إحياء الأراضي الموات

- محمود المظفر المزيد...
358 /
107

تمهيد:

إن الشروط المتنوعة الآتية التي بحثها و أسهب في بحثها الفقهاء، و التي و صفوها ب‍ (شروط الإحياء): هي- كما هو واضح من وصفها- شروط خاصة لنشوء حق الإحياء، و ليست شروطا للملكية أو الاختصاص المترتب على الإحياء. ذلك لأن هذه الملكية أو الاختصاص لا ينشآن إلا بعد القيام بعملية أو مرحلة الإحياء ذاتها، أى بعد نقل الأرض الموات نقلا فعليا من حالتها المجدبة إلى حالة الخصوبة و النشاط. و من الواضح أن الإحياء نفسه لا ينشأ، أو لا تترتب عليه أحكامه و آثاره إلا بعد توافر شروط معينة. تلك هي الشروط التي قررها و أوضحها الفقهاء في هذا المجال. على أن من المعلوم أن الشروط لا تفترض أساسا إلا في العمليات أو الوقائع نفسها، و لا معنى لاشتراطها أو افتراضها في النتائج أو الآثار.

نقول هذا. كي يتضح لنا مسبقا المحل أو الكائن الشرعي لهذه الشروط، قبل أن ندخل في تفاصيلها، و توضيحا لما قد يثأر من تساؤلات لدى البعض- كما أثير فعلا- حول هذا الوعاء أو الكائن: هل هو الإحياء، أو الملكية؟ أو هل هو الواقعة، أو النتيجة ذاتها، بمعنى آخر؟

هذا و من الملاحظ أن الفقهاء، و قد عرضوا للكثير من هذه الشروط، لا يعنى أنها أصبحت- جميعا- شروطا لازمة للإحياء، و أن الإحياء بالتالى يكون مرتبطا بها وجودا و عدما. إذ الواقع إن جملة من هذه‌

108

الشروط- كما سنرى- لا تعتبر بهذه المثابة، بل و لا تستأهل أن توضع بين قائمة الشروط أساسا.

و عليه، رأينا أن نعقد مسائل هذا الباب- باب الشروط- في فصلين اثنين. نتحدث في: (الأول) منهما عن الشروط اللازمة للإحياء، و في (الثاني) عن بقية الشروط التي ليس لها مثل هذا اللزوم، عندنا.

109

الفصل الأول الشروط اللازمة

و هذه الشروط لا تتعدى في رأينا الشروط التالية:

أولا- إذن الإمام أو الدولة في الإحياء.

ثانيا- تجرد الموات من الإقطاع و من الحمى و نحوه من المنافع العامة، و قد جمعنا ذلك تحت عنوان واحد هو: «تجرد الموات من الحقوق المثقل بها».

ثالثا- انتفاء كون الموات حريما للعامر.

و نشرع الآن في الحديث عن هذه الشروط تباعا:

(أولا) (1) إذن الامام

و للفقهاء من هذا الشرط آراء و اتجاهات مختلفة:

فذهب البعض، و منهم الإمامية (2) و أبو حنيفة (3) نفسه- إلى القول باعتباره شرطا لازما من شروط عملية الإحياء، بمعنى إن الأثر الشرعي لا يترتب على الإحياء إذا لم يصدر به إذن خاص من الشارع.

____________

(1). إن المراد بالاذن هنا: هو الإذن الخاص الصريح الصادر من الشارع، و لذلك لا تعتبر الإباحة و نحوها إذنا، و إن دلت في رأى بعض الفقهاء على معنى الإذن العام للأفراد بالتصرف في الأموال المباحة، و للمكلفين بالتخيير بين فعل الشي‌ء و تركه في الأحكام التكليفية (انظر:

بحث الإباحة في موسوعة الفقه الإسلامي لأبي زهرة 1/ 212- 219).

(2). انعقد الإجماع بين الإمامية على لزوم هذا الشرط كما جاء في سائر كتبهم، راجع:

الطوسي في الخلاف- 2/ 2، و الشهيد في اللمعة- 2/ 25، و الجواهر- 6/ باب احياء الموات، و العاملي في مفتاح الكرامة- 7/ 4، و بحر العلوم في البلغة- 69.

(3). أبو يوسف في الخراج- 64. الغنيمي في اللباب- 2/ 200.

و السمرقندي في تحفة الفقهاء- 3/ 441. و الطوسي في الخلاف- 2/ 2.

110

و ذهب آخرون و منهم الزيدية (1) في قول، و الشافعية (2)، و أهل الظاهر (3) و الحنابلة (4)، و كذلك الصاحبان- محمد و أبو يوسف (5)-:

إلى القول بعدم توقف الإحياء على الإذن، لإمكانية ترتب الأثر الشرعي من ملكية أو اختصاص على الإحياء نفسه و لو لم يدعمه إذن خاص من الشارع.

و ثمة رأى ثالث قال به المالكية، في التفصيل بين القريب من العامر و البعيد عنه، حيث يشترط الإذن في الحالة الأولى- أي في القريب عن العامر- دون الحالة الثانية. حسبما جاء في كتبهم خاصة (6).

و لكن هناك من نسب إليهم القول في شرطية الإذن بشكل مطلق دون ما تفريق أو تفصيل، كما جاء في الخلاف (7)، و في المحاورة التي دارت بين الإمام الشافعي، و أحد المالكية حول الموقف من هذه الشرطية (8).

____________

(1). البحر الزخار- 4/ 71. و يفرق الزيدية في رأي آخر لهم بين الذمي و المسلم في شرطية الإذن بالإحياء فقالوا بلزومه بالنسبة للأول دون الثاني (راجع شرح الأزهار- 2/ إحياء الموات)

(2). اختلاف مالك و الشافعي (خطي). الخلاف- 2/ 2.

(3). ابن حزم في المحلى- 8/ 233.

(4). الروض المربع- 2/ 425، و انظر أيضا أبا زهرة في الملكية و نظرية العقد- 112.

(5). اللباب- 2/ 200، و المختار للفتوى (خطي).

(6). المدونة الكبرى- 15/ 195. الشرح الكبير، و حاشية الدسوقى عليه- 4/ 62.

مختصر خليل- 210. الخطاب- 6/ 11. الخرشي- 7/ 70. الأموال لأبي نصر الداودي (خطي)، و ابن جزى- 339، و غيرها من كتب المالكية.

(7). الطوسي- 2/ 2.

(8). يقول في المحاورة كما جاء نصها في (اختلاف مالك و الشافعي، خطي. و المحلى لابن حزم- 8/ 233): «قال أحد المالكية: سألت الشافعي عمن أحيا أرضا مواتا؟ فقال: إذا لم يكن للموات مالك فمن أحياه من أهل الإسلام فهو له دون غيره، و لا أبالي أعطاه الإسلام أو لم يعطه لأن النبي أعطاه و عطا النبي أحق، قلت: فما الحجة؟ قال: ما روى عن مالك: من أحيا أرضا ميتة فهي له و ليس لعرق ظالم حق. فقلت: إنا نكره أن يحيى الرجل أرضا ميتة إلا بإذن الوالي، قال الشافعي: فكيف خالفتم ما دونتم عن النبي (ص) و عمر، و هذا عندكم سنة.

قلت للشافعي: هل خالفك في هذا غيرنا؟ فقال ما علمت أحدا من الناس خالف في هذا غيركم و غير من روسم هذا عنه، إلا أبا حنيفة فإني أراكم سمعتم قوله فقلتم به، و لقد خالف أبو يوسف فقال فيه مثل قولنا».

111

غير أن الأولى الاعتماد على ما ورد في كتبهم خاصة من التفصيل المذكور.

وجود التلازم: و هذا الاختلاف الذي رأيناه بين هؤلاء الفقهاء في شرطية الإذن، هو- فيما يبدو- فرع من النزاع في مسألة طبيعة الأرض الموات السابقة، فمن ذهب منهم هناك إلى القول بملكية الدولة للأرض الموات فقد ذهب هنا إلى القول بشرطية الإذن في إحيائها، و من ذهب بالإباحة هنالك، فقد ذهب- سوى من شذ- إلى انتفاء هذه الشرطية هنا.

فالإمامية حين أجمعوا- كما مر- على ملكية الدولة للأرض الموات، فقد أجمعوا كذلك على القول هنا بشرطية الإذن في إحيائها.

و المذاهب الأخرى حين ذهبت إلى القول بالإباحة في الأرض الموات.

فقد ذهبت إلى القول أيضا بانتفاء هذه الشرطية هنا. من حيث إن الراغب في الحصول على قطعة من الأرض الموات يستطيع الحصول عليها بمجرد الإحياء دون أن يتوقف ذلك على صدور الإذن به من الشارع.

أما ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة من القول بشرطية الإذن مع قوله في نفس الوقت بالإباحة- خلافا للتلازم المذكور- فقد كان موضعا للتساؤل مما حدا بصاحبه أبى يوسف إلى تبرير ذلك بقوله: «و حجته- أي أبي حنيفة- في ذلك أن يقول: الإحياء لا يكون إلا بإذن الإمام.

أ رأيت رجلين أراد كل منهما أن يختار موضعا واحدا و كل واحد منهما منع صاحبه أيهما أحق به؟ أ رأيت إن أراد رجل أن يحيى أرضا ميتة بفناء رجل و هو مقر أن لا حق له فيها، فقال: لا تحيها فإنها بفنائى و ذلك‌

112

يضرني؟ فإنما جعل أبو حنيفة إذن الإمام ذلك هاهنا فصلا بين الناس» (1).

و كيفما كان فإن ذلك التلازم يظهر بشكل واضح من تعليلاتهم، فمن قال بشرطية الإذن منهم علله بملكية الإمام للموات باعتباره من الغير، و من قال بانتفاء هذه الشرطية علله بالإباحة كما سنرى:

أدلة القائلين بالشرطية:

هذا و قد استدل الإمامية لرأيهم في اشتراط الإذن ب‍:

(أ) القاعدة القاضية بحرمة التصرف في الشي‌ء العائد للغير دون حصول الإذن منه (2). و الإمام أو الدولة- حسب الفرض- هنا هي المالكة للموات و صاحبة الحق الأول فيه، فاللازم أخذ الإذن منها في إحيائه.

(ب) الحديث النبوي المروي عن جنادة (3) القائل: «ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه» (4) و نحوه من الأحاديث الواردة في هذا الصدد (5).

أما قسم الأحناف الذين يذهبون إلى الاشتراط، فقد استدلوا بحديث جنادة المذكور، مضافا إليه الدليل الثالث الآتي، مستبعدين الدليل الأول و هو قاعدة حرمة التصرف بمال الغير بدون إذنه، باعتباره دليلا للقائلين بالملكية لا الإباحة. و هذا الدليل الذي أضافوه هو:

(ج‍) كون الموات غنيمة، و لتملك الغنيمة لا بد من أخذ إذن الامام فيها حسبما تقضى به الأحكام المرعية في باب الغنائم. و إنما اعتبر الموات غنيمة: «فلأن الأرض كلها كانت تحت أيدي أهل الحرب استولى عليها‌

____________

(1). الخراج- 64.

