إحياء الأراضي الموات

- محمود المظفر المزيد...
358 /
157

و حيث إن الإسلام قد بنى تفرقته في علاقاته مع الأشخاص المنتمين إلى دولته و غيرهم على أساس من العقيدة كما قلنا، فمن الطبيعي أن يكون:

المسلمون:

في مقدمة من يستفيد من تلك الحقوق دون أن يختلف الحال فيه بين المسلم الذي يستوطن البلاد الإسلامية و بين غيره من المسلمين الذين يقيمون خارجها (1)، لأن المناط أو الأصل في ذلك هو العقيدة التي يدين بها الشخص، و ليس الاستيطان في إقليم معين، كما قلنا.

و هذه الحقيقة لا تجد الدولة الإسلامية فيها ضيرا و لا خوفا على سلامتها أو ثروتها الوطنية، لأن ما قد تخشاه الدول عادة من امتلاك غير المواطنين للأراضي و نحوها من مواردها الإنتاجية الأساسية غير وارد في رأي المشرع الإسلامي بالنسبة إلى المسلم المقيم خارج حدود الدولة الإسلامية، على اعتباره متجاوبا- حسب الفرض- مع هذه الدولة شعورا و عاطفة و عقيدة.

____________

(1). صرح ابن القيم في أحكام أهل الذمة- 367 ب‍ «أن المسلم من أهل دار الإسلام و إن كان من أهل دار الحرب» كما صرح في مقابله بأن: «الحربي إذا كان في دار الإسلام فهو من أهل دار الحرب».

158

و عليه فله الحق المطلق- كالمسلم المواطن- في حيازة الأراضي الواقعة داخل حدود الدولة الإسلامية و إحيائها، و لم نجد بين الفقهاء لذلك مخالفا أو مثيرا للمسألة على الأقل، و لو من باب المناقشة. و لذا جاء الشرط عند بعض الفقهاء (1) في (كون المحيى يجب أن يكون مسلما). جاء مطلقا دون تخصيصه بمسلم معين. استوطن البلاد الإسلامية أو لم يستوطنها.

أهل الذمة [1]:

ما بالنسبة إلى الذميين من أهل الكتاب، فقد اختلف الفقهاء في حكم‌

____________

[1] الذمي في الاصطلاح: هو الشخص المنتسب إلى إحدى ديانات أهل الكتاب، و المرتبط مع الدولة الإسلامية التي يعيش كنفها بعقد تنشأ عنه آثار شرعية، هي في الأصل حقوق المواطنة و التزاماتها.

و منه يتضح أن عقد الذمة لا يتم إلا مع أهل الكتاب (2)، و هو ما تعطيه آية الجزية (3)، و أبرز أمثلة أهل الكتاب، كما يذكر، هم اليهود و النصارى. حتى قيل فيهما الحصر، بناء على ما جاء في قوله تعالى «إِنَّمٰا أُنْزِلَ الْكِتٰابُ عَلىٰ طٰائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنٰا» (4).

و لكن الحق البعض بهم (المجوس) في إمكانية إجراء عقد الذمة معهم بالجزية، و ذلك ما لما قيل من وجود كتاب سماوي (5) أو شبهة كتاب لهم (6)، و إما لما قيل من ورود

____________

(1). راجع الدروس- 593، و البداية في شرح الغاية/ إحياء الموات (خطي)، و الابتهاج (خطي)، و الحجاوى في الإقناع- 3/ 94.

(2). ابن جزى في القوانين الفقهية- 156، و الحجاوى في الإقناع- 2/ 42.

(3). و هي قوله تعالى في (سورة التوبة- 30) «قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ».

(4). راجع السيوري في كنز العرفان- 2/ 32، و الغنيمي في اللباب- 3/ 271.

(5). قال به كل من الشافعي و أبى ثور و نحوهم (الطبري في اختلاف الفقهاء- 200)،

(6). الطوسي في المبسوط/ كتاب الجهاد، و شرح اللمعة- 1/ 257، و المحقق في المختصر النافع- 138، و الجواهر/ كتاب الجهاد. حيث صرح بأن عليه إجماع الإمامية، و الحجاوى في الإقناع- 2/ 42. و المقداد السيوري في كنز العرفان- 2/ 32.

159

حيازتهم أو أحيائهم للأراضي الواقعة داخل حدود الدولة الإسلامية إلى و يقين كما يلي:

رأى القائلين بجواز الإحياء:

فذهب بعض الإمامية (1) و الأحناف (2) كما ذهب الحنابلة (3)

____________

حكم خاص بهم مع الاعتراف بعدم وجود كتاب لهم (4) و قد ورد عنه (ص) ما يشير الى ذلك بقوله: «سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب، غير ناكحى نسائهم و لا آكلى ذبائحهم» (5).

و معنى ذلك أنهم خارجون حقيقة عن أهل الكتاب و ان كانوا داخلين فيهم حكما و تنزيلا.

أما (الصابئة) فقد قيل أيضا بأنهم: طائفة من أهل الكتاب كابن الجنيد من الإمامية (6) و السدي عن سفيان (7)، و عدهم الشافعي- في قول- و الحنابلة: صنفا من النصارى (8).

و نفى آخرون بأن يكون لهم دين من الأديان السماوية (9) و لكن قال ابن القيم- 98:

إنهم على كل حال أحسن حالا من المجوس. و هناك آراء مشتتة أخرى في طبيعة عقيدتهم لا حاجة بنا الآن الى ذكرها (10)، و لكن القرآن الكريم حدد لنا شيئا من صفتهم حين عزلهم مع الذين آمنوا و اليهود و النصارى و المجوس عن الذين أشركوا (الحج 17).

____________

(1). و قد ذكرهم صاحب الجواهر- 6/ إحياء الموات بقوله: «فإن المحكى عن صريح المبسوط و الخلاف و السرائر و جامع المقاصد و ظاهر المهذب و اللمعة و النافع: عدم اعتبار الإسلام».

(2). المرغينانى في الهداية- 8/ 138، و ابن عابدين- 5/ 581، و المخزومي في المختار للفتوى- 117 (خطي)، و ابن القيم- 398، 709.

و الشعراني- 2/ 24، و الدمشقي في رحمة الأمة (هامش الشعراني)- 2/ 35.

(3). المرداوى- 6/ 358، و ابن قدامة- 6/ 150، و ابن القيم- 297، 298، 709. قال (و هو المنصوص عليه). بيد أن الحجاوى في الإقناع 3/ 94- و هو من الحنابلة- جعل الإسلام شرطا في الإحياء.

(4). قال به أبو حنيفة و أصحابه و مالك (الطبري في اختلاف الفقهاء- 200، و راجع زيدان- 25).

(5). الشيباني في شرح السير الكبير- 1/ 146.

(6). شمس الدين، محاضرات في التأريخ الإسلامي- 155.

(7). ابن القيم- 97.

(8). نفسه- 92.

(9). نفسه- 93.

(10). نفسه- 92- 99.

160

و المالكية في قول (1) إلى عدم الفرق بين الذميين و المسلمين في جواز الإحياء و ما يستتبعه من حكم في التملك أو الاختصاص بالأرض الموات.

و استدل هؤلاء (2) بالإطلاقات الكثيرة و منها قوله (ص): «من أحيا أرضا ميتة فهي له» و نحوها، كما استدلوا بالأحاديث الخاصة و منها صحيحة أبي بصير التي يقول فيها: «سألت أبا عبد اللّه عن شراء الأرضين من أهل الذمة؟ فقال: لا بأس بأن يشترى منهم إذا عملوها و أحيوها فهي لهم» (3).

و عللوا لهذا الرأي: بأن الذميين هم من أهل دار الإسلام، فلازمه مساواتهم في الحكم بغيرهم من أهل هذه الدار (4). و من ذلك جواز الإحياء.

و بأن الإحياء من أسباب الملك فملك به الذمي كسائر أسبابه (5).

رأى المانعين من الإحياء:

و ذهب آخرون و هم كل (6) من الزيدية، و الشافعية، و الظاهرية، و فريق‌

____________

(1). ذكر لفقهاء المالكية في مسألة حكم الإحياء لأهل الذمة ثلاثة أقوال هي:

(أ) المنع من الإحياء في القريب من العامر حتى مع صدور الإذن، و جوازه في البعيد حتى مع عدم الصدور، و هذا القول هو المنصوص عليه بين قدماء المالكية (راجع: أبا البركات 4/ 62- 63 و شرح الخرشى- 7/ 70).

(ب) المنع من الأحياء مطلقا في القريب و البعيد، كما يظهر (راجع: الشعراني- 2/ 84، و الدمشقي- 2/ 35، و ابن قدامة- 6/ 150، و ابن القيم- 295).

(ح) جواز الإحياء مطلقا لا فرق بين القريب و البعيد، و هو قول ابن القصار، و لكن استثنوا من ذلك الإحياء بجزيرة العرب فإنه غير جائز (ابن القيم- 298).

و الحطاب- 6/ 11. و التذكرة/ إحياء الموات.

(2). ابن قدامة- 6/ 150. و ابن القيم- 710.

(3). الطوسي في التهذيب- 7/ 148.

(4). ابن قدامة- 6/ 150.

(5). ابن القيم- 710.

(6). ابن حزم- 8/ 243، و ابن القيم- 297.

161

من الإمامية (1) و كذلك المالكية في قول آخر (2) إلى منع أهل الذمة من الإحياء سواء أذن لهم الإمام في ذلك أو لم يأذن. يقول في نهاية المحتاج (3)- و هو من الشافعية-: «و ليس للذمي تملك الأرض بالإحياء و لا لغيره من الكفار بالأولى و إن أذن له الامام» و بمثله صرح الزيدية في البحر الزخار (4)، و الإمامية في التذكرة و غيرها قالوا: «إذا أذن الإمام لشخص في إحياء الموات ملكها المحيي إذا كان مسلما، و لا يملكها الكافر بالاحياء و لو بإذن الإمام، فإن أذن الامام فأحياها لم يملك عند علمائنا، و به قال الشافعي» (5).

و يحتج (6) أصحاب هذا الرأي بقوله (ص): «موتان الأرض للّه و لرسوله ثم هي لكم» أو قوله «عادي الأرض للّه و لرسوله ثم هي لكم» (7). و نحوها من هذه الأخبار التي أضافت عموم الموات إلى المسلمين فلم تبق شيئا منه لغيرهم (8).

____________

(1). صرحوا بذلك في كل من التذكرة و الشرائع و جامع المقاصد. بل و ظاهر الأخيرين، كما يقول صاحب مفتاح الكرامة- 7/ 4، هو الإجماع عليه، كما جعل صاحب الدروس- 293:

الإسلام شرطا في الإحياء، كما مر.

(2). راجع الشعراني- 2/ 84، و الدمشقي- 2/ 30.

(3). الرملي- 5/ 328. و راجع أيضا الابتهاج في شرح المنهاج (خطي)، و البداية في شرح الغاية (خطي).

و لكن ذكر الحلي في التذكرة/ باب إحياء الموات قوله «و للشافعية قول: في أن الذي يملك بالإحياء إن أذن له الإمام فيه. و لا بأس له» و لا ندري أي القولين يرجع لهم، و إن كان الأخذ بالرأي المذكور الوارد في نهاية المحتاج أقرب الى الصحة لأنه منهم، و في العادة إنه اطلع على آرائهم.

(4).- 4/ 75.

(5). الحلي في التذكرة/ إحياء الموات.

(6). ابن القيم- 710.

(7). أبو عبيد- 272.

(8). ابن القيم- 710.

162

و يمكن أن يحتجوا أيضا بقوله في صحيحة الكابلي المتقدمة: «فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها».

كما عللوا بأن: موتان الدار من حقوقها و الدار للمسلمين فكانت لهم كمرافق المملوك (1) الى نحوها من الأخبار و التعليلات الفقهية.

المناقشة:

و هذه الأخبار و التعليلات الأخيرة لا تنهض في رأينا- مقابل الأدلة السابقة- بما ذهب إليه أصحاب القول الأخير من منع أهل الذمة من الأحياء، و ذلك من حيث إن الخبر الأول الذي احتج به هؤلاء لا يعرف- كما يقول ابن القيم- في شي‌ء من كتب الحديث (2). نعم جاء بلفظ آخر، و هو ما أوردناه بعده أو ما أورد بصورة أخرى (3)، بيد أنه مع ذلك خبر مرسل (4).

و لا يبعد أن يريد (ص) بقوله: «هي لكم». هي لأهل دار الإسلام، و من الواضح إن أهل الذمة منهم، تجري عليهم أحكامها كما تجري على المسلمين.

و الإضافة الصريحة في بعضها الى المسلمين كما في صحيحة الكابلي المذكورة و غيرها لا تدل على تخصيصها بهم، و إنما كل ما تدل عليه هذه الرواية و نحوها:

إنه إذا ما عمد واحد من المسلمين إلى إحياء الموات فعليه تعميرها و استثمارها.

و بذلك يكون أحق بها من غيره و أولى بالتصرف، و أما إذا ما عمد إلى‌

____________

(1). نفسه- 710، و التذكرة/ إحياء الموات.

