التعزير، أحكامه وحدوده

- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني المزيد...
121 /
107

و الفقهاء المحققين لهذه المقاصد أيضاً مطلقة، لوحدة الموجب، و وحدة المصلحة، بل يمكن أن يقال بثبوت ولاية الفقهاء، و وجوب إطاعتهم إذا كان الإمام غائباً، أو غير متمكن من التصرف بالاصالة، و أنها من سنخ الولايات المذكورة في هذه الآيات، فيشملها الأمر الدال على وجوب إطاعة أولى الأمر، و الدليل على ولايتهم من القرآن قوله تعالى: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (1) فهذه الآية، و إن كانت صريحة في حسن تبعيّة من يهدي إلى الحق، و لا يحتاج إلى أن يهديه غيره من آحاد الناس، و هو النبي و الإمام اللّذان علمهما من علم اللّٰه تعالى، و تقبيح متابعة غيره ممن لا يهتدي إلى الحق إلّا بهداية المعلم الالهي العالم بالاسماء كلها، إلّا أنه يستفاد منها قبح متابعة الجاهل، و ترك متابعة العالم مطلقاً، لأن مفادها حكم عقلي لا يتفاوت بحسب المراتب. و إن كان القبح في بعض مراتبه أشد، فترك متابعة المعصوم، و الركون إلى غير المعصوم في غاية القبح، و دونه ترك متابعة الفقيه و متابعة غير الفقيه، و دونه ترك متابعة الأفقه و الأفضل و متابعة المفضول.

و الآيات التي يستفاد منها وجوب الرجوع إلى الفقيه و العالم كثيرة جداً.

____________

(1) يونس، الآية: 35.

108

منها قوله تعالى:

«أَمَّنْ هُوَ قٰانِتٌ آنٰاءَ اللَّيْلِ سٰاجِداً وَ قٰائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ». (1)

و قوله تعالى:

«أَ فَمَنْ شَرَحَ اللّٰهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلٰامِ فَهُوَ عَلىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ». (2)

و قوله تعالى جده:

«وَ مٰا يَسْتَوِي الْأَعْمىٰ وَ الْبَصِيرُ* وَ لَا الظُّلُمٰاتُ وَ لَا النُّورُ* وَ لَا الظِّلُّ وَ لَا الْحَرُورُ» (3).

و من البديهي أنه كلما كان الأمر أهم، كان الرجوع فيه إلى غير الأهل و غير الفقيه أقبح و على هذا يمكن أن يقال: إن ما استدل به على ولاية الفقيه من الأحاديث الدالة على إرجاع الناس إلى الفقهاء- أيضاً- ليس نصباً من جانب الإمام بل إخبار عن ولاية الفقهاء في الظروف و الشرائط التي تصل النوبة إليهم في أعمالها، بحسب هذا الحكم العقلي الضروري، و لا يحتاج مثل هذا الحكم العقلي الذي يحتج به اللّٰه تعالى في‌

____________

(1) الزمر، الآية: 9.

(2) الزمر، الآية: 22.

(3) فاطر، الآية: 19 و 20 و 21.

109

كتابه على عباده بالامضاء أو عدم الردع.

و على هذا- ولاية الفقيه- و إن كانت في طول ولاية الإمام، و للامام الولاية على الفقيه، كغيره من الناس إلّا أنها ثابتة بحكم العقل و الشرع بقاعدة الملازمة بنفسها، كولاية الفقيه بالنسبة إلى الصغير، فانها و إن كانت في طول ولاية الأب و الجد الأبوي لكنها ليست من شئون ولايتهما.

