي المجلسي (رحمه الله): و الظاهر ان هذه الاختلافات لكونها تعزيراً، و التعزير برأي الإمام و مصلحته؟ (2).

قلت: لم يفت احد بجواز التعدي عن مورد هذه الروايات إلى غيره حتّى في سائر الحدود فضلًا عن غيره. هذا مضافاً إلى انّ في هذه الروايات التصريح بأن هذا الحكم في سرقة الصبيّ ليس من باب التعزير.

ففي الصحيح عن عبد اللّه بن سنان، قال: سألت ابا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصبيّ يسرق؟ قال: يعفى عنه مرة أو مرتين، و يعزر في الثالثة، فان عاد قطعت اطراف أصابعه، فان عاد قطع أسفل من ذلك (3).

و في الحسن كالصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا سرق الصبيّ عفي عنه، فان عاد عزر، فان عاد قطع أطراف الأصابع، فان عاد‌

____________

(1) روضة المتقين ج 10 ص 180.

(2) روضة المتقين ج 10 ص 182.

(3) روضة المتقين ج 10 ص 180.

96

قطع أسفل من ذلك (1). فتحمل هذه الروايات بعد الجمع بينها على التعبّد، و أنّ الشارع لم يرض بسقوط الحدّ بالمرّة في سرقة الصبيّ فأمر بميسوره و ناقصه دون تمامه.

فيستفاد من هذه الأحاديث أن لحد السرقة فردان ناقص و تام، و هو غير مرفوع عن الصبيّ بعد السبع، و بعد تعزيره في الثالثة فيحد بالحد الناقص مراعياً مراتبه المذكورة في الروايات.

____________

(1) روضة المتقين ج 10 ص 181.

97

الأمر الثالث عشر هل يجوز التمسك (باقتضاء الحكومة) لجواز التعزير و التأديب، بالحبس و الجريمة المالية؟

إنه قد يتوهم صحة التمسك بما تقتضيه الحكومة و الولاية، لإثبات جواز التأديب و التعزير بغير الضرب و الإيلام من الحبس، و الجريمة الماليّة بتقريب: أن أمر الناس لا يمضي، و لا ينتظم إلّا بالحكومة، و الحكومة لا تقام إلّا على قدرة الحاكم، و نفوذ أمره، و سلطته على عقوبة المجرمين بأيّ نحو يراه مناسباً و مفيداً، لا فرق في ذلك بين الحكومة البرة و الفاجرة. و قد استقر على ذلك بناء الحكومات، و لم يردع الشارع عنه، بل اسّس حكومته الشرعيّة على هذا الأساس، و ما ورد في الشرع في‌

98

باب التعزيرات إمضاء لهذا الحكم العقلي، ليس فيه تأسيس، و لا ردع عما استقر بناء العقلاء عليه في تأسيس الحكومات، و عقوبة المجرمين بأي نحو يراه الحاكم، فلا يستفاد منه حصر العقوبات الحكوميّة بالضرب دون الحدّ حتّى و لو سلم ظهور لفظ (التعزير) في الضرب دون الحد لا يستفاد منه ردع الشارع عن توسل الحكومة بسائر العقوبات لتحقيق أغراضها النظاميّة، سيّما إذا توقف ردع المجرم، و حفظ النظام عليها، و إنّما جاء التعزير في الروايات، لأن التعزير كان أحد أنواع ما يؤدب و يعاقب به، و كان التأديب به اكثر. و على هذا فالحاكم مختار يعمل في كلّ مورد بل في كلّ زمان و مكان على حسب ما يراه أقوى في حفظ النظام، و مصالح العباد، بل ربما يلزم من تحديد اختيار الحاكم في ذلك نقض الغرض كما لا يخفى.

و على هذا يظهر الوجه في قضايا مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) فانها في غير الحدود الشرعيّة صدرت منه (عليه السلام) لكون أمر معاقبة المجرم في غير الحدود موكولًا إلى رأى الحاكم.

