التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج5

- حسن المصطفوي المزيد...
296 /
55

رسولك.

و أمّا المساجد: فوجه التسمية لزوم الخضوع و حصول حالة حقيقة السجود و التذلّل للعبد في تلك الأمكنة، فالمسجد محلّ حصول القرب و مكان رفع الحجب الظلمانيّة و الأنانيّة، فللعبد أن يتوجّه الى المسجد لتحصيل القرب و الانقطاع الى اللّه و تنزيه النفس عن العيوب-. وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلٰا تَدْعُوا مَعَ اللّٰهِ أَحَداً- 72/ 18.

سجر:

مصبا- سجرته سجرا من باب قتل: ملأته، و سجرت التنّور: أوقدته.

مقا- سجر: اصول ثلاثة: المل‌ء، و المخالطة، و الإيقاد. فأمّا المل‌ء: فمنه البحر المسجور، أي المملوء. و يقال للموضع الّذي يأتي عليه السيل فيملؤه:

ساجر. و من هذا الباب، الشعر المنجسر و هو الّذي يفر حتّى يسترسل من كثرته، و أمّا المخالطة: فالسجير: الصاحب و الخليط، و هو خلاف الشجير، و منه عين سجراء إذا خالط بياضها حمرة. و أمّا الإيقاد: فقولهم سجرت التنّور إذا أوقدته. و السجور:

ما يسجر به التنّور، و منه سجرت الناقة: إذا حنّت حنينا شديدا.

مفر- السجر: تهيج النار، يقال سجرت التنّور، و منه: و البحر المسجور، و قوله-. وَ إِذَا الْبِحٰارُ سُجِّرَتْ أي أضرمت نارا، و قيل غيضت مياهها، و إنّما يكون كذلك لتسجير النار فيه. ثمّ في النار تسجرون- نحو وقودها الناس و الحجارة.

و سجرت الناقة: استعارة لإلتهابها في العدو- نحو اشتعلت الناقة. و السجير: الخليل الّذي يسجر في مودّة خليله.

جمهرة 2/ 76- سجرت التنّور و غيره: إذا ملأته حطبا و نارا، و كلّ شي‌ء ملأته من شي‌ء فقد سجرته به. و في التنزيل- و البحر المسجور: المملوء. و زعم قوم إنّه الفارغ. و السجير: الخليل المصافي. و أمّا-. وَ إِذَا الْبِحٰارُ سُجِّرَتْ، أي خلت من الماء، و زعموا إنّه من الأضداد. و سجرت الناقة تسجرا سجرا: إذا مدّت حنينها.

و السجر أيضا ضرب من سير الإبل بين الخبب و الهملجة. و السجرة: حمرة تعلوها غبرة.

56

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الهيجان و الفيضان من شدّة الامتلاء.

و هذا المعنى يختلف باختلاف الموارد: ففي البحر بوجود التموّج الشديد و الهيجان، و في النار بالالتهاب الشديد و الاشتعال، و في الرفيق و المصاحب بهيجان المحبّة و المودّة، و في الشعر بالوفور و الاسترسال، و الجامع بينها هو الخروج عن الحدّ في الامتلاء.

فظهر أنّ الأصل في المادّة ليس بمطلق الهيجان و لا الامتلاء و لا التوقّد و لا الفيضان و لا الاسترسال و لا التموّج، بل الهيجان الشديد القريب من حدّ الفيضان من وفور الامتلاء.

. يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّٰارِ يُسْجَرُونَ- 40/ 72.

أي يمتلئون في النار و يتموّجون بالهيجان الشديد و الاضطراب الوافر.

و السحب: الجرّ على الأرض.

. وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ- 52/ 6.

. وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَ إِذَا الْبِحٰارُ سُجِّرَتْ- 81/ 7.

أي البحر الممتلئ المتهيّج الشديد بالتمّوج و الوفور و الفيضان.

و هذا المعنى في عالم المادّة: أثر من ظهور الرحمة في مسير العالم، أو أثر من بروز الغضب و النقمة إذا تجاوز حدّ الاعتدال و الرحمانيّة و اللطف.

و أمّا في عالم الملكوت و الحقيقة الروحانيّة: فإشارة الى الفيوضات الرّبانيّة و الرحمة المسترسلة و البحر الموّاج المبسوط من الأنوار الإلهيّة.

و أمّا التعبير بالتسجير دون السجر: إشارة الى التجاوز و الخروج عن الاعتدال و الجريان الطبيعيّ، و تحقّق السجر بالجعل الاضافيّ الثانويّ، و هذا معنى بروز الغضب و النقمة من اللّه عزّ و جلّ.

ثمّ إنّ الماء لمّا كان مظهر الحياة و الرحمة- و. مِنَ الْمٰاءِ كُلَّ شَيْ‌ءٍ حَيٍّ- فيعبّر في مقام ظهور الرحمة و جريانها بسجر الماء، و الماء المسجور.

57

و يؤيّد الأصل في المادّة: مفاهيم موادّ- سجف إسبال، و سجل انصباب، و سجم صبّ شي‌ء. و أمّا معاني الخلأ و الفراغ إن ثبتت: فإمّا من جهة الفراغ ممّا يقابله أو ممّا سبق أي المفروغ فيه، أو أنّه نتيجة السجر، أو مجاز بقرينة التقابل.

سجل

مقا- سجل: أصل واحد يدلّ على انصباب شي‌ء بعد امتلائه، من ذلك السجل، و هو الدلو العظيمة. و يقال: سجلت الماء فانسجل، و ذلك إذا صببته.

و يقال للضرع الممتلئ: سجل. و المساجلة: المفاخرة، و الأصل في الدلاء إذا تساجل الرجلان، و ذلك تنازعهما يريد كلّ واحد منهما غلبة صاحبه. و من ذلك الشي‌ء المسجل، و هو المبذول لكلّ أحد، كأنّه قد صبّ صبّا. فأمّا السجلّ: فمن السجل و المساجلة، و ذلك أنّه كتاب يجمع كتبا و معاني، و فيه أيضا كالمساجلة، لأنّه عن منازعة و مداعاة. و من ذلك قولهم الحرب سجال، أي مباراة مرّة كذا و مرّة كذا.

و في كتاب الخليل: السجل: مل‌ء الدلو. و أمّا السجّيل: فمن السجلّ، و قد يحتمل أن يكون مشتقّا من بعض ما ذكرناه. و قالوا: السجّيل: الشديد.

مصبا- السجلّ: كتاب القاضي، و الجمع سجلّات، و أسجلت للرجل إسجالا: كتبت له كتابا، و سجّل القاضي: قضى و حكم و أثبت حكمه في السجلّ.

و السجل مثال فلس: الدلو العظيمة. و بعضهم يزيد- إذا كانت مملوءة. و السجل:

النصيب، و الحرب سجال مشتقّة من ذلك.

صحا- سجل: السجل مذكّر و هو الدلو إذا كان فيه ماء قلّ أو كثر، و لا يقال لها و هي فارغة سجل و لا ذنوب، و الجمع سجال. و السجيلة: الدلو الضخمة.

و سجلت الماء فانسجل أي صببته فانصبّ. و أسجلت الحوض: ملأته. و السجيل من الضروع: الطويل، يقال ناقة سجلاء. و السجلّ: الصكّ. (كتاب مخصوص و هو معرّب جك). و قد سجّل الحاكم تسجيلا. و قوله-. بِحِجٰارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ: قالوا هي حجارة من طين طبخ بنار جهنّم. و المساجلة: المفاخرة بأن تصنع مثل صنعه في جري أو سقي، و أصله من الدلو.

58

قع- سجّل) كيّف، لاءم، نال، جمع، وفّر، خزن.

(سجل) ملاك، كنز، خزينة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الجمع و الكنز للإسبال و النشر، مادّيّا أو معنويّا. و بهذه المناسبة تطلق على الدلو بلحاظ جمع الماء فيه للإسبال و الصبّ، و على الحوض للنشر و الاستفادة منه، و جمع اللبن في الضرع لإطعام الرضيع، و جمع الكتب أو مطالب في الصكّ و حفظها للإراءة و النشر، و ما يؤخذ و يخزن من النصيب للاستفادة، و ما يجمع للطرح و الرمي. فلا بدّ في هذه الموارد من ملاحظة الخصوصيّات.

و قلنا في السجر: إنّ بينها و بين موادّ- سجف، سجل، سجم: اشتقاقا أكبر، للتناسب بينها لفظا و معنى.

. وَ أَمْطَرْنٰا عَلَيْهٰا حِجٰارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ- 82/ 11.

. وَ أَمْطَرْنٰا عَلَيْهٰا حِجٰارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ- 15/ 74.

. تَرْمِيهِمْ بِحِجٰارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ- 105/ 4.

قلنا إنّ السجّيل من السجل، و هو على فعّيل مبالغة كالصدّيق و الشرّير و السكّير، و يدلّ على ما يجتمع أجزاؤه و يشتدّ للرمي، كالطين اللزق الصلب المطبوخ.

فهذه الكلمة عربيّة أصلية و ليست بمأخوذة من الفارسيّة- سنگ كل.

و يدلّ على هذا المعنى: وصفه بالمنضود، و هو ما ينضمّ بعض أجزاء شي‌ء الى بعض آخر، متّسقا و محكّما، فيشمل كلّما يشتدّ باللزوق و الانضمام، من أيّ مادّة يتحصّل، من ثلج أو طين مطبوخ أو غيرهما، و ظاهر الآيات الكريمة أن يكون السجّيل من نوع الحجارة.

. يَوْمَ نَطْوِي السَّمٰاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ- 21/ 104.

السجلّ فعلّ كالفلزّ و الدفقّ و الخبرّ، كما في الجمهرة 3/ 350. فالصيغة من‌

59

مزيد الثلاثيّ، و تدلّ على المبالغة و الشدّة.

و معنى الكلمة: هو كتاب أو نحوه يكتب فيه و يجمع بعض الأحوال الشخصيّة و الحوادث الواقعة و أمثالها، و يضبط فيه بعض الأمور للحاجة اليه.

و الطيّ: نوع من الجمع في قبال النشر. و ذكر السماء لعظمتها، و الأرض كالظلّ لها، و هي أعمّ من المادّيّة و الروحانيّة. و الكتب جمع كتاب بمعناه المصدريّ، و السجلّ ما يضبط فيه الكتب و هو كالدفتر و الطومار و غيرها.

و التعبير بالطيّ دون الإفناء و الإعدام، و بالكتاب دون الموجود و غيره أي تشبيه السماء بالكتاب: إشارة الى ضعف مرتبة الوجود في السماء، كما أنّ الكتابة لها وجود أضعف من العينيّ، و أنّ هذه الظلال مع ضعفها لا تنعدم بالكليّة، بل تجمع و تضبط بعد النشر و الظهور.

ثمّ إنّ اللّه عزّ و جلّ يفسّر و يوضح تلك الحقيقة بقوله-. كَمٰا بَدَأْنٰا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ: أي إعادتنا كالبدء في الخلق، و كما بدأنا خلق السماء كذلك نعيده.

و في هذا البيان تبيين لعلّة العود و كشف عن حقيقته: حيث إنّ البدء ظهور فيض و تجلّي رحمة و بسط نور و جمال، و كلّ من الظهور و التجلّي و البسط أمر مستحدث محدود ينتهي الى حدّ معيّن، ثمّ يرجع الى الزوال-. اللّٰهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- 30/ 11- راجع العود.

سجن

مصبا- سجنته سجنا من باب قتل: حبسته، و السجن: الحبس، و الجمع سجون.

مقا- سجن: أصل واحد و هو الحبس: يقال سجنته سجنا. و السجن:

المكان يسجن فيه الإنسان-. رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ- فيقرأ فتحا على المصدر، و كسرا على الموضع.

صحا- السجن: الحبس. و السجن المصدر، و قد سجنه يسجنه، أي حبسه. و ضرب سجّين أي شديد، و سجّين موضع فيه كتاب الفجّار، قال ابن‌

60

عبّاس- و دواوينهم، قال أبو عبيدة: هو فعّيل من السجن.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الحبس في مكان محدود أسفل. و بهذا القيد يظهر الفرق بينها و بين موادّ الحبس و المخيس و التوقيف:

فانّ النظر في الحبس و المحبس الى جهة الممنوعيّة و المحدودية، فانّ الحبس بمعنى المنع.

و في المخيس الى جهة كونه في مذلّة و حقارة، فانّ الخيس بمعنى الذلّة.

و في التوقيف الى جهة التوقّف المحدود.

و أمّا السجّين: فهو فعّيل كالشرّير و يدلّ على المبالغة و الشدّة في جهة السجنيّة، أي الشدّة في المحدوديّة و التسفّل.

. كَلّٰا إِنَّ كِتٰابَ الفُجّٰارِ لَفِي سِجِّينٍ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا سِجِّينٌ كِتٰابٌ مَرْقُومٌ- 83/ 7.

قلنا في- رقم: إنّ المراد من الكتاب هو اللوح الروحيّ المنتقش فيه صور العقائد و الأخلاق و الأعمال و آثارها.

و النفس إذا نزلت الى المرتبة الدنيا النازلة الظلمانيّة المحجوبة: تكون من مصاديق السجّين، و يقابلها العلّيين- راجع- رقم.

و التعبير بصيغة المبالغة: إشارة الى أنّ السجن الروحانيّ أشدّ من جهة الظلمة و المحدوديّة و المحجوبيّة و التسفّل من السجن المادّيّ، فانّ في السجن المادّيّ محدودّية ظاهريّة بدنيّة، و يمكن جبرانها بالتوجّهات الروحانيّة و العبادات الخالصة و بالانصراف عن المادّيّات.

و لكن التسجّن الروحانيّ و التنزّل الى مقام السجّين روحا: لا يمكن جبرانه بالتنعم المادّي و الاشتغالات و التوجّهات الدنيويّة.

و أيضا إنّ التسجّن الظاهريّ أمر ماديّ لا ربط له بالمقامات المعنويّة و المراتب الروحانيّة، و لا يوجب ضعفا فيها، بل قد يزيد في علوّ المنزلة و ارتفاعها، كما يرى في‌

61

تسجّن الأولياء و المؤمنين و مجاهداتهم.

و هذا بخلاف السجن المعنويّ المعبّر عنه بالسجّين. فهو عين الضعف و النقص، و على هذا المعنى يقول يوسف (عليه السلام):. رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّٰا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ- 12/ 33- فانّ دعوتهم الى السجّين، و السجن أولى منه.

فظهر لطف التعبير بالمادّة في موارد استعمالها في الآيات الكريمة.

