إحياء الأراضي الموات

- محمود المظفر المزيد...
358 /
57

المستفيضة و إن اختلفت في عباراتها و احتاجت في بعضها إلى الجمع و الملاءمة.

غير أن الحكم المذكور فيها، القاضي بملكية الدولة للأراضي، هو في حاجة للتصريح به إلى نوع من الجرأة و التخطي لأقوال جمهور الفقهاء، و للسيرة القائمة على امتلاك الأراضي ملكية خاصة دونما تحرز أو حرج. مضافا إلى معاضدة بعض النصوص التي عرضنا لها سابقا و التي يمكن أن تعطى حكما بثبوت الملكية الفردية في الأراضي.

و لكننا و نحن أمام تلك النصوص المستفيضة و الناهضة سندا و دلالة- و لا سيما بعد مناقشتنا للأدلة المقابلة. لا نرى مجالا لغير القول بملكية الدولة للأراضي ملكية لا سبيل لانتقالها إلى الأفراد إلا بنحو الأحقية و الاختصاص، أو بنحو التبعية للآثار القائمة عليها أو الثمرات التي تحتويها.

تقسيمات ملكية الدولة للأراضي:

و هذه الملكية (أي ملكية الدولة للأراضي) تنحل بدورها- كما يستفاد من بعض الفتاوى و النصوص- إلى ملكية عامة يحظر فيها على الدولة أو غيرها التصرف تصرفا ناقلا بأي نحو ما دامت الأراضي مخصصة لجهة من جهات النفع العام، و ملكية خاصة تخضع في الأصل لما تخضع له ملكية الأفراد من أحكام (1).

الملكية العامة:

و من بين أمثلة النوع الأول- و الذي قد يطلق عليه فقها بالمنافع العامة أو ملكية المجموع-: الطرق، الشوارع العامة، المرافئ، الشواطى‌ء،

____________

(1). راجع المواد: 9 و 10 من مرشد الحيران، و أيضا راجع مرسى في الملكية و الحقوق العينية- 1/ 107.

58

الاستحكامات المعدة لحفظ الثغور (1)، الموقوفات العامة و إن تميزت ببعض الأحكام (2)، و كذلك الأراضي العامرة من المفتوحة عنوة أو التي صولح أهلها على أن تكون للمسلمين، و ما إليها من القطاعات المخصصة للمنفعة العامة.

يقول بعض الفقهاء في مورد الفرق بين الأراضي العامرة و الموات من المفتوحة عنوة أو بالصلح: إن عامرها للمسلمين كافة و مواتها للإمام خاصة (3). أى إن العامر منها يكون مملوكا للدولة ملكية عامة، بينما يكون مواتها مملوكا لها ملكية خاصة، و هذا الحكم يجعل العامر من الأراضي المذكورة مشاعا بين مجموع المسلمين و لمنافعهم مما تسالمت عليه تقريبا كلمة الفقهاء (4) كما سنرى في مبحث قادم.

و يقول أحمد بن حنبل (5) عن حكم الطرق و نحوها: «إذا كان الطريق قد سلكه الناس و صير طريقا فليس لأحد أن يأخذ منه قليلا و لا كثيرا، قيل له: و إن كان الطريق واسعا كبيرا مثل هذه الشوارع؟ قال: نعم و هو أشد ممن أخذ حدا بينه و بين شريكه لأن هذا يأخذ من واحد و هذا الجماعة المسلمين».

و يقول الشهيد الثاني (6) عن استواء الناس في الاستطراق و الانتفاع‌

____________

(1). انظر: م 9 و 10 من مرشد الحيران و شرحه للابيانى و السنجلقى- 6.

(2). سيأتي [في باب الأحكام في مبحث «الأراضي الموقوفة»] رأى الفقهاء بتفصيل في حكم الموقوفات العامة و مدى حق الدولة في التصرف بها.

(3). الحلي في التذكرة/ باب إحياء الموات. البحراني في الحدائق الناضرة 5/ 59.

(4). انظر- التذكرة/ إحياء الموات. و الحدائق 5/ 59. و البلغة 72- 73.

و للاوردى- 147، و أبا يعلى- 148، و الأنصاري في تحفة الطلاب «خطي».

(5). انظر: أبا يعلى- 197.

(6). شرح اللمعة- 2/ 257.

59

بالطرق: «لا فرق في ذلك بين المسلمين و غيرهم».

و أعطى بعض الفقهاء الشواطى‌ء و ما في حكمها من السواحل حكم الممتلكات العامة للدولة. بينما أعطوا الجزائر حكم ممتلكاتها الخاصة، كما سيأتي تفصيل ذلك (1).

الملكية الخاصة للدولة:

أما من بين أمثلة النوع الثاني- و هو الأراضي المملوكة ملكية خاصة إلى الدولة- فهي: الأراضي الموات ذاتها، و أراضي الجلاء، و صفايا الملوك و قطائعهم، و الآجام، و بطون الأودية، و نحوها من القطاعات التي تنتظم تحت مفهوم (الأنفال) عند فريق من الفقهاء (2) و التي تضاف عادة في ملكيتها و حق التصرف بها إلى الإمام أو من يمثله.

فقد جاء في بعض الروايات عن هذه الأنفال (3) قوله: «و الأنفال كل ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا ما بأيديهم، و كل أرض خربة، و بطون الأودية، فهو لرسول اللّه و هو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء».

و قوله «و الأنفال: كل أرض خربة قد باد أهلها، و كل أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب و لكن صالحوا صلحا و أعطوا ما بأيديهم على غير قتال، و له رءوس الجبال، و بطون الأودية، و الآجام، و كل أرض ميتة‌

____________

(1). سيأتي في باب الأحكام و في مبحث «أنواع خاصة من الأراضي الموات» رأى الفقهاء في حكم هذه الأنواع.

(2). انظر الجزائري في قلائد الدرر 2/ 331- 332.

(3). راجع الأحاديث الخاصة بالأنفال: وسائل الشيعة 2/ 64- 65.

60

لا رب لها، و له صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب.

لأن الغصب كله مردود و هو وارث من لا وارث له. الحديث».

و جاء في روايات أخرى عن حكم مثل تلك القطاعات قوله: «قلت لأبي الحسن الثالث (ع): إنا نؤتى بالشي‌ء، فيقال هذا كان لأبي جعفر (ع) عندنا فكيف نصنع؟ فقال: ما كان لأبي (ع) بسبب الإمامة فهو لي، و ما كل غير ذلك فهو ميراث على كتاب اللّه و سنة نبيه»، و قوله:

«إن للقائم بأمور المسلمين بعد ذلك الأنفال التي كانت لرسول اللّه (ص) قال اللّه تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ».

و هذا الحكم الوارد في هذه النصوص و نحوها يقضى كما ترى بإعطاء الحق للقائم بشؤون الدولة الإسلامية في التصرف بتلك القطاعات من الأنفال و نحوها مما يشاء أو يراه محققا للمصلحة العامة من التصرفات (1)، و قد أكد فعلا بعض الفقهاء هذه الحقيقة و لا سيما في باب الإقطاع إذ أجازوا إقطاع الموات (2) و إقطاع المعادن (3)، و نحوها مما يعتبر شرعا من أموال الدولة الخاصة، كما أجازوا مثل تلك التصرفات الناقلة أو الفعلية على أراضي الجلاء (4)

____________

(1). انظر مرشد الحيران المادة 7 و شرحه للابيانى 5- 6.

(2). انظر: أبا عبيد- 272. و السبكي في الابتهاج في شرح المنهاج- 291 (خطي).

و قد قصر جواز الإقطاع على الموات خاصة، و انظر أيضا: الخرشى- 7/ 69، و نهاية المحتاج 5/ 377، و الروض المربع 2/ 429 في شمول حكم الإقطاع إلى العامر و الموات من الأراضي معا.

(3). الطوسي في المبسوط- إحياء الموات. الحلي في التذكرة- 57، و القواعد- 85.

و الرملي في نهاية المحتاج 5/ 348. و الماوردي- 198.

(4). الطوسي في المبسوط- إحياء الموات. و لكن بعض الفقهاء كالشافعية و الأحناف و الحنابلة و غيرهم جعلوا حكم أراضي الجلاء حكم الأراضي المفتوحة عنوة في ملكيتها ملكية عامة إلى الدولة الأمر الذي يحظر معه إجراء مختلف التصرفات الناقلة عليها (راجع الماوردي- 138 و أبا يعلى- 147 و ابن القيم- 106).

61

و الأراضي العامرة بطبيعتها (1) و نحوها مما عددته أحاديث الأنفال المذكورة على سبيل التمثيل لا الحصر.

في القانون:

و هكذا جاء هذا النوع من التقسيم في القوانين المدنية الحديثة و بأكثر وضوحا. حيث قسمت أموال الدولة بما فيها الأراضي إلى أموال عامة و أخرى خاصة، و إلى ما يسمى في المفاهيم الاقتصادية السائدة بالدومين العام و الدومين الخاص.

و قد عبروا عن ذلك النوع الأول- و هو أموال الدولة العامة- بأنه ذلك الشي‌ء من العقارات و المنقولات الذي يعود إلى الدولة أو إلى الأشخاص المعنوية العامة و الذي يكون مخصصا لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى القانون.

نص على ذلك القانون المدني العراقي في المادة 71 كما نص عليه كل من القانون المدني المصري الجديد م 87 المعدلة، و القانون المدني السوري م 90، و القانون المدني الليبي م 87 و نحوها.

أما الدومين الخاص أو الأموال الخاصة للدولة فإنها تظهر من المفهوم المعاكس للتعريف المذكور. أى إن الأموال الخاصة هي تلك العقارات و المنقولات العائدة للدولة بصفتها شخصا اعتباريا، و التي لا تكون مخصصة للمنفعة العامة (2) بالفعل أو بمقتضى القانون.

و يلاحظ إن هذا المقطع الأخير و هو «التخصيص للمنفعة العامة‌

____________

(1). المبسوط- إحياء الموات.

(2). شاكر ناصر في الوسيط- 1/ 31، و الوجيز- 29. هذا و حدد القانون رقم 100 لسنة 1964 الخاص بتنظيم تأجير العقارات المملوكة للدولة ملكية خاصة، و التصرف بها: حدد الأراضي المملوكة للدولة ملكية خاصة بأقسام ثلاثة هي: الأراضي الزراعية، و الأراضي البور، و الأراضي الصحراوية.

62

فعلا أو بمقتضى القانون» قد جعل معيارا للتفرقة بين النوعين المذكورين من الأموال و هو ما رسا عليه أخيرا الرأي القانوني الحديث (1)، و لذا أخذت به كما رأينا معظم القوانين المدنية الحديثة للبلاد العربية.

غير أننا نجد أن هذه القوانين قد أهملت الإشارة إلى رأي معين فيما يتعلق بوصف أموال الدولة (بالملكية) تجنبا من الأخذ برأى قاطع في أنه:

هل الأموال العامة مملوكة للدولة أو أن الدولة حارسة على هذه الأموال؟

و لعله من أجله عمدت لجنة المراجعة لمشروع القانون المدني المصري الأخير إلى حذف كلمة (المملوكة) الموصوف بها العقارات و المنقولات العائدة للدولة من المشروع التمهيدى المذكور (2).