(2). ابن القيم 710- 711.

(3). و من ذلك ما أورده يحيى القرشي في الخراج 85- 86. و الحافظ في التلخيص- 256. و الشافعي في الأم- 3/ 268.

(4). ابن القيم- 711. و ابن قدامة- 6/ 150، و الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 328، و إنما كان هذا الحديث مرسلا لكونه جاء عن طريق ليث بن أبى سليم أو سفيان عن طاوس، و كلهم تابعيون لا وجود للصحابى بينهم.

163

إحيائها واحد من الذميين أو غيرهم فليس في هذه الرواية ما يدل أو يشير إلى بطلان فعلهم و منعهم من الإحياء، لأنها في نفسها غير ناظرة إلى هذه الحالة.

أما التعليل المذكور فهو من باب المصادرة على المطلوب، لأن من أول الكلام أن يكون الموات من حقوق الدار، و أن من أول الكلام أيضا أن تكون دار الإسلام خاصة بالمسلمين، و هذا كمن يقول في العراق مثلا: بأنها بلاد أو دار العرب، مع ان فيها من غير العرب أناسا توارثوها أبا عن جد.

لذلك نرى أن الاعتماد على الأدلة و الحجج التي ساقها أصحاب الاتجاه الأول هو أولى، و هو أقرب إلى الصحة، لما في بعضها من صراحة و ما في بعضها من قوة في السند.

و عليه، و بناء على ما نراه من قوة هذا الاتجاه: يكون للذميين- إذا التزموا الشروط المطلوبة- الحق الكامل كما للمسلمين (1) في إحياء الموات الواقع داخل حدود البلاد الإسلامية. من حيث إن الذميين في المقاييس الشرعية يعتبرون من حاملى جنسية هذه البلاد أصالة أو بالتجنس (2). فكان‌

____________

(1). يقول الأحناف: إن الذمي كالمسلم بمجرد التزامه أحكام أهل الإسلام، لأنه من أهل هذه الدار (شرح السير الكبير- 1/ 207، و السرخسي في المبسوط- 10/ 84).

(2). يرجح الدكتور زيدان في كتابه «أحكام الذميين و المستأمنين- 24، 625» إن عقد الذمة هو قريب من كسب الجنسية في الوقت الحاضر بطريق التجنس أو بالتبعية أو بحكم القانون و لا يخلو هذا الرأي من وجاهة.

هذا و واضح أن التجنس يعتبر في القوانين الدولية الخاصة الحديثة أحد أسباب اكتساب الجنسية. من حيث إن اكتساب الجنسية الآن يتم عن طريق الولادة أو الزواج، أو تبديل السيادة على إقليم ما نتيجة الضم أو الانفصال، أو عن طريق التجنس. و هذه الثلاثة الأخيرة- بما فيها (التجنس) يطلق عليها في مصطلحاتهم القانونية السائدة (بالجنسية اللاحقة)، أما السبب الأول فيطلق عليه (بالجنسية الأصلية). راجع حسن الهداوى، الوجيز في القانون الدؤلي الخاص- 34.

164

«لهم ما لنا و عليهم ما علينا» كما ورد في الحديث (1).

المستأمنون:

أما المستأمنون- و هم فريق من أهل دار الحرب استجاروا أو وفدوا إلى دار الإسلام لمدة مؤقتة (2) و لغرض من الأغراض السياسية أو التجارية- فالظاهر أن حكمهم مع الذميين واحد في حق الإحياء عند من يقول بالمنع لهؤلاء، بل أنه من باب الأولى. يقول صاحب نهاية المحتاج- و هو من الشافعية القائلين بمنع أهل الذمة من الإحياء-: «و ليس للذمي تملك الأرض بالإحياء و لا لغيره من الكفار بالأولى» (3) و تشمل كلمة (غيره) كما هو واضح، فيمن تشمل (المستأمنين) من أصناف الكفار.

____________

(1). جاء في البدائع (نقلا عن أحكام الذميين و المستأمنين- 70) ما يلي: «قال النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم): فإذا قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين و عليهم ما على المسلمين».

و جاء في التهذيب- 7/ 155، و الاستبصار- 3/ 111: «قال: قلت له: رجل من أهل نجران يكون له أرض ثم يسلم أي شي‌ء عليه؟ ما صالحهم عليه النبي؟ أو ما على المسلمين؟ قال: عليه ما على المسلمين. إنهم لو أسلموا لم يصالحهم النبي».

و في التهذيب أيضا- 4/ 147، و قاطعة اللجاج للكركي عن حريث: «قال سمعته- أي الإمام- يقول: رفع إلى أمير المؤمنين (ع) رجل مؤمن اشترى أرضا من أراضي الخراج؟ فقال (ع): له ما لنا و عليه ما علينا مسلما كان أو كافرا له ما لأهل اللّه. و عليه ما عليهم».

(2). إن العقد مع المستأمنين مبني أساسا على التوقيت (راجع اللباب- 3/ 262).

بخلاف عقد الذمة الذي هو مبني على الدوام و التأييد، و لذا اعتبره الفقهاء باطلا لو قيد بوقت، كما ذهبوا إلى المنع من نقضه (زيدان- 41).

و لهذا ذكر بعضهم (راجع الزحيلى في آثار الحرب- 16) في تعريف المستأمنين بأنهم:

الذين دخلوا دار الإسلام بأمان موقت لمدة دون السنة، فهم يشبهون الأجانب الذين يقيمون في دولة أخرى إقامة مؤقتة لمدة لا تتجاوز سنة».

(3). الرملي- 5/ 328.

165

و يقول الحلي (1)- و هو من قسم الإمامية القائلين بالمنع أيضا- «فالمستأمن كالذمي في الإحياء و في الاحتطاب و نحوه» و ذلك بعد تصريحه بمنع الذميين من الإحياء.

أما حكمهم عند من يقول من الفقهاء بجواز الإحياء بالنسبة إلى الذميين، فلا يلزم أن يكون واحدا مع هؤلاء، و هو ما نراه فعلا لدى الأحناف (2) و لدى الحنابلة (3) و غيرهم، حيث منعوا المستأمنين من الإحياء في حين أجازوه بالنسبة إلى أهل الذمة، لأنه إذا ما وجد المسوغ لإعطاء الحق للذميين في الإحياء في دار الإسلام و تملك أراضيها، فإنه قد لا يوجد مثل هذا المسوغ بالنسبة إلى المستأمنين الذين هم في الواقع صنف من الحربيين. أعداء الإسلام الألداء (4)، أما وفادتهم المؤقتة لديار الإسلام فإنها لا يمكن أن تخلع عليهم صفة المواطنة و ما يترتب عليها من حقوق و التزامات.

و بناء على هذا- أى بناء على جعل المستأمنين صنفا من أهل دار الحرب- و على أن وفادتهم المؤقتة لا تشفع لهم باكتساب جنسية الوطن الإسلامي، فالمفروض أو اللازم إلحاقهم بالحربيين في الحكم من ناحية إحياء الموات الواقع في البلاد الإسلامية كما سنرى.

الحربيون أو أهل دار الحرب (5):

هذا و الظاهر أنه لا نزاع بين الفقهاء- خلا من شذ- في حرمان‌

____________

(1). تذكرة الفقهاء/ إحياء الموات.

(2). الفتاوى المهدية- 5/ 314، و راجع مرشد الحيران مادة 147.

(3). ابن القيم- 711.

(4). يقول الكاساني: «و المستأمن من أهل دار الحرب و إن دخل دار الإسلام» و يقول الشيباني: «فأما المستأمن فلم يصر من أهل دارنا» راجع زيدان- 67.

(5). دار الحرب في الاصطلاح: هي الدار التي ينزلها غير المسلمين و التي تخضع في حكمها إلى سلطة غير إسلامية، تجعل من قوانينها أساسا لسلطانها و حكمها في هذه الدار (راجع أبا زهرة في العلاقات الدولية- 53).

و هناك رأى آخر ذهب إليه الزيدية و الأحناف وسعوا فيه من هذا التعريف، فأضافوا قيودا و شروطا أخرى لا نجد حاجة للإطالة فيها (أبو زهرة، المصدر السابق- 53).

166

(الحربيين) من إحياء أو حيازة الأراضي الواقعة داخل حدود البلاد الإسلامية، أو نحوها (1) من القطاعات المهمة التي تتصل بسلامة الدولة و ثروتها الوطنية.

صرح بذلك كل من: الإمامية (2) و الشافعية (3) و الحنابلة في الصحيح من المذهب (4). و هو لازم قول الأحناف بعد أن منعوا المستأمنين من الإحياء. و لازم قول الزيدية و المالكية و الظاهرية أيضا بعد أن منعوا الذميين منه كما رأينا.

و لكن خالف في قول بعض الإمامية (5) و بعض الحنابلة (6) فسمحوا للحربي أو الكافر مطلقا إحياء الموات في دار الإسلام، و نظرا لشذوذ هذا الرأي حاول البعض حمل الإطلاق في كلمة (الكافر) على أهل الذمة خاصة.

بدلالة (ال) العهدية، لأن الأحكام في الغالب جارية عليهم (7).

____________

(1). منع الشافعي و أبو حنيفة، و أصحابه، و كذلك الأوزاعي و أبو ثور و غيرهم:

الحربيين من إخراج شي‌ء معهم من السلاح و الكراع إذا دخلوا البلاد الإسلامية، و ذلك لأهميتها و اتصالها بسلامة الدولة و أمنها (راجع الطبري في اختلاف الفقهاء 50- 51).

يقول أبو يوسف- 188: «و لا ينبغي للإمام أن يترك أحدا من أهل الحرب يدخل بأمان أو رسولا من ملكهم يخرج بشي‌ء من الرقيق و السلاح أو بشي‌ء مما يكون قوة لهم على المسلمين، فأما الثياب و المتاع فهذا و ما أشبهه لا يمنعون منه».

و مثلهم نص الزيدية على المستأمنين- و من باب أولى على الحربيين- بمنع شراء ما يمكنهم من السلاح و نحوه (شرح الأزهار- 4/ 561).

(2). الحلي في التذكرة/ إحياء الموات.

(3). الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 328، و الغزالي في الوجيز- 1/ 241.

(4). المرداوى في الإنصاف- 6/ 358.

(5). الجواهر- 6/ إحياء الموات.

(6). المرداوى- 6/ 358.

(7). نفسه- 6/ 359.

167

هذا و لا أجد في النصوص أو غيرها ما ينم عن ترجيح الرأي المقابل لرأي الجمهور السابق، و القاضي بحرمان الحربيين و من إليهم من حق الإحياء، على أن حكم التفرقة بين هؤلاء الحربيين و بين المسلمين و من في حكمهم من الذميين هو في ذاته حكم متجه، من حيث إن مركز الحربيين لا يمكن أن يكون على حد سواء مع مركز المواطنين من المسلمين و من في حكمهم في حق الإحياء أو حق التصرف بأراضي الدولة الإنتاجية.

رأى القانون في التفرقة بين الأجانب و المواطنين:

لذلك نجد أن هذا النوع من التفرقة قد تسالمت عليه- فيما نحسب- قوانين و أنظمة الدول المختلفة الحديثة، فعمد العراق (1) مثلا، كما عمدت جمهورية مصر العربية (2) و غيرهما من الدول و الأنظمة‌

____________

(1). إن من بين القوانين و الأنظمة العراقية أو المطبقة في العراق التي نصت على منع الأجنبي من تملك أراضيها هي:

قانون الأراضي العثماني في المادة 11 منه، و نظام تحقيق ضريبة الأرض بطريقة الإيجار لسنة 1937 في المادة السادسة منه، و قانون التسوية رقم 29 لسنة 1938 في المادة (11/ أ) و المادة (10/ 3) المعدلة، و قانون بيع الأراضي الأميرية رقم 11 لسنة 1940 في المادة الرابعة بدلالة المادة الثامنة، و قانون تملك الأجنبي العقار رقم 38 لسنة 1961 الذي نص على منع الأجانب من تملك الأراضي الزراعية و الأميرية مهما كان نوعها، و لكنه أجاز و بشرط المقابلة بالمثل و بعد الحصول على موافقة وزير الداخلية للأجنبي أن يتملك دارا واحدة و محلا للعمل، بشرط أن لا يكون من الأراضي الزراعية أو الأميرية كما تقدم مضافا إلى شروط أخرى.

ثم قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 و تعديلاته الذي حصر في المادة 12 منه توزيع الأراضي الزراعية المستولي عليها في العراقيين خاصة.

و أخيرا الدستور المؤقت الأخير الصادر سنة 1968 الذي منع في المادة 18 غير العراقيين من تملك الأراضي الزراعية إلا في الأحوال التي يبينها القانون.

و للتوسع في الموضوع راجع الهداوى في الوجيز في القانون الدؤلي الخاص 1/ 199- 201، و شاكر ناصر في الوسيط- 1/ 77، و مذكرة في أحكام تصرف الأجنبي بالأموال غير المنقولة 62- 67.

