إحياء الأراضي الموات

- محمود المظفر المزيد...
358 /
257

للمعادن مطلقا. الأمر الذي يمنع من دخولها في نطاق ملكية الواجد، حتى لو وجدها بأرضه المحياة.

غير أن مالكا نفسه- فيما رأيت (1)- استثنى من ذلك المعادن التي تظهر في أراضي الصلح، فاعتبرها مملوكة لأهلها، كما هو الحال في الأراضي نفسها إقرارا لاتفاقية الصلح المعقودة.

و تظهر نسبة ذلك القول إلى المالكية أو بعضهم من التفصيل الذي ذكره صاحب القوانين الفقهية (2)- و هو منهم- حيث أرجع بالاتفاق أو بأحد القولين ملكية المعادن بأقسامها المختلفة إلى الإمام أو الدولة. يقول:

«و ينقسم المعدن إلى ثلاثة أقسام: أن يكون في أرض غير متملكة فهو للإمام، و أن يكون في أرض مملوكة لمعين فهو لصاحبها و قيل للإمام.

و أن يكون في أرض متملكة لغير معين كأرض العنوة و الصلح فقيل: لمن افتتحها، و قيل: للإمام».

هذا و ذكر أن المالكية ذهبوا في رواية أخرى إلى أبعد من ذلك.

ذهبوا إلى سقوط حق المالك في أرضه إذا ما ظهر فيها شي‌ء من المعادن.

حيث تصير هذه الأرض في ملكية الدولة تبعا للمعدن الذي تحتويه (3)، بمجرد ظهور هذا المعدن فيها.

____________

(1). المدونة- 2/ 50، المواق- 2/ 334، الحطاب 334- 335.

(2). ابن جزى- 102.

(3). ابن حزم- 6/ 111، و ينقد ابن حزم هذا الرأي في مكان آخر من محلاة- 8/ 238 بقوله: «و هذا باطل لقوله تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ، و لقول رسول اللّه: من أحيا أرضا ميتة فهي له و لعقبه، و لقوله (ع): إن دماءكم و أموالكم عليكم حرام، فليت شعري بأي وجه تخرج أرضه التي ملك بإرث أو التي أحيا عن يده من أجل وجود المعدن فيها؟».

258

رأينا في ملكية المعادن:

أما نحن فلا نجد حاجة إلى كل تلك التفاصيل- التي أتى عليها الفقهاء- في حكم نوعية المعادن التي تظهر في أراض حرة، و حكم نوعية المعادن الأخرى التي تظهر في أراض مملوكة أو محياة، ذلك لأن الدليل عندنا هو الدليل في جميع الحالات و التفاصيل المذكورة، و هذا الدليل يقضى في الأصل بملكية الدولة للمعادن مطلقا (1)، سواء ما كان منها ظاهرا أو باطنا، و سواء ما كان منها واقعا في أرض ميتة أو محياة، ثم سواء تناولت عملية الإحياء المعدن ذاته أو أراضيه التي تضمه.

و أكثر الأدلة صراحة على ذلك هي الروايات المنسوبة إلى بعض أئمة أهل البيت في الأنفال، و التي تقضى بملكية المعادن و نحوها مما أتت به تلك الروايات إلى الدولة أو الإمام باعتبار منصبه في هذه الدولة. يقول داود ابن فرقد في حديث له عن الإمام الصادق: «قلت: و ما الأنفال؟ قال:

بطون الأودية، و رءوس الجبال و الآجام، و المعادن، و كل أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب. الحديث» (2).

و في خبر أبى بصير عن أبى جعفر أيضا: «قال: لنا الأنفال، قلت:

و ما الأنفال؟ قال: منها المعادن، و الآجام، و كل أرض لا رب لها.

الحديث» (3).

و إذا أمكن أن يأتي القول بالإعراض عن هاتين الروايتين لضعفهما‌

____________

(1). حتى ذكر صاحب الجواهر في كتاب الخمس، أنه المشهور نقلا و تحصيلا، للأصل و السيرة و خلو أخبار الخمس عن التعرض له.

(2). الحر في وسائل الشيعة- 2/ 65.

(3). الحر في وسائل الشيعة- 2/ 65.

259

سندا- كما جاء عن البعض (1)- فلا سبيل إلى مثل هذا القول بالنسبة إلى الرواية التالية لقوة السند خاصة فيها، و هي:

موثقة إسحاق بن عمارة التي ورد فيها قوله: «سألت أبا عبد اللّه عن الأنفال؟ فقال: هي القرى التي خربت. إلى أن قال: و كل أرض لا رب لها، و المعادن منها.» (2) و ذلك بناء على أن (الواو) في المعادن عاطفة لا استئنافية كما يرى البعض في تفسيرها (3)، و بناء على أن الصحيح في الرواية هو عبارة (و المعادن منها) بدل (و المعادن فيها)، كما عليه بعض النسخ المشهورة (4)، هذا على أنه ليس هناك عندنا من روايات أخرى تناهض هذه العمومات أو تخصصها. يقول جدنا الشيخ محمد المظفر: «و كل ذلك- أى كون المعادن تعود في ملكيتها إلى الإمام- لم يثبت خلافه، بل الثابت هو الأخبار الصريحة في أن المعادن من الأنفال» (5). و لذلك فإن ضعف سند بعض تلك الروايات- لو صح- أو عدم ضبط متن البعض الآخر منها منجبر بعدم وجود روايات خاصة مقابلة.

و يساعدنا على تفهم هذا القول أو هذا الحكم: الأساس الذي اعتمدناه فيما سبق في بحث (المدلولات الاصطلاحية لكلمة الأرض) القاضي بأن مدلول كلمة الأرض في الاصطلاح لا يتسع لأكثر من أديمها و تربتها،

____________

(1). المظفر في شرح القواعد/ كتاب الخمس، الحكيم في المستمسك- 6/ 663.

(2). نفسهما،

(3). المظفر، المصدر السابق/ كتاب الخمس (خطي).

(4). نفسه.

(5). توضيح الكلام (خطي).

260

فلا يتناول ما فيها من معادن أو كنوز و نظائرها من محتويات الأرض على اعتبارها شيئا آخر، و ليس هو جزءا من الأرض و لا من طبيعة تربتها.

و عليه فلا وجه لأن تنسحب أدلة الإحياء- إحياء الأرض الموات- الأنفة على المعادن أو نحوها مما هو خارج طبيعة و وصفا عن مفهوم كلمة الأرض في الاصطلاح.

إلا أنه و إن ثبت ملكية المعادن أصلا إلى الدولة كما مر، فإنه مع ذلك يمكن القول بإقطاع قسم منها و هو الباطن إقطاع إرفاق أو تمليك، كما ذهب فعلا بعض الفقهاء فيما مر.

عروق المعدن و ينابيعه:

كل هذا و المعروف بين الفقهاء أن القول بإمكانية انتقال ملكية بعض المعادن إلى الأفراد. لا يمتد إلى عروق المعدن و شعبه و ينابيعه ذاتها، إذ يلزم أن تبقى هذه في ملكية الدولة و إن وقعت في أراض خاصة. يقول الحلي (1): «لأنه إن ملكه- أى المعدن، فإنما يملك المكان الذي حفره و أما العرق الذي في الأرض فلا يملكه بذلك، و من وصل إليه من جهة أخرى فله أخذه». و بنحوه قال في القواعد و التحرير و المقاصد (2).

غير أنه يمكن أن نستنتج من هذا الرأي بأن الحقوق الخاصة بإحياء الموات يمكن أن ترد على خصوص المناجم أو النيل أو البقعة دون تلك الينابيع أو العروق المعدنية الكامنة فيها و الرأسية عليها. يقول في النص الفقهي المذكور: «لأنه إن ملكه- أى المعدن، فإنما يملك المكان الذي‌

____________

(1). التذكرة/ إحياء الموات.

(2). مفتاح الكرامة- 7/ 48.

261

حفره». كما أكد ذلك نفسه في كتاب القواعد (1).

و مثله أيضا صرح بعض الشافعية. بقوله (2): «و من أحيا أرضا ميتة فظهر فيها معدن باطن ملكه بقعة و نيلا».

و في رأينا، إن ذلك الفارق في الحكم بين الينابيع و العروق من جهة، و بين المناجم و النيل من جهة أخرى. متجه و منسجم مع أدلة الإحياء.

من حيث إن المناجم أو النيل باعتبارها موقعا و وعاء يمكن أن تتسع لتلك الأدلة، لأنها جزء من أجزاء الأرض الموات حقيقة، بخلاف الينابيع و العروق و نحوها من الشعب. فإنها ذات طبيعة و حقيقة أخرى، هي حقيقة و طبيعة المعدن ذاته.

الحكم في القانون:

و هكذا. جاء الحكم بالنسبة إلى ملكية الدولة للمعادن و عروقها في بعض التقنينات الوضعية الحديثة منسجما تقريبا مع الفقه في بعض اتجاهاته المذكورة. تقول المادة 14 من الدستور العراقي المؤقت الأخير الصادر في 21/ 9/ 68: «الثروات الطبيعية ملك الدولة، و هي التي تكفل حسن استغلالها». و تقول المادة الثالثة من قانون المناجم و المحاجر المصري رقم 86 لسنة 956: «يعتبر من أموال الدولة ما يوجد من مواد معدنية بالمناجم في الأراضي المصرية و المياه الإقليمية.»‌

كذلك جرت على ذلك سائر القوانين في البلاد العربية الأخرى (3)

____________

(1). قواعد الأحكام- 85/ إحياء الموات.

(2). الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 348.

(3). و من بينها ما ذكرته المادة السادسة من قانون المعادن و المقالع الحجرية العراقي الرقم 66 لسنة 1962 بقولها: «يعتبر استثمار المقالع و المعادن من المنافع العامة لجميع الأغراض الواردة في القوانين».

262

الخاصة بالمواد المنجمية و المقلعية (1).

كما نصت هذه القوانين و نحوها على انحصار حقوق الامتياز في استثمار المعدن ضمن الحدود العمودية لمنطقة الاستثمار و لا تمتد إلى عروق المعدن ذاتها. تقول المادة الخامسة من قانون المعادن و المقالع الحجرية العراقي:

«تنحصر حقوق صاحب الإجازة في استثمار المواد التي أجيز له استثمارها ضمن الحدود العمودية لمنطقة الاستثمار إلى عمق غير محدود بالنسبة للمناجم، و إلى مستوى المياه الجوفية بالنسبة للمقاطع، و لا تمتد هذه الحدود إلى عروق الأحجار أو شعبها أو طبقاتها الكائنة خارج تلك الحدود».

و القول بملكية المعادن أصلا إلى الدولة. لا يعنى كذلك في القانون ملكية المناجم لها. يقول السنهوري (2) و هو بصدد شرح بعض مواد قانون المناجم و المحاجر المصري: «و يجب التمييز بين المواد المعدنية الموجودة بالمناجم، و المناجم ذاتها. فالذي أصبح ملكا للدولة هي المواد المعدنية. أما المناجم، أى باطن الأرض، فتظل مملوكة لصاحب الأرض على حكم الأصل إن كان للأرض صاحب».