هذا و قد نصت معظم تلك القوانين على حكم النوعين المذكورين من أموال الدولة، فأعطت كقاعدة عامة للنوع الخاص (3) من هذه الأموال ما أعطته للأموال الخاصة بالأفراد من أحكام. حيث أجازت التصرف فيه بيعا وهبة و رهنا و تأجيرا و نحوها من التصرفات، بينما حظرت بمثلها على الدولة في أموالها العامة ما دامت متصفة بصفة النفع العام (4). و هذه‌

____________

(1). السنهوري في الوسيط 8/ 100- 102.

(2). نفسه- 8/ 91 (الحاشية).

(3). إن من بين ما ذكر لهذا النوع من أمثلة في القانون هي: الأراضي الأميرية الصرفة، و الأموال التي لا وارث لها، و الأراضي الزراعية التي تستولى عليها الدولة طبقا لقوانينها في الإصلاح الزراعي، و الجزر و الأراضي التي تنكشف عنها المياه، و نحوها (راجع شاكر ناصر في المصدر السابق 29- 30، و مرسى في الملكية و الحقوق العينية- 1/ 146).

أما ما ذكر للنوع الثاني من أمثلة لأموال الدولة فهو ما عددته بالنص المادة 9 من التقنين المصري السابق. بيد أن هذا التعداد لا يكون موفقا لو وجد معيار خاص يفرق بين النوعين من الأموال، كما هو الحال في القوانين المدنية المتأخرة.

(4). راجع عن هذه الأحكام 71 ف 2 من القانون المدني العراقي، م 87/ ف 2 من القانون المدني المصري الجديد، م 9- 10 من القانون المصري السابق، م 90/ ف 2 من القانون المدني السوري، م 87/ ف 2 من القانون المدني الليبي.

63

التفرقة في الحكم بين النوعين قانونا لا تختلف من حيث الأصل عنها في الشريعة كما رأينا.

حق التصرف:

و ماذا علينا بعد كل هذا. بعد أن توصلنا إلى القول بإلغاء فكره الملكية الخاصة في الأراضي استنادا إلى بعض النصوص و الآثار الصريحة؟

أقول: ما ذا علينا بعد ذلك أن نطلق من الأوصاف أو المصطلحات على حقوق الأفراد الواردة على الأراضي و التي لم تبلغ مستوى الملكية كما قلنا؟

هناك في الواقع مصطلحات و أوصاف عديدة تصلح لهذا النمط من الحقوق، و أكثر هذه المصطلحات دلالة و تعبيرا في رأينا هي كل من:

الاختصاص، و الملكية الناقصة، و حق الانتفاع، و حق التصرف (1).

و نحوها، و لكن أجدرها تمثيلا أو تعبيرا عن تلك الحقوق هو المفهوم الأخير المسمى ب‍ (حق التصرف) لأن حكمه و مؤداه ربما يتفق أو يتقارب من حكم و مؤدى تلك الحقوق الخاصة الواردة على الأراضي، فكما أن هذه الحقوق تنقضي أو تسقط مثلا- كما رأينا- بعدم الاستعمال و الاستغلال و بالتعطيل، كذلك، فإن حق التصرف- هو الآخر- ينقضي كما يرى رجال القانون بذلك أيضا (2).

____________

(1). حق التصرف: اصطلاح قانوني وضع قبال «حق الملكية على العقار» في القوانين الوضعية الحديثة كالقانون المدني العراقي، و القانون المدني السوري، و قانون الأراضي العثماني و يدل على حق الانتفاع و حق الاستعمال مجردا عن حق التصرف بالرقبة (الحنبلي في أحكام الأراضي- 40). فهو لا يرد إلا على الأراضي الأميرية و هي الأراضي المملوكة رقبتها للدولة (الصدة، الملكية في قوانين البلاد العربية- 11) أما حق الملكية فيرد على تلك الحقوق جميعا و في مقدمتها حق الرقبة، و حيث إن نوعية التصرف بالأراضي- حسبما انتهينا إليه سابقا- لا تتناول أصل الرقبة فضلنا التعبير عنها ب‍ «حق التصرف» هذا المصطلح القانوني المعروف.

و هذا الحق هو غير حق التصرف الذي هو أحد عناصر الملكية (راجع القانون المدني العراقي 1169 فما بعدها).

(2). الصدة في المصدر السابق- 11، و الخفيف في الملكية في الشريعة الإسلامية- 25.

64

و كما أن لصاحب الأرض في الشريعة- فيما سنجد- حق الانتفاع بأرضه بمختلف وجوه الانتفاع، و حق استغلالها و التصرف فيها رهنا و تأجيرا وهبة و بيعا- و إن كان بالتبع لآثارها و ثمارها- فكذلك الحال تقريبا بالنسبة لصاحب حق التصرف في القانون. تقول المادة 1169 من القانون المدني العراقي عن مدى حق التصرف هذا:

«1- للمتصرف في الأرض الأميرية أن ينتفع بها هي و زوائدها، و أن يتصرف فيها رهنا تأمينيا أو حيازيا، و يستوفي الدين من بدل الحق حتى لو انحلت، و أن يتخذها حديقة أو بستانا أو غابة أو مرعى. إلخ.

2- و له أن يفرغها و أن يؤجرها و أن يعيرها و أن يرهن حقه في التصرف فيها رهنا تأمينيا أو حيازيا، و يستوفي الدين من بدل الحق حتى لو انحلت الأرض بعد موته.

3- و له بوجه عام أن ينتفع بالأرض و أن يستغلها و أن يتصرف في حقه عليها في حدود القانون. و تبقى في كل الأحوال رقبة الأرض مملوكة للدولة».

طريقة الاستقراء

كل هذا. و من أجل أن لا يثير ما انتهينا إليه هناك من رأى بإلغاء فكره الملكية الخاصة للأراضي في الشريعة تساؤلا و استنكارا لدى البعض ممن تركزت في أذهانهم فكره الملكية الخاصة في الأراضي بناء على السيرة و الفتوى السائدة بين الفقهاء. رأينا أن نؤكد رأينا المذكور باستقراء آراء بعض الفقهاء- و بخاصة الإمامية منهم- في كل قسم قسم من الأراضي، و فيها سنجد انتفاء ما يسمى بالملكية الخاصة في سائر أنواع الأراضي.

عدا نوع أو اثنين منها لا يصلحان لو ثبتا لبناء قاعدة الملكية الخاصة في الأراضي.

65

و بهذه الطريقة الاستقرائية يمكن انحسار بعض تلك التساؤلات، كما يمكن لنا أن نتقبل تلك الحقيقة. حقيقة القول بملكية الدولة للأراضي بشي‌ء من الوعى و الاطمئنان.

تقسيمات الأراضي

و عليه فالأراضى من حيث تقسيماتها تقوم على أساسين مختلفين:

(اقتصادى) و ينظر فيه إلى واقع الأرض نفسها من حيث عمرانها و عدمه.

و (سياسى) و ينظر فيه إلى شكل انضمام بقعة الأرض إلى الدولة الإسلامية، أو نوع ارتباطها بها.

التقسيم الاقتصادى:

فبالنسبة إلى التقسيم الأول القائم على أساس اقتصادى، تقسيم الأراضي إلى موات و عامر، و كل منهما إلى ما هو كذلك بالأصل، أو بالعارض.

فالموات بقسميه- أصالة و عرضا-، و كذلك العامر أصالة مثل الغابات و الأحراش. تعتبر- هذه الثلاثة كلها- مملوكة إلى الدولة في شمولها (1) بأحاديث الأنفال و غيرها، يقول الإمام الصادق في بعضها- و هو موثق إسحاق بن عمار- (2) «و الأنفال هي القرى التي خربت و انجلى أهلها. إلى أن يقول: و كل أرض لا رب لها» على اعتبار شمول هذا المقطع الأخير للموات و للعامر بالطبيعة كليهما.

____________

(1). يقول الشيخ الأنصاري في (المكاسب- 157) بالنسبة إلى الموات أصالة: «لا إشكال و لا خلاف منا في كونها للإمام». و ادعى الحلي في (التذكرة/ كتاب الخمس) بالنسبة إلى العامر أصالة كذلك الإجماع على ملكيته للإمام، أما بالنسبة إلى الموات بالعارض فقد ذكر بعضهم شموله أيضا بعموم أدلة الموات و أخبار الخراب (المظفر في شرح القواعد- 2/ 253).

(2). الحر في وسائل الشيعة- 2/ 65.

66

و يقول في بعضها الآخر- و هو صحيح حفص (1) و نظائره- (2) «و الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب. إلى أن يقول: و كل أرض خربة. الحديث» و ذلك بناء على شمول هذا المقطع الأخير للأراضي الموات بالعرض.

إلى نحوها من الأدلة القاضية بملكية الدولة لهذه الأنواع الثلاثة ملكية خاصة، كما هو المقصود شرعا (بالانفال) حسبما تقدم.

و معلوم أن دليل ملكية الدولة للأنفال هو قوله تعالى في صدر سورة الأنفال «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ، قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ».

أما القسم الرابع منه، و هو العامر بفعل الإنسان أو بالعارض. أى بالإحياء و نحوه، فهو كذلك لا يختلف من حيث الأصل في رأي غير واحد من الفقهاء (3) عن حكم الثلاثة الأولى في إضافة ملكيتها إلى الدولة، و عدم انتقال ملكية الرقبة بالإحياء و نحوه إلى الأفراد، إذ ليس للمحيي و نحوه من حقوق في هذا القسم أكثر مما يتناوله الاختصاص من مدلول، و لذا يسقط ما له بالأرض من حق في حالة التعطيل.

التقسيم السياسي:

أما بالنسبة إلى التقسيم الآخر، و هو القائم على أساس (سياسى) مرتبط بحركة الفتوح (4)، فإن الحكم فيه أيضا- كما يظهر- لا يختلف‌

____________

(1). نفسه- 2/ 64.

(2). كالأخبار المروية عن سماعة بن مهران و محمد بن مسلم و أبى أسامة (نفسه 2/ 64- 65).

(3). كالشيخ الطوسي في كتبه الثلاثة: النهاية- 2/ 427، و المبسوط/ إحياء الموات، و الاستبصار- 3/ 108. و الأصفهاني في تعليقته على المكاسب- 243، و هم من فقهاء الإمامية، و كالأحناف في رأي لهم (البابرتى في شرح العناية- 8/ 137).

(4). يقسم الفقهاء الأراضي القائمة على أساس سياسى مرتبط بحركة الفتوح إلى أربعة أقسام هي:

1- الأراضي المفتوحة عنوة.

2- أراضي الجلاء أو الأراضي التي لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.

3- أراضي الصلح و هي على نوعين:

(أ) ما صولح أهلها على أن تكون في ملكهم.

(ب) ما صولح أهلها على أن تكون في ملك الدولة.

4- الأراضي التي أسلم عليها أهلها طواعية و بالدعوة.

67

من حيث الأصل بالاستقراء عن حكم الأنواع المذكورة في التقسيم السابق خلا بعض المواطن، فبالنسبة إلى:

الأراضي المفتوحة عنوة:.

. يقول في صحيحة صفوان: «كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ قال من يبيع ذلك و هي أرض المسلمين» (1)، و يقول في صحيحة أبي الربيع الشامي «لا تشتر من أرض السواد شيئا. فإنما هو في‌ء للمسلمين» (2) و نحوها من النصوص المتضافرة.

و إلى هذا الحكم في ملكية الدولة لأراضى العنوة ذهب الجمهور من الفقهاء (3) كما ذكر بأن الخليفة عمر و من جاء بعده من الخلفاء كانوا قد أنشأوا أو طبقوا هذا الحكم على أراضي السواد (4) و نحوها من الأراضي التي فتحت عنوة في الصدر الأول من الإسلام.