و على الجملة العقوبات النظاميّة من شئون الحكومة لا تستقيم لها الأمور، و لا تتم له الحاكميّة إلّا بها.

هذا، غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال بما تقتضيه الحكومة بين الناس لحفظ النظام و مصالح العباد.

99

و لكن فيه:

أولًا: إنّ قوة الحاكم و قدرته على العقوبة حسب ما قرره أو قدره الشرع يكفى في تحقق المصالح التي لا تتحصل إلّا بالنظام الحكومى و قوته و قدرته فما به تتحقق المصالح الحكوميّة قدرتها على إجراء القانون، و ما قرره الشرع في تأديب المجرمين، و لا يلزم أن تكون مطلقة العنان في ذلك كالحكومات القبيليّة، و غير القانونيّة بل المصلحة يقتضى تعيين حدود اختياره حتّى لا يئول الأمر إلى استبداد الحكّام، و سلطتهم المطلقة على الضعفاء، بل و غيرهم، و حتّى لا تكون الحكومة مظهراً من مظاهر الشدّة و الغلظة، قال اللّٰه تعالى: «وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» (1). مضافاً إلى أن ذلك أي تحديد اختيار الحاكم، و حصر دائرته في الضرب دون الحد يجلب فوائد و مصالح أخرى، اللّٰه تعالى أعلم بها.

لا يقال: هذا إذا كان الحاكم غير الإمام، و أما إذا كان معصوماً كما هو المذهب الحق فلا يترتب على كون كلّ ذلك برأي الإمام (عليه السلام) مفسدة اصلًا.

فانه يقال: نعم لا يترتب على كون ذلك برأيه (عليه السلام) أقلّ مفسدة من جهة كون الأمر موكولًا إليه مطلقاً لعصمته عن الخطأ، إلّا أنه ليست المصلحة في تعيين المنهج و الدستور للحاكم منعه عن الاستبداد بالأمر فقط حتّى‌

____________

(1) آل عمران، الآية 159.

100

يقال: إن الإمام لعصمته منزه عن ذلك، فيمكن أن يكون في تعيين بعض خصوصياته، و حصر اعمال اختياره الحكومى و الولائى في نوع خاصّ من التأديب مصالح تقتضى ذلك، و ما المانع من تناول يد التشريع و الحكم الأحكام النظاميّة الحكوميّة؟ و ما المانع من أن يكون للّٰه تعالى في موارد اعمال الحكومة و الولاية أحكام كالحدود؟ فولاية إجراء الحدود ثابتة لهم إلّا أنّهم لا يزيدون سوطاً واحداً على المقدر الشرعي، و لا يجرون الحد إلّا إذا ثبت من الطرق التي عينها الشارع، و كلّ ذلك غير موجب لضعف الحكومة.

و ثانياً: ليس كلّ قاض و حاكم و أمير بامام، لحصر الأئمّة في الاثني عشر المعصومين (عليهم السلام) أمّا غيرهم من المنصوبين لذلك من جانب الإمام بالنصب الخاص أو العام، فهم غير مصونين من الخطا و الاشتباه، بل و الاستبداد بالأمر، و مصلحة الحكم تلاحظ بالنسبة إلى موضوعاته الغالبة.

و ثالثاً: الاستدلال بأن الحكومة و الولاية لا تقام إلّا إذا كان أمر إجراء السياسات و العقوبات موكولًا إلى الحاكم منقوض بالحدود الشرعيّة، مع أن الأمر في تلك الجرائم التي عين في الشرع لها عقوبة مقدرة أشدّ، و قدرة الحاكم و قوّته على المعاقبة بها ألزم، و مع ذلك لا يجوز للحاكم أن يزيد على ما عين في الشرع سوطاً واحداً.

101

و رابعاً: على هذا يجب أن يكون للحاكم أيضاً معاقبة المجرمين بالجرح أيضاً، لأن هذا أوقع في إنفاذ أمر الحكام، و قذف رعبهم في قلوب المجرمين.