(2). أما من بين القوانين المصرية التي نصت على منع الأجنبي من تملك الأموال غير المنقولة فهي القوانين التالية: القانون رقم 37 لسنة 1951 الخاص بمنع الأجانب من تلك الأراضي الزراعية و القابلة للزراعة و الصحراوية في المادة الأولى، و قانون الإصلاح الزراعي لسنة 1952 في المادة 9 ف 1، و القانون المدني المصري في المادة 874، و القانون رقم 15 لسنة 1963 الخاص في حظر تملك الأجانب للأراضي الزراعية و ما في حكمها من الأراضي القابلة للزراعة و البور و الصحراوية.

و للتوسع في الموضوع راجع (الوكيل، الموجز في الجنسية 414- 416. و جاد عبد الرحمن في القانون الدؤلي الخاص- 1/ 320. و الصدة في الملكية في قوانين البلاد العربية- 1/ 51).

168

القديمة (1) و المحدثة (2) في النص على منع الأجانب من حيازة أو تملك العقارات و الأراضي الزراعية إلا بناء على استثناء خاص أو مقابلة بالمثل.

إحياء الأراضي الواقعة في دار الحرب

كان كل ذلك في حكم إحياء الموات الواقع ضمن الحدود الإقليمية للبلاد الإسلامية، أما حكم إحياء الأراضي الموات الواقعة خارج هذه الحدود و التي تعتبر في الاصطلاح من أراضي دار الحرب، فقد أعطى الفقهاء أيضا للمسلم في إحيائها حقا كاملا دون ما فرق بينها و بين الأراضي الواقعة داخل تلك الحدود، و إن قيدوا هذا الحق بما إذا لم يذب (3) المسلمون عنه و يمنعوا من قبل سلطات تلك الدار، و فيما إذا لم تكن من الديار التي صولح أهلها عليها (4).

و قد صرح بإعطاء هذا الحق سائر الفقهاء و من بينهم فقهاء الإمامية (5)

____________

(1). فقد نصت مثلا القوانين الرومانية على منع تملك الأراضي و فلاحتها لغير الأثينيين (راجع: ديورانت في قصة الحضارة- 7/ 45).

(2). و منها أيضا نظام تملك العقار في الحجاز الصادر 1353 ه‍ الذي نص في المادة الرابعة منه على منع تملك الأجنبي العقارات في الحجاز.

(3). الجواهر- 6/ إحياء الموات، و الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 328.

(4). انظر ابن القيم- 710.

(5). الجواهر- 6/ إحياء الموات، و مفتاح الكرامة- 7/ 8.

169

و الزيدية (1) و كذلك الشافعية (2) و الحنابلة (3) و غيرهم.

و هذا الحكم الذي تؤيده- فيما ذكر- عموم الأخبار (4) مع انتفاء الدليل المعارض، هو من حيث المبدأ، أمر لا غبار عليه، لأنه ليس من الحكمة، عادة، أن تمنع الدولة- أية دولة- رعاياها من حيازة أو تملك الأراضي الواقعة خارج حدودها إذا ما كان ذلك بدون عوض أو مقابلة، كما هو الحكم فعلا بالنسبة إلى من يحوز شيئا من الموات بالإحياء.

و لكن العبرة في هذا الحكم و نحوه بإمكانية التنفيذ، إذ كيف تسمح دولة لها ذاتيتها و لها استقلالها لرعايا دولة أخرى هي في موقف معاد معها حسب الفرض. كيف تسمح لهؤلاء بالتجاوز على أراضيها أحياء أو استيلاء و مد نفوذها على أهم عنصر من عناصرها الإنتاجية، و خاصة إذا ما كان ذلك دونما عوض (5).

أما موضوع الحق لأهل دار الحرب و نحوهم في إحياء الموات الواقع‌

____________

(1). البحر الزخار- 4/ 73.

(2). الرملي في المصدر السابق- 5/ 328، و الغزالي في الوجيز- 1/ 241، و الشربيني في الإقناع- 3/ 94.

(3). ابن قدامة- 6/ 149، و المرداوى في الإنصاف- 6/ 357، و البهوتى في الروض- 2/ 425.

(4). ابن قدامة- 6/ 152.

(5). يجمع الفقه و القانون على أن الحصول على الأراضي الموات بالإحياء يتم مجانا و دونما عوض تشجيعا لحركة الإحياء. راجع الخرشى- 7/ 78. ابن القيم- 297. الحكيم في نهج الفقاهة- 328. و راجع أيضا: قانون الأراضي العثماني م 103. القانون المدني العراقي م 1186.

و قانون الملكية العقارية اللبناني م 235، و غيرها.

170

داخل حدودهم، فمع أن البحث فيه- في رأينا- هو غير ذي موضوع حيث لا ينتظر من رعايا دار الحرب- و هم في ديارهم- أن يربطوا عملهم في الإحياء و نحوه بحكم الشريعة الإسلامية أو غيرها من الشرائع و الأنظمة الأجنبية عن تلك الدار، و التي هي في موقف معاد لها حسب الفرض (1).

أقول مع أن البحث فيه غير ذي موضوع، إلا أن جمهور الفقهاء فيما يظهر قد تناولوه بالبحث، فأجازوا (2) للحربي بصورة عامة أن يقوم بإحياء الموات الواقع داخل حدوده، و بالتالى تملكه، و إن كان البعض- ظاهرا- قد قيد هذا الحق بأخذ الإذن فيه من الإمام القائم بشؤون الدولة الإسلامية باعتباره من الأموال التي تعود في ملكيتها إليه أيضا (3)، كما هو الحال في الأراضي الواقعة داخل حدود هذه الدولة الإسلامية.

و لكنه حين كان لا يرجى من بحث هذا الموضوع أية فائدة أو ثمرة علمية أو عملية لم نلجأ الى التوسع في بحثه و الدخول بتفريعاته و تفصيلاته المختلفة.

____________

(1). و لذلك ذكر الخطاب من المالكية 3/ 335- و هو يتحدث عن حكم المعدن الموجود بدار الحرب- عن «ما وجد بأرض الحرب من معدن، قال الماتن إن حكمه للإمام، و لم أر أحدا ذكره و لا معنى له، لأن أرض الحرب إن كان الحكم عليها لأهل الحرب فكيف يتصور أن يحكم فيها للإمام، و إن زال حكم أهلها فهي عنوة أو صلح أو ما انجلى عنه أهله فلا وجه لزيادة هذا القسم».

(2). نفس المراجع السابقة التي جوزت للمسلم إحياء الموات الواقع داخل حدود دار الحرب.

(3). الطوسي في الخلاف- 2/ 2، و في المبسوط/ إحياء الموات.

171

الفصل الثالث مدى الحق المكتسب بالإحياء

سبق أن انتهينا في مبحث «طبيعة الأراضي الموات» من الإباحة و الملكية، إلى القول بملكية الدولة للأراضي الموات، و اعتبرنا بالتالى كل تصرف بالإحياء غير مقترن بإذن هذه الدولة باطلا و غير مكتسب لصفته الشرعية.

و على هذا إذا فرضنا أن الدولة قد أذنت لواحد من الناس بإحياء قطعة من الأرض الموات فما هو الحكم، أو ما هو مدى الحق الذي يترتب على قيامه بعملية الإحياء، فهل تنتقل إليه ملكية هذه الأرض بكل مقوماتها من عين و منفعة و غيرها؟ أو أن حقه فيها كما هو رأى البعض لا يتعدى نطاق حق التصرف أو الاختصاص و ملكية المنفعة دون ملكية العين؟

كان هذا مثار بحث بين فقهاء المسلمين، و قد رأينا فيما سبق من حديث جانبا من ذلك، انتهينا فيه و في مبحث «الاتجاهات الفقهية من ملكية الأرض» إلى أن الرقبة عموما لا تخضع للملكية الخاصة، لأن حائزها و مستثمرها لا يملك عليها أكثر من حق الاختصاص أو التصرف بها، فلو عطلها عن الإنتاج حتى عادت مواتا فقد خرجت عن سلطانه، و أعطى بذلك للدولة حقا في نزعها من يده و إحالتها إلى من يستثمرها و يعيد فيها الحياة و النماء من جديد.

و الأدلة: من الأحاديث و النصوص على ذلك كثيرة و متضافرة و مشهود لها بالصحة و بالاعتبار، و قد أتينا آنفا على بيان بعضها، و منها صحيحة‌

172

الكابلي و صحيحة معاوية بن وهب اللتان كررنا ذكرهما مرارا، و صحيحة عمر بن يزيد التي يقول فيها: «كان أمير المؤمنين (ع) يقول: من أحيا أرضا من المؤمنين فهي له و عليه طسقها يؤديه إلى الإمام» (1).

و تأدية الطسق، و هو الخراج، دليل أو قرينة عندهم على عدم ملكية المحيي لها، و على أن حقه فيها لا يتجاوز حق الاختصاص أو حق التصرف، كما هو الحال في أراضي العنوة من حيث إيجاب الخراج فيها و لهذا سميت بالخراجية.

رأى الفقهاء القائلين بالأحقية:.

. و ذلك ما صرح به الشيخ الأصفهاني في تعليقته على المكاسب (2) حيث اعتبر أداء الخراج دليلا على عدم ورود الملكية الخاصة على الأرض بالإحياء، و بنحوه صرح بحر العلوم في البلغة (3).

و قد نسب البعض من الباحثين المحدثين (4) بعد أن ربط هو الآخر بين إيجاب الأجرة أو الخراج و بين القول بحصول الأحقية في الإحياء دون الملكية. نسب هذا الرأي- و هو بقاء الأرض هنا على ملكية الدولة- إلى بعض أقطاب الحنفية استنتاجا من رأيهم بفرض الخراج على بعض أقسام الأراضي الموات التي تسقى بماء الخراج أو الواقعة على انهار شقتها الأعاجم (5).

____________

(1). الطوسي في التهذيب- 4/ 145.

(2). 242.

(3). بلغة الفقيه 98- 99.

(4). الصدر في اقتصادنا- 2/ 92.

(5). هذا الترديد بين ما يسقى بماء الخراج، و المراد به الأنهار التي فتحت أراضيها عنوة- و بين الأرض الواقعة على انهار حفرتها الأعاجم: هو يمثل الخلاف بين الفقيهين صاحبي أبي حنيفة- محمد بن الحسن و أبى يوسف- في معيار التفرقة بين أرض العشر و أرض الخراج، إذ جعل محمد معيار التفرقة في ذلك هو مصدرية الماء الذي تسقى به الأرض، بينما جعله أبو يوسف موقع الأرض من جهة الماء. و هذا ما سنراه قريبا في موضوع الضرائب (راجع:

أبا يوسف- 69، الكاساني- 6/ 195، القرشي- 25، الحنبلي في الاستخراج- 12، الماوردي- 178، أبا يعلى- 154).

173

غير أنه لا حاجة بنا إلى هذا التكلف في الاستنتاج، إذ ورد القول به صريحا عن بعض هؤلاء الأحناف و من بينهم أبو القاسم البلخي الذي ذكر- كما رأينا سابقا- بأن الأرض المحياة لو تعطلت جاز للغير المبادرة إلى إحيائها «لأن الأول ملك استغلالها لا رقبتها» (1)، و لهذا الرأي و نحوه جاء قوله في الابتهاج (2): «و رأيت في كتب الحنفية خلافا عندهم، و أن الإحياء هل يعتبر ملك الرقبة، أو لا تعتبر إلا ملك المنفعة» و لكنه عقب على ذلك- و هو الشافعي- بقوله: «و هذا غريب و الصحيح عندهم الأول».

كما ورد كذلك القول صريحا عن بعض الإمامية باكتساب الأحقية بالإحياء دون الملكية و في طليعتهم أبو جعفر الطوسي الذي أكد هذا الرأي في غير كتاب من كتبه المعروفة فقال في النهاية (3): «و من أحيا أرضا ميتة كان أملك فيها من غيره» و أضاف «و متى أراد المحيى لأرض من هذا الجنس أن يبيع شيئا منها لم يكن له أن يبيع رقبة الأرض و جاز له أن يبيع ماله من التصرف فيها» و صرح في الاستبصار (4) بعد أن ذكر الأخبار الواردة في هذا الباب: «الوجه في هذه الأخبار و ما جرى مجراها مما أوردنا كثيرا منها في‌

____________

(1). المرغينانى في الهداية- 8/ 137، و هامشه شرح العناية على الهداية.

(2). السبكي في الابتهاج في شرح المنهاج، مخطوط/ باب إحياء الموات.

(3). 2/ 427.

(4). 3/ 108.

174

كتابنا الكبير- و يعتقد أنه التهذيب- أن من أحيا أرضا فهو أولى بالتصرف فيها دون أن يملك تلك الأرض، لأن هذه الأرضين من جملة الأنفال التي هي خاصة للإمام، إلا أن من أحياها أولى بالتصرف فيها إذا أدى واجبها للإمام» (1).