سجى

مصبا- سجا الليل يسجو: ستر بظلمته، و منه سجّيت الميّت: إذا غطّيته بثوب و نحوه. و السجيّة: الغريزة.

مقا- سجو: أصل يدلّ على سكون و إطباق، يقال سجا اللّيل إذا ادلهمّ و سكن. و طرف ساج، أي ساكن.

أسا- سجا الليل و البحر إذا سكن، سجوّا. و ريح سجواء: ليّنة. و ناقة سجواء: تسكن حتّى تحلب. و هو على سجيّة حميدة و سجيّات و سجايا: و هي ما سجا عليه طبعه و ثبت.

صحا- السجيّة: الخلق و الطبيعة. و قد سجا يسجو سجوّا: سكن و دام.

و قوله- و الليل إذا سجى: أي إذا دام و سكن.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو جريان شي‌ء الى أن يثبت و يستديم على حالة. و من مصاديقه جريان اليوم الى الليل حتّى يدلّهم و يظلمّ و يسكن و يثبت.

و جريان الاتّصاف بصفة باطنيّة حتّى تكون ملكة و راسخة. و صيرورة الميّت على حالة ثابتة بالتجهيز و التكفين. و هكذا في تحقّق حالة السكون و الاستقرار في الريح باعتدال الجريان. و كذلك في الناقة.

و بهذا التقييد يظهر الفرق بينها و بين الثبوت و نظائره، فانّ الثبوت كما قلنا هو الاستقرار و استدامة ما كان في مقابل الزوال.

62

. وَ الضُّحىٰ وَ اللَّيْلِ إِذٰا سَجىٰ مٰا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مٰا قَلىٰ وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولىٰ- 93/ 2.

الضحى كمال النور بارتفاع الشمس، و يقابله: الليل في حالة تماميّته و بلوغه الى الثبوت و الاستقرار التامّ. و هذا التعبير إشارة الى غاية ارتفاع النور و كماله الى أن ينتهي الى غاية الانخفاض.

و لا يخفى أنّ ظهور آثار الرحمة و النعمة و تجلّي أشعّة الفيوضات المادّيّة إنّما يتمّ و يكمل في ساعات الضحى، كما أنّ خفاءها و مستوريّتها بالتمام إنّما يتحقّق في زمان سكون الليل و استقرار الظلمة.

و جريان العيش و الحياة المادّيّة إنّما يوجد في امتداد هذين الأمرين، و لا يتصوّر التجاوز و الخروج عن هذا الخطّ.

ففي هذا التعبير إشارة الى أنّ مراتب الشمس و الحياة إنّما هي تحت سلطته و حكمه و مشيّته و بيده، فيستنتج-. مٰا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مٰا قَلىٰ.

و إذا أريد من الضحى و الليل مفهوماهما العامّان، أي مطلق النور و الظلمة مادّيين أو معنويين: فتشمل الآية الكريمة جميع الجريان في الحياة الظاهريّ و المعنويّ، و جميع مراتب العوالم و الخلق.

و يؤيّد هذا التعميم: قوله تعالى-. وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولىٰ.

فينطبق الضحى على عالم العقل و النور المجرّد، و الليل على عالم المادّة و الطبيعة، و بينهما متوسّطات من العوالم المتوسّطة- راجع- سجد و ظلّ.

و لا يخفى أنّ المراد من الضحى و اللّيل في هذه الصورة: مطلق النور التكوينيّ و الوجود المنبسط على مراتبه المترتّبة.

سحب

مقا- سحب: أصل صحيح يدلّ على جرّ شي‌ء مبسوط و مدّه، تقول سحبت ذيلي بالأرض سحبا، و سمّي السحاب سحابا تشبيها له بذلك، كأنّه ينسحب في الهواء انسحابا، و يستعيرون هذا فيقولون تسحبّ فلان على فلان، إذا اجترأ عليه‌

63

كأنّه امتدّ عليه امتدادا، هذا هو القياس الصحيح. و ناس يقولون: السحب شدّة الأكل، و أظنّه تصحيفا لأنّه لا قياس له، و إنّما هو السحت.

مصبا- سحبته على الأرض سحبا من باب نفع: جررته، فانسحب، و السحاب معروف، سمّي بذلك لانسحابه في الهواء، الواحدة: سحابة، و الجمع سحب بضمّتين.

مفر- أصل السحب الجرّ كسحب الذيل و الإنسان على الوجه، و منه السحاب إمّا لجرّ الريح له أو لجرّه الماء أو لإنجراره في مرّه- يوم يسحبون في النار على وجوههم، و يسحبون في الحميم. و قيل فلان يتسحّب على فلان، كقولك ينجرّ، و ذلك إذا تجرّأ عليه. و السحاب: الغيم فيها ماء أو لم يكن، و لهذا يقال سحاب جهام (سحاب لا ماء فيه)-. أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ يُزْجِي سَحٰاباً ...،. حَتّٰى إِذٰا أَقَلَّتْ سَحٰاباً، و قال-. وَ يُنْشِئُ السَّحٰابَ الثِّقٰالَ. و قد يذكر لفظه و يراد به الظلّ و الظلمة على طريق التشبيه- من فوقه سحاب ظلمات.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الجرّ على الأرض و نحوها، و الفرق بينها و بين موادّ- الجرّ، الجذب، الجلب، السوق:

أنّ الجرّ: مطلق السحب على أيّ نحو كان.

و الجذب: جرّ الى جانب معيّن و هو ضدّ الدفع.

و الجلب: سوقه الى جانب بالقهر.

و السوق: حثّ على السير من خلف و هو عكس القود، يقال ساق الناقة إذا كانت قدّامه، و قادها إذا كانت خلفه.

و سحب ذيله، و سحبه على وجهه: إذا جرّه منبسطا على الأرض. و سمّي السحاب به، لأنّه ينجرّ منبسطا في الفضا و على الهواء.

. يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّٰارِ عَلىٰ وُجُوهِهِمْ- 54/ 48.

أي يجرّون فيها منبسطا.

64

. فَتُثِيرُ سَحٰاباً فَسُقْنٰاهُ إِلىٰ بَلَدٍ مَيِّتٍ- 35/ 9.

فالسحاب في نفسه مسحوب، و إذا يراد سحبه الى بلد ميّت: فيحتاج الى جرّ إضافيّ، فعبّر عنه بالسوق.

و إذا اعتبر جريان السحاب بالنسبة الى نقطة: فيعبّر فيه بالمرور-. وَ تَرَى الْجِبٰالَ تَحْسَبُهٰا جٰامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحٰابِ- 27/ 88.

فالسحاب في نفسه يجرّ منبسطا، و يعرضه عوارض إضافيّة: ككونه مسخّرا، و ثقيلا، و مارّا، و مسوقا، و مبسوطا، و مؤلّفا، و مركوما، كما في:

. وَ السَّحٰابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ ...،. يُنْشِئُ السَّحٰابَ الثِّقٰالَ ...،. تَمُرُّ مَرَّ السَّحٰابِ ...،. فَسُقْنٰاهُ إِلىٰ بَلَدٍ مَيِّتٍ ...،. فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمٰاءِ ...،. ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكٰاماً.

سحت

مصبا- السحت و إسكان الثاني تخفيف: هو كلّ مال حرام لا يحُلّ كسبه و لا أكله. و السحت أيضا: القليل النزر، يقال أسحت في تجارته و أسحت تجارته: إذا كسب سحتا أي قليلا.

مقا- أصل صحيح منقاس. يقال: سحت الشي‌ء، إذا استؤصل، و اسحت. يقال أسحت اللّه الكافر بعذاب، إذا استأصله. و مال مسحوت و مسحت. و من الباب: رجل مسحوت الجوف إذا كان لا يشبع، كأنّ الّذي يبلعه يستأكل من جوفه فلا يبقى. المال السحت: كلّ حرام يلزم آكله العار، و سمّى سحتا لأنّه لا بقاء له. و يقال أسحت في تجارته، إذا كسب السحت، و أسحت ماله:

أفسده.

أسا- سحت شعره في الحلق أو في الجزّ: استأصله. و سحت وجه الأرض:

سحاه. و سحت في ختان الصبيّ: بولغ فيه و استقصي حتّى نهك. و فلان يأكل السحت. و أسحت في تجارته: كسب السحت.

لسا- السحت: كلّ حرام قبيح الذكر. و قيل هو ما خبث من المكاسب‌

65

و حرم فلزم عنه العار و قبيح الذكر. و إذا وقع الرجل فيها قيل قد اسحت الرجل.

و السحت: الحرام الّذي لا يحلّ كسبه، لأنّه يسحت البركة أي يذهبها. و أسحتت تجارته: خبثت و حرمت. و سحت الشي‌ء يسحته سحتا: قشره قليلا قليلا، و سحتّ الشحم عن اللحم: قشرته عنه. و أسحت الرجل: استأصل ما عنده.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو مطلق السقوط الشامل للمكروه و الخبيث و الهدر، مادّيّا أو معنويا.

و الفرق بين هذه المادّة و موادّ- المكروه، الخبيث، الهدر، الحرام، القبيح: أنّ المكروه: يقابل المحبوب. و الخبيث: يقابل الطيّب. و القبيح: يقابل الحسن.

و الحرام: يقابل الحلال. و الهدر: بمعنى الساقط الباطل.

فكلّ ما يستكره عند العرف أو يكون خبيثا أو هدرا: فهو سحت.

و الإسحات: جعل شي‌ء ساقطا و باطلا أو عدّه مكروها أو خبيثا. و من هذا الباب قشر اللحم و غيره.

فلا بدّ من لحاظ هذا القيد في مفاهيم- الاستيصال و إفساد المال و حلق الشعر و جزّه و الختان و في التجارة و غيرها.

. لٰا تَفْتَرُوا عَلَى اللّٰهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذٰابٍ- 20/ 61.

أي يجعلكم في أنفسكم ساقطين عن مقام الحقّ و الانسانيّة، و يكون جريان حياتكم و مسير أموركم في بطلان و استكراه و خبث، في قبال-. مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً ...،. وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّٰارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبٰاتِكُمْ فِي حَيٰاتِكُمُ الدُّنْيٰا. راجع الطيب.

. سَمّٰاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ- 5/ 42.

. يُسٰارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ- 5/ 62.

أي يبدّلون الطيّبات من الرزق بالمكروه و الخبائث و الباطل-. لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ* ...،. وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ.

66

فالنهي عن أكل السحت و ذمّه: يدلّ على حرمة أكل الربا و أكل أموال اليتامى و الأكل عن معاملة باطلة فاسدة، أو معاملة محرّمة، و أمثالها.

سحر

مصبا- السحر: الرئة، و قيل ما لصق بالحلقوم المري‌ء من أعلى البطن، و قيل هو كلّ ما تعلّق بالحلقوم من قلب و كبد و رئة، و فيه ثلاث لغات، وزان فلس و سبب و قفل، و كلّ ذي سحر مفتقر الى الطعام، و جمع الاولى سحور، و الثانية و الثالثة أسحار. و السحر قبيل الصبح، و بضمّتين لغة، و الجمع أسحار. و السحور: ما يؤكل في ذلك الوقت. و تسحّرت: أكلت السحور، و السحور: فعل الفاعل. و السحر:

قال ابن فارس: هو إخراج الباطل في صورة الحق، و يقال هو الخديعة، و سحره بكلامه: استماله برقته و حسن تركيبه.

مقا- سحر: اصول ثلاثة متبائنة، أحدها عضو من الأعضاء، و الآخر خدع و شبهه، و الثالث وقت من الأوقات. فالعضو السحر و هو ما لصق بالحلقوم و المري‌ء من أعلى البطن، و يقال بل هي الرئة، و يقال منه للجبان: انتفخ سحره. و أمّا الثاني- فالسحر قال قوم: هو إخراج الباطل في صورة الحقّ، و يقال هو الخديعة. و أمّا الوقت: فالسحر و السحرة و هو قبل الصبح. و يقولون- أتيتك سحر، إذا كان ليوم بعينه، فان أراد بكرة و سحرا من الأسحار، قال- أتيتك سحرا.

أسا- كلّ ذي سحر أو سحر يتنفّس، و هو الرئة. و من المجاز: سحره و هو مسحور، و إنّه لمسحّر: سحر مرّة بعد اخرى حتّى تخبّل عقله، و أصله من سحره إذا أصاب سحره. و لقيته سحرا و سحرة و بالسحر و في أعلى السحرين: و هما سحر مع الصبح و سحر قبله، كما يقال الفجران للكاذب و الصادق. و أسحرنا مثل أصبحنا.

و استحروا: خرجوا سحرا. و تسحّرت: أكلت السحور، و إنّما سمّي السحر استعارة، لأنّه وقت إدبار الليل و إقبال النهار فهو متنفّس الصبح. و جاء فلان بالسحر في كلامه. و المرأة تسحر الناس بعينها، و لها عين ساحرة. و سحرته عن كذا: صرفته.

67

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الصرف عن ما هو واقع و حقّ الى خلافه، كصرف الأبصار عمّا يشاهدونه في الظاهر الى خلافه، و صرف القلوب عمّا يدركونه الى الخلاف، يقال هو ساحر، و ذاك مسحور.

. فَلَمّٰا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّٰاسِ،. فَإِذٰا حِبٰالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهٰا تَسْعىٰ،. إِنَّمٰا صَنَعُوا كَيْدُ سٰاحِرٍ وَ لٰا يُفْلِحُ السّٰاحِرُ حَيْثُ أَتىٰ.

يراد صرف أبصار الناظرين عمّا يشاهدونه و عمّا كان و وقع الى خلافه.

. سَيَقُولُونَ لِلّٰهِ قُلْ فَأَنّٰى تُسْحَرُونَ،. إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلّٰا رَجُلًا مَسْحُوراً*،. بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ.

يراد كونهم مصروفين عمّا هو الحقّ و الواقع.

و أمّا إطلاق السحر على وقت قريب من الصبح و متّصل به: فهو من جهة أنّ ذاك الوقت يدلّ الى ضياء و ظهور شفق بالفجر مع ما يشاهد من الليل و الظلمة و يتوقّع امتدادها، فكأنّه يصرف الأبصار الى خلاف ما وقع. و بهذه المناسبة يؤمر بالاستغفار فيه-. وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحٰارِ.

فبالاستغفار يوافق الباطن بالظاهر، و يصرف القلب من كدورات الآثام و ظلمات المعاصي الى ضياء الطاعة و نور العبوديّة، و من الغفلة و المحجوبيّة الى التوجّه و الذكر و الروحانيّة.

