إحياء الأراضي الموات

- محمود المظفر المزيد...
358 /
307

خيبر (1).

أما معاملة فدك (2) فكانت تختلف عن سابقاتها من حيث إنها لم يوجف عليها بخيل أو ركاب (3)، فقد نزل أهلها مستسلمين بعد أن سمعوا بما آل إليه أمر خيبر، و لجئوا الى الصلح بالتنازل عن نصف أراضيهم، و لذلك اعتبرت (فدك) أو نصفها خالصة لرسول اللّه و من صفاياه الخاصة (4)، حكمها في ذلك حكم كل أرض أفاءها اللّه على رسوله.

و لهذا أقطع ابنته فاطمة نصفها (5) الذي اصطفاه لنفسه، و ذلك بعد نزول قوله تعالى «وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ» و قد أصبحت بعد ذلك قضية فدك مثارا للمناظرات بين المذاهب الإسلامية.

اقطاعاته الخاصة:

أما إقطاعات الرسول الخاصة المروية في هذا الصدد فمن أظهرها: إقطاعه‌

____________

(1). ابن الأثير- 2/ 92. المقريزى- 332. البلاذري- 47، 48. دحلان- 2/ 255.

(2). فدك: قرية بالحجاز بينها و بين المدينة مسيرة يومين أو ثلاثة، أفاءها اللّه على رسوله سنة سبع صلحا (الحموي- 3/ 805).

(3). ابن الأثير- 2/ 93. المقريزى- 331. ابن هشام- 3/ 368. ابن حزم- 218.

(4). ابن الأثير- 2/ 93. المقريزى- 331. ابن هشام- 3/ 368. دحلان- 2/ 255. أبو يعلى- 185.

و كذلك راجع: المظفر في دلائل الصدق ج 3 ق 1/ 27. و شرف الدين في النص و الاجتهاد- 121 الذي قال: و هذا ما أجمعت عليه الأمة بلا خلاف.

(5). راجع ابن أبى الحديد 4/ 107- 122. و راجع شرف الدين في النص و الاجتهاد- 121. و المظفر في دلائل الصدق ج 3 ق 1/ 38.

308

بلالا المزني العقيق أجمع (1) و معادن القبليّة جلسيّها و غوريها (2) و إقطاعه الزبير بن العوام أرضا بخيبر عامرة بالنخل و الشجر (3) و حمزة بن النعمان رمية سوطه من وادي القرى (4) و والد وائل الحضرمي أرضا بحضر موت (5) و مجاعة بن مرارة أرضا مواتا سأله إياها (6). كما أقطع (ص) تميم بن أوس و أخاه نعيما: حبرون و بيت عينون و بيت إبراهيم (7)، و عقبة بن فرقد موضع دار بمكة يبنيها مما يلي المروة (8)، و فراتا العجلي أرضا باليمامة (9).

____________

(1). أبو عبيد- 273، و قال القاضي عياض: «العقيق واد عليه أموال أهل المدينة، و هو على ثلاثة أميال أو ميلين، و قيل ستة، و قيل سبعة، و هي أعقه أحدها عقيق المدينة، و هذا العقيق الأصغر، و العقيق الأكبر بعد هذا و فيه بئر عروة، و عقيق آخر أكبر من هذين و فيه بئر على مقربة منه و هو من بلاد مزينة، و هو الذي أقطعه رسول اللّه بلال بن الحارث» الحموي 3/ 700- 701.

(2). الماوردي- 198. و القبلية- بفتح القاف- نسبة إلى القبل، و هو كل نشر من الأرض يستقبلك، و هي ناحية من ساحل البحر بينها و بين المدينة خمسة أيام (سنن أبى داود- 2/ 154).

و المقصود، (جلسيها)- بكسر الجيم-: ما كان الى ناحية نجد، و ب‍ (غوريها)- بفتح الغين-: ما كان الى ناحية الغور (ابن إدريس/ كتاب الزكاة).

(3). البلاذري- 42. أبو عبيد- 273. الماوردي- 190، الصولي- 211، و روى كذلك أن النبي أقطع الزبير حضر فرسه- و هو عدوه- مقدار ما جرى فأجرى فرسه حتى قام- أى عجز عن التقدم- فرمى بسوطه طلبا للزيادة على الحضر فأعطاه من حيث وقع السوط (العاملي في شرح اللمعة- 2/ 253). و رواه أبو سعيد و أبو داود (ابن قدامة في المغني- 6/ 164).

(4). البلاذري- 48.

(5). نفسه- 84.

(6). نفسه- 97.

(7). نفسه- 135، أبو عبيد- 284 لتميم وحده، القلقشندى- 13/ 104،

(8). الصولي- 211.

(9). أبو عبيد- 274.

309

و أعطى بنى قرة بن عبد اللّه: المظلة كلها أرضها و ماءها و سهلها و جبلها، حمى يرعون فيه مواشيهم (1).

و أقطع كذلك عددا آخر غير قليل من أصحابه في أماكن مختلفة من الأراضي الإسلامية (2).

____________

(1). الوثائق السياسية- 107.

(2). راجع مجموعة الوثائق السياسية 183- 249، و مكاتيب الرسول- 49.

310

المبحث الثاني إقطاعات الخلفاء الراشدين

أولا- إقطاعات أبى بكر:

لم يظهر للخليفة أبى بكر، فيما وصل إلينا من سيرته، أى نشاط أو إجراء ملحوظ فيما يتعلق بإقطاع الأراضي و توزيعها، كما لم يصدر له أى حكم بشأن حق الدولة أو الأفراد في المواقع التي تم فتحها في عهده كبعض أراضي الشام و العراق.

كذلك لم نجد بين مكاتبات القواد الذين أشخصهم أبو بكر الى تلك الجهات للجهاد، و هم كل من: خالد بن الوليد الذي أشخص الى العراق، و من ثم الى الشام لتولى إمارة الأمراء فيها (1)، و عمر بن العاص، و يزيد بن أبى سفيان، و شرحبيل بن حسنة الذين أشخصوا الى كل من فلسطين و دمشق و الأردن على التوالي لتولى القيادات العسكرية فيها (2). لم نجد بين مكاتباتهم مع أبى بكر إشارة أو استفسارا بشأن حكم تلك الأراضي التي فتحها أو دخلها أولاء القواد، ذلك لأن الخليفة أبا بكر قد توفي (3) و المعارك لا تزال في أولها تدور في تلك الجهات، فلم يكن هناك أى مجال في هذه الحالة لإثارة موضوع الأراضي و نحوها من المغانم.

____________

(1). و قيل: إنه عند ما أشخص إلى الشام كان أميرا على أصحابه الذين أشخصوا معه، و ليس لإمارة الأمراء في الشام (راجع البلاذري- 117).

(2). البلاذري- 116، 123.

(3). من المعروف أن الخليفة أبا بكر توفي في جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة للهجرة في حين أنه قام بعقد الألوية لأولئك الأشخاص في شهر صفر من السنة المذكورة.

311

غير أنه ذكر في مجال إقطاع الأراضي: أن أبا بكر أقطع عدة قطع لعدة أشخاص، منهم الزبير الذي أقطعه ما بين الجرف الى قناة (1) و مجاعة ابن مرارة الذي أقطعه الخضرمة (2) و طلحة بن عبيد اللّه و عيينة بن حصن الفزاري اللذان أقطعهما بعض الأراضي، لكن عمر بن الخطاب- و كان له نفوذه عند أبى بكر- مانع في ذلك. الأمر الذي جعل الخليفة أبا بكر يقرر إلغاء واقعة الإقطاع هذه (3).

ثانيا- إقطاعات عمر:

و لكن ظهر بشكل خاص نشاط ملحوظ في حركة الإقطاع و أحكام الأراضي أيام الخليفة عمر بن الخطاب و ذلك لترامى عهده في الحكم من جهة، و نشاط حركة الفتوح و اتساعها في أيامه من جهة ثانية. الأمر الذي سمح البعض لنفسه أن يدعى (4) بأن الخليفة عمر كان أول من بدأ عملية إقطاع الأراضي في الإسلام. حيث أصفى أراضي كسرى و أهله، و كل من قتل في الحرب أو هرب عن أرضه، و كل مغيض ماء أو دير بريد (5)، فكان يقطع منها (6) و لكنه ادعاء لا تسنده الوقائع، نظرا لما توارد‌

____________

(1). القرشي- 77. قال المدائني: «قناة: هي واد يأتي من الطائف و يصب إلى الأرحضية و قرقرة الكور، ثم يأتي سد معاوية، ثم يمر على طرف القدوم، و يصب في أصل قبور الشهداء بأحد» البلاذري- 26.

(2). أبو عبيد- 281. و الخضرمة: بلد بأرض اليمامة لربيعة.

(3). روى (أبو عبيد- 276) بأن أبا بكر أقطع طلحة بن عبيد اللّه أرضا و كتب له بها كتابا، و أشهد له ناسا فيهم عمر، قال: فأتى طلحة عمر بالكتاب، فقال: اختم على هذا، فقال: لا أختم، أ هذا كله لك دون الناس؟ قال: فرجع طلحة مغضبا إلى أبى بكر، فقال: و اللّه ما أدري، أنت الخليفة أم عمر، فقال: بل عمر! و لكنه أبى».

(4). أبو عبيد- 276، الصولي: 211- 212.

(5). انظر سيد الأهل، الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز- 30.

(6). أبو يوسف- 57. القرشي- 64. البلاذري- 272.

و أبو عبيد- 283.

312

في المرويات السابقة و نحوها من قيام الرسول نفسه بإقطاع عدد غير قليل من الأشخاص بعض الأراضي التي استجدت بعمليات الفتوح، و من قيام أبى بكر كذلك بإقطاع عدد آخر من الأشخاص بعض المواقع و إن كان نزرا يسيرا، كما ذكرنا.

و ما يقال بالنسبة إلى هذا الادعاء، يمكن أن يقال أيضا بالنسبة إلى الادعاء الآخر. الذي ذكروا فيه، كما سيأتي، بأن الخليفة عثمان بن عفان كان هو البادئ بعملية الإقطاع، و قد ناقش القلقشندى (1) ذلك بمثل ما ناقشنا به الادعاء السابق.

و لعل أول ما واجه الخليفة عمر مما يتصل بأحكام الأراضي و إقطاعها:

قضية أرض السواد من أراضي العراق. حيث انقسم الناس من ذوي الرأي في حكمها إلى فريقين: فريق- و من بينه الصحابي المعروف بلال بن رباح- كان يشير على عمر، و يلحف في الإشارة، بلزوم تقسيم أراضي السواد على المحاربين باعتبارها أرض عنوة، لا فرق في ذلك بينها و بين سائر الأموال المغنومة (2)، عملا بقوله تعالى: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ. الآية» (3).

و المعروف أن بلالا هذا، كان شديد التحمس لهذه الفكرة في حينها، حتى قال عمر فيه: اللهم اكفني بلالا و أصحابه (4).

____________

(1). صبح الأعشى- 13/ 105.

(2). الشافعي في الأم- 4/ 68، 193. و الحنبلي في الاستخراج- 15.