و إلى مثله ذهب الشيخ الأصفهاني حيث قال: «إن الأظهر بحسب الجمع بين الأخبار، و رعاية الآثار أنه لا يفيد الإحياء ملك الرقبة، بل الأحقية بها» (2). كما ذهب السيد بحر العلوم قائلًا: «و يحتمل قويا عندي، بل هو الأقوى: إن الأحياء في الموات التي هي للإمام لا يكون سببا لملك المحيى بها و خروج الرقبة عن ملك الإمام، و لا يوجب إلا أحقية المحيي بها و أولويته من غيره بالتصرف فيها، فتكون اللام في عمومات الإحياء لمجرد الاختصاص بقرينة ما دل على دفع خراجها للإمام في صحيحة الكابلي» (3).

رأى الفقهاء القائلين بالملكية:

و في مقابل أولئك جميعا ذهب الجمهور من الفقهاء الى القول بحصول الملكية في إحياء الموات، و من بينهم فقهاء كل من الزيدية (4) و الأحناف (5)

____________

(1). و قال نفسه في المبسوط/ باب إحياء الموات. «إذا حجر أرضا و باعها لم يصح بيعها، و في الناس من قال: يصح، و هو شاذ، و أما عندنا فلا يصح بيعه، لأنه لا يملك رقبة الأرض بالإحياء، و إنما يملك التصرف بشرط أن يؤدى للإمام ما يلزمه عليها» هذا مع العلم أن التحجير في رأي الطوسي- كما هو في رأى ابن إدريس كما تقدم- هو في حكم الإحياء، أو هو الإحياء نفسه، و بذا فالإحياء عنده مطلقا لا يكسب صاحبه حق ملكية الرقبة.

(2). التعليقة على المكاسب- 243.

(3). البلغة 98- 99.

(4). أحمد بن يحيى في البحر الزخار 4/ 72- 73.

(5). الكاساني- 6/ 195، و المرغينانى في الهداية- 8/ 137.

و انظر أيضا مرشد الحيران م 127.

175

في الرأي المشهور لهم، و المالكية (1) و الشافعية (2)، و الحنابلة (3)، و معظم الإمامية (4)، كما أشرنا إليه في بحث «الاتجاهات الفقهية من ملكية الأرض» عند ما ذكرنا هناك اعتماد الفريق القائل بوجود الملكية الخاصة في الأرض لرأيه على بعض أدلة الإحياء العامة، من حيث إفادتها الملكية الخاصة كما يذكر. و كان من بين هذه الأدلة قوله (ص): «من أحيا أرضا ميتة فهي له، و ليس لعرق ظالم حق» و «عادي الأرض للّه و لرسوله ثم هي لكم». و نحوها.

هذا و يلاحظ أن المالكية بالرغم من أنهم ذهبوا- كما سبق- إلى القول بسقوط حق صاحب الإحياء على أرضه عند تعطيلها و هجرانها ضمن فترة معينة، فإنهم ذهبوا في نفس الوقت إلى القول بنشوء الملكية الخاصة بالإحياء استنادا إلى الأدلة العامة المذكورة، و ذلك لعدم وجود تعارض و تعاند بين القول بسقوط الحق بالتعطيل و بين القول بحصول الملكية بالإحياء.

رأينا:

و الحقيقة أن ما استدل به هذا الفريق من الفقهاء من الأدلة العامة المذكورة و نحوها، و إن دل في ظاهره على حصول الملكية بالإحياء، إلا أنه‌

____________

(1). هامش الخرشى- 7/ 69، و الشعراني في الميزان الكبرى- 2/ 84.

(2). الشافعي في الأم- 3/ 260، و الغزالي في الوجيز- 1/ 241، و الشربيني في الإقناع 3/ 94- 95.

(3). ابن قدامة في المغني- 6/ 147، و البهوتى في الروض- 2/ 125، و المرداوى في الإنصاف- 6/ 354.

(4). ابن إدريس/ باب إحياء الموات، و الحلي في التذكرة/ باب إحياء الموات، و العاملي في المسالك/ إحياء الموات، و الأصفهاني في تعليقته على المكاسب- 242، و الحكيم في نهج الفقاهة- 330.

176

أمكن لنا فيما تقدم من بحث عن «الاتجاهات الفقهية من ملكية الأرض» التوصل إلى صرف اللام في تلك النصوص إلى معنى الاختصاص بدلا من الملكية، جمعا بينها و بين الأدلة الأخرى التي تنص صريحا على اكتساب الاختصاص أو الأحقية بالإحياء، مضافا إلى الأحاديث الخاصة الواردة من طرق كثيرة و النافية للملكية الشخصية في الأراضي بنحو مطلق، كما مر الاستشهاد بها في بحث الاتجاهات الفقهية المذكور و في هذا البحث قريبا بالذات.

إن من بين تلك الأدلة التي نصت صريحا على اكتساب الأولوية أو الأحقية بالإحياء دون الملكية ما روى من حديث عن عائشة (1): «من أحيا- أو من أعمر أو عمر (2)- أرضا ليست لأحد فهو أحق بها» قال عروة: و قضى بذلك عمر في خلافته (3)، و ما روى عن ابن عباس في بعض أسانيده: «إن عادي الأرض للّه و لرسوله و لكم من بعد، فمن أحيا شيئا من موتان الأرض فهو أحق به» (4) ثم ما روى في صحيح محمد بن مسلم المتقدم: «أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض أو عمروها فهم أحق بها» (5).

____________

(1). البخاري- 3/ 132، و أبو عبيد- 286، و البيهقي في السنن الكبرى- 6/ 142.

(2). الكحلاني في سبل السلام- 3/ 82.

(3). البخاري- 3/ 132، و الكحلاني- 3/ 82.

(4). القرشي- 85.

(5). الطوسي في التهذيب. 7/ 148، 149، 152، و الصدوق في من لا يحضره الفقيه- 3/ 151، و الحر في الوسائل- 3/ 327، و قد روى الحديث مرة بهذا الشكل و أخرى بإضافة (و هي لهم)، غير أن هذه الإضافة الأخيرة باللام لا تختلف هي الأخرى عن سابقاتها في إمكان حملها على الاختصاص أو الأحقية أيضا.

177

في قانون الأراضي و القانون المدني العراقي:

هذا و قد جاء ذلك الرأي الأخير نفسه بإعطاء الأحقية أو الاختصاص بالأرض المحياة. جاء في كثير من التقنينات الحديثة، و من بينها قانون الأراضي العثماني الذي نص في المادة (103) على جواز الإذن بالإحياء على أن تكون الرقبة عائدة إلى بيت المال، بمعنى أن حق صاحب الإحياء فيها لا يبلغ مستوى الملكية، و مثله القانون المدني العراقي الذي نص في المادة (1186) على ثبوت حق التصرف بالإحياء دون حق الملكية.

و كل ذلك آت- كما يظهر- من الأصل القاضي بملكية الدولة للأراضي الموات الأولية.

178

الفصل الرابع الحد من حيازة الأراضي الزراعية الكبيرة الناشئة من الإحياء و غيره

هناك فكرة مرتكزة و سائدة لدى البعض من الفقهاء، مفادها: إن من حق الفرد أن يمتلك أو يحوز من الأراضي ما يشاء دون أن تستطيع أية جهة على مزاحمته و تقييد حريته المطلقة في هذا المجال. حتى لقد صرح أحدهم (1) بقوله: «و لا خلاف أنه لو أحيا ما لا حاجة به ملكه، حتى لو أحيا موات الدنيا كله ملكه».

و مبعث هذه الفكرة أو هذا الحكم يعود- فيما يظهر- إلى مطلقات النصوص التي تجردت مع وضع أية قيود أو حدود على تصرفات الفرد في حيازة أو إحياء ما يشاء من الأراضي الموات و من ذلك قوله (ص):

- من أحيا أرضا ميتة فهي له (2).

- من أحاط حائطا على أرض فهي له (3).

- من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له (4).

و نحوها من هذه العمومات.

____________

(1). السبكي في الابتهاج في شرح المنهاج (خطي).

(2). الطوسي في التهذيب- 7/ 151، و أبو داود- 2/ 158، و بهذا اللفظ رواه مالك و أحمد و الترمذي و صححه. راجع الروض المربع- 2/ 425.

(3). رواه أبو داود عن سمرة بن جندب و صححه ابن الجارود (راجع سبل السلام- 3/ 84) كما رواه أبو بكر بإسناده عن جابر بن عبد اللّه بلفظ: من احتاط حائطا على أرض فهي له. (أبو يعلى- 194).

(4). البيهقي في السنن الكبرى- 6/ 142 عن أسمر بن مضرس.

179

كما يعود ذلك أيضا إلى السيرة الجارية لبعض المسلمين و بخاصة في عصورهم الأولى القائمة على امتلاك المساحات الشاسعة من الأراضي و حكرها بين نفر معدود منهم.

غير أن هذه السيرة و نحوها- بالرغم من امتدادها- لم تكن تمثل في الواقع غير سيرة أولئك النفر من الذين تسلطوا على الناس بسلطانهم و نفوذهم و بخاصة أيام الدولتين الأموية و العباسية، و الذين لم يتورعوا من المبالغة في حيازة الأراضي و الاستئثار بها عن طريق الإقطاع أو الاستيلاء أو عن طريق ما يسمى بالقبالة أو الإلجاء (1)، و لذلك لا يمكن في شي‌ء اعتبار تلك السيرة و نحوها حجة شرعية تعبر عن أحكام التشريع في هذا المجال.

أما عن عمومية النصوص المذكورة، فإنها و إن كانت أساسا لمشروعية الإحياء و بعث الناس على العمل و الإنتاج، إلا أنه لا يمكن الاعتماد عليها بإطلاقها نظرا لوجود كثير من:

الأحاديث الخاصة التي تصلح لتقييد النصوص المذكورة و تحد من حرية الفرد بحيازة و إحياء ما يشاؤه من الأراضي، و قد مر الكثير من هذه الأحاديث التي استشهدنا بها في ثنايا البحوث السابقة.

و منها الأحاديث التي جعلت العمل و استمرارية الاستثمار هما الأساس في اكتساب الحق بالأرض الموات، كما هو في قوله (ع) في ذيل صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة: «إن الأرض للّه عز و جل و لمن عمرها» و قوله في‌

____________

(1). سيأتي في الفصل الأول من باب الإقطاع الحديث عن القبالة و الإلجاء من حيث تحديد المراد منهما و مشروعيتهما من عدمها.

180

رواية أخرى: «إن الأرض للّه تعالى جعلها وقفا على عباده، فمن عطل أرضا ثلاث سنين متوالية لغير ما علة أخذت من يده و دفعت إلى غيره» (1).

كما ورد في نص ثالث عن القرشي قوله: «جاء رجل إلى على (ع) فقال: أتيت أرضا قد خربت و عجز عنها أهلها فكريت أنهارا و زرعتها؟

قال: كل هنيئا، و أنت مصلح غير مفسد، معمر غير مخرب» (2).

و منها كذلك الأحاديث التي تقضى بالتنازل عن الأراضي التي يعجز الشخص عن إحيائها و أعمارها، و ذلك مثل الأحاديث الواردة عن رافع ابن خديج و جابر بن عبد اللّه (3) و اللاتي يقول الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فيها:

- من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يستطع أن يزرعها و عجز عنها فليمنحها أخاه المسلم و لا يؤاجرها إياه» (4).

- من كانت له أرض فليزرعها، أو فليزرعها أخاه، و لا يكاريها بثلث أو بطعام مسمى (5).

____________

(1). وسائل الشيعة- 3/ 329.

(2). القرشي في الخراج- 63.

(3). كما ورد نحوها، و بخاصة في النهي عن كراء الأرض، عن أربعة من الصحابة الآخرين و هم أبو هريرة، و الخدري، و ثابت بن الضحاك، و زيد بن ثابت (راجع المودودى في مسألة ملكية الأرض- 48).

(4). صحيح مسلم- 10/ 197، و رواه (البخاري- 3/ 134) عن أبي هريرة بهذا الشكل: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه».

و تفسيرا لحديث مسلم المذكور قال في (موسوعة موجز الفقه الإسلامي- 230):

«و معناه أن ما يفيض عن حاجة الإنسان و عائلته يجب أن يمنح بلا بدل للعاطلين عن العمل، و إذا لم يفعل صاحب الأرض حلت الدولة محله».

(5). مسلم- 10/ 199، أبو داود- 2/ 233.

181

- من كانت له أرض فليحرثها، فإن كره أن يحرثها فليمنحها أخاه، فإن كره أن يمنحها أخاه فليدعها» (1).

و قد قيل عن هذه الأحاديث الأخيرة أو عن الحديث الأول منها خاصة:

إنه ورد في خصوص النهى عن استئجار الأراضي الزراعية، لأن أجرها- و هو الثمار- في حكم المجهول، و إذا ما صح هذا فإنه سوف لا يكون في نظرنا أقل دليلية من الأحاديث الأخرى للحد من نشوء ما يسمى بالملكية الكبيرة. حيث ألزم الرسول (ص) فيها التنازل عن الأرض و منحها إلى الفرد القادر على استثمارها إذا ما عجز صاحبها بنفسه- و لا بد أن يعجز في حالة حيازته للأراضي الكبيرة- عن زراعتها و استغلالها.