(2). الجواهر- 6/ 6 باب إحياء الموات.

(3). ابن حزم في المحلى 8/ 233- 234.

(4). الخلاف- 2/ 2. الجواهر-/ 6 باب إحياء الموات.

(5). مثل ما جاء في حديث الكابلي المتقدم: «و الأرض كلها لنا».

113

المسلمون عنوة فكانت كلها غنائم» (1).

أدلة القائلين بانتفاء الشرطية:

أما الفريق المقابل القائل بانتفاء شرطية أخذ الإذن من الإمام فقد استدل:

(ا) بالعمومات (2) الواردة في موضوع الإحياء مثل: «من أحيا أرضا ميتة فهي له و ليس لعرق ظالم حق» و «من أحيا أرضا مواتا ليست في يد مسلم و لا معاهد فهي له».

(ب) و بأن الأرض مباحة (3) فمن استولى عليها ملكها دون ما حاجة إلى استصدار الإذن من الإمام، كما هي القاعدة في المباحات. فمن قنص صيدا أو حاز ماء مباحا ملكه دون ما حاجة إلى الإذن.

الرأي الراجح:

و من أدلتهم هذه و أدلتهم السابقة في شرطية الإذن، نستطيع أن نخرج إلى نتيجة سبق أن قررناها و هي: إن القول بشرطية الإذن في الإحياء يدور مع القول بالملكية للموات وجودا و عدما، و هذا هو الذي تقتضيه القواعد المرعية في هذا الباب كما تقتضيه تعليلاتهم السابقة، فإن الشي‌ء المملوك أو المحاز لا يجوز التصرف فيه و الاستيلاء عليه دون حصول الإذن من صاحبه، و بعكسه المباح فإن لكل أحد أن يجوزه و أن يضمه إلى ملكه دون أن يتوقف ذلك على حصول إذن خاص فيه من أحد.

و لذا فنحن بعد أن قلنا و انتهينا فيما سبق من حديث إلى ملكية الدولة‌

____________

(1). الكاساني- 6/ 195.

(2). الكاساني- 6/ 194، الروض المربع- 2/ 425. سبل السلام- 3/ 82.

ابن حزم في المحلى- 8/ 233. اختلاف مالك و الشافعي (خطي).

(3). الكاساني- 6/ 194. الروض المربع- 2/ 425. و اللباب- 2/ 200.

114

للأرض الموات، نستطيع أن نقول مطمئنين هنا بتوقف التصرف أو حيازة الأراضي الموات على إذن المالك، و هو الدولة أو الإمام كما قلنا.

إذن فحصول الإذن شرط لازم للقيام بعملية الإحياء.

و هذا أهم دليل في رأينا. مضافا إلى الأدلة الآنفة الأخرى التي اعتمدها أولئك القائلون بالاشتراط، و إن كنا لا نعتمد خبر جنادة المذكور الذي وصف بأنه موضوع، من حيث إنه جاء عن طريق عمرو ابن واقد، و هو متروك بالاتفاق كما يقول ابن حزم (1).

على أنه لا يمكن- فوق ذلك- نكران ضرورة حصول الإذن من الدولة بالتصرف في أهم عنصر من عناصرها الانتاجية و هو الأراضي، فالدولة التي تحاول رسم سياسة اقتصادية لها، كما تريد تأمين سيادتها و سلامتها، لا بد أن تفرض سيطرتها و شروطها على الأراضي الداخلة ضمن حدودها الإقليمية.

رأى القانون:

و لذا نجد أن جملة من القوانين الحديثة التي أخذت بفكرة الإحياء نصت على شرطية الإذن، و من تلك القوانين: القانون المدني العراقي في المادة 1186 ف 1، و القانون المدني المصري في المادة 874 ف 2 (2).

و مثلها نص القانون المدني الفرنسى في المادة 713. كما نصت على ذلك المادة 127 من مجلة الأحكام العدلية، و المادة 103 من قانون الأراضي العثماني الملغى الذي كان أساسا تشريعيا للأراضي في كثير من الدول العربية و الإسلامية الخاضعة لسلطان الدولة العثمانية.

____________

(1). المحلى- 8/ 233.

(2). و قد كانت هناك فقرة ثالثة لهذه المادة من القانون المصري تنص على أنه: «إذا زرع مصرى أرضا غير مزروعة أو غرسها أو بنى عليها، تملك في الحال ذلك الجزء. و لو بغير ترخيص من الدولة. المادة 11». أى إن القانون المصري كان قد رسم- في هذه المادة، و في حالة التصرف بالأراضي غير المزروعة- و هي الأراضي الموات حسب رأى لجنة مجلس الشيوخ-: طريقين. قضى في (الأول) منهما. التصرف بتلك الأراضي دون صدور ترخيص من الدولة، و هو ما ذكرته الفقرة الثانية من المادة المذكورة التي أشرنا إليها في المتن، و أجاز في (الثاني) منهما تملكها في حالة زراعتها أو غراستها أو البناء عليها و لو بغير ترخيص من الدولة فيه، و لكن للمصريين خاصة، و هو ما جاء في الفقرة الثالثة المذكورة، غير أن الشارع المصري عاد فقضى بعدئذ على هذه التفرقة في الحكم فأوجب استحصال الرخصة منه بقول مطلق. و ذلك عند ما ألغى الفقرة الثالثة هذه، بالمادة 86 من القانون رقم 100 لسنة 1964 الخاص بتنظيم تأجير العقارات المملوكة للدولة ملكية خاصة.

غير أن بعض القوانين العربية الأخرى التي استقت من القانون المصري نص المادة المذكورة بفقراتها الثلاث- كالقانون المدني السوري م 732- لم يصدر بعدئذ لها ما يشعر بإلغاء الفقرة الثالثة المذكورة كما فعل المشرع المصري (راجع الوسيط 9/ 47- 49).

115

(ثانيا) تجرد الموات من الحقوق المثقل بها

لا يكفي في الأرض، لكي يصح العمل على إحيائها و أعمارها، أن تكون بالفعل أرضا مجدبة معطلة عن الانتفاع، و إنما لا بد لها مضافا إلى ذلك أن تكون متجردة من سائر الحقوق العامة و الخاصة المقررة عليها، لأن الأرض المجدبة قد تكون مثقلة ببعض الحقوق العامة كالحمى و الاستطراق و نحوه، كما قد تكون أيضا مثقلة ببعض الحقوق الخاصة حينما تظل لبعض الوقت تحت سيطرة الشخص و حيازته إلى حين القيام بإحيائها.

و من أبرز ما تناوله الفقهاء بالبحث من هذه الحقوق و أكدوا على ضرورة تجرد الأرض المراد إحياؤها منها، و التي وضعها بعضهم في شروط مستقلة، هي حقوق‌

116

- التحجير.

- و الإقطاع.

- و الحمى، و ما إليه من التخصيص لبعض المنافع العامة.

فبالنسبة إلى انتفاء الحق الأول و هو:

حق التحجير:

كشرط من شروط القيام بالإحياء. لقد سبق أن تكلمنا عنه و انتهينا فيه إلى أنه- بمدلوله الذي رجحناه- لا يعطى لصاحبه أى حق من الحقوق على قطعة الأرض الموات، كما لا يترتب عليه أي أثر من الآثار التي تترتب عادة على غيره من التصرفات النافذة.

لذلك فإن انتفاء التحجير لا يعتبر في رأينا كما لا يعتبر في ظاهر رأى البعض (1) من الإمامية، و في ظاهر رأى الأحناف (2) و بعض الشافعية (3) شرطا من شروط الإحياء، من حيث إن التحجير بنفسه لا يمنع الغير من القيام بالإحياء.

و لا يمنعنا من هذا القول- بناء على ما حققناه- اتجاه أكثرية الفقهاء إلى الرأي المقابل الذي يجعل انتفاء التحجير شرطا من شروط الإحياء،

____________

(1). كالشهيد الأول في (الدروس- 293) الذي أسهب في تعداد شروط الإحياء، و لكنه لم يذكر من بينها شرطية عدم التحجير.

(2). سوغ الأحناف للغير أن يقوم بإحياء الأرض المحجرة الموات، و إن كان لم يمض على تحجيرها ثلاث سنين، و هي مدة إبلاء الأعذار عندهم (راجع: مجمع الأنهر- 2/ 559.

الزيلعي في تبيين الحقائق- 127. و الفتاوى المهدية- 5/ 315).

(3). الماوردي- 178. و الغزالي في الوجيز- 1/ 242.

117

كالإمامية (1) و الزيدية (2) و الحنابلة في أحد قوليهم (3)، و كذلك الشافعية ممن اعتبروا التحجير مفيدا للأحقية (4) أو الملكية (5).

و أما بالنسبة إلى:

حق الإقطاع:

فإن تجرد الموات منه يعتبر- على العكس من التحجير- في رأينا شرطا من شروط عملية الإحياء، نظرا لتضافر النصوص و الفتاوى على مشروعيته، كما سيأتي تفصيله.

إن الإقطاع في الحقيقة هو بمثابة الإذن أو صورة من صوره بالإحياء (6)، و لذلك لا يجوز تجاوز هذا الإذن الذي لا بد أن يكون صادرا من الإمام أو من يمثله بإحياء محله من قبل الأغيار، و ذلك إذا لم تمض المدة الشرعية المضروبة- و هي ثلاث سنين في بعض التقادير- دون أن ينبري صاحب الإقطاع بالإحياء.

و قد ذهب إلى هذا الرأي في اعتبار انتفاء حق الإقطاع شرطا من شروط الإحياء جمهور الفقهاء- كما يستفاد من كلامهم- و منهم الإمامية (7)،

____________

(1). شرح اللمعة- 2/ 253. و ذكر صاحب الرياض/ باب إحياء الموات: إنه لا خلاف بين الإمامية في ذلك.

(2). البحر الزخار- 4/ 71.

(3). ابن قدامة في المغني- 6/ 154.

(4). راجع: الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 327، و الشيرازي في المهذب- 1/ 425.

(5). المسالك/ باب إحياء الموات. حيث نسب إلى بعضهم القول بالملكية في التحجير.

(6). و عليه لو استحق الشخص أرضا بالإقطاع، ينتفي القول بلزوم أخذ الإذن ثانية كشرط من شروط الإحياء، لأن الإقطاع نفسه هو إذن بالإحياء.

(7). المسالك باب إحياء الموات. و شرح اللمعة- 2/ 253. و الرياض/ باب إحياء الموات.

118

و الأحناف (1) و و المالكية (2)، و كذلك الحنابلة في أحد رأييهم (3) خلافا لما يظهر من بعض الشافعية (4).

و سنقف- كما قلنا- في الباب الرابع و الأخير من هذا الكتاب على التفصيلات المطلوبة في أحكام الإقطاع، فلا حاجة إلى التوسع في بحثها هنا.