هذا و كان هذا القسم من الأراضي يشكل- فيما يذكر (5)- القسم الأعظم من أراضي الدولة الإسلامية حينذاك.

____________

(1). الطوسي، التهذيب- 7/ 157، و انظر الكركي أيضا في قاطعة اللجاج (خطي).

(2). التهذيب- 7/ 147.

(3). ذهب اليه كل من: فقهاء الإمامية بلا خلاف بينهم (راجع: شرح اللمعة 2/ 252، مفتاح الكرامة- 4/ 239. الحدائق- 5/ 55)، و فقهاء الشافعية و الحنابلة و المالكية و ابن شبرمة و العنبري و إسحاق و أبى عبيد و غيرهم، و لكنه خالف في ذلك كل من أبى حنيفة و ابن أبى ليلى و سفيان الثوري (راجع: الحنبلي في الاستخراج 73- 98.

و الزيلعي في تبيين الحقائق- 3/ 172. و الخرشى- 3/ 128).

(4). انظر أبا عبيد- 60.

(5). إن من أشهر الأراضي التي فتحت عنوة هي (أراضي السواد) من العراق و إن استثنيت منها بعض المناطق التي فتحت صلحا. يقول المزني: ليس لأهل السواد عهد الا لحيرة و أ ليس- و بانقيا (البلاذري- 246، و يذكر ياقوت الحموي في معجمة أن (أ ليس) هي قرية بالأنبار في أول أرض العراق من ناحية البلدية، و أن (بانقيا) هي ناحية من نواحي الكوفة.

و قد قيل في حدود السواد هذا: إنه كان يشكل: «ما بين قرية العلث من تخوم الموصل و ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة طولا، و بين منقطع الجبل من أرض حلوان و منتهى طرف القادسية المتصل بالعذيب من الغرب عرضا (راجع: ابن خرداذبه- 14، و المقدسي- 134، و أبا يوسف- 360، و الصولي- 218).

و عليه فإن أرض السواد هذه بحدودها المذكورة و كذلك أراضي العنوة الآتية الأخرى.

لا يجوز- حسب رأى أولاء الفقهاء- التصرف فيها تصرف المالك. إذ لا يزيد مركز حائزها على مركز صاحب حق الاختصاص.

و من الأراضي التي فتحت عنوة أيضا:

- أرض الجزيرة دون مدائنها. و قد فتحها عياض بن غنم. فتح أرضها عنوة و مدائنها صلحا (البلاذري- 179). و الجزيرة قطاع من الأرض يفصل بين سوريا و السواد و عاصمتها أديسا (الرها) و تكون القسم الشمالي الغربي من حوض العراق اليوم (راجع دينيت في الجزية و الإسلام- 85، و إبراهيم شريف في الموقع الجغرافى للعراق- 1/ 72).

- المغرب: و قد فتحت كلها عنوة (البلاذري- 219. أبو عبيد- 101) ذهب إلى ذلك الإمام مالك و غيره (انظر غلال الفاسي في النقد الذاتي- 216).

- مصر: ذكر ابن فاتح مصر عبد اللّه بن عمرو بن العاص: أنها فتحت عنوة في حديث له عنها (البلاذري- 216. و راجع أيضا أبا عبيد- 140). و هذا هو الرأي الراجح، و لكن بتلر صاحب (فتح مصر- 240) ذكر أنها فتحت صلحا تبعا لما جاء عن المقريزي و غيره.

- أراضي الشام دون مدنها (أبو عبيد- 101 و أيضا الاستخراج- 3).

- الأردن: افتتحها شرحبيل بن حسنة عنوة ما خلا طبرية (البلاذري 122- 123).

- كل من: قم، قاشان، أصبهان، نهاوند، سرخس، الجوزجان، كرمان، الأهواز كابل، القوهستان، قيسارية و كثير نحوها من مدن فارس و ما وراء النهر (راجع أبا عبيد- 101، و البلاذري في الصفحات- 308، 376، 383، 388، 394، 395، 398)

68

أراضي الجلاء:

و كذلك جاء هذا الحكم نفسه بالنسبة إلى أراضي الجلاء في ملكيتها إلى الدولة (1) فهي من الفي‌ء (2) أو من الأنفال كما مر في الروايات، و منها رواية داود بن سرحان «قال: قلت و ما الأنفال؟ قال: بطون الأودية. إلى أن يقول: و كل أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب و كل أرض ميتة قد جلي‌

____________

(1). ابن إدريس- 1/ 112، و الأنصاري في المكاسب- 158 بالنسبة إلى رأي الإمامية الماوردي- 138، 147 بالنسبة إلى رأي الشافعية و الأحناف، أبو يعلى- 147 و ابن- القيم- 106 بالنسبة إلى رأي الحنابلة. البحر الزخار- 2/ 216 بالنسبة إلى رأي الزيدية.

(2). ابن القيم في أحكام أهل الذمة- 106.

69

أهلها» (1).

الأراضي الصلحية العائدة للدولة:

أما بالنسبة لأراضى الصلح (2) التي صولح أهلها على أن تكون للدولة أو لمجموع الأمة، فهي بحكم المفتوحة عنوة (3)، بل هي منها بلا خلاف بين الإمامية (4). فيكون عامرها للمسلمين كافة، و مواتها للإمام خاصة (5).

أى إن العامر منها يكون مملوكا للدولة ملكية عامة بينما يكون مواتها مملوكا للدولة ملكية خاصة كما تقدم.

الأراضي الصلحية الباقية على ملكية أصحابها، و أراضي الدعوة:

بيد أنه يبقى من كل ذلك. مما لا يدخل في نطاق الملكية العامة أو ملكية الدولة: النوع الآخر من الأراضي الصلحية، و هي التي صولح أهلها على أن تكون لهم، فإن هذا النوع يبقى- كما هو الشرط في بنود عقد الصلح- على ملكية أصحابه يتصرفون فيه بما يتصرف فيه المالك المطلق بسائر أملاكه (6).

و مثلها تبقى خارجا عن نطاق ملكية الدولة لتدخل في نطاق ملكية‌

____________

(1). راجع: ابن إدريس- 1/ 113. و الكركي في قاطعة اللجاج (خطي). و المكاسب- 58 و مفتاح الكرامة- 4/ 239.

(2). إن من أشهر الأراضي الصلحية هي:

أرض هجر، البحرين، أيلة، دومة الجندل، أذرح 50 و هذه فتحت أيام الرسول.

أما ما فتح بعده صلحا فهي: بيت المقدس، دمشق، مدن الشام كلها دون أراضيها، بلاد الجزيرة، قبط مصر، و خراسان (راجع: أبا عبيد 100- 101. أبا يوسف 39- 40).

(3). مفتاح الكرامة- 4/ 239 بالنسبة للإمامية. الماوردي- 247، و تحفة الطلاب للأنصاري (خطي) بالنسبة للشافعية. أبو يعلى- 148 بالنسبة إلى الحنابلة.

(4). بلغة الفقيه 72- 73 الحدائق الناضرة- 5/ 56.

(5). التذكرة (خطي) الحدائق الناضرة- 5/ 59.

(6). الماوردي- 147. أبو يعلى 148 الكركي في قاطعة اللجاج (خطي).

70

الأفراد، الأراضي التي أسلم عليها أهلها طوعا و بالدعوة (1).

و هذا الحكم في هذا القسم و سابقه مما تسالمت عليه فيما نحسب كلمة الفقهاء (2) و لكن في العامر منها خاصة.

و قد توخى المشرع- كما يظهر- من ذلك. من إقراره بالملكية الخاصة في هذين النوعين من الأراضي بشكل خاص: أن يقوم بتشجيع الناس من معتنقى الأديان الأخرى بالدخول في الديانة الإسلامية، لأن الحكم بانقضاء ملكيتهم الخاصة على أراضيهم بمجرد اعتناقهم الإسلام و ارتباطهم بالدولة الإسلامية مما قد يحول دون انتشار الدعوة و اتساعها، و يضع في وجهها نوعا من العقبات (3).

إن إقرار الإسلام لتلك العلائق المالية التي عاشها أولئك سابقا في أقاليمها. مضافا إلى ما في بعضها- و هي الأراضي الصلحية- من شرط التزمه و أخذه الإسلام على نفسه، أمر اقتضته العدالة و الإنصاف كما اقتضاه الواقع الخاص الذي مر به الإسلام آنذاك.

و مع كل هذا. فإنه إذا ما عمد أصحاب تلك العقارات و الأراضي الصلحية و أراضي الدعوة إلى تركها و تعطيلها عن الإنتاج يؤدى فيما يرى‌

____________

(1). إن من أشهر هذه الأراضي هي: المدينة، الطائف، اليمن، عمان، أندونيسيا، نيسابور، طوس، هراة (راجع: البلاذري- 87، 396. أبا عبيد- 97. أبا يوسف- 63.

البحر الزخار- 2/ 215. البلغة- 73. مفتاح الكرامة- 4/ 239).

(2). الطوسي في النهاية- 1/ 427. الكركي (خطي). أبو يوسف- 63، 69 المدونة الكبرى- 10/ 104. الماوردي- 147. أبو يعلى- 147. البحر الزخار- 2/ 215.

قال البلاذري- 433: و لا اختلاف في ذلك.

(3). يقول الرسول (ص) في كتاب له لعامر الطائي: إن له و لقومه من طي‌ء ما أسلموا عليه من بلادهم و مياههم. ما أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و فارقوا المشركين (راجع الوثائق السياسية 220- 221)

71

بعض الفقهاء (1) إلى انقضاء حقهم الخاص فيها ليتحرك حق الدولة عليها باعتبارها صارت من الأنفال، و ذلك لشمول أدلة الموات السابقة بعمومها لكل أرض مجدبة و معطلة فعلا عن الإنتاج (2).

و هذا الحكم ربما يزعزع في النتيجة القول بالملكية الخاصة في هذه الأنواع و نحوها، أو ربما يثير فيها الشك على الأقل.

و لذلك فإن وصفها بالملكية الخاصة- كيف ما كان- مما يفتقر الى تبرير أو تفسير خاص.

النتيجة:

و عليه تحصل من ذلك كله نتيجة هذا الاستقراء: أن الأراضي بأقسامها المختلفة القائمة على أساس اقتصادى و القائمة على أساس سياسى مرتبط بحركة الفتوح. لا تدخل في نطاق الملكية الخاصة بعناصرها و خصائصها المعروفة (3) إلا فيما يتعلق بتلك الأراضي التي دخلت الإسلام طوعا أو نتيجة المصالحة و التسوية، و هذا حكم خاص اقتضته كما قلنا بعض الاعتبارات، و إن كنا قد أثرنا كذلك على هذين القسمين بدخولهما في نطاق الملكية الخاصة بعض الملاحظات.

____________

(1). كابن حمزة و ابن البراج، راجع: الكركي (خطي)، و الحدائق- 5/ 58.

و البلغة- 73.

(2). مفتاح الكرامة- 7/ 4.

(3). إن الملكية الخاصة لكي تكتسب صفتها و مفهومها الخاص، في القانون كما في غيره، لا بد فيها من توافر العناصر و الخصائص التالية و هي:

عناصر: الاستعمال، و الاستغلال، و التصرف.

ثم خصائص: الديمومة، و الإطلاق، و قصر الحق على المالك.