و لذلك استنادا إلى هذه الأحاديث الأخيرة و نحوها مما ورد في النهي عن كراء الأرض (2) ذهب الظاهرية إلى تحديد نطاق الملكية الزراعية بحدود القدرة الشخصية على الإحياء، الأمر الذي يقضى عندهم بلزوم التنازل إلى الدولة أو الغير عما يعجز الشخص عن إحيائه و استثماره (3)، كما ذهبوا استنادا إلى ذلك أيضا إلى المنع من إجارة الأرض مطلقا و لزوم استغلالها بصورة مباشرة، أو عن طريق المزارعة أو المغارسة ليس إلا (4).

____________

(1). الدارمي- 2/ 183، و رواه أيضا كل من أحمد و مسلم و البيهقي (راجع حاشية الدارمي- 2/ 183).

(2). راجع صحيح مسلم في باب كراء الأرض، 10/ 196- 208، و أبا داود في باب المزارعة الأرقام من 3260 إلى 3263. و الترمذي في باب المزارعة- 6/ 155.

(3). المودودى في المصدر السابق- 86.

(4). جاء عن (ابن حزم في المحلى- 8/ 190) قوله بالنص: «و لا تجوز إجارة الأرض أصلا لا للحرث فيها، و لا للغرس فيها، و لا للبناء فيها، و لا بشي‌ء من الأشياء أصلا. لا لمدة مسماة قصيرة و لا طويلة و لا لغير مدة مسماة. لا بدنانير و لا بدراهم، و لا بشي‌ء أصلا، فمتى وقع فسخ أبدا، و لا يجوز في الأرض إلا المزارعة أو المغارسة.

برهان ذلك حديث رافع. إن رسول اللّه نهى عن كراء الأرض، إلخ النص».

182

العوامل التي تساعد على الحد من نشوء الملكية الكبيرة:

هذا و مضافا إلى كل تلك النصوص المستفيضة و نحوها الرامية إلى الحد من نشوء ما يسمى بالملكية الزراعية الكبيرة، فإنه يمكننا أن نجد إلى جانبها كذلك بعض العوامل أو الأسباب التي يمكن أن تساعد إلى حد كبير على الحد من نشوء هذه الملكية، و التي يمكن أن نستخلصها من الفتاوى و النصوص المماثلة (1).

و من بين هذه العوامل ما يلي:

1- إلغاء فكره الاستيلاء

، كسبب من أسباب اكتساب الحق بالأرض الموات- و هي الفكرة التي أقرتها بعض النظريات الاقتصادية القديمة-، ثم جعل المدار في اكتساب ذلك الحق هو القيام بعمل أو مجهود يبعث في الأرض النشاط. فقد جاء في الحديث السابق ذكره:

«إن الأرض للّه عز و جل و لمن عمرها»، و كما جاء في حديث آخر:

«أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض و عمروه فهم أحق بها و هي لهم».

يقول السبكي (2)- من الشافعية-: «و أما الأرض بالاستيلاء عليها فلا يملكها- أى صاحب الاستيلاء- فلا بد فيها من عمل و فعل».

و يقول الشهيد الأول- من الإمامية-: «موات الشرك كموات الإسلام فلا يملك بالاستيلاء و إن ذب عنه الكفار، بل و لا تحصل به الأولوية» (3).

____________

(1). راجع مفتاح الكرامة- 7/ 9.

(2). الابتهاج في شرح المنهاج/ باب إحياء الموات.

(3). راجع مفتاح الكرامة- 7/ 9. و الجواهر- 6/ باب إحياء الموات.

183

و من أجل ذلك ذهبنا الى القول آنفا بإلغاء (التحجير) كسبب من أسباب اكتساب الحق بالأرض الموات، على اعتباره لا ينطوى على أى مجهود يبرر الاختصاص بها و اكتسابها.

و من أجله أيضا منع الفقهاء- كما سنرى- الإفراد في حق (الحمى) لقوله (ص): «لا حمى إلا للّه و لرسوله» من حيث إن الحمى هو بمثابة استيلاء مجرد عن أى فعل و نشاط.

نعم لو صح القول بالإباحة في الأرض الموات- كما مر النزاع فيه- أمكن القول بشرعية الاستيلاء هذه، إذ الاستيلاء يفترض أرضا لا مالك لها، كما هو الحال بالنسبة إلى سائر المباحات الأخرى التي تملك بمجرد حيازتها و الاستيلاء عليها، و لكنه- أى القول بالإباحة في الأرض الموات- لا دليل ينهض في رأينا على صحته.

2- إلغاء فكره (السخرة)

، أو استغلال مجهود الآخرين في استصلاح الموات، فكل عملية إحياء لا تقوم على سواعد الشخص نفسه و جهوده لا تنفع في اكتساب الحق بالأرض الموات، و لذلك لم يترتب على عقدي الوكالة و الإجارة و نحوهما أثرهما الشرعي في اكتساب مثل هذه الحقوق، على اعتبار أن الكل- بما فيهم الأطراف المتعاقدة من الوكيل و الموكل و الأجير و المؤجر- سواء بالنسبة إلى حقوقهم المتكافئة في حيازة الأراضي الموات، فبإمكان الوكيل كما بإمكان الأجير أن يتملك أو يحوز شيئا من الأرض لنفسه بالإحياء، الأمر الذي يدعوه إلى الامتناع عن تسخير نفسه و وضع جهوده في خدمة الأغيار.

و ممن قال بعدم ترتب الآثار على ذلك بعض الإمامية (1) و قد ربطوا بين‌

____________

(1). راجع الجواهر- 6/ إحياء الموات، و الأصفهاني في كتاب الإجارة (الطبعة الحجرية) و الصدر في اقتصادنا 2/ 189- 191، 370 و قد أورد عددا من المصادر الفقهية التي تذهب إلى ذلك.

184

الإجارة و الوكالة في الحكم (1)، كما قال به: الأحناف (2) و الشافعية في قول (3)، و مجلة الأحكام العدلية (4)، و لكن بالنسبة إلى الوكالة دون الإجارة، و قد علل الشافعية ذلك بأن سبب الملك- و هو وضع اليد- قد وجد من الوكيل فلا ينصرف عنه بالنية إلى غيره و هو الموكل (5).

هذا و مما ورد في النهي عن السخرة قول الرسول (ص) في وصيته إلى الإمام على: «يا على لا يظلم الفلاحون بحضرتك، و لا تزاد على أرض وضعت عليها، و لا سخرة على مسلم» (6).

____________

(1). يقول الحلي في التذكرة: «إن جوزنا التوكيل فيه جوزنا الإجارة عليه، فإذا استأجر ليتحطب أو يستقى الماء أو يحيى الأرض جاز و كان ذلك للمستأجر، و إن قلنا بالمنع هناك منعنا هنا فيقع الفعل للأجير» راجع اقتصادنا- 2/ 190.

(2). و قد أطلقوا الحكم في ذلك بالنسبة إلى سائر المباحات التي من بينها الأرض الموات «راجع: السمرقندي في خزانة الفقه- 1/ 256، و الجزيري- 3/ 171، و لكن بعضهم استدرك بأنه إن أذن الإمام لشخص بالإحياء جاز لهذا الشخص توكيل غيره بالإحياء» راجع الفتاوى الهندية- 5/ 394، و ابن عابدين نقلا عن الوسيط لشاكر ناصر- 1/ 1248».

(3). راجع الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 24، و المهذب عن الوسيط المذكور- 1/ 1248.

(4). المادة 1260 و قد جاءت بالنسبة إلى المباحات كافة، راجع شروح المجلة لمنير القاضي 3/ 135- 136، و سليم رستم- 672.

(5). الرملي- 5/ 24.

(6). الطوسي في التهذيب- 7/ 154، و الكليني في الكافي- 5/ 284.

و مما يمكن الاستشهاد به كذلك في هذا الصدد ما روى عن الإمام على في كتاب بعثه إلى عامله قرظة بن كعب: «أما بعد فإن قوما من أهل عملك أتوني فذكروا أن لهم نهرا قد عفا و درس، و أنهم إن حفروه و استخرجوه عمرت بلادهم و قووا على خراجهم و زاد في المسلمين قبلهم، و سألوني الكتابة إليك لتأخذهم بعمله. إنى أن قال- و هذا موضع الشاهد-: و لست أرى أن أجبرا أحدا على عمل يكرهه فادعهم إليك فإن كان في النهر على ما وصفوا فمن أحب أن يعمل فمره بالعمل، و النهر لمن عمل دون من كرهه».

«راجع تاريخ اليعقوبي- 2/ 179».

185

3- أما العامل الثالث فهو: المنع من تحجير و إقطاع الزائد عن حدود القدرة الشخصية.

. فقد روى (1) عن الرسول (ص) أنه كان يخص إقطاعه بالقادر من الناس، و لذلك ذكروا أن الخليفة عمر بن الخطاب قال لبلال بن الحارث- و كان قد أقطعه الرسول العقيق أجمع-: «إن رسول اللّه لم يقطعك لتحتجره عن الناس. إنما أقطعك لتعمل، فخذ ما قدرت على عمارته و رد الباقي» (2).

و لا شك أن هذا الحكم بتخصيص الإقطاع بالقادر على الإحياء، و مثله حكم التحجير فيما صرح به بعضهم- كما سنرى- هو من أبرز العوامل للحد من تضخيم الإقطاعيات و نشوء الملكيات الكبيرة.

يقول الرملي (3)- و هو من الشافعية الذين هم أظهر من ورد عنهم التصريح بهذا الحكم- يقول: «و لا يقطع الإمام إلا قادرا على الإحياء حسا و شرعا و قدرا يقدر عليه، و كذا المتحجر لا ينبغي أن يقطع من مريده إلا فيما يقدر على إحيائه، و إلا فلغيره إحياء الزائد، و الأوجه حرمة تحجير زائد على ما يقدر عليه لأن فيه منعا لمريد الإحياء بلا حاجة».

و في موضع آخر قال نفسه (4): «فإن زاد على كفايته- أى التحجير- فلغيره إحياء الزائد، كما قاله المتولي، و ما سواه باق على تحجره فيه، و أما ما لا يقدر عليه حالا بل مآلا فلا حق له فيه».

و قال السبكي- و هو من الشافعية أيضا-: «قالوا لا يزيد المتحجر على قدر كفايته أو لا يتحجر ما لا يمكنه القيام بعمارته، فإن فعل قال‌

____________

(1). السبكي في الابتهاج «خطي»، و الداودي في الأموال «خطي».

(2). أبو عبيد- 290.

(3). نهاية المحتاج- 5/ 337.

(4). نهاية المحتاج- 5/ 336.

186

المتولي لغيره: أن يحيى ما زاد على كفايته، و ما زاد على ما لا يمكنه القيام بعمارته» (1).

و إلى مثله في الإقطاع ذهب الزيدية قالوا: «و لا يقطع الإمام أحدا أكثر مما يستطيع إحيائه لإضراره» (2).

و كذلك الحنابلة الذين صرحوا بأنه: «و لا ينبغي أن يقطع أحدا من الموات إلا ما يمكنه إحياؤه لأن في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقا على الناس في حق مشترك بينهم بما لا فائدة فيه، فإن فعل ثم تبين عجزه عن إحيائه استرجعه منه كما استرجع عمر من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته من العقيق» (3).

إلى نحوها من الآراء و النصوص التي سنقف عليها بتفصيل في باب الإقطاع، و التي ربطت مقدار الإقطاع بحدود القدرة الشخصية على إحياء الأرض و استثمارها.

____________

(1). الابتهاج في شرح المنهاج «خطي».

(2). أحمد بن يحيى في البحر الزخار- 4/ 76.

(3). ابن قدامة في المغني- 6/ 199، حاشية المقنع للمقدسى- 2/ 286.

187

الفصل الخامس الضرائب الزراعية المترتبة على الإحياء و الاستثمار

حين شرع الإسلام مسألة إحياء الموات و أعطى الحق للفرد في الاختصاص بالأراضي التي يقوم بإحيائها و استثمارها، فإنه فرض في مقابل ذلك بعض الضرائب الزراعية تغطية لقسم من نفقات الدولة و تبعاتها المالية، و ضمانا لموازنة الدخول و الثروات بين الناس.

و هذه الضرائب الزراعية التي فرضها الإسلام و المترتبة على إحياء الأراضي و استثمارها، هي إما ضرائب تتناول المحصول ذاته و يختص بإعطائها المسلمون وحدهم و هي (العشر أو الزكاة) (1)، و لا تكون إلا تناسبية مع هذا المحصول، و إما ضرائب مفروضة على الأرض نفسها بمثابة الأجرة أو الطسق، و تؤخذ من غير المسلمين، كما تؤخذ أحيانا من المسلمين أنفسهم، و هي (الخراج) و تكون في الغالب وظيفية كما هو مقتضى كونها أجرة (طسقا)، و قد تكون تناسبية إذا ما رأت الدولة أن المصلحة تقضى بذلك.

و علينا الآن أن نتكلم عن كل من هاتين الضريبتين (العشر) و (الخراج) من حيث المدلول و من حيث الأدلة فيها. و إن كان بحثنا بالدرجة الأولى سينصب على ضريبة الخراج باعتبارها ضريبة تتعلق بالأرض نفسها، بينما تتعلق الأخرى بالزروع و الثمرات.