أما حق الحمى:

و هو حجز مساحة من الأرض من قبل الرسول (5) (ص) أو من يمثله لبعض أغراض المنفعة العامة، فإنه لا يختلف عن الإقطاع في اعتبار تجرد الموات منه شرطا من شروط الإحياء، و ذلك لتعلق الحماية هذه بأغراض المنفعة العامة، مضافا إلى إقراره و صدوره من الشارع، و تضافر الأدلة على مشروعيته و على عدم إمكان تزلزل الحق فيه بتجاوزات الغير بالإحياء أو نحوه، ما دام الغرض من الحمى، و هو المنفعة العامة، متوافرا كما سيأتي تفصيله (6). نعم إذا أمكن انتفاء هذا الغرض من الحمى، فللقول بتحرك حق الأفراد في إحياء الأرض الحمية وجه قوي لدى الفقهاء (7).

هذا و ممن ذهب من الفقهاء إلى القول باعتبار تجرد الموات من حق الحمى شرطا لازما في الإحياء: كل من الإمامية (8) و الزيدية (9) و كذلك‌

____________

(1). عن الماوردي- 191.

(2). المواق- 6/ 3. و الخرشى- 7/ 69.

(3). ابن قدامة في المغني- 6/ 165.

(4). الماوردي- 191.

(5). يقول الرسول (ص) في الحديث: «لا حمى إلا للّه و لرسوله» راجع البخاري- 3/ 140. و المارودى- 185. و ابن إدريس- 250/ المتاجر.

(6). سيأتي في الفصل الأول من الباب الرابع الحديث مفصلا عن أحكام الحمى.

(7). راجع التذكرة/ باب إحياء الموات. و ابن قدامة في المغني- 6/ 168.

(8). التذكرة/ باب إحياء الموات. و المسالك/ إحياء الموات. و الدروس- 293.

(9). البحر الزخار- 4/ 78.

119

المالكية (1) و الشافعية (2) و بعض الحنابلة (3) فراجع تفصيلاتهم في الموضوع.

الحقوق الأخرى:

و هكذا الحال بالنسبة إلى سائر ما يرصد أو يخصص من الأراضي للمنافع العامة، فالطرق و الساحات (4) و كذلك المواقع الحربية و مواضع العبادة كمنى و عرفات (5). كلها مواضع و مواقع تتصف بصفة النفع العام، و لذلك فإن بقاء صفتها هذه يعتبر حائلا دون قيام الأفراد بإحيائها أو الاختصاص بها، كما يعتبر انتفاؤها باللازم شرطا من شروط الإحياء.

هذا على أن الحمى و نحوه مما يرصد للمنافع العامة- كما رأينا- هو في الواقع نوع من الإحياء و صورة من صور استغلال الأرض في أحد الأغراض المخصصة للمنافع العامة، و إن لم يكن ذلك في صورة زراعة أو عمارة أو نحوه مما يعرف به عادة الإحياء. فالإحياء إذن في حقيقته أوسع مدى من كل ذلك.

و كيفما كان، فإن من أبرز شروط الإحياء التي تريد تثبيتها في هذا المجال هو لزوم تجرد الأرض من سائر الحقوق التي ترد عليها. سواء كانت هذه‌

____________

(1). الخطاب- 6/ 3.

(2). الماوردي- 186. الغزالي في الوجيز- 1/ 142.

(3). ابن قدامة- 6/ 186.

(4). المصدر نفسه- 6/ 162.

(5). منع جمهور الفقهاء إحياء مواطن العبادة الموات بشكل مطلق حتى اليسير منها الذي لا يحول في العادة بين الناس و بين أداء مناسكهم و مراسيمهم في العبادة، و ذلك كما يقول شارح اللمعة- 2/ 553، سدا لباب مزاحمة الناسكين، و لتعلق حقوق الناس بها كافة، و لكن ذهب بعض الجعفرية في قول شاذ: إلى جواز إحياء اليسير منه لعدم حصول الضرر منه على أحد مع أنه غير راجع لشخص معين، و للشافعية كذلك قول بهذا المضمون (راجع التذكرة: باب إحياء الموات. و الغزالي في الوجيز- 1/ 242).

120

الحقوق في صورة إقطاع أو تحجير- إن قلنا بحصول الحق فيه- أو كانت في صورة حمى أو مشعر للعبادة، أو في أية صورة أخرى من هذا القبيل.

هذا، و من بين صور هذه الحقوق التي قلنا بلزوم تجرد الموات منها لكي يصح العمل على إحيائه، و التي جعلنا انتفاءها شرطا مستقلا من شروط الإحياء نظرا لأهميتها في هذا المجال هي: ..

121

(ثالثا) انتفاء كون الموات حريما للعامر

تعريف الحريم:

و المقصود بالحريم في الاصطلاح هو بحسب ما قيل فيه: «الموضع القريب من موضع معمور، يتوقف تمام انتفاع ذلك المعمور عليه، و لا يد لغير مالك المعمور عليه ظاهرا» (1).

أو هو في تعريف آخر: «ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع بالمعمور» (2).

و التعريف الأول، و إن كانت تعوزه الصياغة، هو في رأينا أدق و أعلق بالمراد اصطلاحا من الحريم، لأن في التعريف الثاني شمولا يتسع لدخول غير الحريم من المرافق أو الملحقات المتعلقة تعلقا مباشرا بمصالح المعمور.

آراء الفقهاء:

و الظاهر، إنه لا خلاف بين الفقهاء (3) على اختلاف مذاهبهم في المنع‌

____________

(1). مفتاح الكرامة- 7/ 13.

(2). نهاية المحتاج- 5/ 330.

(3). راجع التذكرة/ إحياء الموات، و الدروس- 253، و شرح اللمعة- 2/ 253.

من كتب الإمامية. الفتاوى المهدية- 5/ 314، و مجمع الأنهر 2/ 558- 559 للأحناف. الخرشى- 7/ 67 للمالكية. نهاية المحتاج- 5/ 330، و الوجيز- 1/ 241 للشافعية. الإقناع- 2/ 286، و المغني- 6/ 151 للحنابلة.

122

من إحياء الحريم الذي تتعلق به مصلحة العامر. سواء كان هذا العامر منبعا مائيا أو معدنيا، و سواء كان قرية أو مزرعة.

و لهذا اعتبروا انتفاء كون الموات حريما للعامر شرطا من شروط الإحياء.

يقول الحلي في التذكرة (1): «و لا نعلم خلافا بين فقهاء الأمصار أن كل ما يتعلق بمصالح العامر لا يصح إحياؤه، و لا يملك بالإحياء، و كذا حريم الآبار و الأنهار و الحائط و العيون، و كل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحه».

و يقول ابن قدامه (2) عن القريب من العامر المتعلق بمصالحه: «و لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم، و كذلك حريم البئر و النهر و العين، و كل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحه».

و لكن وقع الخلاف بينهم بالنسبة إلى مالك المعمور نفسه، هل يجوز له إحياء حريمه؟ ذهب الشافعية في أحد رأييهم: إلى أنه يملك الحريم تبعا للعامر غير أنه لا يباع مستقلا عن العامر (3)، كما ذهب إليه في الظاهر الخرقي من الحنابلة بالنسبة إلى حريم البئر (4)، و الإمامية في المشهور مع القول بجواز بيعه مستقلا (5)، و كذلك بعض القوانين الوضعية كالقانون المدني العراقي (6).

____________

(1). باب إحياء الموات.

(2). المغني- 6/ 151.

(3). الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 330. و راجع أيضا- التذكرة/ باب إحياء الموات، و المغني- 6/ 151.

(4). المغني- 6/ 151.

(5). التذكرة/ إحياء الموات، و المسالك/ إحياء الموات، و أحد المحثين على شرح اللمعة- 2/ 253.

(6). المادة 1057.

123

و ذهب المالكية (1) في مقابل ذلك. و كذلك القاضي من الحنابلة (2)، و الإمامية في قول (3): إلى أن صاحب المعمور لا يملك حريمه بالإحياء، غير أنه يكون أحق به من غيره.

هذا و قد يكون لتلك التفرقة بين المالك و غيره في الحكم بإحياء الموات من الحريم، وجه من الاعتبار، نظرا لاتحاد المصلحة في العامر و حريمه بالنسبة إلى المالك.

حدود الحريم

و لكن ما هي حدود هذا الحريم الذي منعنا التصرف فيه بالإحياء، لتعلق مصلحة العامر به؟ اختلف الفقهاء في ذلك:

الرأي القائل بالتحديد:

فاتجه بعضهم- و هم الأحناف و الحنابلة و فريق من الإمامية- إلى التحديد بمقادير و أرقام مؤقتة، بغض النظر عن الظروف الزمانية و المكانية لمتعلق الحريم.

و يتمثل هذا التحديد أكثر ما يتمثل في العيون و الآبار تمسكا بالنصوص الخاصة فيها.

فقد حدد الأحناف (4) و الحنابلة (5) حريم العين بخمسمائة ذراع (6) من‌

____________

(1). الخرشى- 7/ 67.

(2). المغني- 6/ 151.

(3). المسالك/ إحياء الموات، و حاشية شرح اللمعة- 2/ 253.

(4). الكاساني- 6/ 195. السمرقندي في خزانة الفقه- 1/ 270. داماد في مجمع الأنهر- 2/ 559. الفتاوى الهندية- 5/ 396. و الشعراني- 2/ 84.

(5). المرداوى في الإنصاف- 6/ 371. أبو يعلى- 206. و الشعراني- 2/ 84.

(6). يقدر الذراع الشرعي عندهم بست قبضات، راجع (الفتاوى الهندية- 5/ 395).

124

كل جانب كما حددها الإمامية كذلك في الرأي المشهور، و لكن في الأرض الصلبة دون الرخوة التي حددت بألف ذراع (1).

و حدد الإمامية (2) و الأحناف في رأي الصاحبين (3) حريم البئر العطن (4) بأربعين ذراعا و الناضح (5) منها بستين، بينما حددها الحنابلة- حسبما نص أحمد- بخمس و عشرين ذراعا في البئر المحدثة و بضعفها (6) في العادية (7).

كما حدد البعض من هؤلاء غير العين و البئر بحدود أخرى. فجعل الحنابلة حريم القناة مثلا خمسمائة ذراع (8)- كما في العين-، و كذلك الأحناف و لكن بشرط ظهور مائها (9)، و حدد الإمامية الطريق بخمس أذرع و آخرون منهم بسبع (10).

و ما إليها من هذه التحديدات الثابتة التي وردت في بعض النصوص.

____________

(1). نسبه الطوسي في الخلاف- 2/ 2 إلى إجماع الفرقة، و لكن الصحيح غيره لوجود الكثير ممن خالف ذلك التحديد استنادا إلى بعض النصوص (راجع مفتاح الكرامة- 7/ 20).

(2). مفتاح الكرامة 7/ 19- 20 و قد نسبه إلى المشهور، و راجع أيضا: المسالك- إحياء الموات، و شرح اللمعة- 2/ 254.

(3). و لكن جعلها أبو حنيفة نفسه أربعين ذراعا في النوعين معا، راجع: السرخسي في المبسوط- 23/ 162. الكاساني- 6/ 195. السمرقندي في تحفة الفقهاء- 3/ 443، و مجمع الأنهر- 2/ 559.