(و للاحاطة بذلك) راجع القوانين المدنية: العراقي م 1048، و المصري م 802، و السوري م 768، و الليبي م 811، و قانون الملكية العقارية اللبناني م 11. و راجع:

مرسى 177- 183، و السنهوري 8/ 496- 528.

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

73

الباب الأول الأراضي الموات طبيعتها. و المراحل العملية لانتقال الحقوق فيها

74

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

75

تمهيد: التعريف بالأراضي الموات

لغة:

الموات أو الموتان (1) في اللغة (2):

هو: «من كل شي‌ء ما لا روح فيه، و من الأرض ما لم يجر فيه أحياء.

أو هو: «الأرض التي لا مالك لها».

و هذا التعريف الأخير للموات هو في الحقيقة أقرب إلى تعريف الفقهاء منه إلى تعريف أهل اللغة و إن ورد في بعض مصادرها، بل هو في رأينا لا يمثل حتى تعريف الفقهاء أنفسهم- كما سنجد-، ذلك لأن هذا المدلول لا يختص بالأرض الموات وحدها، و إنما يشمل في الأصل كل أرض لا رب لها، و إن كانت منتجة و معمورة كالغابات و الآجام و نحوها من القطاعات التي لا تختص بشخص أو جهة معينة.

اصطلاحا: أما الموات في الاصطلاح، فقد ذكرت له تعريفات كثيرة و مختلفة، يمكن حصرها أو حصر المهم منها في مجموعتين اثنتين هما:

(مجموعة) تتجه إلى جعل العطلة عن الانتفاع بالأرض حدا للموات، مع قطع النظر عن مواضعه، على اعتبار أنه اسم لما لا ينتفع به، فهؤلاء‌

____________

(1). أما الموتان (بالضم) فيعنى عندهم: الموت الذريع أو الكثير الوقوع، و بالفتح ثم السكون: عمى القلب. إذ يقال: شخص موتان القلب، أى بليد لا يفهم شيئا.

(2). راجع في مادة «موت» كلأ من:

ابن منظور في لسان العرب، الفيروزآبادي في القاموس المحيط الفيومي في المصباح المنيرة الجوهري في الصحاح، و غيرها من معاجم اللغة.

76

ينظرون إلى الأرض الموات باعتبار ماهيتها و حقيقتها، فكل ما كان من الأرض معطلا لا حياة و لا استعداد فيه فعلا على الإنتاج، فهو (موات)، و إلا فهو (عامر).

و (مجموعة أخرى) تتجه إلى جعل موقع الأرض في الأصل هو المعيار في إطلاق اسم الموات عليها، و لذلك فقد تكون بعض المواقع مواتا في حقيقتها و لكنها لا تعتبر كذلك في الاصطلاح.

تعريفات المجموعة الاولى:

إن من أبرز التعريفات التي تمثل الاتجاه الأول- و هو اتجاه ينزع إلى المعاني اللغوية- هي التعريفات السائدة بين الفقهاء، و من بينها التعريفات التي أوردها بعض الإمامية (1)- كما في الشرائع و التحرير و الدروس و التذكرة و غيرها- قالوا: «الموات هو ما لا ينتفع به لعطلته، إما لانقطاع الماء عنه أو لاستيلاء الماء عليه أو لاستيجامه أو غير ذلك من موانع الانتفاع» (2)، و التعريفات التي أوردها قسم من الأحناف كالشيباني، (3) و التي جاءت قريبة من نص التعريف المذكور (4).

و جاء عن بعض الحنابلة قولهم (5): «الموات هو الأرض الخراب الدارسة‌

____________

(1). مفتاح الكرامة- 7/ 4.

(2). أورد غير هؤلاء من الإمامية تعريفات أخرى مقاربة كالشهيد في اللمعة (2/ 250) و غيره، و لكنهم جانبوا الدقة فيها، حيث جعلوا المقاطع التي جاءت بعد قوله (لعطلته) مقاطع مقابلة لا مقاطع تفسيرية، كما هو المراد منها، على اعتبارها أفرادا و مصاديق لهذه العطلة.

يقول الشهيد: «الموات: ما لا ينتفع منها لعطلته أو لاستيجامه أو لعدم الماء عنه أو لاستيلاء الماء عليه». إن العطف ب‍ «أو» قد أوقعهم في مفارقه ربما لم تكن لهم مقصودة.

(3). عن كتاب لبعض الأحناف «خطي» موجود في مكتبة معهد الدراسات الإسلامية.

(4). انظر الهداية و تكملة فتح القدير- 8/ 136.

(5). ابن قدامة في المغني- 6/ 147.

77

كما جاء عن الماوردي من الشافعية قوله: «كل ما لم يكن عامرا و لا حريما لعامر فهو موات و إن كان متصلا بعامر (1).

و من التعريفات الأخرى التي تمثل أو تقارب هذا الاتجاه ما ذكره الطوسي من الإمامية بأن الأرض الموات: «هي الأرض التي لم تزرع و لم تعمر و لا جرى عليها ملك أحد» (2) و ما ذكره المرداوى من الحنابلة:

«هي الأرض الداثرة التي لا يعلم أنها ملكت» (3).

و كذلك ما ذكره الخطاب من المالكية بأنها «هي الأرض التي ليس لها مالك و لا بها ماء و لا عمارة» (4).

و يلاحظ أن هذه التعاريف الثلاثة الأخيرة، و مثلها بعض التعريفات الآتية، لم تكن موفقة في وصفها الموات بأنه ما لم يكن له مالك، و ذلك لأن هذا الوصف كما ذكرنا آنفا لا يعتبر تعريفا بماهية الموات، إذ قلنا بأنه ألصق بوظائف الأحكام منه بوظائف التعاريف. يقول صاحب الجواهر: «و مراد الجميع من الموات هو العطلة المزبورة سواء كان لها مالك سابقا أو لم يكن، فإن ذلك لا مدخل له في صدق (اسم الموات)، كما إنه لا مدخل لبقاء رسوم العمارة و آثار الأنهار فيه أيضا» (5) و بنحوه قال صاحب الإنصاف (6).

____________

(1). الأحكام السلطانية- 177، و معلوم أن القيد الأخير في هذا التعريف هو إشارة إلى رأي أبي حنيفة و أبى يوسف في أخذهما القرب و البعد عن العمران مناطا في تحديد الموات.

(2). الجواهر/ باب إحياء الموات.

(3). الإنصاف- 6/ 354.

(4). مواهب الجليل- 6/ 2. و قريبا منه عرفه ابن جزى في قوانينه- 339، و هو من المالكية أيضا: «و الموات هي الأرض التي لا عمارة فيها و لا يملكها أحد».

(5). الجواهر- 6/ باب إحياء الموات.

(6). المرداوى- 6/ 354.

78

تعريفات المجموعة الثانية:

أما أبرز التعريفات التي تمثل الاتجاه الثاني فهي التعريفات المنسوبة إلى الأحناف بشكل خاص (1)، يقول أبو حنيفة في التعريف المنسوب إليه:

الموات ما بعد عن العامر و لم يبلغه الماء» (2) و يقول صاحبه أبو يوسف:

«الموات كل أرض إذا وقف على أدناها من العامر مناد بأعلى صوته لم يسمع أقرب الناس إليها في العامر» (3).

و جاء في البدائع (4) «هي أرض خارج البلد لم تكن ملكا لأحد، و لا حقا له خاصا، فلا يكون داخل البلد موات أصلا».

و مجلة الأحكام العدلية (5). «هي الأرض التي ليست ملكا لأحد، و لا هي مرعى و لا محتطبا لقصبة أو لقرية، و هي بعيدة عن أقصى العمران.

بمعنى إن جهير الصوت لا يسمع من أقصى الدور التي في طرف تلك القصبة أو القرية».

المناقشة: و الحقيقة إن هذه التعاريف بمجاميعها المذكورة لا تنهض في رأينا للتعريف بماهية الأرض الموات، و ذلك لأن تعريفات المجموعة الأولى تجعل- كما لاحظنا- العطلة عن الانتفاع هي كل شي‌ء في المراد اصطلاحا من الموات. في حين أن هناك كثيرا من المواضع هي معطلة فعلا‌

____________

(1). عدا الشيباني و من تابعة كما تقدم.

(2). الماوردي- 177.

(3). الماوردي- 177، و انظر أيضا شرح الهداية «متن تكملة فتح القدير» 8/ 136.

(4). الكاساني- 6/ 194.

(5). المادة 1270، و قد تأثرت المجلة في تعريفها المذكور بما أورده أبو يوسف في كتابه الخراج- 63.

79

عن الانتفاع، و لكنها مع ذلك لا تعتبر في عداد الأراضي الموات في الاصطلاح، كالأراضي الحمية غير المستغلة، و بعض الأراضي المعدنية (1) و نظائرها.

أما تعريفات المجموعة الثانية، فإنها و إن عكست مبني أصحابها في الأرض الموات، إلا أن بعضها في الحقيقة جاوز وظائف التعاريف إلى ما هو من وظائف الشروط و الأحكام، لذلك كانت هذه التعريفات هي الأخرى بعيدة عن حدود التعريف بالموات.

و عليه. و مضافا إلى المؤاخذات الصياغية و الفنية الأخرى، أرى أن يكون تعريف الموات من الأراضي- طبقا لمبنانا في الموضوع، و دونما حاجة إلى أن ندخل في مناقشات لا طائل تحتها- بأنه:

«هو الأرض المعطلة عن الانتفاع، و المتجردة عن الحقوق و الاختصاصات، مع عدم استعدادها فعلا على الإنتاج و الإثمار» و إضافة هذا القيد الأخير لازم لإخراج نحو الأرض البيضاء من التعريف، لأن الأراضي إذا كانت على استعداد بالفعل للإنتاج، سميت أرضا بيضاء في الاصطلاح.

و إذا كانت هذه هي حقيقة الأرض الموات، فلننتقل أول ما ننتقل بعدها إلى الحديث عن طبيعتها من الملكية، و هي بعد لا تزال في حالتها الأولى من انعدام الحيوية و النشاط، فإن معرفة ذلك من الأهمية بمكان و نحن في سبيل الحديث عن الأراضي الموات:

____________

(1). راجع الكاساني- 6/ 194.

80

الفصل الأول طبيعة الأراضي الموات

تحدثنا في الباب التمهيدى السابق عن رأى الفقهاء المسلمين في حكم ملكية الأرض عموما، و انتهينا فيه- استنادا إلى بعض النصوص- إلى أن رقبة الأرض لا تكون منالا للملكية الخاصة بعناصرها و خصائصها المعروفة، و إنما تكون فقط منالا لما يسمى بملكية الدولة اليوم.

فهل يصح لنا، مع هذا الحكم، القول بوصف بعض الأراضي، و منها الأراضي الموات بصفة المباحة؟ بمعنى هل يمكن أن نجد إلى جانب تلك الأراضي المملوكة للدولة- ملكية عامة أو خاصة- أراضي أخرى مثل الأراضي الموات موصوفة حكما بهذه الصفة؟

أرى أنه يمكننا قبل أن ندخل مرحلة النقاش أن نحسم الموضوع بالقول- بناء على ما مر- بأن الأرض و من بينها الأرض الموات لا يصح أن توصف بالإباحة. ذلك أننا متى ما صححنا أو سمعنا للأرض بأن تستباح! فلازمه أن نصحح تبعا القول بورود الملكية الخاصة عليها عن طريق الاستيلاء و الحيازة.