____________

(1). و من الواضح أن الزكاة كما تفرض على الحاصلات الزراعية، فإنها تفرض أيضا على الأنعام بأقسامها المعروفة، و كذلك على السبائك و المسكوكات الذهبية و الفضية المختلفة، و على غيرها من الأموال و العروض كما يرى بعض الفقهاء. و لكل من هذه الأنواع أنصبة و أحكام و شروط خاصة تجدها معروضة بتفصيل في مظانها من الكتب الفقهية.

188

أ- ضريبة العشر

العشر هو- في الرأي السائد عند الفقهاء-: نوع من أنواع الزكاة أو الصدقات المفروضة على المسلمين في حاصلاتهم الزراعية، بدليل أنه يصرف في مصارفها (1)، و ذلك خلافا لما يبدو من بعضهم (2) حيث اعتبروا الزكاة خاصة بالأنعام و بالمسكوكات الذهبية و الفضية و نحوها من عروض التجارة، بينما أطلقوا على الضريبة الواقعة على الثمرات و المحاصيل الزراعية (بضريبة العشر) لعدم اشتراط النصاب فيها أو البقاء (3).

و جاءت التسمية لهذه الضريبة ب‍ (العشر)- كما هو واضح- من طريقتها الحسابية أو التناسبية، ذلك لأنها ذات حدين: عشر الثمرة أو الحاصل و يؤخذ من الأراضي السيحية و الديمية، و نصف هذا العشر و يؤخذ من الأراضي المروية بالواسطة، كما أجمع الفقهاء (4).

و هذه التفرقة في نسبة الضريبة بين الأراضي السيحية و الديمية، و بين الأخرى المروية بالواسطة هي في الواقع أمر سليم و مقبول، و لذا أخذت بها مختلف القوانين الوضعية السائدة. إذ ليس من العدل أن يتحمل صاحب الأرض المروية بالواسطة مع ما يترتب عليه من جهود و نفقات مالية كبيرة من الضريبة مثل ما يتحمل صاحب الأرض المروية بالطبيعة من سيح أو مطر.

____________

(1). ابن عابدين- 2/ 65- 66.

(2). نفس المصدر، و السمرقندي في خزانة الفقه 1/ 130- 132.

(3). نفس المصدرين.

(4). راجع الشعراني- 2/ 5، و الدمشقي في رحمة الأمة في اختلاف الأئمة- 1/ 98 عن إجماع المذاهب الأربعة. و راجع مفتاح الكرامة/ كتاب الزكاة- 95، و المظفر في وجيزة المسائل- 163 عن رأي الإمامية.

و مسند الإمام زيد- 196، و الروض النضير- 2/ 429 عن رأي الزيدية.

و راجع أيضا: الماوردي- 118، القرشي- 113 و غيرها.

189

وعاء الضريبة:

أما فيما يتعلق بوعاء هذه الضريبة العشرية. أي فيما يتعلق بنوعية الثمار و المحاصيل الزراعية التي تتناولها الضريبة المذكورة، فقد اختلف الفقهاء فيها إلى اتجاهات ثلاثة متميزة:

فاتجه البعض إلى حصرها بعدد و نوع معين لا سبيل إلى تجاوزه، تمسكا بالنصوص الخاصة الواردة بالتعيين، كالظاهرية الذين ذهبوا إلى حصرها بأصناف ثلاثة هي التمر و القمح و الشعير، (1) و الإمامية الذين أضافوا إليها الزبيب صنفا رابعا (2) و كذلك الزيدية الذين أضافوا الذرة إلى ذلك كله (3) في فرض الضريبة عليها.

و اتجه بعض آخر إلى وضع ضابط أو معيار خاص توضع بموجبه الضريبة، فجعل كل من المالكية و الشافعية صلاح النباتات للقوت و الادخار معيارا أو محلا لوقوع الضريبة عليها كالحبوب و حاصلات النخيل و الكروم، و نحوه مما يصلح قوتا للإنسان و يقبل الخزن و الادخار (4)، و جعل الحنابلة أيضا صلاح النباتات للادخار، مضافا إلى كونها مما تكال و توزن: معيارا و محلا لذلك (5)، و تظهر فائدة الخلاف بين هذين المعيارين: في أن الزكاة بناء على المعيار الأخير تجب في السمسم و الفستق و اللوز و نحوها من النباتات التي تكال و لا تصلح للقوت المعتاد، في حين أنها تكون معفاة من الضريبة‌

____________

(1). معجم فقه ابن حزم الظاهري- 1/ 434.

(2). شرح اللمعة- 1/ 162، و وجيزة المسائل- 162.

(3). مسند الإمام زيد- 196، و الروض النضير- 2/ 432.

(4). الشعراني- 2/ 5، و الدمشقي في المصدر السابق- 1/ 99.

(5). نفس المصدرين السابقين. و راجع أيضا: الجزيري في الفقه على المذاهب الأربعة- 1/ 617.

190

بناء على المعيار الذي تبناه كل من مالك و الشافعي (1).

و مال فريق ثالث- و يمثله أبو حنيفة نفسه- إلى عدم اتخاذ معيار خاص أو تعيين أصناف محددة من الثمار و الزروع في فرض الضريبة عليها، و إنما جعلوا الحكم في ذلك شاملا لكل ما أخرجته الأرض من الثمرات و الزروع سوى بعض الأصناف التي ورد فيها استثناء خاص عندهم (2).

أراضي الضريبة:

ثم بعد هذا، هل تتعلق هذه الضريبة- ضريبة العشر المفروضة على تلك الأنواع من الحاصلات- في كل أرض من الأراضي المستثمرة زراعيا و أينما كان موضعها من الوطن الإسلامي؟ أو أنها تتعلق بأقسام خاصة من الأراضي دون أقسامها الأخرى؟

ذلك ما سنراه مفصلا في ثنايا الفرع التالي.

ب- ضريبة الخراج

الجزية و الخراج:

إن الحديث عن الخراج و بخاصة عن مدلوله، في الإسلام، لا ينفصل في الغالب عن الجزية، و ذلك نظرا لتقارن و تقارب المفهومين و ارتباطهما مع بعض في أكثر من جهة و مورد.

____________

(1). نفس المصدرين السابقين.

(2). نفس المصدرين السابقين، و راجع أيضا: الجزيري 1/ 616- 617، و السمرقندي في خزانة الفقه- 1/ 132.

191

و يلاحظ أن فريقا من الباحثين المحدثين- و لا سيما المستشرقون منهم. قد اختلفوا فيما يخص ذلك المدلول اختلافا واسعا، كما يلاحظ أنهم بسبب ذلك عنوا عناية فائقة ببحث هذه المصطلحات الضريبية في الإسلام، و ذلك في ضوء النصوص و الشواهد الوثائقية، و في ضوء ما عندهم من الآثار المادية كالبردى و قطع الفخار المكتوبة و المسماة ب‍ (الأوستراكا)، و نحوه مما عثر عليه خلال التنقيبات الأثرية في البلاد الإسلامية.

فرأى يوليوس فلهاوزن Welthausn و هو يصوغ نظريته عن سقوط الدولة الإسلامية أو ما سماها بالدولة العربية: أن الخراج و الجزية كانا لما يزيد عن قرن من الزمن لفظين مترادفين و لم يتعد مدلولاهما معنى أتأوه ( Tribut ) و لم يميز العرب أنفسهم بين ضريبة الأرض و ضريبة الرأس إلا منذ عام 121 ه‍ عند ما أصدر نصر بن سيار حاكم ولاية خراسان آنذاك قراره المعروف بذلك (1).

و تابعة على رأيه هذا معظم من جاء بعده من الباحثين و في مقدمتهم Becher (بكر) الذي ذهب إلى القول بالترادف بين الجزية و الخراج في المدلول، و بأنه لم يجد أى ذكر على الإطلاق لكلمة (خراج) في أي بردية تنتمي إلى القرن الأول الهجري في مصر، و أن (جزية) فقط هي التي كانت تستعمل، مما يدل على أنها، و هي كالخراج في المدلول. كانت تكفى للتعبير عن الإتاوة التي يطلبها العرب (2) على حد قوله.

و لكن أحدهم و هو HenriLammens (هنرى لامنيس) كان قد ميز‌

____________

(1). فلهاوزن في الدولة العربية و سقوطها 378- 380.

راجع أيضا دينيت في الجزية و الإسلام «المقدمة»- 30.

(2). دينيت- 21.

192

قبل غيره من الباحثين بين ضريبة الرأس و ضريبة الأرض (1).

كما كان دينيت صاحب (الجزية و الإسلام) أبرز من ناهض في كتابه هذا فكره (فلهاوزن) المذكورة. حيث نفى بصورة باتة الترادف المزعوم بين الجزية و الخراج، لأنهما كانا لقرون عدة يدلان على المعنى العام للضريبة مميزا عن معنى (الإتاوة)، فكل منهما قد يعنى ضريبة الأرض أو ضريبة الرأس حسب العبارة التي تحدده.

و إلى جانب المعنى العام، كان لكل من هذين الاصطلاحين معنى خاص، فالخراج كان يعني ضريبة الأرض، و الجزية كانت تعنى ضريبة الرأس.

هذا المعنى الخاص المميز لكل منهما كان موجودا في عهود الإسلام الأولى، كما كان موجودا في عهود متأخرة من الإسلام (2).

و الحق: إنه لا يمكن نكران وجود نوع من الترادف بين المصطلحين المذكورين، و خاصة في الدلالة على الضريبة بمعناها المجرد، و ذلك لثبوت التبادل بين الجزية و الخراج في كثير من النصوص و كثير من العبارات الفقهية، فيقال مثلا: جزية على الأرض، و خراج على الرأس، مضافا إلى دلالة كل منهما على معناه الخاص.

دلالة الخراج على الجزية:

و من بين هذه النصوص و الآثار ما جاء عن عامر الشعبي قوله: «أول من فرض الخراج رسول اللّه. فرض على أهل هجر على كل محتلم ذكر‌

____________

(1). المصدر نفسه- 35.

(2). المصدر نفسه- 42.

193

و أنثى» (1) و ما جاء عن الإمام على قوله في ذيل حديث له عن المجوس:

«فأخذ رسول اللّه الخراج لأجل كتابهم و حرم مناكحتهم و ذبائحهم لشركهم» (2). و واضح أن المراد بالخراج في هذه النصوص و نحوها (3):

الجزية بمعناها الخاص، و هي ضريبة الرأس، لذلك جاء في لسان العرب:

«و قيل للجزية التي ضربت على أهل الذمة: خراج» (4) كما جاء في جامع الرموز: «الجزية تسمى بالخراج و خراج الرأس حقيقة بلا تقييد» (5).

كما قد تدل كلمة الخراج في بعض التعابير و النصوص على الوظيفة أو الجزية المشتركة (و هي التي تكون فيها المسؤولية تضامنية بين أبناء المنطقة الواحدة التي تستحصل منها الضريبة). و من ذلك ما جاء في شروط معاهدة نجران قوله (ص): «إن في كل ثمرة و صفراء ألفي حلّة. كل حلة أوقية (6)، و ما زادت حلل الخراج أو نقصت عن الأواقى فليحسب، أو فبالحساب» (7). و منه أيضا ما ورد في بعض نصوص الطبري و البلاذري يقول هذا الأخير: «و وضع عمر- أى عمر بن عبد العزيز- الخراج عمن أسلم بخراسان»، و يقول الطبري: «فإنما خراج خراسان على رءوس الرجال». و المقصود بالخراج في هذين النصين هو الجزية المشتركة فيما‌

____________

(1). أبو يوسف- 129.

(2). المصدر نفسه- 130.

(3). كما في قول يحيى القرشي- 21: «من أسلم من أهل الصلح رفع الخراج عن رأسه و عن أرضه».

(4). مادة جزى.

(5). التهانوى في موسوعة اصطلاحات العلوم الإسلامية- 2/ 409.

(6). أي ثمن كل حلة أوقية. و الأوقية هي وزن أربعين درهما مضروبا (راجع أبا عبيد- 524، و البلاذري- 75).

(7). أبو عبيد 188- 190. و البلاذري- 76.

194

يستفيد البعض (1). إلى عشرات غيرها من النصوص و التعابير.

هذا و من أجل هذا الاتساع الذي لاحظناه في مدلول كلمة الخراج مع دلالتها في بعض المواطن على الإيراد أو الضريبة بمعناها العام، ثم من أجل اعتماد الدولة الإسلامية بعد اتساعها و استقرارها على الخراج بصورة رئيسة من بين سائر إيراداتها. أطلق البعض من المؤلفين الأوائل عنوان (الخراج) على مؤلفاتهم التي تتناول في البحث سائر المفاهيم و المسائل الضريبية و المالية، من جزية على الرقاب، و خراج على الأرض، و من عشور و في و غنيمة، و ما إليها من الفرائض و الموارد المالية. مثل كتاب أبى عبيد اللّه معاوية بن يسار وزير الخليفة المهدى (2)، و مثل كتاب كل من أبى يوسف، و يحيى بن آدم القرشي، و جعفر بن أبي قدامة المتداولة بين أيدينا الآن.