(4). العطن- بالفتح- جمع أعطان، و هي مبرك الإبل و مريض الغنم عند الماء للشرب. راجع: القاموس، و المعجم الوسيط في مادة عطن.

(5). الناضح: هي البئر التي يسقى بها الزرع و نحوه، راجع المسالك/ إحياء الموات.

(6). المغني- 6/ 180. الإنصاف- 6/ 369. أبو يعلى- 201.

و الشعراني- 2/ 840.

(7). المقصود بالعادية: القديمة نسبة إلى عهد عاد.

(8). الإنصاف- 6/ 372.

(9). مجمع الأنهر- 2/ 560. السمرقندي في تحفة الفقهاء- 3/ 443، و الفتاوى الهندية- 5/ 396. أما إذا كان ماؤها غير ظاهر فلهم في ذلك آراء مختلفة لا حاجة لنا بالإطالة فيها.

(10). مفتاح الكرامة- 7/ 16. و الجواهر- 6/ باب إحياء الموات.

125

الرأي القائل بانتفاء التحديد:

أما الآخرون- و من أبرزهم المالكية و الشافعية- فقد اتجهوا إلى عدم الأخذ بالتقديرات المحددة حيث جعلوا ذلك منوطا بالحاجة الفعلية و الظرف المعين حسبما يقضى به العرف و تقضى به العادة.

و الحكم في هذا عندهم- كما يظهر- ليس خاصا في البئر و العين (1) من المنافع، و إنما هو شامل كذلك للنهر (2)، و القناة (3)، و للأشجار المغروسة (4)، و الأرض المحياة للسكن أو الزراعة (5) و نحوها مما يمكن استقراؤه في مظانه من كتبهم الفقهية، كما اتجه أيضا إلى ذلك- أي إلى ترك التقدير لمورد الحاجة و مدى الضرر الذي يلحق صاحب العامر- بعض آخر من الفقهاء.

فذهب الشهيد الثاني من الإمامية بالنسبة إلى البئر و العين و الطريق (6)، و المظفر بالنسبة إلى الأخيرين (7)، و الإسكافي و الحلي و ابن الجنيد و جمع آخر من الفقهاء بالنسبة إلى الثاني (8).

كما ذهب إليه جمع منهم بالنسبة إلى الشرب (9) من النهر و القناة و نحوهما،

____________

(1). راجع عن رأي الشافعية في حريم البئر و العين أو أحدهما كلا من: الماوردي- 182، 184، و الشعراني- 2/ 84، و مجمع الأنهر- 2/ 559. و عن رأي المالكية كلا من: المدونة الكبرى- 15/ 189، و الشرح الكبير- 6/ 61، و المواق- 6/ 3، و ابن جزى- 339، و أبى عبيد- 293، و الشعراني- 2/ 84.

(2). الماوردي- 182.

(3). نفسه، و نهاية المحتاج- 5/ 331.

(4). المواق- 6/ 3.

(5). الماوردي- 179.

(6). المسالك/ باب إحياء الموات.

(7). توضيح الكلام في شرح شرائع الإسلام «خطي».

(8). مفتاح الكرامة- 207، و الجواهر- 6/ باب إحياء الموات، و المسالك/ إحياء الموات.

(9). مفتاح الكرامة- 7/ 18.

126

و بالنسبة إلى الحائط (البستان) بناء على قاعدة «لا ضرر و لا ضرار» كما يقول صاحب الجواهر (1).

و ذهب إليه كذلك أحمد بن حنبل في رواية (2) بالنسبة إلى العين و البئر التي سبق له رأى مشهور بتحديد حريمها.

كما نص الحنابلة بإرجاع حريم ما أحيى من الموات لزرع أو سكن (3)، و حريم النهر (4) و الحائط (5) إلى مورد الحاجة.

و جعل الأحناف بدورهم للقناة حريما بقدر ما يصلحها لإلقاء الطين (6) و نحوه، و مثل ذلك قالوا في رأي بالنسبة إلى حريم الأنهار (7). إلى غير ذلك من التفصيلات الكثيرة.

الرأي الراجح:

و في رأينا، أن الاتجاه الأخير القاضي بنفي التحديد و إرجاع التقدير إلى مقتضى الحاجة و مدى الضرر أقرب إلى الصحة من سابقه، و ذلك:

لأن أخبار التحديد في أغلبها و هي منصبة على العيون و الآبار و ما يلحق بها من القنوات أخبار مرسلة و مطعون في سندها حتى صرح الشهيد الثاني (8):

بأنه ليس في أخبار حريم الآبار الواردة بالأرقام خبر صحيح سوى‌

____________

(1). 6/ باب إحياء الموات.

(2). المرداوى في الإنصاف- 6/ 370، 372.

(3). أبو يعلى- 196، و الحجاوى في الإقناع- 2/ 388.

(4). الحجاوى- 2/ 388.

(5). ابن قدامة في المغني- 6/ 181.

(6). ابن عابدين- 5/ 353، و داماد في مجمع الأنهر- 2/ 560.

(7). السمرقندي في تحفة الفقهاء- 3/ 443.

(8). المسالك/ باب إحياء الموات.

127

الشهرة، و ليس في أخبار حريم العيون و ما يلحق بها من القنوات ما يعتمد عليه من ناحية السند أيضا.

كما وجه بعض المحققين لكتابي أبى عبيد (1) و القرشي (2) و غيرهما (3):

الطعون على طائفة من أخبار التحديدات فيها.

و لأن أغلب الأخبار المذكورة متضاربة مع بعضها في التقدير، ففيها ما يحدد مثلا حريم البئر مطلقا بأربعين ذراعا (4) أو بخمسين (5)، و فيها ما يحدد حريم البئر العطن خاصة بأقل من خمس و عشرين (6) أو بأربعين (7) و الناضح بخمسين (8) أو بستين (9) ثم فيها ما يحدد البئر المحدثة بخمس و عشرين (10) أو أربعين (11). و العادية بخمسين (12) أو بأربعين (13).

و هكذا، إلى نحوها من التقديرات المتضاربة.

و مثل ذلك نجده بالنسبة إلى العيون حيث تتراوح التقادير فيها بين المائتين‌

____________

(1). راجع حاشية الأموال 291- 292.

(2). راجع حاشية الخراج للقرشي- 103، 105.

(3). راجع كذلك حاشية تحفة الفقهاء للسمرقندى 3/ 438- 440.

(4). القرشي 106، و الكاساني 6/ 195، و مجمع الأنهر 2/ 509،

(5). القرشي- 106.

(6). المسالك/ إحياء الموات.

(7). القرشي- 103، و أبو عبيد- 291، و مفتاح الكرامة- 7/ 19.

(8). الماوردي- 182.

(9). المسالك/ إحياء الموات، و ابن حزم في المحلى- 8/ 23، و مفتاح الكرامة- 7/ 19.

(10). القرشي- 104، و أبو عبيد- 273، و الشعراني- 2/ 84.

(11). الكحلاني في سبل السلام- 3/ 85.

(12). القرشي- 104، و أبو عبيد- 392، و الشعراني- 2/ 84.

(13). المسالك/ إحياء الموات.

128

و الألف في خمس روايات مختلفة (1).

و عليه فإنه بسبب هذه التناقضات و التقديرات المتضاربة، مضافا إلى الطعون الموجهة إلى سند بعضها، نجد أن الرأي الثاني الرامي إلى عدم الأخذ بالتقديرات المؤقتة أقرب إلى الصحة و أولى بالاعتماد.

هذا، مع العلم إنه كان بالإمكان توجيه ذلك الاختلاف في الاخبار إلى الاختلاف في طبيعة كل من متعلقات الحريم المذكورة أو إلى اختلاف الظروف الزمانية و المكانية في ذلك. و هو ما ارتاه أيضا بعض النافين لفكرة التحديد (2).

____________

(1). راجع: أبا عبيد- 292 «الحاشية»، القرشي- 105، 106، الشعراني- 2/ 84، ابن حزم- 8/ 239، الطوسي في الخلاف- 2/ 2، الكحلاني- 3/ 85.

(2). المسالك/ إحياء الموات.

129

الفصل الثاني الشروط غير اللازمة

و من الشروط أو النقاط الأخرى التي بحثها الفقهاء، و التي لا نجد ما يبعث على القول بلزومها، بل و لا بوجودها، كما هو الشأن في بعضها. هذه الشروط كما سنراها تباعا هي:

«أولا» انتفاء القرب من العامر

إن الموات القريب من العامر ينحل في الحقيقة إلى:

موات متعلق بمصالح هذا العامر تعلقا مباشرا.

و آخر ليس له مثل هذا التعلق أو الارتباط المباشر.

بيد أن النزاع بين الفقهاء في شرطية (انتفاء القرب من العامر) ينصب في الواقع على القسم الثاني وحده، ذلك لأن القسم الأول منهما و هو:

القريب المتعلق بمصالح العامر: يمكن أن يدخل فيما سبق أن سميناه ب‍ (حريم العامر) في الشرط السابق، فكل ما يتعلق من الموات القريب من العامر بمصلحته تعلقا مباشرا يعد أو يمكن أن يعد في الاصطلاح من الحريم الذي لا سبيل إلى الاستغناء عنه في العادة، حيث لا خلاف بين الفقهاء في المنع من التصرف فيه بالإحياء كما مر. يقول الحلي (1) في نص سابق:

«و لا نعلم خلافا بين فقهاء الأمصار أن كل ما يتعلق بمصالح العامر. أو بمصالح‌

____________

(1). التذكرة/ باب إحياء الموات.

130

القرية، لا يصح إحياؤه و لا يملك بالإحياء، و كذا حريم الآبار و الأنهار و الحائط و العيون، و كل مملوك لا يجوز إحياء ما يتعلق بمصالحه» و بنحوه قال في المغني (1) كما مر تحقيقه.

أما القسم الذي دار حوله النزاع و هو:

القريب غير المتعلق بمصالح العامر.

فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز إحيائه و بالتالى تملكه، من بينهم المالكية (2) و الشافعية (3) و محمد بن الحسن خلافا لأستاذه (4) و كذلك الظاهرية (5) الذين جعلوا الأصل في منع إحياء القريب هو الضرر الواقع على أهل العامر.

كما ذهب إليه فقهاء الإمامية، و قد صرح به كل من أصحاب التذكرة و الكفاية و المسالك و التحرير و جامع المقاصد و الشرائع (6) و أمثالهم، يقول السيد العاملي (7): «و ما هو بقرب العامر من الموات يصح إحياؤه إذا لم يكن مرفقا للعامر و لا حريما».

و ذهب إليه أيضا فقهاء الحنابلة. قالوا: «و يملك بالإحياء ما قرب‌

____________

(1). ابن قدامة- 6/ 151.

(2). عن مجمع الأنهر- 2/ 557. حيث قال فيه «و يجوز إحياء ما لا ينتفعون به و إن كان قريبا من العامر، و به قالت الأئمة الثلاثة» و يقصد بهم مالك و الشافعي و أحمد بن حنبل.

(3). عن ابن قدامة- 6/ 151.