اقول: أولًا: لا نسلم كون ولاية الفقيه المنصوب من قبل الإمام بالنصب الخاص أو العام- كما هو عام في عصر الغيبة بل في أعصار الحضور و عدم تمكنهم من النصب الخاص- في السعة كولاية المعصوم بعينها، كيف و المعصوم معصوم من الخطأ، و غيره غير مأمون من الخطأ، فالحكمة يقتضي أن تكون دائرة ولاية غير المعصوم اضيق، و مقصورة على الأمور الضرورية التي لا يقام المجتمع بدونها، و ترجع إلى نظم الأمور، و الذب عن كيان الإسلام، و اجراء السياسات الشرعية من الحدود و التعزيرات، و احقاق الحقوق، و الانتصاف للمظلوم، و دفع سلطة الاعداء الاقتصادية و السياسية و غيرهما من الأمور التي تكون الحكومة مسئولة عنها، و لو لم تقم الحكومة باصلاحها لاختلّ النظام، و فسدت امور العامّة، و بطلت شخصيّة الأمّة المسلمة. و زائدا على ذلك لا يستفاد من الأدلّة لا منطوقاً و لا مفهوماً و مناطاً، فكما لا يجوز ان ينصب للولاية المطلقة على امور كل الناس، و كل الأمور غير المعصوم، لا يجوز للامام‌

110

أيضاً ذلك، فالامر بالاطاعة المطلقة قبيح من الحكيم، و لذا يتمسّك بمثل هذه الآيات التي نزلت في الولاية و إطاعة أولى الأمر بعصمة أولي الأمر، لإطلاق الأمر، و رد بها قول من قال: إن المراد بأولي الأمر أمراء السرايا، أو كلّ من يلي أمر المسلمين فاسقاً كان أو عادلًا، أو الفقهاء، فالتمسك بهذه الآيات على إثبات ولاية غير الإمام من الفقهاء، و غيرها بشمولها للفقهاء كشمولها للامام (عليه السلام) لا يلائم ما استقر عليه المذهب من أن المراد من أولي الأمر و الولي في هذه الآيات الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) القائمين بالأمر بعد النبي (صلى الله عليه و آله) واحداً بعد واحد إلى مولانا و سيدنا الإمام الثاني عشر صاحب الزمان، أرواحنا لتراب مقدمه الفداء (1).

____________

(1) و مما يدل على ان الامامة و الولاية المذكورتين في الآيات الكريمة منصب الهى أعطاه اللّٰه تعالى الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) مضافاً إلى الروايات المتواترة المروية من طرف الفريقين ما أخرجه الامير الحسين بدر الدين المتوفي سنة 662، و هو من مشاهير اعلام الزيدية في كتابه (العقد الثمين في معرفة رب العالمين ص 48، قال: و روينا عن المؤيد باللّٰه باسناده إلى الصادق جعفر بن محمّد الباقر (عليهما السلام) انه سئل عن معنى هذا الخبر «يعنى الخبر المعروف المتواتر «من كنت مولاه فعلى مولاه» فقال: سئل عنها و اللّٰه رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) فقال: (اللّٰه مولاى و أولى بي من نفسي لا أمر لي معه، و أنا ولي المؤمنين أولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم معى، و من كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معى، فعلى مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معه).

111

و أيضاً لا يناسب استدلال مشايخ الأصحاب و أكابرهم بهذه الآيات على إمامة ساداتنا الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) بتقرير أن المراد من الولي و أولي الأمر و الإمام، كما يستفاد من هذه الآيات لا بد و أن يكون معصوماً، و حيث أنه لم يدع لأحد من هذه الأمّة بعد الرسول (صلى الله عليه و آله) غير هؤلاء الاثني عشر، و سيّدة نساء العالمين (عليهم السلام) ممن ادعي لهم الامامة و الولاية- العصمة، و لم تبتن مذاهبهم على ذلك يثبت عصمتهم و إمامتهم.

و ثانياً: إن من أكبر مهمة الولاية إجراء أحكام اللّٰه، و من جملتها أحكام الحدود و التعزيرات، فكما أن ليس لمن له الولاية أن يزيد على حد من حدود اللّٰه سوطاً واحداً و ليس له جرح المجرمين، ليس له في التعزيرات أيضاً التجاوز عما قرره الشارع من الأحكام و الضوابط فيها.

فان قلت: هذا إن استفدنا من أوامر التعزير خصوصية الضرب دون الحد، أمّا لو قلنا بأن الأحاديث ليس في مقام بيان جميع أنواع التعزير و التأديب، و إنّما جاء فيها نوع واحد منها، و هو الضرب دون الحد، لأن في عصر صدور هذه الأحاديث كان المتعارف العقوبة بالضرب، فلا دلالة لمثل ذلك على الحصر.