هذا بالنسبة إلى دلالة كلمة الخراج على الجزية بمعناها الوظيفى و الخاص، أما بالنسبة إلى العكس. أي بالنسبة إلى:

دلالة الجزية على الخراج:

فمنه قوله (ص) في الحديث: «من أخذ أرضا بجزيتها» (3) أو قول ابن مسعود في حديث آخر: «إنه اشترى من دهقان أرضا بجزيتها» (4) و منه‌

____________

(1). راجع الدوري في بحث (نظام الضرائب في خراسان في صدر الإسلام) المنشور بمجلة المجمع العلمي العراقي ج 11 ص 79.

(2). ذكر (ابن الطقطقى في الفخري- 133): أن أبا عبيد اللّه بن يسار هو أول من صنف كتابا في الخراج و تبعه الناس بعد ذلك، و يظهر أن هذا الكتاب قد فقد ضمن ما فقد من تراثنا العلمي.

(3). راجع الريس في الخراج و النظم المالية للدولة الإسلامية- 176.

(4). راجع الريس في الخراج و النظم المالية للدولة الإسلامية- 176.

195

ما جاء عن عدى قوله: «أسلم دهقان على عهد على، فقال له على: إن أقمت في أرضك رفعنا عنك جزية رأسك و أخذناها من أرضك» (1)، و جاء عن مالك في المدونة (2): «و إن أسلم و هي- أي أرضه- في يديه سقطت عنه جزية جمجمته و جزية أرضه. و له أرضه بحالها بعد إسلامه بغير خراج». و واضح أن المقصود بالجزية المنسوبة إلى الأرض في هذه النصوص و نحوها، هو الخراج بمعناه الخاص، و معنى ذلك إن الجزية يمكن أن تشمل الخراج و نحوه من المدلولات الضريبية، يقول الماوردي (3): «و في الجزية تأويلان أحدهما: أنها من الأسماء المجملة التي لا نعرف منها ما أريد بها إلا أن يرد بيان. و الثاني: أنها من الأسماء العامة التي يجب إجراؤها على عمومها إلا ما قد خصّه الدليل».

هذا و إلى جانب ذلك. أي إلى جانب تبادل كل من الجزية و الخراج أحدهما مكان الآخر، و إمكان دلالة كل منهما على الضريبة بمعناها العام.

فقد تبلور كذلك لكل منهما (معنى خاص في الاصطلاح) هو ضريبة الأرض بالنسبة إلى الخراج، و ضريبة الرأس بالنسبة إلى الجزية.

المدلول الاصطلاحي للجزية:

و قد ساد هذا المدلول الأخير للجزية (4) منذ عهد الرسول (ص) أو على‌

____________

(1). أبو عبيد- 48.

(2). المدونة الكبرى- 10/ 104.

(3). الأحكام السلطانية- 143.

(4). و الجزية كضريبة على الرقاب أو الدخول ليست من مختصات الإسلام، و إنما سبق إليها مشرعون سابقون. فرضها اليونان على سكان آسيا الصغرى- حوالي القرن الخامس ق. م، كما فرضها الإسرائيليون و البيزنطيون و الفرس على الأمم التي أخضعوها لحكمهم، و كانت سبعة أضعاف الجزية التي وضعها المسلمون، و ذكر أن أول من شرع الجزية من الفرس على العراق هو كسرى أنو شروان (531- 595 م)، و هو الذي رتب أصولها و جعلها طبقات (راجع: الحنبلي في الاستخراج- 8، و الزحيلى في آثار الحرب- 67، و حسن إبراهيم في النظم الإسلامية- 275، و دينيت في الجزية و الإسلام الصفحات: 15، 17، 99، 119، 129).

196

التحديد منذ نزول آية الجزية (1) و كان نزولها من آخر ما نزل من القرآن (2)، ثم شاع ذكره في الأحاديث و في الوثائق المختلفة و بشكل خاص في الاتفاقات التي عقدت مع أهالي أرمينية و شهر زار و الري و قومس و جرجان و أذربيجان (3) و مع أهالي الحيرة (4) و بانقيا و باروسما و أ ليس (5) و نظائرها، كما شاع ذكرها في مراسلات الرسول (ص) مع بعض الرؤساء و الملوك، و منها مراسلاته مع هرقل قيصر الروم (6) و بنى جنبة و أهل مقنا (7) و أساقفة نجران في قصة المباهلة المعروفة (8) و ابن الحارث بن كعب و أهل ملته (9)، و مراسلاته مع أهالي مكة (10)،

____________

(1). و هي قوله تعالى قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ التوبة- 29.

(2). الصولي- 214، و أبو عبيد- 19 الذي ذكر بأن النزول كان بعد غزوة تبوك التي هي آخر غزوات النبي (ص).

(3). راجع الطبري 4/ 253- 256، و ابن الأثير- 3/ 21.

(4). الطبري- 4/ 14.

(5). نفسه- 4/ 3، 16.

(6). القلقشندى- 6/ 377، و طبقات ابن سعد- 3/ 282، و أبو عبيد- 22.

(7). الوثائق السياسية- 57.

(8). القلقشندى 6/ 380- 381، و تاريخ اليعقوبي- 2/ 90.

(9). الوثائق السياسية- 124.

(10). الكليني- 568/ كتاب الزكاة، و الطوسي في التهذيب- 1/ 249.

197

و يحنة بن رؤبة، و سروات أهل أبلة (1) و المنذر بن ساوي (2) و غيرهم، و إجراءاته في وضع الجزية على أهالي أبلة و أذرح و وادي قرى و تيماء، و على من بالمدينة و مكة و خيبر و اليمن و نجران من أهل الذمة (3).

إلى نحوها من الوثائق و الإجراءات المعتبرة تاريخيا.

المدلول الاصطلاحي للخراج:

أما المدلول الاصطلاحي للخراج- و هو ضريبة الأرض- فقد شاع أو طبق كما يظهر بعد نشاط حركة الفتوح في عهد عمر بن الخطاب، و ما تبعها من انضمام بعض الأقاليم المعروفة بأراضيها الزراعية، كالسواد، إلى الدولة الإسلامية. فقد فرض الخليفة عمر وقتها على هذه الأقاليم أجرة على الأرض أو وظيفة سميت ب‍ (الخراج) مقابل إبقائها تحت حيازة و تصرف أصحابها القائمين فعلا باستغلالها و استثمارها. و منه أصبح هذا المدلول للخراج اصطلاحا خاصا في التشريع (4)- و إن ظل جائزا استعمال كلمة‌

____________

(1). طبقات ابن سعد- 1/ 277، و ابن عساكر- 4/ 111.

(2). أبو عبيد- 20، و مدونة الإمام مالك- 3/ 47، و القلقشندى- 6/ 368.

(3). الصولي في أدب الكاتب- 214.

(4). و مثله جاء هذا المعنى الاصطلاحي للخراج في اللغة، كما جاء الخراج فيها بمعنى (الغلة). يقول (الماوردي- 146): «و الخراج في لغة العرب اسم للكراء و الغلة، و منه قوله (ص): الخراج بالضمان» و يقول (أبو عبيد- 73): «و كذلك معنى الخراج في كلام العرب، إنما هو الكراء و الغلة، إلا تراهم يسمون غلة الأرض و الدار و المملوك خراجا، و منه حديث النبي:

إنه قضى: أن الخراج بالضمان». و منه أيضا- و الكلام لابن القيم 110- «إنه- أى (ص)- احتجم، حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين، و كلم أهله فوضعوا عنه من خراجه، فسمى الغلة خراجا» و ذلك كما جاء في اللغة. و ذكر ابن منظور في لسان العرب: «و قيل للجزية التي ضربت على رقاب أهل الذمة: خراج، لأنه كالغلة الواجبة».

- و من معاني الخراج الأخرى التي نص عليها في اللغة مضافا إلى معنى الغلة و الكراء:

الحصة المعينة من المال التي يخرجها المكلف من ماله في السنة، و التي نطلق عليها الآن بضريبة الدخل، يقول ابن منظور: «الخراج شي‌ء معلوم يخرجه القوم في السنة من ما لهم بقدر معلوم» و منه قوله تعالى يٰا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَهُمْ سَدًّا راجع: تفسير شبر- 298 سورة الكهف- 94.

و قال الأزهري: «الخراج اسم لما يخرج من الفرائض في الأموال، و يقع على القرية، و على مال الفي‌ء، و يقع على الجزية، و على الغلة (الاستخراج للحنبلى- 5).

و أكدت بعض هذه المعاني أيضا بعض كتب اللغة الحديثة، قالوا: «إن للخراج ثلاثة معان معروفة هي: ما يخرج من غلة الأرض، و الإتاوة التي تؤخذ من أموال الناس، و الجزية التي ضربت على رقاب أهل الذمة» المعجم الوسيط مادة خرج.

198

الخراج في غير هذا المدلول من مدلولات الضريبة- يقول الفقهاء في تعريف الخراج: «فهو ما وضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدى عنها» (1) أو هو: «حق معلوم على مساحة معلومة» (2) أو هو بشكل أخص:

«ما ضرب على أراضي الكفار المغنومة عنوة التي تركت بيد أهلها» (3).

بل صرحوا: «إن حقيقة الخراج هو خراج الأرض، لأنه إذا أطلق الخراج فإنما يتبادر منه خراج الأرض، و لا يطلق على الجزية إلا مقيدا فيقال خراج الرأس، و علامة المجاز لزوم التقييد» (4).

____________

(1). الماوردي- 146.

(2). الماوردي- 152، و أبو يعلى- 157.

(3). راجع أحكام الذميين لعبد الكريم زيدان- 158.

(4). نقلا عن موسوعة مصطلحات العلوم الإسلامية- 2/ 409.

199

المدلولات الاصطلاحية تعود الى الصدر الأول:

و من كل هذا نجد أن التمييز بين الجزية و الخراج و استقرار كل منهما على مدلوله الاصطلاحي الخاص قد عرف منذ وقت مبكر، و لا صحة للمزاعم التي أسندت هذا التمييز الى وقت متأخر هو سنة 106- 107 ه‍ في رأي بكر (1) عند ما قام ابن الحبحاب بإحصاء السكان في مصر، أو هو سنة 121 في رأي يوليوس فلهاوزن (2) عند ما أصدر نصر بن سيار و الى خراسان يومذاك قراره بإلزام الرعية في أداء ضريبة خاصة على الأرض- و هي الخراج- و أخرى على الأشخاص- و هي الجزية-، أو هو منتصف القرن الثاني على وجه التقريب في رأي جروهمان (3).

إن هذه المزاعم و نحوها غير صحيحة كما قلنا، و ذلك بسبب ما واجهناه هناك من الوثائق و النصوص و الآراء الفقهية، مضافا إلى عدم وجود أية شواهد مادية كالبردى و نحوه، توضح لنا السبيل في هذا المضمار.

ثبوت الخراج بالنص لا بالاجتهاد:

جاء النص في القرآن الكريم بالنسبة إلى (الجزية) كضريبة على رقاب أهل الذمة صريحا في قوله تعالى قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ

____________

(1). دينيت- 32.

(2). الدولة العربية و سقوطها: 223، 281- 282.

و كذلك اعتبر الدكتور عبد العزيز الدوري (مجلة المجمع العلمي العراقي: مجلد 11 ص 82) أن قرار نصر بن سيار المذكور كان أول استعمال للخراج بمعناه الخاص و هو ضريبة الأرض في منطقة خراسان، أما قبل ذلك فكان الخراج يدل على الجزية المشتركة أو الوظيفة التي هي دفع مقدار محدود من الضريبة كإتاوة توزع على الرؤوس.

و قد يكون هذا الرأي صحيحا بالنسبة إلى منطقة خراسان خاصة، و لكنه لا يصلح للانسحاب على باقي المناطق و لاعتباره أساسا عاما في هذا المجال.

(3). دينيت- 39.

200

وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ، مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ (1).

أما بالنسبة إلى الخراج- باعتباره ضريبة أو أجرة على الأرض- فلم يرد به من القرآن الكريم نص صريح، و لكن ورد بهذا اللفظ لغير هذا الاصطلاح الخاص في بعض الآيات و منها قوله تعالى أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرٰاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ (2) و قوله يٰا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَهُمْ سَدًّا (3) و المراد بالخرج في هذه الأخيرة هو الحصة أو الإتاوة من المال التي عرضها هؤلاء على ذي القرنين ليكف عنهم عادية يأجوج و مأجوج (4).

أما المراد بالخرج و الخراج في الآية الأولى فقد أوضحه الماوردي (5) بقوله: «و في قوله أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً وجهان: أحدهما أجرا، و الثاني نفعا. و في قوله فَخَرٰاجُ رَبِّكَ وجهان: أحدهما فرزدق ربك في الدنيا خير منه، و هذا قول الكلبي، و الثاني فأجر ربك في الآخرة خير منه، و هذا قول الحسن» (6).