(3). الأنفال- 41.

(4). أبو يوسف- 35. أبو عبيد- 58.

313

أما الفريق الآخر، و من بينه على (1) و معاذ (2)، فقد كان يشير على عمر بلزوم ترك الأراضي المفتوحة عنوة بيد أهلها لاستثمارها، على أن يضرب الخراج كطسق، على رقبتها، باعتبارها دخلت في ملكية الأمة، و قد رجح الخليفة عمر الأخذ بوجهة النظر هذه، مستدلا بقوله تعالى في الآيات المتصلة من سورة الحشر (3): «مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرىٰ. إلى قوله:

وَ الَّذِينَ جٰاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ».

و يروى في هذا الصدد أن عمر كتب إلى سعد حين تم فتح العراق كتابا يقول فيه (4): «فانظر ما أجلب الناس به إلى العسكر من كراع أو مال فاقسمه بين من حضر من المسلمين، و اترك الأرضين و الأنهار لعمالها، ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن بقي بعدهم شي‌ء».

و قد استدل هؤلاء مضافا إلى ذلك بما اتخذه الرسول في خيبر (5)، حيث ترك أراضيها بيد أصحابها بشطر من ثمرها و زرعها، و لم يلجأ إلى تقسيمها‌

____________

(1). القرشي- 42. أبو عبيد- 59.

(2). أبو عبيد- 59.

(3). الآيات من 7 إلى 10.

(4). القرشي- 27. البلاذري- 265. أبو عبيد- 59.

الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد- 1/ 9.

(5). و يستدل الآخرون- أصحاب الرأي المقابل- أيضا بقصة خيبر نفسها، على اعتبار أنها كانت قد قسمت و لم تترك بيد أهلها- على بعض الروايات- فقد روى أن عمر قال: «لو لا آخر الناس، ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم الرسول خيبر».

راجع: أبا عبيد: 56- 57، 58، و الشافعي في الأم- 4/ 193.

314

على الفاتحين مع أنها أرض عنوة، و ذلك لاختلاف الحكم في الأراضي عنه في المنقولات مثل العروض.

هذا و لم يختلف رأى الخليفة عمر في غير (1) السواد من الأراضي المفتوحة عنوة، حيث منع من تقسيمها كما منع من تقسيم أراضي السواد، و وضع عليها الخراج مقابل إبقائها تحت أيدي أصحابها.

و قد استهدف عمر بن الخطاب من هذه الإجراءات التي اتخذها في الأراضي المفتوحة بالقوة: (أولا) الحيلولة دون تضخم الملكيات، و قيام الاستئثار حينذاك بين فئات المسلمين، و (ثانيا) الوقوف دون انصراف المسلمين المحاربين و قعودهم عن مهمتهم الأصلية، و هي الجهاد و حماية الثغور (2)، أما بعد أن استقر المسلمون في الأراضي التي افتتحوها، و أمنوا جانب الأعداء، و رأى عمر أن الفرصة مواتية لتنشيط الحركة الزراعية و العمرانية، فقد قام بإقطاع ما خلفته الفتوح من أراضي الصوافي، و بخاصة ما اصطفاه الخليفة من السواد، و هي عشرة أصناف، عدّ لنا منها الرواة ستا أو سبعا و نسوا الباقي (3).! و قد سميت هذه بعدئذ (بالقطائع) (4).

و كان الخليفة عمر- فيما يروى (5)- يخص في إقطاعاته هذه المحاربين‌

____________

(1). كمصر و الأهواز و الجابية (راجع البلاذري- 156، 216، 376).

(2). انظر: بتلر في فتح العرب لمصر- 339.

(3). أبو يوسف- 57. أبو عبيد- 283. القرشي- 64.

البلاذري- 272.

(4). أبو يوسف- 57. و القطائع- كما يقول ابن أبى الحديد 2/ 105- هي: «ما يقطعه الإمام بعض الرعية من أرض بيت المال ذات الخراج، و يسقط عنه خراجه، و يجعل عليه ضريبة يسيرة عوضا عن الخراج».

(5). ابن أبى الحديد- 1/ 105.

315

الذين كانوا قد أبلوا بلاء حسنا في الجهاد، و من ذلك ما نقله البعض بأن قطائعه في الشام كانت خاصة بأجناد المسلمين الذين عسكروا في مرج بردا، و كانت القطائع هذه مروجا لأهل دمشق و قرأها غير خاصة بأحد (1).

و مما حفظه لنا الرواة من إقطاعاته سوى ما ذكر: إقطاعاته لكل من:

خوات بن جبير الأنصاري الذي أقطعه أرضا مواتا من العقيق أو قريبا من منطقتها (2) و مجاعة بن مرارة الذي أقطعه (الرياء) (3)، و بعض أزواج النبي اللاتي أقطعهن بعضا من أرض خيبر (4) بعد أن استرجعها من أصحابها.

كما أقطع نافع بن الحارث أرضا بالبصرة (5)، و أقطع أيضا- فيما يروى عن موسى بن طلحة- خمسة من أصحاب النبي و هم: سعد بن أبى وقاص، و عبد اللّه بن مسعود، و خباب، و أسامة بن زيد. قال الراوي: و أراه قال: الزبير (6).

هذا و ذكر: أن الخليفة عمر كان مقتصدا في إقطاعاته هذه إلى حد بعيد (7)، و ربما يرجع ذلك إلى كون إقطاع الأراضي في نفسه كان محدودا (8)

____________

(1). راجع سيد الأهل في المصدر السابق- 31.

(2). البلاذري- 26.

(3). نفسه- 103، و أبو عبيد- 281.

(4). و ليس من بينهن عائشة كما ذكر «القرشي- 39»، و لكن البخاري في باب المزارعة، و مسلما في باب المساقاة، ذكرا أن عائشة كانت ممن اخترن الأرض قبال من اخترن الدسوق من نساء النبي عند تقسيم خيبر.

(5). البلاذري- 345. أبو عبيد- 277. الصولي- 221.

القرشي 78- 79.

(6). القرشي- 78، و لكن روى أبو عبيد- 278: أن الذي أقطع هؤلاء هو عثمان و ليس عمر.

(7). دينيت في الجزية و الإسلام- 65.

(8). بتلر- 399.

316

و غير مألوف بشكله الواسع ذلك الحين، حتى ذكر ابن عبد الحكم (1)، مثلا أن عمر لم يقطع أحدا طوال عهده من أرض مصر سوى ابن مسندر الذي أقطعه (منية الأصبغ)، و إن كان إقطاعا كبيرا، لأنها قدرت بألف فدان، و حتى قيل: إنه لم يقطع في البصرة أحدا (2) سوى أبي بكرة و نافع بن الحارث.

ثالثا- إقطاعات عثمان:

و سلك الخليفة الثالث عثمان بن عفان في حكمه إزاء إقطاع الأراضي و منح الصفايا و أموال بيت المال: مسلكا يختلف كثيرا عن مسلك سابقيه- أبى بكر و عمر. إذ المعروف أنه كان يغالي في منح القطائع و الأموال بشكل أوجد معه طبقة أتخمها الثراء، مما أثار معه نقمة الناس و سخطهم الذي تجسد في التظاهرة الكبيرة المعروفة التي حاصرت داره و أدت إلى مصرعه بالشكل الذي يحفظه لنا التأريخ.

و قد جعل صاحب السيرة الحلبية (3)، حين أتى على تعداد أعمال عثمان التي أدت إلى الفتنة الكبرى، و بالتالى الى مصرعه. جعل منها إقطاعه لأكثرية أراضي بيت المال و تخصيص فئة بها دون أخرى.

يقول ابن أبى الحديد (4)- و هو يقارن بين إقطاعات عمر و عثمان- «و قد كان عثمان أقطع كثيرا من بنى أمية و غيرهم من أوليائهم و أصحابه قطائع من أرض الخراج، و قد كان عمر أقطع قطائع و لكن لأرباب العناء في الحرب و الآثار المشهودة في الجهاد. إلى أن عاد ليقول: و عثمان أقطع القطائع صلة لرحمه و ميلا إلى أصحابه من غير عناء في الحرب و لا أثر».

____________

(1). نفسه- 399. سيد الأهل- 30.

(2). البلاذري- 346.

(3). 2/ 82.

(4). شرح النهج- 1/ 105.

317

و نتيجة لتساهل عثمان في منح القطائع و إطلاقه الحرية للناس في امتلاك أو حيازة ما يشاؤون من الأراضي و الأموال، فقد برزت لأول مرة و في عهده ظاهرة ما يسمى بالملكية الكبيرة، حيث انتقلت أكثرية الأراضي و بخاصة أراضي العراق (1) المعروفة بخصبها و عطائها إلى أفراد قلائل.

فقد بلغت مثلا في عهده غلة طلحة بن عبيد اللّه من العراق كل يوم ألف دينار، و قيل أكثر من ذلك (2).

و بلغت قيمة ضياع عثمان نفسه بوادي القرى و حنين و غيرهما مائة ألف دينار (3)، سوى الأنعام و النقود التي زادت على المليون درهم (4).

و كان ما خلف زيد بن ثابت حين مات من الذهب و الفضة: ما كان يكسر بالفؤوس- على حد تعبير الراوي سعيد بن المسيب- سوى الأموال و الضياع التي بلغت قيمتها مائة ألف دينار (5).

إلى عشرات من الأمثلة التي أتى على ذكرها فريق من المؤرخين (6).

أما أظهر ما حفظه الرواة من إقطاعات عثمان السخية: إقطاعه معاوية ابن أبى سفيان ضياع قادة الروم الذين قتلوا أو جلوا عن الشام، فعندما ظلت أراضيهم سائبة استقطعها معاوية بن عثمان فأقطعها جميعا إياه (7).

____________

(1). راجع الخربوطلى، تاريخ العراق في ظل الحكم الأموي- 347.

(2). المسعودي في مروج الذهب- 2/ 333.

(3). نفسه- 2/ 337.

(4). نفسه- 2/ 337.

(5). نفسه- 2/ 333.

(6). يقول المسعودي (5/ 333- 334) بعد أن ضرب تلك الأمثلة: «و هذا باب يتسع ذكره و يكثر وصفه، فيمن تملك من الأموال في أيامه و لم يكن مثل ذلك في عصر عمر بن الخطاب، بل كانت جادة واضحة و طريقة بينة».

(7). راجع: عمر أبو النصر، معاوية و عصره، الموسوعة التاريخية- 141 نقلا عن ابن عساكر.

318

و من إقطاعاته الأخرى: إقطاعه خبّاب بن الأرت صعنبا (1) أو صعنباء (2)، و سعد بن مالك قرية هرمز (3) أو الهرمزان (4)، و عمار بن ياسر أسبينا (5) أو استينيا (6)، و طلحة بن عبيد اللّه النشاستج (7)، و عدى ابن حاتم الطائي الروحاء (8) و الأشعث بن قيس طيزناباذ (9)، و هذه المواضع الأربعة الأخيرة هي من صوافي كسرى، و ما كان من أرض الجالية في العراق (10).