قلت: إن لم تكن هذه الأخبار الكثيرة التي قد عرفت أنها ظاهرة في أن التعزير هو الضرب دون الحد، و لم يكن مثل لفظ عزر و يعزر الظاهر في الضرب دون الحد في مقام البيان، فقلما تجد كلمةً أو جملة تكون في‌

112

مقام البيان في الأحاديث، و هذه الأحاديث ردعت عن التأديب بغير التعزير، و بغير ما هو اخف منه، هذا مضافاً إلى ان تقييد الضرب بدون الحد كالصريح في الردع عن كلّ نوع او فرد من نوع كان أشد من الضرب دون الحد لو قلنا بدلالة الأخبار على التأديب بغير التعزير، أي الضرب دون الحد، إذا كان اخف منه أو مساوياً له على التفصيل الذي مر ذكره.

و على فرض الشك، فالمرجع هو العمومات و الاطلاقات. و اللّٰه اعلم.

هذا، و لا يخفى عليك ان الاستدلال بحكم العقل المؤيد بآيات مثل قوله تعالى: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ ...» (1) لاثبات ولاية الفقيه إن اريد منه نصب الفقهاء للولاية على الأمور من جانب اللّٰه تعالى كنصب الإمام- (عليه السلام)- ففيه انه لا يستفاد من هذه الآيات إلّا تقرير ما حكم به العقل، و هو قبح إطاعة المفضول، و قبح الأمر باطاعته، و لا يستفاد منه ولاية الفاضل و الأفضل، و أنها غير مشروطة باذن اللّٰه تعالى و نصبه، أو إذن وليه، فما يستفاد منه هو الردع عن متابعة المفضول، امّا وجوب متابعة الفاضل مطلقاً أو عدم لزوم نصب من اللّٰه تعالى، و حصول الولاية لغيره على عباده بمجرد كونه فاضلًا أو افضل، فلا يستفاد منها حتماً، فلا تتحقق ولاية النبي و الإمام إلّا بنصب الهي، و من جانبه، كما لا تتحقق ولاية غيرهم إلّا بنصب خاص، أو عام من‌

____________

(1) يونس، الآية: 35.

113

جانبهما، و غاية ما يمكن ان يقال هنا- في مقام الاستدلال على ولاية الفقهاء و إن كان العمدة في ذلك الأحاديث-: إن على الإمام (عليه السلام) في عصر الغيبة أو عدم تمكنه من التصرف في الأمور و إن كان عصر الحضور يجب بحكم قاعدة اللطف تعيين من يرجع إليه في الأمور، و لو بعنوان عام فيستفاد من حكم العقل المؤيد بهذه الآيات ان تعيينه وقع لا محالة على الفقهاء، لأن من تعيين غيره يلزم الأمر بمتابعة من لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْدىٰ و الرجوع إلى الجاهل مع وجود العالم، و هو قبيح لا يصدر عن الإمام (عليه السلام) كما يستفاد من هذه الآيات بعد ما ثبت انه يجب على اللّٰه تعالى بحكم قاعدة اللطف و اقتضاء اسمائه الحسنى و صفاته العليا ان يعين للخليقة خليفة فيهم ان المعين لهذا المنصب هو اعلم الخليقة و افضل الناس، و ليس هو إلّا علي بن ابي طالب و اولاده المعصومين (عليهم السلام)، لأنهم اعلم الناس و افضلهم و إن فرضنا عدم وصول النص الجلي إلينا على ذلك، فالمستفاد من الآية بضميمة ما ذكر في الصورة الأولى ان الفقهاء هم المنصوبون لولاية الأمور من جانب الإمام (عليه السلام) و إن لم يصل الينا نصه على ذلك انّ في الصورة الثانية الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) هم المنصوبون من جانب اللّٰه تعالى و ان فرض عدم وصول نص ذلك إلينا.