هذا و يشمل ذلك الحكم في ملكية الدولة للمعادن في القانون سائر أنواعها دونما تحديد. من الفلزات و اللافلزات، و من العناصر المشعة كاليورانيوم و الراديوم و خاماتها، و كذلك المعادن الثمينة مثل الذهب و الفضة و البلاتين و الأحجار الكريمة و نحوها (3).

____________

(1). الخفيف، الملكية في الشريعة الإسلامية- 51.

(2). الوسيط- 8/ 578.

(3). راجع المادة الثانية من قانون المعادن و المقالع الحجرية العراقي رقم 66 لسنة 962.

263

الباب الرابع الإقطاع أحكامه. و حركته

264

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

265

تمهيد:

الإقطاع في الاصطلاح:

للإقطاع في معناه الاصطلاحي عند الفقهاء مفهوم خاص، يختلف اختلافا بينا عن مفهومه في الاصطلاحات و النظم الوضعية المتأخرة.

فالإقطاع في الاصطلاح- على حد تعريف البعض منهم-:

- هو تمليك الإمام جزءا من الأرض (1).

- أو هو جعل الإمام رقبة الأرض لشخص من الأشخاص فيصبح مالكها و مستغلها.

أو هو في تعريف ثالث:

- تخصيص الدولة قطعة من الأرض أو نحوها من الموارد الطبيعية لشخص قادر على العمل، على نحو الإمتاع أو التمليك أو غيره.

و هذا التعريف الأخير (2) هو- في رأينا- أقرب تلك التعاريف إلى حقيقة الإقطاع و مفهومه الاصطلاحي الخاص عند الفقهاء (3)، ذلك لأن الإقطاعات عندهم يمكن أن تتناول- مضافا إلى الأرض- بعضا‌

____________

(1). نسب الخرشى في شرحه (7/ 69) التعريف المذكور إلى ابن عرفة، و أضاف إليه كلمة (الحبس) واصفا بها (الأرض)، و الظاهر أن هذا الوصف من عنديات الخرشى، لأن الأرض الحبس- و هي الموقوفة- لا تقطع أو تملك، ما لم يرد بالحبس معنى آخر، و هو الذي استظهره بعض الفقهاء (راجع حاشية العدوى على شرح الخرشى- 7/ 69).

(2). الخوارزمي في مفتاح العلوم- 40.

(3). و قريبا من هذا التعريف جاء عن القاضي عياض: «إن الإقطاع تسويغ الإمام من مال اللّه شيئا لمن يراه أهلا لذلك» راجع الكحلاني في سبل السلام- 3/ 86.

266

من الموارد الطبيعية الأخرى، مثل المعادن (1) التي ذهب إلى جواز إقطاعها- إقطاع تمليك أو انتفاع- بعض الفقهاء، كما مر، و من بينهم الإمامية (2) و الشافعية (3)، و كذلك في قول (4) لكل من الزيدية و المالكية و الحنابلة.

كما أن جعل الإقطاع قاصراً على صورة التمليك، مما لا يلتئم أيضا مع الحكم بإعطاء صفة الإرفاق أو الاستغلال لبعض المقطعات، لأن الإقطاع عندهم كما يكون سببا للملكية، يمكن أن يكون كذلك سببا للإرفاق أو الاستغلال. بل الحقيقة إن الملكية لا تأتي في الإقطاع و لا في غيره، و ذلك تبعا للأصل الذي سبق أن تبيناه و القاضي بعدم ورود الملكية الخاصة على الأراضي بوجه عام.

و عليه، فالصحيح تجريد صفة الملكية من التعريفات المذكورة بما فيها التعريف الثالث، الذي هو أقربها إلى الدقة و إلى الرأي السائد بين الفقهاء.

الإقطاع طريقة للتوزيع:

و الإقطاع بعد هذا. و حسبما يظهر من إجراءاته و تطبيقاته: هو عبارة.

____________

(1). إن القول بجواز إقطاع المعادن خاص بالمعادن الباطنة منها. أما الظاهرة فقد اتفق الفقهاء على المنع من إقطاعها- كما مر- عدا العلامة الحلي من الإمامية الذي أجاز الإقطاع في مثل هذا النوع من المعادن أيضا، و لكن قيده بما إذا لم يلحق الناس ضرر من إجرائه (التذكرة/ إحياء الموات).

(2). الطوسي في المبسوط/ إحياء الموات. و الحلي في التذكرة/ إحياء الموات، و في القواعد/ إحياء الموات.

(3). الرملي في نهاية المحتاج- 5/ 348. حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج- 5/ 348. الماوردي- 198.

(4). راجع أحمد بن يحيى في البحر الزخار 4/ 78- 79 عن رأي الزيدية، و الخفيف في «الملكية في الشريعة الإسلامية- 49» عما نقله من رأى المالكية، و ابن قدامة في المغني 6/ 157- 158 عن رأي الحنابلة.

267

عن طريقة لتوزيع الأراضي الموات أو نحوها من الموارد الطبيعية بين الأشخاص القادرين على استثمارها و بعث النشاط و الحياة فيها.

غير أن هذا التوزيع بالنسبة إلى الأراضي، لا يختص بالاستثمارات الزراعية و الرعوية وحدها- كما قد يتبادر إلى الذهن ذلك- و إنما يمكن أن يقرر كذلك لأجل إنشاء وحدات سكنية و نحوها.

فقد ورد أن الرسول (ص) قام، عند ما هاجر و صحبه إلى المدينة، بإقطاع الناس الدور فيها (1)، كما ورد بأنه أقطع عقبة بن فرقد موضع دار بمكة مما يلي المروة (2)، و أنه خط لعمرو بن حريث دارا بالمدينة بقوس و قال له: أزيدك (3).

الإقطاع بمفهومه الحديث:

أما الإقطاع Fief (4) بمعناه الاصطلاحي الحديث فهو: «عبارة عن نظام يلتزم المنتج المباشر في ظله (و هو الفلاح) نحو سيده أو مولاه‌

____________

(1). الشافعي في الأم 3/ 272- 273.

(2). الصولي- 211.

(3). أبو داود- 2/ 154، و الشوكاني في نيل الأوطار- 5/ 328، و كذلك روى أن عمر بن الخطاب أمر عند تمصير الكوفة بإنشاء وحدات سكنية و توزيعها على المقاتلة و نحوهم من العاملين في سوح الجهاد.

و مثله فعل المنصور عند تخطيط مدينة بغداد، و المعتصم عند إنشائه مدينة سر من رأى.

و هكذا غيرهم (راجع اليعقوبي في البلدان: 210- 211، 243- 254، 258- 263) للاحاطة بتفاصيل هذه الإقطاعات السكنية.

(4). تدل كلمة Fief بالانجليزية و الفرنسية على مفهوم الإقطاع لقاء خدمات معينة (راجع المعاجم اللغوية).

268

(و هو الشيخ): بأداء مطالب اقتصادية معينة، سواء أ كانت تلك المطالب تؤدى على هيئة خدمات يقوم بها، أم على شكل مدفوعات أو استحقاقات يؤديها نقدا أو عينا» (1).

أو هو- و لعله أقرب إلى الواقع-: «عبارة عن خضوع الرجل من الناحيتين الاقتصادية و العسكرية إلى رجل أسمى منه منزله في مقابل تنظيم اقتصادى و حماية عسكرية» (2).

و قد كان الإقطاع بمفهومه هذا يعكس فكرا و نظاما اجتماعيا و اقتصاديا معينا ساد البلاد الأوربية و خاصة الغريبة منها زهاء ستة قرون من الزمن (3)، بدأت في القرن التاسع من الميلاد و تلاشت أو كادت في القرن الرابع عشر منه.

ثم نقل هذا المفهوم، و بخاصة في الحقية المتأخرة، لوصف (إيديولوجيات) و نظم مشابهة أخرى في أنحاء مختلفة من العالم، و لكنهم على الأغلب- لم يوفقوا في هذا النقل، و بخاصة في العراق و نحوه من الدول التي لم تشهد الإقطاع بمفهومه و تطبيقاته المذكورة، فإن ما سمى مثلا بالإقطاع الذي شهدناه هنا في العراق إلى ما قبل الرابع عشر من تموز سنة 1958 لم يكن يمثل في الواقع الإقطاع بمفهومه ذاك، و إن كان في بعضه يمثل شكلا من أشكال الاستغلال و الأثرة.

____________

(1). الصوري، الإقطاع في لواء السكوت- 13.

(2). ول‌ديورانت، قصة الحضارة- 14/ 406.

(3). زكريا أحمد نصر، تطور النظام الاقتصادى- 73.

و راجع أيضا للاحاطة بالنظام الإقطاعى مفهوما و نشأة: كلا من كوبلاند في عصر الإقطاع و القنية 16- 18. إبراهيم العدوى في المجتمع الأوربى في العصور الوسطى 111- 113. ديورانت 14/ 404- 407. فينوجرادوف في النظام الإقطاعى- 63.

269

لقد كان هذا النظام الإقطاعى الأوربى يقترن- كلما ذكر- بالاستغلال، و بالولاء. ولاء التابع للمتبوع بين الفلاحين و أسيادهم، و كان مما يعبر عن هذا الشكل من الولاء و التبعية نص اليمين الذي كان يؤديه الفلاح لسيده بعد قيام العقد أو الاتفاق بينهما، و هو: «أقسم بأن أكون لك مخلصا مواليا إخلاص التابع و ولاءه للمتبوع، و أتعهد بالقيام بذلك ما دمت تابعا لك مقيما على إقطاع من أرضك» (1).

و في كل هذا كما ترى بون شاسع بين معطيات مفهوم الإقطاع حديثا و بين معطياته في الإسلام، و لذلك فلا مجال- كما ترى- لأي نوع من المقارنة بين هذين المفهومين سوى ورودهما في موضوع واحد، هو موضوع الأرض و الزراعة.

هذا، و لما كان للحديث عن الإقطاع في الإسلام من ناحية أحكامه و تطبيقاته علاقة أكيدة بموضوع الأراضي و إحيائها. آثرنا أن نفرد له بابا مستقلا بفصلين من هذه الرسالة. نتحدث في الأول منهما عن (أحكام الإقطاع) و ما يتعلق بها، و في ثانيهما عن (حركة الإقطاع) و بعض تطبيقاته في العصور الإسلامية البارزة.

على أن مما نود أن نشير إليه قبل البدء في حديثنا عن الإقطاع بأننا- بالرغم من تلك العلاقة الأكيدة بين موضوعي الإحياء و الإقطاع- سوف نتجنب الدخول في التفاصيل في موضوع الإقطاع، لأنه ليس هنا- كما هو واضح- مجال الإفاضة موضوعه.

____________

(1). فينوجرادوف 64- 65.

270

الفصل الأول أحكام الإقطاع و ما يتعلق بها

لما كانت الكثير من المسائل التي تدخل في بابي الإحياء و الإقطاع، و لا سيما المسائل المتعلقة منها بالشرائط و الأحكام العامة، متناظرة و متشابكة بشكل جعل البعض من الفقهاء يقرر بأن: «حكم الإقطاع هو حكم الإحياء» (1). رأينا أن نكتفي هنا، و بشكل مقتضب، ببحث بعض المسائل التي لها شأن في باب الإقطاع، و قد وضعناها في خمسة مباحث يضمنها المبحث الآتي الذي يتحدث عن تقسيمات أو أنواع الإقطاع:

المبحث الأول أنواع الإقطاع

أنهى البعض (2) من الفقهاء الاقطاعات المعروفة في الفقه إلى أنواع ثلاثة هي:

____________

(1). المرداوى في الإنصاف- 6/ 361.