و من إقطاعاته أيضا: إقطاعه بعض القطائع لكل من مجاعة بن مرارة (11)،

____________

(1). البلاذري- 273، و أبو عبيد- 284، يقول الحموي في المعجم- 3/ 391:

«صعنى- هكذا بالقصر- قرية باليمامة، و في كتاب الفتوح: إن عثمان أقطع خباب بن الأرت قرية بالسواد يقال لها: صعنى».

(2). أبو يوسف- 62.

(3). البلاذري- 273، و أبو عبيد- 284، يقول الحموي- 4/ 998:

«هرمز قلعة بوادي موسى عم بين القدس و الكرك، و هرمز جرد: ناحية كانت بأطراف العراق غزاها المسلمون أيام الفتوح».

(4). أبو يوسف- 62.

(5). البلاذري- 273.

(6). أبو يوسف- 62. يقول الحموي- 1/ 244: «استينيا قرية بالكوفة.

قال المدائني: كان الناس يقدمون على عثمان بن عفان فيسألونه أن يعوضهم مكان ما خلفوا من أرضهم بالحجاز و تهامة و يقطعهم عوضه بالكوفة و البصرة، فأقطع خباب بن الأرت استينيا قرية بالكوفة».

(7). البلاذري- 273. يقول الحموي- 4/ 783: «النشاستج: ضيعة أو نهر بالكوفة كانت لطلحة بن عبيد اللّه، و كانت عظيمة كثيرة الدخل».

(8). قرية من قرى بغداد على نهر عيسى قرب السندية (الحموي- 2/ 839).

(9). البلاذري- 272، و هي موضع بين الكوفة و القادسية على حافة الطريق على جادة الحاج، و بينها و بين القادسية ميل، كانت إقطاعا للأشعث بن قيس بن عمر بن الخطاب و كانت من أنزه المواضع (الحموي- 3/ 569- 570).

(10). البلاذري- 273.

(11). نفسه- 103.

319

و أسامة بن زيد (1)، و لرجال في عسقلان (2)، و لمروان بن الحكم الذي أقطعه فدكا، و لأخيه الحارث الذي أقطعه موضع سوق بالمدينة يعرف بنهروز و الذي كان الرسول (ص) قد تصدق به على المسلمين (3).

هذا و جاء كذلك- كما جاء من قبل عن عمر- أن عثمان أول من أقطع القطائع في الإسلام (4)، و قد ناقشنا ذلك في حديثنا عن إقطاعات عمر بثبوت منح الرسول، و كذلك أبو بكر، بعض القطائع لبعض الناس.

و من أجل تصحيح ذلك أو تبريره قال القلقشندى (5): «اللهم إلا أن يريد أن عثمان أول من أقطع القطائع بعد الفتح، فإن ما أقطعه النبي كان قبل الفتح». و لكن ذلك أيضا غير ثابت بناء على ما مر.

و يمكن أن يرد- بما مر كذلك- ما روى عن موسى بن طلحة قال الواقدي: «أول من أقطع بالعراق عثمان بن عفان (ر) قطائع مما كان من صوافي آل كسرى و مما جلا عنه أهله، فقطع. إلخ» (6) فقد مر أن عمر كان من بين مقطعاته أراضي الصوافي في العراق.

رابعا- على و الإقطاع:

أما في خلافة الإمام على فلم يظهر- فيما يذكر- للإقطاع أية حركة أو نشاط، نظرا لاستغراق حروب المارقين و القاسطين و الناكثين في عهده‌

____________

(1). نفسه- 272.

(2). نفسه- 150.

(3). راجع شرف الدين في النص و الاجتهاد- 310.

(4). القلقشندى- 13/ 105، القرشي- 79، و راجع أيضا النراقي في تاريخ الكوفة- 122.

(5). صبح الأعشى- 13/ 105.

(6). الحموي في المعجم- 4/ 783.

320

كل وقته و جهده، مما جعل الاتجاه إلى مثل هذه الإجراءات أمرا عسيرا.

بيد أن فكرته مع ذلك من قضية إقطاع الأراضي و أحكامها لم تكن مجهولة.

ففيما يتعلق مثلا بحكم الأراضي المفتوحة عنوة- و هي أبرز أقسام الأراضي- كان الإمام على في طليعة من أشار من الصحابة على الخليفة عمر بالامتناع عن تقسيمها بين الفاتحين، و بالتالى لزوم إبقائها بيد أهلها (1)، كي لا تؤول إلى الخراب بانتقالها إلى الغير، و لذلك أقر على عند ما قدم الكوفة، و هو خليفة، التنظيمات و الاجراءات التي قام بها عمر في أرض العراق (2).

أما فيما يتعلق بموضوع الإقطاع نفسه فقد عرف عن على أنه كان يعمل جهده على تحقيق عدالة التوزيع و الحيلولة دون تكتل الأراضي و الضياع بيد أفراد قلائل، يستأثرون بها، و لذلك بادر فور (3) توليه الخلافة إلى الأمر بإرجاع القطائع التي أقطعها عثمان إلى بيت المال، و التي استأثر بها نفر من الأدنين من أصحابه و ذوي قرباه. يقول على: «ألا إن كل قطعية أقطعها عثمان، و كل مال أعطاه من مال اللّه، فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شي‌ء، و لو وجدته قد تزوّج به النساء، و فرق البلد في ان، لرددته إلى حاله، فإن في العدل سعة، و من ضاق عن الحق فالجور عليه أضيق!!» (4).

و هذه الواقعة، واقعة رد القطائع التي سخا بها الخليفة عثمان، توضح بنفسها مضافا إلى ما أثر عن الإمام على في غيرها: معالم سياسته من قضية‌

____________

(1). حيث قال: «دعهم- أى العاملين في الأرض- يكونوا مادة المسلمين».

القرشي- 42.

(2). القرشي- 23، الحنبلي في الاستخراج- 27.

(3). و كان ذلك في اليوم التالي لبيعته، فقد روى الكليني الخطبة التالية في المتن مرفوعة إلى أبى صالح عن ابن عباس و أنه قالها في اليوم الثاني من بيعته.

(4). ابن أبى الحديد- 1/ 105.

321

الإقطاع» و التي من شأنها منع الاستئثار بالأراضي العائدة إلى بيت المال و الحد من نشوء ما يسمى بالملكية الكبيرة المستغلة.

و هذه الحقيقة- كما تجد- لا تلتئم أساسا مع ما نسب إلى على من حيازته للملكية الكبيرة (1)، أو استقطاعه بعض القطائع من بعض الخلفاء (2)، لا سيما و أنه هو القائل في كتاب موجه إلى أحد عماله: «بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم، و سخت عنها نفوس قوم آخرين، و نعم الحكم اللّه. و ما أصنع بفدك و غير فدك و النفس مظانها في غد جدث.» (3).

و من هنا ترى مدى الدس اللئيم الذي يحاول البعض من المستشرقين توجيهه إلى الإسلام و رادته المخلصين. حين نسبوا إلى على استئثاره بالأراضي المتسعة (4) و حين وصفوه بأنه و عثمان كانا- على العكس من عمر- سخيين في منح القطائع إلى حد كبير (5).

____________

(1). فلهاوزن، الدولة العربية و سقوطها- 222.

(2). القرشي- 78.

(3). نهج البلاغة، شرح محمد عبده- 3/ 71.

(4). فلهاوزن- 222.

(5). دينيت، الجزية و الإسلام- 65.

322

المبحث الثالث حركة الإقطاع في عهد الدولة الأموية

و بعد أن تسلم الأمويون مقاليد السلطة في البلاد الإسلامية أخذت حركة الإقطاع كغيرها من الحركات، تنحرف بشكل سافر عن مفهومها الإسلامي الهادف، الذي ساد أيام الرسول و شطرا من عهد الخلافة الراشدية.

و كان معاوية بن أبى سفيان رأس الدولة الأموية في مقدمة من عمل من حكامها على تحريفية الإقطاع عن مفهومه هذا و تنظيماته العادلة، إذ كان يعمل على تحشيد الأراضي الزراعية، و منها الصوافي العائدة إلى بيت المال، لنفسه و لبعض أتباعه و ذوي قرباه، مما أوجد معه نوعا من الإقطاع لا يختلف كثيرا عن الإقطاع بمفهومه المعاصر، فقد استصفى (1) فيما يذكر لنفسه أموال كسرى في العراق (2)، فكان يقطع منها و يصل و يجيز من يشاء (3)، كما استصفى أراضي الحاكمين في الشام و الجزيرة و اليمن (4)، حتى‌

____________

(1). المعروف أن معاوية- في جملة إجراءاته- عزل الصوافي عن بيت المال، و جعلها للخليفة خاصة يتحكم فيها بما يشاء.

(2). قدرت إيرادات الصوافي في العراق وحده بخمسين مليونا من الدراهم «الماوردي- 183»، و قيل في تقدير آخر: سبعة ملايين درهم. راجع البلاذري- 72، و أبا يوسف- 57.

(3). الصولي- 219.

(4). اليعقوبي في تاريخه- 2/ 208.

323

كان- على حد رواية اليعقوبي (1)- أول من كانت له الصوافي في جميع أنحاء الدنيا، و كان يعمل على أرض له بالحجاز وحدها أربعة آلاف عامل (2).

و استولى معاوية على (البطائح) (3) من أرض العراق، و هي التي حصلت بفعل انفجار البثوق على عهد كسرى أبرويز الذي عاصر الرسول، و قد استخرج له منها مولاه عبد اللّه بن دراج ما بلغت غلته خمسة ملايين درهم (4).

كما اتخذ له سليمان المشجعى كاتبه على فلسطين- بعد مطالبته- بعض ضياعها، و هي البطانى (البطون) من كورة عسقلان (5). كذلك وضع يده على (فدك) و لكنه أقطعها بعدئذ لمروان بن الحكم (6).

أما من بين ما أقطعه معاوية للآخرين مما ساعد على نشوء الملكية الكبيرة، فهو (الجزيرة) الواقعة بين النهرين التي أقطعها لبعض بنى إخوته و التي ابتاعها منه بعدئذ زياد بمائتي ألف درهم مع ما حاول فيه من تقليل‌

____________

(1). نفسه- 2/ 208.

(2). انظر الموسوعة التاريخية، معاوية و عصره- 147.

(3). البطائح: أراض واطئة مغمورة بالمياه المتجمعة من مياه الفرات و الخابور، و تقع بين البصرة و واسط، و كان فيها متسع لكل من يريد إحياء الموات. راجع: ابن رسته- 94، و المسعودي- 1/ 118.

و قد اختلف المؤرخون كثيرا في سعتها، فقدرها (ابن رستة- 94) بثلاثين فرسخا في مثلها، و قدرها آخرون فيما حققه (لسترنج 43- 44) ب‍ 200 ميل طولا و خمسين عرضا. راجع الدوري في تاريخ العراق الاقتصادى- 9 عن اختلاف المؤرخين في ذلك.

(4). البلاذري 290- 291. قدامة بن جعفر- 240.

(5). الجهشيارى- 16.

(6). راجع الريس- 190.