(4). المرغينانى في الهداية- 8/ 136. داماد- 2/ 557.

شرح مرشد الحيران- 111.

(5). ابن حزم في المحلى- 8/ 334.

(6). مفتاح الكرامة- 7/ 13.

(7). مفتاح الكرامة- 7/ 13.

131

من عامر إن لم يتعلق بمصلحته» (1) و لكن نسب إليهم قول آخر بالعدم (2)، و ثالث بالتفصيل. التفصيل بين صاحب العمران فيجوز له الإحياء و بين غيره فلا يجوز (3). و قد استدل أصحاب ذلك الرأي القائلون بجواز الإحياء: بالعمومات من الأحاديث و منها قوله (ص): «من أحيا أرضا ميتة فهي له»، و بما روى عنه (ص) أيضا: أنه أقطع بلال بن الحارث المزني (العقيق) و هو يعلم أنه واقع بين عمارة المدينة، كما استدلوا بأن هذا القريب هو موات لم تتعلق به مصلحة العامر فجاز إحياؤه كالبعيد (4).

و خالف في ذلك كل من أبى حنيفة و الليث بن سعد (5) و أبى يوسف (6).

فقد ذهبوا إلى القول بمنع إحياء الموات القريب من العامر مطلقا حتى لو لم تتعلق به مصلحة مباشرة لهذا العامر، و ذلك لأنه في مظنة تعلق المصلحة به لقربه منه، حتى صرح الطحاوي بأن القريب من العامر ليس بموات أصلا (7) و تابعهم على ذلك من الأحكام المقننة: قانون الأراضي العثماني في المادة السادسة منه، و مجلة الأحكام العدلية (8) التي اشترطت هي الأخرى البعد في الإحياء.

و الحق: إن جعل البعد عن العمران من عدمه مدارا للتفرقة بين ما يجوز إحياؤه من الموات و ما لا يجوز، لا نصيب له في رأينا من الصحة، ذلك‌

____________

(1). البهوتى في الروض المربع- 2/ 425، و الحجاوى في الإقتاع- 2/ 386.

(2). ابن قدامة في المغني- 6/ 152.

(3). المرداوى في الإنصاف- 6/ 359.

(4). ابن قدامة 6/ 151- 152.

(5). عن ابن قدامة- 6/ 152، و الجواهر/ إحياء الموات، و مفتاح الكرامة- 7/ 12.

(6). المرغينانى في الهداية- 8/ 136. لذلك نص كل من ابن عابدين- 5/ 383، و الداماد- 2/ 558، و السمرقندي في خزانة الفقه- 1/ 270، و المخزومي في المختار للفتوى- 117 و غيرهم من فقهاء الأحناف: على أنه لا يجوز إحياء ما قرب من العامر بصورة مطلقة.

(7). الكاساني- 6/ 194.

(8). راجع سليم رستم في شرح المجلة- 688.

132

لأن ما جاء من الخلاف أو الشك فيه يعود، كما يظهر، إلى ما هو مطبوع في الأذهان من أن القريب من العمران يعد في العادة من مرافقه أو حريمه، فلا يجوز التصرف فيه بالإحياء و نحوه من هذه الناحية. لا من ناحية مجرد قربه إلى العامر. و لذا فالأولى أن ينتظم هذا الشرط في العنوان أو الشرط السابق و هو (انتفاء كون الموات حريما للعامر) للتداخل الحاصل بينهما، فلا حاجة إلى جعله شرطا مستقلا و في مقابل الشرط السابق.

و هناك في كلمات الفقهاء من الذين جعلوا البعد عن العمران شرطا في الإحياء ما ينم عن ذلك الذي استنتجناه، فقد علل بعض الأحناف ما شرطه أبو يوسف من البعد عن العمران بقوله: «لأن الظاهر أن ما يكون قريبا من القرية لا ينقطع ارتفاق أهلها عنه فيدار الحكم عليه» (1).

و لذا فالمدار هنا ينبغي أن يرجع إلى شرط عدم الارتفاق، فكل ما كان من الموات حريما أو مرفقا للعامر لا تجوز المبادرة إلى إحيائه لتعلق مصلحة هذا العامر به، و كل ما لم يكن كذلك و إن كان قريبا من العمران جاز إحياؤه. و دليلنا في ذلك هو ما جاء في الخبر السابق من إقطاع الرسول (ص) منطقة العقيق لبلال بن الحارث، و العقيق كان- كما يذكرون (2)- مكانا قريبا من مدينة الرسول، ثم ما ورد في خبر آخر من إقطاعه (ص) الدور لابن مسعود، و الدور هي من ظهراني عمارة الأنصار من المنازل و النخل، فهي في مكان قريب من العامر (3).

هذا مضافا إلى أن هذا القريب- و هو موات حسب الفرض- لا دليل على إخراجه من عمومات الإحياء.

____________

(1). المرغينانى في المصدر السابق- 8/ 136.

(2). ابن قدامة في المصدر السابق- 6/ 152.

(3). التذكرة/ باب إحياء الموات.

133

«ثانيا» انتفاء الملكية السابقة

و هذا الشرط الذي ذكره بعض الإمامية بالنص (1) و الذي يفهم من فحوى كلام المذاهب الأخرى كالزيدية (2)، و الأحناف (3) و كالشافعية (4)، و الحنابلة (5)، و الظاهرية (6): مبني على القول بعدم سقوط حق الملكية أو الاختصاص في الأرض العامرة بصيرورتها مواتا، سواء- كما قال بعضهم- اندرست آثارها أو بقيت (7)، و سواء تقادم عليها العهد أو كان حديثا (8)، و سواء حازها صاحبها بالإحياء ابتداء أو بالشراء أو بالعطية، أو بنحو ذلك من أسباب الاختصاص أو الملكية (9).

____________

(1). زين الدين في شرح اللمعة- 2/ 252.

(2). أحمد بن يحيى في البحر الزخار- 4/ 71.

(3). داماد في المصدر السابق- 2/ 557، و لكن جاء في (الماوردي- 191) عن أبي حنيفة أنه قال عن الموات المملوك سابقا: «إن عرف أربابه لم يملك بالإحياء، و إن لم يعرفوا ملك بالإحياء».

(4). الماوردي- 191. و الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 328، و الشربيني في الإقناع- 3/ 95.

(5). الحجاوى في الإقناع- 2/ 385، و ابن قدامة في المصدر السابق- 6/ 148، 149.

(6). ابن حزم في المحلى- 8/ 233.

(7). مفتاح الكرامة- 7/ 706.

(8). إلا أن المفروغ منه عند الفقهاء أن العهد إذا تقادم على الأرض بشكل وجد عليه آثار ملك جاهلي قديم، فلا مانع للأشخاص من تجديد إحيائه استنادا إلى قوله (ص): «عادي الأرض للّه و لرسوله ثم هو بعد لكم».

(راجع: الماوردي 190، و ابن قدامة- 6/ 148، و الشربيني في الإقناع- 3/ 95).

(9). راجع ابن قدامة- 6/ 148، و الحلي في التذكرة/ باب إحياء الموات الذي نسبه أيضا إلى الشافعية، و الكركي في رسالة الأرض المندرسة (خطية).

134

أما بناء على القول بسقوط حق الملكية أو الاختصاص في صيرورة الأرض مواتا، كما هو الحق عندنا، و كما هو الحق كذلك عند فريق من الإمامية (1)، و عند المالكية و إن فرقوا بين المسبوقة بالإحياء و المسبوقة بالشراء (2)، فإنه لا مجال معه حينئذ لجعل انتفاء ما يسمى بالملكية السابقة شرطا من شروط الإحياء.

و عليه، فإنه بعد عودة الأرض مواتا و تركها كذلك لا يبقى في الأصل لصاحبها، أو واضع اليد عليها أى نوع من الحق، ملكا كان هذا الحق أو اختصاصا، بناء على عموم أدلة الإحياء، لا سيما و نحن نبتنى القول بملكية الدولة للأراضي عموما كما مر، الأمر الذي يمنع من وجود ما يسمى بالملكية- سابقة أو لا حقة- على رقبة الأرض للأفراد.

نعم يمكن الأخذ بهذا الشرط في بعض الحالات، و من بينها حالة تعطل الأرض ضمن مدة يتهيأ فيها صاحبها لإخراجها من عطلتها، فإن حق الملك أو الاختصاص فيها يظل مراعى خلال هذه المدة. التي بقيت فيها مواتا، و لا يصح للغير أو للدولة انتزاعها منه، إلا أنه لو تمادى في التعطيل بحيث استنفد المدة الكافية المضروبة له عرّض حقه للسقوط بشمولها بحكم الأرض الموات كما مرت الإشارة إلى ذلك في الشروط السابقة.

____________

(1). سبق لنا تثبيت رأيهم في ذلك في مبحث «الاتجاهات الفقهية من ملكية الأرض».

(2). الموافق: 6/ 2- 3.

135

«ثالثا» القصد

إن للفقهاء في شرطية القصد بإحياء الموات عدة اتجاهات أبرزها:

1- لزوم القصد، و قد ذهب إليه فيما وجدنا بعض الإمامية كما في الدروس (1)، و فقهاء الظاهرية (2)، و كذلك المالكية قياسا على اشتراط النية أو القصد في بعض المباحات مثل الصيد (3)، و بعض الشافعية ممن قد يشعر كلامهم بذلك (4).

2- انتفاء اللزوم، و قد ذهب إليه فقهاء الزيدية (5)، و الإمامية (6) في الرأي السائد حتى ذهب بعضهم إلى امكانية حصول الملك بالإحياء مع قصد العدم (7).

إذ ليس للقصد عندهم أي تأثير في نشوء الملكية و انتفائها اكتفاء بسببية الإحياء، كما ذهب إليه أيضا بعض الشافعية (8) لهذا حاولوا حمل كلمة (تملكها) المشعرة باشتراط القصد و الواردة في عبارة (المنهاج) و هي: «إن الأرض التي لم تعمر قط إن كانت ببلاد الإسلام فللمسلم تملكها بالإحياء». حاولوا حملها على الغالب (9) لا على الواجب، إذ الغالب في الإحياء نشوء القصد فيه.

3- التفصيل: بين ما إذا كان عمله في الإحياء لا يحصل في العادة إلا من أجل التملك كبناء دار و إنشاء مزرعة، فإنه يستحق و إن لم يحصل منه قصد إلى التملك. و بين ما إذا كان عمله ذاك مما يصلح عادة للتملك‌

____________

(1). محمد بن مكي- 293.

(2). ابن حزم في المحلى- 8/ 238.

(3). ابن جزى في القوانين الفقهية- 176.

(4). الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 327.

(5). البحر الزخار- 4/ 73.

(6). الجواهر- 6/ إحياء الموات.

(7). نفسه، و بحر العلوم في البلغة- 307.

(8). نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج- 5/ 327، و الابتهاج في شرح المنهاج (خطي).

(9). نهاية المحتاج- 5/ 327.

136

و لغيره كحفر بئر في الموات و نحوه، فإن ملكيته لذلك لا تتحقق إلا بنشوء القصد الخاص.