و بهذا الاعتبار يطلق السحور على طعام يؤكل في ذلك الوقت: حيث أنّه يصرف الإنسان الى حال أحسن، من ضعف الى قوّة، و لا سيّما إذا كان للصوم، فيصرف الى حالة روحانيّة و إمساك عن اللذّات البدنيّة.

و أمّا إطلاق السحر على الصدر و ما يقرب من النحر: فانّ الصدر يصرف الناظر من أسافل الأعضاء الى أعاليها، و الصدر هو الواسطة بينهما، و يتوجّه الناظر به الى جمال الوجه و الى مجلى الإدراك و التعقّل و اللطف.

68

فهذا القيد لا بدّ أن يلاحظ في كلّ من الموارد المذكورة.

ثمّ إنّ السحر إمّا واقعيّ أو ادّعائيّ: فالأوّل كما في:

. سَحَرُوا أَعْيُنَ النّٰاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جٰاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ- 7/ 116.

و الثاني كما في:. فَلَمّٰا جٰاءَتْهُمْ آيٰاتُنٰا مُبْصِرَةً قٰالُوا هٰذٰا سِحْرٌ مُبِينٌ- 27/ 13.

و السحر تعليمه و تعلّمه و العمل به محرّم ممنوع، فانّه يصرف الناس عن الحقّ الواقع و يضلّ أفكارهم:

. وَ لٰا يُفْلِحُ السّٰاحِرُونَ- 10/ 77.

. وَ لٰكِنَّ الشَّيٰاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّٰاسَ السِّحْرَ- 2/ 102.

. سَحَرُوا أَعْيُنَ النّٰاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ- 7/ 116.

. فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمٰا مٰا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ- 2/ 102.

و السحر على نوعين: إمّا بالتوسّل بأسباب و وسائل و آلات و أدوية مضبوطة في الكتب المربوطة، و إمّا بسرعة اليد في العمل و إعمال حيل تخفى على الناظر، و يطلق على النوع الأخير الشعوذة و الشعبذة، و قد يطلق على مطلق السحر.

و الفرق بين السحر و الإعجاز: أنّ الاعجاز لا يعتمد على أسباب مخفيّة و لا على سرعة حركة في اليد و غيره حتى توجب صرف الذهن عن الواقع. بل هي عمل على خلاف مجرى الطبيعة بقوّة الإرادة و قدرة النفس مستندا الى القدرة الإلهيّة و في حال التسليم، و مقترنا بدعوى النبوّة.

فللمؤمن السالك صراط الأنبياء: أن يتصف بصفاتهم بتزكية النفس و تسبيحها و تقويتها و إخلاصها، حتّى يقول لشي‌ء كن فيكون. و لا ينبغي له أن يتبع سبل الشياطين في تعلّم أنواع السحر و صرف عباد اللّه عن شهود الوقائع و الأمور الحقّة الى خلافها.

سحق

مصبا- سحقت الدواء سحقا من باب نفع فانسحق. و السحوق: النخلة‌

69

الطويلة، و الجمع سحق. و السحق: الثوب البالي، و يضاف للبيان، فيقال سحق برد و سحق عمامة. و أسحق الثوب إسحاقا: إذا بلي، فهو سحق. و في الدعاء: بعدا له و سحقا. و سحق المكان فهو سحيق مثل بعد، فهو بعيد، وزنا و معنى.

مقا- سحق: أصلان، أحدهما- البعد، و الآخر- إنهاك الشي‌ء (استعماله و التصرّف فيه) حتّى يبلغ به الى حال البلى. فالأوّل- السحق، و هو البعد.

و السحوق: النخلة الطويلة، و سمّيت بذلك لبعد أعلاها عن الأرض. و الأصل الثاني- سحقت الشي‌ء أسحقه سحقا. و السحق: الثوب البالي. و يقال سحقه البلى فانسحق، و يستعار هذا حتّى يقال إنّ العين تسحق الدمع سحقا. و أسحق الشي‌ء:

إذا انضمر و انضمّ. و أسحق الضرع إذا ذهب لبنه و بلي.

مفر- السحق: تفتيت الشي‌ء، و يستعمل في الدواء إذا فتّت، يقال: سحقته فانسحق، و في الثوب إذا أخلق، يقال أسحق. و السحق: الثوب البالي، و منه قيل أسحق الضرع: صار سحقا لذهاب لبنه. و يصحّ أن يجعل إسحاق منه، فيكون حينئذ منصرفا، و قيل أبعده و أسحقه اللّه، أي جعله سحيقا، و قيل سحقه أي جعله باليا.

قاموس الكتاب: إسحاق- (الضاحك) و هو إسحاق بن ابراهيم و سارا، و أرسل الى الجزيرة و له أربعون سنة، و تزوّج من رفقة بنت خاله، و الأغلب أنّه يسكن في الجنوب من مملكة كنعان، و له ولدان: يعقوب و عيصو. و لمّا مضى من عمره مائة و سبع عشرة سنة أعطى لابنه يعقوب بركة و أرسله الى الجزيرة، و توفّي و له مائة و ثمانون سنة، و دفنه ابناهما في مقبرة أبيه إبراهيم.

التكوين- 21- و افتقد الربّ سارة كما قال، و فعل الربّ لسارة كما تكلّم، فحملت سارة و ولدت لإبراهيم ابنا في شيخوخته في الوقت الّذي تكلّم اللّه عنه، و دعا ابراهيم اسم ابنه المولود له الّذي ولدته له سارة إسحاق، و ختن إبراهيم إسحاق ابنه و هو ابن ثمانية أيّام كما أمره اللّه، و كان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه، و قالت سارة قد صنع اللّه إلي ضحكا، كلّ من يسمع يضحك لي.

و في 25/ 19- ولد ابراهيم اسحق، و كان اسحق ابن أربعين سنة لمّا اتّخذ‌

70

لنفسه زوجة رفقة بنت بتوئيل الأراميّ اخت لابان الأراميّ من فدّان الأرام، و صلّى اسحق الى الربّ لأجل امرأته، لأنّها كانت عاقرا فاستجاب له الربّ فحبلت رفقة امرأته، و تزاحم الولدان في بطنها ... فلمّا كملت أيّامها لتلد إذا في بطنها توأمان، فخرج الأوّل أحمر كلّه كفروة شعر، فدعوا اسمه عيسو، و بعد ذلك خرج أخوه و يده قابضة بعقب عيسو، فدعي اسمه يعقوب.

و في التكوين العبريّ، في هذه الموارد و غيرها- (ايصحاق) بالصاد المهملة دون السين.

قع- (صاحق)- ضحك، مزح، سخر.

و التحقيق

انّ كلمة إسحاق عرّبت من ايصحاق عبريّا و هو بمعنى الضاحك، لكثرة ضحكه، أو لما ضحك الناس في ولادته، من جهة أنه تولّد في حين كبر من أبويه، أو بمناسبة-. وَ امْرَأَتُهُ قٰائِمَةٌ فَضَحِكَتْ.

و هو من الأنبياء العظام كما ورد في القرآن الكريم:

. وَ بَشَّرْنٰاهُ بِإِسْحٰاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّٰالِحِينَ- 37/ 112.

و إنّه من عباده الخاصّة به:

. وَ اذْكُرْ عِبٰادَنٰا إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ- 38/ 45.

و إنّه من الصالحين:. وَ وَهَبْنٰا لَهُ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ نٰافِلَةً وَ كُلًّا جَعَلْنٰا صٰالِحِينَ- 21/ 72.

. نَبِيًّا مِنَ الصّٰالِحِينَ*- 37/ 112.

و من الّذين أوحى اليهم:. وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ- 4/ 163.

و من الّذين انزل اليهم:. وَ مٰا أُنْزِلَ إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ- 2/ 136.

و من الّذين هداهم اللّه:. وَ وَهَبْنٰا لَهُ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنٰا- 6/ 84.

و من المتّبعين:. وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبٰائِي إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ- 12/ 38.

و من المباركين عليه:. وَ بٰارَكْنٰا عَلَيْهِ وَ عَلىٰ إِسْحٰاقَ- 37/ 113.

71

و يذكر في كتب التاريخ (كما في ابن الوردي ج 1 ص 13): لمّا صار لإبراهيم مائة سنة ولد له إسحاق، و لمّا صار لإسحاق ستّون سنة ولد له يعقوب، و لمّا صار ليعقوب ستّ و ثمانون ولد له لاوي، و لمّا ولد قاهاث له صار للاوي ستّ و أربعون، و لمّا صار لقاهاث ثلاث و ستّون ولد له عمران، و لمّا صار لعمران سبعون ولد له موسى (ص). فولادة موسى لمضيّ أربعمائة و خمس و عشرين من مولد إبراهيم (ع).

و الظاهر أنّ إسماعيل أكبر سنّا و أعظم منزلة من إسحاق، كما أشرنا اليه في كلمتي- إسحاق- إسماعيل، فراجعهما، و يدلّ عليه تقدّم ذكر إسماعيل في الآيات الكريمة على إسحاق:

. الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ ...،. وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ.

و إسحاق هو جدّ الأسباط من بني إسرائيل، و إسرائيل هو يعقوب ولده، كما أنّ إسماعيل هو جدّ العرب و قريش.

و قلنا إن اسحق نزل و سكن و دفن في أرض كنعان و فلسطين، كما أنّ إسماعيل مع امّه سكن و دفن في الحجاز في جنب البيت.

و كنعان يطلق على الجهة الغربيّة من الشام قريبة من فلسطين، و هي مسكن بني كنعان من أولاد كنعان بن حام بن نوح، و مقبرة إبراهيم الخليل واقعة في تلك الأراضي، مشهورة ببلدة إبراهيم الخليل.

ثمّ إنّه قد يذكر في الآيات الكريمة إسماعيل فقط، كما في:. وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰاهِيمُ الْقَوٰاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْمٰاعِيلُ- فانّ إسحاق لم يكن حاضرا في الحجاز.

و قد يذكر إسحاق من دون إسماعيل: كما في:. وَ بَشَّرْنٰاهُ بِإِسْحٰاقَ،. وَ امْرَأَتُهُ قٰائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنٰاهٰا بِإِسْحٰاقَ- حيث إنّ الدعوة من سارة أمّ إسحاق.

و كما في:. وَ وَهَبْنٰا لَهُ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ نٰافِلَةً- أي في نتيجة دعوتهم، و لانّ المقام في بيان ما يرتبط بقوم إبراهيم من سكنة كنعان و بني إسرائيل.

و أمّا مادّة السحق: فالأصل الواحد فيها هو إخراج الشي‌ء عن حالته و جريانه الطبيعيّ، و هذا المعنى يختلف باختلاف الموضوعات و الموارد، ففي كلّ شي‌ء بحسبه.

72

يقال: أسحقه أي أبعده عن الجريان و أخرجه. و أسحق الثوب أي استعمله حتى أخرجه عن الجريان و الحالة المطلوبة. و أسحق الضرع: إذا أخرجه عن الحالة المعمولة الجارية بذهاب اللّبن. و يقال: أسحق أي بلي و انضمر.

فهذه القيود ملحوظة في موارد استعمال المادّة.

. فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحٰابِ السَّعِيرِ- 67/ 11.

. فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكٰانٍ سَحِيقٍ- 22/ 31.

أي خروجا لهم عن الجريان الطبيعيّ و عن مجرى الخلقة بالمحروميّة عن الرحمة و الفيض و الجود.

. وَ مَنْ يُشْرِكْ .... فَكَأَنَّمٰا .... تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكٰانٍ سَحِيقٍ.

أي من كان غافلا عن اللّه عزّ و جلّ و عن إحاطة قدرته و نفوذه و حكمه، فهو ساقط عن مقام الحقّ و منحطّ عن مرتبة سنيّة الى مكان خارج عن مجرى الفيض و الرحمة.

فظهر الفرق بين هذا المفهوم و مفهوم البعد و البلى، و ظهر لطف التعبير بها.

و لا يخفى أنّ السحق: هو البعد الشديد، و الغالب فيه هو البعد من جهة المعنى، فانّ البعد الظاهريّ لا ينافي القرب معنى، و هذا بخلاف ما إذا كان خارجا عن المجرى الطبيعي، و هو مجرى اللطف و الرحمة و الفضل.

و هذا الأصل الواحد في المادّة يناسب كلمة إسحاق أيضا: حيث إنّ تولّده خارج عن المجرى الطبيعيّ، بلحاظ كبر السنّ في امّه.

فتكون الصيغة من مزيد الثلاثيّ في الاسم.

سحل

مصبا- السحل: الثوب الأبيض، و الجمع سحل مثل رهن و رهن. و ربّما جمع على سحول. و سحول: بلدة باليمن يجلب منها الثياب و ينسب اليها على لفظها.

و الساحل: شاطئ البحر.

مقا- سحل: اصول ثلاثة، أحدها- كشط شي‌ء عن شي‌ء، و الآخر- من‌

73

الصوت. و الآخر- تسهيل شي‌ء و تعجيله. فالأوّل- قولهم سحلت الرياح الأرض:

إذا كشطت عنها أدمتها. قال ابن دريد و غيره: ساحل البحر مقلوب في اللفظ، و هو في المعنى مسحول، لأنّ الماء سحله. و أصل ذلك قولهم- سحلت الحديدة أسحلها، و ذلك إذا بردتها، و يقال للبرادة السحالة. و السحل: الثوب الأبيض، كأنّه قد سحل من وسخه و درنه سحلا، و جمعه السحل. و الأصل الثاني- السحيل: نهاق الحمار، و كذلك السحال، و لذلك يسمّى الحمار مسحلا، و من الباب- المسحل للسان الخطيب، و الرجل الخطيب. و الأصل الثالث- قولهم- سحله مائة، إذا عجّل له نقدها، و يستعار هذا فيقال سحله مائة، إذا ضربه مائة عاجلا. و من الباب السحيل: الخيط الّذي فتل رخوا، و خلافه المبرم و البريم.

الاشتقاق 535- السحول: من السحل، و السحل: الثوب الأبيض، أو يكون اشتقاقه من سحلت الشي‌ء أسحله سحلا، إذا قشرته أو بردته بمبرد، و المسحل بلغتهم المبرد. و المسحلان: حديدتا اللجام اللّتان تكتنفان الحنك. و السحل: الفتل الرخو، خيط سحيل و مسحول. و السحيل: ضدّ المبرم. و سحالة الارز: ما قشر عنه. و سمّي ساحل البحر لأنّ الماء يقشره. و حمار مسحل من السحيل و هو نهاق غليظ يردّده في لهواته.