(2). راجع المرداوى- 6/ 377.

و جعلها بعضهم قسمين. منهم من جعلها: إقطاع إرفاق و إقطاع تمليك (كالطوسي في المبسوط/ إحياء الموات، و الحلي في التذكرة/ إحياء الموات)، و منهم من جعلها إقطاع استغلال و إقطاع تمليك حيث أبدل إقطاع الإرفاق بإقطاع الاستغلال (راجع الماوردي- 192، و أبا يعلى- 212، كما راجع القلقشندى- 13/ 115) بل إن المشهور عند الأحناف إن الإقطاع ليس إلا نوعا واحدا هو إقطاع الاستغلال، أو ما يسمونه بإقطاع الخراج الذي يلزم فيه إبقاء رقبة الأرض لبيت المال، و إن جاز غيره (ابن عابدين- 3/ 366).

271

- إقطاع الاستغلال.

- و إقطاع الإرفاق.

- و إقطاع التمليك.

و سنقف في هذا المبحث على مدلول كل نوع من هذه الأنواع المذكورة مع بيان أحكامها باختصار.

1- إقطاع الاستغلال:

و المقصود بهذا النوع من الإقطاع- فيما لا لاحظناه من بحوثهم- هو تخصيص بعض الضرائب الواقعة على فئة أو منطقة معينة لشخص من الأشخاص لقاء خدمة يقوم بها، أو عوضا عن حقه في الارتزاق، أو على سبيل المنحة و العطاء.

و أكثر ما يتناول هذا النوع من الإقطاع من هذه الضرائب: ضريبة الخراج (1)، لأن العشر- و هو الضريبة الثانية الرئيسة بين هذه الضرائب- من الصدقات التي لا تعطى لسوى الأصناف المعروفة التي يجب أن ينطبق عليها وصف الاستحقاق حالة الدفع، و لهذا منع البعض إقطاعها. إذ ربما يتخلف الوصف المذكور حين الدفع (2).

ثم إن ضريبة الخراج نفسها، التي قيل بجواز إقطاعها، لم تذكر على‌

____________

(1). و لهذا سمى ابن عابدين- 3/ 366، كما تقدم، هذا النوع من الإقطاع بإقطاع الخراج. و جوز الحجاوى في الإقناع- 2/ 390 و هو من الحنابلة: الإقطاع أيضا من مال الجزية.

(2). الماوردي- 194. أبو يعلى- 216. و راجع الكحلاني- 3/ 86.

272

إطلاقها، و إنما قيدت بنوع خاص منها و بشروط محددة، و لبعض الفئات الخاصة كمرتزقة أهل الفي‌ء و فرضية الديوان، و هم الأجناد، عوضا عمار صدوا نفوسهم له من حماية بيضة الإسلام و الذب عن مقدساته و حرمه (1).

و لا نجد نحن هنا مانعا شرعيا من الأخذ بهذا النوع من الإقطاع أو ما يراد له أن يسمى إقطاعا. إذا ما روعيت فيه الشروط المطلوبة، و حددت المقادير المقطع بها تحديدا مضبوطا، و عيّن الأشخاص المكلفون بدفع الضريبة على شكل إقطاع، لأن هذا النوع في رأينا ضرب من الحوالة، إذ هناك ساحب، و مسحوب عليه، و منتفع (أى صاحب حق)، و مبلغ مرقوم في صورة ورقة الإقطاع.

2- إقطاع الإرفاق:

أما المراد بإقطاع الإرفاق فهو في المشهور تخصيص موضع في أحد المرافق العامة كالطرق و رحاب المساجد و مقاعد الأسواق و نحوها، لشخص من الأشخاص من أجل أن يستخدمها في أحد أغراضه الخاصة التي لا تضر بالمصلحة العامة (2).

و تقدير الضرر أو حاجة الشخص إلى ذلك. قضية إدارية و اجتهادية ترجع إلى رأى الحاكم أو الدولة، لأنها من حقوقها (3).

____________

(1). الماوردي: 194- 195.

(2). راجع الماوردي- 187. الطوسي في المبسوط/ إحياء الموات.

التذكرة/ إحياء الموات. الروض المربع- 2/ 429.

(3). الماوردي- 188. ابن قدامة في المغني- 6/ 163. التذكرة/ إحياء الموات.

273

و قد صرح بشرعية هذا النوع من الإقطاع فريق من الفقهاء- و إن لم يسمه بعضهم إقطاعا- من بينهم الإمامية (1) و الزيدية (2) و الشافعية (3) و الحنابلة (4)، و قد أطالوا في بحثه مما يدل على أهميته و أثره في الحياة العامة يومذاك.

و لكن قوى الشيخ الطوسي من الإمامية القول بمنع هذا النوع من الإقطاع لعدم وجود دليل على مشروعيته (5).

بيد أن العمل منذ الصدر الأول كان قائماً على هذا النوع من الإرفاقات، بناء على وجود حاجة أو مصلحة في استخدام بعض المواقع و المرافق العامة كما هو الحال الآن فيما نراه من الأكشاك و المظلات الخاصة الموضوعة في واحات بعض الطرق و أفنية الشوارع و المشارع.

و الرأي عندنا أنه لا ضير بهذه الإرفاقات و لا مانع شرعي منها إذا لم ينشأ عنها ضرر بالمصلحة العامة، لعدم وجود دليل أو نص بالمنع.

و هناك ضرب لهذا النوع من الإقطاع. يقال له في مصطلحاتهم:

إقطاع الإمتاع أو الانتفاع:

و يقصد به- كما يبدو في كلماتهم- تخصيص منافع الشي‌ء دون أصله لشخص من الأشخاص و لفترة زمنية محدودة.

____________

(1). الطوسي في المبسوط/ إحياء الموات. التذكرة/ إحياء الموات.

(2). أحمد بن يحيى في البحر الزخار- 4/ 77.

(3). التذكرة/ إحياء الموات. و راجع الماوردي 187- 188 عن أقسام إقطاعات الإرفاق و بخاصة عن القسم الذي يتعلق بإقطاع أفنية الشوارع و الطرق.

(4). المرداوى في الإنصاف- 6/ 377. الحجاوى في الإقناع- 2/ 390.

و راجع أبا يعلى 208- 210 و ابن قدامة في المغني- 6/ 163.

(5). المبسوط/ إحياء الموات.

274

و قد ذكر هذا النوع قبالا لإقطاع التمليك الآتي بيانه، الذي يراد به تخصيص الشي‌ء منفعة و أصلا للمستفيد.

و لا أجد اختلافا في الحكم بين هذا القسم من الإقطاع و قرينه- و هو الإرفاق- لعدم وجود دليل كذلك على المنع منه. و قد أشار فعلا إلى جوازه فريق من الفقهاء من بينهم الحنابلة (1)، و كذلك المالكية الذين أجازوا إقطاع الأراضي على اختلاف أنواعها إقطاع امتاع و انتفاع، عدا أراضي الصلح التي منعوا من إقطاع مواتها و عامرها ملكا و امتاعا حين تقضى معاهدة الصلح بذلك (2).

3- إقطاع التمليك:

أما هذا النوع من الإقطاع، فيقصد به- كما ألمحنا آنفا- تخصيص قطعة من الأرض أو نحوها منفعة و أصلا لمن تتوفر فيه القدرة من الأشخاص على استثمارها أو استغلالها.

و قد أجاز ذلك جمهور الفقهاء و من بينهم فقهاء الإمامية (3) و المالكية (4) و كذلك الشافعية (5) و الحنابلة (6) و بعض الأحناف الذين صرحوا بجواز‌

____________

(1). الحجاوى، المصدر السابق- 2/ 390. البهوتى، الروض المربع- 2/ 429.

(2). الخرشى- 7/ 69.

(3). راجع الطوسي في المبسوط/ إحياء الموات. التذكرة/ إحياء الموات.

(4). الخرشى- 7/ 69.

(5). الرملي- 5/ 337، الماوردي 190- 194.

(6). أبو يعلى 212- 216. المرداوى في الإنصاف- 6/ 377.

275

ورود الملكية بالإقطاع على رقبة الأرض العائدة إلى بيت المال، خلافا لما هو المشهور عندهم في ذلك. يقول ابن عابدين (1) تعليقا على فقرة وردت في المتن: «فهذا يدل على أن للإمام أن يعطى الأرض من بيت المال على وجه التمليك لرقبتها كما يعطى المال، فاغتنم هذه الفائدة فإني لم أر من صرح بها. و إنما المشهور في الكتب أن الإقطاع تمليك الخراج مع بقاء رقبة الأرض لبيت المال».

و لكن هذا النوع من الإقطاع- تطبيقا لرأينا السابق في عدم ورود الملكية الخاصة على الأراضي عموما- غير وارد، إذ لا يصح أن تتعدى حقوق الشخص على الأراضي حدود الاختصاص أو الأحقية، أو ما نسميه في مجال الإقطاع بالانتفاع أو الإرفاق.

المبحث الثّاني إقطاع الموات و العامر

فرق البعض (2) من الفقهاء بين الموات و العامر من الأراضي في مشروعية ورود الإقطاع عليها، فأجازوه بالنسبة إلى القسم الأول منها وفاقا للجمهور، بينما نفوه بالنسبة للثاني، و ذلك استنادا إلى بعض الأحاديث و منها قوله (ص): «عادي الأرض للّه و لرسوله ثم هي لكم، قال: قلت و ما يعنى؟

قال: تقطعونها للناس» (3).

و قد جعل أبو عبيد هذا الحديث معيارا أو مفسرا لما يصلح، و لما‌

____________

(1). رد المختار- 3/ 366.

(2). راجع أبا عبيد- 272.

(3). راجع أبا عبيد- 272.

276

لا يصلح فيه الإقطاع من الأراضي، و أحال حكم ذلك إلى الإمام، ثم فسر العادي بالأرض المندرسة التي عفا عليها و على أهلها الزمن، أو الأرض الميتة التي لم يتناولها حق بملكية أو إحياء (1).

أمّا الأحاديث التي وردت عن الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و الخاصة بإقطاعه بعض أصحابه من غير الأراضي الموات، كإقطاعه الزبير أرضا ذات نخل و شجر، و إقطاعه بعض القريات المعمورة لتميم الداري، فقد بررها أبو عبيد (2) بتبريرات لا تخلو من تكلف و لا نجد حاجة للإطالة في عرضها و مناقشتها هنا.

كما ذكر بعض الشافعية (3) أن إقطاعات الرسول (ص) لم تكن إلا من الأراضي الموات سوى ما شذ. و احتملوا أن يكون هذا من باب إقطاع التقليد لا التمليك، و هكذا كانت إقطاعات الخليفتين أبى بكر و عمر، و عليه، فلا يجوز أن تتعلق إقطاعات الإمام إلا بالأراضي بالموات.

