إحياء الأراضي الموات

- محمود المظفر المزيد...
358 /
207

و الحق: إننا نجد أن الأدلة التي استند إليها الخليفة عمر كما يذكر (1) في المنع من توزيع أراضي العنوة على الغانمين و إقرارها بيد أصحابها بعد إعلان تأميمها و وقفها، كانت أدلة قوية ناهضة بالمطلوب و برد الفئة التي حاولت حمل الخليفة عمر على قسمتها و توزيعها بين الغانمين، و هذه الأدلة هي قوله تعالى مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرىٰ فَلِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لٰا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيٰاءِ مِنْكُمْ. لِلْفُقَرٰاءِ الْمُهٰاجِرِينَ. وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّٰارَ وَ الْإِيمٰانَ مِنْ قَبْلِهِمْ. وَ الَّذِينَ جٰاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ (2)، حيث استوعبت هذه الآيات جميع المسلمين دون أن تخص ذلك بالغانمين منهم أو الحاضرين.

أما بالنسبة إلى الأراضي الصلحية، فإنها و إن اعتبرت عند الفقهاء جميعا أرضا خراجية، إلا أنهم- من حيث طبيعة هذه الضريبة الخراجية- فصلوا بين الأراضي التي صولح أهلها على أن تكون للمسلمين فيكون الخراج عليها أجرة (طسقا) لا يسقط بإسلامهم (3) حكمها حكم أراضي العنوة (4)، و بين الأخرى التي صولح أهلها على أن تكون لهم. فهذه أيضا يضرب عليها الخراج كالسابقة، و لكنه يكون بمثابة (الجزية) يؤخذ منهم ما أقاموا على شركهم فإذا أسلموا سقطت عنهم هذه الجزية كما يسقط عقد الصلح (5)

____________

(1). راجع أبا عبيد 60- 61.

(2). سورة الحشر، الآيات 7- 10.

(3). الماوردي- 138، 147، و أبو يعلى- 147، و الحجاوى في الإقناع- 2/ 32.

(4). الكركي في قاطعة اللجاج.

(5). الماوردي- 138، و أبو يعلى- 148، و مدونة الإمام مالك- 2/ 43، و الحطاب- 2/ 278، و الكركي في المصدر السابق.

208

و يكون حكم أراضيهم حكم الأرض التي أسلم عليها أهلها طواعية في الابتداء (1).

و أما بالنسبة إلى القسم الثالث- و هو أراضي الجلاء- فقد جعلها الإمامية كما جعلها الزيدية من الأنفال (2)، أو ما يسمى بملكية الإمام (3) و بذلك يعود أمر التصرف فيها إلى الدولة فلها أن تهبها و أن تبيعها للمسلمين فتكون بذلك أرضا (عشرية)، كما لها أن تقبلها أو تؤجرها لهم فتأخذ حكم الأرض (الخراجية) و لكن ضريبة العشر عليها لا تسقط بهذه القبالة (4).

إذ لا مانع عندهم من اجتماع العشر و الخراج على محل واحد كما سنرى.

و هكذا نجد من كل هذه التفاصيل أن التمييز في الحكم بين الأراضي العشرية و الخراجية العامرة مرتبط أصلا بالعوامل السياسية التي خضعت بموجبها الأرضون إلى دولة الإسلام، و إن اختلفت و جهات النظر بين أولئك الفقهاء في تكييفها و بلورتها.

2- في الأراضي الموات:

كان كل هذا- كما يقرر الفقهاء- في أراضي الفتح العامرة، أما أراضيها الموات فإن لها، كما لسائر الأراضي الموات في المشهور، حكما واحدا‌

____________

(1). الكركي، نفسه. و مفتاح الكرامة- 4/ 239.

(2). الكركي، نفسه.

(3). أحمد بن يحيى- 2/ 216.

(4). الكركي، نفسه.

209

لا يختلف باختلاف طبيعتها و شكل انضمامها إلى الدولة الإسلامية على العكس من العامرة، و هذا الحكم هو لزوم تأدية ضريبة العشر عن الحاصلات الزراعية، و لذلك فهي من هذه الناحية تعتبر عند جمهور الفقهاء (عشرية).

يقول بعض الإمامية: «و لا يجب فيها- أي الأراضي الموات المحياة- شي‌ء سوى الزكاة في حاصلها» (1).

و يقول الزيدية: «الأقرب للمذهب أن ما سقى من الأراضي المحياة بماء الخراجية تكون عشرية لإخراجية» (2). و من باب أولى أن تكون الأراضي التي تسقى بماء العشر عشرية.

و صرح الشافعية: «و ما أحيى من الموات معشور لا يجوز أن يضرب عليه خراج سواء سقى بماء العشر أو بماء الخراج» (3).

و ذكر الحنبلي (4) عن رأي إمام الحنابلة نصا قوله: «قال حرب: سألت أحمد عن أرض العشر، قال: ما أحيى من الموات قلت: و إن كانت تلك الأرضون من بلاد الخراج، قال: نعم إذا كانت مواتا فليس إلا العشر».

و أجاب بشر- من الفقهاء المعروفين- عن الموات من العنوة:

«هي أرض عشر، شربت ماء الخراج أو غيره» (5).

و لعله من أجل ذلك اعتبرت (منطقة البصرة) عشرية لأن ضياعها كانت إحياء موات في الإسلام (6).

____________

(1). من فتوى للشيخ محمد رضا آل ياسين جاءت في رسالة أحكام الأراضي للخالصى- 14.

(2). أحمد بن يحيى في المصدر السابق- 2/ 216.

(3). الماوردي- 178.

(4). الاستخراج- 59.

(5). البلاذري- 434.

(6). الماوردي- 178، و ابن عابدين- 3/ 261، و الإصطخري- 82، و المقدسي- 133.

210

و لكن فصل الأحناف (1)، فقال محمد بن الحسن: إن ساق إلى ما أحياء ماء العشر كانت أرض عشر، و إن ساق إليها ماء الخراج كانت أرض خراج، و ذلك اعتبارا بالماء دون الأرض، و قال أبو يوسف: إن الاعتبار في ذلك يرجع إلى الأرض دون الماء (2) أى إن الأرض المحياة إذا كانت واقعة في أرض خراج فإنها تعتبر كذلك خراجية و إن سقيت بماء العشر.

و يكفينا نحن دليلا- غير رأى الجمهور المذكور- على اعتبار الأراضي الموات المحياة أرضا عشرية: العمومات الواردة في هذا الباب، مثل من «أحيا أرضا ميتة فهي له» و نحوها. ذلك لأن هذه الأراضي المحياة لو كانت خراجية لما صح إضافتها إلى المحيي على نحو الملكية أو على نحو حق التصرف و الاختصاص، من حيث إن الأراضي الخراجية هي أراضي في‌ء أو وقف- حسب الفرض- فلا يجوز إعطاؤها إلى الأفراد إلّا على نحو القبالة أو التأجير.

اجتماع العشر و الخراج:

و لكن هل يمكن- بعد كل هذا الخلاف- أن يجتمع العشر و الخراج كضريبتين على محل واحد؟

____________

(1). أبو يوسف- 65، و الكاساني- 6/ 195، و راجع أيضا أبا زهرة في الملكية و نظرية العقد 116- 117.

(2). و لكن يظهر أن الماوردي- 178، و الحنبلي صاحب الاستخراج- 12، قد فهما الأمر معكوسا فأعطيا رأي أبي يوسف لمحمد و رأى محمد لأبي يوسف.

211

قيل- و القائل الأحناف (1) و كذلك الإمام زيد (2) و الفقيه عكرمة (3)- بعدم جواز هذا الاجتماع. أى بلزوم وحدة الضريبة على الأرض الزراعية. قالوا: «لا يجتمع خراج و عشر في أرض، فإن زرع مسلم في أرض الخراج فعليه خراج الأرض و لا عشر عليه في الزرع» (4).

و استدلوا برواية ابن مسعود عن النبي (ص) قال: «لا يجتمع العشر و الخراج على المسلم في أرضه» (5).

كما استدلوا بما روى بأن عقبة بن فرقد قال إلى الخليفة عمر: «ضع عن أرضى الخراج، فقال له عمر: أدّ عنها ما كانت تؤدى عنها أو ارددها إلى أهلها» (6) أو بما قاله أحدهم لعمر أيضا: «إنى قد أسلمت فضع عن أرضى الخراج، فقال: إن أرضك أخذت عنوة» (7).

و استدلوا كذلك بما جاء عن طارق بن شهاب، قال: «كتب إلى عمر ابن الخطاب في دهقانة أسلمت، فكتب: أن ادفعوا إليها أرضا تؤدي عنها الخراج» (8).

____________

(1). ابن عابدين- 2/ 66، و الموصلي في الاختيار لتعليل المختار- 4/ 201، و الطبري في اختلاف الفقهاء- 226، و راجع أيضا الماوردي- 150، و البلاذري- 434.

(2). السياغى في الروض النضير- 2/ 436.

(3). القرشي- 24.

(4). الطبري في المصدر السابق- 226.

(5). السياغى في المصدر السابق- 2/ 436، و ابن القيم- 103.

(6). القرشي- 187.

(7). نفسه 53- 54، 167.

(8). أبو عبيد- 87.

212

و بما جاء عن الزبير بن عدى قال: «أسلم دهقان (1) على عهد على، فقال له على: إن أقمت في أرضك رفعنا عنك جزية رأسك، و إن تحولت عنها فنحن أحق بها» (2).

يقول أبو عبيد بشأن هذه المرويات الأخيرة و نحوها: «فتأوّل قوم لهذه الأحاديث: أن لا عشر على المسلمين في أرض الخراج، يقولون لأن عمر و عليا لم يشترطاه على الذين أسلموا من الدهاقين، و بهذا كان يفتي أبو حنيفة و أصحابه» (3).

و قيل- و القائل الجمهور- بجواز اجتماع الضريبتين العشر و الخراج.

يقول الإمامية: «لا يسقط العشر بالخراج في الخراجية بلا إشكال و لا خلاف» (4).

و يقول الشافعية (5) و الحنابلة (6): «إذا زرعت أرض الخراج ما يوجب العشر لم يسقط عشر الزرع بخراج الأرض و جمع فيها بين الحقين».

و بنحوه قال كل (7) من مالك و ابن أبى ذئب و سفيان الثوري و ابن أبى‌

____________

(1). الدهقان- بالكسر و الضم- القوى على التصرف مع حدة، و زعيم فلاحى العجم و رئيس الإقليم، معرب عن الفارسية (راجع القاموس المحيط مادة دهق، و دهقان).

(2). أبو عبيد- 87.

(3). نفسه- 87.

(4). الحلي في التذكرة/ إحياء الموات. و الجواهر/ كتاب التجارة. و العاملي في مفتاح الكرامة- 102/ كتاب الزكاة، و المظفر في شرح القواعد/ كتاب الزكاة.

(5). الماوردي- 153.

(6). أبو يعلى- 153.

(7). البلاذري- 434، و أبو عبيد- 89.

213

ليلى و الأوزاعي، و كذلك الإمام يحيى (1) من الزيدية.

و يستند هؤلاء إلى عمل بعض الخلفاء: «فعن عمر بن ميمون، قال:

سألت عمر بن عبد العزيز عن المسلم، تكون في يده أرض خراج فيطلب منه العشر فيقول: إنما على الخراج؟ فقال: الخراج على الأرض و العشر على الحب» (2).

«و عن إبراهيم بن أبى عبلة العقيلي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله على فلسطين فيمن كانت بيده أرض بجزيتها من المسلمين أن يقبض جزيتها ثم يؤخذ منها زكاة ما بقي بعد الجزية». قال ابن أبى عبلة:

أنا ابتليت بذلك و منى أخذ» (3).

و روى عن حماد بن عيسى- رواه الإمامية- قال: «و الأرض التي أخذت عنوة بخيل و ركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها و يحييها و يقوم عليها على صلح ما يصالحهم الوالي، على قدر طاقتهم من الخراج. و على قدر ما يكون لهم صالحا و لا يفرقهم، فإذا خرج منها نماء بدأ فأخرج منها العشر من الجميع مما سقت السماء أو تسقى سيحا، و نصف العشر مما سقي بالدوالي و النواضح فأخذه الوالي فوجهه في الوجه الذي وجهه اللّه له.» (4).

و الحق: إن هذه الروايات الأخيرة و بخاصة منها رواية حماد: صريحة و ناهضة‌

____________

(1). السياغى في الروض النضير- 3/ 436.

(2). أبو عبيد- 88.

(3). أبو عبيد- 88، و القرشي- 165.

(4). الكركي في قاطعة اللجاج.

214

بالمطلوب- و هو شرعية اجتماع العشر و الخراج- و لا أجد فيها مجالا للنقاش من ناحية المدلول فالعشر على الحاصلات، و الخراج على رقبة الأرض. بل إن الروايات السابقة المستدل بها على وحدة الضريبة، و هو الرأي المقابل، هي أولى في الاستدلال بها- عدا رواية ابن مسعود- على جواز التعدد منها على القول بالوحدة، و ذلك لأنها إن دلت صريحا على جواز تحمل المسلم ضريبة الخراج، فقد دلت كذلك بالمفهوم على إمكانية تحمله ضريبة العشر من حيث إن هذه الضريبة الأخيرة أمر مفروغ من وجوبها على المسلم إذا ما ظهر في أرضه النتاج و النماء بلا فرق بين أرض و أخرى. مضافا إلى عدم وجود نص ثمة يدل على طرد ضريبة، الخراج لضريبة العشر إذا ما تحملها- أى ضريبة الخراج- مسلم.