إن قلت: هذا إذا ورد من الشرع ما يدل على التحديد و التعيين، و الحجر على اختيار الحاكم في التأديبات الحكوميّة، و إذا لم يرد فيه في غير الحدود و ما ألحق به، فالأمر باق على إطلاقه و يعمل الرؤساء و الحكام فيه كما كانوا يعملون به و يحفظون به النظام.

قلت: يأتي الجواب عن ذلك: أنه يكفى في الردع هذه الأخبار الكثيرة التي ورد فيها الأمر بالتعزير الّذي قد عرفت أنه ظاهر في الضرب دون الحد، و الأخبار الناهية عن الضرب باكثر من ذلك، و أن المرجع في ذلك على فرض الشك سائر الاطلاقات أو العمومات مثل ما يدلّ على حرمة إيذاء المسلم (1).

فان قلت: إن الولاية اختصت بأمر اللّٰه تعالى بالأئمة الاثنى عشر المعصومين (عليهم السلام) فهم المنصوبون على أمور الناس و ولايتهم مطلقة كاملة من جانب اللّٰه عز و جلّ، فهم ساسة العباد و أركان البلاد، و القوامون بأمر اللّٰه، و خلفاؤه في أرضه، و حكامه على خلقه. و لا يستفاد مما ورد في باب التعزيرات من الأحاديث أن ليس لهم التعزير أو التأديب بغير‌

____________

(1) الوسائل ج 8 ص 487 باب 86 من ابواب أحكام العشرة.

102

الضرب بالسوط، و الروايات منصرفة عنهم، فيجوز لهم التعزير على أي نحو يرونه مناسباً أ لا ترى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) و ان تأديباته لم تنحصر في الضرب بالسوط دون الحد، و اختلفت باختلاف الموارد و المناسبات، و هنا نحن نقول بهذه الولاية لكلّ من ينصبه الإمام للحكومة بين الناس بنصب خاص أو عامّ، فولاية الحكام الّذين يعيّنهم الإمام و إن كانت لا تشملها آيات الولاية و اولي الأمر، لأنه لم يرد منها إلّا الأئمّة الاثنى عشر (عليهم السلام) إلّا انّه ما يمنع من ان يكون هذه الولاية الحكوميّة ثابتة لمن ينصبه الأئمّة، و يجعلونه حاكماً بنص مثل (إنّى قد جعلته عليكم حاكماً) (1) فعلى هذا وجوب إطاعة أولي الأمر المعصومين (عليهم السلام) يوجب علينا إطاعة نوابهم، و من نصبوه حاكماً و والياً، و الأمر بها أمر بها.

قلت: نحن لا نجري الكلام في وظائف الإمام، و انه يجب عليه كيف يعمل إذ هو اعرف بوظائفه و مسئولياته، و اعرف من جميع الأمّة بوظائفهم و تكاليفهم، و كلامه و فعله حجة علينا، و لا حجة لنا عليه، فقد عصمه اللّٰه من الزلل و طهره عن الدنس و اذهب عنه الرجس، إذاً فلا نقول: إنه كيف يجب ان يعمل، بل نقول: إنه عمل أو يعمل كذا بما أخبر هو عن نفسه، لأنه خازن علم اللّٰه تعالى و أمرنا أن نأخذ منه، و ليس- بعد الكتاب و سنة الرسول المعلومة- باب و طريق إلى معرفة أحكام اللّٰه تعالى و تفاصيله الأئمّة (عليهم السلام) الّذين جعل التمسك بهم و بالكتاب أمن من الضلالة، و لا ملازمة بين ولاية الإمام المطلقة في إجراء السياسات بحيث يكون له أن يعزر المجرم بأي نوع شاء، و اطلاق ولاية نوابه، و لا تقاس هذه بهذه فالأولى الولاية الكبرى التي لا يصلح لها إلّا من كان متصفاً بصفة العصمة، لا تنال من كان لحظة في ماضي عمره، و في تمام عمره خارجاً عن طاعة اللّٰه، حتّى و لو بقي من الناس اثنان لكان أحدهما صاحب هذه الولاية، و الثانية و هي ولاية الفقهاء شرطها العدالة. و من التفاوت بين شرط الأولى و شرط الثانية يظهر تفاوت المشروط به.