و لكن جمهور الفقهاء لم يفرقوا بين الموات و العامر في مشروعية إقطاعه فقد صرح المالكية (4) بجواز إقطاع المعمور أيضا إذا كان من غير أراضي الصلح أو العنوة، كما أجاز الحنابلة (5)، و بعض الشافعية (6) كذلك إقطاع‌

____________

(1). نفسه- 278.

(2). نفسه- 279.

(3). السبكي، الابتهاج في شرح المنهاج (خطي).

(4). الخرشى- 7/ 69.

(5). المرداوى- 6/ 377. البهوتى- 2/ 429. الحجاوى- 2/ 390، ابن قدامة المقدسي في المقنع- 2/ 286

(6). الرملي- 5/ 337.

277

المعمور تمليكا و انتفاعا، و لكن بشرط أن تقضى المصلحة العامة بذلك.

و هكذا لم يرد المنع عن بقية الفقهاء من إقطاع الأراضي المعمورة فضلا عن الأراضي الميتة إلى الأفراد.

و الحقيقة أن إقطاع الموات و ان كان هو السائد بين الاقطاعات، عملا بالحاجة، إلا أنه ليس حكما قاصراً و حاصرا، بدليل ما روى مسبقا من إقطاع النبي (ص) بعض المواضع المعمورة، و بدليل ما ثبت من حق الإمام بإقطاع الأراضي الصوافي (1) و إقطاع الأراضي التي لا وارث لها (2) أو التي لا يتوقع ظهور صاحبها (3). من غير فرق بين كونها ميتة أو عامرة.

على أن الإقطاع لو كان قاصراً على الأراضي الموات وحدها، لما كان لتشريعه أية فائدة، على الأقل، في رأي أولئك القائلين بقصر الإقطاع على الموات أنفسهم، و ذلك لأنهم لا يعلقون شرعية الإحياء على أخذ الاذن من الامام- كما سبق أن عرفنا موقفهم في باب شروط الأحياء- بناء على قولهم بإباحة الأرض الموات. التي لا حاجة معه في الحصول عليها إلى استقطاع أو إلى استصدار إذن من الدولة في إحيائها.

____________

(1). أبو يوسف 57- 58، الماوردي- 192.

(2). أبو يوسف- 58، بحر العلوم في البلغة- 61.

(3). الرملي- 5/ 337.

278

المبحث الثالث طبيعة الإقطاع

أما بالنسبة إلى الأثر الذي يترتب على الإقطاع، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأن الإقطاع لا يفيد بنفسه أكثر من حق الاختصاص أو الأولوية إذا لم تلحقه عملية أو مرحلة الإحياء.

يقول بعض الحنابلة (1): «و للإمام إقطاع موات لمن يحييه، و لا يملكه بالإقطاع، بل هو أحق به من غيره، فإذا أحياه ملكه». و يضيف فقيه آخر بعد حكمه بانتفاء الملكية بالإقطاع قوله: «. بل يصير كالمتحجر الشارع في الإحياء» (2). و علق المحشي على هذا النص بقوله: «لأنه لو ملكه به، أي بالإقطاع، لما جاز استرجاعه» (3).

و يقول الشافعية: «و لو أقطعه الإمام مواتا، صار أحق بإحيائه بمجرد الإقطاع، كالمتحجر في أحكامه (4)، و قالوا أيضا: «فإن شرع في إحيائه- أي في إحياء الموات المقطع- صار بكمال الإحياء مالكا له، و إن أمسك عن إحيائه كان أحق به يدا و إن لم يصر ملكا» (5).

و بنحوه نسب القول إلى الأحناف (6).

____________

(1). البيهوتى: 2/ 428- 429، المرداوى- 6/ 377، ابن قدامة في المغني- 6/ 155، 165.

(2). المقدسي في المقنع- 2/ 286.

(3). المقدسي في المقنع- 2/ 286.

(4). الرملي- 5/ 337.

(5). الماوردي- 191.

(6). الماوردي- 191.

279

و هذا هو رأي الإمامية أيضا يقول الحسن بن يوسف الحلي (1): «و يفيد الإقطاع التخصيص و الأحقية كالتحجير، و يمنع الغير من المزاحمة له».

كما صرحوا به في كل (2) من الوسيلة و الشرائع و التحرير و الدروس و جامع المقاصد و المسالك و الروضة، و في الجواهر (3) و غيرها حتى نفى الشيخ الطوسي الخلاف فيه (4).

و خالف هؤلاء جميعا فقهاء المالكية خاصة. حيث ذهبوا إلى القول بثبوت الملكية بمجرد الإقطاع.: قالوا: و ليس الإقطاع من الإحياء، و إنما هو تمليك مجرد، فله بيعه و هبته و يورث عنه» (5).

أما نحن فحيث سبق لنا أن قررنا كحكم عام في مواضع متعددة انتفاء ورود الملكية الخاصة على الأراضي، فمن باب أولى أن نقرر هنا انتفاء هذه الملكية بمجرد الإقطاع و لا سيما في الموات، لأن الإقطاع فيه مرحلة سابقة‌

____________

(1). التذكرة/ باب إحياء الموات.

(2). راجع العاملي في مفتاح الكرامة- 7/ 29.

(3). النجفي- 6/ باب إحياء الموات.

(4). ذكر العاملي في مفتاح الكرامة- 7/ 29، و النجفي في جواهر الكلام- 6/ إحياء الموات. ذكروا بأن المقصود بنفي الخلاف هذا الوارد عن الشيخ الطوسي هو نفيه بين فقهاء المسلمين أجمع، و لكن هذا الاستنتاج في رأيي غير مقبول، بدليل وجود بعض المخالفين كالمالكية- و رأيهم غير مغمور-، لذا فالظاهر أن المقصود بنفي الخلاف هو نفيه بين فقهاء الإمامية خاصة.

(5). الخرشى- 7/ 69، أبو البركات في الشرح الكبير- 4/ 61.

المواق- 6/ 3.

280

على الأحياء، و لعله من أجله اعتبر كثير من الفقهاء (1) الإقطاع بمثابة التحجير في الحكم، و واضح إن التحجير- لو صح- لا يفيد أكثر من حق الاختصاص كما مر.

هذا مضافا إلى ما ذكر من الاستدلال ببعض الآثار (2) المنسوبة إلى عمر بن الخطاب- و هي وجيهة- حيث حكم بإرجاع الأراضي التي كان الرسول قد أقطعها بعض أصحابه بعد أن عطلوها عن الإنتاج، و لو كان الإقطاع بمجرده ينشأ حقا في الملكية لما حكم الخليفة عمر بانتزاع هذه الأراضي من يد أصحابها.

بيد أن هذا الحكم في الأحقية أو الاختصاص الذي يحصل عليه الشخص بالإقطاع، يمكن أن يصير إلى مرحلة أو مستوى الملكية عند جمهور الفقهاء إذا ما نهض صاحب الإقطاع هذا بإحياء أرضه المقطعة الموات و قام باستثمارها، و قد تكفل الفصل الثاني من الباب الثالث السابق في موضوع (مدى الحق المكتسب بالاحياء) فيما إذا كان يمكن نشوء حق الملكية بالإحياء. فلا نعيد.

و عليه إذا ما ثبت هذا الحق- لا أكثر- و هو الاختصاص بالإقطاع، فهل يحق للغير أن يتجاوز على حق صاحب الإقطاع هذا.

____________

(1). الطوسي في المبسوط/ إحياء الموات، التذكرة/ إحياء الموات.

الرملي- 5/ 337، ابن قدامة المقدسي في المقنع- 2/ 286.

(2). أبو عبيد- 292. القرشي- 93. ابن قدامة في المعنى- 6/ 155. المقنع (حاشية)- 2/ 286.

281

فيعمد إلى أحياء أرضه المقطعة إذا ما تمادى و عطلها عن الاستثمار أو الاستغلال؟ بمعنى هل يحق لهذا الغير:

رفع الاختصاص؟ ذهب الفقهاء من الإمامية (1)، كما ذهب الحنابلة في رأي (2)، إلى القول بعدم إعطاء الحق للغير بالتجاوز على الأرض المقطعة و إن تمادى صاحبها بتعطيلها.

أما موقف بقية الفقهاء من هذه المسألة فقد لخصه لنا الماوردي بقوله (3):

«فذهب الشافعي أن محييه أحق به من مستقطعه، و قال أبو حنيفة:

إن أحياه قبل ثلاث سنين كان ملكا للمقطع، و إن أحياه بعدها كان ملكا للمحيي. و قال مالك: إن أحياه عالما بالإقطاع كان ملكا للمقطع، و إن أحياه غير عالم بالإقطاع، خيّر المقطع بين أخذه و إعطاء المحيى نفقة عمارته، و بين تركه للمحيي و الرجوع عليه بقيمة الموات قبل إحيائه».

و الحق إن الاختصاص بالإقطاع لا يصح في الأصل رفعه بتجاوز عليه أحياء أو نحوه، لأن حقه في ذلك يبقى مراعى حتى تعمد الدولة نفسها إلى إنهائه، إذ هي وحدها التي تملك حق الإسقاط كما تملك حق الإذن و الإقطاع، بل حتى لو قلنا بسقوط حق المقطع بمجرد التعطيل، فإنه لا يمكن مع ذلك للأغيار أن يتجازوا على أرضه بالإحياء أو نحوه، دون استصدار إذن من الدولة بذلك‌

____________

(1). التذكرة/ إحياء الموات. المسالك/ إحياء الموات. الجواهر 6/ إحياء الموات. العاملي في مفتاح الكرامة- 7/ 28.

(2). ابن قدامة في المغني- 6/ 165، و هناك قول آخر لهم بالجواز، و لكل من الرأيين عندهم توجيهه و دليله.

(3). الأحكام السلطانية- 191، و راجع التذكرة/ إحياء الموات.

282

المبحث الرّابع مدى التعطيل

حدد قسم من الفقهاء المدى الذي يسمح فيه لصاحب الإقطاع بترك أرضه معطلة عن الإنتاج بمدة لا تزيد على ثلاث سنين. قال بذلك الأحناف استنادا إلى قوله (ص) مرويا عن عمر بن الخطاب: «ليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين» (1) بناء على أن حكم الإقطاع في هذا المجال هو حكم التحجير، و على أن هذه هي المدة المعتادة الكافية لإبلاء الأعذار (2).

كما يمكن أن ينسب هذا القول أيضا إلى الإمامية استنادا إلى حديث آخر جاء عن أحد أئمة أهل البيت و هو قوله- كما تقدم-: «فمن عطل أرضا ثلاث سنين متوالية لغير ما علة أخذت من يده و دفعت إلى غيره» (3) و هذا الحديث أدل في ظاهره على المطلوب من سابقه.

أما الشافعية، فلم يربطوا التعطيل بزمن مؤقت، و إنما أرجعوا ذلك إلى نوعية الأعذار، فلو مضت على صاحب الإقطاع مدة، و كان قادرا على إحياء أرضه، خير بين المبادرة إلى الإحياء، و بين رفع يده عنها لتعود الى حالتها قبل الإقطاع، فإن كان تعطيله الأرض لعذر ظاهر أمهل حتى زوال هذا العذر (4).

____________

(1). أبو يوسف- 65.

(2). الكاساني- 6/ 194.

(3). وسائل الشيعة- 3/ 329.

(4). الماوردي- 191.