يقول القرشي (1) بشأن تلك الأدلة- أدلة القائلين بالوحدة- «. و ذلك عندنا لأنهم طلبوا طرح الخراج حتى يصير عليه العشر وحده، فلم يفعل عمر (رض) و لم يطرح الخراج و لم يذكر العشر بطرح و لا غيره، لأن العشر زكاة على كل مسلم».

و يقول أبو عبيد (2)- و هو يعلق أيضا على نفس تلك الأدلة-:

«و ليس في ترك ذكر عمر و على العشر دليل على سقوطه عنهم، لأن العشر حق واجب على المسلمين في أرضهم لأجل الصدقة لا يحتاج إلى اشتراطها عليهم عند دخولهم في الأرضين، ألا ترى أن رسول اللّه (ص) قال: من أحيا أرضا ميتة فهي له، و لم يقل على أن يؤدى عنها العشر،

____________

(1). الخراج- 168.

(2). الأموال 87- 88.

215

فهل لأحد أن يقول لا عشر عليه فيها؟ و ذلك أن حكم اللّه و سنة رسوله على كل مسلم في أرضه إن ذكر ذلك أو ترك».

أما حديث ابن مسعود المذكور و هو قوله (ص): «لا يجتمع العشر و الخراج على المسلم في أرضه» فقد طعن فيه ابن القيم (1) بقوله: «إنه حديث باطل لا أصل له، و ليس من كلام رسول اللّه»، و يدل على ذلك إهمال الصحاح المعروفة لذكره البتة.

هذا و الواقع أنه لا علاقة أو تعارض من حيث الأصل بين ضريبة الخراج التي هي حصة أو أجرة الرقبة نفسها، و بين ضريبة العشر التي هي حصة الغلة، لأن العشر- كما يقول الإمام يحيى- إنما يجب لكونه صدقة و الخراج بمنزلة الكرى (2)، كما عليه الجمهور (3).

و عليه، فلا مانع من هذا التعدد أو الاجتماع بين العشر و الخراج، كما لا مانع أيضا من اجتماع ضريبة الأرض (الخراج) مع ضريبة الدخل، (الجزية) على شخص واحد، إذ لا تزاحم في الواقع بين هذه الالتزامات المختلفة. بيد أن التعدد الأول يقع على أفراد المسلمين، بينما يقع الثاني على أهل الذمة، لأنه لا زكاة على أهل الكتاب باعتبارها عبادة تخص المسلمين، كما لا جزية على المسلمين باعتبارها ضريبة تخص غيرهم مقابل الحماية و تنفيذا لشروط العهد و بنود الذمة.

تقدير الخراج:

و قضية تقدير الخراج أمر موكول- برأى جمهور الفقهاء استنادا إلى بعض النصوص- إلى اجتهاد الإمام أو القائم بشئون الدولة الإسلامية‌

____________

(1). أحكام أهل الذمة- 103.

(2). الروض النضير- 2/ 436، و راجع أيضا الماوردي- 151.

(3). ابن القيم- 103.

216

في حينه، و ذلك تأمينا للعدالة و إحقاقا للحق، من حيث الاختلاف الحاصل في طبيعة الأرض و طاقتها الإنتاجية و في نوعية المحاصيل و طريقتها الإروائية، و لا وجه، فيما نرى، للتقيد بتقديرات بعض الأئمة في وقتهم و الوقوف عليها (1)، و ذلك لما يمكن أن يلحق ببعض دافعي الضريبة أو بيت المال نفسه من الحيف، بحكم اختلاف الظروف و الأحوال بين زمن التقدير و وقت تحمل الضريبة.

يقول الماوردي- و هو يتحدث عن الاختلاف في تقدير الخراج المضروب من قبل الخليفة عمر على بعض الجهات كالعراق و الشام-:

«و كذلك يجب أن يكون واضع الخراج بعده يراعى في كل أرض ما تحتمله» (2)، و يضيف قائلًا هو و أبو يعلى الذي نقش (3) ما قاله الماوردي نصا كما هو ديدنه دائما في كتابه- «فإنها تختلف من ثلاثة أوجه يؤثر كل واحد منها في الخراج و نقصانه (أحدها) ما يختص بالأرض من جودة يزكو بها زرعها أو رداءة يقل بها ريعها. و (الثاني) ما يختص بالزرع من اختلاف أنواعه من الحبوب و الثمار، فمنها ما يكثر ثمنه، و منها ما يقل ثمنه فيكون الخراج بحسبه. و (الثالث) ما يختص بالسقي و الشرب، لأن ما التزم المؤنة في سقيه بالنواضح و الدوالي لا يحتمل من الخراج ما يحتمله سقى السيوح و الأمطار» (4).

____________

(1). أبو يعلى- 149.

(2). الماوردي- 148.

(3). الملاحظ أن أبا يعلى- و هو من الحنابلة- المتوفى سنة 458 ه‍ قد تسلط على كتاب (الأحكام السلطانية) للماوردى الشافعي المتوفى سنة 450 ه‍ فنقش معظم مسائله نقشا حتى في تسمية الكتاب و نسب ذلك إلى نفسه، و كل ما بين الكتابين من تمايز هو النص في كتاب أبى يعلى على بعض آراء أحمد بن حنبل و أصحابه بشكل عابر، و هذا شي‌ء لا يستحق عليه أبو يعلى نسبة الكتاب بمجموعة إلى نفسه و قامه!

(4). الماوردي- 148، و أبو يعلى- 151.

217

و يضيف أبو يعلى قوله (1): «. فقد نص- أي الإمام أحمد- على أن ذلك- أى تقدير الخراج- موقوف على اجتهاد الإمام، و ليس بموقوف على تقدير عمر، بل تعتبر الطاقة في الزيادة و النقصان. و احتج بقول عمر:

إن زدت عليهم لا تجهدهم».

و بنحوه صرح كل (2) من الإمام أبي حنيفة، و بشر، و ابن أبى ليلى، كما صرح به الزيدية (3) و الإمامية (4) و غيرهم.

و استدل هؤلاء مضافا إلى ما استدل به غيرهم مما مر بمرسلة حماد الطويلة، التي يقول فيها: «و الأرض التي أخذت بخيل و ركاب فهي موقوفة‌

____________

(1). الأحكام السلطانية- 149، و راجع الحجاوى في الإقناع- 322.

(2). البلاذري- 85.

(3). السياغى في الروض النضير- 2/ 435.

(4). الأنصاري في المكاسب- 158. و الجواهر/ كتاب الجهاد، و قال نفسه في كتاب التجارة: «فالخراج و المقاسمة ليس لها مقدار معين في الشرع بلا خلاف أجده فيه، بل هو راجع إلى نظر الإمام على حسب ما تقتضيه مصلحة جميع المسلمين».

و بنحو ذلك من القول في إيكال تقدير الضريبة الخراجية إلى السلطة، قال الإمامية بالنسبة إلى (الجزية) فقد صرحوا بأنه: «ليس للجزية حد محدود، و لا قدر موصوف، بل ذلك موكول إلى تدبير الإمام و رأيه، فيؤخذ منهم على قدر أحوالهم من الغنى و الفقر بقدر ما يكون به صاغرا». (ابن إدريس- 111/ كتاب الزكاة). و قريبا من ذلك قال الشيخ الطوسي في المبسوط/ كتاب الجهاد، و الشهيدان في شرح اللمعة- 1/ 257، و الكركي في قاطعة اللجاج، و النجفي في الجواهر/ كتاب الجهاد، و الطباطبائي في الرياض/ كتاب الجهاد، و الجزائري في قلائد الدرر- 2/ 164.

و كذلك قال به ابن العربي في أحكام القرآن- 908، كما قال به الحنابلة (راجع الحجاوى في الإقناع 2/ 32).

هذا و راجع ابن رشد في بداية المجتهد- 1/ 391 عن آراء المذاهب الأخرى التي قد ذهبت غالبيتها إلى القول بلزوم الوقوف على التقديرات الواردة عن الأئمة.

218

متروكة في يد من يعمرها و يحييها و يقوم على ما صالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج: النصف أو الثلث أو الثلثين على قدر ما يكون صالحا و لا يضر بهم» (1).

و لنا في هذا الدليل و التعليلات السابقة و نحوها غناء عن مناقشة الآراء الأخرى التي ليس لها من أدلتها سوى عمل بعض الأئمة في تقدير الخراج، و هو عمل لا يشكل في رأينا، و في رأي الجمهور، حكما ملزما يمضى على الآخرين و يمتد الى عهود لاحقة. على أن هذا العمل قد ورد ما يزاحمه أو يناقضه من تفويض الخليفة عمر بعض عماله في زيادة ضريبة الخراج بالشكل الذي لا يجهد معه دافع الضريبة كما مر، و كذلك ورد عنه الاختلاف في تقدير الضريبة بين جهة و أخرى من الجهات التي دانت لحكم الإسلام كالشام و العراق (2).

هذا و قد سلك الحكام المسلمون في عهودهم المختلفة في جباية الخراج (3) و تحصيله نظامين متميزين هما:

____________

(1). الجواهر/ كتاب الجهاد. و الأنصاري في المكاسب 158.

(2). الماوردي- 148.

(3). و مما يذكر في هذا الصدد أن الخراج كان يشكل أهم واردات الدولة الإسلامية، فقد بلغ مثلا ما جبى من السواد وحده أيام عمر بن الخطاب مائة مليون درهم، أو 128 مليونا على رواية أخرى. و بلغ في عهد عمر بن عبد العزيز 124 مليونا من الدراهم في السنة.

و ذكروا أنه جبى في عهد عبيد اللّه بن زياد: 135 مليونا، و هو أكبر رقم يجبى من السواد.

كما ذكروا بأنه بلغ في زمن الرشيد و المأمون ما معدله مائة مليون درهم.

و أورد قدامة بن جعفر في كتابه (الخراج 239) قائمة تتضمن أن المعتصم جباه سنة 204 ب‍ (65/ 457/ 114).

و ما إلى ذلك من الأرقام و التفاصيل التي تشعر بضخامة واردات الدولة الخراجية من قطر واحد، هو السواد.

راجع تفصيلات ذلك كله في كل من: أبى يوسف- 111. البلاذري- 270.

الصولي- 219. أبي يعلى- 169. الماوردي- 175. ابن رسته- 105.

المقدسي- 133. ابن عساكر في التأريخ الكبير- 4/ 8. الجهشيارى- 179.

و راجع أيضا أحمد العلى في التنظيمات الاجتماعية و الاقتصادية في البصرة- 116، و الريس- 244.

219

نظام المساحة و نظام المقاسمة (1):

و يعتقد أن نظام المساحة كان أول نظام من نظم جباية الخراج طبقه الإسلام بعد فتح العراق (2). و ذلك امتدادا و إقرارا لما كان يقوم به الفرس قبلهم في العراق في جباية الضرائب. فمنذ عهد كسرى أنو شروان (531- 578 م) أصبحت الضريبة بعد أن مسح كسرى العراق تؤخذ بنسبة مساحة الأرض نفسها، و ليس بنسبة الناتج (3)، و قد اعتبرت خطوته هذه في إلغاء نظام المقاسمة، الذي كان نافذا قبله، و تبنى نظام المساحة أهم خطواته الاصلاحية (4).

و ظل نظام المساحة هذا معمولا به حتى بداية العصر العباسي، و ذلك عند ما عدل عنه الخليفة المنصور (5) إلى نظام المقاسمة السابق، ثم توسع بعده‌

____________

(1). المقصود بنظام المساحة أو ما يسمى بخراج الوظيفة: هو كون الواجب شيئا مقدرا في الذمة كالذي وضعه عمر على سواد العراق، أما المقصود بنظام أو خراج المقاسمة فهو كون الواجب جزءا شائعا من الخارج كالربع و الخمس و نحوه، كالذي وضع على الشام و مصر (راجع الزحيلى، آثار الحرب في الفقه الإسلامي- 573).

(2). الماوردي- 148.

(3). الطبري- 2/ 122 «المطبعة الحسينية»، و الجهشيارى- 3.

(4). الريس في الخراج- 75.

(5). الماوردي- 176، و أبو يعلى- 169، و الحنبلي في الاستخراج- 11. و راجع أيضا من الكتب الحديثة التي حققت الموضوع: جرجى زيدان في تاريخ التمدن الإسلامي- 82، و حسن إبراهيم في النظم الإسلامية- 287، و الريس في الخراج- 416.

220

ابنه المهدي (1) في تطبيقه. حتى عرف بين الباحثين بأنه هو صاحب الفكرة الأولى في هذا التحول.

و هكذا استمر العمل بنظام المقاسمة هذا طوال العصر العباسي و إلى ما بعده بزمن (2)، غير أن هذا النظام بالرغم من مزاياه الكثيرة، و بالرغم مما يبدو أنه عادل، إلا أنه قيل- من حيث الواقع- إن محصول الفلاح كان في كثير من الأحيان يدركه الفساد في انتظار مجي‌ء الجباة لتقديره (3).