التهذيب 4/ 305- قال الليث: السحيل و الجمع السحل: ثوب لا يبرم غزله أي لا يفتل طاقين طاقين. و عن أبي عمرو: السحل ثوب أبيض من قطن، و جمعه سحل. و المسحل: من أسماء اللسان. و المسحل من الرجال الخطيب، و المسحل: المبرد، و المسحل: المطر الجود، و المسحل: الجلّاد الّذي يقيم الحدود، و المسحل: الميزاب الّذي لا يطاق ماؤه، و المسحل: الغرم الصارم. و قال الليث:

السّحل نحتك الخشبة بالمسحل و هو المبرد، و سحله بلسانه إذا شتمه، و الرياح تسحل الأرض سحلا إذا كشطت عنها أدمتها، قال: و السحل: الضرب بالسياط يكشط الجلد. و الساحل: شاطئ البحر، و قال غيره: سمّي ساحلا، لأنّ الماء يسحله أي يقشره إذا علاه، فهو فاعل معناه مفعول، و حقيقته أنّه ذو ساحل من الماء إذا ارتفع المدّ ثم جزر فجرف ما مرّ عليه.

74

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الكشط و النزع في ظاهر شي‌ء، مادّيّا أو معنويّا في حال أو كيفيّة.

يقال- سحل الأرض و الخشبة، و سحله بالسوط، و سحله بلسانه، و بهذا الاعتبار يطلق على اللسان الحديد، و الغرم القاطع، و الميزاب إذا اشتدّ جريان مائه، و الجلّاد الّذي يقيم الحدود، و المطر الغزير، فيقال في كلّ منها انّه مسحل أي وسيلة للكشط و النزع.

فلا بدّ من لحاظ هذا القيد في كلّ من مصاديق الأصل.

و أمّا الساحل: فمعناه الحقيقيّ هو الأمواج المتحرّكة الشديدة الّتي تتعدى و تتحرّك في سطح ماء البحر، و تكشط من الشاطئ. و إطلاقه على الشاطئ مجاز باعتبار انتهاء الساحل و مروره عليه.

. وَ لَقَدْ مَنَنّٰا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرىٰ إِذْ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ أُمِّكَ مٰا يُوحىٰ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّٰابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّٰاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَ عَدُوٌّ لَهُ- 20/ 39.

فيوحي اللّه تعالى الى أمّ موسى أن تلقيه في تابوت، ثم يلقى التابوت في البحر، و أمر البحر بأن يلقيه و يسلّمه بالساحل، حتّى يجعل تحت اختيار الساحل و في محدودة جريانه، فيسوقه الى ما يشاء اللّه تعالى.

و لا يصحّ التفسير بالشاطئ: فاوّلا- إنّه خلاف حقيقة مفهوم اللفظ.

و ثانيا- إنّ البحر لا يلقي بالشاطئ بل الملقي هو الساحل.

و ثالثا- إنّ التعبير بالأخذ قرينة على كون التابوت في الساحل لا على الشاطئ.

و رابعا- إنّ خدمة فرعون أخذوا التابوت من الماء لا من الشاطئ.

و هذا المورد من الموارد الّتي اشتبه المعنى الأصيل على المفسّرين، و أخذوا المفهوم المجازيّ المستعمل فيه عرفا من دون تحقيق، و اتّبع كلّ متأخّر عمّا في كتب الماضين تقليدا، و كم له من نظير.

75

سخر

مقا- سخر: أصل مطّرد مستقيم يدلّ على احتقار و استذلال. من ذلك قولنا سخّر اللّه عزّ و جلّ الشي‌ء، و ذلك إذا ذلّله لأمره و إرادته. و يقال رجل سخرة: يسخّر في العمل، و سخرة أيضا إذا كان يسخر منه، فان كان هو يفعل ذلك قلت: سخرة بفتح الخاء و الراء. و يقال سفن سواخر مواخر: فالسواخر المطيعة الطيّبة الريح، و المواخر الّتي تمخر الماء تشقّه. و من الباب- سخرت منه، إذا هزئت به، و لا يزالون يقولون سخرت به، و في كتاب اللّه تعالى:. فَإِنّٰا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمٰا تَسْخَرُونَ.

مصبا- سخرت منه و به، قال الأزهريّ: سخرا من باب تعب: هزئت به.

و السخريّ: اسم منه. و السخريّ لغة. و السخرة: ما سخرت من خادم أو دابّة بلا أجر و لا ثمن، و السخريّ بمعناه. و سخّرته في العمل: استعملته مجّانا، و سخّر اللّه الإبل: ذلّلها و سهّلها.

لسا- سخر منه و به سخرا و سخرا و مسخرا و سخرا و سخرة و سخريّا و سخريّا و سخريّة: هزئ به. الفرّاء: يقال سخرت منه و لا يقال سخرت به. و سخّره تسخيرا:

كلّفه عملا بلا اجرة، و كذلك تسخّره، و سخريّا و سخريّا و سخرة: كلّفه ما لا يريد و قهره.

الفروق 211- الفرق بين الاستهزاء و السخريّة: أنّ الإنسان يستهزأ به من غير أن يسبق منه فعل يستهزأ به من أجله. و السخر يدلّ على فعل يسبق من المسخور منه، و ذلك أنّك تقول استهزأت به فتعدّي الفعل منك بالباء، و الباء للإلصاق، كأنّك ألصقت به استهزاءا من غير أن يدلّ على شي‌ء وقع الاستهزاء من أجله. و تقول سخرت منه، فيقتضي ذلك من وقع السخر من أجله، كما تقول تعجّبت منه، فيدلّ ذلك على فعل وقع التعجّب من أجله. و يجوز أن يقال: أصل سخرت منه التسخير و هو تذليل الشي‌ء و جعلك ايّاه منقادا، فكأنّك إذا سخرت منه جعلته كالمنقاد لك و دخلت من للتبعيض، لأنّك لم تسخره كما تسخر الدابّة و غيرها، و إنّما خدعته عن بعض عقله، و بني الفعل منه على فعلت، لأنّه بمعنى عنيت، و هو أيضا كالمطاوعة.

76

و المصدر السخريّة كأنّها منسوبة الى السخرة مثل العبوديّة. و أمّا قوله تعالى:. لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا- فانّما هو بعث الشي‌ء المسخّر، و لو وضع موضع المصدر جاز.

و الهزء يجري مجرى العبث، و لهذا جاز هزأت مثل عبثت، فلا يقتضي معنى التسخير.

فالفرق بينهما بيّن.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الحكم و التقدير مع القهر تكوينا أو تشريعا، يقال سخّر اللّه الشمس و القمر و السماء و الأرض، إذا جعلها تحت حكمه و قهرها بتقديره تكوينا. و من لوازم هذا المعنى الإطاعة، و الاستذلال تحت الامر، و الارادة و التكليف بما يريده، و الاستعمال مجّانا و بلا اجرة.

و صيغة التفعيل تدلّ على المبالغة و يلاحظ فيها جهة تعلّق الفعل الى المفعول به، أي يكون النظر فيها الى جهة الوقوع لا الصدور.

و أمّا صيغة المجرّد من المادّة: فهي تدلّ على مطلق الحكم قولا أو عملا بالقهر ظاهريّ أو معنويّ. فيقال: سخر يسخر سخرا و سخرا و سخريّا، و سخر منه يسخر منه و استسخر فهو ساخر و مستسخر.

و الاستعمال بكلمة- من: يدلّ على أنّ الحكم و القول في حال أو صفة أو خصوصيّة أو عمل من المتعلّق، لا في مطلق مفهومه.

فظهر أنّ حقيقة المادّة غير مطلق القهر أو التكليف أو التذليل أو الهزء أو غيرها، و لا بدّ من ملاحظة القيود.

. فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّٰهُ مِنْهُمْ- 9/ 79.

. وَ كُلَّمٰا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ- 11/ 38.

. قٰالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّٰا فَإِنّٰا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمٰا تَسْخَرُونَ- 11/ 38.

. وَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا- 2/ 212.

. فَحٰاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مٰا كٰانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ*- 6/ 10.

فيراد الحكم و القول و الانتقاد ممّا يتعلّق بهم و في نوع من حالاتهم و أعمالهم‌

77

خلاف ما كانوا عليه، و بالقهر و التحميل.

و هذا المعنى أعمّ من الهزء و الانتقاد و التعييب و التذليل و القهر و التكليف، و المراد مطلق الحكم و القول فيهم بأيّ جهة و بايّ منظور، بل لو كان بدون نظر، كما أنّ بعض أفراد الناس من عادتهم القول و التكلّم لغوا.

. وَ إِذٰا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ- 37/ 14.

أي يطلبون من أنفسهم أن يقولوا في تلك الآية ما يوافق تمايلهم و يضعّفوها.

فكأنّ من شأنه و من أهم وظائفه أن يسخر ممّا يرى من آيات اللّه تعالى، و هو يعترف في الآخرة بقوله:. وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّٰاخِرِينَ.

. وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا- 43/ 32.

أي منسوبا الى السخر، بأن يكون موردا و متعلّقا به، فيحكم فيه و يستعمل و يتّخذه أجيرا و عاملا على تقدير و مقاولة. و لا يبعد أن يكون السخريّ منسوبا الى السخرة على فعلة بمعنى ما يسخر به، و يحذف التاء في النسبة.

. فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّٰى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي- 23/ 110.

. أَتَّخَذْنٰاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زٰاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصٰارُ- 38/ 63.

و الكلمة منسوبة الى السخرة على فعلة و هو يدلّ على نوع من السخر، و ذلك في مورد التحقير و الاستهزاء.

فظهر أنّ الكلمتين ليستا من صيغ المصادر، بل من الصيغ المنسوبة.

. وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ* ...،. وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ ...،. وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهٰارَ ...،

. وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ* ...،. وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ ...،. أَنَّ اللّٰهَ سَخَّرَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ ...،. أَنَّ اللّٰهَ سَخَّرَ لَكُمْ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ ...،. وَ سَخَّرْنٰا مَعَ دٰاوُدَ الْجِبٰالَ ...،. إِنّٰا سَخَّرْنَا الْجِبٰالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ ...،. فَسَخَّرْنٰا لَهُ الرِّيحَ.

يراد الحكم و التقدير في شي‌ء مع قهر تكوينا.

و من آثار هذا المعنى: الطاعة و المحكوميّة الصرفة تحت الإرادة و الأمر.

و لا يخفى أنّ هذا التسخير و التسخّر: من آيات النظم في الخلقة، و من دلائل‌

78

كمال القدرة و العلم و الحكمة في العالم.

. وَ النُّجُومُ مُسَخَّرٰاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- 16/ 12.

و أيضا إنّ هذا التسخّر في مجموعة العالم الكبير، من الأرض و الجبال و الريح و ما في الأرض و السماء و النجوم و الشمس و القمر: من آيات توحيد إرادة اللّه، و توحيد سلطانه و نفوذه، و توحيد حكمه و تقديره-. وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذٰلِكُمُ اللّٰهُ رَبُّكُمْ.

سخط

مصبا- سخط سخطا من باب تعب، و السخط اسم منه: و هو الغضب.

و يتعدّى بنفسه و بالحرف: فيقال سخطته و سخطت عليه و أسخطته فسخط، مثل أغضبته فغضب وزنا و معنى.

صحا- السخط و السخط: خلاف الرضى، و قد سخط أي غضب، فهو ساخط، و أسخطه أي أغضبه، و يقال تسخّط عطاءه أي استقلّه و لم يقع منه موقعا.

الفروق 100- الفرق بين الإرادة و الرضا: أنّ إرادة الطاعة تكون قبلها، و الرضا بها يكون بعدها أو معها. و الرضا أيضا نقيض السخط، و السخط من اللّه تعالى إرادة العقاب.

ص 106- و الفرق بين الغضب و السخط: أنّ الغضب يكون من الصغير على الكبير و من الكبير على الصغير. و السخط لا يكون إلّا من الكبير على الصغير، و لا يقال سخط الحاجب على الأمير. و السخط إذا عدّيته بنفسه فهو خلاف الرضا، يقال رضيه و سخطه. و إذا عدّيته بعلى فهو بمعنى الغضب، تقول سخط اللّه عليه إذا أراد عقابه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل الرضا، كما أنّ الغضب ما يقابل الرحمة، و الكراهة ما يقابل الحبّ- قال تعالى:. اتَّبَعُوا مٰا أَسْخَطَ اللّٰهَ وَ كَرِهُوا رِضْوٰانَهُ،

79

. وَ عَسىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ.

و قال (ص): سبقت رحمته غضبه.

فيمكن أن يوجد الكراهة من دون أن يتحقّق الغضب أو السخط، كما أنّ الغضب قد يوجد من دون تحقّق السخط.

فالسخط يلازم الكراهة و الغضب مع فقدان الرضا، أي هو ما يقابل الرضا.

و أمّا مفهوم إرادة العقاب: فهو مرتبة شديدة من السخط و تكشف بالقرائن اللفظيّة، كاستعماله بعلى الدالّ على الاستعلاء.

و بهذا يظهر أنّ السخط من الصغير يوجد مفهوما، لا مصداقا و في الخارج، فانّ سخطه على الكبير لا يوجد له أثر في الخارج، كما في قوله تعالى:. وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقٰاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهٰا رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهٰا إِذٰا هُمْ يَسْخَطُونَ وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا- 9/ 58.

فأطلق السخط من رجل منافق بالنسبة الى رسول اللّه (ص) في قسمة الغنائم.

. ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مٰا أَسْخَطَ اللّٰهَ وَ كَرِهُوا رِضْوٰانَهُ- 47/ 28.

. أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوٰانَ اللّٰهِ كَمَنْ بٰاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللّٰهِ- 3/ 162.

فإذا اعتقدنا بأنّ مبدأ العالم هو اللّه تعالى و أن تقديره و تدبيره و نظمه و جميع أموره بيده و تحت مشيّته و إرادته و على وفق علمه و حكمته: فلا يتصوّر جهل و ضلال اشدّ من اتّباع طريق يسخط اللّه عزّ و جلّ و يخالف رضوانه، و يوجب قطع الخير و الرحمة منه تعالى- كما قال:

. لَبِئْسَ مٰا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ- 5/ 80.

مضافا الى أنّ جريان نظام العالم لا بدّ و أن يكون على وفق ميله و إرادته و محبّته و رضاه: فالسلوك على خلاف رضاه سلوك على خلاف مسير النظام في العالَم، و لا بدّ من سقوطه و محكوميّته و خسرانه.