114

تذنيب:

ربّما يقال: إنّ في آية «أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (1) إشارة إلى ان الأحكام على صنفين:

الصنف الأول: الأحكام الأصليّة الثابتة التي لا تتغير بمرور الأيام و الدهور، و هي التي تشملها صيغة الطاعة الأولى (أَطِيعُوا اللّٰهَ) في الآية، و تبين وجوب إطاعته تعالى بالنسبة إليها، و لا فرق في هذه الأحكام بين ان يكون دليلها الكتاب أو السنّة.

و الصنف الثاني: الأحكام الحكوميّة التي تختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة و الظروف و الشرائط لأنها تتبع المصالح و المفاسد التي تتغير بحسب الظروف و الأحوال، فتارة يرى الحاكم مثلًا لزوم المنع عن بيع الغلات من الكفار أو يمنع عن حمل متاع عزّ وجوده في منطقة إلى منطقة اخرى، فيحجر على ذلك دفعاً لمفاسد تترتب على ذلك، و اخرى يرى لزوم حملها إلى بلد آخر لوقوع المجاعة فيه حفظاً للنفوس المحترمة، و تارة يرى المصالحة مع العدو، و تارة يرى المصلحة في محاربته، و غير ذلك من امور و مصالح لا تحصى، و لا تنتظم و لا تتحقق إلّا بمداخلة الحكومة.

و صيغة الطاعة الثانية (وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) تشير إلى‌

____________

(1) النساء، الآية: 59.

115

هذه الأحكام، و لا ريب ان كلًا من الصنفين مستند إلى اللّٰه تعالى.

و التحقيق ان طاعة الحكومة إنّما وجبت رعاية للأحكام الأصلية الثابتة، و تحقيقاً لما أمر الشارع به أو نهى عنه، و لو لا هذه الأوامر و النواهي لما وجبت إطاعة الحكومة، فالحاكم حيث يمنع- مثلًا- عن ورود الأشخاص بلداً أو ينهى عن خروج اهله منه لوقاية أهل البلد أو غيرهم من سراية مرض شائع في خارج البلد، أو داخله إنّما ينهى عما ينهى عنه إنفاذاً لحكم اللّٰه تعالى، و هو وجوب حفظ النفوس المحترمة و حرمة الاضرار بالمسلمين، فآية اللّٰه الزعيم السيد الشيرازي لمّا نهى عن شرب التنباك نهى عنه رفعاً أو دفعاً لسلطة الكفار، و نفوذهم السياسي و الاقتصادي، و نفي السبيل للكافرين على المؤمنين، أو لحرمة إعانة الكفار على الاستيلاء على بلاد الإسلام، و تمهيد أسبابه. و على الجملة الأحكام الحكومية لا تصدر مستقلة، و من غير ارتباط إلى الأحكام الثابتة الشرعيّة، سواء كان الحكم من الأحكام الأولية أو الثانوية، بل تصدر تحقيقاً و امتثالًا للأحكام الأصلية حتّى ان آحاد المكلّفين لو علموا هذه الأمور لوجب عليهم ذلك، أي الامتناع عن دخول البلد أو الخروج منه أو شرب التنباك، نعم ليس لهم إلزام غيرهم ممن لا يعلم ذلك بالامتناع، فهذا شأن الحكومة التي وجبت إطاعتها في الشرع لحفظ هذه الجهات الكلية التي لو اهملتها الحكومة و كان أمرها مفوضاً إلى المكلفين‌