هذا و لم يرد من الشارع ما يوحى بتبني نظام معين في جباية الخراج، فالأمر- فيما يظهر- موكول إلى رأي السلطة في اتخاذ الطريقة المناسبة و النظام الأصلح، كما هو الحال في تقدير الضريبة نفسها حسبما رأينا.

____________

(1). الماوردي- 176، و أبو يعلى- 169، و ابن الطقطقى- 133. و راجع أيضا: حسن إبراهيم في المصدر السابق- 287، و جعفر خصباك في بحث أحوال العراق الاقتصادية في عهد الإيلخانيين المنشور بمجلة كلية الآداب العدد 4 ص 133.

(2). يذكر ابن الطقطقى- 133: إن العمل بنظام المقاسمة ظل سائدا إلى عهده، و من المعلوم أن ابن الطقطقى أنهى كتابه سنة 701. هذا و لم نعثر في المصادر على ما يفيد التحول عن هذا النظام في العهود اللاحقة.

(3). دينيت في الجزية و الإسلام- 46.

221

الفصل السادس أنواع خاصة من الأراضي الموات

هناك أنواع من الأراضي المتروكة الموات. نص عليها و عنى ببحثها بعض الفقهاء، و حيث كانت هذه الأنواع تتميز عن غيرها في بعض الجهات، رأينا أن نفرد لها فصلا خاصا، هو هذا الفصل الذي سنفرغه في الحديث عن أحكامها من الإحياء:

(أولا) الشواطى‌ء و الجزائر

إن للجزائر كما للشواطى‌ء و ما في حكمها من السواحل (1) أهميتها كما هو معروف‌

____________

(1). يذهب الجغرافيون و من إليهم إلى التفرقة بين مدلولي الساحل و الشاطى‌ء من حيث الاتصال بالمياه الجرفية، فعرفوا الشاطى‌ء بأنه: «هو ذلك الشريط الأرضى الذي يتعرض مباشرة لتأثير الأمواج و المد و الجزر و أمثاله» و أضافوا: «و أحيانا يقتصر استخدام لفظة الشاطى‌ء على المنطقة التي تتكسر عليها الأمواج فقط، أو تلك التي تمتد نحو اليابس حتى أبعد نقطة تصل إليها رمال الأمواج». معجم المصطلحات الجغرافية- 289.

أما الساحل فذكروا (نفس المصدر- 261) بأنه: «ذلك الجزء من الأرض الذي يحف بالبحر أو بأي سطح مائي، و يمتاز الساحل عامة بتضاريسه الأفقية أو السطحية، و بأنه لا يتعرض لفعل التعرية إلا بطريق غير مباشر، و قد يطلق الاصطلاح خطأ في بعض الأحيان ليشمل منطقة الشاطى‌ء» كما نراه على لسان قسم من الباحثين.

و قريبا من ذلك يعرفه- أى الساحل- صاحب (الموسوعة في علوم الطبيعة- 1/ 513) بأنه: «هو الأرض القريبة من الشطوط البحرية».

هذا و تقابله بالإنجليزية كلمة Coast أما الشاطى‌ء فتقابله كلمة Shore و قد يستعمل بعض الجغرافيين العكس.

أما الحد الفاصل بين الشاطى‌ء و الساحل- و الذي يسمى جغرافيا يخط الشاطى‌ء أو خط الساحل أو سيف البحر- فإنه غير ثابت، إذ هو يتغير تبعا لحالة البحر أو المد و الجزر (راجع معجم المصطلحات الجغرافية- 211).

222

لدى الدول المختلفة، و لهذا أولتها و لهذه الدول عنايتها، ففرضت عليها أو على الكثير من أجزائها سيطرتها الفعلية، كما وضعت لها أنظمة و أحكاما متميزة.

و ترجع هذه الأهمية لهذه المواضع، فيما يظهر، إلى كون بعضها- و هي الجزائر- تشكل في الغالب موردا اقتصاديا مليئا بما تحويه من العناصر و المواد الأولية المهمة كالمعادن و الأخشاب و الأعشاب. و ما إليها من النباتات الطبيعية، و إلى كون بعضها الآخر- و هو الشواطى‌ء و ما في حكمها من السواحل- يشكل أهمية ستراتيجية و جغرافية كبيرة و بخاصة منها مناطق الثغور و الحدود، مضافا إلى أهميتها الاقتصادية الواسعة. على اعتبارها تصلح أن تكون مرافى‌ء أو موانى‌ء يمكن أن تنشط عن طريقها حركة التجارة و السياحة.

و حركة النقل و المرور المسماة ب‍ (الترانزيت).

و للفقهاء في أحكام هذه المواقع من الجزائر و الشواطى‌ء من حيث إحياؤها و استثمارها من قبل الأفراد و الجماعات آراء مختلفة، و قد رأينا نظرا لاختلاف طبيعة الحكم بينهما عند بعض الفقهاء أن نتحدث عن كل واحد منهما بشكل مستقل على النحو التالي:

(أ) الجزائر:

فبالنسبة إلى الجزائر و ما بحكمها من الأراضي التي انحسرت عنها المياه، ذهب القسم الغالب منهم إلى إعطائها حكم (1) الموات من الأراضي في جوان‌

____________

(1). إنما قيل: إن الجزائر- و مثلها الشواطى‌ء- تأخذ حكم الموات من الأراضي، لأنها في الغالب أراض محياة بطبيعتها و قابلة للزراعة و الإنتاج فعلا، فلا تحتاج ما يحتاجه الموات في الأصل إلى مزيد عناء من أجل تطويرها و إعدادها للإنتاج، و ذلك لتوافر مختلف عوامل الخصب فيها بالتصاقها بمورد الإرواء، و لكن مع هذا فهناك كثير من الجزائر و الشواطى‌ء لا يختلف في الأصل عن صفة الموات و طبيعته في حاجته إلى العمل و بذل المزيد من الجهود، بل إن منها- و بخاصة المناطق الساحلية الملحية- ما يحتاج إلى جهود مضاعفة في الإحياء بالقياس إلى غيرها من أقسام الموات، و عليه فهذه و نحوها هي أراض موات حقيقة و فعلا لا حكما و تنزيلا.

223

إحيائها و بالتالى تملكها، و ذلك لانتفاء اليد عليها و إباحتها فعلا. ذهب إلى ذلك الإمامية (1) و الأحناف (2) كما ذهب إليه الحنابلة (3) في رأي لهم.

و لكن خالف فيه البعض من الشافعية كما يظهر فذكروا: «بأنها- أي الجزائر- أولى بمنع إحيائها من الحريم الذي يتباعد عنه الماء» (4)، كما خالف في المشهور بعض الحنابلة بناء على قول أو رواية لأحمد بن حنبل (5) و تبع هذا الرأي منهم صاحب الروض المربع (6) و صاحب التنقيح (7) و غيرهم، فقد سأل أحمد في رواية ابن إبراهيم: «في دجلة يصير في وسطها جزيرة، فيها طرق، فحازها قوم؟ فقال: كيف يحوزونها و هي شي‌ء لا يملكه أحد» (8)، و توسط الحارثي منهم فذهب إلى الجواز- جواز الإحياء- بشرط انتفاء الضرر، فإذا ترك إحياء الجزيرة و ما انحسرت عنه المياه ضررا عاما من الاستفادة بالمياه المحيطة بها، فالإحياء باطل و لا أثر له في انتقال الحقوق (9).

____________

(1). الحلي في التذكرة/ إحياء الموات، و لكن يظهر أن ثمة للإمامية قولا آخر بالمنع من إحياء الجزائر يمكن أن يستظهر من كلام صاحب التذكرة نفسه. يقول: «ما ينضب عنه من الجزائر الأقرب أنه يملك بالإحياء لعدم الاختصاص بالغير». فإن كلمة «الأقرب» هنا تشعرنا بوجود رأى آخر للإمامية بمنع الإحياء، و إن لم نقف عليه في مظانه في حدود تتبعنا.

(2). أبو يوسف- 92، 93. و السرخسي في المبسوط- 23/ 188.

(3). الحجاوى في الإقناع، و قد جزم به- 2/ 386. و حاشية الروض المربع- 2/ 426. و المرداوى- 6/ 361 قال: ذكره ابن عقيل و المصنف و الشارح و الحارثي و غيرهم.

(4). حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج- 5/ 331.

(5). ابن قدامة في المغني- 6/ 161، و انظر أبا يعلى- 196.

(6). البهوتى- 2/ 426.

(7). نفسه (الحاشية)- 2/ 426.

(8). أبو يعلى- 196.

(9). البهوتى- 2/ 426. و المرداوى في الإنصاف- 6/ 361.

224

هذا و يظهر أن مراد بعضهم بالمنع من الإحياء هو الإحياء بالبناء و نحوه لخوف رجوع المياه على الطرف الآخر من النهر فيما لو اصطدم بالبناء (1) أما الانتفاع بالزراعة (2) و نحوها فلا مانع منه عندهم، فيما صرحوا.

و يستدل الحنابلة هؤلاء ببعض الأدلة التي ذكرها العباس بن موسى في روايته عن أحمد بن حنبل (3)، و منها اشتمال الإحياء على الضرر من خوف اصطدام المياه بالبناء و رجوعها إلى الطرف الآخر من النهر كما مر، و منها أيضا جريان الجزائر مجرى المعادن الظاهرة في الحكم، لأنها منبت الكلأ و الحطب فلا تحتاج إلى مؤنة و تكلفة في استغلالها كما هو الأمر في المعادن المذكورة، و عليه فلا سبيل إلى ورود الحقوق الخاصة عليها بالإحياء.

و الواقع أن رأى الحنابلة ذلك المقيد بالضرر- و منه رأى الحارثي و إن جعلوه رأيا وسطا- هو ليس برأى مناهض لرأي الجمهور إذا ما علمنا بأنهم قيدوا المنع من الإحياء بحصول الضرر العام، و هذا القيد في الواقع لا تختلف فيه المذاهب الفقهية كلها، بناء على حكم القواعد الضررية العامة نحو قوله (ص): «لا ضرر و لا ضرار» و متفرعاتها، و قد صرح بذلك فعلا بعض فقهاء الأحناف ممن ذهبوا إلى شرعية الإحياء. يقول صاحب الهداية (4): «و ما ترك الفرات أو الدجلة و عدل عنه الماء و يجوز عوده إليه، لم يجز إحياؤه لحاجة العامة إلى كونه نهرا». و يقول أبو يوسف (5)- و هو يستدرك على الحكم بجواز إحياء الجزيرة التي نضبت عنها المياه-: «و إن‌

____________

(1). أبو يعلى- 196. و البهوتى في الروض المربع- 2/ 426.

(2). البهوتى- 2/ 426.

(3). ابن قدامة في المغني- 6/ 161. و كذلك أورد لهم هذه الأدلة صاحب التذكرة في باب إحياء الموات.

(4). المرغينانى- 8/ 142، كما جاء قولهم بهذا النص في اللباب للغنيمى- 1/ 203.

(5). الخراج 91- 92.

225

كان يضر أحدا منع من ذلك» ثم ضرب أبو يوسف مثلا ببعض الجزائر من نهر دجلة الموجودة في وقته، فمنع من إحيائها بناء على حصول الضرر من ذلك على المصلحة العامة، حتى إن الدولة المتمثلة بالإمام لا يسعها أن تقطع- و هي صاحبة الحق الأول في الموات- شيئا من ذلك.

و هذا الرأي- كما نلاحظه- لا يختلف في شي‌ء عن رأي الحنابلة المذكور، كما أن هذا الحكم لا يختلف في أي مجال آخر من هذا القبيل، لأن الأدلة الضررية العامة هي حاكمة- كما يقول الأصوليون- على الأدلة الأخرى.

هذا و لا نجد بعد هذه المناقشة لهذه الأدلة القائلة بالمنع من إحياء الجزائر ما ينهض على الأخذ بها و تبنيها، و بالتالى إعطاء الجزائر إذا كانت مواتا حكما يختلف عن حكم سائر الأراضي الموات، إذ لا أجد من فرق- بناء على أدلة الإحياء العامة- بينها و بين سائر هذه الأراضي في جواز الإحياء مشروطا بالإذن من الدولة.

نعم إذا كانت هذه الأراضي- كما هو الغالب فيها- حية أو عامرة بطبيعتها من حيث اتصالها بمورد الإرواء و نحوه و عدم حاجتها إلى العمل لجعلها صالحة للإنتاج. فحينئذ لا مورد أو لا مجال للبحث في حكم إحيائها لأنه يكون حينئذ من باب تحصيل الحاصل، و لذلك لا بد أن تعود من ناحية حق الأفراد و غيرهم بالتصرف فيها: إلى حكم الأراضي العامرة بطبيعتها و أصلها.

كذلك ينتفي البحث في حكم إحياء هذه الجزائر فيما إذا تعلق بها حق أو نفع عام، كما لو أنشى‌ء عليها مثلا مرفا أو ميناء عام، و ذلك لدخولها عندئذ في حكم تلك الأراضي و المنشآت التي تتصف بصفة المنفعة العامة، و التي يحظر فيها التصرف- كما هو واضح- على الأفراد بأي نوع من أنواع التصرفات الناقلة أو الفعلية.