. يَهْدِي بِهِ اللّٰهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ السَّلٰامِ.

80

سدّ

مقا- سدّ: أصل واحد و هو يدلّ على ردم شي‌ء و ملاءمته، من ذلك سددت الثلمة سدّا، و كلّ حاجز بين الشيئين سدّ، و من ذلك السديد، ذو السداد، أي الاستقامة، كأنّه لا ثلمة فيه، و الصواب أيضا سداد، يقال: قلت سدادا، و سدّده اللّه عزّ و جلّ. و يقال أسدّ الرجل إذا قال السداد. و من الباب فيه سداد من عوز (الفقر و الحاجة)، و كذلك سداد الثلمة و الثغر. و السدّة كالفناء حول البيت. و استدّ الشي‌ء إذا كان ذا سداد.

مصبا- سددت الثلمة و نحوها سدّا من باب قتل، و منه قيل: سددت عليه باب الكلام سدّا أيضا إذا منعته منه. و السداد: ما تسدّ به القارورة و غيرها، و سداد الثغر من ذلك، و اختلفوا في سداد من عيش، و سداد من عوز: بالفتح أو الكسر.

و السداد: الصواب من القول و الفعل. و أسدّ الرجل: جاء بالسداد. و سدّ يسدّ سدودا: أصاب في قوله و فعله، فهو سديد. و السدّ: بناء يجعل في وجه الماء، و الجمع أسداد. و السدّ: الحاجز بين الشيئين، بالضمّ فيهما، و الفتح لغة. و قيل المضموم ما كان من خلق اللّه كالجبل، و المفتوح ما كان من عمل بني آدم، و السدّة: الباب و ينسب اليها على اللفظ فيقال السدّى.

الجمهرة 1/ 72- سدّ يسدّ سدّا، و الاسم السدّ، و قد قرئ- على أن تجعل بيننا و بينهم سدّا. و السدّ: الجراد يملأ الأفق. و السدّ: السحاب الّذي يسدّ الأفق.

و السدّة: ظلّة على باب و ما أشبهه لتقي الباب من المطر. و أمر سديد و أسدّ أي قاصد.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الحجز مع الاستحكام و هذا المعنى يختلف باختلاف الموضوعات، ففي كلّ شي‌ء بحسبه.

فالسدّ في الماء، و السدّ في البرّ، و السدّ في القول، و السدّ في العمل، و السدّ في‌

81

البيت، و السدّ من الجراد أو السحاب أو غيرهما: ففي كلّ منها لا بدّ من ملاحظة القيدين، بأن يكون متقنا و مستحكما في نفسه مع الحاجزيّة.

فالسديد من القول: ما كان متقنا حقّا مانعا عن التشابه. و في العمل: أن يكون صحيحا و حقّا لا يطرؤه باطل. و السدّ من السحاب أو الجراد: ما يكون على كثرة و وفور بحيث يمنع عن رؤية ما فوقه. و السدّ للبيت هو الباب، و للباب هو السدّة و فناء الدار. و هكذا.

فمفاهيم الاستقامة و القصد و الصواب و الردم و الملاءمة و نظائرها: إنما هي من آثار الأصل في المادّة.

. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً- 33/ 71.

. ذُرِّيَّةً ضِعٰافاً خٰافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّٰهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً- 4/ 10.

أي ليقولوا في خطاباتهم قولا على مباني صحيحة و اصول معقولة ليّنا معتدلا محفوظا عن التشابه حاجزا عن سوء الاستفادة و الاستناد.

. لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ .... وَ جَعَلْنٰا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنٰاهُمْ فَهُمْ لٰا يُبْصِرُونَ- 36/ 9.

هذا سدّ معنويّ يتولّد من الأفكار المنحرفة و العقائد الباطلة و الأخلاق السيّئة و العلائق المادّيّة و الأعمال الفاسدة، فيكون حاجزا بين الإنسان و بين قلبه و بصيرته، و يعبّر عنه بالحجب الظلمانيّة.

و تولّد هذه الحجب الباطنيّة أمر طبيعيّ منبعث عن سوء اختيارات العبد، إلّا أنّ كلما يجري في الطبيعة و ما فوقها: إنّما هو تحت تسبيب اللّه و تقديره و نظره و حكمته و أمره، فهي منتسبة الى اللّه تعالى بهذه الحيثيّة.

. حَتّٰى إِذٰا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمٰا قَوْماً لٰا يَكٰادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قٰالُوا يٰا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَهُمْ سَدًّا- 18/ 94.

قلنا في- ردم: إنّ ذا القرنين كان من ملوك التبابعة اليمنيّين (ذَوى)، سار الى أن وصل مملكة الصين في شرق آسيا.

82

و الظاهر أنّ هذا البناء كان قبل الميلاد، و ابتداء البناء من ذي القرنين، ثمّ أكمله- جين شيهوانغتي- و اشتغل فيه ملايين من أهالي الصين، في عشر سنوات، و كان ذلك الملك في حدود سنة/ 800 قبل الهجرة.

و هذا السدّ موجود الآن في جهة الشمال من الصين، طوله قريب من اربعة آلاف كيلومتر- فليراجع الى الكتب المعتمدة.

و يقال في وصف هذا السدّ و في صفات الأهالي و في يأجوج و مأجوج أقوال و كلمات ضعيفة لا مستند فيها.- راجع القرن.

سدر

مصبا- السدرة: شجرة النبق، و الجمع سدر، ثمّ يجمع على سدرات فهو جمع الجمع، و تجمع السدرة أيضا على سدرات بالسكون حملا على لفظ الواحد.

مقا- سدر: أصل واحد يدلّ على شبه الحيرة و اضطراب الرأي، يقولون:

السادر المتحيّر، و يقولون سدر بصره يسدر، و ذلك إذا اسمدّ و تحيّر. و يقولون: السادر هو الّذي لا يبالي ما صنع و لا يهتمّ بشي‌ء. فأمّا قولهم سدرت المرأة شعرها، من باب الإبدال (من السدل).

أسا- سدر بصره و اسمدرّ: إذا تحيّر فلم يحسن الإدراك، و في بصره سدر و سمادير، و عينه سدرة، و إنّه لسادر في الغيّ: تائه، و تكلّم سادرا: غير متثبّت في كلامه.

صحا- السدر: شجرة النبق، الواحدة سدرة، و الجمع سدرات و سدرات و سدرات و سدر. و السدير: نهر، و يقال قصر و هو معرّب، و السادر: المتحيّر، و السادر المتحيّر الّذي لا يهتمّ و لا يبالي ما صنع. و السدر تحيّر البصر، يقال سدر البعير يسدر سدرا و سدارة: تحيّر من شدّة الحرّ، فهو سدر، و سدر أيضا اسم من أسماء البحر. و السندرة: يقال هو مكيال ضخم. و سدرت المرأة شعرها فانسدر: لغة في سدلته فانسدل. و انسدر فلان (يعدو: يسرع بعض الاسراع. و السمادير: ضعف البصر عند السكر، و الميم زائدة.

83

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو حصول حالة الحيرة بنفسها من دون مقدّمة و سبب اختياريّ.

و سبق في الحيرة إنّها تكون ملحوظة أوّلا في القلب ثمّ يظهر أثره في الجوارح، و هي إنّما تحصل في نتيجة الشكّ و الضلال.

فالنظر في الحيرة الى كونها مذمومة في أثر ضلال و انحراف. و في السدرة الى تحقّق هذه الحالة من دون اختيار، فليس فيها مدح و لا ذمّ في نفسها.

فيقال سدر بصره، و هو سادر لا يدري ما يصنع.

و هذا المعنى أنسب في المراحل الروحانيّة و المعنويّة، كما في مقامات السكر و الهيمان و الصحو من مراحل السلوك.

فالسدر في المراحل الباطنيّة: عبارة عن حصول حالة الهيمان للسالك في أثر الاستغراق في جاذبة النور و اللطف و الجمال.

ثمّ إنّ لهذه الحقيقة مراتب:

فأوّل مرتبة منها: إنّما تظهر بعد الموت عن المادّة اختيارا و هو الموت الأكبر، حيث يتوجّه بعد الى عالم الملكوت و النورانيّة و الصفا، و يسلك في مسير الروحانيّة.

و المرتبة الثانية منها: إنّما تتجلّى بعد الموت الأعظم و هو الموت عن النفس و الأنانيّة، حيث يتوجّه بعد الى اللّه العزيز خالصا و يستغرق في نور الجمال و الجلال، و يحصل له مقام الهيمان و السدر.

و المرتبة الثالثة: السدرة النهائيّة، و ذلك إذا انتهى الى المنتهى.

. وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىٰ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهىٰ عِنْدَهٰا جَنَّةُ الْمَأْوىٰ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مٰا يَغْشىٰ- 53/ 14.

أي عند نزول و تحقّق عند مقام هيمان و صحو مخصوص لمنتهى السلوك و منتهى سير العبيد- هو المبدأ و المنتهى- و هناك الجنّة الّتي في مقام المأوى المطلق للناس- و اليه المرجع و المآب- و هي الجنّة الّتي لا جنّة فوقها، و يغشى تلك السدرة ما يغشاها من‌

84

أنوار الجمال و الجلال و العظمة، و الواصل الى ذلك المقام المنتهي اليه هو في حال السدرة، و المستغرق في النور و البهاء اللّاهوتيّ.

فالسالك إذا وصل الى هذا المقام: غفل عن نفسه و نسي وجوده و اضمحلّ تحت بارقة جلال اللّه المتعال و سدرت عينه بمشاهدة نور الجمال، و صار حيران في سكر و صحو و هيمان.

و المرتبة الثانية و الاولى من السدرة: إنّما تظهر بالموت عن الطبيعة و الإدبار عن المادّة و الإقبال الى اللّه عزّ و جلّ، و كلّما ازداد الإقبال و التوجّه و اشتدّ الارتباط و الإخلاص: ازدادت الحيرة و السدرة.

و السدرة فعلة تدل على نوع من السدر، و هو السدر في المقام الروحانيّ.

. وَ أَصْحٰابُ الْيَمِينِ مٰا أَصْحٰابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ- 56/ 28.

و ينبغي التنبيه هنا على امور:

1- امتياز أصحاب اليمين من أصحاب الشمال إنّما يتحقّق بعد الموت عن عالم الطبيعة طبيعيّا أو اختياريّا، فما لم يتجاوز عن هذا العالم لا يتحصّل بينهما افتراق، لاشتراكهما في التعيّش المادّيّ.

2- إذا انقضت الحياة الدنيويّة، و ظهرت الحياة الاخرويّة: كان الناس على صنفين، إمّا مبتهجة بعالم الآخرة، و نفسه متلائمة بما فيها: فهو من أصحاب اليمين. و إمّا غير متلائمة لما اجترحت من سيّئات الأعمال و اتصفت برذائل الصفات و تعلّقت بعلائق مادّيّة: فهو من أصحاب الشمال. فان تلك الحياة ميمونة على الفرقة الاولى دون الثانية.

3- الالتذاذات و التغذّي في عالم الآخرة مغايرة لما في الحياة الدنيا: لموت البدن و قواه و حواسّه و جهازاته و جوارحه، فانّ حاسّة البصر إذا افتقدت لا يمكن للإنسان الإبصار. و جهاز الهضم إذا مات لا يمكن له التغذّي. و البدن إذا انقطع عن النفس كيف يصحّ جريان أموره و قواه. فالالتذاذات في عالم الآخرة تغاير الحياة الدنيا، و كذلك القوى المدركة و سائر أمورها.

4- البحث عن خصوصيّات عالم الآخرة: غير صحيح، لأنّها لا تدرك بهذه‌

85

الحواسّ الطبيعيّة الجسمانيّة الجسدانيّة، نعم يدرك منها امور كليّة بالتعقّل السالم و البصيرة الصافية و القوى الروحانيّة.

5- و لا يتوهّم من أمثال هذه المباحث: بأنّا ننكر المعاد الجسمانيّ، فانّه أمر اعتقاديّ تعبّديّ خارج عن البحث، و خصوصيّاته غير مدركة لنا بهذه القوى و الحواسّ المحدودة. مع أنّ اعتقادنا بلزوم المعاد الجسمانيّ لا الجسدانيّ المادّيّ، و من المسلّم انتفاء العالم المادّي و ما يتعلّق بالجسد، فانّ الجسم له مراتب من جهة الكثافة و الخشونة و اللطافة، و هذا مصرّح به في الروايات.

6- تفسير السدر في المورد بالشجرة المسمّاة بالنبق: غير مناسب.

فأوّلا- أنّ الأصل في المادّة هو التحيّر و الهيمان، و عنوان شجرة النبق (مأخوذ من) العبريّة.

و ثانيا- أنّ السكنى أو الاستراحة تحت هذه الشجرة ليس لها امتياز و تفوّق زائد، حتّى يختص بأصحاب اليمين.

و ثالثا- أنّ البدن المادّيّ و قواه إذا مات بالانتقال إلى عالم الآخرة فلا يبقى له التذاذ بالأمور المادّيّة، و لا يحتاج الى امور يحتاج اليها البدن الجسدانيّ، من الاستراحة و الاستظلال و مشاهدة الطراوة و الالتذاذ باللذائذ الطبيعيّة و اللطافة.

و رابعا- التعبير بقوله تعالى- في سدر: ينفي ذلك التفسير، فانّ كلمة- في، تدلّ على الظرفيّة، و هي لا تناسب مفهوم الشجرة، و المناسب حينئذ التعبير بجملة- تحت سدر.

7- فيتعيّن أن يكون المراد من السدر: هو الحيرة و الهيمان المتحصّل من تحوّل الأحوال و تبدّل العالم و التوجّه الى عالم الروحانيّة و النور.

8- و أمّا توصيف السدر بالمخضوديّة: فهو إشارة الى أنّ تلك الحيرة فيها صفاء و لطافة و لينة و انعطاف، و ليس فيها ما يزاحم و يؤذي كالشوك، كما في سائر أنواع التحيّر المادّي.

9- و مع هذه الوجوه: فهذا المقام يناسب شجرة السدر و الاستفادة منها، من جهة كونها شجرة ذات ظلّ و أوراقها مستعملة للتنظيف و تطهير الأوساخ و إزالة‌

86

الأورام الحارّة و البثور.

. وَ بَدَّلْنٰاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوٰاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‌ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ- 34/ 17.

هذه الآية الكريمة ناظرة الى حديقة مادّيّة دنيويّة لسبأ، فلا بدّ من حمل السدر على شجرة النبق.