و لهذا. أى و لعدم وجود نص من القرآن بالخراج كضريبة على الأرض، صرح جملة من الفقهاء بأن ثبوت الخراج كان بالاجتهاد، بينما كان ثبوت الجزية بالنص، و جعل ذلك من جملة مواطن الفرق بين الجزية‌

____________

(1). التوبة- 29.

(2). المؤمنون- 72.

(3). الكهف- 94.

(4). ابن العربي في أحكام القرآن: 1235- 1236. تفسير شبر- 298.

(5). الأحكام السلطانية- 146.

(6). و راجع تفسير شبر- 335، و المظفر في دلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 130.

201

و الخراج (1).

و قد تجلى هذا الاجتهاد أول ما تجلى في قرار الخليفة عمر بن الخطاب بمنع تقسيم أراضي السواد و غيرها من أراضي العنوة، و الأمر بإبقائها تحت تصرف أصحابها القائمين باستثمارها مقابل دفع أجرتها (خراجها) إلى الدولة، لأنها أصبحت بالفتح وقفا أو فيئا لمجموع المسلمين.

و قد عزز الخليفة عمر حكمه هذا بإيفاد عثمان بن حنيف- في جملة أشخاص- لمسح أراضي السواد و بالتالى ضبط واردات الخراج. يقول أبو عبيد (2) «إن عمر بن الخطاب بعث عمار بن ياسر إلى أهل الكوفة:

على صلاتهم و جيوشهم، و عبد اللّه بن مسعود: على قضائهم و بيت ما لهم، و عثمان بن حنيف: على مساحة الأرض. قال: فمسح عثمان بن حنيف الأرض فجعل على جريب الكرم عشرة دراهم، و على جريب النخل خمسة دراهم، و على جريب القصب ستة دراهم، و على جريب البر أربعة دراهم، و على جريب الشعير درهمين.».

و مع إقرارنا بعدم ورود نص من القرآن الكريم في تشريع ضريبة الخراج، و إيجابها كأجرة على الأرض الزراعية، إلا أنه ورد من السنة ما يشير إلى ذلك أو يصرح به، و منها ما رواه أبو هريرة في حديث عن الرسول- الذي قيل بأن فيه إشارة (3) إلى الخراج كضريبة على الأرض‌

____________

(1). الماوردي- 142، أبو يعلى- 137، ابن القيم- 100، ابن حزم في المحلى- 7/ 343.

(2). الأموال- 68.

(3). ابن القيم- 113. ابن حزم- 7/ 343.

البحر الزخار 2/ 219- 220.

202

الزراعية و إن كنا في شك من هذه الإشارة (1). يقول (2) (ص):

«منعت العراق درهمها و قفيزها (3)، و منعت الشام مديها (4) و دينارها، و منعت مصر أرد بها (5) و دينارها، و عدتم من حيث بدأتم. قالها ثلاثا».

قال يحيى (6): «إن رسول اللّه ذكر القفيز و الدرهم قبل أن يضعه عمر على الأرض».

أما من بين ما ورد من السنة و فيه تصريح بفرضية الخراج و ثبوته فهو ما روى عن الإمام الصادق و قد سئل عن أرض يريد رجل أن يتقبلها فأي وجوه القبالة أحل؟ قال: يتقبل أهلها بشي‌ء مسمى إلى سنين مسماة فيعمر، و يؤدى الخراج (7).

و ما روى عنه أيضا و قد سئل عن شراء الأرض من أرض الخراج فكرهه و قال: «إنما أرض الخراج للمسلمين، فقالوا له: فإنه يشتريها الرجل و عليه خراجها فقال: لا بأس (8).

و كذلك ما روى عن الإمام موسى بن جعفر قوله: «و الأرض التي‌

____________

(1). قال ابن حزم في محلاة- 7/ 343 بصدد هذا الحديث: إن القول بكونه يشير إلى الخراج تحريف منهم للخبر بالباطل.

(2). القرشي 71- 72. روى الحديث مسلم في صحيحه و أبو داود و ابن الجارود، و أغلبهم عن يحيى القرشي هذا (راجع حاشية القرشي- 72).

(3). القفيز: مكيال وزنه ثمانية أرطال و ثمنه ثلاثة دراهم بوزن المثقال (الماوردي- 148)، و من الأرض قدر 144 ذراعا (راجع معاجم اللغة في مادة قفز).

(4). المدى: مكيال خاص بأهل الشام (راجع معاجم اللغة في المادة المذكورة).

(5). الأردب: مكيال ضخم يقدر ب‍ 24 صاعا، و الصاع أربعة أمداد (راجع المعاجم

(6). القرشي- 72.

(7). الصدوق في من لا يحضره الفقيه 3/ 156- 157.

(8). الطوسي في الاستبصار- 3/ 109.

203

أخذت عنوة بخيل و ركاب، فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها و يحبيها و يقوم عليها على صلح ما يصالحهم الوالي، على قدر طاقتهم من الخراج» (1) إلى نحوها من نصوص الأحاديث التي وردت عن أهل البيت و التي دلت صراحة على إيجاب الخراج، إذ عرضت لأحكامه من حيث محله و مقداره، و من حيث أنواعه و المكلفون بأدائه.

و عليه فإن ثبوت الخراج و فرضيته وارد بالنص أيضا (كالجزية) و لكن وروده جاء عن طريق السنة، أما الجزية فقد جاء ورودها عن طريق القرآن مضافا إلى السنة كما مر.

و لكن على أى نوع من أنواع الأراضي (2) تقع ضريبة الخراج هذه.

أى ما هو:

وعاء ضريبة الخراج؟

1- في الأراضي العامرة:

يتفق الفقهاء فيما بينهم على تقسيم الأراضي الزراعية العامرة من ناحية تحملها الضريبة إلى أراض عشرية و أخرى خراجية، فهذه- كما هو واضح- وعاء أو محل لما يسمى بالطسق أو الخراج، و تلك وعاء لضريبة العشر أو الزكاة.

____________

(1). الكركي في قاطعة اللجاج (خطي).

(2). المراد بالأراضي التي يتناولها الخراج كضريبة: هي الأراضي الزراعية و ما بحكمها من الأراضي القابلة للزراعة. أما الدور و سائر المساكن و العقارات و نحوها فقد أجمع فقهاء المذاهب الأربعة على عدم شمولها بضريبة الخراج (راجع الطبري في اختلاف الفقهاء- 231)، و لكن الإمامية فيما يظهر لم يفرقوا بين الدور و الأراضي الزراعية و نحوها في إمكان شمولها بضريبة الخراج (راجع مفتاح الكرامة- 4/ 246).

204

و للتمييز بين الخراجية و العشرية يرجع عادة إلى العوامل السياسية التي ارتبطت أو خضعت بموجبها هذه الأراضي إلى دولة الإسلام.

فإن كانت من الأراضي التي أسلم عليها طواعية و بالدعوة فهي باتفاق الفقهاء (1) أراض عشرية (2) يلتزم القائم باستثمارها و استغلالها بحكم اعتناقه الإسلام أداء ضريبة العشر على حاصلاتها الزراعية.

و إن كانت غيرها بأن كانت أرض عنوة (3) أو صلح (4)

____________

(1). راجع البحراني في الحدائق- 5/ 58، و الجواهر/ كتاب الجهاد، و الطباطبائي في الرياض/ كتاب الجهاد، و بحر العلوم في البلغة- 73 و غيرها من كتب الإمامية.

و أحمد بن يحيى في البحر الزخار- 2/ 215 للزيدية.

و ابن عابدين- 3/ 361، و أبا يوسف 62- 63، و السمرقندي في خزانة الفقه- 1/ 133، و الموصلي في الاختيار لتعليل الأخبار- 4/ 200 و غيرها من كتب الأحناف.

و الماوردي- 147 للشافعية.

و أبا يعلى- 147 للحنابلة.

(2). و الحق كذلك الفقهاء بالأراضي العشرية: أرض العرب الممتدة من حد الشام و الكوفة إلى أقصى اليمن، و ذلك لأن الخراج لا يجب ابتداء إلا بعقد الذمة، و عقد الذمة لا يبرم مع المشركين- و العرب منهم- لذلك لا يقبل من العرب سوى الإسلام أو السيف كما صنع رسول اللّه (ص) قال تعالى «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ، فَإِنْ تٰابُوا وَ أَقٰامُوا الصَّلٰاةَ وَ آتَوُا الزَّكٰاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ».

راجع: أبا يوسف- 59، و القرشي- 26، و أحمد بن يحيى- 2/ 215، و ابن عابدين- 3/ 262، و الغنيمي في اللباب- 3/ 264.

(3). راجع: البحراني في الحدائق- 5/ 58 للإمامية.

و البحر الزخار- 2/ 215 للزيدية.

و الحطاب- 2/ 278، و حاشية العدوى و كفاية الطالب- 2/ 8، و ابن جزى في القوانين- 148، و ابن رشد في بداية المجتهد- 1/ 387، عن رأي المالكية.

(4). راجع: الطباطبائي في المصدر السابق، و الجواهر/ كتاب الجهاد، و بحر العلوم- في المصدر السابق- 71، و الكركي في قاطعة اللجاج (خطي) للإمامية.

و أبا يوسف- 69، و ابن عابدين- 3/ 262، و السمرقندي في المصدر السابق- 1/ 132، و الموصلي في المصدر السابق- 4/ 200 للأحناف.

و الحطاب- 2/ 278 للمالكية.

و الماوردي- 138، 147 للشافعية. و أبا يعلى- 147، و الحجاوى في الإقناع- 2/ 32 للحنابلة.

205

أو جلاء (1) أى جلا عنها أهلها فخلصت للمسلمين من غير قتال. فهي في رأي الجمهور إن حكما و إن واقعا: أرض (خراجية) يلتزم القائم باستثمارها أداء أجرتها (خراجها) باعتبارها صارت في ملكية الدولة أو وقفا و فيئا لمجموع المسلمين غير أن بعض الفقهاء خالفوا في حكم تلك الأنواع أو في تفصيلاتها.

فذهب الشافعية (2) كما ذهب الزيدية (3) في قول، و الظاهرية (4) إلى اعتبار أراضي العنوة منها أراض (عشرية) بحكم شمولها بآية الغنيمة (5)

____________

(1). راجع الماوردي- 147، و أبا يعلى- 147، و الحجاوى- 2/ 32، و ابن القيم- 106، و غيرها من كتب الشافعية و الحنابلة التي أكدت على اعتبار أرض الجلاء أرضا خراجية باعتبارها وقفا.

و راجع الكركي في قاطعة اللجاج، و أحمد بن يحيى في البحر الزخار- 2/ 216 و غيرها من كتب الإمامية و الزيدية التي اعتبرت أرض الجلاء (نفلا) مما يجوز معه للإمام أن يضرب (الخراج) قبالة عليها.

و راجع كفاية الطالب و حاشية العدوى- 2/ 8 و غيرهما من مصادر المالكية التي اعتبرت أراضي الجلاء (فيئا) و حكمه أنه لا يخمس أو يقسم، بل يعود النظر فيه إلى الإمام.

(2). الماوردي- 147، و انظر أيضا ابن حزم 7/ 341- 342.

(3). أحمد بن يحيى- 2/ 215.

(4). ابن حزم- 7/ 341.

(5). و هي قوله تعالى «وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ. الآية».

206

و نحوها (1) التي فرضت قسمة الغنائم جميعا بين الغانمين من دون تفريق بين أرض و مال و متاع. الأمر الذي يفرض فيه على مغل الأرض باعتباره مسلما أداء ضريبة الزكاة.

و للتوفيق بين هذا الحكم و الواقع الذي جرى عليه العمل بفرض ضريبة الخراج على بعض أراضي العنوة و بخاصة في عهد عمر كالسواد (2) و مصر (3).

قالوا: بأن الخليفة عمر «إنما فعل ما فعل برضى من الذين افتتحوا الأرض و استطابة لأنفسهم (4)، في قصة معروفة، رغبة منه في استمرارية الإنتاج، من جهة، و عدم قعود المجاهدين عن مواصلة الحرب و الجهاد من جهة أخرى.

و ذهب في مقابل ذلك الأحناف (5) و الحنابلة (6) في المشهور إلى أن الإمام بالخيار بين قسمتها في الغانمين فتكون (أرض عشر)، و بين وقفها على مصالح المسلمين و إقرارها بيد القائمين باستثمارها فعلا. فتكون (أرض خراج)، لذلك كان فرض الخراج على بعضها كأراضي السواد عملا بهذا الخيار الذي أعطى للإمام، و ليس من باب اللزوم و الفرض.

____________

(1). كقوله تعالى: «وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيٰارَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ. الآية».

(2). أبو عبيد 68- 69.

(3). الريس في الخراج و النظم المالية 108- 109.

(4). أبو عبيد- 61.

(5). أبو يوسف- 66، و ابن عابدين 3/ 261- 262، و الموصلي في الاختيار لتعليل الأخبار- 4/ 200، و ابن رشد في بداية المجتهد- 1/ 387، و انظر أيضا الماوردي- 137، و ابن حزم- 7/ 342.

(6). أبو يعلى- 147، و الحجاوى في الإقناع- 2/ 31.