226

(ب) الشواطى‌ء:

أما الشواطى‌ء و ما في حكمها من السواحل المتعلقة بمصالح الأنهار و نحوها فالظاهر أن الأكثرين من الفقهاء أو كلهم قد ذهبوا إلى المنع من إحيائها أو التصرف فيها على العكس مما رأيناه قبل قليل في قرينتها (الجزائر)، و ذلك لأنها فيما يظهر أكثر تعلقا و ارتباطا بالمصلحة العامة و أكثر شمولا و عمومية في الانتفاع بها من الجزائر، و لذا أعطوا هذه حكم الموات من الأراضي في الإحياء و نحوه، بينما أعطوا (الشواطى‌ء) و ما في حكمها من السواحل حكم المنافع العامة التي يستوي الناس في الاستفادة بها، الأمر الذي يحظر على الأفراد التصرف فيها بالإحياء و نحوه من التصرفات الخاصة (1).

و إنما اعتبرت هذه من المنافع العامة التي يحظر على الأفراد التعامل فيها، فذلك تبعا لما يلاصقها من المياه، و حيث إن هذه المياه- كما صرحوا- (2):

«لا ملك لأحد فيها و لا في رقبة النهر، و لذا ليس لأحد حق خاص فيها، و لا في الشرب، بل هو حق لعامة المسلمين»، فالحكم كذلك لا بد أن يكون‌

____________

(1). و لكن الحظر هنا من التعامل فيها هو حظر نسبي، فإنه إذا ما منعنا من التعامل أو التصرف بالأموال العامة، فإن هذا لا يمنع من أن تكون محلا لعقد إيجار و نحوه من الانتفاعات الموقتة، ما دام أن ذلك لا يعطل تخصيصها للمنفعة العامة، فيجوز مثلا الترخيص بإقامة (أكشاك) و نحوها على الشواطى‌ء، كما نراه فعلا، و هذا الحكم لا يختلف عنه في نحو ما من الأراضي الموقوفة التي يرد عليها الإيجار مع قولنا بالمنع من التعمل فيها.

(2). الكاساني- 6/ 192. و داماد في مجمع الأنهر- 2/ 562، و بنحوه قال في مختصر الإمام المصمودى- 203.

هذا و يصور «السرخسي في المبسوط- 23/ 164» هذه الحقيقة- حقيقة كون المياه من المنافع العامة- بقوله: «و في الروايات الناس شركاء في ثلاث، ففيه إثبات الشركة للناس كافة، و تفسير هذه الشركة في المياه التي تجري في الأودية و الأنهار العظام، فإن الانتفاع بها بمنزلة الانتفاع بالشمس و الهواء، و هو بمنزلة الانتفاع بالطرق العامة».

227

- تبعا- بالنسبة إلى المواضع الملاصقة لها المتعلقة بمصالحها، و هي الشواطى‌ء و ما في حكمها من السواحل، أو ما يسمى بالحريم أو المرفق في المصطلحات الفقهية.

يقول البعض من الحنابلة (1): «و حريم البئر و النهر و نحوه. فهذا لا يملك بالإحياء و عليه الأصحاب و لا يقطعه الإمام لتعلق حقه به».

و يقول الرملي من الشافعية (2): «و حريم النهر كالنيل ما تمس الحاجة له لتمام الانتفاع به، و ما يحتاج لإلقاء ما يخرج منه فيه لو أريد حفرة أو تنظيفه فيمتنع البناء فيه و لو مسجدا، و يهدم ما بنى فيه كما نقل عن إجماع الأئمة الأربعة».

فالمنع من التصرف في حريم الأنهار- شواطئها و ما في حكمها- يتناول حتى ما يراد به قيام منفعة عامة أخرى كتشييد مسجد و إحداث مدرسة أو متنزه و نظائره مما لا يتصل بطبيعة مصالح النهر من ملاحة و إرواء.

و من هذا يظهر أن ملكية الدولة لحريم الأنهار و نحوها من الشواطى‌ء و السواحل هي من نوع ما يسمى بالملكية العامة للدولة اليوم قبال الملكية الخاصة لها. حيث لا يمكنها التصرف فيها ببيع أو إقطاع أو تقبيل على العكس من ملكياتها الخاصة، و من هذه الناحية ذهبنا إلى التفرقة بين الجزائر و الشواطى‌ء في الحكم بالإحياء.

هذا و جاء تحديد الحريم في رواية مرفوعة عن على بن إبراهيم عن‌

____________

(1). المرداوى في الإنصاف- 6/ 359، و ابن قدامة في المغني- 6/ 151.

(2). نهاية المحتاج- 5/ 331.

228

أبيه قال: «و حريم النهر حافتاه و ما يليهما» (1) حيث يظهر أن المقصود ب‍ (الحافنين) هما شاطئا النهر، و ب‍ (ما يليهما) ساحلاه، كما هو الحال في المصطلحات الجغرافية الحديثة.

و استنادا إلى هذه الرواية- التي رواها الإمامية- يمكن أن نحملهم القول بالمنع من إحياء الشواطى‌ء و السواحل على اعتبارهما من الحريم الذي يتحدد حكمه و طبيعته بحكم المياه التي تلاصقه و طبيعتها (2)، و حيث إن المياه في مثل البحار و الأنهار هي من المنافع العامة- كما أجمع الفقهاء- فالحكم يلزم أن يكون كذلك في الشاطى‌ء و الساحل تبعا.

و لكن يظهر أن لبعض الإمامية رأيا باعتبار هذه الشواطى‌ء و السواحل من ممتلكات الدولة الخاصة لأنها من الأنفال (3)، و الأنفال كما قلنا هي من القطاعات الخاصة بالإمام التي يسوغ له التصرف فيها بما يسوغ لأي دولة أن تتصرف بأملاكها الخاصة، يقول المحقق الحلي صاحب الشرائع (4):

«و الأنفال ما يستحقه الإمام من الأموال على جهة الخصوص كما كان للنبي،

____________

(1). الحر في الوسائل- 3/ 329.

(2). يقول الحلي في «التذكرة/ باب إحياء الموات» كما مر في بحث الحريم:

و لا نعلم خلافا بين فقهاء الأمصار أن كل ما يتعلق بمصالح العامر لا يصح إحياؤه، و لا يملك بالإحياء، و كذا حريم الآبار و الأنهار و الحائط و العيون، و كل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحه».

(3). و يناقش السيد محسن الحكيم في «المستمسك- 6/ 661» ذلك بقوله: «إن دليله غير ظاهر إلا أن تكون من الموات فعلا فتدخل في أرض الموات، أو تكون حية فعلا لكن كانت مواتا باستيلاء الماء عليها ثم نضب عنها الماء فصارت حية، أما لو كانت حية من أول الأمر كما يقتضيه إطلاق «الشرائع» فكونها ملكا له غير ظاهر، اللهم إلا أن تكون من الأراضي التي لا رب لها بناء على أنها له «ع» و إن كانت حية، لكنه خلاف ظاهر كلماتهم، و خلاف ظاهر التقييد في مرسل حماد الوارد في بيان الأنفال فإنه عد منها كل أرض ميتة لا رب لها».

(4). كتاب الخمس- 1/ 94.

229

و هي: الأرض التي تملك من غير قتال، و الأرضون الموات، كالمفاوز و سيف البحار (1). إلخ» و يعطف عليها أو يضيف إليها أحد شراح هذا الكتاب (شطوط الأنهار) (2) و يتردد شارح آخر (3) بين عطف سيف البحار على المفاوز باعتباره مثالا آخر من أمثلة الأراضي الموات التي هي القسم الثاني من الأنفال، و بين عطفه على الأراضي الموات نفسها باعتباره قسما مستقلا ثالثا من الأنفال.

بيد أن هذا الحكم بدخول المناطق الساحلية و نحوها في حكم الأنفال غير متجه في رأينا، و ذلك لعدم تعدادها أو التصريح بها في أخبار الأنفال مع أنها في هذا الصدد. أما دخولها تحت عنوان الأراضي الموات- التي هي من جملة الأنفال- فلا يخلو من تكلف، نظرا لأن قسما من المناطق الساحلية ليس من مصاديق الأراضي الموات قطعا، و أما بالنسبة إلى دخولها تحت عنوان الأراضي التي لا رب لها و نحوها من أقسام الأنفال فإنه خلاف ظاهر كلماتهم (4) و خلاف ما يبدو منها.

هذا مضافا إلى أن الأنهار العامة و نحوها من الموارد المائية الكبيرة، هي في الاعتبار الشرعي- كما مر- من المنافع العامة التي يستوي في الاستفادة بها مجموع الناس. و هكذا لا بد أن يكون الحكم تبعا بالنسبة إلى حريمها و هي الشواطى‌ء و السواحل- استنادا إلى الرواية الآنفة: «حريم النهر حافتاه و ما يليهما».

____________

(1). يقصد الفقهاء هنا ب‍ «سيف البحار» سواحلها خاصة، بينما هو يعني في الاصطلاح الجغرافى الحديث: الخط الفاصل بين الساحل و الشاطى‌ء كما مر.

(2). المظفر في توضيح الكلام/ كتاب الخمس، و يجعل السيد أبو الحسن الأصفهاني في الوسيلة- 1/ 18 ط 8، سيف البحار و كذلك شطوط الأنهار. يجعلهما من قسم الأنفال.

(3). الجواهر/ كتاب الخمس.

(4). راجع الحكيم في المستمسك- 6/ 661.

230

و من الفقهاء الذين صرحوا بحظر إحياء شواطئ الأنهار و ما في حكمها:

فقهاء الشافعية الذين ذكروا مضافا إلى ما مر بأنه: «يجب على ولى الأمر منع من يتعاطى العمارة على شاطئ النيل و الخلجان» (1). و كذلك فقهاء المالكية الذين صرحوا أيضا بأنه لا يجوز لأحد البناء على شاطئ النهر للسكنى و لا لغيرها إلا القناطر المحتاج إليها»، (2) كما ذكر سحنون منهم بأن «البحر إذا انكشف عن أرض و انتقل عنها فإنها تكون فيئا للمسلمين، كما كان البحر، لا لمن يليه و لا لمن دخل البحر أرضه» (3).

و لكن قيد الأحناف ذلك بانتفاء الضرر، قالوا: «سألته- أى السرخسي- عن هذا النهر الأعظم إذا كانت عليه أرض لرجل حدها الماء فنقص الماء و جرز عن أرض فاتخذها هذا الرجل و جرّها إلى أرضه؟ قال: ليس العامة. له ذلك. لأن الأرض جرز عنها الماء من النهر الأعظم و هو حق العامة. و سألته فقد بلغني أن الفرات بأرض الجزيرة يجرز عن أرض عظيمة فيتخذها الرجل مزرعة و هي في حد أرضه؟ قال: ليس له ذلك إذا كان يضر بالفرات، لأن هذا حق عامة المسلمين، و إن كان لا يضر بالفرات فله ذلك» (4).

و قريبا منه أجاب في الفتاوى المهدية (5) عن حكم تصرف بعض الأشخاص في الشواطى‌ء و غيرها: «ليس للأشخاص المذكورين الاستيلاء على شاطئ البحر المذكور و ليس لهم حق التملك لسواحل البحر الملح‌

____________

(1). الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 334.

(2). الحطاب- 6/ 12.

(3). حاشية العدوى على شرح الخرشى- 7/ 68.

(4). السرخسي في المبسوط- 23/ 181.

(5).- 5/ 314.

231

المقابلة لأملاكهم، و لا لما انحسر ماء البحر عنه، إذا كان ما ذكر معدا لانتفاع العامة به، و كان محتاجا إليه لمصالحهم المذكورة، و تكون الولاية و التصرف فيما ذكر لولي الأمر بالمصلحة».

أما ما نسب إلى أبى حنيفة (1)- خلافا لصاحبيه- من القول بعدم وجود حريم للأنهار تأخذ حكم الحريم، فالظاهر أن المقصود بذلك هي الأنهار الخاصة بالأفراد دون العامة منها التي تعتبر من المنافع العامة، كما صرح بذلك بعضهم (2) فعلا.

____________

(1). يقول أبو حنيفة: إن استحقاق الحريم حكم ثبت بالنص خلافا للقياس، و حيث إنه لا نص في الأخبار، فلا حريم للأنهار. «راجع السرخسي- 23/ 162».

و لكن خالفه في ذلك صاحباه محمد أبو يوسف، فذهبا مع الجمهور إلى القول باستحقاق النهر و نحوه إلى الحريم قياسا على العيون و الآبار، بيد أنهما اختلفا في تقدير مدى هذا الحريم اللازم للأنهار، فجعله أبو يوسف بقدر نصف عمق النهر من كل جانب، بينما جعله محمد بقدر عمق النهر كله. «الكاساني- 6/ 195».

هذا، و بالمناسبة فإن للإمامية كما للشافعية أيضا في مقدار حريم الأنهار مطلقا العامة منها و الخاصة رأي آخر. يقول الإمامية «راجع الجواهر- 6/ إحياء الموات، و مفتاح الكرامة- 7/ 18»: «و حريم الشرب الذي هو النهر و القناة و نحوهما بمقدار مطرح ترابه و المجاز على حافته للانتفاع به و لإصلاحه على قدر ما يحتاج إليه عادة بلا خلاف».