283

و إلى نحوه ذهب الحنابلة. حيث ربطوا حق التعطيل بحدود ما يقدمه صاحب الإقطاع من أعذار، لا بحدود مدة معينة، و لذلك إذا ما زالت إعذاره، و لم يبادر إلى أحياء أرضه، انتزعت هذه الأرض من يده لتعود إلى حالتها السابقة على الإقطاع (1).

كذلك ذهب إليه الإمامية في رأي للشيخ الطوسي (2)، يقول: «فإقطاع السلطان بمنزلة التحجير، فإن أخر الإحياء فقال له السلطان: إما أن تحييها أو تخلي بينه و بين غيرك حتى تحييها، فان ذكر عذرا في التأخير و استأجل في ذلك، أجله السلطان في ذلك، و إن لم يكن له عذر و خيره السلطان بين لأمرين فلم يفعل، أخرجها من يده».

أما نحن فنرى أن وجهة النظر الأخيرة هذه القاضية بربط مدة التعطيل بوجود الأعذار، و التي ذهب إليها الشافعية و الحنابلة و بعض الإمامية، لا تخلو من وجاهة و اعتبار، ذلك لأن التحديد بزمن ثابت و مؤقت قد لا يجعل الحكم صالحا للتطبيق في ظروف و أزمنة متباعدة.

و لا يبعد أن التقييدات أو التحديدات الواردة في المرويات المذكورة قد جاءت بصورة إرشادية لا حدية، أو لتعيين المدة القصوى في تأخير الأرض المقطعة عن عطائها و هو شي‌ء وجيه.

____________

(1). ابن قدامة في المغني- 6/ 165.

(2). المبسوط/ إحياء الموات.

284

المبحث الخامس حصة الفرد من الإقطاع

تقدم في الفصل الثالث من باب أحكام الإحياء و في موضوع (الحد من حيازة الأراضي الزراعية الكبيرة) أن سقنا عددا من الأدلة و النصوص و بعض العوامل الرامية إلى الحد من نشوء ما يسمى بالملكية الكبيرة، و هذا الحكم كما يسرى على الإحياء يسرى هنا على الإقطاع، فالتشريع بصورة عامة يحول دون تضخم الحيازة أو الملكية الزراعية التي يؤدي تضخمها في الغالب إلى الأثرة و الاستغلال، سواء كان ذلك في مجال الإحياء أو في مجال الإقطاع.

فقد صرح جمهور الفقهاء بأن حصة الفرد من الأراضي بالإقطاع، لا يجوز أن تتجاوز بحال حدود القدرة الشخصية على إحيائها و استثمارها، لما في ذلك من إضرار بالمصلحة العامة، و لما فيه من تضييق على الناس و استئثار بأهم قطاع أو مصدر من مصادرهم الإنتاجية و المعيشية.

يقول الزيدية: «و لا يقطع الإمام أحدا أكثر مما يستطيع إحياءه لإضراره» (1).

و يقول الشافعية- و لعلهم الأكثر تبنيا لهذه الفكرة- «و لا يقطع الإمام إلا قادرا على الإحياء حسا و شرعا و قدرا يقدر عليه- أى على إحيائه-» (2).

و صرح الحنابلة: «و لا ينبغي أن يقطع أحدا من الموات إلا ما يمكنه‌

____________

(1). أحمد بن يحيى في البحر الزخار- 4/ 76.

(2). الرملي- 5/ 337، و جاء مثله في كتاب الإسعاد للشافعية أيضا، نقلا عن الجواهر- 6/ إحياء الموات.

285

إحياؤه، لأن في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقا على الناس في حق مشترك بينهم بما لا فائدة فيه، فان فعل ثم تبين عجزه عن إحيائه، استرجعه منه، كما استرجع عمر من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته من العقيق الذي أقطعه إياه رسول اللّه» (1).

و ذهب الحلي من الإمامية في كتابه التحرير (2) إلى مثل ذلك، و إن لم نجد- في حدود تتبعنا- في كلام غيره من الإمامية ما يدل على ذلك بشكل صريح.

و يروى المالكية- و لازمه أن يكون ذلك لهم دليلا على حصر الإقطاع بالقادر على الأحياء-: إن الرسول (ص) كان لا يقطع الا للقادر على العمل من أصحابه. جاء ذلك في بعض كتب الشافعية (3).

و حدد الظاهرية مقدار ما يجوزه من الأراضي الزراعية مطلقا إحياء و إقطاعا- فيما يظهر- بحدود قدرة الشخص على العمل و الإنتاج، و إلا لزمه منح ما يزيد عن حاجته و قدرته إلى الغير، كما مر بيانه (4).

أما الأحناف (5) و بقية الإمامية، فيبدو من بعض كلامهم عن الإحياء و الإقطاع، أنهم لا يرون لزوم حصر الإقطاع بالقادرين على العمل و بحدود قدرة هؤلاء على الإحياء.

____________

(1). ابن قدامة في المثنى 6/ 166، و بمثله جاء في حاشية المقنع- 2/ 286.

(2). انظر الصدر في اقتصادنا- 2/ 128.

(3). السبكي في الابتهاج/ باب إحياء الموات (خطي).

(4). راجع المودودى في مسألة ملكية الأرض- 86.

(5). راجع أبا يوسف 60- 61.

286

و لكن ذلك. إن صح منهم- فهو لا ينسجم مع ما سقناه من النصوص و الأدلة الكثيرة في باب أحكام الإحياء، الرامية الى الحد من نشوء ما يسمى بالملكية الزراعية الكبيرة، و من ذلك صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة و نحوها، و الأحاديث المارة الواردة عن رافع بن خديج و جابر بن عبد اللّه و زيد بن ثابت و غيرهم في المنع عن كراء الأرض.

مضافا الى ما استدل به بعض هؤلاء الفقهاء من استرجاع الخليفة عمر ما عجز المقطعون عن إحيائه و إعماره من الأراضي.

و لا أجد بعد هذا، حاجة إلى الإطالة في بحث هذا الموضوع. بعد أن عرضنا له مفصلا في باب أحكام الإحياء. حيث استندنا هناك الى عدد من الفتاوى و النصوص الرامية الى الحيلولة دون اتساع الحيازة أو الملكية الشخصية للأراضي اتساعا يؤدى الى الأثرة و الاستغلال.

هذا و مما يبحث عادة في هذا المجال مما يتصل بأحكام الإقطاع كما يتصل بأحكام الإحياء ثلاث موضوعات مهمة هي:

- الحمى.

- و القبالة.

- و الإلجاء.

و سنتكلم عن كل واحد منها بشي‌ء من التركيز و الإيجاز في الملاحق الثلاثة التالية‌

287

1- الحمى في الإسلام

الحمى- كنظام أو كعادة- يمتد، فيما يذكر الباحثون، إلى العرب أيام الجاهلية. حيث كان الشخص من ذوي النفوذ إذا انتجع آنذاك أرضا خصبة و نزلها، استعوى كلبا ليحمى لنفسه و خاصته مدى ما يصل اليه منها عواء الكلب من سائر الأطراف (1).

و لما جاء الإسلام نهى عن هذا النوع من الاستيلاء المجرد الحاصل من قبل الأفراد بقوله (ص) المشهور: «لا حمى إلا للّه و لرسوله» (2).

و المقصود بالحمى الذي نهى عنه الرسول في هذا الحديث هو:

1- الاستيلاء الواقع على الأرض الموات المجرد من أى عمل و مجهود (3).

2- الاستيلاء الواقع على الأراضي العشبية و ذات الكلأ، و على الموارد المائية و الوقودية (4) هذه العناصر الثلاثة التي جعل الإسلام الناس فيها سواسية بقوله (ص): «الناس شركاء في ثلاث: في الماء و الكلأ و النار (5).

و لكن أجاز الإسلام للدولة خاصة المتمثلة في الرسول أو من يمثله أن‌

____________

(1). الحطاب- 6/ 4. الماوردي- 186. الجواهر/ إحياء الموات. و راجع أيضا جواد على، العرب قبل الإسلام- 8/ 224.

(2). البخاري- 3/ 140. الشوكاني في نيل الأوطار- 5/ 346.

ابن إدريس في باب المتاجر- 250.

(3). الماوردي- 185.

(4). أبو عبيد- 294.

(5). أبو عبيد- 295. الصدوق، من لا يحضره الفقيه 3/ 150- 151. الوسائل- 3/ 328.

288

تحمى من الأراضي الموات أو غيرها من الموارد المذكورة كل ما يحقق المصلحة، كالحمى من أجل رعى الأنعام المستحصلة من الضرائب، أو من أجل إنشاء مكان لخيل المسلمين و ركابهم التي ترصد للجهاد، أو نحوها من الأغراض.

و هذا الحمى لا يختص بالرسول وحده (1)- كما قد يبدو ذلك من ظاهر النص- و إنما هو حق يمكن أيضا أن يستعمله الأئمة و كذلك نوابهم (2) ممن يقومون مقامه في إدارة شئون الدولة الإسلامية.

و لا حاجة فيما أرى إلى التكلف بإبداء التأويلات و التخريجات البعيدة لهذا الحكم. حيث حاول البعض جعل المقصود بالحماية الواردة في الحديث المذكور: أن تكون على شكل ما حماه الرسول (3) للفقراء و المساكين و المصالح العامة، لا على شكل ما كان يصنعه أهل الجاهلية من تفرد العزيز منهم بالحمى لنفسه (4).

هذا و كان من أشهر ما حماه الرسول (ص) الموضع المعروف ب‍ (النقيع) (5) الواقع قرب المدينة المنورة، إذ حماه لخيل المسلمين المرصودة للجهاد.

____________

(1). أما المقصود بالحمى المنسوب إلى اللّه تعالى فقد قيل في تفسيره: «بأن ما للّه هو للمسلمين، و إنما نسب إليه سبحانه و تعالى، لأنه أمر به و رتب عليه الجزاء، و إلى هذا التأويل ذهب أبو عبيد». راجع الخفيف في بحثه المقدم إلى المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية ص 108، و موضوعه (الملكية الفردية و تحديدها في الإسلام).

(2). أبو البركات- 4/ 62. الحطاب- 6/ 6، و الإرشاد للشافعية نقلا عن (الحطاب- 6/ 6). و الطوسي في المبسوط/ إحياء الموات.

(3). الماوردي- 186، الرملي- 5/ 338. الحطاب- 6/ 6.

أبو عبيد (الحاشية) عن الشافعي- 294.

(4). الماوردي- 186.

(5). البخاري- 3/ 140. الماوردي- 185. أبو عبيد- 298.

ابن إدريس/ باب المتاجر- 250. الحطاب- 6/ 5.

قال ياقوت في المعجم: النقيع من ديار مزينة، بينه و بين المدينة عشرون فرسخا.

289

أما ما حماه غيره من الخلفاء، فقد روى أن الخليفة أبا بكر حمى (الربذة) (1) لأهل الصدقة، كما روى بأن عمر حمى (السرف) (2)، و أن عثمان حمى مواقع أخرى، و لكنه حماها لنفسه خاصة (3).