و هذا التفصيل الذي ارتآه الحلي (1) من الإمامية، هو قريب الشبه بالتفصيل الآتي الذي ذكره الأحناف، و الذي يصلح للانطباق على مسألتنا هذه في الإحياء، لتناظر الحكم في الإباحة عندهم بين مسألة الأراضي الموات، و بين الصيد و نحوه من الأشياء المشتركة بين الناس.

فقد فصل هؤلاء الأحناف (2) بين ما إذا كانت الوسيلة المستعملة لإحراز الشي‌ء المباح ليس في المعتاد استعمالها في إحرازه، و بين ما إذا كانت الوسيلة مما يجرى استعمالها في ذلك عادة، فالملك في هذه الصورة الأخيرة يحصل سواء رافقها القصد أو لا، بينما هو يفتقر في الصورة الأولى إلى نشوء القصد. أى باعتباره شرطا لتلك الصورة.

الرأي الراجح:

و أقرب تلك الاتجاهات الثلاثة في رأينا إلى الصحة هو الاتجاه الثاني الذي يرمي إلى نفى شرطية القصد في الإحياء.

و ذلك لإطلاق النصوص على حصول الحق بالإحياء دون أن تكون إلى جانبها أدلة أخرى تدل على هذا التقييد أو الاشتراط (3) بل إن ظاهر الأدلة خلاف الاشتراط، و الإجماع مظنة عدمه، كما يقول صاحب الجواهر (4).

هذا مضافا إلى أن الاشتراط المذكور لا يجتمع في الأصل مع‌

____________

(1). التذكرة/ إحياء الموات.

(2). الفتاوى الهندية/ كتاب الصيد- 5/ 420.

(3). الطباطبائي في رياض المسائل- 2/ باب إحياء الموات، و حاشية شرح اللمعة- 3/ 253.

(4). جواهر الكلام- 6/ باب إحياء الموات.

137

ما انتهينا اليه سابقا من القول بملكية الدولة للأراضي الموات، و ما يستلزمه ذلك من الحصول على الإذن في الإحياء، لأن الإذن في الواقع يغني عن لزوم القصد في هذا المجال.

و لذلك نجد أن كل من علق الإحياء على القصد، فقد علله بإباحة الأرض الموات (1)، فكان هناك تلازما- كما هو الواقع- بين القول بالإباحة و القول بالاشتراط، و تلازما آخر في مقابله بين القول بالملكية و القول بنفي الاشتراط.

رأى التشريعات المقننة:

و لعل من أجل ذلك التلازم صرحت (المجلة) العدلية في مادتها 1250 و هي تتحدث عن المباحات بقولها: «يلزم أن يكون الإحراز مقرونا بالقصد» كما صرحت بعض القوانين الوضعية الحديثة بما يؤدى ذلك كالقانون المدني العراقي الذي قال في المادة 1098: «كل من أحرز بقصد التملك منقولا مباحا لا مالك له ملكه»، و القانون المدني الفرنسى الذي ذكر، و هو يقارن بين الملكية و وضع اليد، أنه «لا بد لاكتساب وضع اليد من اجتماع ركنين: (الأول) الركن المادي و هو الفعل الذي أدى إلى وضع الشي‌ء أو الحق تحت تصرف ذي اليد (الثاني) المعنوي و هو قصد التملك، أي النية و الميل الحاصلان عند ذي اليد بأن يعمل عمل المالك» (2).

____________

(1). محمد بن مكي في الدروس- 295. و زين الدين في شرح اللمعة- 2/ 253.

و الطباطبائي في رياض المسائل- 2/ باب إحياء الموات.

(2). الحنبلي في أحكام الأراضي- 42.

138

القصد بين الركنية و الشرطية:

هذا، و الحقيقة إن القصد لو صح لزومه في الإحياء لكان اعتباره ركنا أولى من اعتباره شرطا، و فرق كبير بين الركنية و الشرطية كما هو واضح، لأن الركن و الشرط و إن كانا يتفقان في توقف وجود الأصل عليهما، إلا أنهما يختلفان في كون الشرط أمرا خارجا عن حقيقة ذلك الأصل، بينما إن الركن داخل في حقيقته و كيانه (1).

____________

(1). زيدان في أصول الفقه- 46. و المؤلف في الرهن التأمينى- 9.

139

الباب الثالث أحكام الإحياء و ما يتعلق بها

140

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

141

تمهيد:

بعد أن فرغنا هناك، و أفرغنا وسعنا في الحديث عن (شروط الإحياء) بأقسامها المذكورة. لا بد أن نبادر هنا إلى الحديث عن (أحكامه) و ما يتصل بها، و التي هي أهم أبواب هذا الكتاب.

و لكن، من المفيد أن نشير هنا، و قبل البدء في البحث عن هذه الأحكام: إلى أننا كنا قد عرضنا في البحوث السابقة، في المقدمة و ما تلاها، لبعض الموضوعات و المسائل التي تتصل بشي‌ء من هذه الأحكام، و منها:

مسألة ملكية الأرض و موقف الفقه و التشريعات المختلفة فيها، و دلالة النصوص و الآثار على حكمها، ثم طبيعة حكم الأراضي الموات نفسها من الملكية و الإباحة، و كذلك آثار المراحل العملية الثلاث (التحجير و الإحياء و الاستثمار) على اكتساب الحقوق الخاصة في الأراضي.

و نحوها من الموضوعات التي مر علينا عرضها.

أقول، من المفيد أن نشير إلى أن ما عرضنا له هنا لك من الأحكام و الآثار المتعلقة بتلك المسائل، قد اقتضتنا خطة الكتاب إلى وضعها في مواضعها المذكورة. تمهيدا للدخول في صميم باب (أحكام الإحياء) ذاتها، و استجلاء مسبقا لبعض الأحكام و الآثار المتعلقة بالأراضي بوجه عام.

هذا، و لا شك أن تلك الأحكام المسبقة و ما يتصل بها. قد مهدت لنا- كما سنرى- السبيل واضحا في الحديث عن (أحكام الأحياء) في هذا الباب، و كشفت لنا بالتالى الكثير من مضامين هذه الأحكام.

142

لذلك سندخل هذا (الباب الثالث) بيسر، بعد أن كانت الأبواب السابقة سبيلنا الكاشف إليه.

أما ما سيدور في هذا الباب من موضوعات و بحوث، فقد عقدناه في:

(الفصول الستة) التالية، التي سنبدؤها ب‍ (الفصل الأول) و هو الذي خصصناه للحديث عن حكم الأراضي الموات المسبوقة بالإحياء.

كما سنرى.

143

الفصل الأول سبق الأحياء

الأرض الموات التي يراد إحياؤها فعلا هي:

- إما أن تكون أرضا بكرا، لم تنتقل بعد إلى الأفراد بأي سبب من أسباب التصرف أو الانتقال.

و إما أن تكون أرضا غير بكر، قد تم نقلها إلى الأفراد:

إما بالإحياء.

و إما بالشراء. و نحوه.

و الفقهاء، كل الفقهاء على اختلاف اتجاهاتهم و مذاهبهم، لا يختلفون بشي‌ء في شرعية القيام بإحياء و استثمار القسم الأول- و هو الأراضي البكر- إذا ما توافرت فيها الشروط اللازمة المذكورة في الباب السابق.

و هذا الحكم من حيث المبدأ لا مجال للنقاش أو الشك فيه، و الا انتفت الفائدة بالأصل من تشريع موضوع الإحياء.

و لكنهم اختلفوا، و بشكل واسع، في القسم الثاني بشقيه و هما: ما كان محازا بالشراء و نحوه، و ما كان محازا بالإحياء.

فمنهم من حكم بسقوط الحقوق المكتسبة مطلقا شراء و إحياء بعد صيرورة الأرض مواتا و بورا، ثم إعطاء الحق للغير في استغلالها و بعث الحياة فيها من جديد، بشرط أن يكون ذلك مقرونا بإذن صادر من الدولة (1).

____________

(1). شرح القواعد، كتاب الخمس (خطي).

144

و منهم من حكم بإبقاء تلك الحقوق مطلقا على حالها، و ان صار محلها مواتا غير قابل فعلا للزراعة و الانتفاع (1).

و فريق ثالث ذهب إلى التفصيل: بين الحقوق الناشئة عن الشراء أو الهبة و نحوها، فحكم بإبقائها، و بين الأخرى الناشئة عن الإحياء، فحكم بسقوطها، و لكن ضمن شروط أو حدود مرسومة (2).

بيد أنه باستطاعتنا أن نوفر لأنفسنا بعض العناء في البحث عن كل هذه التفريعات و التفاصيل، إذا ما علمنا بأن الحقوق المكتسبة جميعا على الأراضي بما فيها الحقوق المكتسبة بالشراء و نحوه، تعتبر في الأصل إذا ما تدرجنا و لاحقناها إلى البداية: منقولة بعملية الإحياء. يقول صاحب مفتاح الكرامة (3): «على أن مطلق الملك لا بدو أن ينتهي إلى الإحياء» و يقول آخر (4):

«لأن التملك بالنوافل مسبوق بالاستحقاق بالإحياء».

و يقول صاحب الابتهاج (5): «و الظاهر أن كل من ملك شيئا من الأرض أخذا من عهد آدم إلى اليوم إنما هو بأحد من هذين الطريقين:

الطريق الأول و هو الإحياء قد ثبت عن النبي (ص) و الملك به حكم شرعي من اللّه مرتب على سبب هو الإحياء، و الطريق الثاني و هو تملك اللّه للعبد بغير سبب منه على جهة». و واضح أن هذا الطريق الثاني لا يدخل في الأسباب الأخرى من أسباب الانتقال التي منها الشراء.

____________

(1). الكركي في رسالة الأرض المندرسة (خطبة). الكاساني- 6/ 133.

الشافعي في الأم- 3/ 264. و ابن قدامة- 6/ 148 و غيرها مما سيأتي ذكره من المصادر.

(2). راجع الحلي في التذكرة/ إحياء الموات. و الكركي في المصدر السابق.

و المواق- 6/ 3.

(3). العاملي- 7/ 11.

(4). الأصفهاني في التعليقة على المكاسب- 246.

(5). السبكي، الابتهاج في شرح المنهاج- 6/ باب إحياء الموات (خطي).

145

و لدى مناقشة صاحب البلغة لصاحب التذكرة في رأيه بحصر الخلاف بين الفقهاء في صورة المملوكة بالاحياء وحدها، و ذلك للإجماع المحكي على تلك المملوكة بالشراء و نحوه في عدم سقوط الحق فيها بالخراب. يقول (1):

«كيف- أى كيف يقال ذلك بحصر الخلاف في صورة المملوكة بالإحياء- و النوافل الشرعية لا توجب إلا نقل ما كان للمنتقل عنه إلى المنتقل إليه، من غير فرق بين وجود الواسطة و عدمها و تعددها و عدمه، و الأغلب بل الغالب تنتهي سلسلة المملوكات صعودا إلى المملوكة بالإحياء».