و يقول الشافعية «الرملي- 5/ 331»: «و حريم النهر كالنيل ما تمس الحاجة له لتمام الانتفاع به، و ما يحتاج لإلقاء ما يخرج منه فيه لو أريد حفرة أو تنظيفه».

و عقيدتي أن تعليق التقدير بالحاجة إليه أو حسبما يقضى به العرف و العادة هو أقرب إلى الصحة منه إلى غيره، إذا لم يرد بذلك نص ملزم. يقول أبو عبيد- 293:

«و أما حريم الأنهار فلم نسمع فيه بشي‌ء مؤقت». و قد سبق ما يدل على ترجيح ترك التقدير للحريم عموما إلى الحاجة و العادة في الشرط الرابع من شروط الإحياء فراجع.

(2). داماد في مجمع الأنهر- 2/ 560. و السمرقندي في خزانة الفقه- 1/ 270.

232

رأى القانون في حكم الجزائر و الشواطى‌ء:

هذا و لا يختلف الحال من حيث الأصل في ملكية الدولة للجزائر و الشواطى‌ء في القوانين الوضعية الحديثة عنه في الشريعة الإسلامية.

تقول المادة 1115 من القانون المدني العراقي: «الأرض التي يتكشف عنها البحر أو البحيرات أو الأنهر تكون ملكا خاصا للدولة، و للمجاورين حق أخذها ببدل المثل». و يوضح أحد شراح هذا القانون المقصود بهذه المادة بقوله: «و هذه- أي الأرض التي تنكشف عنها المياه- تكون ملك الدولة سواء كانت شواطئ أم جزرا و سواء كان الماء بحرا أو بحيرة أم نهرا» (1).

و بمثل ذلك اجتهدت تقريبا المحاكم العراقية في تفسير المادة 123 (2) من قانون الأراضي العثماني الملغى: بإعطاء الشواطى‌ء التي تظهر نتيجة ترسبات الأنهار أو تحول مجاريها حكم الأراضي الأميرية الصرفة من حيث ملكية الدولة لها ملكية خاصة.

و من القوانين الأخرى التي نصت على ملكية الدولة لهذه المناطق- و إن اعتبرتها من أملاك الدولة العامة على العكس من القانون العراقي الذي اعتبرها من أملاك الدولة الخاصة-: القانون المدني الفرنسى، و المجموعة المدنية المصرية الملغاة، يقول القانون الفرنسى في مادته 538: «الطرق و الشوارع و الحارات التي على نفقة الحكومة، و الأنهار و النهيرات التي تمكن الملاحة بها، و الشواطى‌ء و الأراضي التي تتكون من طمى البحر‌

____________

(1). حامد مصطفى، الملكية العقارية في العراق- 282.

(2). جاء في نص المادة 123 ما يلي: «الأراضي الصالحة للزراعة بانحسار ماء نهر قديم أو بحيرة قديمة عنها تعطى لطالبها بالمزايدة، و تجري فيها أحكام الأراضي الأميرية الأخرى» راجع شاكر الحنبلي في أحكام الأراضي- 363.

233

و الأراضي التي تنكشف عنها مياه البحر و المين و المراسى و الموارد، و على العموم كل أجزاء الإقليم الفرنسى التي لا تقبل أن تكون مملوكة ملكا خاصا تعتبر من توابع الأملاك العامة».

و تقول المجموعة المدنية المصرية في المادة 9/ ف 4: «إن الأملاك العامة تشمل الشواطى‌ء و الأراضي التي تتكون من طمى البحر و الأراضي التي تنكشف عنها المياه و المين و المراسى و الموارد و الأرصفة و الأحواض و البرك و المستنقعات المستملحة المتصلة بالبحر مباشرة و البحيرات المملوكة للميرى».

و كما ترى فإن القانونين الأخيرين لم يفرقا كذلك كما فرقت الشريعة الإسلامية في الرأي الصحيح بين الجزائر و الشواطى‌ء في طبيعة ملكيتها إلى الدولة.

بيد أن السيد محمد كامل مرسى (1) و مثله الدكتور السنهوري (2) من شراح القوانين الحديثة انتقدا المجموعة الأهلية، لأنها جارت القانون الفرنسى باعتبار كل ما عددته (المادة 9/ ف 4) و في ضمنها الأراضي التي تتكون من طمى البحر و الأراضي التي تنكشف عنها المياه من الأملاك العامة في حين أنها من أملاك الدولة الخاصة التي يجوز انتقال ملكيتها إلى الأفراد، و أضافا: إن الشراح الفرنسيين قد عزوا خطأ قانونهم- كذلك- إلى عدم الاحتياط في التعبير.

و يبدو أن القوانين المدنية الأكثر حداثة قد تلافت هذا الخطأ- الذي عزى إلى عدم الاحتياط في التعبير- حيث نص كل من القانون المدني العراقي في المادتين 1114، 1115، و القانون المدني المصري الجديد في المادة 919، و القانون المدني السوري في المادة 882: على أن طمى البحار‌

____________

(1). الملكية و الحقوق العينية؟؟؟ 115- 116.

(2). الوسيط- 8/ 119.

234

و البحيرات و الجزر التي تتكون في مجرى الأنهر أو داخل البحيرات، و الأراضي التي تنكشف عنها مياه الأنهر أو البحار أو البحيرات تكون من أملاك الدولة الخاصة (1).

غير أنها مع ذلك وقعت في خطإ آخر من حيث أرادت أن تتلاقى خطأ غيره. إذ إنها خلطت بين الشواطى‌ء و الجزائر و سائر ما يتعرض للطمى أو الانحسار في ملكيتها إلى الدولة ملكية خاصة، في حين إن الشواطى‌ء و ما في حكمها هي من أملاك الدولة العامة في الرأي الصحيح كما مر.

____________

(1). راجع شاكر ناصر في الوسيط- 1/ 686 (الحاشية).

235

(ثانيا) الأراضي الموقوفة الخراب

الوقف في معناه الشائع عند الفقهاء هو: تحبيس الأصل و إطلاق المنفعة (1)، أو هو- في تعبير آخر- ذلك التأبيد (2) المانع من إجراء التصرفات القولية أو الفعلية على عينه، المؤدية إلى خروج الوقف عن حدّه، دون تسبيل المنفعة.

و تختلف طبيعة الوقف هذه باختلاف مدى شمول المنفعة التي أطلقها الواقف في وقفه، فإن كانت هذه المنفعة مقتصرة و محبوسة على جماعة معينة أو قوم مخصوصين قيل للوقف: بأنه وقف ذري (3) أو خاص، و إن كانت‌

____________

(1). و ذلك أخذا من قوله (ص) في غير نص: «حبّس الأصل و سبّل المنفعة».

راجع: هامش البحر الزخار- 147. للاحاطة بهذه النصوص و رواتها، و راجع أيضا: شرح اللمعة- 1/ 298. و أبا زهرة، محاضرات في الوقف- 47، لمعرفة وجهة نظر فيها المذاهب في مدلول الوقف.

(2). ترى غالبية الفقهاء أن التأبيد عنصر أساس من عناصر إنشاء الوقف، فاذا وقت بزمن معين فقد خرج الوقف اصطلاحا عن طبيعته و معناه إلى طبيعة أخرى و معنى آخر، قال بذلك: كل من الشافعية، و الحنابلة، و الظاهرية، كما قال به الأحناف و أكثرية الإمامية.

و لكن بعضهم- و هم المالكية و بعض الإمامية- ذهبوا إلى عدم اشتراط التأبيد.

فجوز المالكية إنشاء الوقف لمدة موقتة، كما قسم الإمامية الوقف إلى وقف مؤبد، و آخر منقطع، و هو الذي يوقف على قوم مخصوصين و ليس فيه شرط يقتضي رجوعه إلى غيرهم.

راجع في ذلك: الشربيني في الإقناع- 3/ 101. أبا زهرة، محاضرات في الوقف 74- 75. الكاساني- 6/ 220. الحلي في التذكرة- كتاب الوقف. أبا البركات- 4/ 79. الحطاب- 6/ 20. و الأنصاري في المكاسب 160- 161.

(3). يقصد بالأوقاف الذرية: الأوقاف المحبوسة على شخص أو جماعة معينة مع ذراريهم، و يعرفها المشرع العراقي الوضعي بقوله: «هي ما وقفه الواقف على نفسه أو ذريته أو عليهما معا، أو على شخص معين أو ذريته أو عليهما معا، أو على الواقف و ذريته مع شخص معين و ذريته» جاء ذلك في مرسوم جواز تصفية الوقف الذري رقم (1) لسنة 1955 (راجع أحكام الأوقاف للعانى- 125).

236

المنفعة شاملة. أي محبوسة على الكافة، قيل لهذا الوقف بأنه وقف عام، و للجهة بأنها جهة عامة. و سنرى فيما يلي حكم هذين النوعين فيما إذا آلى إلى الخراب و تعطلت رحابهما عن المنفعة.

الوقف العام:

و المعروف بين الفقهاء أن هذا النوع من الوقف- و أبرز أمثلته المساجد- إذا ما آل إلى الخراب و تعطلت منافعه و ثمراته، أو هجرت محالة اللاتي تضمه، و جمدت فيها الحياة و الحركة. لا يجوز أن ينفك بحال عن وقفيته، أو ينتهى تأبيده ببيع أو مناقلة.

ذهب إلى ذلك الإمامية (1) من غير خلاف بينهم إذ صرحوا: «أن محل الكلام في بيع الوقف إنما هو الوقف الخاص، أما الوقف العام فإنه لا خلاف في عدم جواز بيعه» (2).

كما ذهب إليه الزيدية (3) و المالكية (4)، و الشافعية (5)، و أبو يوسف من الأحناف (6)، و لكن خالف في ذلك محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة الثاني، إذ جوز انفكاك وقفية مثل المسجد إذا ما آل إلى الخراب، هو‌

____________

(1). ابن إدريس- 377/ كتاب الوقف. التذكرة/ كتاب الوقف.

شرح اللمعة- 1/ 203. الشرائع- 1/ 250. الجواهر/ كتاب الوقف. البحراني في الحدائق- 5/ 550.

(2). الأنصاري في المكاسب- 160.

(3). البحر الزخار- 4/ 163.

(4). الخطاب- 6/ 42. منع المالكية مطلقا التصرف ببيع العقارات الموقوفة و مناقلتها، بينما أجازوه في المنقولات (نفسه 6/ 41- 42).

(5). الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 392، و راجع أيضا: التذكرة/ كتاب الوقف.

و ابن قدامة في المغني- 6/ 226. و أبا زهرة، محاضرات في الوقف- 183، 186.

(6). الكاساني- 6/ 221.

237

أو محلته، ليعود بالتالى إلى مالكه، قياسا على عود الكفن إلى الورثة عند اليأس من العثور على الميت (1)، مقابل رأي أبي يوسف الذي قاسه على الإعتاق (2).

كما خالف في ذلك الحنابلة (3). إذ جوزوا بيع المسجد أو مناقلته بمسجد آخر إذا صار غير صالح للغرض الذي خصص من أجله، كأن ضاق على أهله و لم يمكن توسيعه، أو خربت الناحية التي تضمنه و تعطلت منافعه أو تشعب و آل إلى الخراب.

و هذا الحكم يقرب مما جاء في بعض القوانين المدنية الحديثة التي جوزت انقضاء صفة العمومية عن الأموال و الممتلكات العامة بانقضاء الغرض الذي خصص ذلك الشي‌ء من أجله (4).

الوقف (الذري) الخاص:

أما النوع الآخر- و هو الوقف الذري أو الخاص- و الذي تكون منافعه محبوسة على جهة خاصة أو قوم مخصوصين، فالذي يستنتج من فحوى كلماتهم- و إن كانت في بعضها مضطربة (5)، و بخاصة فيما يتعلق بالشروط‌

____________

(1). الكاساني- 6/ 221. السمرقندي في تحفة الفقهاء- 3/ 547.

الشعراني- 2/ 85 و انظر أيضا: الطوسي في المبسوط/ كتاب الوقف، و ابن قدامة في المغني- 6/ 226.

(2). الكاساني- 6/ 221.

(3). ابن قدامة- 6/ 225، و انظر أيضا أبا زهرة- 187.

(4). راجع القانون المدني العراقي المادة 72.

(5). يقول البحراني في الحدائق- 5/ 85، و هو من الذين عنوا عناية خاصة ببحث هذه المسألة: «إلا أنهم اختلفوا في شروطه- أى شروط بيع الوقف- اختلافا فاحشا حتى من الواحد في الكتاب الواحد في باب البيع و باب الوقف، فقلما يتفق فتوى واحد منهم فضلا عن المتعددين» و قد عزا ذلك الاختلاف إلى اضطراب الآراء في تفسير النصوص، و بنحوه قال صاحب مفتاح الكرامة- 4/ 255.

238

و بالفروع- بأن الاتجاه الغالب يميل إلى تجويز انفكاك الوقف بالبيع في العقارات أو مناقلتها فيما إذا آلت إلى الخراب (1).

و يظهر ذلك بصورة خاصة من فحوى كلام الحنابلة أو صريحة (2) و من فحوى ما نسب إلى محمد بن الحسن من القول بجواز انفكاك وقف المسجد إذا آل إلى الخراب كما سبق، فإنه إن جاز انفكاك أو استبدال مثل هذا الوقف هناك، فمن باب أولى أن يجوز استبداله هنا في الوقف الخاص، لأن اتجاه الفقهاء يميل إلى التشدد في انقضاء الحقوق المتعلقة بالمصالح العامة بالقياس إلى الحقوق المتعلقة بالمصالح الخاصة (3).