سدس

صحا- سدس الشي‌ء و سدسه: جزء من ستّة. و السدس من الورود في أظماء الإبل: أن ينقطع خمسة و يرد السادس. و قد أسدس الرجل أي وردت ابله سدسا.

و أسدس القوم: صاروا ستّة. و بعضهم يقول للسدس سديس. و سدست القوم أسدسهم: إذا أخذت سدس أموالهم، و أسدسهم: إذا كنت لهم سادسا.

و السدوس: الطيلسان.

مصبا- السدس بضمّتين و إسكان الدال تخفيف و السديس لغة: جزء من ستّة أجزاء، و الجمع أسداس. و أسدس البعير: إذا ألقى سنّه بعد الرباعية و ذلك في الثامنة فهو سديس. و كانوا خمسة فأسدس، أي صاروا بأنفسهم ستّة. و السندس:

ما رقّ من الديباج.

مقا- سدس: أصل في العدد، و هو قولهم السدس جزء من ستّة أجزاء.

و إزار سديس أي سداسيّ. فأمّا الستّة: فمن هذا أيضا، غير أنّها مدغمة، كأنّها سدسة.

قع- (شش) ستّة.

التهذيب 12/ 282- قال الليث: الستّ و الستّة في التأسيس على غير لفظيهما، و هما في الأصل السدس و سدسة، و لكنّهم أرادوا إدغام الدال في السين فالتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليهما كما غلبت الحاء على العين في لغة سعد يقولون:

كنت محمّ- في معنى معهم، و تصغّر ستّة سديسة. و عن ابن السكّيت: جاء فلان خامسا و خاميا، و جاء فلان سادسا و ساديا، و جاء ساتّا، قال: فمن قال سادسا بناه‌

87

على السدس، و من قال ساتّا بناه على لفظ ستّة و ستّ، و الأصل سدسة، فأدغموا الدال في السين فصارت تاء مشدّدة، و من قال ساديا و خاميا أبدل من السين ياء.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو العدد المخصوص، و يشتقّ منها بعض المشتقّات انتزاعا، كما سبق في أخواتها.

و السدس بضمتين أو بالتخفيف: صيغته تدلّ على مفعول، أي ما يسدس، كالخمس و ما يكون مخموسا.

. وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّٰا تَرَكَ إِنْ كٰانَ لَهُ وَلَدٌ- 4/ 11.

. فَإِنْ كٰانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ- 4/ 11.

. وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ- 4/ 12.

يدلّ على أنّ ميراث الأولاد ضعف ميراث الأبوين فيقسّم المال على ثلثة، ثلث للأبوين و ثلثين للأولاد.

فليراجع الى الكتب المبسوطة الفقهيّة.

. وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سٰادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ- 18/ 22.

أي قول بلا مستند و من دون تحقيق و دليل.

. مٰا يَكُونُ مِنْ نَجْوىٰ ثَلٰاثَةٍ إِلّٰا هُوَ رٰابِعُهُمْ وَ لٰا خَمْسَةٍ إِلّٰا هُوَ سٰادِسُهُمْ- 58/ 7.

فانّ علومنا مأخوذة بحواسّ و قوى جسمانيّة محدودة بالزمان و المكان و سائر الحدود الامكانيّة، و أمّا علم اللّه تعالى: فهو بذاته الأزليّة الواجبة الأبديّة، و هو الحيّ القيّوم المحيط الّذي لا يحجبه زمان و لا مكان و لا حدّ، فهو تعالى قبل العوالم و الحدود و فوقها و المحيط بها و القائم على كلّ شي‌ء، و هو تعالى محيط بالأشياء عن أمامها و خلفها و يمينها و يسارها و فوقها و تحتها و ظاهرها و باطنها-. إِنَّ اللّٰهَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ.

88

سدى

مقا- سدو: أصل واحد يدلّ على إهمال و ذهاب على وجه. من ذلك السدو، و هو ركوب الرأس في السير. و منه-. أَ يَحْسَبُ الْإِنْسٰانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً- أي مهملا لا يؤمر و لا ينهى. قال الخليل: زدو الصبيان بالجوز إنّما هو السدو، فان كان صحيحا فهو من الباب، لأنّه يخلّيه من يده. و من الباب أسدى النخل إذا استرخت تفاريقه، و ذلك يكون كالشي‌ء المخلّى من اليد، و الواحدة من ذلك السدية. و كان أبو عمرو يقول: هو السداء ممدود، الواحدة سداءة. و السدى: الندى، يقال سديت ليلتنا إذا كثر نداها، و هو من ذاك، لأنّ السحاب يهمله و يهمل به. و من الباب السدى، و هو ما يصطنع من عرف، يقال اسدى فلان معروفا، و من الباب تسدّى فلان أمته إذا أخذها من فوقها، كأنّه رمى بنفسه عليها.

مصبا- السدى من الثوب خلاف اللحمة، و هو ما يمدّ طولا في النسج، و السداة أخصّ منه، و التثنية سديان، و الجمع أسداء، و أسديت الثوب: أقمت سداه. و السدى أيضا: ندى الليل، و به يعيش الزرع. و سديت الأرض فهي سدية من باب تعب: كثر سداها. و سدا الرجل سدوا من باب قال: مدّ يده نحو الشي‌ء.

و سدا البعير سدوا: مدّ يده في السير. و أسديته: تركته سدى أي مهملا.

التهذيب 13/ 37- قال الليث: السدو: مدّ اليد نحو الشي‌ء، كما تسدو الإبل في سيرها بأيديها، و كما يسدو الصبيان إذا لعبوا بالجوز فرموا بها في الحفرة.

و فلان يسدو كذا و كذا: أي ينحو نحوه. و قول اللّه تعالى-. أَنْ يُتْرَكَ سُدىً. قال المفسّرون أي يترك غير مأمور و لا منهيّ. قلت: السدى المهمل. و عن أبي زيد:

أسديت إبلي إسداء: أهملتها، و الاسم السدى. و يقال: تسدّى فلان الأمر: إذا علاه و قهره. و تسدّى فلان فلانا: أخذه من فوقه. و تسدّى الرجل جاريته: إذا علاها.

89

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الحركة الى جانب من دون فكر و تدبير و نظم صحيح، سواء كانت تلك الحركة مهملة بذاتها كما في اللعب بالجوز، أو مهملة بانتفاء القصد الصحيح كما في الحركات المهملة الباطلة لغوا.

من ذلك الندى و البلّة النازلة في الليل، فانّها غير منظّمة كمّا و لا كيفا و لا في الجريان. و من ذلك مشي مخصوص في السير بغير رويّة و يعبّر عنه بقولهم- ركب على رأسه أو رأسه. و من ذلك السدى و هو ما يمدّ من خيوط النسج طولا، فهو في نفسه و قبل اللحمة مهمل.

فهذه القيود مأخوذة في المادّة، و لا بدّ من ملاحظتها في موارد استعمالاتها، و لا يصحّ اطلاق المادّة في مورد بدون رعاية القيود.

. أَ يَحْسَبُ الْإِنْسٰانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً- 75/ 37.

السدى أصله سدو أو سدو، اسم مصدر من السدو، و حال من ضمير الإنسان، و هو في المعنى كالصفة، فيقال: جئت ركضا.

و مصدر منكّر حالا يقع * * *بكثرة كبغتة زبد طلع

أي مباغتا.

يراد إنّ الإنسان لا يُترك و هو على حالة السدى، أي أن يتحرّك و يعمل من دون فكر صحيح و تدبر و تعقّل في امور حياته و مبدئه و منتهاه، و هو لا يدري ما يفعل و ما ذا يكسب و الى أيّ مقصد يسير.

و لا يصحّ التفسير بالإهمال:

فاوّلا- أنّه خلاف الأصل في المادّة.

و ثانيا- أنّ المشتغل بالأمور الدنيويّة و تدبير جريان حياته الدنيا: لا يقال عرفا إنّه مهمل، و لو كان غير متوجّه الى المبدأ و المعاد.

و ثالثا- إنّ المعنى المذكور أدقّ و أشمل للموارد المقصودة كلّها، بل و يشمل كلّ فرد من مؤمن أو غيره، ليس له في أموره محاسبة و لا مراقبة و لا برنامج صحيح منظّم‌

90

في سلوكه الى اللّه تعالى.

و المراد من تركهم: إدامة تلك الحياة بأن تدوم حياتهم على حالة السدى، فانّهم يعملون في جريان أمرهم على هذا المبنى، و حسابهم (بمعنى الاختبار و الدقّة- رسيدگى) هذا باطل: فانّ أساس وجودهم ليس فيه اقتضاء الدوام، و هو مستحدث من مادّة ضعيفة محدودة، فكيف يجوز لهم الغفلة عن تحوّل حالاتهم و محدوديّة زمان برنامجهم و انقضائه. و الى هذا المعنى أشار تعالى بقوله:

. أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنىٰ ثُمَّ كٰانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّٰى.

سرب

مصبا- سرب في الأرض سروبا من باب قعد: ذهب. و سرب المال سربا من باب قتل: رعى نهارا بغير راع، فهو سارب و سرب تسمية بالمصدر، و يقال لا أنده سربك، أي لا أردّ إبلك بل أتركها ترعى حيث شاءت، و كانت هذه اللفظة طلاقا في الجاهليّة. و السرب أيضا: الطريق، و منه يقال خلّ سربه أي طريقه. و السرب:

النفس، و هو واسع السرب أي رخيّ البال، و يقال واسع الصّدر بطي‌ء الغضب.

و السرب: الجماعة من النساء و البقر و الشاء و القطا و الوحش، و الجمع أسراب.

و السربة: القطعة من السرب، و الجمع سرب مثل غرفة و غرف. و السرب: بيت في الأرض لا منفذ له، و هو الوكر. و انسرب الوحش في سربه، و الجمع أسراب، فان كان له منفذ الى موضع آخر فهو النفق. و المسربة: شعر الصّدر يأخذ الى العانة، و الفتح لغة. و المسربة: مجرى الغائط و مخرجه، سمّيت بذلك لانسراب الخارج منها و الاسربّ: الرصاص و هو معرّب عن الاسرف. و السربال: ما يلبس من قميص أو درع، و الجمع سرابيل.

مقا- سرب: أصل مطّرد و هو يدلّ على الاتّساع و الذهاب في الأرض، من ذلك السرب و السربة و هي القطيع من الظباء و الشاء، لأنّه ينسرب في الأرض راعيا، ثمّ حمل عليه السرب من النساء. قالوا: و السرب بفتح السين أصله في الإبل، و منه تقول العرب للمطلّقة اذهبي فلا أنده سربك أي لا أردّ إبلك لتذهب حيث شاءت.

91

و قال أبو زيد: يقال خلّ سربه أي طريقه يذهب حيث شاء. و من هذا الباب السرب و السرب و هو الماء السائل من المزادة، و قد سرب سربا. و السرب: الخرز، لأنّ الماء ينسرب منه أي يخرج. و السارب: الذاهب في الأرض، و قد سرب سروبا. و المسربة:

الشعر النابت وسط الصدر، و إنّما سمّي بذلك لأنّه كأنّه سائل على الصدر جار فيه.

مفر- السرب: الذهاب في حدور. و السرب: المكان المنحدر. قال تعالى-. فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً. و سرب الدمع: سال. و انسربت الحيّة الى حجرها، و سرب الماء من السقاء، و ماء سرب و سرب: متقطّر من سقائه، و السارب: الذاهب في سربه أيّ طريق كان، و السرب جمع سارب كركب و راكب، و تعورف في الإبل.

و السراب: اللامع في المفازة كالماء، و ذلك لانسرابه في مرأى العين.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الظهور مع تحرّك بعد الخفاء، فهذا المعنى في مقابل السكون مع الخفاء.

و يختلف هذا المفهوم من جهة الخصوصيّات باختلاف الموارد: فيقال فيمن يرى منه التبرّز و الحركة: إنّه سرب سروبا. و في قطيعة مال ظهرت للرعي و ذهبت في المرعى و اليه: إنّها سربت سربا. و في مجرى الغائط و مخرجه إنّه مسربة. و في الماء السائل أو المترشح من المزادة انّه سرب و سرب. و في قطعة من مفازة قفر يتراءى في أثر انعكاس النور سرابا كأنّه يتموّج فيه الماء، فيتظاهر بجريان الماء و تموّجه، و في الشعور النابتة في الصدر الى العانة، فهي الظاهرة المتبرّزة كما في قطيعة المال.

و بهذه المناسبة تطلق المادّة على طريق هو مجرى الظهور و الحركة، لا مطلق الطريق، و على نفس واقع في هذا الجريان.

. سَوٰاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَ سٰارِبٌ بِالنَّهٰارِ- 13/ 10.

أي من يطلب التخفّي بالليل و من يسرب و يظهر بالنهار، فقد ذكر السارب في مقابل المستخفي.

92

و أمّا تساوي المستخفي و السارب بالنسبة الى اللّه تعالى: فانّ الليل و النهار و النور و الظلمة و الجهر و الإخفات إنّما هي حجب في عالم المادّة و بالنسبة الى القوى و الحواسّ الجسمانيّة، و أمّا في ما وراء هذا العالم و بالنسبة الى الحواسّ الروحانيّة:

فليس للحجب المادّية تأثير فيها.

. فَلَمّٰا بَلَغٰا مَجْمَعَ بَيْنِهِمٰا نَسِيٰا حُوتَهُمٰا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً- 18/ 61.

أي فاتّخذ الحوت سبيله الّذي جعل له بالطبع و هو الجريان في الماء، و هو في حالة السرب أي التظاهر من المحدوديّة و كونه ممنوعا من الجريان.

و لا يبعد القول بانّ الحوت كان حيّا و محفوظا في ماء لئلّا يتسنّه عند الحاجة الى الطعام، و قد وضعوه هناك قريبا من البحر، فاتّخذ سبيله في البحر.

و يؤيّد هذا المعنى أنّ الحوت بمعنى الروغان و التحرّك، و يستعمل في سمك يكون حيّا و متحرّكا- راجع الحوت.

أو أنّهما أخذا الحوت قبيل هذا الوقت، و كان حيّا في الباطن، و إذا رأى الماء و أحسّ به: فراغ اليه و نجا.

. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمٰالُهُمْ كَسَرٰابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مٰاءً- 24/ 39.