و يوضح باحث حديث ذلك أيضا بقوله (2): «. و على هذا الأساس نرجح أن تكون الحقوق الخاصة في الأرض نشأت تاريخيا في أكبر الظن نتيجة للعمل، و اتخذت هذه الحقوق على مر الزمن شكل الملكية». و يؤكد بعده بقوله: «إن الإحياء في أكبر الظن هو السبب الوحيد الذي اعترفت به المجتمعات الفطرية بوصفه مصدرا لحق الفرد في الأرض التي أحياها و عمل فيها، و الأسباب الأخرى لها عوامل ثانوية».

و نريد أن نخلص من ذلك كله إلى أن الحقوق الخاصة في الأرض الموات، قد نشأت أول ما نشأت من عملية الإحياء ذاتها، و ليس من الأسباب أو النوافل الأخرى التي جاءت في مرحلة لا حقة للإحياء كما يعتقد، و لذا فإن الشراء أو الهبة أو التوارث و نحوها من هذه الأسباب إذا ما وردت على الأراضي فإنها لا تؤثر في شي‌ء على طبيعتها و حكمها الأصلي. كيف لا، و النوافل الشرعية لا توجب إلا نقل ما كان للمنتقل عنه إلى المنتقل إليه من غير فرق بين وجود الواسطة و عدمها و تعددها و عدمه كما مر.

____________

(1). بحر العلوم- 95.

(2). الصدر في اقتصادنا- 2/ 108.

146

و عليه رأينا من الراجح، و إن أمكن من بعض الوجوه مناقشة ما ذكرناه في ذلك: أن نقصر بحثنا في هذه المسألة على صورة حكم الأرض الموات المسبوقة بالإحياء، من حيث إن البحث فيها هو يعنى كذلك البحث بالتبع في حكم الصور الأخرى.

مضافا إلى أننا- و هو المهم هنا- لا نريد أن ندخل نطاق التفاصيل الخارجة عن موضوع الإحياء. إذ الحديث في هذا الباب منصب على أحكام الإحياء كما ترى.

آراء الفقهاء في الحكم بسبق الأحياء:

إذن فما هو حكم هذه الأرض الموات المسبوقة بالإحياء؟ هل تنتهي الحقوق الواردة عليها بسبب خرابها أو هجرانها لتئول إلى من يقوم من الأشخاص مجددا بإحيائها؟ أو هل تظل تلك الحقوق مرعية كما هي حتى لو طال زمن الهجران أو الخراب؟.

القول بعدم سقوط الحقوق المكتسبة:

ذهب إلى الرأي الأخير جمهور الفقهاء، و من بينهم الزيدية (1) و الأحناف (2) و الشافعية (3) و الحنابلة (4)، و كذلك سحنون من المالكية (5) و ابن حزم من‌

____________

(1). أحمد بن يحيى في البحر الزخار- 4/ 72.

(2). أبو يوسف- 92. الكاساني- 6/ 193. السرخسي في المبسوط- 23/ 188. الزيلعي- 6/ 35. السمرقندي في تحفة الفقهاء- 3/ 441. الهداية- 8/ 137. ابن عابدين- 5/ 382.

(3). الشافعي في الأم- 3/ 264. الرملي في نهاية المحتاج 5/ 328- 329.

الشربيني في الإقناع- 3/ 95. و الماوردي- 191 الذي أطلق القول بعدم سقوط الحق بالتعطيل سواء عرف أربابه أو لم يعرفوا.

(4). ابن قدامه- 6/ 148. و التذكرة أيضا/ باب إحياء الموات.

(5). القرافي- 4/ 18. و حاشية الدسوقى- 4/ 60.

147

الظاهرية (1) و فريق من الإمامية أتى على ذكرهم صاحب مفتاح الكرامة (2) بقوله: «و ما جرى عليها- أى على الأرض الموات- ملك مسلم فهي له و بعده لورثته، كما صرح بذلك في المبسوط و المهذب و السرائر و الشرائع و الجامع و التحرير و اللمعة و الدروس و جامع المقاصد».

و تابع هذا الرأي من التقنينات المحدثة مجلة الأحكام العدلية (3).

القول بسقوط الحقوق المكتسبة:

و ذهب إلى الرأي الأول فريق آخر من الفقهاء، و من بينهم المالكية (4).

يقول الإمام مالك (5): «و لو أن رجلا أحيا أرضا مواتا، ثم أسلمها بعد حتى تهدمت آبارها و هلكت أشجارها و طال زمانها حتى عفت بحال ما وصفت لك و صارت إلى حالها الأول، ثم أحياها آخر بعده، كانت لمن أحياها بمنزلة الذي أحياها أول مرة».

كما ذهب إليه بعض الجعفرية و من بينهم الحلي في التذكرة الذي بعد أن نقل رأى مالك قال: «و لا بأس بهذا القول عندي (6)، و ثاني الشهيدين في شرح اللمعة (7) و المسالك (8) و في الروضة (9)، و في هذا الصدد نقل‌

____________

(1). المحلى- 8/ 233.

(2). العاملي- 7/ 9، و راجع أيضا بحر العلوم في البلغة- 96.

(3). راجع سليم رستم باز في شرح المجلة- 688.

(4). القرافي- 4/ 18. و حاشية الدسوقى- 4/ 60 و لكنه اشترط فيما إذا طال زمن الاندراس. و راجع أيضا (الماوردي- 191) الذي نسب إليهم بأن المحيي يملك بالإحياء سواء عرف أربابه أو لم يعرفوا، و ابن حزم في المحلى- 8/ 233.

و التذكرة/ باب إحياء الموات.

(5). المدونة الكبرى 15/ 195- 196.

(6). التذكرة/ إحياء الموات.

(7). 2/ 251.

(8). باب إحياء الموات.

(9). عن البلغة 94- 95: و الحكيم في المستمسك- 6/ 660.

148

العاملي (1) بأنه «في الكفاية أقرب، و في المفاتيح أوفق بالجمع بين الاخبار، و في المقاصد هو المشهور».

و ذهب إليه أيضا من متأخري الإمامية صاحب البلغة (2) و المرحوم والدنا الذي صرح بعدم التفريق بين المملوك بالإحياء و بالشراء بقوله:

«إن الأقوى هو جواز الإحياء للثاني مطلقا و إن كان قد تملكه- أي الأول- بالشراء» (3).

و كذلك نسب هذا القول إلى الأحناف أو بعضهم يقول صاحب الهداية (4) و صاحب اللباب (5): «فقد قيل: الثاني أحق بها لأن الأول ملك استغلالها لا رقبتها، فاذا تركها كان الثاني أحق بها» و من هؤلاء الأحناف الفقيه أبو القاسم البلخي قياسا على من جلس في موضع مباح (6).

القول بجواز إحياء الأراضي المتروكة مقابل دفع الأجرة:

و هناك قول ثالث اختص به- فيما يظهر- بعض الإمامية (7) حيث ذهبوا إلى عدم تأثر الحقوق المكتسبة على الأرض بخرابها و هجرانها،- كما هو الرأي في القول الثاني- و لكنهم في نفس الوقت، و هذا موطن‌

____________

(1). مفتاح الكرامة- 7/ 10.

(2). بحر العلوم- 97.

(3). شرح القواعد/ كتاب الخمس (خطي.

(4). المرغينانى- 8/ 137.

(5). الغنيمي- 2/ 201.

(6). شرح العناية على الهداية (هامش تكملة فتح القدير)- 8/ 137.

(7). راجع: النجفي في الجواهر- 6/ باب إحياء الموات. و زين الدين في المسالك/ إحياء الموات. و الكركي في تحقيق الأرض المندرسة (خطي).

149

الفرق بين الرأيين، أجازوا للغير إحياء هذه الأرض الموات التي تركها أصحابها، و فرضوا عليه مقابل ذلك أن يدفع أجرة على الأرض لصاحبها باعتبار أن حقه عليها لم يتعرض للسقوط بالخراب.

و هذا الحكم في هذا القول هو قريب مما جاء في أحكام ما يسمى ب‍ (حق العقر) في العراق الذي شرع خلال حكم الدولة العثمانية بموجب مرسوم أو (فرمان) العقر المؤرخ 1287 ه‍ (1)، حيث وضعت الحكومة العثمانية بموجبة يدها على بعض الأراضي التي عجز أصحابها عن استثمارها، و إحالتها إلى غيرهم ممن له القدرة الفعلية على زراعتها و أعمارها، مقابل دفعهم ضريبة الخراج إلى الدولة و نسبة مئوية معينة من حاصلات الأرض إلى أصحابها تسمى ب‍ (حق العقر).

المناقشة:

و يظهر لنا أن أقرب الآراء في ذلك إلى الصحة، هو الرأي الأول الذي يقضى بإعطاء الحق للغير في إحياء الأرض التي تركها صاحبها و آلت إلى الخراب و البوار استنادا إلى بعض النصوص المستفيضة.

و منها العمومات السابقة (2) الواردة في هذا المجال نحو قوله (ص):

____________

(1). و لكنه- و في عهد الاستقلال- شرعت الحكومة العراقية قانون العقر رقم 55 لسنة 1932 في محاولة منها لإطفاء تلك الحقوق العقرية، و يتضح ذلك من الأسباب الموجبة لتشريع القانون. كما شرعت أخيرا قانونا آخر ألغت بموجبه القانون المذكور هو (قانون إطفاء حق العقر رقم 8 لسنة 1960) و أعطت بموجبه- كما جاء في المادة الثانية منه- الحق لكل من الطرفين، صاحب الأرض و صاحب حق العقر، بإطفاء ذلك الحق و التخلص من كل العلاقات و الآثار التي نتجت عن المرسوم المذكور.

(2). استدل بها كثيرون و منهم المالكية. راجع ابن قدامة في المغني- 6/ 148، و بعض الإمامية في كل من: شرح اللمعة- 2/ 251، و المسالك/ إحياء الموات.

و شرح القواعد/ كتاب الخمس.

150

«من أحيا أرضا ميتة فهي له» و قول الإمام الباقر: «أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض أو عمروها فهم أحق بها و هي لهم».

و لكن حيث يمكن الاستدلال كذلك بهذه العمومات على أحقية المحيي الأول- كما استدل بها فعلا أصحاب الرأي الثاني- (1)، فالأوجه الاستناد إلى النصوص الخاصة التي هي أكثر دلالة على المراد و أكثر دعما لوجهة نظرنا في الموضوع، و منها:

صحيحة أبي خالد الكابلي المتقدمة التي يقول فيها: «و إن تركها- أى صاحبها الأولى- و أخرجها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و أحياها فهو أحق بها من الذي تركها.» (2).

و صحيحة معاوية بن وهب التي يقول فيها: «أيما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها و كرى أنهارها و عمرها، فإن عليه فيها الصدقة، فإن كانت لرجل قبله فغاب عنها و تركها فأخر بها ثم جاء بعد يطلبها، فإن الأرض للّه و لمن عمرها» (3).

و خبر يونس الذي جاء فيه: «إن الأرض للّه تعالى جعلها وقفا (أو رزقا) على عباده فمن عطل أرضا ثلاث سنين متوالية لغير ما علة أخذت من يده و دفعت إلى غيره» (4).