و عليه فإن هذا الحكم، و هو نفى وصف الأرض الموات بالمباحة، يجرى تماما- كما قلنا- مع ما سبق أن قررناه من القول حصرا بملكية الدولة للأراضي. الأمر الذي لا مجال فيه للبحث في حكم طبيعة الأرض الموات من الملكية و الإباحة. غير أنه لما كان النزاع بين الفقهاء في طبيعة هذه الأرض من الإباحة و الملكية نزاعا واسعا و مستوعبا لقسط من بحوثهم‌

81

في هذا المجال، آثرنا أن لا نمر عليها دون أن نلتمس مواضع و حدود الخلاف، لنكون- على الأقل- أكثر قدرة على حسم النزاع فيما يثور بعدئذ من مناقشات:

القول بملكية الدولة للموات:

ذكروا بأن الإمامية من الفقهاء أجمعوا- كما حكاه في الغنية و الخلاف و جامع المقاصد و المسالك و التذكرة و التنقيح و الكفاية و المبسوط و غيرها (1) على القول بملكية الإمام باعتبار منصبه للأراضي الموات. و ملكية الإمام بهذا الاعتبار تعني- إذا ما ترجمناها إلى مصطلحاتنا القانونية الحديثة-:

«الملكية الخاصة للدولة» كما تقدم.

و استدل هؤلاء: ببعض روايات الكافي من أن الموات كلها للإمام (2)، و بصحيحة الكابلي المتقدمة التي يقول فيها (3) «و الأرض كلها لنا، فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها و ليؤد خراجها إلى الامام». و بصحيحة عمر بن يزيد (4): «كان أمير المؤمنين (ع) يقول من أحيا أرضا من المؤمنين فهي له و عليه طسقها يؤديه إلى الإمام».

و لزوم أداء الطسق (الخراج) في هاتين الروايتين- مضافا إلى تصريح بعضها- دليل فيما يظهر على أن الأرض الموات هي ملك للدولة أو الإمام باعتبار منصبه.

و يستدل لهؤلاء أيضا بالجمع بين بعض الأخبار و بين آية الأنفال، و هي‌

____________

(1). مفتاح الكرامة- 7/ 4. و قال الأنصاري في المكاسب- 157: «لا إشكال و لا خلاف منا في كونها للإمام، و الإجماع عليه محكي عن الغنية و الخلاف و جامع المقاصد و المسالك و ظاهر جماعة أخرى، و النصوص بذلك مستفيضة، بل قيل إنها متواترة و هي من الأنفال».

(2). الأصفهاني في التعليقة على المكاسب- 241.

(3). الطوسي في التهذيب- 7/ 152. الحر في الوسائل- 3/ 327.

(4). التهذيب- 4/ 145.

82

قوله تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ، قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ». حيث تكفلت هذه الآية بيان ملكية الرسول أو من هو في منصبه (1) للأنفال، ثم جاءت بعدها الأخبار فتكفلت هي بدورها ماهية تكلم الأنفال.

و من بين هذه الأخبار التي أوضحت بأن الموات من الأنفال: صحيحة حفص (2) المتقدمة التي يقول فيها: «الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب. إلى أن يقول: و كل أرض خربة و بطون الأودية. فهو لرسول اللّه (ص) و هو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء»، و موثقتا (3) محمد بن مسلم اللتان جعلتا من الأنفال كذلك كل أرض خربة. إلى نحوها من الأحاديث التي سبقت الإشارة إليها.

و يروى أن المغيرة الضبيّ و الأوزاعي و سفيان من مشاهير فقهاء أهل السنة قد ذهبوا- كما حكاه إسحاق- (4) إلى تخصيص ملكية الموات للدولة بأراضي العنوة و لكنها ملكية من نوع الملكية العامة لا الخاصة للدولة.

حيث نصوا على إضافة ملكية هذا النوع من الموات إلى المسلمين كمجموع، كما يروى بأن الإمام أحمد (5) في أحد رأييه قد خصه بأراضي السواد دون غيرها من أراضي العنوة. معللا ذلك (6)- هو و فريق من أصحابه- بأن عمر قد مسح العامر و الغامر (7) معا، و أنه وضع الخراج على الجميع فلا موات في أرض السواد. أى إنه لا موات فيها يأخذ حكم الموات في الإباحة.

____________

(1). ورد في الحديث عن على أنه قال، كما تقدم،: «إن للقائم بأمور المسلمين بعد ذلك الأنفال التي كانت لرسول اللّه (ص)، قال اللّه تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ. الآية» راجع الوسائل- 2/ 65.

(2). الوسائل- 2/ 64.

(3). الوسائل- 2/ 64.

(4). الحنبلي في الاستخراج- 58.

(5). الحنبلي في الاستخراج- 58.

(6). الحنبلي في الاستخراج- 58.

(7). يراد بالغامر: الأرض التي ينالها الماء و لم تزرع (الحنبلي- 60).

83

و قد استدل لهم صاحب الاستخراج (1) ببعض النصوص و منها ما رواه الكرماني كما تقدم عن عمر قوله- و هو يجيب طلب بعض الناس من أبى بكر بإحياء بعض الأراضي الموات-: «إن الأرض في‌ء للمسلمين، فإن رضي جميع المسلمين بهذا فأعطهم و إلا فليس أحد أحق بها من أحد، و ليس لهؤلاء أن يأكلوها دونهم». و منها ما رواه الشعبي عن على قال: «إن ناسا قدموا من البحرين على ابن عباس بالبصرة فقالوا: إن بأرضنا أرضا ليس لأحد من الناس قد خربت منذ آباد الدهر فاعطناها، فكتب لهم إلى على، فلحقوه بالكوفة، فقال: الأرض في‌ء للمسلمين ما خرج منها فهو بينهم سواء، و لو رضوا كلهم أعطيتكموه و لكن لا يحل لي أن أعطيكم ما لا أملك».

و الحقيقة إن الاستدلال بهاتين الروايتين على الملكية يصلح لسائر الأراضي الموات في اعتبارها فيئا أو مملوكة إلى الدولة، و لا يخص موات العنوة أو السواد وحده، لما في الروايتين من شمول وسعة. لا سيما و أن الرواية الأخيرة جاءت في أراضي البحرين و هي من الأراضي التي فتحت صلحا (2).

هذا، و الظاهر أن رأى الإمام أحمد في ذلك. لا يختلف من حيث الأصل عن رأي القائلين بالإباحة من المذاهب الآتية الأخرى، و ذلك لأن حكمه في ملكية موات السواد إلى الدولة هو حكم خاص لا يسرى على غيره من أنواع الموات حسبما يبدو، بدليل إن التعليل كان منصبا على قسم السواد خاصة، إذ قام الخليفة عمر بمسح العامر و الغامر فيه معا، مما جعل الغامر- و هو الموات هنا- يأخذ حكم العامر في ملكيته إلى الدولة و في شموله بضريبة الخراج.

____________

(1). الحنبلي- 59.

(2). أبو عبيد في الأموال- 100.

84

القول بالإباحة:

و قد رجح هذا القول من الحنابلة أيضا القاضي و كثير من متأخريهم (1).

كما ذهب (2) إليه كل من الحسن، و ابن جريج، و أبى ثور، و أبى حنيفة، و الشافعي (3) و مالك (4). و معنى ذلك إن فقهاء المذاهب الأربعة كلهم بما فيهم الحنابلة- على رأى- قد ذهبوا إلى القول بالإباحة، مضافا إلى فقهاء أهل السنة الآخرين.

و استدل لهؤلاء: برواية يحيى بن آدم (5) التي ذكر فيها ب «أن رجلا أتى عمر فقال: إن بالبصرة أرضا ليست من أرض الخراج و لا يضر بأحد من المسلمين، فكتب عمر: إن كانت ليست تضر بأحد من المسلمين و ليست من أرض الخراج فاقطعها إياه» و نحوه عن الأعرابي (6)، كما استدل بعضهم بإقطاعات عثمان من السواد (7) و بنحوها من الأدلة.

الرأي الراجح:

أما نحن فنرى أن أسلم الآراء و أقربها إلى الصحة و مدلول الأخبار: هو الرأي الأول القائل بملكية الدولة للأرض الموات.

فإن روايات الكافي و صحيحتي الكابلي و عمر بن يزيد، و إن الأخبار الأخرى المعضودة بآية الأنفال. لتدل مضافا إلى قوة أسانيد بعضها،

____________

(1). الحنبلي- 59.

(2). الحنبلي- 59.

(3). الشافعي في الأم- 3/ 368. و الكاساني- 6/ 194. و الطوسي في الخلاف- 2/ 2 الذي نص على ذكر الثلاثة الأخيرين.

(4). الخرشى- 7/ 70. و التذكرة- 52.

(5). الحنبلي- 59.

(6). الحنبلي- 59.

(7). الحنبلي- 59.

85

على ملكية الدولة أو الإمام للأرض الموات، كما تدل مثلها على هذه الملكية روايتا الكرماني و الشعبي، و إن اعتبرت من نوع الملكية العامة للدولة.

أما بالنسبة إلى الروايات المستدل بها للرأي المقابل فإنها في رأينا أقرب في الدلالة على الملكية منها على الإباحة، كما في رواية يحيى بن آدم و إقطاع عثمان من موات السواد و نحوها، فإن الموات لو كان مباحا لما احتيج في حيازته إلى الإذن أو الإقطاع في الرأي الصحيح، كما سيأتي.

هذا و يمكن، مضافا إلى ذلك، الاستفادة من بعض الآثار و النصوص الأخرى لترجيح القول بملكية الدولة للأرض الموات، و من ذلك ما جاء عن الرسول (ص) في ضمن رسالة بعث بها إلى أكيدر صاحب دومة الجندل (1) بعد إعلان إسلامه، لتحديد المناطق التي تدخل في ملكية الدولة الإسلامية- و هي بعض مصاديق الأرض الموات- من المناطق التي تظل تحت سلطان و ملكية أصحابها الأول.

يقول الرسول (ص) في الرسالة ما نصه: «إن لنا الضاحية من الضحل، و البور، و المعامي، و إغفال الأرض، و الحلقة، و السلاح، و الحافر، و الحصن. و لكم الضامنة من النخل، و المعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم، و لا تعد فاردتكم، و لا يحظر عليكم النبات. إلخ» (2).

____________

(1). قال أبو عبيد السكوني: «دومة الجندل» حصن و قرى بين الشام و المدينة قرب جبلي طي‌ء، كانت به بنو كنانة من كلب (انظر حاشية أبى عبيد- 194).

(2). أبو عبيد- 195، و انظر أيضا القلقشندى في صبح الأعشى- 6/ 370.

و لتفسير مفردات الكلمات الغريبة الواردة في الرسالة ذكر (القلقشندى- 6/ 370) تبعا لأبي عبيد ما يلي:

«الضاحية: الناحية النادرة التي لا حائل دونها، و المراد هنا أطراف الأرض.

و الضحل: القليل من الماء و بالتحريك مكان الضحل. و البور: الأرض التي لم تزرع و هو بالفتح مصدر وصف به، و بالضم جمع بوار و هو الأرض الخراب التي لم تزرع. و المعامي:

المجهولة من الأرض التي ليس فيها أثر عمارة واحدها معمى. و إغفال الأرض: التي ليس فيها أثر يعرف كأنها مغفول عنها. و الضامنة من النخل: ما كان داخلا في العمارة من النخيل و تضمه أمصارهم و قراهم.».