116

كسائر التكاليف التي يعمل فيها كلّ حسب علمه بالموضوع و عدمه ينجر الأمر إلى مفاسد كبيرة، و فوت مصالح عظيمة، و من هنا يظهر الفرق بين الحاكم و غيره في الأحكام المرتبطة بالمصالح العامّة، و هو انّ الحاكم إذا ثبت عنده موضوع الأحكام الأولية المرتبطة بمصالح الناس يأمر الجميع على طبقه، و يجب عليهم إطاعته و إن لم يثبت عند بعضهم ذلك، و ليس لغير الحاكم إلزام غيره إذا لم ير ذلك، و لا تجب عليه إطاعة غير الحاكم، فبالنسبة إلى الأوامر الحكومية ليس لأحد ان يقول: إن تشخيص الموضوع على عهدتي، و لم يثبت عندي، أولم احرز ذلك، بل تجب عليه إطاعة الحاكم، و إن كان الحاكم غير معصوم، نعم إذا كان الحاكم النبي أو الإمام وجبت طاعته مطلقاً، لانهما معصومان من الخطأ، فلا مجال للامتناع عن الاطاعة بعذر انه يرى خلاف ما رأى الحاكم، دون ما إذا كان الحاكم غير الإمام، و علم غيره بخطئه في تشخيص موضوع حكم الأصل، فهل يجوز له في هذه الصورة إذا لم تكن طاعته معصية اللّٰه تعالى مخالفة الحاكم و ترك إطاعته، و لو سراً بحيث لا يتظاهر بالاستهانة بحكم الحاكم، و لا يوجب تجري السائرين في مخالفة الحكومة، لأن حكم وجوب الاطاعة غيري، لاجل الحكم الأصلى؟ أو لا تجوز لموضوعية إطاعة الحاكم و وجوب اطاعته عملًا و ظاهراً إلّا فيما خرج بالدليل و هو فيما إذا كانت طاعته معصية للخالق و فرق بين كون الحكم‌

117

غيرياً و مقدمياً، و بين كونه للغير، فالحكم للغير و إن لم تكن إطاعته دائماً موصلة إلى ذلك الغير إلّا انه توجب اطاعته في جميع الموارد، حتّى في الموارد التي يرى بعض المكلفين عدم كون الاطاعة موصلة إلى هذا الغير؟ فعلى هذا تجب إطاعة الحاكم مطلقاً إلّا في معصية اللّٰه تعالى، فانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (1)، إذا كان الآمر غير الامام، و أمّا الإمام كالنبيّ (صلوات اللّٰه عليهما) فلا يأمر بمعصية اللّٰه تعالى عمداً و لا خطأ.

هذا- و قد تلخص من جميع ذلك ان الأحكام الحكومية، و إن كانت تشبه غيرها من الأحكام إلّا ان الفرق بينهما هو انّ حكم الحاكم إنّما تجب إطاعته للغير، و سائر الأحكام تجب اطاعتها إمّا لنفسها أو مقدمة لغيرها، و أمّا الحكم الظاهري و الطريقي، فالحق فيه انه إذا اصاب الواقع، فليس حكم في البين إلّا الحكم الواقعي، و إن اخطأ، فالحكم صوري لا حقيقي، و تفصيل ذلك يطلب عما كتبناه في اصول الفقه (2) في مسألة الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري، و ان الأحكام الحكوميّة موردها هو الأحكام الأصليّة المرتبطة بالشئون‌

____________

(1) الوسائل ج 8 ص 111 ح 7.

(2) تقريراً لأبحاث استاذنا الاعظم، و مجدد المذهب، و فقيه الشيعة الأكبر السيد البروجردى (قدس سره).

118

العامّة، و مصالح الإسلام و جامعة المسلمين، و احقاق الحقوق و إجراء الأحكام، و حفظ النظام، و قيام الناس بالقسط.

و أمّا نكتة تكرار صيغة الاطاعة في قوله تعالى: «أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (1) فيمكن ان تكون ان الأمر في‌

____________

(1) اليك بعض ما يستفاد من الآية الكريمة مما استفدنا من كلام العلامة (قدس سره) في (الالفين).

1- طاعة الرسول و طاعة اولى الأمر متساويتان لاقتضاء العطف المساواة في العامل.

2- طاعة الرسول لا يقوم غيرها مقامها، كذلك طاعة اولى الأمر، فلا يقوم غيرها مقامها.

3- عصمة النبيّ و اولى الأمر، لان اللّٰه تعالى أمر باطاعتهم مطلقاً، كما أمر باطاعة نفسه، و ايجاب طاعة غير المعصوم مطلقاً محال من اللّٰه تعالى.

4- وجوب طاعة الإمام كوجوب طاعة النبي، و وجوب طاعة اللّٰه.

5- الطاعة الواجبة للرسول متابعة قوله، و فعله، و تركه و تقريره كذلك طاعة الإمام متابعة قوله، و فعله، و تركه، و تقريره، لان العطف على معمول الفعل يقتضى المساواة.