____________

(1). راجع القرافي في الفروق- 4/ 18.

(2). الطوسي في التهذيب- 7/ 152، و في الاستبصار- 3/ 108. الحر في الوسائل- 3/ 327.

(3). التهذيب- 7/ 152. الكليني في الكافي- 5/ 279. الوسائل- 3/ 327.

(4). التهذيب- 7/ 232- 233. الكليني- 1/ 415.

151

و ما جاء عن القرشي (1) عن قيس بن الربيع عن الضبي عن أبيه قال:

«جاء رجل إلى على (ع) فقال: أتيت أرضا قد خربت و عجز عنها أهلها» فكريت أنهارا و زرعتها، قال: كل هنيئا، و أنت مصلح غير مفسد، معمر غير مخرب».

كما يمكن لنا أن نتمسك أيضا بأدلة أو تعليلات أخرى، و إن كانت ليست كالنصوص في قوتها. قالوا في التعليل:

- لأن المحيي الأول ملك استغلالها لا رقبتها، فاذا تركها كان الثاني أحق بها (2).

- و لأن العلة في تملك هذه الأرض الإحياء و العمارة، فإذا زالت العلة زال المعلول و هو الملك (3).

- و لأنها من الأنفال. حيث روى أن من الأنفال: كل أرض خربة. (4).

- و لأن هذه الأرض أصلها مباح، فاذا تركها حتى عادت إلى ما كانت عليه عادت مباحة. (5) إلى كثير غيرها من التعليلات.

____________

(1). الخراج- 63.

(2). المرغينانى في الهداية- 8/ 137.

(3). زين الدين العاملي في المسالك/ إحياء الموات.

(4). المظفر في شرح القواعد/ كتاب الخمس (خطي).

(5). زين الدين في المسالك/ إحياء الموات. الكركي في تحقيق الأرض المندرسة (خطي)، ابن قدامة في المغني- 6/ 148. القرافي في الفروق- 4/ 19.

الجواهر- 6/ باب إحياء الموات. بحر العلوم في البلغة- 96.

152

و أما ما استدل به أصحاب الرأيين الثاني و الثالث بخبر سليمان بن خالد الذي يقول فيه: «عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها و يجري أنهارها و يعمرها و يزرعها، ما ذا عليه؟ قال: عليه الصدقة، قلت: فان كان يعرف صاحبها، قال: فليؤد إليه حقه» (1) فمضافا إلى عدم صراحة المراد من هذا الخبر فإنه معارض بالأخبار السابقة التي تقواه سندا (2)، و قيل:

إن الخبر محمول على الندب في ردها إلى صاحبها الأول، و إن كان له عدم الرد لصراحة خبري الكابلي و ابن وهب بأنه أحق بها، مع احتمال أن يراد بالحق قيمة حفر الأنهار الباقية، بأن يراد بقوله (يجري أنهارها) أنه يجرى أنهارها الأول (3).

و لضعف السند في هذا الخبر، فلا مبرر حينئذ لمحاولة تقريب الاستدلال به، بالجمع بينه و بين صحيحتي الكابلي و ابن وهب المتقدمتين، و ذلك بجعل هذا الخبر خاصا بالأرض المنتقلة بغير الإحياء من أسباب الملكية، و جعل الصحيحتين خاصتين بالإحياء. فان في ذلك تكلفا لا مبرر له.

ثم لا أجد في الخبر الذي استدل به أصحاب الرأي الثاني و هو: «من أحيا أرضا ميتة فهي له و ليس لعرق ظالم حق»- بالتنوين أو بالإضافة.

لا أجد ما ينهض على ما يريدون، و ذلك لأنهم استندوا في المراد بالعرق الظالم إلى تفسير الراوي له هشام بن عروة، و هو «بأن يأتي الرجل الأرض الميتة لغيره فيغرس فيها» (4) و تفسيره ليس بحجة علينا. على أن‌

____________

(1). الطوسي في التهذيب- 7/ 148. الحر في الوسائل- 3/ 327.

(2). يقول صاحب شرح اللمعة- 2/ 251 عن هذا الخبر بأنه: مقطوع ضعيف السند فلا يصلح للاستدلال.

(3). المظفر في شرح القواعد (خطي).

(4). الجواهر- 6/ إحياء الموات.

153

هذا التفسير- كما نوقش، و المناقشون هم أنفسهم أصحاب الرأي الثاني (1)- يفترض أن الأرض الميتة راجعة لغيره. أى أن لها صاحبا أو مالكا، و هو أول الكلام.

ثم إن هناك في مقابل ذلك تفسيرا آخر للحديث ذكره أبو عبيد (2) يفترض أن هذا العرق الظالم لم يوضع في أرض ميتة، و وضعه و الحال كذلك مما يلزم إزالته، و هو ليس بحق كما ورد في الحديث، و لا بأس بهذا التفسير.

و أما الدليلان اللذان استدل بهما أيضا هؤلاء- أصحاب الرأي الثاني- و هما: أصالة بقاء الملك و انتفاء زواله بالخراب المشكوك كونه مزيلا له (3)، و كون الأراضي مما يعرف مالكها فلا تملك بالإحياء كالتي ملك بشراء أو عطية (4).

فان مناقشتهما عندنا لا تحتاج إلى مزيد عناء بعد ما اتضح لنا آنفا عدم ورود الملكية الخاصة على رقبة الأرض، لذلك فان الدليلين لا يلتئمان أساسا مع هذا الأصل الذي سبق أن تبيناه رأيا لنا.

هذا على أن الدليل الأول- و هو أصالة بقاء الملك السابق- الذي يؤدي معنى الاستصحاب لا مجال له هنا، و ذلك لوجود دليل آخر مقدم عليه- و هو النص- إذ من الواضح في القواعد الأصولية أنه لا مجال، مع وجود النص، للاستصحاب و لا لغيره من الأصول العملية.

____________

(1). نفسه.

(2). الأموال- 286.

(3). زين الدين في شرح اللمعة- 2/ 251. الجواهر- 6/ إحياء الموات.

بحر العلوم في البلغة- 96. الأصفهاني في تعليقته على المكاسب- 243.

(4). ابن قدامة في المغني- 6/ 148. و بحر العلوم في البلغة- 96.

154

و هكذا لا نجد بين أدلة الفقهاء هذه، المسوقة للاستدلال بها على القولين الثاني و الثالث: ما يصلح للإعراض عن الرأي الأول و طرح النصوص الصحيحة المستفيضة التي اعتمدناها فيه، علاوة على تبنى جملة من الفقهاء لهذا القول الراجح (1).

____________

(1). راجع بحث «الاتجاهات الفقهية في ملكية الأرض» في الباب التمهيدى.

155

الفصل الثاني مركز الفرد في الدولة الإسلامية من حق الأحياء

حينما وضع الإسلام أحكامه و بخاصة منها الأحكام المتصلة بعلاقات الأفراد مع المجتمعات و هذه مع بعضها، وضعها باعتبارها قائمة في الأصل على و جرد كيان دولي متكامل تتواتر فيه عناصر الدولة المختلفة (1)، لذلك فلا غرابة لو جاءت بعض أحكامه مبنية على التفرقة بين الأجانب و المواطنين، أو بين ما يسمى بأهل دار الحرب و أهل دار الإسلام في مصطلحاتنا الفقهية.

على أنه لا يشترط في الأساس الذي تقوم عليه هذه التفرقة: أن يكون- كما هو السائد الآن- إقليميا دائما، بمعنى إنه لا يصح أن ينتسب شخص إلى دولة معينة ما لم يكن مولودا أو ناشئا على أراضيها و إقليمها الخاص، لأنه قد يكون هذا الأساس عقائديا أو عنصريا، مثل ما يكون إقليميا، فذلك تابع لإرادة كل دولة و ما تقضى به دساتيرها و قوانينها المرعية.

و الإسلام كدولة قد جعل من بين هذه الأسس. جعل العقيدة و كذلك العهد أساسا للتفرقة بين الأجانب و المواطنين، لذلك فإنه صنف الناس من حيث انتسابهم لدولته إلى:

- مسلمين.

- و غير مسلمين. و هؤلاء إلى:

____________

(1). راجع آل ياسين في مذكراته في الدساتير 142- 144 للاحاطة بالعناصر التي من توافرها لقيام الدولة.

156

ذميين، و إلى مستأمنين، و حربيين.

ثم حدد مركز الفرد في الدولة على هذا الأساس. فالمسلم يتحمل في الأصل العب‌ء الأكبر من:

الالتزامات:

و التكاليف، التي تقضى بها مسئوليات الدولة و احتياجاتها المتنوعة.

أما الذمي فإنه و إن كان في الأصل كالمسلم في تحمل هذه الالتزامات، لما قيل من أن «له ما للمسلمين و عليه ما عليهم» (1) إلا أن هناك بعض القيود و الاستثناءات (2) كما أن هناك بعض الإضافات و التبعات، التي يجب أن يتحملها الذمي، و التي تقتضي بها طبيعة تنظيمات الدولة القائمة على أساس من العقيدة التي يدين بها الفرد.

هذا و من الطبيعي أن لا يتحمل- من حيث الأصل- المستأمنون و لا الحربيون باعتبارهم غير مواطنين أو غير مكتسبين الجنسية الإسلامية:

أي شي‌ء من تلك الالتزامات و لا ما يترتب عليها من أحكام و فروض.

الحقوق:

أما بالنسبة إلى الحقوق، فلعل أهم ما يميز فيها المواطن عن غيره هي الحقوق المتعلقة بالأراضي و حيازتها بالإحياء- موضوع بحثنا- لأن لهذا القطاع من الأموال في تشريعات الدولة أهمية خاصة (3) بالنسبة إلى غيره من القطاعات.

____________

(1). الطوسي في التهذيب- 4/ 174، و الكركي في قاطعة اللجاج (خطي).

(2). راجع بشأن هذه الاستثناءات و حكمها: زيدان في أحكام الذميين و المستأمنين 551- 559.

(3). و يبدو أن البعض من الفقهاء اللامعين قد انتهبوا إلى هذه الناحية. ناحية أهمية الأرض بالنسبة إلى غيرها. يقول الحلي من الإمامية في (التذكرة/ باب إحياء الموات) و هو في معرض الحديث عن حقوق الذميين في إحياء الموات: «و سائر التمليكات ليست معتبرة بأهل الدار، و لهذا تصح من المستأمن، بخلاف مسألتنا- و يعنى بها مسألة إحياء الموات.

و الحطب و الحشيش و الصيد يختلف و لا يتضرر المسلمون بأن يتملكها الذمي، بخلاف الأراضي».

و يقول الرملي من الشافعية في (نهاية المحتاج- 5/ 328): «و ليس للذمي تملك الأرض بالإحياء و لا لغيره من الكفار بالأولى، و إن أذن له الإمام، و إن جاز لكافر نحو احتطاب و اصطياد بدارنا، لأن المسامحة تغلب في ذلك». و معناه إن المسامحة لا تغلب في إحياء الأراضي و بالتالى تملكها.