324

أهميتها (1)، و كذلك إحدى قرى الفيوم بمصر التي أقطعها لابنه يزيد، و لكن ذلك أثار عليه ضجة ألجأته إلى ردها بعدئذ إلى الخراج (2).

و لما آل الأمر إلى عبد الملك بن مروان، و قد بقيت بعض الصوافي في الشام لم يكن معاوية قد أقطعها لأحد، استقطعه منها البعض، فأقطعها إليهم حتى لم يبق منها شي‌ء يذكر، كما أقطعهم أراضي الخراج التي باد أهلها، و لم يتركوا لهم وارثا (3).

و كان من أبرز من استأثر بالاقطاعات و بالضياع المتسعة من حكام بنى أمية مسلمة بن عبد الملك بن مروان، فقد روى (4) أنه استطاع أن يضع يده على بالس (5) و قرأها، و عين السلور و بحيرتها (6)، و على الإسكندرية التي صارت بعده إقطاعا إلى أحد موالي الخليفة المهدى (7)،

____________

(1). البلاذري 355- 356.

(2). راجع سيد الأهل في كتابه عمر بن عبد العزيز- 32.

(3). نفسه- 32. و مما يروى عن عبد الملك هذا أنه دخل مرة على يزيد بن معاوية و هو خليفة، فقال «أريضة لك إلى جانب أرض لي، ولى فيها سعة فاقطعنيها، فقال، يا عبد الملك إنه لا يتعاظمني كبير، و لا أخدع من صغير، فأخبرني عنها، و إلا سألت غيرك فقال، ما بالحجاز أعظم منها قدرا، قال: قد أقطعتك، فشكره عبد الملك، البلاذري 48- 49.

(4). البلاذري- 156.

(5). بالس: نسبة إلى بالس بن روم بن اليقن بن سام، و هي مدينة من مدن الشام تقع بين الرقة و حلب، و كانت على ضفاف الفرات الغريبة، و لم يزل الفرات يشرق عنها قليلا قليلا حتى صار بينهما- فيما يقول الحموي- في أيامه أربعة أميال (المعجم 1/ 477- 478).

(6). البلاذري- 153.

(7). البلاذري- 153.

325

كما استولى على بعض (الطساسيج) (1) المتصلة في البطائح بعد أن صرف على سدّ بثوقها زهاء ثلاثة ملايين درهم. كان الوليد بن عبد الملك- الخليفة يومئذ- قد استكثر صرفها من بيت المال، و قد حفر فيها السيبين (2) و تألف الأكرة و المزارعين و عمر أراضيها (3).

مضافا إلى ذلك فقد ألجأ إليه كثير من المزارعين المستضعفين ضياعهم في البطائح تعززا به و حماية فيه (4) كما مر.

و قد حاول بعدئذ عمر بن عبد العزيز حين آلت اليه السلطة أن يضع حدا لمثل تلك التصرفات أو الاستئثار بأراضي الدولة و ممتلكات الأمة، حيث بدأ أول ما بدأ عمله في الإصلاح بنفسه، فقام برد القطائع التي ورثها عن آبائه، و كان مما رده ضيعة (فدك) أثناء خطبة قالها في حشد من الناس (5).

و يظهر أن الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز لم يكن في البداية يختلف عن غيره من الأمويين في استئثاره بالإقطاعيات الكبيرة الموزعة في أنحاء شتى من البلاد الإسلامية.

يقول أحد الباحثين المحدثين- و هو يستعرض ما آل إلى عمر بن عبد العزيز من أموال و قطائع (6):- «و لما صار له- أى لعمر- أن‌

____________

(1). الطساسيج: جمع طسوج، و هي النواحي (معرب). راجع الفيروزآبادي.

(2). السيب: كورة من سواد الكوفة، و هما سيبان الأعلى و الأسفل من طسوج سورا من قصر ابن هبيرة (الحموي- 3/ 208).

(3). البلاذري- 292. قدامة بن جعفر في الخراج- 241.

(4). البلاذري- 292. قدامة بن جعفر في الخراج- 241.

(5). انظر الريس- 333.

(6). سيد الأهل 33- 34.

326

يتصرف في ماله و يتزوج، فقد وهب له بنو أمية- غير ما ورث من أبيه و أهل بيته- هبات كثيرة و ضياعا منتشرة غنية في كل الآفاق. صارت له أرض يغلها في الحجاز و الشام، و في مصر و اليمن و البحرين، و نزل له بعض الخلفاء عن حقه في قطائع غنية ذات غلال لم يرد شيئا مما أهدى له، بل لم يسأل عن أصله و مأتاه، حتى صار له من الغنى و الثروة ما ليس لغيره من كثير من الأمراء. صارت له السويداء و خيبر و فدك، و صارت له بدا و جزين من أرض بعلبك بالشام، و صارت له قطائع متفرقة في مصر و اليمامة و البحرين، و كان لبعض هذه القطائع سجلات و بعضها ليس له سجل، كانت أكثر من أن يحصيها عمر أو يراها».

و من هذا و غيره ترى أن الكثير من الأراضي الزراعية المنتجة في العراق و مصر و الشام و في خراسان و ما وراء القوقاس (1) و نحوها مما مر.

كان يستأثر بها و يتداولها نفر قلائل من بنى أمية و المقربين إليهم، بينما حرم منها الرعيل الأعظم من الناس، و لهذا برزت في هذا العهد ظاهرة الملكية الكبيرة بشكلها السافر المستغل.

يقول البلاذري (2)- و هو يقص علينا لونا من ألوان هذا الاستئثار-: «كتب يزيد بن عبد الملك إلى عمر بن هبيرة، و اليه على العراق: إنه ليست لأمير المؤمنين بأرض العرب فرصة فسر على القطائع فخذ فضولها لأمير المؤمنين، فجعل عمر يأتي القطيعة فيسأل عنها ثم يمسحها حتى وقف على أرض فقال: لمن هذه؟ فقال صاحبها: لي، فقال:

و من أين هي لك؟ فقال:

____________

(1). راجع بندلى جوزي- 65.

(2). فتوح البلدان- 359.

327

ورثناهن عن آباء صدق و يورثها إذا متنا بنينا قال: ثم إن الناس ضجوا من ذلك، فأمسك».

و يقول الجهشيارى (1): «كان قد تقبّل ضياع هشام بن عبد الملك بنهر الرمان بالعراق رجل يقال له: فروج و يكنى أبا المثنى، فثقل على خالد بن عبد اللّه القسيري و الى هشام على العراق أمره، فقال لحسان:- و يعنى به حسان النبطي أحد موظفى ديوان الخراج- اخرج إلى أمير المؤمنين و زد على فروج في الضياع ألف ألف درهم على أن تستوفى حدودها.

فوجه هشام مع حسان رجلين من صلحاء أهل الشام حتى حاز الضياع و استوفى حدودها».

و خالد هذا، كما يظهر، قد بزّ غيره من ذوي النفوذ و الحاكمين و الولاة في هذا العهد- عهد بنى أمية- في استئثاره بالإقطاعيات الكبيرة بشكل لم يبلغه مستغل آخر، فقد روى الجهشيارى (2): بأن غلة أراضيه الزراعية بلغت وحدها ما يناهز ثلاثة عشر مليون درهم.

و بلغ من شدة حرص كل من خالد القسري هذا، و الخليفة هشام نفسه في الحصول على مزيد من الأراضي: أن أدى ذلك إلى التنافس بينهما و إلى التحاسد، بشكل سمح خالد لنفسه أن يبثق البثوق على ضياع خليفته هشام فيغرقها (3).

____________

(1). الوزراء و الكتاب- 38.

(2). نفسه- 39.

(3). راجع الخربوطلى 242- 243.

328

و في كل هذه النماذج و الأمثلة المحددة و السريعة التي سقناها عن حركة الإقطاعات أو التصرفات المتعلقة بالأراضي في هذا العهد. نريد أن ندلل- بمقارنة ما عرضناه آنفا في العهود الإسلامية الأولى من الأحكام و الاجراءات- على أن ما حدث من إقطاعات و تصرفات متعلقة بالأراضي في هذا العهد، لا يمثل، بأي شكل من الأشكال، فكره الإسلام عن الإقطاع و الأراضي. تلك الفكرة التي شرعها الإسلام و أرادها كأفضل وسيلة لاستصلاح الأراضي و إحيائها، و لتوزيعها توزيعا عادلا بين القادرين على العمل و الإنتاج.

لذلك فليس صحيحا ما قد يعطيه البعض لهذه القطائع أو الملكيات الاستئثارية الكبيرة في هذا العهد أو غيره من تبريرات لا وجه لها من الناحية الشرعية.

329

المبحث الرابع حركة الإقطاع في عهد الدولة العباسية

لقيت دعوة العباسيين قبال الأمويين- كما هو المعروف- في بدأها صدى واسعا بين صفوف المسلمين، ذلك لأنها تقنعت باسم القرابة من رسول اللّه (ص)، و نصرة أهل بيته من جهة، ثم باسم الانتصار للمبادى الإسلامية التي عاث بها هؤلاء الأمويون زهاء قرن من الزمن، من جهة ثانية، غير أن دعوتهم العريضة هذه ما لبثت أن وضحت بأنها لم تكن سوى (مظهرية) و (وصولية) أرادوا أن يتناوشوا بها الحكم و السلطة، و ليستأثروا بالتالى بما استأثر به أسلافهم من المناصب و المغانم.

و لعل من أبرز ما أراد هؤلاء العباسيون و أنصارهم الاستئثار به من هذه المغانم، هو تلك القطائع و الأراضي الشاسعة التي كانت حكرا بين نفر معدود من بنى أمية و مقربيهم. فقد ذكر أن أبا العباس السفاح، رأس الدولة العباسية، ما لبث أن قلد عمارة بن حمزة بن ميمون مولى عبد اللّه ابن العباس ضياع مروان و آل مروان (1) كلها.

كما ذكر بأن قسما من ضياع هشام بن عبد الملك المعروف بضياعه المتسعة قد آلت إلى زبيدة بنت جعفر بن المنصور. حيث ابتنت فيها‌

____________

(1). الجهشيارى- 60.

330

القطيعة التي نسبت إليها بعدئذ (1).

و ورد بأن ضياع مسلمة بن عبد الملك- أحد الثلاثة المعروفين من بنى أمية بثرائهم الفاحش و إقطاعياتهم الكبيرة- قد تفرقت بين بعض المتنفذين من بنى العباس، فكانت مثلا (بالس) و قرأها مضافا إلى ما قبضه عبد اللّه بن على من أموال بنى أمية- بالإقطاع-: من نصيب سليمان ابن على، التي آلت بدورها إلى ابنه محمد (2)، كما كان (السيبان) (3) من نصيب داود بن على اللذان أقطعا اليه جميعا (4).

إقطاعات المنصور:

و هكذا جاء عن الخليفة أبي جعفر المنصور «أنه أقطع العباس بن محمد بن على بن عبد اللّه بن العباس الجزيرة التي بين الصراتين، فجعلها العباس بستانا و مزدرعا، و هي العباسية المشهورة التي لا تنقطع غلاتها في صيف و لا شتاء، و استقطع العباس لنفسه لما جعل الجزيرة بستانا في الجانب الشرقي، و في آخر العباسية تجتمع الصراتان و الرحا العظيمة التي يقال لها رحا البطريق، و كانت مائة حجر تغل في كل سنة مائة ألف ألف درهم، هندسها بطريق قدم عليه من ملك الروم فنسبت إليه» (5).