كما ذهب إلى ذلك أيضا بعض الإمامية. حيث جوزوا انفكاك الوقف الخاص بالبيع أو بالاستبدال إذا آل إلى الخراب و تعذرت عمارته، أو إذا خيف من وقوع فتنة بين أربابه، صرح بذلك كل من المفيد (4) و الطوسي في كتابيه الخلاف (5) و المبسوط (6)، كما صرح به السيد المرتضى و العلامة الحلي و سلار و ابن حمزة (7) و نظائرهم.

غير أنه يظهر من البعض أن مجرد أيلولة الوقف الخاص إلى الخراب،

____________

(1). و يؤخذ من بعض التقنينات الحديثة في الوقف كقانون تنظيم الوقف رقم 48 لسنة 1946 المصري في المادة 18، و القانون اللبناني الصادر سنة 1951 في المادتين 32، 33: إن الوقف ينتهى بخرابه أو بضآلة الأنصبة.

(2). البهوتى في الروض المربع- 2/ 480. ابن قدامة- 6/ 225.

الطوسي في المبسوط/ باب الوقف. و قد أرجعوا أمر بيعه إلى الناظر الخاص.

(3). راجع ابن عابدين- 3/ 528 فإنه نسب جواز بيع الوقف عموما إذا خرب إلى محمد بن الحسن، كما نسب ذلك الى أبى حنيفة نفسه راجع: حاشية العدوى على شرح الخرشى- 7/ 195.

(4). الحلي في مختلف الشيعة- 2/ 31 و في التذكرة باب/ الوقف.

(5). مسائل الخلاف- 2/ 5.

(6). باب الوقف.

(7). الحلي في مختلف الشيعة- 2/ 31 و في التذكرة/ باب الوقف.

239

لا يبرر انفكاك الوقفية عنه و بيع عرصته زاعمين بذلك عدم الخلاف بين الإمامية (1)، و إنما المبرر لذلك هو الخوف من وقوع الفتنة أو الخلاف بين مستحقيه بشكل يخشى منه الخراب. قالوا: «لو انهدمت الدار لم تخرج العرصة عن الوقف و لم يجز بيعها، و لو وقع بين الموقوف عليهم خلف بحيث يخشى خرابه جاز بيعه» (2).

و في مقابل هؤلاء جميعا ذهب المالكية (3) أو أكثرهم، و الشافعية (4) إلى المنع مطلقا من انفكاك الوقفية من العقارات إذا آلت إلى الخراب، سواء كان هذا الوقف خاصا أو عاما. دارا أو مسجدا.

كما ذهب إليه بعض الإمامية كابن الجنيد فيما ينسب إليه (5) و ابن إدريس (6) و صاحب الجواهر (7). بيد أن هذا الأخير قد ذكر- و يبدو أنه رأى وجيه- بأن المنع من انفكاك الوقفية بالخراب يجرى فيما إذا لم يلاحظ الواقف حيثية أو منفعة معينة من وقفه كالسكنى للدار مثلا، أما إذا لوحظت مثل هذه الحيثية و لكنها انتفت بشكل من الأشكال، كانتفاء‌

____________

(1). الجواهر- 6 باب الوقف. المظفر في توضيح الكلام/ باب الوقف.

(2). نجم الدين الحلي في الشرائع- 1/ 250.

(3). يقول مالك: «لا يباع العقار الحبس و لو خرب، و بقاء أحباس السلف دائرة دليل على منع ذلك (الخرشى- 7/ 95). راجع: أبا البركات في الشرح الكبير- 4/ 82، و الحطاب- 6/ 42، و ابن قدامة في المغني- 6/ 226، و أيضا أبا زهرة- 184.

(4). الطوسي في الخلاف- 2/ 5، و التذكرة/ باب الوقف، و ابن قدامة- 6/ 226.

و أيضا أبو زهرة- 187.

(5). التذكرة باب الوقف، و يبدو ان المنع عند بعضهم يشمل حتى المنقولات من الموقوفات كما يلاحظ من فحوى الإطلاق، راجع مختلف الشيعة- 2/ 31، و الحدائق- 5/ 86.

(6). السرائر- 377.

(7). 6/ باب الوقف.

240

وجود ساكن للدار فعلا، أو قوة، أمكن الحكم ببطلان الوقفية حينئذ بذهاب موضوعها.

عودة الوقف الخراب إلى حكم الموات:

أما الحكم بعد ذلك كله بعودة الوقف الخراب الذي أهمل المتولي أو أصحابه عمرانه: إلى حكم الموات، فلم نجد له في حدود تتبعنا قائلًا سوى تصريح قال به المرحوم والدنا. يقول (رحمه اللّه) بالحرف الواحد:

«لو كانت الأرض موقوفة وقفا عاما أو خاصا، و ترك المتولي و أصحابها عمرانها عادت إلى حكم الأنفال على الأقرب، لعمومات الخربة و الموات و عمومات من أحيا أرضا ميتة فهي له» (1).

فإنه حتى بالنسبة إلى أولئك الفقهاء القائلين بانفكاك وقفية العقار إذا آل إلى الخراب، لا نجد ما ينم منهم كما مر- القول بعودة الوقف إلى حكم الموات عند خرابه و اندراسه. فإنهم إذ جوزوا هناك البيع أو الانفكاك فإنما جوزوه بشرط المناقلة أو الاستبدال، أو بشرط رجوع الثمن إلى مستحقيه للانتفاع به، أو بشرط عودة أصل العين إلى واقفها، كما وقفنا على تفصيله.

بل إن هناك من صرح كابن عابدين (2) من الأحناف بقوله: «و بالطريق الأولى- أي الأولى من الأرض المملوكة المندرسة في الحكم بعدم جواز إحيائها- إن أرض الوقف الموات لا يجوز إحياؤها».

كما نجد من وصف «بالشناعة» (3) الحكم ببطلان الوقف العام المنشأ في الأراضي المفتوحة عنوة إذا آل إلى الخراب.

____________

(1). المظفر في شرح القواعد/ كتاب الخمس.

(2). رد المختار- 5/ 381.

(3). بحر العلوم في البلغة- 59.

241

أما نحن فحسبنا بعد أن انتهينا مسبقا إلى القول بملكية الدولة لرقبة الأرض عموما: أن نقول بشمول هذا الأصل أيضا للأراضي الموقوفة، فإذا ما آل الوقف العام أو الخاص إلى الخراب و الهجران، و لم ترج عودته إلى سابق عمرانه و نفعه، فقد صار إلى حكم الموات. الأمر الذي يمكن الأفراد من إحيائه و استغلاله، بعد صدور الإذن طبعا من الدولة بذلك، لتؤدي هذه الأرض الخراب المعطلة وظيفتها الاجتماعية أسوة بالأراضي المستغلة الأخرى، و ذلك عملا بالعمومات السابقة التي لم تحدد نوعا معينا من الأراضي الموات مثل قوله (ص): من أحيا أرضا ميتة فهي له، و من أحيا أرضا مواتا فهي له و ليس لعرق ظالم حق.

هذا مضافا إلى أدلة الأنفال السابقة أيضا، التي جاء في أحد مقاطعها الحكم باعتبار الأراضي الخراب (1) عموما ملكا إلى الدولة و الإمام باعتبار منصبه دون تفريق بين نوع و آخر منها.

غير أنه يمكن مع ذلك استثناء المساجد خاصة من عمومية الحكم المذكور على اعتبار وجود نصوص تخصها، مضافا إلى تطابق آراء الفقهاء تقريبا على ذلك من حيث تعلق الغرض الأصلي في وقف المساجد بأرضها- كما يقولون- (2).

____________

(1). انظر الوسائل- 2/ 64 في صحيحة حفص و موثقتي محمد بن مسلم.

(2). بحر العلوم في البلغة- 59، و البحراني في الحدائق- 5/ 505.

242

(ثالثا) العرصات المتروكة

إن من الظواهر السارية في كثير من المدن و الأحياء القديمة منها و الحديثة:

هو انتشار العرصات و نحوها من الخرائب المعطلة عن الانتفاع و الاستغلال.

و مع اتصاف هذه الأنواع المعطلة من الأراضي بأهم مميزات الأراضي الموات، إلا أن حكمها من الإحياء، كما يبدو، في حاجة إلى شي‌ء من البيان، فهل من الممكن أن تسقط الحقوق الواردة عليها- كما هو الحال في أمثالها من الأراضي الموات- إذا ما عمد أصحابها إلى إهمالها و تعطيلها عن الانتفاع؟

و هل يحق بالتالى للغير أن يتقدم لاستغلالها و إخراجها عن عطلتها و هجرانها؟

الواقع إن مرتكزاتنا الذهنية، و مثلها سيرة المتشرعة من الناس الممتدة إلى أزمان طويلة، مضافا إلى الأحكام و الفتاوى شبه الإجماعية القاضية بلزوم صيانة حقوق الناس و ممتلكاتهم، و عدم تأثرها بالعطلة أو الهجران (1)، و المعتمد ذلك كله على بعض النصوص و الأدلة الظاهرة باحترام تلك الحقوق و إعطائها صفة الدوام، و التي سبق أن عرضنا لها بتفصيل في الفصل الأول من هذا الباب، و في شرط انتفاء الملكية السابقة من باب شروط الإحياء.

أقول: إن ذلك و نحوه مما يدعونا الى القول بلزوم إبقاء الحقوق السابقة‌

____________

(1). راجع في ذلك آراء فقهاء المذاهب في كل من: شرح اللمعة- 2/ 252 و مفتاح الكرامة- 7/ 9 للإمامية. البحر الزخار- 4/ 72 للزيدية.

أبى يوسف- 92. و الكاساني- 6/ 193، و السرخسي- 23/ 188 للأحناف. الشافعي في الأم- 3/ 264، و الماوردي- 191 للشافعية. المواق 6/ 2- 3 للمالكية، و قد فرق بين المسبوقة بالإحياء و المسبوقة بالشراء فجوز سقوط الحقوق بالنسبة إلى الصورة الأولى دون الثانية. ابن قدامة- 6/ 148 للحنابلة. و ابن حزم من الظاهرية- 8/ 233.

243

و منع انقضائها بالخراب أو الهجران. يقول الكاساني (1)- و هو ممن يمثل وجهة النظر هذه:- «إن الأرض المملوكة الخراب ليس لأحد أن يتصرف فيها من غير إذن صاحبها، لأن عصمة الملك تمنع من ذلك، و لأن الملك فيها قائم و إن طال الزمان، حتى يجوز بيعها و هبتها و تصير ميراثا».

و لكننا مع كل هذا نرى أن الأحاديث الخاصة و مثلها العمومات السابقة الواردة في موضوع الإحياء، و ما يسندها من نظرة الإسلام المبدئية للأرض بأن لها وظيفة اجتماعية، مضافا إلى الحقيقة القاضية بانتفاء ورود الملكية الخاصة على رقبة الأرض، و التي سبق لنا اعتمادها. نرى كل ذلك و نحوه مما يدعونا الى عدم اعتماد الرأي المذكور، و الأخذ بالرأي المقابل القائل بإمكانية انتهاء الحقوق الواردة على الأراضي في حالة تعطيلها و إخراجها، بما فيها العرصات الخاصة.

و من بين تلك العمومات السابقة قوله (ص): «من أحيا أرضا ميتة فهي له» و قول الإمام الباقر: «أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض أو عمروها فهم أحق بها و هي لهم» إلى نحوها من النصوص التي لم تخصص نوعا معينا من الأراضي الموات في جواز إحيائه.

أما الأدلة الخاصة- و التي هي في رأينا أكثر دلالة من سابقتها على المطلوب، و ذلك لإمكان صرف هذه الأدلة العامة إلى الرأي الآخر أيضا- فمن أظهرها رواية معاوية بن وهب المتقدمة، و رواية أبي خالد الكابلي المتقدمة أيضا و التي يقول في ذيلها:

«و إن تركها- أى صاحب الأرض- و أخربها فأخذها رجل من‌

____________

(1). بدائع الصنائع- 6/ 153.

244

المسلمين من بعده فعمرها و أحياها فهو أحق بها من الذي تركها» (1) و كذلك ما رواه القرشي (2) بقوله: «جاء رجل إلى على (ع) فقال: أتيت أرضا قد خربت و عجز عنها أهلها فكريت أنهارا و زرعتها، قال: كل هنيئا و أنت مصلح غير مفسد، معمّر غير مخرب».

و في رواية أخرى سابقة عن أحد أئمة أهل البيت قال: «إن الأرض للّه تعالى جعلها وقفا على عباده، فمن عطل أرضا ثلاث سنين متوالية لغير ما علة أخذت من يده و دفعت إلى غيره» (3).

و في رواية رابعة عن الخليفة عمر قال: «من عطل أرضا ثلاث سنين لم يعمرها، فجاء غيره فعمرها فهي له» (4).