6- كما يمتنع أمر النبيّ بالمعصية، و نهيه عن الاطاعة و لو خطأ، يمتنع صدور ذلك عن الإمام للمساواة.

7- وجوب اطاعة النبيّ عام في المأمور، و المأمور به، كذا يجب ان يكون وجوب اطاعة الإمام عاماً فيهما، لان صيغة الطاعة لهما واحدة.

8- النبيّ معصوم، فيجب ان يكون الإمام معصوماً، لان اللّٰه أمر باطاعتهما على السواء، فلو لم يكن الإمام معصوماً لا يجوز ان يساوى بين اطاعتهما لحسن متابعة المعصوم مطلقاً، و ليس كذلك متابعة غير المعصوم.

و من ذلك كله و من الأخبار الصريحة الواردة في شأن نزول الآية يظهر أن أولى الأمر الّذين أمر اللّٰه تعالى بطاعتهم، و قرن طاعتهم بطاعة النبي (صلى الله عليه و آله)، ليس الا الأئمّة الاثنى عشر (عليهم السلام) الّذين من أطاعهم، فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ، و من عصاهم فقد عصى اللّٰه. و لا يدخل الجنة الامن عرفهم، و عرفوه، و لا يدخل النار الامن أنكرهم و أنكروه، من أتاهم نجا و من لم يأتهم هلك، فلا تنزل هذه الآية و لا تؤول على أحد غيرهم.

119

الصيغة الأولى إرشادي، و ليس مولوي، لانه لو كان مولويّاً لزم الدور المحال، بخلافه في الصيغة الثانية، فانه مولوي، و لذا كررت صيغة الاطاعة، و ليس تكرارها لاختلاف متعلّق الاطاعة، بل ربما ينزل الوحي على النبيّ (صلى الله عليه و آله) في الأمور الحكومية الخاصّة، كما ربما يأمر النبي، و الإمام بالحكم الأصلي الغير الحكومي، كأن يقول صل أو حج أو كفر أو غير ذلك، و نحو ذلك، و لعل منشأ توهم اختلاف متعلّق الاطاعة هو ان المتوهم توهم عدم ارتباط الأوامر الحكوميّة بأحكام اللّٰه تعالى و ان‌

120

الحاكم يأمر بما يرى، فليس هنا أمر من جانب اللّٰه سوى الأمر باطاعة الحكومة، و قد ظهر لك عدم صحة هذا التوهم، و انه في اوامره الحكوميّة يأمر بما أمر اللّٰه تعالى، و يعمل على حسب ما في عهدته من مسئوليّة إجراء أحكام اللّٰه تعالى، و لا فرق بينه، و بين غيره غير انه بعد تشخيص موضوعات الأحكام الراجعة إلى مصالح الجميع يأمر الجميع به، فتارة يمنعهم، و تارة يأمرهم باعطاء الأموال، و تارة ببذل النفوس، و غير ذلك من الامور التي تقع تحت حكم كلي من أحكام الشريعة الجامعة الإسلاميّة التي لا يشذ عنها حكم واقعة من الوقائع. و على الجملة تشخيص الموضوع من جانب الحاكم يكفي في تنجز حكمه على الجميع فيأمرهم الحاكم أو ينهاهم لذلك.

هذا- و يحتمل ان يقال: إن نكته تكرار صيغة الاطاعة في الآية الكريمة هي اختلاف متعلّقهما، لكن لا بما ذكر، بل بأن يقال: إن أمر «أَطِيعُوا اللّٰهَ» متعلّق بما يستفاد من الكتاب المجيد من الأحكام و الأوامر «أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» متعلّق بما يستفاد من السنّة، و هذا نظير قوله تعالى: «وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (1) و قوله تعالى: «لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي

____________

(1) الحشر الآية: 7.

121

رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» (1) الّذي لا يقصر على اوامر الرسول (صلى الله عليه و آله) الحكوميّة بل المراد ان خذوا بكل اوامره و نواهيه، و لا تقولوا لم نجده في القرآن، و حسبنا كتاب اللّٰه.

____________

(1) الاحزاب، الآية: 21.