86

و أخيرا- و إن لم يكن ذلك أصيلا في حساب الموضوعات التي تعتمد النصوص- فإن القول بالإباحة لا ينسجم أساسا في رأينا مع ما تطمح إليه كل دولة عادة من السيطرة على أراضيها و سائر ثرواتها الطبيعية، و المحافظة عليها من تصرفات الطامعين و العابثين.

فالدولة التي تقدر مسؤولياتها لا بد أن تضع يدها أساسا على الأراضي التي تدخل تحت لوائها، لأن الأرض هي عماد ثروة البلاد و هي عنوان سيادة الدولة و استقلالها.

و لذلك جاء النص في غير قانون من قوانين الدول الحديثة على ملكية الدولة في الأصل للأراضي الموات و نحوها من الثروات الطبيعية (1).

____________

(1). راجع المادة 14 من الدستور المؤقت لسنة 1968 للجمهورية العراقية التي أضافت ملكية الثروات الطبيعية بمجموعها إلى الدولة، و المادة 6 ف‍- 1 من قانون التسوية العراقي رقم 29 لسنة 1938، و المواد 274، 832، 878 من التقنينات المدنية المصرية و السورية و الليبية على التوالي، اللاتي أضافت ملكية الأراضي غير المزروعة و التي لا مالك لها إلى الدولة.

87

الفصل الثاني المراحل العملية لانتقال الأراضي الموات إلى الأفراد

- التحجير.

- و الإحياء.

- و الاستثمار.

تلك عمليات مرحلية ثلاث في موضوع انتقال الأراضي الموات، ملكية أو اختصاصا، إلى الأفراد، و قد اختلف الفقهاء في دور كل واحدة منها من حيث مدى اكتساب أو تثبيت الحق في الأراضي الموات. و في هذا الفصل سنقف على مداليلها و أحكامها حسب مواضعها المرحلية عند الفقهاء، و قد وضعناها في ثلاثة مباحث كما يلي:

المبحث الأول عملية التحجير

الفرع الأول ماهية التحجير

في اللغة: يراد بالتحجير في اللغة- حسبما تفيده مصادره المختلفة-: وضع العلامات أو ضرب الأعلام على حدود قطعة الأرض المراد حيازتها، و ذلك‌

88

سنعا من التجاوزات التي قد تأتى من قبل الأغيار. يقول في المصباح المنير:

«احتجرت الأرض، جعلت عليها منارا و أعلمت علما في حدودها لحيازتها» و يقول في لسان العرب عن ابن الأثير: «حجرت الأرض و احتجرتها، إذا ضربت عليها منارا تمنعها به عن غيرك» و كذلك أكد مثلهم في المعجم الوسيط بقوله: «حجر الأرض و احتجر و عليها و حولها: وضع على حدودها أعلاما بالحجارة و نحوها لحيازتها». إلى نحوها من التعريفات اللغوية.

في الاصطلاح: أما التحجير في الاصطلاح فقد اختلف الفقهاء في مدلوله على طوائف:

فمنهم من ذهب في تعريفه- كما في اللغة- إلى أنّه علامة أو أمارة على إرادة الإحياء لمنع الغير من التجاوز على قطعة الأرض المحازة به كالمروز و الأحجار و القصب و الشوك، و نحوه مما يوضع عادة علامة و دليلا على إرادة الإحياء. ذهب إلى ذلك كل من فقهاء الزيدية (1)، و الأحناف (2)، و غيرهم (3)، و تابعتهم عليه من التقنينات الإسلامية المحدثة مجلة الأحكام العدلية (4).

و منهم من ذهب في تعريفه إلى أنه: شروع في عملية الإحياء، أو بدء بنقل الأرض الموات من حالتها المجدبة إلى حالة الخصب و صلاحية الإنتاج، كمد مجرى أو فتح قناة. و نحوه، و هذا يدل على جعلهم (عملية التحجير جزءا أو مرحلة من مراحل عملية الإحياء. قالوا: التحجير هو أن يؤثر‌

____________

(1). أحمد بن يحيى في البحر الزخار- 4/ 74.

(2). شرح الهداية- 8/ 138. داماد في مجمع الأنهر- 2/ 558.

الزيلعي في تبيين الحقائق- 6/ 35.

(3). القرشي في الخراج- 90.

(4). المادة 1052.

89

فيها أثرا لم يبلغ به حد الإحياء» (1)، غير أن قسما من الأمثلة التي ساقها بعضهم لهذا الغرض لم تكن منسجمة مع التعريف المذكور للتحجير، كما في مثال نصب المروز أو القصب و غيره مما هو أقرب في الدلالة على التعريف السابق منه على التعريف الأخير- كما رأينا-، و لذا وضع بعضهم ذلك موضع التساؤل (2).

و ممن ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء من الإمامية كما في المبسوط (3) و التذكرة (4) و القواعد (5) و اللمعة و شرحها (6)، و مفتاح الكرامة (7)، و توضيح الكلام (8) و في عشرات المصادر الأخرى، كما ذهب إليه الحنابلة في رأي لهم ذكره صاحب المغني (9) و صاحب الإنصاف (10).

هذا و يلاحظ أن هناك تلازما أو ترابطا في الغالب بين القول بإباحة الأرض الموات و القول بتفسير التحجير بأنه أمارة على الإحياء، و أن ثمة في مقابل ذلك تلازما آخر بين القول بالملكية- ملكية الأرض الموات إلى الدولة- و القول بتفسير التحجير بأنه شروع في الإحياء. و ستتضح هذه الملازمات في ثنايا بحوثنا القادمة.

و ذهب قسم ثالث- و هم الشافعية خاصة-: إلى توسيع نطاق‌

____________

(1). الطوسي في المبسوط/ باب إحياء الموات.

(2). مفتاح الكرامة 7/ 24- 25.

(3). الطوسي/ إحياء الموات.

(4). الحلي/ إحياء الموات (خطي).

(5). الحلي/ إحياء الموات- 84.

(6). 2/ 250، 253.

(7). العاملي- 7/ 25.

(8). المظفر- 2/ 303 (خطي).

(9). ابن قدامة- 6/ 153.

(10). المرادوى- 6/ 374.

90

التعريف، بحيث يشمل المدلولين السابقين معا، و هما الأمارة على الإحياء و الشروع فيه، قالوا: «و من شرع في عمل إحياء و لم يتمه، أو علّم على بقعة بنصب أحجار، أو غرز خشبا فمتحجر» (1).

الرأي الراجح:

و الحق: إن التحجير لا يدل بمفهومه في الاصطلاح على أكثر من الأمارة و الدلالة على إرادة الإحياء، و ذلك للأسباب التالية:

1- عدم وجود ما يدل على تحديد مفهوم التحجير في النصوص الواردة في هذا الموضوع، و مع عدمه فالقاعدة تقضى بالرجوع بعده إلى المصادر اللغوية، و إذا ما رجعنا إلى هذه المصادر وجدناها لا تتعدى في تحديدها لمفهوم التحجير بكونه أمارة على الإحياء- كما مر.

2- عدم وجود ذكر للتحجير في غير أخبار القائلين من الفقهاء بالإباحة في الموات، و لذلك فالأولى حمل هذه الأخبار بما ينسجم من تفسير مع فكره الإباحة، و المفروض أن هذا الانسجام حاصل بين تفسير التحجير بالأمارة، و بين القول بهذه الإباحة، كما لاحظنا.

يقول السيد العاملي (2)، و هو من الفئة التي تقول بملكية الدولة للأرض الموات من جهة، و بتفسير التحجير بأنه شروع في الإحياء من جهة ثانية:

____________

(1). الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 336، و راجع أيضا من كتب الشافعية: الابتهاج في شرح المنهاج- 290، و منهج الطلاب للقاضي السنبكى (خطي) الذي أضاف إلى التحجير معنى ثالثا هو الإقطاع.

هذا و يلاحظ أنه ليس للمالكية- كما للفقهاء الآخرين- رأى صريح في تعريف التحجير أو غيره من مسائله، حيث لم يسمع لمالك رأى في شي‌ء من التحجير كما يقول راوي المدونة (15/ 195) في جواب له عن رأيه في هذا المجال، و لذلك لا نجد للتحجير ذكر في كتب المالكية الأخرى إلا عرضا حيثما تتبعنا ذلك.

(2). مفتاح الكرامة- 7/ 24.

91

«و ليس له- أى للتحجير- في أخبارنا ذكر، و لعلهم أخذوه من فحوى ما دل على الأولوية في السبق إلى مكان في المسجد أو السوق، أو من الخبر العامي الذي تداوله أصحابنا و استدلوا به: من أحيا أرضا ميتة في غير حق مسلم فهي له» و أضاف في مكان آخر قوله: «لا نص عندنا على أصل التحجير» (1).

و بنحو ذلك قال في الرياض (2).

و من هنا ذهب هؤلاء القائلون بالملكية في محاولة منهم لتبرير تلك الأخبار و تصحيحها إلى تفسير التحجير بالشروع في الإحياء، دفعا لبعض التناقضات التي يقتضيها تفسير التحجير عادة بالأمارة مع تبنى القول بملكية الموات إلى الدولة، لأن القول بهذه الملكية لا يعطى في الأصل للحيازة المجردة عن الإذن- و منها وضع علامة أو أمارة- أية مشروعية و أى حق في الاختصاص بالأرض الموات.

بل، و هناك من ذهب منهم في محاولة أخرى لصرف تلك الروايات و نحوها إلى ما ينسجم و وجهة نظرهم في الملكية. ذهبوا إلى تفسير التحجير بأنه هو الإحياء نفسه، من حيث تحقق الملكية أو الاختصاص به كأنه هو الإحياء.

صرح بذلك بعض الفقهاء و من بينهم ابن إدريس (3)، و الطوسي (4) و نجيب الدين بن نما (5) و صاحب المهذب (6).

و لكن في هذه المحاولة- كما في المحاولة السابقة- تكلف واضح في‌

____________

(1). نفسه- 7/ 25.

(2). الطباطبائي- باب إحياء الموات.

(3). السرائر- 113: الطبعة الحجرية.

(4). المبسوط- باب إحياء الموات.

(5). راجع زين الدين العاملي في المسالك/ إحياء الموات، و مفتاح الكرامة- 7/ 66.

(6). راجع مفتاح الكرامة- 7/ 66، و الجواهر- 6/ 14.

92

صرف التحجير عن معناه الظاهر- و هو الأمارة على الإحياء- مع أنه ليس في هذه المحاولات كبير فائدة بحيث يترتب عليها وجود حكم أو حق مستقل عن حق عملية الإحياء ذاتها، كما يترتب على القول بتفسير التحجير بأنه أمارة في رأي القائلين بالإباحة.

3- و ثالث الأسباب: هو عدم وجود مفهوم آخر مبلور و وارد في الأخبار، يعبر عن حاجة هؤلاء القائلين بالإباحة إلى نمط من الحيازة و الاستيلاء المجرد، و له صفة المشروعية المانعة من التجاوز. ليس هناك غير مفهوم التحجير. مع أن هذا المفهوم هو وارد في أخبارهم خاصة، كما مر.

الفرع الثاني رأى الفقهاء في الحقوق المكتسبة بالتحجير

يكاد يتفق الفقهاء (1) على اختلاف اتجاهاتهم المذكورة في ماهية التحجير على ثبوت الأحقية أو الأولوية بالتحجير في الأرض الموات ليس غير، ثم على سقوط هذه الأحقية عند عدم المبادرة إلى الإحياء خلال مدة أنهاها بعضهم إلى ثلاث سنين (2) و هي المدة الواردة في بعض الآثار المنسوبة إلى عمر بن الخطاب كقوله: «ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق» (3).