و جوابا على سؤال عن نوع الضريبة الزراعية المفروضة على الأراضي التي أسلم عليها أهلها طوعا، قال في النص: «. تركت أرضه في يده و أخذ منه العشر مما سقطت السماء و الأنهار، و نصف العشر مما كان بالرشاء فيما عمروه منها، و ما لم يعمر منها أخذه الوالي فقبله ممن يعمره، و كان للمسلمين» (5).

إلى نحوها من الأخبار الخاصة المتضافرة التي سبق الاستدلال بها في بحث «الاتجاهات الفقهية من ملكية الأرض» و غيره، و التي توضح بجلاء سقوط الحق على قطعة الأرض بالخراب و الهجران.

____________

(1). الطوسي في التهذيب- 7/ 152. الكليني في الكافي- 5/ 279.

(2). الخراج- 63.

(3). الوسائل- 3/ 239.

(4). القرشي- 91. و رواها أبو يوسف- 61 هكذا: «من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنين فلم يعمرها، فعمرها قوم آخرون فهم أحق بها».

(5). التهذيب- 4/ 119.

245

و أما ما روى في حديث آخر عن معاوية بن وهب عن أبى جعفر (1) قال: «قلت له: إن الى جانب داري عرصة بين حيطان لست أعرفها لأحد، فأدخلها في داري؟ قال: أما أنه من أخذ شبرا من الأرض بغير حق أتى به يوم القيامة في عنقه من سبع أرضين». فإنه يمكن الإجابة عليها بأن التحويط المضروب على العرصة يمكن أن يكون ضربا من الإحياء (2) و بيانا من بياناته، و لذلك فإن مصادرة العرصة و ضمها إلى الدار المجاورة المذكورة يعتبر تعديا و تجاوزا على حقوق الغير، و إن كان هذا الغير فعلا غير معروف علاوة على أن الحيازة لمثلها يلزم أن تكون مقرونة بإذن من الدولة كما قلنا سابقا، و هو منتف هنا كما يبدو.

مدة التعطيل:

هذا و إن كان حبس الأراضي عن عطائها و نشاطها بما فيها العرصات الخاصة، يؤثر بحسب الأصل، و بحسب الأدلة السابقة، في الحقوق الواردة عليها و يعرضها للانقضاء و السقوط، فإن ذلك التأثير في الحقيقة لا يتم أو يأتي إلا بعد انقضاء مدة معينة هي مدة إبلاء الأعذار التي قدرت في بعض النصوص- و قد مرت قبل قليل- بثلاث سنين (3) كما هو الحال عندهم في التحجير و في الإقطاع.

____________

(1). التهذيب- 7/ 130، كما روى قريبا منه عن عائشة: «إن رسول اللّه (ص) قال:

من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين» راجع: ابن دقيق في أحكام الأحكام- 3/ 226. كما روى مثله عن سعيد بن زيد قال (ص): «من أخذ شبرا من أرض بغير حق طوقه من سبع أرضين» أبو يوسف- 62.

(2). أبو يوسف- 65، و داماد- 2/ 558، و الحجاوى في الإقناع- 2/ 387.

(3). و حددت كذلك بعض القوانين الوضعية كالقانون المدني العراقي م 1186 مدة التعطيل- بثلاث سنوات متوالية بغير عذر بالنسبة إلى الأرض الموات التي اكتسب عليها حق التصرف بالإحياء، فإنها تنزع من يده و تفوض إلى غيره بعد المدة المذكورة إذا لم يقم باستثمارها، كما حددها القانون المدني المصري الأخير م 874 ف 3 بالنسبة إلى الأرض الموات التي تملكها بالإحياء بخمس عشرة سنة يفقد فيها ملكيته إذا لم يستعمل الأرض مدة خمس سنوات متتابعة خلال تلك المدة، و قريبا من ذلك حددها قانون الملكية العقارية اللبناني م 235.

246

غير أن الذي يظهر أن هذه المدة الواردة في هذه النصوص و نظائرها قد جاءت على الأقرب انعكاسا للحاجة و العادة السائدة آنذاك في مثلها، و ليست قدرا ثابتا و محددا لا يجوز تجاوزه في أي وقت أو أي ظرف آخر.

لذلك فإن من حق صاحب الأرض أن يحصل على فرصة مناسبة تكفى للنهوض بعملية إحيائها و أعمارها، و هذه الفرصة تخضع، من ناحية، لظروف الشخص و إمكاناته، و من ناحية أخرى، لطبيعة الأرض و مدى استجابتها للتطوير و للاعمار.

حق صاحب العرصة في قيمتها:

و بقي شي‌ء مهم لا بد من بيانه، و هو أن العرصات المذكورة إذا ما نزعت من يد صاحبها الذي تعمد في تعطيلها أو إخرابها، و أعطيت إلى من يقوم بإحيائها و استغلالها فهل يستحق عليها صاحبها الأول قيمتها السائدة بعد انتقالها إلى الغير؟ أو هل يستحق عليها الأجرة باعتبارها لا زالت باقية في ملكه و تحت تصرفه؟ أو أنها تعود إلى الدولة بشكل مصادرة و دونما بدل أو تعويض لسقوط حقه فيها بالهجران و بالتعطيل؟

الواقع إن النصوص الخاصة المذكورة ساكتة عن هذه الناحية بالذات، و إن كنا نعتقد أن لمثل هذا القطاع من الأرض حكما خاصا، نظرا لقوة الحقوق الواردة عليه بوقوعه في إحياء سكنية، قد لا يعتبر من أجلها في حكم الأراضي الموات كما هو رأى فريق من الأحناف الذي جاء في تحديد‌

247

ماهية الموات (1)- حسبما مر- مضافا إلى حقوق الشراء أو نفقات الإحياء التي لا بد من مراعاتها و عدم غمطها.

لذلك جمعا بين الحقوق الوظيفة للأرض و بين الحقوق الخاصة للأفراد لا بد من تعويض صاحب العرصة المتروكة بقيمتها السائدة إذا ما نزعت من يده، و إن كنا نعتقد من جهة أخرى أن رقبة الأرض من حيث الأصل هي مملوكة إلى الدولة.

أما إعطاء الأجرة إلى صاحبها- و هو الاتجاه الآخر- فلا أجده يقوم على أساس أو دليل غير الرواية المعروفة بين الإمامية و هي رواية سليمان بن خالد التي يقول فيها: «عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها و يجري أنهارها و يعمرها و يزرعها ماذا عليه؟ قال: عليه الصدقة، قلت: فإن كان يعرف صاحبها؟ قال: فليؤد إليه حقه» (2) و لكنها ضعيفة مقطوعة السند كما يقول غير واحد من الفقهاء (3) فلا تصلح للاستدلال مع وجود الأدلة المعارضة.

و أمر رجوعها إلى الدولة دونما تعويض أو بدل و على شكل مصادرة شي‌ء فيه كثير من الإجحاف و غمط الحقوق، لا سيما و أن صاحبها ربما يكون قد أنفق الشي‌ء الكثير من أمواله و جهوده حتى رست تحت سلطانه.

____________

(1). راجع الماوردي- 177، و الكاساني- 6/ 194.

(2). التهذيب- 7/ 148، و الوسائل- 3/ 327.

(3). راجع شرح اللمعة- 2/ 251.

248

(رابعا) الأراضي المعدنية و محتوياتها المبثوثة فيها

التقسيم الفقهي للمعادن و معياره:

تقسم المواد المعدنية الموجودة في الطبيعة عند الفقهاء عادة إلى:

مواد معدنية (ظاهرة).

و أخرى. (باطنة).

و قد وضع الفقهاء للتمييز بين هذين النوعين من المعادن ضوبط و معايير مختلفة، و من بينها (معياران) رئيسان:

(أحدهما) يرجع الفرق إلى مكان المعدن ذاته من ظاهر الأرض، فما كان من المعادن واقعا في مكامنه الطبيعية تحت سطح الأرض فهو معدن باطن، و الا- أى و إن كان واقعا فوق سطحها- فهو معدن ظاهر، حتى لو كان خاما و محتاجا لإبراز عناصره إلى تكرير أو تطوير، و واضح ن هذا هو نفس ما تؤديه كلمات (الباطن و الظاهر) من معان في اللغة.

و قد اعتمد هذا المعيار كل من فقهاء الزيدية (1) و بعض فقهاء الأحناف (2) كما يظهر.

____________

(1). أحمد بن يحيى في البحر الزخار- 1/ 78.

(2). الطحاوي- 4/ 214.

249

أما (المعيار الآخر) فإنه يجعل فيصل التفرقة راجعا إلى طبيعة و تركيب المعدن ذاته، فما كان من المعادن محتاجا لإبراز عناصره و خصائصه الجوهرية إلى علاج و تحليل و ما إليها من العمليات الفنية المعقدة، (فهو معدن باطن)، و إلا كان (معدنا ظاهرا) حتى لو احتاج إلى بذل مؤنة في البحث عنه و الوصول إلى نيله (1) و أغواره. بمعنى أن المعادن الظاهرة هي تلك التي يبدو جوهرها من غير عمل و جهد، و إنما العمل و الجهد هو في السعي وراء تحصيلها (2) و العثور عليها.

و قد أخذ بهذا المعيار- و هو أبرز الضوابط و المعايير شهرة- فقهاء كل من الإمامية (3) و الشافعية (4) و الحنابلة (5).

غير أن البعض من هؤلاء الفقهاء (6) قد عمد في نفس الوقت إلى تقسيم المعدن (الباطن) إلى: (ظاهر) أيضا، و آخر (غير ظاهر). على اعتبار وجود قسم منه فوق سطح الأرض، فألحقوه بحكم (الظاهر‌

____________

(1). يراد بالنيل هنا: تلك الطبقة القعرية من المنجم، أو القاع التي يرسو عليها المعدن.

(2). العاملي في المسالك/ إحياء الموات.

(3). راجع: التذكرة/ إحياء الموات. المسالك حياء الموات.

(4). الرملي في نهاية المحتاج 5/ 346- 348، و راجع الماوردي- 197.

(5). ابن قدامة في المغني 6/ 156- 157، و راجع أيضا أبا يعلى 219- 220.

(6). الحلي في التذكرة/ إحياء الموات، و في القواعد- 85.

المسالك/ إحياء الموات. مفتاح الكرامة- 7/ 45.

ابن قدامة- 6/ 157.

250

الأصل) (1).

و مع وجاهة هذا المعيار الأخير في التفرقة بين قسمي المعادن المذكورين، من حيث أخذه العمل و المجهود الفني أساسا للتفرقة، الأمر الذي يجعله منسجما مع أدلة الإحياء السابقة الشاملة للمعادن عندهم أيضا، إلا أنه لا مبرر للقسمة الفرعية المذكورة، ما دام المقصود بالظاهر و الباطن من المعدن ليس المعنى اللغوي الظاهر لهما. إذ يكفي لتمييز الباطن من غيره جعل العلاج و التعدين مع فعلية الحفر صفة له. أى للمعدن الباطن.

و ما بقي فهو من صفات المعدن الظاهر (2).

و تظهر فائدة هذه التقسيمات (3) للمعادن عندهم في الحديث عن حكم‌

____________

(1). المرداوى في الإنصاف- 6/ 362. المسالك/ إحياء الموات.

(2). و عليه يكون المعدن الظاهر ثلاث صور- قبال تلك الصورة الواحدة المعدن الباطن- و هي:

صورة وقوع المعدن فوق سطح الأرض مع حاجته إلى التعدين.

صورة وقوع المعدن فوق سطح الأرض مع عدم حاجته إلى التعدين.

صورة وقوع المعدن تحت سطح الأرض مع عدم حاجته إلى التعدين.

و هذه الصورة الثالثة في الحقيقة هي مورد الفرق بين المعيارين الواردين في المتن، إذ يعتبرها المعيار الثاني معدنا ظاهرا- كما رأينا- في حين يعتبرها المعيار الأول معدنا باطنا. و تظهر الفائدة بين هذين الاعتبارين: في إمكانية ورود الحقوق الخاصة في هذه الصورة الثالثة، فمن اعتبر ما فيها معدنا ظاهرا- و هم أصحاب المعيار الثاني- منع من تملكه، و من اعتبره معدنا باطنا- و هم أصحاب المعيار الأول- أجاز تملكه بالإحياء أو نحوه.

(3). و يبرز لفقهاء الحنفية- كما لآخرين أيضا- في تقسيمات المعادن منهج آخر، أساسه قابلية المعدن على السيولة أو الإذابة و الانطباع من عدمه. فالمعدن عندهم:

- أما سائل مثل النفط و القار و نحوه.

- و إما معدن جامد. و هذا:

- إما أن يكون قابلًا للاذابة و الانطباع (الطرق) مثل الذهب و الفضة و النحاس و نحوها مما يسمى حديثا ب‍ (الفلزات).

- و إما أن لا تكون له القابلية على ذلك مثل الفحم و النورة و الكبريت و غيرها مما يطلق عليه ب‍ (اللافلزات).

و كل من هذه الأنواع الثلاثة- السائل و الجامد بقسميه- لا يخلو: إما أن يوجد في أرض إسلامية، أو دار حرب، في أرض مملوكة أو غير مملوكة.

و لكل من هذه الأصول و التفريعات أحكام و شروط تخصها. نحيل الراغبين بالتوسع فيها إلى مظانها من الكتب الفقهية.