و كيفما كان الأمر، فإنه لا مجال للشك- بناء على النص المذكور- من الحماية التي تجريها الدولة المتمثلة بالرسول أو غيره على الأرض أو نحوها من المصادر الأولية، إذا ما توفرت بعض الشروط، و منها عدم الضيق بالحمى على الناس، أو لحقوق الضرر بهم، و خلو الأرض الحمية من الزرع أو البناء و نحوه (4).

اما الحمى الذي يقوم به الأفراد العاديون لأنفسهم أو لغيرهم فليس هناك من قائل بشرعيته، إذ لا دليل عليه أصلا (5). نعم لهؤلاء الأفراد أن يقوموا بحماية بعض المواضع، و لكن من أراضيهم الخاصة ليس غير (6)، فقد روى عن أبي الحسن (ع): «قال، قلت: إن لنا ضياعا، و لها‌

____________

(1). الماوردي- 185، و لكن ذكر (الحطاب- 6/ 5) إن الذي حماها هو الخليفة عمر و ليس أبا بكر.

(2). البخاري- 3/ 140، الماوردي- 185. الحطاب- 6/ 5.

قالوا: الربذة و السرف: موضعان بين مكة و المدينة (راجع الخفيف، المؤتمر الأول لمجمع البحوث- 108).

(3). المظفر في دلائل الصدق ج 3 ق 1/ 158.

(4). الخرشى- 7/ 69.

(5). الطوسي في المبسوط/ إحياء الموات. ابن إدريس/ باب المتاجر- 250.

الحطاب- 6/ 4. ابن قدامة في المغني- 6/ 166.

(6). الطوسي في النهاية- 2/ 425.

290

الدولاب، و فيها مراعى، و للرجل منّا غنم و إبل، فيحتاج إلى تلك المراعى لغنمه و إبله، أ يحل له أن يحمى المراعي لحاجته إليها؟ قال: إذا كانت الأرض أرضه، فله أن يحمى و يصير ذلك الى ما يحتاج اليه» (1).

____________

(1). الصدوق- 3/ 156.

291

2- القبالة

القبالة لغة: الكفالة، و هي في الأصل مصدر قبل إذا كفل، و قبل إذا صار قبيلا، و القبيل: هو الكفيل و الضامن و العريف (1).

أما القبالة في الاصطلاح فلها مدلولان (أحدهما) يدل على التعهد أو الالتزام (و الآخر) يدل على الإجارة.

فبالنسبة إلى هذا المدلول الأخير للقبالة، و هو الإجارة، لا نجد بين الفقهاء، من حيث حكمه، قائلًا بنفي مشروعيته. و ذلك لعدم وجود فرق في الحكم بينه و بين سائر صور الإجارة. مثال ذلك ما لو تكفل شخص أو تقبّل بخياطة ثوب أو بناء دار، أو تقبل بزراعة أرض أو غراستها مقابل أجرة مسماة (2).

و يؤيد هذا الحكم، أى الحكم بمشروعية القبالة بمعنى الإجارة: بعض الروايات المتضافرة، و منها رواية أبي الربيع الشامي، قال: سئل عن أرض يريد رجل أن يتقبلها، فأي وجوه القبالة أحل؟ قال: يتقبل الأرض من أربابها، بشي‌ء معلوم إلى سنين مسماة، فيعمر و يؤدى الخراج. قال:

فإن كان فيها علوج (3)، فلا يدخل العلوج في قبالته، فإن ذلك‌

____________

(1). راجع في مادة (قبل) كلا من ابن منظور في لسان العرب، و الفيروزآبادي في القاموس المحيط، و غيرهما، لمعرفة مداليل القبالة اللغوية.

(2). تختلف الإجارة الواردة على الأرض عن كل من المزارعة، و المساقاة: في أن الإجارة تأتى مقابل أجرة مسماة، بينما تأتى كل من المزارعة، و المساقاة مقابل حصة من الثمرة أو الحاصل، فالمزارعة معاملة على الأرض بحصة من حاصلها، أما المساقاة فهي معاملة على الأصول بحصة من ثمراتها (راجع شرح اللمعة- 1/ 449، 453).

(3). العلج في اللغة هو: كل غليظ شديد من الرجال، جمع علوج و أعلاج، و يراد به هنا: ذلك الشخص الذي يقوم بفلاحة الأرض و زراعتها، لكنه هو، ليس ممن يرتبط- بالأرض تبعا في المعاملة على إيجارها و نحوه. و ذلك خلافا لما هو مطبوع في أذهان البعض.

ممن ورث هذه الفكرة عن العلوج و الفلاحين من أمم و أقوام أخرى لا تدين بالإسلام و مبادئه، و لهذا نفت الرواية المذكورة في المتن هذه الفكرة من أساسها، و حكمت بانتفاء مشروعيتها.

292

لا يحل» (1).

غير أن أولاء الفقهاء اختلفوا في مثل إجارة (قبالة) الشجر و النخل و نحوهما، و مبني هذا الاختلاف يعود فيما يظهر الى تكييف المسألة، فمن كيّف هذا النوع من القبالة بأنه بمنزلة بيع الثمر قبل بدوّ صلاحه، فقد ذهب الى القول بعدم صحة انعقادها، و منهم فقهاء الإمامية (2) و سائر فقهاء المذاهب الأربعة (3) و كذلك أبو عبيد صاحب الأموال (4). و من كيفه بأنه بمنزلة إجارة الأرض البيضاء و ليس بمنزلة بيع الثمر قبل بدوّ صلاحه، فقد مال الى القول بصحة انعقادها، كابن حنبل في أحد وجهيه، و الليث بن سعد، و أبى الوفاء، و ابن القيم (5) و غيرهم، و ذلك من حيث إن الشجر- في رأي هؤلاء- كالأرض. أى إن خدمته كخدمة الأرض و شقها، ثم من حيث إن مغل الزرع كمغل الشجر.

أما بالنسبة إلى مدلول القبالة الآخر- و هو الالتزام- و الذي يراد‌

____________

(1). الطوسي في التهذيب- 7/ 201. الصدوق- 3/ 156.

(2). الحلي في قواعد الأحكام/ باب الإجارة. العاملي في مفتاح الكرامة- 7/ 141.

(3). ابن القيم في أحكام أهل الذمة- 109.

(4). راجع كتابه- 70.

(5). أحكام أهل الذمة 109- 110.

293

به خاصة: تعهد الشخص بجباية بعض الضرائب من المكلفين بها في بعض المناطق و أخذها لنفسه، مقابل التزامه بدفع مبلغ معين من المال متفق عليه مسبقا. فإن ذلك في الواقع ضرب مما أسميناه قبلا بإقطاع الاستغلال. غير أن هذا الإقطاع- و هو الوارد أيضا على بعض الضرائب- يأتي غالبا على سبيل المنحة، أو للمرتزقة من الأجناد و نحوهم، بينما تأتى القبالة أو الالتزام هنا مقابل مبلغ معين يدفع إلى بيت المال، فهي معاملة على واردات بعض المناطق الضريبية.

و قد ورد عن كثير من الفقهاء النهى عن مثل هذا العقد أو الالتزام.

يقول أبو يوسف (1)- و هو يوجه كلامه إلى الرشيد-: «و رأيت أن لا تقبّل شيئا من السواد و لا غير السواد من البلاد، فإن المتقبل إذا كان في قبالته فضل عن الخراج، عسف أهل الخراج و حمل عليهم ما لا يجب عليهم و ظلمهم و أخذهم بما يجحف بهم ليسلم مما دخل فيه، و في ذلك و أمثاله خراب البلاد و هلاك الرعية، و المتقبل لا يبالي بهلاكهم بصلاح أمره في قبالته».

و يضيف قوله مبينا أساليب بعض الملتزمين التعسفية: «و لعله أن يستفضل بعد ما يتقبل به فضلا كثيرا، و ليس يمكنه ذلك إلا بشدة منه على الرعية، و ضرب لهم شديد، و عذاب عظيم ينال أهل الخراج مما ليس يجب عليهم من الفساد الذي نهى اللّه عنه».

و يقول الماوردي (2): «فأما تضمين العمال لأموال العشر و الخراج فباطل لا يتعلق به في الشرع حكم، لأن العامل مؤتمن يستوفي ما وجب و يؤدى ما حصل، فهو كالوكيل الذي إذا أدى الأمانة لم يضمن نقصانا و لم‌

____________

(1). الخراج- 105.

(2). الأحكام السلطانية- 176.

294

يملك زيادة. و ضمان الأموال بقدر معلوم يقتضي الاقتصار عليه في تملك ما زاد و غرم ما نقص، و هذا مناف لوضع العمالة و حكم الأمانة فبطل».

و لعل هذا النوع من القبالة هو المقصود بما روى عن ابن عباس في قوله: «القبالات حرام» (1)، فقد حكى أن رجلا جاء الى ابن عباس في أيام ولايته و قال له: أتقبل منك (الأب‌له) (2) بمائة ألف درهم، فضربه ابن عباس مائة سوط و صلبه حيا» (3).

و لا شك أن الحكم بالنهي عن هذا النوع من القبالة له ما يبرره، لأنه- أي هذا النوع- يؤدى في العادة إلى وقوع الاضطهاد و العسف على المكلفين بدفع الضريبة، فان الملتزم لكي يضمن تنفيذ التزامه و بالتالى الحصول على فائض من هذه المعاملة لا يجد في الغالب ما يمنعه من استعمال أساليب العسف و الاضطهاد.

و لكنه لو أمكن تعيين مقدار الضريبة المفروضة على المناطق الملتزمة، كما لو كانت أراضيها معلومة المساحة و كانت الضريبة بنسبة هذه المساحة، فلا ضير في مثل هذه القبالة بإعطاء الملتزم مقدارا معينا أو نسبة مسماة من الضريبة المستحصلة.

____________

(1). أبو عبيد- 70. ابن القيم- 108. الصولي- 222.

(2). (الأبله): كانت مرفأ العراق القديم، و أهم مركز مأهول بالسكان في المنطقة التي دعاها العرب باسم أرض الهند، كما وصفت بأنها إحدى جنان الدنيا الأربع، و هي تقع حسبما حققه الشيخ عبد القادر باش أعيان في كتابه (البصرة في أدوارها التاريخية- 10) جنوبي أبي الخصيب الحالي من محافظة البصرة.

راجع عنها: القزويني في آثار البلاد- 268، و أيضا صالح العلى في التنظيمات الاجتماعية في البصرة- 22.

(3). أبو عبيد- 70. الماوردي- 176. ابن القيم- 609. الصولي- 221.

295

قبالة المدن:

هذا و الواقع أن إعطاء المدن أو بعض المقاطعات بالالتزام أو القبالة هو في الغالب، مظهر من مظاهر الضعف و التعثر في مسيرة الدولة القائمة، و دليل على ارتباك أوضاعها الاقتصادية و السياسية، لذلك نرى أن الدولة العباسية بعد أن بدا عليها التعثر و الارتباك، لجأت إلى إبرام المزيد من العقود مع بعض الأشخاص بالتزام قسم من أقاليمها و مقاطعاتها.