و الحاصل أن ولاية الفقهاء بنصب الإمام العامّ على الحكومة و القضاء، و كلّ أمر لا يدور رحى الإسلام و الاحتفاظ بعزة المسلمين و استقلالهم و شوكتهم إلّا به، كالدّفاع عن الحوزة و الاستعداد لعلوّ المسلمين على الكفّار و إن كانت من مظاهر ولاية الإمام (عجل اللّٰه تعالى فرجه)، و مطلقة في أمثال هذه الأمور التي لا يرضى الشارع بتركها و تعطيلها، لأنه يلزم من تركها و تعطيلها مفاسد تنفى مصلحة النبوات، و تضيع الأهداف العليا الكامنة في إرسال الرسل و إنزال الكتب، ليست من غير هذه الجهات مطلقة، إلّا ان يدل عليه دليل بالخصوص. و عقوبة المجرم بغير التعزير الّذي عرفت انه الضرب دون الحد، و بغير ذلك مما هو مصرح به في الروايات من هذا القسم يحتاج ولاية القاضى عليها إلى‌

____________

(1) اصول الكافي ج 1 ص 67 ح 10.

103

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

104

دليل خاص يوسع دائرة ولاية الفقهاء، و مع عدم الدليل لا بد و ان يقتصر على ما استظهرناه من الروايات من الضرب دون الحد أو ما هو اخف منه أو يساويه بشرط ان يخير القاضى المجرم في اختيار ايّ نوع أو فرد من الانواع أو الافراد.

هذا، و العمدة في الجواب أن الولاية على تعيين نوع التعزير إنّما تكون إذا لم يعين في الشرع ذلك. و بعد ما استظهرنا من الأدلة أن الشارع عين ذلك نوعاً، و حدد مقداره بأن يكون دون الحد، و جعل تعيين مقداره فيما دون الحد موكولًا إلى نظر الحاكم، حسب الموارد و المناسبات، يعمل الحاكم سواء كان إماماً أو نائبه الخاص أو العامّ وفق ما قرره الشارع، كما يعمل في الحدود الشرعيّة، و اللّٰه أعلم.

الأمر الرابع عشر التمسك بالآيات لولاية القاضى في معاقبة المجرمين باى نحو يراه مناسباً و الجواب عنه

إنه هل يصح التمسك لاثبات أن للحاكم و إن لم يكن إماماً معاقبة المجرمين- بأي صورة يراها مناسباً، و بأي نحو شاء من الضرب دون الحد، و الحبس، و أداء المال، و نفي البلد، و تعطيل عمله و غيرها، و إن كان أشد من الضرب دون الحد- باطلاق آيات نزلت في ولاية النبي و الأئمّة الأولياء المعصومين (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين) كقوله تعالى:

«إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ

105

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

106

يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ» (1).

و قوله تعالى:

«النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» (2).

و قوله عز من قائل:

«وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ». (3)

و قوله عز شأنه:

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ». (4)

بتقريب أنه- كما تكون ولاية الرسول و الإمام (عليهما السلام) المذكورة في هذه الآيات هي ولاية الحكم و الادارة التي على عاتقها مسئوليّة حفظ النظام، و سياسة المجرمين و عقابهم، و إدارة أمور العامّة، و الاحتفاظ بمصالحهم الكليّة، و دفع المفاسد التي تهدد كيان الأمّة، و توجب ضعفها و فشلها، و قوة الكفار، و غلبتهم على المسلمين بحكم هذه الآيات مطلقة، غير مقيدة، تحقيقاً للأغراض العالية المذكورة- يجب أن تكون ولاية الحكام‌

____________

(1) المائدة، الآية: 55.

(2) الاحزاب، الآية: 6.

(3) الاحزاب، الآية: 36.

(4) النساء، الآية: 59.