و أقطع المنصور كذلك أولاده جميعا خلا (صالح) بعض القطائع لم‌

____________

(1). راجع الريس في الخراج و النظم المالية- 395.

(2). البلاذري- 156.

(3). «السيبان» و «بالس» مواقع و ضياع زراعية مر التعريف بها في البحث الثالث من هذا الفصل. فراجع.

(4). البلاذري- 292. قدامة بن جعفر- 241.

(5). اليعقوبي في البلدان- 11.

331

تذكر سعتها، و لكنه يمكننا أن نتبين ذلك إذا ما علمنا بأن أبا جعفر المنصور قد أقطع بعدئذ ولده المذكور صالحا- و كان يلقب بالمسكين- قطيعة بالقرب من الأهواز صرف على استخراجها- هذا المسكين!- وحده (300) ألف درهم (1).

و حين بنى المنصور مدينة بغداد في الجانب الغربي خص حاشيته و أتباعه و مواليه بما خطه من القطائع حول المدينة (2)، كما خصهم بالدور و الربض التي أنشأها داخل المدينة، و التي أسهب في تعدادها و ذكرها المؤرخون، كما أسهبوا إعجابا بسعتها و تنظيمها و بهندستها المدنية و المعمارية الرائعة.

أما البقية. من التناء (3) و الدهاقين (4)، و من التجار و الجند و سواهم من أخلاط الناس، فقد حشرهم المنصور في منازل بين تلك الأرباض و القطائع (5) التي خص بها المنصور (6) أتباعه و ذوي قرباه.

غلتا الخيزران و محمد بن سليمان: و بلغت- و هو دليل آخر على استئثار الحاكمين من بنى العباس بالكثير من الأراضي و الضياع- غلة‌

____________

(1). الجهشيارى- 83.

(2). الإصطخري- 83.

(3). المقصود هنا بالتناء: الزراع.

(4). المقصود بالدهاقين: رؤساء القرى.

(5). اليعقوبي في البلدان- 14 و 21.

(6). أما عن استئثار المنصور نفسه بالقطائع و الأموال، فقد ذكر المسعودي- 3/ 308 عن مخلفاته أنها بلغت من النقود وحدها 600 مليون درهم و 14 مليون دينار.

332

الخيزران (173 ه‍) أم الهادي و الرشيد و حدها حدود مائة و ستين مليون درهم، (1) و غلة محمد بن سليمان بن على والى الرشيد في البصرة مائة ألف درهم في اليوم الواحد (2)، كما بلغت أموال محمد هذا التي صادرها الرشيد بعد وفاته ستين مليون درهم (3) سوى الضياع و الدور و المستغلات.

الرشيد يقطع طبيبه:

و حكى التنوخي (4): أن هارون الرشيد لما مرض و داواه طبيبه الخاص أمر بإقطاعه ما قيمته مليون درهم، فقال له: ما لي حاجة إلى الإقطاع، و لكن تهب لي ما أشترى الضياع بها، فاستجاب الخليفة له و أمر بمعاونته، حتى ابتاع بهباته و صلاته ضياعا غلتها مليون درهم.

و حين طلب الرشيد بعض الهدايا من بعض خاصته و مقربيه. كانت هدية الفضل بن الربيع إليه مائة ألف درهم، و هي قيمة ما رهنه من حقه في قطيعة أبيه الربيع، و كان يستحق فيها العشر (5)، فكم يا ترى تكون قيمة القطيعة نفسها و ما سعتها، إذا كانت رهينة عشرها مائة ألف درهم؟

ضياع الحسن بن سهل:

و مما يحكى أن الحسن بن سهل لما زوج ابنته بوران إلى الخليفة المأمون كتب ليلة زفافها أسماء ضياعه و غيرها في رقاع و نثرها على القواد و الهاشميين و الوجوه، فمن وقعت بيده رقعة منها و فيها اسم ضيعة أو غيرها بعث‌

____________

(1). المسعودي- 3/ 337.

(2). المسعودي- 3/ 337.

(3). المسعودي- 3/ 337، و الطبري- 10/ 51.

(4). الفرج بعد الشدة- 2/ 326.

(5). الجهشيارى- 200.

333

فتسلمها (1).

ضياع و أرقام أخرى: و يروى أن راتب عبيد اللّه بن سليمان وزير المعتضد (289) البالغ 000/ 12 دينار في السنة. استبدل بإقطاع كان واردة السنورى يقدر بحوالى 000/ 200 دينار (2)، و أن وارد الضياع الخاصة العائدة للعباس بن الحسن وزير المكتفى (295) كانت تقدر بحوالى 000/ 120 دينار في السنة (3)، و أن دخل على بن الفرات وزير المقتدر (320) من ضياعه الخاصة فقط كان يرتفع في بعض الروايات إلى مليونى دينار في السنة (4)، عدا دخوله من رواتبه و أعطيانه، و عدا ما ذكر في وصف قصره و توابعه الذي أنشأ على مساحة من الأرض تقدر ب‍ 346 ر 173 ذراعا (5).

في العهد البويهي (334- 447):

هذا و المعروف أن كل ما مر مما استعرضناه بعجالة من حركة الإقطاعات و آثارها في تضخم الضياع و ما يسمى بالملكيات الزراعية في عهد بنى العباس، و حتى العهد البويهي الذي قام في القرن الرابع للهجرة، كانت تغلب عليها الإقطاعات المدنية (6).

أما بعد ذلك. أى بعد الفتح البويهي هذا، فقد تميزت فيما يقال، حركة الإقطاع فيه بشيوع (الاقطاعات العسكرية) (7)، إذ عمد (معز‌

____________

(1). المسعودي- 3/ 443. الطبري- 10/ 272. ابن الأثير- 6/ 162.

تاريخ اليعقوبي- 4/ 186.

(2). راجع الدوري في تاريخ العراق الاقتصادى- 250.

(3). راجع الدوري في تاريخ العراق الاقتصادى- 250.

(4). راجع أحمد أمين في ظهر الإسلام- 1/ 104، و الدوري في المصدر السابق- 251.

(5). راجع الدوري، المصدر السابق 250- 251.

(6). نفسه- 47.

(7). نفسه- 47.

334

الدولة البويهي) بعد استيلائه على شئون الحكومة الإسلامية ببغداد إلى إقطاع قواده و أجناده القرى العائدة للسلطان و أصحاب الإملاك (1)، كما أقطعهم ضياع المستترين و السلطان و ضياع ابن شيرزاد، و حق بيت المال في ضياع الرعية، و صار أكثر السواد مغلقا، الأمر الذي أدى إلى الاستغناء عن أكثرية الدواوين و زوال أيدي العمال عنها (2).

و يقال: إن معز الدولة كان قد أقطع أكثر أعمال السواد في حالة خرابه و نقصان ارتفاعه، و قبل عودته إلى العمران و الحياة (3).

و قد تطرف خلفه من بعده عضد الدولة في هذا النحو من الإقطاعات حتى أنه منح الجند إقطاعات من أراضي الوقف فيما يقال (4)، و قد تحكم هؤلاء الجند في أراضيهم المقطعة هذه و بالعاملين فيها، كما امتنعوا عن دفع الضرائب المترتبة عليهم بالتماس الحطائط (5).

و يظهر أن الكثير من إقطاعات هؤلاء البويهيين لقوادهم و أجنادهم و ما إليهم من المقربين و الخواص، كانت على شكل قبالات أو التزامات، و لذلك عزا بعض المؤرخين (6) سوء الحالة الاقتصادية أو الزراعية فيما تلا ذلك من حكم آل بويه و بخاصة في الفترة الأخيرة منه إلى قيام هذا النوع من الإقطاع، فإن بعض المقطعين من الذين التزموا بعض المناطق بأسعار غالية‌

____________

(1). ابن الأثير- 8/ 179.

(2). مسكويه- 6/ 96.

(3). نفسه- 6/ 97.

(4). أبو شجاع: ذيل مسكويه- 72.

(5). مسكويه 6/ 98- 99. و تعني «الحائط» في الاصطلاح: طلب التخفيف عن كلفة الضرائب المترتبة على المكلفين يدفعها.

(6). انظر مسكويه- 6/ 97.

335

في أوقات ارتفاع مستوى المعيشة في الفترة الأولى من عهد بني يؤيه.

عمدوا إلى تخريب مقاطعاتهم ليعتاضوا بدلها بالتزام أو ضمان آخر طمعا في حصول الربح و الزيادة.

و لكن يلاحظ في مقابل ذلك أن الزراعة في العراق في الفترة الأولى من هذا العهد، و بخاصة أيام معز الدولة و عضد الدولة قد انتعشت انتعاشا ملحوظا، و ذلك نظرا لما قام به هؤلاء من مشاريع إروائية نافعة في عديد من جهات العراق، و لما عمدوا اليه من تشجيع زراعة الأراضي الموات أو المتروكة.

في العهد السلجوقي (447- 590):

و هكذا ظل بعد انتهاء حكم آل بويه و قيام حكم السلاجقة ذلك النفوذ العسكري مسيطرا على الخلافة العباسية. حيث تقاسم- و بصورة أوسع- القواد و الأجناد و من لف لفهم من الخواص: المغانم على شكل التزامات أو قبالات الواردات المدن و القرى لتكون حاصلا لهم (1).

أقطاع المدن: كما تقاسموا النفوذ في الأقاليم و المدن الداخلة في سلطانهم على شكل مقاطعات أو مناطق نفوذ.

و من ذلك ما قام به السلطان محمد سنة 502 ه‍ من إقطاع الموصل للأمير مودود بن التونتكين، بعد أن جهزه بالجيوش لقتال الصليبيين، و من بعده (سنة 507) إلى الأمير جيوش بك الذي سير معه ولده الملك مسعود، و عند ما قام هذا بثورة على السلطان (سنة 514) أقطعت الموصل‌

____________

(1). راجع حسين أمين، تاريخ العراق في العصر السلجوقي 206- 207.

336

و أعمالها إلى البرسقى، و من ثم إلى ولده عز الدين و ذلك في (سنة 520) (1) للهجرة.

كما عمد بعض هؤلاء الولاة بدورهم إلى أقطاع المدن و القرى التابعة لإماراتهم إلى بعض الخواص، و منه ما قام به عماد الدين زنكي الذي تولى الموصل و أعمالها سنة 521 من إقطاع كل من الرحبة و حران و حماه و نصيبين و أربد و الرقة و نحوها إلى قواده و خواصه (2).

و روى أن مدينة البصرة أقطعت إلى الأمير منكبرس (559)، و مدينة واسط إلى الأمير خطلوبرس الذي قتل (561) (3).

كما روى بأن بلاد اللحف أقطعت سنة 553 إلى سنقر الهمذاني من قبل خطلوبرس المذكور تبرعا عن الخليفة المقتفى إثر المصالحة و إنهاء التمرد الذي أعلنه سنقر (4).