و من ذلك ما ذكره المقريزى (1) عن خراج مصر: «و كان من خبر خراج مصر بعد نزول العرب بأريافها. أن متولي خراج مصر كان يجلس في جامع عمرو بن العاص من الفسطاط في الوقت الذي تتهيأ فيه قبالة الأراضي، و قد اجتمع الناس من القرى و المدن، فيقوم رجل ينادى على البلاد صفقات، و كتاب الخراج بين يدي متولي الخراج يكتبون ما ينتهى إليه مبالغ الكور و الصفقات على من يتقبلها من الناس، و كانت البلاد يتقبلها متقبلوها بالأربع سنين لأجل الظمأ و الاستيجار و غير ذلك».

كما روى عند ما تسلط الأتراك على مقدرات الدولة العباسية أن المعتصم ولى خراج مصر أشناس التركي (225- 229)، و أن الواثق بعده ولاها أيتاخ بين سنة (230- 235) (2).

و روى كذلك، و في حدود القرن الثالث، أن آل طاهر قد التزموا خراسان و أعمالها بمبلغ 44 مليونا من الدراهم، و أن الفضل بن مروان‌

____________

(1). الخطط و الآثار- 1/ 82. و يفهم من كلام المقريزى ذلك و ما بعده، أن هذه المزايدات كانت قبل مجي‌ء ابن طولون إلى مصر. أي في حدود النصف الأول من القرن الثالث (راجع الريس في الخراج و النظم المالية- 495).

(2). انظر حسن إبراهيم حسن في النظم الإسلامية: 273- 274.

296

التزم الأهواز ب‍ 49 مليون درهم (1).

و جاء أيضا بأن عماد الدولة البويهي، أول سلاطين بنى بويه، استقطع بعد أن اتسع سلطانه في فارس من الخليفة الراضي (329) أعمال فارس بثمانمائة ألف ألف درهم سنويا بعد طرح النفقات و الإطلاقات، على أن يبعث إليه الخليفة بخلعة السلطنة و المنشور. غير أن عماد الدولة نكل التزامه فيما يروى (2).

إن هذا، و نحوه كثير، كان يشبه إلى حد كبير ما كان متبعا في بعض أنظمة الإقطاع التي سادت أو ربا خلال القرنين العاشر و الحادي عشر من الميلاد، كما يذكر (3).

____________

(1). ابن خرداذبه: 42- 43.

(2). الفخري في الآداب السلطانية: 205- 206.

(3). حسن إبراهيم حسن في المصدر السابق- 274.

297

3- الإلجاء

يقال في اللغة: لجأ إلى الشي‌ء و المكان لجوءا: لاذ إليه، و اعتصم به، و إلى فلان: استند إليه و اعتضد به. و ألجأه إلى الشي‌ء: اضطره إليه.

و تعني «التلجئة»- التي هي من الإلجاه-: الإكراه. كأنه قد ألجأك إلى أن تأتي أمرا باطنه خلاف ظاهره، و أحوجك إلى أن تفعل فعلا تكرهه (1).

أما المراد بالإلجاء في الاصطلاح: فهو اضطرار أو حمل من لم يعد من الرعية قادرا على حماية ممتلكاته: على نقلها باسم بعض ذوي القوة و النفوذ، احتماء بهم و فرارا من ثقل بعض الضرائب.

و منه بيع التلجئة، و هو- على حد قول البعض (2)-: خوف صاحب الملك من استيلاء الظالم عليه، فيواطى‌ء رجلا آخر على إظهار شرائه منه حيث لا يريد بيعا حقيقيا.

و واضح من هذه التعاريف: أن التلجئة أو الإلجاء يقوم في الأصل على عنصر الخوف أو الإكراه (3) الذي هو أهم عيوب الرضاء، لذلك فإن‌

____________

(1). راجع في مادة (لجأ): كلا من ابن منظور في لسان العرب، و الفيروزآبادي في القاموس، و الزمخشري في أساس البلاغة، و المعجم الوسيط.

(2). الحلي في تذكرة الفقهاء- 7/ 7 كتاب البيع ط النجف.

(3). يرى بعض فقهاء القانون: أن ما يعتبر مفسدا للرضا ليست هي أعمال الإكراه في حد ذاتها، و إنما ما تولده هذه الأعمال في النفس من خوف و رهبة، و لهذا كان المشرع اللبناني في قانون الموجبات و العقود أكثر التزاما للدقة حين استعمل اصطلاح (الخوف) بدلا من الإكراه الذي استعمله القانونان المصري و الفرنسى و كذلك العراقي (راجع البداوى في النظرية العامة للالتزامات- 1/ 303).

298

التصرفات الناشئة على أساسه لا يمكن أن ترتب في الأصل آثارها الشرعية، لأن من شرط صحة هذه التصرفات هو الاختيار و التراضي، و الإكراه يعدم الرضا فيفسدها (1). قال تعالى «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» و قال (ص) في الحديث المعروف بحديث الرفع (2): «رفع عن أمتي تسعة: الخطأ و النسيان، و ما أكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه. الحديث» و معلوم أن المقصود بالرفع معناه هو رفع الآثار المترتبة على هذه الموارد التسع، و من بينها (الإكراه) و (الاضطرار).

و عليه، فإلجاء الشخص أو حمله على نقل حق من الحقوق باسم غيره، لا يكسب هذا الغير ملكية هذا الحق، فإذا ما باع أو أجر مثلا ذلك الشخص أرضه الزراعية إلى آخر تحت ضغط الإكراه، بسبب الخوف من استيلاء الظالم على أرضه أو لغرض الفرار من ثقل الضرائب مثلا، فإن تلك التصرفات الصورية لا يمكن أن ترتب آثارها الشرعية بين أطرافها و لو كانت بصورة عقد، إذ العقد في هذه الحالة لا يعدو أن يكون عقدا صوريا، و العبرة إنما هي بالقصد و بالواقع المستور الذي غطاه الطرفان بهذا الاتفاق.

لذلك ذهب جمهور (3) الفقهاء إلى القول ببطلان (بيع التلجئة) الذي‌

____________

(1). الغنيمي في اللباب- 3/ 235.

(2). أخرجه ابن ماجة و الطبراني و الحاكم و غيرهم (راجع السيوطي في الجامع الصغير ج 1 رقم 1305) و رواه الإمامية بسند جامع لشرائط الصحة (راجع محمد تقى الحكيم في الأصول العامة- 484).

(3). راجع في ذلك: كلا من التذكرة- 7/ 7 ط النجف. اللباب- 3/ 235، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع- 2/ 183، المحلى لابن حزم- 8/ 329، القوانين لابن جزى- 246، و كذلك الجزيري 2/ 161- 163.

299

مر تعريفه، و من بينهم فقهاء الإمامية، و الحنابلة، و كذلك المالكية تطبيقا لقولهم ببطلان تصرفات المكره القولية.

أما الحنفية فقد ذهب إليه منهم، وفاقا للجمهور، محمد و أبو يوسف، بينما خالف أبو حنيفة نفسه، الذي ذهب إلى القول بانعقاده من حيث إنه تم بأركانه و شروطه، فالقاعدة عند الأحناف في المكره: أن كل ما يكره على النطق به ينعقد، و إن أمكن في بعض الصور فسخه (1).

كما نسب القول بالصحة- صحة بيع التلجئة- إلى الشافعية أيضا، غير أنه جاء في بعض كتبهم التصريح بنفي صحة عقد المكره في ماله إذا كان ذلك بغير حق، بناء على عدم رضاه (2).

هذا و لا يعدو أن يكون بيع التلجئة هذا، و نحوه من التصرفات التي يواطئ فيها شخص آخر على القيام بتصرف لا يريده هو تحت ضغط بعض الظروف. لا يعدو أن يكون هذا صورة من صور ما يسمى (بعقد الصورية) في القوانين الوضعية الحديثة، إذ نصت مثلا المادة 148 من القانون المدني العراقي على ما يلي:

«1- يكون العقد المستتر هو النافذ فيما بين المتعاقدين و الخلف العام، و لا أثر للعقد الظاهر فيما بينهم.

2- و إذا ستر المتعاقدان عقدا حقيقيا بعقد ظاهر، فالعقد الحقيقي هو الصحيح، ما دام قد استوفى شرائط صحته».

أما بالنسبة لدائنى المتعاقدين و للخلف الخاص إذا كانوا حسني النية، فلهم- خلافا للحكم فيما بين المتعاقدين و الخلف العام- أن يتمسكوا بالعقد‌

____________

(1). راجع المصادر السابقة،

(2). راجع التذكرة- 7/ 7، و كذلك المصادر الأخرى السابقة.

300

الصوري، كما أن لهم أن يثبتوا هوية العقد الذي أضر بهم و أن يتمسكوا بالعقد المستتر. حسبما نصت على ذلك المادة 147 من القانون نفسه.

وقائع الإلجاء:

هذا و الإلجاء بتعريفه السابق- المتضمن اعتضاد بعض المالكين المستضعفين ببعض ذوي القوة و النفوذ و تسجيل أراضيهم باسم هؤلاء فرارا من عنت الحاكمين-: نظام قديم، قيل إنه يرجع الى عهود الرومان و الفرس الأولى (1) كما قيل بأنه ظهر لا حقا في القرون الوسطى بعهد ما سمى بالإقطاع غرب أوربا (2).

كما ذكر بأنه قامت بعض الوقائع في بعض العهود الإسلامية تمثل هذا النوع من الإلجاء، و ذلك عند ما اشتط بعض الحاكمين فيها و نشطوا لإرهاق كأهل الرعية بجباية الضرائب.

و من تلك الوقائع التي رددها كثير من المؤرخين، ما قام به البعض أيام بنى أمية بالعراق من إلجاء أراضيهم الواقعة في منطقة البطائح الى مسلمة بن عبد الملك تعززا به و احتماء بنفوذه (3)، و ما قام به بعض عجم أذربيجان بإلجاء قراهم الى المتنفدين من العرب الذين نزلوا هذه المناطق (4)، ثم ما قام به أهل مراغة في أذربيجان نفسها بإلجاء أراضيهم إلى الوالي مروان بن محمد الذي قام بأعمارها و إصلاحها (5).

____________

(1). ابن أبى الحديد- 4/ 190. و الجهشيارى- 6. و راجع أيضا دينيت 67- 68 (الحاشية). آدم متز- 1/ 197. الريس- 268.

(2). ديورانت 14/ 405- 406. عاشور- 2/ 46.

(3). البلاذري- 292. قدامة بن جعفر- 241.

(4). البلاذري- 325.

(5). البلاذري- 325.

301

و من ذلك أيضا، ما قام به أيام العباسيين أهل الشعيبة في الفرات من إلجاء منطقتهم هذه الى على بن الرشيد في خلافة أبيه بشرط أن يخفف مقاسمتهم و أن يكونوا بمثابة مزارعين له (1)، و ما قام به أهل الجبل من إلجاء ضياعهم إلى همام بن هاني العبدي، و هو قائد لدى الجرشى و الى هذا الجبل، و قد استبد به الطمع فغلب على ما فيها. و بعد وفاته ألجأها أولاده بدورهم عند ما عجزوا عن مداراتها إلى المأمون و ذلك في رجوعه من خراسان قاصدا بغداد (2).

كما ذكروا بأن أهل زنجان ألجأوا ضياعهم الى القاسم بن الرشيد الذي نصب واليا على جرجان و طبرستان و قزوين، تعززا به و احتماء بنفوذه من ظلم العمال و مكروه الصعاليك (3).