أي كما أنّ السراب تظاهر و تبرّز صرف و ليس له حقيقة، كذلك أعمال الكفّار إنّما يعملون رياء و لأغراض نفسانيّة و مقاصد دنيويّة، فانّ تقوّم الأعمال بالنيّات، و النيّة روح العمل و فصله و به يكون صالحا مطلوبا أو طالحا مذموما، و ما دام الإنسان متوغّلا في الحياة و العيش الدنيويّ، و ليس له نظر إلّا الجريان المادّيّ و المقاصد النفسانيّة: فلا يتمكّن من نيّة صالحة خالصة.

. وَ فُتِحَتِ السَّمٰاءُ فَكٰانَتْ أَبْوٰاباً وَ سُيِّرَتِ الْجِبٰالُ فَكٰانَتْ سَرٰاباً- 78/ 20.

قلنا في الجبل إنّه ما يكون بالفطرة عظيما من أيّ نوع كان، فالمعنى- إذا ينفخ في الصور و فتحت أبواب السماء و سيّرت الجبال أي كلّ ما يكون عظيما خلقا و فطرة في عالم الطبيعة كمّا أو كيفا، فكانت سرابا.

فانّ العظمة الطبيعيّة إذا خرجت من عالمها و سيّرت الى عالم فوقها لا يبقى لها اثر من تلك العظمة المخصوصة المحدودة، و تكون تلك العظمة مبدّلة الى السراب‌

93

(نمود).

فتدلّ الآية الكريمة على أنّ كلّ مقام أو عظمة أو عنوان في عالم الدنيا و الطبيعة، إنّما يختصّ بها، و يزول بالانتقال عنها.

. فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذٰابَ الْهُونِ بِمٰا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ.

سربال

لسا- السربال: القميص و الدرع، و قيل كلّ ما لبس فهو سربال، و قد تسربل به و سربله ايّاه، و سربلته فتسربل، أي ألبسته السربال.

سرل: أمّا سرل فليس بعربيّ صحيح. و السراويل: فارسيّ معرّب يذكّر و يؤنّث. قال الليث: السراويل أعجميّة أعربت و انّثت، و الجمع سراويلات.

و سروله فتسرول: ألبسه أيّاها فلبسها. الأزهريّ: جاء السراويل على لفظ الجماعة و هي واحدة، قال و سمعت غير واحد من الأعراب يقول سروال. و حمامة مسرولة:

في رجلها ريش. و السراوين: السراويل، زعم يعقوب أنّ النون فيها بدل من اللّام.

صحا- السربال: القميص، و سربلته فتسربل أي: ألبسته السربال.

بديع اللّغة للميبدي- السراويل جمع سروال و هو معروف، معرّب شلوار، فقلب في التعريب أو عرّب مقلوبا، و هو الأظهر.

السربال بالكسر: القميص معرّب سربال بالفتح، و اصل وضعه في الفرس:

الثوب الّذي يوضع على الكتف، سر: هنا بمعنى الفوق، كقولهم سركوه، سردرخت، تشبيها بالرأس الحقيقيّ، و كذا بال هنا بمعنى اليد، و ان كان في الأصل بمعنى جناح الطائر.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو لباس مخصوص يلبس على النصف العالي من البدن أو يطرح و يشدّ عليه، كما أنّ السروال ما يلبس على القسمة السافلة من البدن.

94

و هذه الكلمة- سربال: عربيّة خالصة، و ان كانت مأخوذة من لغة خارجيّة و تعرّبت، كما في نظائرها.

فالسربال أعمّ من لباس مخيط أو غيره، و من أيّ جنس كان، من قطن أو صوف أو نبات أو حديد أو غيره.

. وَ اللّٰهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّٰا خَلَقَ ظِلٰالًا وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبٰالِ أَكْنٰاناً وَ جَعَلَ لَكُمْ سَرٰابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَ سَرٰابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ- 16/ 81.

فانّ اللّه خلق الأرض و كوّن منها النبات و الحيوان و أنواع الجماد و المعادن و جعل للماء و الهواء و الشمس و القمر تأثيرا في تربيتها و نشوئها و تكميلها ثمّ جعل منها ما يستفاد منها للغذاء و اللباس و الفراش و سائر وسائل العيش في الحياة الدنيا، و مع هذا جعل الإنسان مستعدّا لأن يستفيد من هذه الموادّ و الوسائل في إدامة حياته.

فليس للإنسان إلّا ما يقصده و يختاره، و هو بحول منه و قوّة، و إيجاد ما هو المقتضى و رفع ما هو المانع،. قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ.

و من الوسائل في الحياة: السربال، و من فوائده حفظ الإنسان من الحرّ كالمظلّة الّتي يقال لها الشمسيّة، فانّ التوجّه في المناطق الحارّة الى هذه الجهة، دون جهة البرودة.

و ايضا من السربال: ما يحفظ من الشدّة و الابتلاء الّذي يتوجّه الى الإنسان و يجعله في معرض خطر و هلاك، كالدرع في الحرب. و يمكن شموله على كلّ شدّة، كالريح العاصف، و البرد الشديد، و المطر، و غيرها.

فالموادّ الأوّليّة و تحوّلاتها و كيفيّاتها و شرائط تكوّنها و بقائها و سائر الامكانات و المقترنات في كلّ مصنوع للإنسان إنّما هي من اللّه تعالى، بل نفس الإنسان الصانع، وجوده و قواه و تمييزه و حياته و كلّ شي‌ء منه أيضا من جانب اللّه العزيز الوهّاب، فليس للإنسان إلّا جهة الظلّيّة منه تعالى، و هو ايضا من اللّه-. جَعَلَ لَكُمْ مِمّٰا خَلَقَ ظِلٰالًا.

. سَرٰابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرٰانٍ وَ تَغْشىٰ وُجُوهَهُمُ النّٰارُ- 14/ 15.

القطران سيّال يترشّح من بعض الأشجار و هو كريه، فالسربال يشمل على‌

95

هذا النحو ممّا يستر جهة من البدن في أيّ عالم و من أيّ جنس و بأيّ كيفيّة.

و لمّا كان البدن في يوم الجزاء مبدّلا ببدن ألطف من الجسد و المادّة-. يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّمٰاوٰاتُ- 14/ 48- فيكون المراد من المادّة السيّالة المترشّحة من ذلك البدن: ما يترشّح من داخله من الصفات الخبيثة و الأخلاق الذميمة و العقائد و الأفكار المنحرفة الفاسدة، فتكون هذه القطرات المتظاهرة المترشّحة سربالا لأهل الجحيم.

لا يخفى أنّ السربال غير الملائم: إذا كان من نفس الوجود و ناشئا منه فهو أشدّ تأثيرا و عقوبة ممّا يوجد من الخارج. كما أنّ ما يتظاهر ممّا في داخل البدن من صفات خبيثة ظلمانيّة راسخة: أشدّ عذابا و تألّما بمراتب ممّا يطرأ من الخارج من امور جسمانيّة.

سرج

مقا- سرج: أصل صحيح يدلّ على الحسن و الزينة و الجمال، من ذلك السراج، سمّي لضيائه و حسنه، و منه السرج للدابّة، هو زينته، و يقال سرّج وجهه أي حسّنه.

مصبا- سرج الدابّة: معروف، و تصغيره سريج و به سمّي الرجل، و جمعه سروج. و أسرجت الفرس: شددت عليه سرجه أو عملت عليه سرجا. و السراج:

المصباح، و الجمع سرج. و المسرجة: الّتي توضع عليها المسرجة الّتي فيها الفتيلة و الدهن. و أسرجت السراج مثل أوقدته وزنا و معنى. و السرجين: الزبل كلمة أعجميّة و أصلها سركين.

صحا- السرج: معروف. و قد أسرجنا الدابّة. و السراج: معروف و تسمّى الشمس سراجا. و السرجوجة: الطبيعة و الطريقة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الوقار و الزهرة و هذا المعنى يختلف بحسب‌

96

اختلاف الموارد، فكلّ مورد له ما يناسبه.

فالوقار مع الزهرة في الدابّة إنّما هي بشدّ السرج لها. و في الوجه بما يتزيّن به.

و في الحديث الكذب بما يختلقه. و في البيت المظلم بالسراج. فلازم أن يكون القيد ملحوظا في كلّ مورد.

فإطلاق السراج على ما يستضاء به: إنّما هو باعتبار كونه وقارا و زهرة، لا مطلق كونه وسيلة استضاءة. و هكذا إطلاقه على الشمس و النبيّ الأكرم، لكونهما وقارا و زهرة في المحيط.

ثمّ إنّ هذا المعنى أعمّ من أن يكون في الأمور المادّيّة و من جهتها، أو من جهة الأمور المعنويّة، كما في الرسول الأكرم.

فظهر الفرق بين هذه المادّة و موادّ النور و الضياء و المصباح و الزهرة و الملاحة و غيرها.

فانّ النور: مطلق الضياء من حيث هو، مادّيّا أو معنويّا، متحصّلا من شي‌ء آخر أو يكون متقوّما في نفسه، و يقابله الظلمة.

و الضياء: يلاحظ فيه تحصّله من شي‌ء آخر، و لا يقال: الوجود ضياء.

و المصباح: من الصباحة و هو إشراق الوجه و صفاء البشرة و البريق.

و الزهرة: تلألؤ تكمّل في شي‌ء مادّيا أو معنويّا.

و الملاحة: كون الشي‌ء مقبولا بجملته و إن لم يكن حسنا على التفصيل.

و يؤيّد الأصل في المادّة: ذكر- المنير، الوهّاج، بعد ذكر السراج كما في-. وَ سِرٰاجاً مُنِيراً، و. سِرٰاجاً وَهّٰاجاً.

. وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِرٰاجاً- 71/ 16.

. تَبٰارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمٰاءِ بُرُوجاً وَ جَعَلَ فِيهٰا سِرٰاجاً وَ قَمَراً مُنِيراً- 25/ 61.

. وَ بَنَيْنٰا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدٰاداً وَ جَعَلْنٰا سِرٰاجاً وَهّٰاجاً- 78/ 13.

فيراد خصوص هذه الشمس في منظومتنا أو مطلق الشموس في أيّ برج و في أيّ منظومة من السبع الشداد.

97

فالشمس وقار و تلألؤ في منظومته، و هي وهّاجة، أي فيها توقّد و توهّج و تلألؤ في عالمها.

. وَ دٰاعِياً إِلَى اللّٰهِ بِإِذْنِهِ وَ سِرٰاجاً مُنِيراً- 33/ 46.

فانّ الرسول (ص) وقار متلألئا في الأمّة في جهة تكمّل الانسانيّة، و هو منير في جهة العلم و التربية و الآداب و المعارف و تهذيب النفس.

فالوقار و التلألؤ في الرسول الأكرم معنويّ روحانيّ، و في الشمس مادّيّ ظاهريّ. و كلّ منها متكمّل في جهة مخصوصة به.

فظهر لطف التعبير بالمادّة في مورد الشمس و الرسول (ص)، دون القمر، فانّ الوقار و التلألؤ و التكمّل تناسبهما دون غيرهما.

سرح

مقا- سرح: أصل مطّرد واحد، و هو يدلّ على الانطلاق. يقال منه أمر سريح، إذا لم يكن فيه تعويق و لا مطل، ثمّ يحمل على هذا السراح و هو الطلاق، يقال سرّحت المرأة. و السرح: الناقة السريعة. و من الباب المنسرح و هو العريان الخارج من ثيابه. و السرح: المال السائم. و السارح: الراعي، و يقال السارح:

الرجل الّذي له السرح. و أمّا الشجرة العظيمة فهي السرحة، و لعلّه أن يكون شاذّا عن هذا الأصل، و يمكن أن يكون سرحة لانسراح أغصانها و ذهابها في الجهات.

و من الباب: السرحان، الذئب، لأنّه ينسرح في مطالبه.

مصبا- سرحت الإبل سرحا من باب نفع، و سروحا أيضا: رعت بنفسها، و سرحتها يتعدّى و لا يتعدّى، و سرّحتها: مبالغة و تكثير، و منه قيل سرّحت المرأة إذا طلّقتها، و الاسم السراح. و يقال للمال الراعي سرح تسمية بالمصدر. و سرّحت الشعر تسريحا. و السرحان: الذئب و الأسد، و الجمع سراحين. و يقال للفجر الكاذب سرحان على التشبيه.

جمهرة اللغة 2/ 132- و السرح: ضرب من الشجر، و يقال بل كلّ شجرة طويلة سرحة. و أعطاه إعطاء سهلا سرحا. و قال قوم إذا سهلت ولادة المرأة قيل ولدته‌

98

سرحا. و سرّحت المرأة رأسها تسريحا، إذا خللت رأسها بالمشط، و المشط يسمّى المسرح. و سرحت الماشية إذا غدوت بها الى المرعى، و ربّما قيل سرحت الماشية، فيجعل الفعل لها، و قالوا المال سارح و مراح. و سرّحت العبد إذا أعتقته، لغة يمانيّة.

و السرحان: الذئب، و أهل الحجاز يسمّون الأسد سرحانا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل الإمساك، فانّ الإمساك جعل شي‌ء متمسّكا و مرتبطا و متعلّقا (وابسته)، و في قباله الإسراح و هو جعل الشي‌ء منطلقا غير متعلّق.

و هذا المعنى له مصاديق: كالانطلاق في المرأة بقطع تعلّقات الزوجّية، و الانطلاق في الشعر بالتسريح بالمشط و إخراجه عن التجعّد، و الانطلاق في الماشية و المال برفع المحدوديّة عنها حتّى يخرجن الى الرعي، و الانطلاق في العبد باعتاقه عن تعلّق الرّقيّة، و الانطلاق في الشجر بطول أغصانه و التوسّع و الاسترسال فيه، و الانطلاق في الأمر برفع الحدود و الشرائط المضيّقة حتّى يكون سهلا و في سعة، و هكذا الانطلاق عن قيد التلبّس، و الانطلاق عمّا يوجب البطء في الحركة.

فقيد رفع التعلّق: لا بدّ أن يلاحظ في كلّ من- الذهاب، و السهولة، و الطول، و الخروج، و الرعي، و العتق، و الانطلاق.

. فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ- 2/ 231.

. الطَّلٰاقُ مَرَّتٰانِ فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ- 2/ 229.

فيخيّر المرء بين إبقاء التعلّق و حفظ المرابطة بينهما، و بين قطع العلاقة و التخلية و الاسترسال، و لا بدّ أن يكون كلّ منهما بالمعروف-. وَ لٰا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرٰاراً لِتَعْتَدُوا- 2/ 231.

. فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلًا .... فَمَتِّعُوهُنَّ وَ سَرِّحُوهُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلًا- 33/ 28 و 49.