بيد أن تلك المصادر لم تشر إلى وجود أية التزامات مالية في مثل هذه الإقطاعات (5)، الأمر الذي يدل على أن صفة أولاء الأشخاص هي أقرب إلى الولاة منها إلى الملتزمين.

نظام الأتابكية: و يظهر أن هذا النوع من الإقطاع- إقطاع المدن للعسكريين و المقربين- هو الذي كان يطلق عليه في شطر من العهد السلجوقي بنظام (الأتابكية).

و الأتابكية كلمة أطلقت على الإقطاعيات التي كان يتولاها بعض الأمراء‌

____________

(1). راجع عماد الدين خليل في رسالته عماد الدين الزنكي- مطبوعة على الآلة الكاتبة.

(2). المصدر نفسه 218- 219.

(3). ابن الأثير- 11/ 144.

(4). ابن الأثير- 11/ 103.

(5). عماد الدين خليل في المصدر السابق.

337

ممن كانوا يقومون بتربية أولاد السلاطين بعد ملكشاه (465- 485) و لذلك سموا بالأتابكة. أى الآباء المربين (1)، و قد ظل هذا النظام أو هذه التسمية سائدة حتى نهاية الحكم السلجوقي و التي كانت هي في رأينا من بين أسباب سقوطه.

إن من أشهر هذه الأتابكيات (أتابكية الموصل) التي أشرنا إليها و التي أسسها عماد الدين زنكي، و (أتابكية دمشق) التي أسسها طغتكين، و كذلك (أتابكية أذربيجان) التي قام بتأسيسها أيلدكز من عبيد مسعود السلجوقي.

إلى عشرات أمثالها من الاتابكيات المعروفة حينذاك (2).

و لكن هذا النوع من الإقطاع المسمى (بالأتابكيات) أو إقطاع المدن و الذي شاع أيام السلاجقة لم ينته بانتهاء حكمهم و سلطانهم و إنما امتد إلى الفترة الأخيرة اللاحقة من عهد بنى العباس. و كان من أبرز خلفاء هذه الفترة الذين اتخذوا ذلك أسلوبا من أساليب حكمهم: الخليفة الناصر لدين اللّه (575- 622). إذ كان أكثرهم إقطاعا للمدن و الأراضي، فقد كان مثلا الأمير فلك الدين الطويل الناصري مقطع دقوقا و تكريت و بين النهرين، و الأمير (أي أبه) بن عبد اللّه التركي المعروف بالشاهين مقطع واسط مدة من الزمن، و الأمير طغرل الناصري مقطع اللحف و البندنيجين. إلى نحوهم (3).

____________

(1). نفس المصدر.

(2). راجع عن «الأتابكيات»: حسين أمين في المصدر السابق 209- 213.

(3). راجع جعفر خصباك، أحوال العراق الاقتصادية في عهد الإيلخانيين، بحث منشور في مجلة كلية الآداب عدد 4 ص 126 و ما بعدها.

22- إحياء الأراضي الموات

338

هذا و يبدو أن هذا النوع من نظام الإقطاع الذي قسمت فيه البلاد إلى إقطاعيات و مناطق نفوذ. هو لا يختلف كثيرا عن النظام الإقطاعى بواقعة الحديث، و لذلك أرجع غير واحد من الباحثين (1) نشوء الإقطاع في العراق بمفهومه المعاصر إلى زمن السلاجقة هذا.

و أخيرا: فإنه يمكن أن يلاحظ من خلال كل هذا العرض السريع لحركة الإقطاع في العهد العباسي، و الذي أردنا أن ندلل من ورائه على مدى الانحراف ذاك عن الإقطاع بمفهومه و أحكامه في الإسلام. يمكن أن يلاحظ: أن الإقطاع في ذلك العهد اتخذ صورا متعددة أميزها:

1- سعة الأراضي و الضياع المقطعة إلى الأفراد. الأمر الذي أدى إلى نشوء الاستغلال و الاستئثار، و نشوء التفاوت الحاد في الدخول و الثروات. و قد شاع ذلك أكثر ما شاع في المائة الأولى من عهد بنى العباس. امتدادا لما جرى عليه الأمويون أثناء حكمهم.

2- ظهور ما يسمى بالقبالة أو الالتزام، و هي الصورة التي يتعهد فيها الشخص بجباية واردات بعض المدن الضريبية، مقابل التزامه و ضمانه بدفع مبلغ معين إلى بيت المال. و قد ظهر هذا النوع من الإقطاع أكثر ما ظهر في القرن الثالث و ما بعده، و بخاصة في الفترة التي سبقت و رافقت حكم البويهيين.

3- أما الصورة الثالثة، فهي إقطاع المدن أو ما يسمى أحيانا بنظام‌

____________

(1). راجع الظاهر في الإصلاح الزراعي 33- 34. العلوان، دراسات في الإصلاح الزراعي- 124. البرازى، مجلة كلية الآداب عدد 7 سنة 1964 ص 169.

339

(الأتابكيات) و الذي يتم على شكل تولية، و قد برزت هذه الظاهرة أكثر ما برزت، كما لاحظنا قبل قليل، خلال الفترة المتأخرة من عهد بنى العباس، و بخاصة في عهد السلاجقة و ما يليه.

و الذي يلاحظ أن هذه الإقطاعات بصورها الثلاث و ما إليها، و التي انطبع بها العباسيون على امتداد أزمنتهم. تتجافى، كما أشرنا كليا مع روح الإسلام و أحكامه. من حيث قيامها على التسلط و العسف، و على ممالئة بعض ذوي النفوذ و مداراتهم على حساب المصلحة العامة و بيت المال، لذلك برزت خلال هذه العهود طبقة من الناس أتخمها الثراء، إلى جانب طبقة أخرى- و هي الكثرة الكاثرة من الناس- لم تجد ما تسدّ به رمقها، أو تقوّم فيه أودها.

340

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

341

خاتمة في الإصلاح الزراعي

تمهيد:

الإصلاح الزراعي: تعبير اصطلاحي يراد به: «مجموعة الإجراءات التشريعية و التطبيقية، التي تقوم بها السلطات العامة، بقصد إحداث تغييرات في حقوق التصرف في الأراضي الزراعية، و تحسين طرق استغلالها» (1).

و بالرغم من أن هذا التعبير (الإصلاح الزراعي) و ما ينطوى عليه من إجراءات تشريعية و تطبيقية، قد شاع و اتسع أخيرا، إلا أن كثيرا من إجراءاته هذه سبقتنا إليها التشريعات و الأنظمة القديمة، و منها الاجراءات أو الاصلاحات التي اشتهر بها البابليون (1830- 1530 ق. م) من قبل و التي أصبح فيها العراق آنذاك، أو بلاد بابل على الأخص: جنة الساميين و حديقة بلاد آسية و هريها (2)، على حد تعبير بعضهم.

و منها أيضا الاجراءات التشريعية و الإدارية التي قام بها اليونان في القرن السادس قبل الميلاد، و الأخرى التي قام بها الرومان كذلك في القرن الثاني قبله (3)، ثم ما قام به الفرس، و بخاصة الساسانيون منهم في العراق،

____________

(1). العلوان، دراسات في الإصلاح الزراعي- 10. دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960 ص 722.

(2). ديورانت، قصة الحضارة- 2/ 188.

(3). الداهرى، اقتصاديات الإصلاح- 3/ 68.

342

عند احتلالهم له قبل ظهور الإسلام (1) من إصلاحات واسعة.

و أخيرا تلك التشريعات التي جاء بها الإسلام- كما رأينا بعضها من قبل- و التي طبقت في بعض العهود الإسلامية.

تطور قوانين الإصلاح الزراعي الحديثة:

هذا و من المعروف أن الإصلاح الزراعي بمفهومه و إجراءاته الحديثة، قد ظهر أول ما ظهر في غرب اوربا خلال القرون الوسيطة، كرد فعل للآثار المريرة التي تركها النظام الإقطاعى المستغل، و لكنه اتجه، و بخاصة بعد قيام الثورة الفرنسية سنة 1789 (2)، و جهة اجتماعية مجردة، إذ كان غرضه الرئيس هو القضاء على النظام الإقطاعى، و تفتيت الملكية الكبيرة، دون النظر إلى آثاره الاقتصادية، و قد تمثل ذلك بإقرار الجمعية الوطنية الفرنسية إبان الثورة للقانون القاضي بإلغاء الإقطاع إلغاء تاما، و الذي تخلصت فيه ملكية الأرض من أثقالها الإقطاعية في فرنسا (3).

كما تركز الاهتمام بالجانب الاجتماعى من قضية الإصلاح الزراعي خلال الفترة الواقعة بين الحربين الأخيرتين، و بشكل خاص في دول البلطيق و أوربا المركزية و الشرقية و المكسيك (4). حيث نشط العمل هناك على‌

____________

(1). و ذلك في الفترة الزمنية الممتدة بين سنة 227 و سنة 637 للميلاد، و قد قال أبو يوسف في كتابه الخراج- 48، و هو يتحدث عن هذه الفترة: «أن العامر من الأرض كان فيها كثيرا و المعطل فيها يسيرا»

(2). الداهرى، المصدر السابق- 68.

(3). السنهوري في الوسيط- 8/ 483.

(4). راجع العلوان، المصدر السابق- 11، و محمد عزيز، مذكرات في الاقتصاد الاجتماعى 57- 58.

343

تقليص الملكيات الكبيرة و تفتيتها، و القضاء على الإقطاعيين و نفوذهم دون مراعاة ما سيتركه ذلك من آثار اقتصادية حسنة أو مريرة.

و لكن عند ما لم تؤد تلك السياسة الاجتماعية إلى الهدف المنشود من قضية الإصلاح الزراعي، ألا و هو رفع مستوى الإنتاج و تحسين كفاءته و طرق استغلاله، تنادي البعض من رجال الفكر و الإصلاح، و لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية (1)، إلى الاهتمام كذلك بالجانب الاقتصادى منه، لأن فكره الإصلاح الزراعي، كما هي فكره اجتماعية تهدف إلى تقليص الملكية الكبيرة و تفتيتها و القضاء على نفوذ الإقطاعيين و إثرتهم، فهي كذلك فكره اقتصادية تهدف إلى رفع مستوى الإنتاج و تطويره.

و لذلك كان موضوع تقليص الملكية الكبيرة و توزيعها إلى وحدات أو ملكيات صغيرة- و هو ما يمثل الجانب الاجتماعى من الإصلاح- واحدا من موضوعات متعددة في قوانين الإصلاح الزراعي الحديثة.

حيث صارت هذه التشريعات، و لا سيما المتأخرة منها، تضم بين بنودها مضافا إلى وضع حدا على للملكية الزراعية ما يلي (2):

1- تنظيم العلاقات الزراعية بين الأطراف المتعاقدة.

2- كفالة الحقوق العادلة للعمال الزراعيين.

3- العمل على إنشاء التعاونيات الزراعية (3).

____________

(1). العلوان- 12.