و اليه أيضا ألجأ أهل القافزان (4) منطقتهم- و كانت عشرية- على أن يجعلوا له عشرا ثانيا سوى عشر بيت المال.

كذلك أعار أبو أيوب المورياني وزير المنصور اسمه رجلا من أهل الأهواز يجعله على ضيعته، من حيث إن العمال قد حملوه فيها ما لا يطيق، و ذلك مقابل مبلغ جسيم يدفعه هذا الرجل إلى أبى أيوب (5).

إلى عشرات غيرها من وقائع الإلجاء، التي ظهرت أكثر ما ظهرت في إقليم فارس بناء على ثقل الخراج فيها. حتى صار لها اصطلاح قائم بذاته بين مواضعات الكتاب في دواوين الخراج بخراسان، و أصبح لها هناك قسم خاص في القرن الرابع الهجري (6).

____________

(1). نفسه- 364.

(2). نفسه- 308.

(3). نفسه- 319.

(4). نفسه- 319.

(5). الجهشيارى- 83.

(6). آدم منز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع- 1/ 197.

302

الفصل الثاني حركة الإقطاع و ما رافقها من انحرافات عبر العهود الإسلامية البارزة

تمهيد:

هذا و بعد أن عرضنا في (الفصل الأول) من هذا الباب لأحكام الإقطاع، لا بد أن نعرض في فصل تال- هو هذا الفصل- لتطبيقات بعض هذه الأحكام عبر العهود الإسلامية المختلفة. و ذلك لكي نتبين منها بوضوح التطبيقات السليمة، من تلك التطبيقات المنحرفة التي تخطت أهداف و فكره الإقطاع في الإسلام، باعتبارها صورة من صور التوزيع العادلة للأراضي الميتة، ثم لكي نؤكد، بالتالى، من خلال هذا العرض و هذه المقارنة السريعة: أن الإسلام لا يمكن أن يتحمل تلك التطبيقات أو الاجراءات المنحرفة، بالرغم من انتمائها الى عهد من عهوده المعروفة، و ذلك لأنها لا تمت الى تشريعاته المذكورة في مجال الأراضي بصلة.

و عليه، فاننا سنتناول أول ما نتناول في (مبحث أول) من هذا الفصل:

إقطاعات الرسول و اجراءاته في أراضي الفتح. هذه الاجراءات التي لا بد أنها ستلقى ضوءا أصيلا على أحكام الأراضي.

ثم نتبعها في (مباحث ثلاثة) أخرى بحديث موجز عن حركة الإفطاع و توزيع الأراضي التي جرت عبر العهود الإسلامية التالية، و هي‌

303

- عهد الخلافة الراشدية.

- عهد الخلافة الأموية.

- و أخيرا عهد الخلافة العباسية.

و ذلك على النحو التالي:

المبحث الأول إقطاعات الرسول، و إجراءاته في أراضي الفتح

إجراءات الرسول في أراضي الفتح:

حين اتخذ الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من يثرب دار هجرة، و حين اتخذها أول مركز لحكومته الناشئة، واجه أول ما واجه مشكلة إيواء صحبه من المهاجرين، الى جانب تأمين بعض الموارد المالية لهم بعد أن عافوا ديارهم و أموالهم.

و قد كان حلا آنيا و رائعا من الرسول (ص) حين قام بتوزيع هؤلاء المهاجرين على بيوتات البعض من الأنصار، بعد أن آخى بينهم في عملية تلاحم مشهورة ضرب فيها الإسلام و أتباعه أروع الأمثلة في الإيثار و التضحية.

و حين اشتدت الحاجة إلى السكن، بعد أن اتسع نطاق الدعوة و اتسع نطاق الهجرة، و وجد الرسول أول فرصة لإيواء هذا الفريق من المهاجرين مع إيجاد موارد عيش لهم. و ذلك في أول (1) عملية فتح إسلامية، و هي‌

____________

(1). و كان ذلك سنة أربع للهجرة (سيرة ابن هشام- 3/ 199).

304

فتح أراضي بني النضير (1)، قام بإقطاع (2) أو توزيع بعض المناطق من أراضيهم و ضياعهم (3). مضافا إلى أموالهم على البعض من أولئك المهاجرين (4) دون الأنصار (5) و إنما خصهم بذلك ليرفع مؤنتهم عن هؤلاء الأنصار (6) من ناحية، و يوفر لهم سبل العيش و السكن الخاص من ناحية ثانية، يقول الرسول (ص) و هو يخاطب الأنصار بعد هذه الواقعة- واقعة بنى النضير-:

«ليست لإخوانكم من المهاجرين أموال، فإن شئتم قسمت هذه- و يعنى بها أموال بني النضير- و أموالكم بينكم و بينهم جميعا، و إن شئتم أمسكتم أموالكم و قسمت هذه فيهم خاصة. فقالوا: بل قسم هذه فيهم و اقسم لهم أموالنا ما شئت، فنزلت و يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة» (7).

____________

(1). تقع أراضي بني النضير على وادي مذينيب في الجنوب الشرقي من المدينة (السمهودي في وفاء الوفاء- 1/ 113) و هي متصلة بقباء و بأراضي الأوس (راجع صالح العلى. مجلة الآهاب مجلد 1 ص 23- 25).

(2). القرشي- 38 و 41.

(3). تعد أراضي بني النضير من صفايا الرسول الخاصة، لأن المسلمين لم يوجفوا على أهلها بخيل أو ركاب (راجع: دحلان في السيرة النبوية- 2/ 100، طبقات ابن سعد- 2 ق 1/ 41، أبا عبيد- 7، البلاذري- 33، و الحنبلي في الاستخراج في رواية ابن إسحاق- 19) و لكن صاحب الاستخراج هذا يستدرك على ذلك بقوله: «و لا ريب إن بنى النضير لم يتركوا أرضهم إلا بعد حصار و محاربة و لم ينزلوا من حصونهم إلا خشية القتل، و مع هذا فقد جعل اللّه أرض بني النضير فيئا».

(4). و من بينهم أبو بكر، و عبد الرحمن بن عوف (البلاذري- 31) و عمر، و صهيب بن سنان، و الزبير بن العوام، و أبو سلمة بن عبد الأسد (طبقات ابن سعد- 2 ق 1/ 41، و الصولي- 210).

(5). سوى سهل بن حنيف و أبى دجانة لحاجتهما الماسة، راجع: سيرة ابن هشام 3/ 201- 202، السيرة الحلبية- 2/ 283. ابن حزم في جوامع السيرة- 182، المقريزى- 183. الطبري 3/ 39.

ابن الأثير- 2/ 71. النويرى في نهاية الإرب- 17/ 145.

و أبا يعلى 183- 184.

(6). دحلان- 2/ 100.

(7). البلاذري 33- 34.

305

و كانت هذه العملية- عملية إقطاع بعض أراضي بني النضير الذين أجلاهم الرسول إلى أذرعات الشام (1)- أول عملية إقطاع تنشأ في الإسلام، ثم تلاها تقسيم (2) أراضي بني قريظة (3) و أموالهم بين المسلمين بعد غزوة الخندق أو الأحزاب المعروفة سنة خمس للهجرة (4) حينما قام أولاء في معاونة المشركين على حرب الرسول في هذه الغزوة. و في سنة سبع للهجرة (5) بعد أن دخلت خيبر (6) في حوزة الإسلام، رأى الرسول (ص) أن يقرّ أهاليها في أراضيهم، و إقراره هذا يمكن أن يكون بمثابة إقطاع إرفاق، لأن المسلمين عموما استحقوها كفي‌ء بعد الفتح (7)، لذلك فأمر إبقائها بيد أصحابها إبقاء موقتا- و هو ما يسمى بإقطاع الإرفاق- أو إعادة تمليكها أو تخصيصها بهم، هو حق من حقوق الدولة الفاتحة وحدها، و قد وجد الرسول أن أمر إبقائها (8) بأيدي أصحابها الأول- بعد أن عرضوا عليه ذلك (9) أضمن لاستمرارية استثمارها و استغلالها، لأنهم أقدر- من ناحية- على هذا الاستغلال، و لأن تقسيمها‌

____________

(1). الطبري- 3/ 38.

(2). الطبري- 3/ 58، ابن الأثير- 2/ 71. البلاذري 35- 36 و القرشي- 41.

(3). كانت أراضي بني قريظة تقع أعلا وادي مهزور بالقرب من حرة و أقم أو حرة بني عبد الأشهل، و تمتد بين هذه الحرة و بين بنى أمية بن زيد و بنى خطمة. (راجع صالح العلى، مجلة الآداب- 1/ 27).

(4). البلاذري 34- 35.

(5). نفسه- 36.

(6). خيبر: ناحية تقع على ثمانية برد من المدينة في طريق الشام، و تطلق على الولاية، و تشتمل على سبعة حصون و مزارع و نخل كثير (ياقوت الحموي- 2/ 503).

(7). الطبري- 3/ 98. ابن الأثير- 2/ 91.

(8). و عملا بذلك فقد أمر الخليفة عمر بعدئذ بإبقاء أراضي السواد و غيرها من الأراضي المفتوحة عنوة بيد أهلها.

(9). الطبري- 3/ 95. ابن الأثير- 2/ 91. ابن هشام- 3/ 351.

306

على المسلمين يشغلهم- من ناحية أخرى- عن واجبات الدعوة و الجهاد في سبيل اللّه.

و قد عامل الرسول أهلها بشطر مما يخرج منها من زرع أو ثمر (1) على أن يعتملوها بأموالهم و أنفسهم، و بشرط أن يجليهم عنها متى شاء (2)، و استنادا الى هذا الاتفاق قام عمر بن الخطاب- كما قيل- بإجلائهم عن أراضيهم في الشطر الأخير من خلافته (3) عند ما ظهر الوباء فيهم (4)، و قسمها بين فريق من المسلمين.

و هكذا كان الحال مع أهل وادي القرى (5) و أهل تيماء (6) بعد أن فتح الرسول أراضيهم عنوة حيث أقرهم عليها و عاملهم بمثل ما عامل به أهل‌

____________

(1). الطبري- 3/ 95. ابن الأثير- 4/ 91. أبو يوسف- 50. البلاذري- 36، 37، 38- 39، 40. القرشي- 39.

أبو عبيد- 86. الواقدي- 316. ابن حزم في جوامع السيرة- 213.

(2). الطبري- 3/ 95، ابن الأثير- 2/ 91، ابن هشام- 3/ 351، أبو يوسف- 50، ابن حزم- 213.

(3). الطبري- 3/ 97، ابن الأثير- 2/ 93، ابن حزم- 213.

(4). البلاذري- 36.

(5). موضع بقرب المدينة من جهة الشام، و يمر به طريق التجارة الذي يصل الشام باليمن، و هو واد خصيب حتى قيل: «إنه ليس بالحجاز بعد مكة و المدينة أكبر من اليمامة، و يليها في الكبر وادي القرى، و هي ذات نخل». راجع: الحموي- 4/ 81. دحلان- 2/ 255. ابن حوقل في صورة الأرض- 1/ 31.

جواد على في العرب قبل الإسلام- 4/ 178.

(6). تيماء: بلدة صغيرة تقع أطراف الشام و على طريق الحاج (الحموي- 1/ 907).