251

إحياء المعادن الواقعة في الأراضي الحرة الموات، و الأخرى في أرض مملوكة أو محياة، كما سنراه مفصلا في الفرعين التاليين:

(ا) إحياء المعادن الواقعة في الأراضي الموات:

فبالنسبة إلى المعادن الظاهرة (1) يتفق جمهور الفقهاء من الإمامية (2) و الزيدية (3) و من المالكية (4)، و الشافعية (5)، و الحنابلة (6)، على المنع‌

____________

(1). إن الحكم هنا في المعادن الظاهرة، و مثله فيما سيأتي في المعادن الباطنة، يجرى بحسب وجهة نظر كل فقيه في معيار التفرقة الذي يراه، لا بحسب معيار بعينه يسرى على الكل.

(2). الطوسي في المبسوط/ إحياء الموات. الحلي في التذكرة/ إحياء الموات، و في القواعد- 84. زين الدين في المسالك/ إحياء الموات. الجواهر- 6/ إحياء الموات.

(3). البحر الزخار- 4/ 78.

(4). الحطاب 2/ 334- 335، و راجع أيضا أبا زهرة في الملكية و نظرية العقد 123- 124، حيث منعوا- أي المالكية- من إحياء المعادن مطلقا بالنسبة إلى الأفراد.

(5). الأم 3/ 265- 266. الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 346. مختصر المزني- 3/ 109.

(6). المقدسي في الشرح الكبير- 6/ 154. المقنع- 2/ 286. ابن قدامة في المغني- 6/ 156، و قد قال هذا الأخير: بأنه لا يعلم في ذلك مخالفا بين الفقهاء.

252

من تملكها بالإحياء (1) و كذلك المنع من تحجيرها و إقطاعها (2)، و ذلك لأنها- كما جاء في بعض تصريحاتهم- من المنافع المشتركة (3) (الدومين العام) التي يستوي الناس جميعا في حق الاستفادة منها.

و يستدل بعضهم على ذلك بحديث (4) الأبيض بن حمال المازني الذي استقطع الرسول ملحا بمارب (5) فلما أقطعه، و قيل له- أى الرسول-:

____________

(1). ذهب الأحناف إلى القول بعدم اعتبار الأراضي التي توجد فيها بعض المعادن الظاهرة مثل الملح و النفط و القار و نحوها مما لا يستغنى عنها المسلمون: أراضي موات، و لذلك لا يمكن أن ترد عليها الحقوق الخاصة بالإحياء أو بالإقطاع. غير أنهم ذهبوا و في نفس الوقت إلى إعطاء الحق للأفراد باستخراج المعادن المذكورة و جعلها في ملكية الواجد على أن يؤدى عنها ضريبة الخمس (راجع: داماد- 2/ 561، و الطحاوي- 4/ 214، و السمرقندي في تحفة الفقهاء- 671).

(2). راجع المصادر المذكورة لفقهاء المذاهب. و لكن جوز بعض الإمامية إقطاع المعادن الظاهرة إذا لم يلحق المسلمين بها ضرر، على اعتبارها عندهم من الأنفال لا من المنافع المشتركة (راجع التذكرة/ إحياء الموات).

(3). الأم- 3/ 465. التذكرة/ إحياء الموات. مفتاح الكرامة- 7/ 41. شرح اللمعة- 2/ 259. الماوردي- 197.

مختصر المزني- 3/ 109. الكاساني- 6/ 194.

(4). استدل به في كل من البحر الزخار- 4/ 78. الأم- 3/ 265.

مختصر المزني- 3/ 109. الماوردي- 197. المغني و الشرح الكبير على متن المقنع 6/ 154- 156. كما ساقه للاستدلال به الطوسي في المبسوط/ إحياء الموات، و الحلي في التذكرة/ إحياء الموات، و لكنهما وجها له بعض الطعون.

و روى هذا الحديث البيهقي- 6/ 149، و الدارمي- 2/ 181.

و الترمذي و أبو داود (عن الشرح الكبير للمقدسى- 6/ 155) و أبو عبيد في الأموال- 275 و غيرهم.

(5). مارب على زنة ضارب: موضع بصنعاء، و قد نسب ذلك الى الحافظ في التلخيص- و مآرب- على زنة منزل-: بلدة في اليمن (عن حاشية أبي عبيد- 275).

253

إنه بمنزلة الماء العد (1) عدل عن إقطاعه، و قال: لا إذن!! و استدل بعض الإمامية (2) بالحديث المستفيض المعروف: «الناس شركاء في ثلاث: في الماء و النار و الكلأ» (3).

كما قيل: إن الغرض من المنع هو عدم إلحاق الضرر بالمجموع و التضييق عليهم (4).

أما بالنسبة إلى المعادن الباطنة، و هي النوع الآخر من المعادن المذكورة، فقد اختلف الفقهاء في حكمها إلى فريقين: فريق يذهب إلى إعطائه حكم المعادن الظاهرة الأصل في المنع من تملكها بالإحياء و نحوه، و ممن ذهب إلى هذا الرأي بعض الإمامية (5)، و الشافعية في أحد رأييهم (6)، و كذلك‌

____________

(1). قال أبو عبيد: الماء العد هو الذي له موارد تمده مثل العيون و الآبار، و قال غيره:

هو الماء المتجمع المعد (الماوردي- 197). و راجع جواد على في العرب قبل الإسلام- 8/ 311.

(2). و هو العلامة الحلي في التذكرة/ باب إحياء الموات، و لكن لا ندري ما وجه الاستدلال بهذا الحديث مع أنه ليس في واحد من تلك العناصر الثلاثة التي ذكر الحديث شركة الناس فيها، ما يعتبر معدنا من المعادن في أعراف الفقهاء، و إن كنا نحن الآن قد نجد له وجها من حيث إن مدلول النار منها يشمل النفط (المتفق على معدنيته) باعتباره أحد المواد.

الوقودية المحرقة.

و قد يكون ذهن العلامة الحلي المتوقد قد اهتدى إلى هذه الناحية من ذلك الحين.

(3). الصدوق- 3/ 150، و أبو عبيد- 295، و الحر في الوسائل- 3/ 328.

(4). ابن قدامة- 6/ 155.

(5). كالكليني و القاضي و القمي و المفيد و الديلمي (راجع الصدر في اقتصادنا- 2/ 121) و راجع أيضا هامش اللمعة- 2/ 259، و الجواهر/ إحياء الموات، و مفتاح الكرامة- 7/ 30.

(6). الرملي- 5/ 348، و الماوردي- 198.

254

الحنابلة (1)، و الزيدية (2) و إن اختلفوا في الحكم بإقطاعها (3).

و فريق آخر يذهب إلى التفرقة بينها و بين المعادن الظاهرة، حيث قالوا بجواز إحيائها و كذلك إقطاعها، على العكس مما رأيناه في قسيمتها الظاهرة، و من بين هؤلاء بعض الإمامية (4) و الأحناف (5) و مثلهم الشافعية في قول آخر (6).

و قد علل بعضهم ذلك بأن المعادن الباطنة- بخلاف الظاهرة- هي في الأصل كالموات من الأرض لا يمكن أن يتحقق الانتفاع به سوى بالعمل و بذل المؤنة و الجهد. الأمر الذي يرجح اتساعها- دون قسيمتها- لعموم أدلة الإحياء السابقة (7).

(ب) المعادلة الواقعة في أراضي محياة:.

. كان كل هذا من الآراء في المعادن التي تظهر في أراض حرة لم يرد بعد عليها أى نوع من أنواع الحقوق الخاصة، أما إذا ظهرت هذه المعادن في أرض بعد إحيائها. فقد أعطاها جمهور الفقهاء- تبعا-

____________

(1). المرداوى في الإنصاف- 6/ 362، المغني و الشرح الكبير- 6/ 155- 157، و ذلك في ظاهر المذهب فيما إذا كانت في قسم الباطنة غير الظاهرة، أما إذا كانت من قسم الباطنة الظاهرة فلا خلاف عندهم في عدم جواز تملكها بالإحياء.

(2). أحمد بن يحيى 4/ 78- 79.

(3). ذكروا بأن الزيدية اختلفوا كما اختلف الحنابلة في حكم إقطاعها مع اتفاقهم بعدم مشروعية إحيائها (راجع: أحمد بن يحيى- 4/ 78- 79، و ابن قدامة- 6/ 157- 158).

(4). كالشيخ الطوسي في المبسوط/ إحياء الموات. و الحلي في التذكرة/ إحياء الموات، و في القواعد- 85، و العاملي في مفتاح الكرامة- 7/ 45 و غيرهم.

(5). راجع التذكرة/ إحياء الموات.

(6). الرملي- 5/ 348، و الماوردي- 198.

(7). المغني و الشرح الكبير 6/ 156- 157.

255

حكم هذه الأرض من الملكية أو الاختصاص، لأن المعادن تعتبر في الأصل من طبيعة الأرض و جزءا من أجزائها كما صرح بذلك الكثير منهم (1).

و عليه فإذا أحيا شخص أرضا مواتا بشروط الإحياء السابقة، ثم ظهر فيها معدن باطن أو ظاهر (2)- و كان ظهوره لا حقا لإحيائها- استحقه تبعا بالإحياء. قال بذلك: الشافعية (3) و الإمامية في قول (4)، كما قال‌

____________

(1). راجع الطوسي في المبسوط/ إحياء الموات، الحلي في التذكرة/ إحياء الموات، الكاساني- 2/ 66. ابن عابدين- 2/ 62. الرملي- 5/ 348. و راجع أيضا: الخفيف، الملكية في الشريعة الإسلامية- 50 بالنسبة إلى رأي الحنابلة و رأى الشافعية و الأحناف أيضا.

(2). يبدو أن البعض من الفقهاء (التالين في المتن) قد خصوا تبعية المعادن للأرض عند إحيائها بالقسم الباطن منها، و ذلك انسجاما مع التعليل بكونها من أجزاء الأرض، فقد صرح صاحب المنهاج من الشافعية بقوله: «و من أحيا مواتا فظهر فيه معدن باطن ملكه بقعة و نيلا» غير أن الشارح لهذا المنهاج- و هو الرملي صاحب نهاية المحتاج 5/ 348- لم يكن موفقا كما أحسب، في تفسيره للنص أو المتن المذكور، و ذلك لكونه علق ملكية المعادن مطلقا ظاهرة أو باطنة: على ما إذا لم يكن المحيى عالما بوجود هذا المعدن قبلا، في حين أن المعدن الظاهر- كما يبدو من النص- لا يملكه المحيى سواء علم بوجود أو لم يعلم.

و على العكس فقد استظهر أحد شراح كتاب شرائع الإسلام- و هو زين الدين العاملي في مسالكه/ باب إحياء الموات- من ظهور المعدن الوارد في قول الماتن: «لو أحيا أرضا و ظهر فيها معدن ملكه تبعا لأنه من أجزائها». استظهر أن المراد به هو المعدن الباطن ليس إلا، نظرا لما يرشد اليه التعليل المذكور بكونه من أجزاء الأرض.

و ليس يخفى دقة هذه الملاحظة، لعدم وجود تبرير مقبول في تبعية المعدن الظاهر إلى الأرض بالملكية. إن استطعنا أن نبرر بنحو من الأنحاء تبعية المعدن الباطن للأرض بكونه من أجزائها.

(3). الأم- 3/ 267، و الماوردي- 198.

(4). الطوسي في المبسوط/ إحياء الموات. التذكرة/ إحياء الموات. شرح اللمعة- 2/ 259، 260.

256

به الظاهرية (1) و الأحناف أيضا (2).

و خص الحنابلة- في ظاهر رأيهم- (3) تبعية المعادن إلى أراضيها في الحكم. خصوا ذلك: بالمعادن الجامدة دون الجارية لكونها من أجزائها، و لذلك فإن إحياء الأرض عندهم يعطى لصاحبه حقا في تملك ما يوجد في أرضه من المعادن الجامدة ظاهرة كانت أو باطنة، بخلاف قسيمتها الجارية، فإنها تظل في الحكم على الإشاعة استنادا (4) إلى قوله (ص):

«الناس شركاء في ثلاث: في الماء و النار و الكلأ».

و بنحو آخر نص فقهاء الزيدية على ذلك، إذ لم يجعلوا المعادن الجارية- بخلاف الجامدة- تابعة في الحكم إلى أراضيها المملوكة، و إنما أعطوا لصاحبها أحقية التصرف فيها، حكم ذلك حكم المياه الجارية في انهار خاصة مملوكة (5).

أما المالكية (6) و البعض الآخر من الإمامية كالكليني و القمي و المفيد و الديلمي و القاضي و نظرائهم كما تقدم، فقد قالوا بملكية الدولة أو الإمام‌

____________

(1). ابن حزم في المحلى- 8/ 238.

(2). راجع السمرقندي في تحفة الفقهاء 675- 676. حيث صرح الحنفية بأن المعدن مطلقا إذا وجد في أرض مملوكة يكون ملكا لصاحبها، غير أنهم اختلفوا في وجوب ضريبة الخمس على هذا المعدن.

(3). المرداوى في الإنصاف- 6/ 363. الحجاوى في الإقناع- 2/ 387.

المغني و الشرح الكبير 6/ 156- 157.

(4). المغني و الشرح الكبير 6/ 156- 158.

(5). السياغى في الروض النضير- 3/ 310.

(6). راجع أبا زهرة في الملكية و نظرية العقد 123- 124.