(2). للتوسع في هذه المجالات و الموازنة بين التشريعات العربية الحديثة في موضوع الإصلاح الزراعي، راجع كلا من قانون الإصلاح الزراعي المصري المرقم 178 لسنة 1952، و قانون الإصلاح الزراعي السوري الرقم 161 لسنة 1958، و قانون الإصلاح الزراعي العراقي الرقم 30 لسنة 958، و ذيولها و تعديلاتها.

(3). راجع المادة الثانية و الثلاثين من قانون الإصلاح الزراعي العراقي و المادة 19 من قانون الإصلاح الزراعي المصري بشأن أعمال الجمعيات التعاونية و صلاحياتها في مجال رفع مستوى الإنتاج و تحسينه.

344

4- الحد من تجزئة الوحدات الزراعية الصغيرة.

كما أصبح قانون الإصلاح الزراعي يعمل (1) على:

5- تحسين الكفاءة الزراعية الإنتاجية.

6- تحسين طرق الاستثمار الزراعي الملائمة لطبيعة الزراعة في كل قطر. إلى نحوها من الاجراءات و التنظيمات الإصلاحية التي تزيد في فاعلية و كفاءة المنتجين، و في تصعيد مستوى الإنتاج و تحسينه.

حركة الاصلاحات الزراعية الحديثة في العراق

حاول العراق الحديث بعد نشوء الحكم الوطني فيه، و خصوصا في الثلاثينيات و ما بعدها من هذا القرن، إحداث بعض المشروعات و الاجراءات الاصلاحية في مجالات الزراعة، و ذلك بعد أن واجه تركة ثقيلة من التخلف، و من الارتباك الناشئ عن التصرفات غير الشرعية في الأراضي، و التي خلفتها العهود القريبة الماضية، كالعهد العثماني، و عهد الاحتلال البريطانى. فقد قام العراق في هذا العهد الوطني- بالرغم من تباطؤ إجراءاته، و بالرغم من كونه ظل مشدودا إلى عجلة الاستعمار- ببعض المشروعات الاروائية المهمة، و بسن عدد من التقنينات التي تهدف إلى معالجة بعض المشاكل و القضايا المتعلقة بالأراضي.

فمضافا إلى قانون الأراضي العثماني الصادر سنة 1274 ه‍ الذي أقرته الدولة، فقد عمدت هذه الدولة مثلا بناء على مقترحات الخبير الإنكليزى المعروف بالسير (أرنست داوسن) الذي استقدم لغرض دراسة الحالة‌

____________

(1). المرعبى، التحويل الاشتراكى الزراعي في سوريا 101- 102.

345

الزراعية في العراق (1)، إلى تشريع قانون تسوية حقوق الأراضي رقم 50 لسنة 1932، كما عمدت إلى تشريع قانون اللزمة المرقم 51 لسنة 1932 الذي كان يهدف إلى تنظيم حقوق التصرف في الأراضي الأميرية غير المفوضة بالطابو و قانون حقوق العقر رقم 55 لسنة 1932.

و قامت أيضا بتشريع قانون جديد لتسوية حقوق الأراضي و هو رقم 29 لسنة 1938 (2) و بتشريع قانون بيع الأراضي الأميرية رقم 11 لسنة 1940، و قانون تفويضها رقم 48 لسنة 1941، ثم قانون ضريبة الأرض و تعديله و الأنظمة الصادرة بموجبه.

و بناء على الوضع الخاص في كل من لواء (العمارة) و لواء (المنتفك) فقد شرعت الحكومة كذلك قانون منح اللزمة في أراضي العمارة رقم 42 لسنة 1952 لغرض تطبيقه على الأراضي المعطاة بالإيجار للمتصرفين فيها، و قانون حسم النزاع في أراضي المنتفك رقم 23 لسنة 1939 الذي لم يكتب له التنفيذ حتى عام 1952، حيث شرع بدله قانون حسم النزاع في الأراضي الأميرية المفوضة بالطابو في لواء المنتفك رقم 40 لسنة 1952 (3).

و لكن يبدو بالرغم من أصالة و قدرة بعض هذه الاجراءات‌

____________

(1). الإصلاح الزراعي و إعمار الأراضي- المقدمة (ذ- ض).

(2). صدر أخيرا قانون رقم 67 لسنة 969 و ذلك لتعديل بعض بنود قانون التسوية المذكور، و منها إلغاء نظام منح اللزمة في الأراضي الأميرية.

(3). و فيما يتعلق بخصوص مشاكل الأراضي الواقعة في هذين اللواءين و الممتدة إلى عهد العثمانيين فقد صدر أخيرا و في 13 أيار سنة 1969 قانون رقم 66 لتعديل قانون الإصلاح الزراعي رقم 35 لسنة 958، و ذلك لتخفيض الحد الأعلى مما يملك للزراعين من سراكيل و ملتزمين و أصحاب محرمات، و وضع قواعد ثابتة لتحديد صفاتهم، بعد أن نتج عن تطبيق القوانين التي سبقت هذا القانون و منها قانونا رقم 66 لسنة 1965 و رقم 199 لسنة 1964 من اجتهادات خاطئة تؤثر على خطط الإصلاح الزراعي في هذين اللواءين، كما جاء في الأسباب الموجبة.

346

أو التشريعات على معالجة طرف من المشاكل الناشئة عن التصرف بالأراضي، فإن الغرض منها أو على الأقل من بعضها لم يكن سوى إفادة فئات معينة من ذوي السلطة و النفوذ. الأمر الذي أدى إلى بروز أو تركز ظاهرة الملكية الكبيرة تركزا واضحا، و بالتالى نشوء مجتمع قريب إلى المجتمعات الإقطاعية في بعض جهات العراق.

لذلك حاولت الدولة متمثلة ب‍ (مجلس الأعمار) و اللجنة التابعة له المسماة ب‍ (لجنة إعمار و استثمار الأراضي الأميرية) بعد طغيان تلك الظاهرة و انعكاسها على الاقتصاد الوطني بشكل عام. حاولت إجراء عدد من المشروعات الاصلاحية أو الاروائية لإحياء بعض الأراضي الموات، و تقسيمها بالتالى إلى وحدات أو ملكيات زراعية صغيرة بين الفئات القادرة على العمل و المحرومة من حقوقها في الأرض، و كان من أبرز تلك المشروعات هي مشروع كل من الموصل، و اللطيفية، و المسيب الكبير، و مشروع الحويجة، و الدجيلة و شهر زور (1) و أمثالها.

غير أن هذه المشروعات الحيوية- بالرغم من أهميتها الواضحة- لم تؤد كذلك فائدتها و ثمرتها المرجوة باستصلاح الموجود من الأراضي البور، و برفع مستوى الإنتاج و تطويره.

لهذا و غيره ظلت الحالة الزراعية في العراق متخلفة، و بالتالى ظل العراق كغيره من غالبية أقطار منطقة الشرق الأوسط، يجتر حياة الفقر و الفاقة و الحرمان، كما ظل بعيدا عن مواكبة الأقطار الناهضة في تطوير مجالاته الاقتصادية المختلفة إلى الأفضل.

____________

(1). راجع عن هذه المشروعات و أهميتها «كتاب الإصلاح الزراعي و إعمار الأراضي» الذي أصدرته وزارة الإعمار العراقية سنة 1956.

347

قانون الإصلاح الزراعي العراقي:

ثم جاءت ثورة تموز لسنة 1958، و علق الناس المخلصون عليها آمالا عراضا، لقضائها على عهد تميز بالتبعية، كما تميز بالاستغلال. حيث لم تلبث أن قامت بإجراءات و تشريعات إصلاحية واسعة النطاق، لا يمكن أن يتطرق الشك في قيمة الكثير منها وجدوها إلى هذه البلاد.

و كان في مقدمة هذه التشريعات- فيما يعتقد الكثيرون- قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958، غير أنه جاء بصورة مرتجلة واضحة، الأمر الذي برر للحكومات اللاحقة أن تقوم بإجراء كثير من التعديلات على نصوصه، و إصدار بعض الذيول له، عند ما واجهت هذه الحكومات الواقع العملي حالة تطبيقه. و كان آخر هذه التعديلات قانون رقم 66 لسنة 1969 الخاص بلواءى العمارة و الناصرية.

و يظهر أن الدافع الرئيس لإصدار هذا القانون بهذا الشكل من الارتجالية و السرعة، هو القضاء على ركائز العهد السابق من أصحاب الملكيات الكبيرة، و على ما كان لهم من سلطة و نفوذ في أنحاء من البلاد، دون أن يعنيهم ما قد يترتب بعدئذ على هذه الارتجالية من آثار و نتائج عكسية، قد تؤدى بالإنتاج الزراعي إلى التدهور و الارتباك.

و بالفعل فقد لوحظ بعد تشريع القانون المذكور و محاولة تطبيقه، و بخاصة في السنّي الأولى من صدوره، تدهور الإنتاج الزراعي تدهورا واضحا، في حين كان من المفروض أن تزدهر الزراعة، كما يزدهر الاقتصاد الوطني في هذه البلاد، لما للحوافز الفردية- كما هو معلوم- من أثر على زيادة الإنتاج و تطويره.

و يعتقد أن الفشل بإنجاح قانون الإصلاح الزراعي، بشتى مجالاته،

348

يعود في الأساس إلى إنعدام الكفاءة و الإخلاص في الأجهزة المشرفة على تنفيذه، و كذلك إلى انعدام التخطيط. و البرمجة الاقتصادية المبنية على أسس علمية عبر هذه السنين العشر اللاحقة لقانون الإصلاح.

و لعل أبرز دليل على ذلك. أى على الفشل بتنفيذ القانون المذكور، قيام العراق في هذه الآونة، باستيراد كميات كبيرة من المحاصيل الحقلية، بحيث أصبح العراق في عداد الدول المستوردة لهذه المحاصيل بعد أن كان في عداد الدول المصدرة لها قبل صدور هذا القانون.

فقد جاء في الجداول الإحصائية الرسمية أن العراق مثلا قام خلال السنين الثمان السابقة (1) على تشريع القانون المذكور بتصدير ما معدله 700/ 407 طن سنويا من الحاصلات الحقلية الثلاثة- الحنطة و الشعير و الرز-، بينما قام بتصدير ما معدله فقط 260/ 106 طنا سنويا خلال السنوات الثمان اللاحقة لتشريع القانون. أى إن نسبة صادرات ما بعد الثورة إلى ما قبلها يعادل 4/ 1 تقريبا.

و قام العراق إلى جانب ذلك باستيراد ما معدله 707/ 26 أطنان سنويا من الحاصلات المذكورة خلال السنوات الثمان السابقة على هذا القانون، بينما قام باستيراد ما معدله 175/ 188 طنا سنويا خلال السنين الثمان اللاحقة للقانون. أى إن نسبة استيرادات ما قبل الثورة إلى ما بعدها من الحبوب يعادل 7/ 1 تقريبا. و منه ترى أن النسبة انعكست في الاستيرادات عنها في‌

____________

(1). كذلك ذكر بأن العراق قام بتصدير نحو من 300 ألف طن في السنة من الحبوب خلال الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية، و ذكر أيضا بأن صادراته من هذه الحبوب و بخاصة الشعير و الرز قد ازدادت بسرعة خلال العقدين السابقين على الحرب الأولى، و بأنها بلغت خلال السنوات الخمس السابقة على هذه الحرب نحوا من مائة ألف طن في السنة (راجع صالح حيدر، مجلة الأبحاث السنة 9 ج 4 ص 407، و محمد سلمان حسن في التطور الاقتصادى في العراق- 1/ 172).