____________

(1). راجع: المسالك/ إحياء الموات، و التذكرة/ إحياء الموات، و مفتاح الكرامة- 7/ 25 من كتب الإمامية. و الكاساني- 6/ 195، و الزبلعى- 6/ 35، و السمرقندي في تحفة الفقهاء من كتب الأحناف. و البحر الزخار للزيدية- 4/ 74. و المواق للمالكية- 6/ 12 حسبما يبدو من فحوى كلام أشهب. و الماوردي- 178. و نهاية المحتاج- 5/ 336 من كتب الشافعية.

(2). راجع البحر الزخار- 4/ 74. الفتاوى المهدية- 5/ 315. شرح الهداية- 8/ 138، مجمع الأنهر- 2/ 558. المختار للفتوى- 217.

(3). أبو يوسف- 65، و مجمع الأنهر- 2/ 559.

93

و قد استدلوا أو استدل بعضهم على هذه الأولوية بقوله (ص): «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به» (1) أو قوله (ص): «منى مناخ من سبق» (2) أو بفحوى ما دل على الأولوية في السبق إلى مكان في المسجد أو السوق (3).

و هناك من يذهب في رأي شاذ إلى القول بحصول الملكية (4) بالتحجير استنادا إلى قوله (ص) في رواية سمرة بن جندب «من أحاط حائطا على أرض فهي له» (5).

الحق في المسألة:

أما نحن فحيث كنا نميل من جهة إلى القول بملكية الدولة للأرض الموات مع اشتراط الإذن في إحيائها كما سنرى، و نميل من جهة أخرى إلى تعريف التحجير بالأمارة على الإحياء للأسباب المذكورة آنفا. فلازمه عدم إقرار القول بإعطاء أي نوع من الحق في التحجير ما دام التصرف بالموات لا يصح إلا مقرونا بإذن من الدولة صاحبة الحق الأصيل فيه- كما سيأتي. و مع اشتراط الإذن فلا فائدة بل لا أثر للتحجير بنفسه في كسب أى حق من الملكية أو الاختصاص إلا بنحو ما يفعله الفضولي الذي تتوقف تصرفاته على صدور الإجازة اللاحقة من المالك.

هذا مضافا إلى أنه ليس في واحد من الأدلة المذكورة ما يصلح ظاهرا‌

____________

(1). البحر الزخار- 4/ 74، و المغني- 6/ 153. قال البغوي و هو ينقد هذا الحديث «لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا الحديث». راجع الشوكاني- 5/ 340.

و تحفة الفقهاء- 3/ 442.

(2). الكاساني- 6/ 195. و السمرقندي في تحفة الفقهاء- 3/ 442.

(3). مفتاح الكرامة- 7/ 24.

(4). نفسه. و راجع المسالك/ إحياء الموات. في رأي نسبه إلى الشافعية.

(5). أبو يوسف- 65، و الشوكاني- 5/ 340. قال رواه أحمد و أبو داود.

94

للاستدلال به على اكتساب الأحقية أو الملكية، نظرا لما في الحديثين الأولين من إجمال ظاهر، و في دليل الفحوى المذكور من قياس هو بمثابة القياس مع الفارق، و نظرا إلى أن التحويط الوارد في حديث: «من أحاط حائطا». هو أحد أمثلة الإحياء لا التحجير في المشهور، قال الإمام أحمد (1):

«الإحياء من احتاط حائطا أو احتفر بئرا، و من احتاط حائطا يمنع الناس و الدواب فهي له»، و قال صاحب مجمع الأنهر (2): «أما لو حوطها. كان إحياء لأنه كالبناء و الزرع.» و ذكر أبو يوسف (3): «معنى هذا الحديث عندنا على الأرض الموات التي لا حق لأحد فيها و لا ملك، فمن أحياها و هي كذلك فهي له. يزرعها و يزارعها و يؤاجرها. إلخ».

و عليه فإذا انتفت فائدة التحجير في إثبات أي نوع من الحق، ملكية أو اختصاصا، فلا يبقى ما يبرر بعده الإطالة في موضوع التحجير بما في ذلك المسائل التي تتعلق بمدة التحجير (4)، و مقدار ما يسمح حيازته من الأراضي عن طريقه، و حكم الإرث في حق التحجير. و نحو ذلك مما يعرض له الفقهاء عادة في مثل هذا المجال.

____________

(1). أبو يعلى- 194.

(2). داماد- 2/ 558.

(3). الخراج- 65.

(4). راجع إذا شئت عن مدة التحجير كلام الفقهاء في: التذكرة/ إحياء الموات.

البحر الزخار- 4/ 74. الخراج لأبي يوسف- 65. شرح الهداية- 8/ 138.

الكاساني- 6/ 194. قانون الأراضي العثماني المادة 103. و مجلة الأحكام العدلية المادة 1279. و غيرها.

95

المبحث الثّاني عملية الأحياء

ماهية الأحياء:

في اللغة: يراد بالإحياء عند أهل اللغة: جعل الشي‌ء ذا قوة حساسة و نامية بعد أن كان متجردا منها، و ينطبق هذا المعنى عندهم أيضا على الأراضي حيثما ينسب الإحياء إليها، فلو تمّ نقل الأرض الموات من حالتها هذه إلى حالة الخصب و النماء قيل لهذه العملية: إحياء في اللغة، و لكن الزمخشري (1) صرح بأن هذا الاستعمال هو من باب المجاز لأن حقيقة الحياة هي نقيض الموت (2).

و عليه يقال: أرض حية. أى مخصبة، كما يقال في مقابله: أرض مجدبة.

أي ميتة (3). أما المراد بالإحياء:

في الاصطلاح: فهو حسبما يستفاد من الرأي السائد عند الفقهاء: عملية مرحلية، براد بها بعث النشاط و الحياة في الأراضي المجدبة الموات، و إعدادها للقيام بمهمتها الأصلية و هي الإنتاج.

يقول الزيدية (4) في تعليل انتفاء شرطية الزراعة أو الغراسة الفعلية لتحقق‌

____________

(1). أساس البلاغة- 2/ 211.

(2). ابن منظور- 18/ 230. و الفيروزآبادي- 4/ 323 (مادة حي).

(3). ابن منظور- 18/ 233 (مادة حي).

(4). البحر الزخار- 4/ 73.

96

الملكية: «إذ الإحياء صلاحها للزرع» و يقول الأحناف (1) أيضا في بيان نفس التعليل: «لأن الإحياء جعلها صالحة للزراعة». و هكذا أكد هذه الفكرة كل من الإمامية (2) و الشافعية (3) و الحنابلة (4) على اعتبار أن الإحياء لا يدل بمفهومه على أكثر من تهيئة الأرض و إعدادها لعملية الإنتاج، و لكن ذهب في مقابل ذلك بعض الفقهاء إلى اعتبار الزراعة و الغراسة و نحوها من وجوه الانتفاع الفعلي بالأرض شيئا داخلا في حقيقة و مفهوم الإحياء.

قال بذلك الظاهرية (5)، و بعض أصحاب الشافعي (6) ممن نسب إليهم الماوردي (7) الغلط في تعليق ملكية الأرض على الغراسة و الزراعة الفعلية.

كما ذكر صاحب المغني (8)- من الحنابلة-: «بأن هناك وجها في أن حرثها و زرعها إحياء لها، و أن ذلك معتبر في إحيائها و لا يتم بدونه».

كذلك جاء في مرشد الحيران مادة 147: «فمن أذن له بإحياء أرض موات و أحياها بأن زرعها أو غرس أو بنى فيها فقد ملكها و لا تنزع منه».

و الحق:

إن الإحياء- كما هو الرأي السائد الآنف و كما هو معناه اللغوي- لا يدل بمفهومه على أكثر من جعل الأرض صالحة للإنتاج و إيجاد القابلية الفعلية فيها على العطاء و الإثمار. ذلك لأن فعلية الزراعة و الغراسة و نحوها، أو ما نريد أن نسميه في المبحث الثاني بعملية أو مرحلة الاستثمار، هي أمر خارج حقيقة و طبيعة عن المراد بالاحياء كما سنراه مفصلا:

____________

(1). الزيلعي- 6/ 35، و داماد في مجمع الأنهر- 2/ 558.

(2). المحقق الحلي في الشرائع إحياء الموات. زين الدين في المسالك إحياء الموات.

(3). الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 335.

(4). ابن قدامة في المغني- 6/ 171.

(5). ابن حزم في المحلى- 8/ 238.

(6). الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 335. الغزالي في الوجيز- 1/ 244.

(7). الأحكام السلطانية 177- 178.

(8). ابن قدامة- 6/ 18.

97

المبحث الثالث عملية أو مرحلة الاستثمار.

. و إنما قلنا قبل هنيئة: إن هذه العملية أو المرحلة الاستثمارية هي في حقيقتها شي‌ء خارج عن حقيقة و طبيعة الإحياء، فذلك لأن الزراعة و نحوها- كما صرحوا (1)- استيفاء منفعة، و استيفاء المنفعة شي‌ء خارج عن حد الإحياء، و لهذا لم يجعل الجمهور- فيما سنرى تفصيله- الزراعة و نحوها من الغراسة و الحراثة من جملة كيفيات الإحياء، كما لم يجعلوها شرطا من شروطه اللازمة.

و لعل ما أراده بعض الفقهاء من اعتبار الإنتاج و الاستثمار عملا داخلا في عملية الإحياء- كما مر- يمكن توجيهه يجعل الإنتاج شيئا يتوقف عليه تثبيت الحق و استمراره في حيازة الموات، باعتباره شرطا من شروط الإحياء و ليس جزءا أو ركنا له، كما أشار بعض الباحثين فعلا إلى هذه الشرطية و لو بالنفي (2).

هذا، على أننا لا نعدم من الأحاديث ما يؤيد تلك الفكرة في عزل عملية الاستثمار عن عملية و مفهوم الأحياء و جعلها مرحلة مستقلة و لاحقة لمرحلة الإحياء. يقول في الخبر: «أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض و عملوه،- و في بعضها (و عمروه)- فهم أحق بها» (3). و المقصود بالعمل أو العمران‌

____________

(1). المسالك/ إحياء الموات. نهاية المحتاج- 5/ 335.

(2). يقول صاحب (المسالك/ احياء الموات): «و لا يشترط سقيها و زرعها بالفعل لأن الإحياء يتحقق بالتهيئة لا بالانتفاع بالفعل». و بنحوه قال في نهاية المحتاج- 5/ 335.

و الشرائع/ إحياء الموات. و البحر الزخار- 4/ 73. و المحرر (خطي).

(3). التهذيب- 7/ 148. و الوسائل- 3/ 327.

98

هنا هو عملية استثمار الأرض و الانتفاع بها، و قد فصلها- كما رأينا- عن كلمة الإحياء.

و يقول في حديث آخر و هو صحيح الكابلي المتقدم: «فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها و ليؤد خراجها إلى الإمام، و له ما أكل منها، و إن تركها و أخربها فأخذها رجل آخر من المسلمين من بعده فعمرها و أحياها فهو أحق بها من الذي تركها» (1).