التمتيع: جعل شخص متمتّعا و إعطاؤه متاعا. فيقدّم التمتيع على التسريح‌

99

إذا اختير التسريح، فاللازم حينئذ ترضية المطلّقة بالتمتيع، ثمّ الطلاق و التسريح بأجمل طريق و أحسن برنامج، حتّى يصدق الإحسان و اللطف.

. وَ لَكُمْ فِيهٰا جَمٰالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ- 16/ 6.

قلنا في- جمل: إنّه عبارة عمّا اجتمع فيه النضج و التناسب، و مرجعه الى الكمال و البلوغ، و الإراحة و التسريح للأنعام إشارة الى ظهور النعمة و بدوّ رفاه و سعة عيش، فله كمال و نضج و بلوغ في هذه الجهة.

و لمّا كان المقام في بيان الجمال: فيقدّم الإراحة على التسريح، فانّ بالإراحة و هو الرجوع من المرعى الى المراح، يقطع بتحقق الجمال.

سرد

الاشتقاق- 461- و السرد: ضمّك الشي‌ء بعضه الى بعض نحو النظم و ما أشبهه، و منه قولهم سرد الدرع أي ضمّ حديد بعضها الى بعض. و في التنزيل-. وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ. و المسرّد المنظّم من خرز أو غيره. و قيل لأعرابيّ: أتعرف الأشهر الحرم فقال: إنّي لأعرفها: ثلاثة سرد و واحد فرد.

مقا- سرد: أصل مطّرد منقاس، و هو يدلّ على توالي أشياء كثيرة يتّصل بعضها ببعض. من ذلك السرد اسم جامع للدروع و ما أشبهها من عمل الحلق.

مصبا- سردت الحديث سردا من باب قتل: أتيت به على الولاء. و المسرد:

المثقب، و يقال المخرز. و السرادق: ما يدار حول الخيمة من شقق بلا سقف، و السرادق أيضا: ما يمدّ على صحن البيت، و قال أبو عبيدة: السرادق الفسطاط.

التهذيب 12/ 356- قال اللّه عزّ و جلّ-. وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ، قال الفرّاء: يقول لا تجعل مسمار الدرع دقيقا فينفلق و لا غليظا فيفصم الحلق. و قال الزجّاج: السرد في اللغة تقدمة شي‌ء الى شي‌ء حتّى يتّسق بعض الى إثر بعض متتابعا. و يقال سرد فلان الحديث يسرده سردا: إذا تابعه، و سرد فلان الصوم: إذا والاه. و قال في التفسير: السرد السمر و هو غير خارج من اللغة، لأنّ السمر تقديرك طرف الحلقة الى طرفها الآخر، قال: و السرد الزرد، و منه قيل لصاحبها سرّاد و زرّاد. و قال الليث:

100

السرد اسم جامع للدروع و ما أشبهها من عمل الحلق، و سمّي سردا لأنّه يسرّد فيثقب طرفا كلّ حلقة بالمسمار، فذلك الحلق المسرّد، و المسرد: المثقب. و قال أبو بكر: سرد فلان الكتاب معناه درسه محكما مجوّدا، أي أحكم درسه و أجاده، من قولهم سردت الدرع إذا أحكمت مساميرها.

مفر- السرد: خرز ما يخشن و يغلظ كنسيج الدرع و خرز الجلد، و استعير لنظم الحديد، قال-. وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ، و يقال سرد و زرد، و السراد و الزراد نحو سراط و صراط و زراط.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو وصل شي‌ء أو أجزاء بآخر شبيها بالنسج و الخرز، كالشباك.

و الفرق بين هذه المادّة و موادّ- الخرز و النسج و الخصف و النظم و الوصل و التتابع و اللحوق و التوالي و الضمّ:

إنّ الخرز: هو خياطة شي‌ء كالجلد يحتاج الى الثقب أو نظم ما هو مثقوب كالحبّ.

و النسج: هو الحياكة للثوب و أمثاله.

و الخصف: هو إطباق شي‌ء على مثله و خرزه، كالنعل.

و النظم: جمع مع ترتيب و ارتباط بين الأجزاء.

و الوصل: مطلق الصلة و هو يقابل الفصل.

و التتابع: تبعيّة مطلقة متصلة أو منفصلة في ظاهر أو معنى.

و التوالي: وقوع شي‌ء فيما وراء شي‌ء.

و اللحوق: إدراك ما سبق بعد ما كان بعيدا عنه.

و الضمّ: وصل شي‌ء الى ما هو أقوى منه.

و يمكن أن نقول إنّ الحقيقة في مادّة السرد: هي ربط أجزاء فلزّيّة مع اخرى، كما في الدروع و أمثالها، ثمّ تستعمل في ربط أيّ أشياء صلبة شديدة خشنة، كما في‌

101

ربط مطالب مشكلة و مسائل صعبة و ربط أيّام الصيام متوالية و ربط الأحاديث المستصعبة و هكذا.

. وَ أَلَنّٰا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سٰابِغٰاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ- 34/ 11.

أي لتعمل في أثر لين الحديد مصانع سابغة لا تضييق فيها، و تكون في صنعة السرد و الدروع على تدبير و تقدير لطيف دقيق و على معايير و مقاييس دقيقة.

فتليين الحديد قرينة على أنّ التوسّع في المصانع و التقدير في السرد لا بدّ أن يكون راجعا الى الحديد و في خصوصه.

سرادق

المعرّب- السرادق: فارسيّ معرّب، و أصله بالفارسيّة سرادار، و هو الدهليز.

لسا- السرادق: ما أحاط بالبناء، و الجمع سرادقات. قال الزجّاج:

و السرادق كلّ ما أحاط بشي‌ء نحو الشقّة في المضرب أو الحائط المشتمل على الشي‌ء.

ابن الأثير: و قد ورد في الحديث ذكر السرادق في غير موضع، و هو كلّ ما أحاط بشي‌ء من حائط أو مضرب أو خباء. و قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى-. وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ: هو من سرادق أهل النار. الجوهري: السرادق واحد السرادقات الّتي تمدّ فوق صحن الدار، و كلّ بيت من كرسف فهو سرادق. و السرادق: الغبار الساطع.

مفر- السرادق: فارسيّ معرّب، و ليس في كلامهم اسم مفرد ثالثه ألف و بعده حرفان.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما علا الشي‌ء ممّا تبعه، و هذا المعنى يشمل الخباء و اليحموم و ما يمد فوق الدار و الغبار المرتفع.

و يمكن إطلاقه على الدهليز و الحائط و أمثالهما، باعتبار الاحاطة و التبعيّة، فكأنّها ممّا يعلو و يتبع المحلّ المنظور.

. إِنّٰا أَعْتَدْنٰا لِلظّٰالِمِينَ نٰاراً أَحٰاطَ بِهِمْ سُرٰادِقُهٰا- 18/ 29.

102

الإعتاد: من العتد بمعنى التهيئة. و لمّا كان أثر الظلم هو الظلمة- الظلم ظلمات يوم القيامة- فتكون الظلمات المنبعثة المرتفعة منه سرادقا للظالم.

و توضيح ذلك: انّ الظلم يوجب الانحراف و التعدّي و التجاوز عن الحقّ الّذي هو سبيل اللّه و من اللّه-. وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شٰاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شٰاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّٰا أَعْتَدْنٰا- و بهذا تتّقد نار البعد و الحرمان، و تتحصّل منها الظلمة و العمى و الضلال و الغفلة.

ثمّ إنّ تلك الظلمة لمّا كانت غير ماديّة و من الأمور المعنويّة المتحصّلة فيما وراء عالم الطبيعة: فالسرادق المتكوّن منها يكون في تلك العالم، و هي غير محدودة بما بعد الموت الطبيعيّ، بل من شئون الروح و من حالاته، فهذه الظلمة تحيط بالروح و تحجبه في العالمين المادّية و الروحانيّة.

و بهذا اللحاظ ترى التعبير بصيغة الماضي في قوله تعالى-. أَحٰاطَ بِهِمْ سُرٰادِقُهٰا- إشارة الى أنّ ذلك السرادق قد أحاط بهم في حياتهم الدنيا أيضا.

و هذا كما في قوله تعالى-. يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذٰابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكٰافِرِينَ.

سرّ

مقا- سرّ: يجمع فروعه إخفاء الشي‌ء و ما كان من خالصه و مستقرّه، لا يخرج شي‌ء منه عن هذا. فالسرّ خلاف الإعلان، يقال أسررت الشي‌ء إسرارا، خلاف أعلنته. و من الباب: السرّ و هو النكاح، و سمّي به لأنّه أمر لا يعلن به. و من ذلك السرار و السرار، و هو ليلة يستسرّ الهلال ليلة أو ليلتين إذا تمّ الشهر. و أمّا الّذي ذكرناه من محض الشي‌ء و خالصه و مستقرّه: فالسرّ: خالص الشي‌ء و منه السرور، لأنّه أمر خال من الحزن. و السرّة: سرّة الإنسان، و هو خالص جسمه و لينه، و جمعه أسرّة.

و السرر: الخطّ من خطوط بطن الراحة. فأمّا الأسارير: و هي الكسور الّتي في الجبهة، فمحمولة على أسارير السرّة، و ذلك تكسّرها. و أمّا الّذي ذكرناه من الاستقرار: فالسرير، و جمعه سرر و أسرّة. و السرير: خفض العيش، لأنّ الإنسان يستقرّ عنده و عند دعته. و سرير الرأس: مستقرّه.

103

مفر- الإسرار: خلاف الإعلان-. يَعْلَمُ مٰا يُسِرُّونَ وَ مٰا يُعْلِنُونَ*- و يستعمل في الأعيان و المعاني. و السرّ: هو الحديث المكتم في النفس-. أَنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَ نَجْوٰاهُمْ. و قوله-. تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ: أي يطلعونهم على ما يسرّون من مودّتهم، و قد فسّر بأنّ معناه يظهرون، و هذا صحيح فانّ الاسرار الى الغير يقتضي إظهار ذلك لمن يفضي اليه بالسرّ و ان كان يقتضي إخفاءه عن غيره، فإذا قولهم- أسررت الى فلان: يقتضي من وجه الإظهار و من وجه الإخفاء. و استعير للخالص فقيل هو من سرّ قومه، و منه سرّ الوادي و سرارته. و سرّة البطن: ما يبقى بعد القطع، و ذلك لاستتارها. و السرور: ما ينكتم من الفرح. و السرير الّذي يجلس عليه من السرور، إذ كان ذلك لاولي النعمة.

الجمهرة 1/ 81- السرّ: خلاف العلانية. و سرّ كلّ شي‌ء خالصه، فلان في سرّ قومه، أي في صميمهم و شرفهم. و سرّ الوادي و سراره: أطيبه ترابا. و السرّة في البطن: موضع السرر الّتي تقطع. و السرّ: ضدّ الضرّ. و قال قوم: السرّ و السرور واحد. و يقال أسررت الشي‌ء أظهرته. و أسررته: كتمته. و أسرّة الكفّ: معروفة.

أسا- أسرّ الحديث. و استسرّ الأمر: خفي. و وقفت على مستسرّه. و استسرّ القمر. و هذه ليلة السرار. و أفشى سرّه و سريرته و أسراره و سرائره. و تعلّمت العلم قبل أن يقطع سرّك و سررك، و هو ما يقطع. و أمّا السرّة: فهي الوقبة. و برقت أسرّة وجهه و أساريره. و نظرت الى أسرار كفّه. و هو في سرور و مسرّة و مسارّ، و سرّ به و استسرّ.

الفروق 220- و نقيض السرور الحزن، و معلوم أنّ الحزن يكون بالمرازي، فينبغي أن يكون السرور بالفوائد و ما يجري مجراها من الملاذّ، و نقيض الفرح الغمّ، و قد يغتمّ الإنسان بضرر يتوهّمه من غير أن يكون له حقيقة، و كذلك يفرح بما لا حقيقة له. و لا يجوز أن يحزن و يسرّ بما لا حقيقة له. و السرور: اسم وضع موضع المصدر في قولك سرّ سرورا و أصله سرّا، و هو فعل يتعدّى و يقتضي فاعلا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل الإعلان، و هو الكتمان و البطون‌

104

و الخفاء، بمعنى أنّ هذه المادّة تستعمل في موارد كلّ من هذه الكلمات-. سَوٰاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ،. ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرٰاراً،. فَأَسَرَّهٰا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِهٰا،. أَنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَ نَجْوٰاهُمْ.

و الفرق بين هذه المادّة و موادّ الكتمان و البطون و الخفاء و الستر و الخفات، مضافا الى ما قلنا في هذه الموادّ:

أنّ الستر- هو المستوريّة و كون الشي‌ء تحت ستر بأيّ وسيلة كان.

و الكتمان: في مقابل الإبداء و هو إخفاء ما في الضمير و القلب.

و الخفاء: هو كون شي‌ء في الخفاء بأيّ وسيلة كان مطلقا.

و الخفات: يقابله الجهر، و يستعمل في الأصوات.

و البطون: يقابله الظهور، و هو ما بطن في الأشياء من حيث هو.

و السرّ: ما يكون غير محسوس بالحواسّ الظاهرة، فيشمل كلّا من مفاهيم الكتمان و الخفاء و البطون و الخفات.

فهذا المعنى مفهوم كلّي تختلف خصوصيّاته باختلاف الموضوعات:

ففي الأصوات تستعمل المادّة في مقام الخفات و في مقابل الجهر.

. وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذٰاتِ الصُّدُورِ- 67/ 13.

و قد تستعمل في مقام الكتمان و في مقابل الإعلان و الإبداء:

. وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ مٰا تُسِرُّونَ وَ مٰا تُعْلِنُونَ- 16/ 19.

. فَأَسَرَّهٰا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِهٰا لَهُمْ- 12/ 77.

و قد تستعمل في مقام الخفاء في قبال الإعلان:

. تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمٰا أَخْفَيْتُمْ وَ مٰا أَعْلَنْتُمْ- 60/ 1.

ثمّ إنّ المادّة تستعمل في المادّيّات كما في:

. يٰا بُشْرىٰ هٰذٰا غُلٰامٌ وَ أَسَرُّوهُ بِضٰاعَةً- 12/ 19.

و في المعنويّات-. وَ أَسَرُّوا النَّدٰامَةَ لَمّٰا رَأَوُا الْعَذٰابَ*- 34/ 33.

. وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلىٰ بَعْضِ أَزْوٰاجِهِ حَدِيثاً- 66/ 3.

. تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ- 60/ 1.