349

الصادرات خلال الفترتين المذكورتين السابقة و اللاحقة للقانون (1).

و في نفس الوقت ذكرت تلك الجداول الإحصائية بأن معدل الناتج السنوي من الحاصلات المذكورة للسنوات الثمان السابقة على القانون بلغ حوالي مليونى طن سنويا، و معدله بالنسبة إلى السنوات الثمان اللاحقة للقانون بلغ حوالي مليون و ثلاثة أرباع المليون طن سنويا (2).

كما يمكن أن يلاحظ مدى هذا الهبوط في الناتج الزراعي بالنسبة إلى غيره من قطاعات الناتج الوطني الأخرى. من خلال الجدول رقم (3) المرفق.

حيث نجد فيه أن معدل الزيادة المركب للمحاصيل الحقلية بين سني 1953- 1963 يساوى (- 2/ 6%) و أن معدل الزيادة للتعدين (استخراج النفط) و المقالع في السني المذكورة يساوى (+4/ 8%) و للصناعات التحويلية يساوى (+50/ 11%). و هكذا إلى بقية القطاعات المبنية في الجدول. و منه يظهر أن نمو الناتج الزراعي كان لوحدة عكسيا أو (سلبيا)، بينما كانت قطاعات الناتج الوطني الأخرى تصاعدية و طردية في نموها.

هذا و كان بإمكان المشرع العراقي- تجنبا من كل تلك المضاعفات و هبوط مستوى الناتج الزراعي بسبب ارتجالية قانون الإصلاح و نقصانه و انعدام الأجهزة الكفوءة القائمة على تنفيذه-: أن يبادر قبل كل شي‌ء إلى العمل على إحياء الأراضي الموات المنتشرة في جهات شتى من البلاد، و إلى نزع ملكيات الأراضي المعطلة عن الإنتاج، ليمكن تقسيمها هي و السابقة عليها إلى قطع استثمارية صغيرة، و توزيعها بالتالى على الأشخاص القادرين على العمل و الإنتاج.

____________

(1). لاحظ ذلك بتفصيلاته في الجدول الملحق رقم (1).

(2). لاحظ ذلك بتفصيلاته في الجدول الملحق رقم (2).

350

كما كان بإمكانه أن يعمل على إلغاء العلاقات غير المتكافئة السائدة، و إنشاء علاقات جديدة مبنية على العدل و الإنصاف.

إن تلك الأراضي الموات، مضافا إليها الأراضي المعطلة المملوكة أو المحازة باللزمة، تشكل في الواقع مساحات شاسعة بإمكانها أن تستوعب جميع طاقات القادرين على العمل في مجال الزراعة بالعراق بما فيهم الأشخاص العاملون فعلا في حقوق الإنتاج، و بذلك يمكن تخليص هؤلاء المباشرين للعمل الزراعي من سيطرة ما يسمون برجال الإقطاع.

فالمعروف أن الأراضي القابلة للزراعة في العراق (1) من ديمية و إروائية تقدر بنحو من خمسين مليون دونم (2)، بينما تقدر مساحة الأراضي التي تستعمل‌

____________

(1). تقدر أراضي العراق جميعا بنحو 000/ 000/ 181 دونم (راجع البرازى، مجلة الآداب عدد 7 ص 179، و الداهرى ص 166)، أو بنحو 000/ 777/ 177 دونما أو 442/ 444 كم 2 (راجع المجموعات السنوية الإحصائية التي تصدرها دائرة الإحصاء المركزية في وزارة التخطيط).

الدونم أو الفدان العراقي يساوى 2500 م 2. أما الفدان المصري فيقدر بنحو 4016 م 2 و الفدان السوري و الأردنى و اللبناني ب‍ 1500 م 2.

(2). يذكر الدكتور بيورنك أن مساحة الأراضي القابلة للزراعة في العراق هي نحو من 000/ 171/ 49 دونم يقع منها 000/ 000/ 33 دونم تحت النظام الاروائى و 000/ 171/ 16 تحت النظام الديمى (راجع البرازى، المصدر السابق)، و قريبا من ذلك، و هو حوالي 48 مليون دونم و نصف، قدرها باحثون آخرون و إن اختلفوا في زمن التقدير (راجع: أحمد سوسه في تطور ري العراق 21- 22 المطبوع سنة 1946، و الداهرى في التحليل الاقتصادى لعمليات الإنتاج الزراعي- 166 المطبوع سنة 1965).

و ذكر الدكتور العطية في كتابه الصادر سنة 1965 ص 20، أن مساحة الأراضي القابلة للزراعة في العراق تبلغ نحوا من 36- 38 مليون دونم (أى نحو 90- 95 الف كم 2)، و قريبا منه كان قد قدرها الخبير الانكليزى داوسن في تقريره المقدم سنة 1931 ص 32. إذ قدرها بنحو 90 الف كم 2.

351

لأغراض الزراعة فعلا في أعلى حد وصل إليه بعد (1) سنة 1958 حدود ثلاثة عشر مليون دونم و ذلك سنة 1966. أي أنها تقدر بحوالى ربع الأراضي القابلة للزراعة.

كل هذا، و لسنا هنا بصدد التوسع في مناقشة قانون الإصلاح الزراعي في العراق أو غيره من القوانين المشرعة في بلاد أخرى، و تبيان ما فيها من ميزات أو مفارقات، فان لذلك كله بحثا مستقلا لا بد لنا من تناوله في فرصة أخرى و مجال آخر.

____________

(1). راجع التقادير الواردة في تقارير البنك المركزي للسنين 59 و 60 و 61 و 62 و 63 و 64 و 65 و 1966.

أما في خلال موسم 1958، و كذلك موسم 957 فقد وصلت المساحة المزروعة إلى حدود 16 مليون دونم (راجع نتائج الإحصاء الزراعي في العراق لسنة 58- 959 جدول رقم 7 ص 10).

و من الواضح أن هذه التقديرات هي خاصة بالأراضي المزروعة فعلا، أما إذا أضفنا إليها الأراضي المتروكة بسبب التناوب أو ما يسمى (بالنير و النير) فإن المساحة ستكون قريبا من الضعف، (راجع الجليلى في اقتصاديات العراق المطبوع سنة 1955 ص 39) و راجع (الداهرى، المصدر السابق ص 166- 167) حيث قدر المساحة المزروعة و المتروكة بنحو من 23 مليون دونم، بناء على تقرير الخبير المصري الدكتور فؤادي الخولي عن ري العراق الذي قدمه إلى وزارة الإصلاح الزراعي سنة 1965.

352

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

353

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

354

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

355

خلاصة

و أخيرا، يجدر بنا في نهاية جولتنا و مطافنا في هذا الكتاب، أن نأتي إلى خلاصة ما توصلنا إليه هناك من بعض المسائل و الأحكام، و ذلك لإبراز بعض معالم هذا الجهود و ما يمكن أن يكون فيه من لمسة رأى من جهة، و للتأكيد على مدى أهمية القواعد و الأحكام الإسلامية في موضوع الأراضي و إحيائها و ما يتصل بها من إقطاع، من جهة أخرى.

1- فقد توصلنا- و في الباب التمهيدى المسهب

- إلى القول بإلغاء الملكية الخاصة على رقبة الأرض، و الأخذ بملكية الدولة حكما لها، و ذلك استنادا إلى بعض النصوص الصريحة المستفيضة، و من أوضحها:

- إن الأرض في‌ء للمسلمين.

- و لنا رقاب الأرض.

- إن الأرض كلها لنا. أى للدولة أو الإمام باعتبار منصبه.

- إن الأرض للّه تعالى جعلها وقفا على عباده، فمن عطل أرضا ثلاث سنين متوالية لغير ما علة أخذت من يده و دفعت إلى غيره.

و لم يمنعنا من الأخذ بهذا القول و تأكيده و الدفاع عنه: اتجاه جمهور الفقهاء إلى القول المقابل القاضي بمشروعية الملكية الخاصة في الأراضي، و المستند الى بعض النصوص و الآثار، و إلى سيرة المتشرعة من الناس الممتدة إلى أزمان بعيدة؛ و ذلك لقوة ما سقناه من أدلة، بالقياس إلى الأدلة المقابلة الأخرى و التي عرضنا لها مفصلا في ثنايا البحث.

2- و ناقضنا في موضع آخر (التحجير) من حيث مفهومه،

و من حيث الحقوق التي مكن أن ترد عليه، و خلصنا من ذلك إلى أن التحجير‌

356

بمجرده لا يعطى أي نوع من الحقوق في الأرض الموات. و ذلك بناء على القول بملكية الدولة للأراضي الموات لا إباحتها، و بناء على تعريف التحجير بأنه أمارة على الإحياء، و ليس شروعا فيه، ثم بناء على أن حق التصرف بالموات لا يصح إلا مقرونا بأذونات خاصة من الدولة المالكة.

هذا مضافا الى أن الروايات التي قيل بورودها في موضوع التحجير، هي مجملة في دلالتها، بله عنك الطعون الموجهة إلى سند بعضها، كما في قوله (ص): «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به». حيث قيل: بعدم معروفية السند في هذا الحديث، و كما في قول عمر بن الخطاب- و هو كل ما ورد فيها يظهر من الآثار بلفظ التحجير-: «ليس لمتحجر حق بعد ثلاث سنين» فقد جاء هذا القول برواية عن عمرو بن شعيب، و إسنادها منقطع، لأن عمرا هذا لم يدرك عمر. مضافا إلى أن هذه الرواية جاءت عن عمر نفسه، دون أن يسندها و يرجعها إلى النبي (ص) متلقى الوحي و مصدر التشريع. و لذلك فان هذه الرواية لم تذكر في شي‌ء من كتب الصحاح المعروفة، و لم يأت لها أو لنحوها أي ذكر في أخبار الإمامية و آثارهم، كما أنه لم يسمع لمالك رأي في هذه المسألة.

و عليه فلا يعتبر التحجير بمجرده مرحلة من مراحل انتقال الحقوق بالأرض الموات.

3- و خلصنا في (باب شروط الإحياء) إلى أن الإذن من الدولة

أو الإمام شرط في القيام بعملية الإحياء، و ذلك اعتباراً بما توصلنا إليه هناك من القول بملكية الدولة للموات، و هذه الشرطية أمر تقضي به عادة طبيعة التنظمات الاقتصادية و الاجتماعية لأية دولة. حيث يلزم أن تفرض سيطرتها على الأراضي المتروكة الواقعة تحت سلطانها، كما توصلنا إلى وجود نوع من الملازمة بين هذه الشرطية و بين القول بملكية الدولة للأرض الموات، و إلى وجود تلازم آخر في مقابل ذلك بين القول بالإباحة،