كما أننا لا نعدم ما يؤيد ذلك من النصوص القانونية المحدثة كما في نص المادة 1186 من القانون المدني العراقي إذ تقول: «يجوز لكل عراقي أن يستولي بإذن الحكومة دون مقابل على الأرض الموات في المناطق المسموح فيها بذلك قانونا، فيثبت له عليها حق التصرف إذا قام بإحيائها و يعطى له سند بحقه بعد تسجيله بالطابو. إلا أنه إذا ترك الأرض بدون حرث أو زراعة ثلاث سنوات متوالية بغير عذر انتزعت منه و فوضت إلى غيره». و منه نجد أن الزراعة و نحوها اعتبرت في هذا النص مرحلة لا حقة للإحياء، و أن الإحياء وحده كاف لتمامية الحقوق و إن علق ثبوته و استمراره على فعلية الزراعة و الاستثمار.

و لكن:

متى يثبت الحق كاملا بالأرض الموات؟

فهل يثبت هذا الحق بمجرد إخراج الأرض التي يراد زراعتها من عطلتها و إعدادها للإنتاج؟ أو لا بد لذلك من فعلية الاستثمار و الإنتاج؟

أو بتعبير آخر: هل يظل هذا الحق معلقا، فلا يثبت أو يسكن في ذمة‌

____________

(1). التهذيب- 7/ 152. و الوسائل- 3/ 327.

99

الشخص القائم بعملية الإحياء، إلا بالإنتاج الفعلي و بالاستثمار، حيث لا يكفى للاختصاص بالأرض أو ملكيتها مجرد الإحياء؟.

قيل- و القائل جمهور الفقهاء (1) من أصحاب الرأي السائد السابق في تعريف الإحياء- بأن الحق بالأرض الموات يمكن أن يسكن أو يثبت كاملا في ذمة الشخص بمجرد إعداد الأرض و تهيئتها للاستثمار، على اعتبار أن ذلك هو مؤدى كلمة الإحياء التي تضمنتها الأدلة المستفيضة.

و قيل في رأي آخر: إن الحق لا يسكن أو يثبت كاملا في ذمة الشخص إلا بفعلية الإنتاج، حيث لا يكفي في اكتساب الحق، ملكية أو اختصاصا، مجرد تهيئة الأرض و إعدادها للإنتاج. قال بذلك بعض أصحاب الشافعي (2) و تبناه كما يظهر في مرشد الحيران حيث جاء في المادة 127 قوله:

«فمن أذن له بإحياء أرض موات و أحياها بأن زرعها أو غرس أو بنى فيها فقد ملكها و لا تنزع منه».

و من هذا يظهر أن الاختلاف في: متى يكتسب الحق كاملا بالأرض الموات؟ ناشى‌ء من الاختلاف السابق في: متى يعتبر العمل بالأرض و تطويرها استصلاحا و إحياء في الاصطلاح؟

و لذلك فنحن لما كنا هنالك قد اعتمدنا الرأي القائل بأن الإعداد و التهيئة للإنتاج يعتبر وحده كافيا لإعطاء مدلول الإحياء في الاصطلاح، فلا بد أن نعتمد هنا أيضا القول بثبوت الحق كاملا عند حصول مرحلة الإعداد‌

____________

(1). راجع: رأى الجمهور السابق في أخذ الإعداد و التهيئة للإنتاج مدلولا لكلمة الأحياء في الاصطلاح، و راجع أيضا (الماوردي: 177- 178) لمعرفة وجهة نظر بعض الفقهاء في المرحلة التي تكتسب بها الملكية بالأرض الموات.

(2). الغزالي في الوجيز- 1/ 244.

100

المذكورة، و إن كان هذا الحق لا يتجاوز بشكل من الأشكال حدود ما يسمى بالاختصاص، كما سيأتي، و كما هو رأينا في الأراضي عموما، خلافا للرأي السائد بين الفقهاء.

و هذه الملازمة أو هذا القول في رأينا، لا ينافي الاتجاه القاضي بامكانية انتزاع الدولة للأراضي المحياة، و إنهاء تلك الحقوق الواردة عليها في حالة ترك الأرض و تفويت فرصة الاستثمار فيها، خلال مدة أنهاها بعضهم إلى ثلاث سنين كما سيأتي، ذلك لأن هذا التعطيل يعطى دليلا على عدم رغبة صاحب الأرض أو عجزه عن استثمارها. الأمر الذي يعطى الحق للدولة في انتزاع تلك الأرض من صاحبها و إعطائها إلى من يستثمرها و يبعث فيها النشاط من جديد.

و إلا- أي إذا ما ظل حق القائم بعملية الإحياء مراعى و مستمرا بالرغم من ترك أرضه و عجزه عن استثمارها- لكانت الفائدة منتفية في الأصل من تشريع أحكام الأحياء، الذي أريد به استثمار العناصر و الثروات الانتاجية و مساهمتها إلى أبعد حد في خدمة الصالح العام.

مدى هذا الحق:

و لكن اختلف الفقهاء في نفس الوقت في مدى هذا الحق المكتسب بالإحياء، فقيل: إنه (الملكية)، و قيل: إنه حق التصرف أو (الاختصاص).

ذهب إلى الرأي الأول جمهور الفقهاء، و من بينهم معظم الإمامية (1)

____________

(1). انظر: ابن إدريس في السرائر/ إحياء الموات. الحلي في التذكرة/ إحياء الموات.

101

و كذلك الزيدية (1) و معظم فقهاء المذاهب الأربعة الأخرى (2).

و ذهب إلى الثاني فريق من الإمامية و من بينهم الشيخ الطوسي في بعض كتبه (3)، و الأحناف في رأي مغمور لهم (4)، كما ذهبت إليه بعض القوانين المدنية المعاصرة (5).

و سيأتينا في بحث قادم أن الحق في هذه المسألة هو الرأي الثاني، الذي سنأتى هناك على بيان وجهة نظرنا و وجهة نظر الفقهاء فيه بشي‌ء من التفصيل.

لهذا، و لأجل أن لا يكون حديثنا عن هذا المبحث في عملية الإحياء غير مستكمل لبعض فروعه أو متعلقاته التي بحثها الفقهاء بإسهاب، رأينا أن نبحث خاصة في ذيل هذا الفصل ما أثاره الفقهاء عن:

كيفية الأحياء:

و المقصود بهذه الكيفية في الزراعة فيما تعطيه كلماتهم هي: تلك الأسباب أو العمليات المهيئة للإنتاج. من حيث يتحقق بها اصطلاحا مفهوم الإحياء.

____________

(1). البحر الزخار 4/ 72- 73.

(2). راجع: الكاساني- 6/ 195 من الأحناف، و تابعة صاحب مرشد الحيران (المادة 127). هامش الخرشى- 7/ 69 من المالكية. الأم- 3/ 265، و الغزالي في الوجيز- 1/ 241، من الشافعية. ابن قدامة في المغني- 6/ 147، و المرداوى في الإنصاف- 6/ 354 من الحنابلة.

(3). المبسوط/ إحياء الموات. و النهاية- 2/ 427. و الاستبصار- 3/ 108.

(4). راجع: شرح الهداية- 8/ 137. و الغنيمي في الباب- 2/ 201.

(5). كالقانون المدني العراقي في المادة 1186.

102

غير أنه لم يرد من الشارع ما يحدد أو يعدد المصاديق لتلك العمليات، و لذلك اتفق الفقهاء (1) على إرجاع ذلك إلى الأعراف و العادات السائدة وقت الإحياء، فإن من نهج الشريعة فيما لم يرد به نص أو فيما لم تكن فيه حقيقة شرعية «رد الناس إلى المعهود عندهم المتعارف بينهم» كما يقول الحلي (2).

و من هنا فلا وجه لتحديد البعض منهم تلك المصاديق و حصرها بعدد و نطاق معين، في الوقت الذي جعلوا المعيار و الحكم فيها راجعا إلى الأعراف، لما يترتب على ذلك من خلط و تهافت.

و من بين هذا النوع من التهافت ما ذكره أبو البركات (3) بقوله:

«و الإحياء يكون بأحد أمور سبعة (هكذا بالحصر): بتفجير ماء، و بإخراجه. أى إزالة الماء منها، و ببناء، و بغرس، و بحرث و تحريك أرض، و بقطع شجر، و بكسر حجرها و تسويتها» و ذلك بعد أن قال:

«لا يكون الإحياء بتحويط إلا أن تجري العادة عندهم بأنه إحياء».

و من بين ذلك التهافت أيضا ما ذكره سيدي خليل في مختصره (4)،

____________

(1). راجع كلا من: المبسوط/ إحياء الموات. السرائر/ إحياء الموات- 113.

التذكرة/ باب إحياء الموات. الرياض- 2/ إحياء الموات. شرح اللمعة- 2/ 254. الجواهر- 6/ إحياء الموات- مفتاح الكرامة- 7/ 66 و غيرها من كتب الإمامية. و راجع: البحر الزخار- 4/ 72 للزيدية. و أبا البركات في الشرح الكبير- 4/ 63 للمالكية. و نهاية المحتاج- 5/ 335. و الماوردي- 177 للشافعية. و المرداوى في الإنصاف- 6/ 36 للحنابلة في إحدى روايتين عن الإمام أحمد. و ابن حزم في المحلى- 8/ 238 للظاهرية. و الكحلاني في سبل السلام- 3/ 82.

(2). التذكرة/ إحياء الموات.

(3). الشرح الكبير- 4/ 63.

(4). مختصر خليل- 210.

103

و الخرشى في شرحه (1)، و ما ذكره كذلك الطوسي في مبسوطه (2).

إذ أنه بعد أن أرجع الإحياء إلى العرف و العادة، عاد فذكر البيانات التي يكون فيها الإحياء بشكل يفهم منه الحصر لا التمثيل (3).

و الحقيقة إن إرجاع (كيفية الإحياء) إلى العرف أو العادة أمر ثابت و مفروغ منه عند الفقهاء (4) فيما رأينا، و هو أمر سليم كذلك، و لهذا فلا معنى لحصر أولئك الفقهاء و غيرهم بيانات و مصاديق الإحياء بعدد و نوع معين، بحيث لا يجوز تجاوزه الى غيره و إن أقرته العادة و جرت به الأعراف كمصداق من مصاديق الإحياء.

و لذلك يمكن لنا الاعتذار عن بعضهم ممن عدد و لم يصرح بالحصر: بحمل أمثلتهم و بياناتهم التي ساقوها على مورد الغالب- كما هو الواقع فعلا- لا على الحصر و التعيين لاستلزامه الخلط و التهافت كما مر.

____________

(1). 7/ 70.

(2). باب إحياء الموات.

(3). و لذلك حاول ابن إدريس في كتابه السرائر- 113 الاعتذار عنه بقوله: بعد أن ذكر الإجماع على رجوع كيفية الإحياء إلى العرف و تصريح الشيخ الطوسي بذلك: «فما ورد عن الشيخ بعد قوله ذلك من التقسيمات و بيانات الإحياء هي راجعة إلى رأي المخالفين، لأن الشيخ في المبسوط يذكر رأينا و رأيهم» و منه يبدو أن هناك بعض المخالفين من غير الإمامية في إرجاع كيفية الإحياء إلى العرف، و لكننا لم نقف عليه.

(4). يقول العاملي في مفتاح الكرامة- 7/ 66: «و المرجع في الأحياء إلى العرف من غير خلاف لعدم نص على ذلك من الشرع و اللغة».

104

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

105

الباب الثاني شروط الإحياء

106

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}