التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج5

- حسن المصطفوي المزيد...
296 /
105

الباء للتأكيد، و حرف الى: في الآيتين متعلّق بما بعده، أي الحديث و المودّة، أي أسرّ الحديث الملقى الى بعض أزواجه، و تسرّون المودّة المتعلّقة اليهم عن غيرهم، و هو إخفاء المودّة.

فظهر أنّ المادّة في الموردين مستعملة في الأصل لا بمعنى الإظهار.

. وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ مٰا تُسِرُّونَ وَ مٰا تُعْلِنُونَ- 16/ 19.

. إِنّٰا نَعْلَمُ مٰا يُسِرُّونَ وَ مٰا يُعْلِنُونَ- 36/ 76.

. يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ- 6/ 3.

. أَنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَ نَجْوٰاهُمْ- 9/ 78.

. أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّٰا لٰا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْوٰاهُمْ- 43/ 80.

إنّ الإنسان محدود بالحدود المادّيّة و الحجب الطبيعيّة و هو يرى و يسمع و يلمس بهذه القوى البدنيّة الظاهريّة، و هذه القوى و الحواسّ محدودة و مقيّدة بحدود و شرائط و قيود زمانيّة و مكانيّة و ذاتيّة.

و أمّا اللّه عزّ و جلّ: فهو منزّه عن كلّ حدّ و عن أيّ حجاب ذاتيّ و داخليّ و خارجي و عرضي، فهو سميع بصير من دون أيّ حدّ و ضعف.

و سائر المفاهيم المستعملة فيها المادّة: راجعة الى الأصل:

أمّا مفهوم الخالص و الصميم و الشريف: فانّ خالص كلّ شي‌ء هو حقيقته الذاتيّة و باطنه الأصيل الصافي عن الكدورات و العوارض و التلوّنات الخارجيّة و التحوّلات الظاهريّة. فيقال هو من سرّ قومه، و هنالك سرّ الوادي و سرارته أي أطيبه و خالصه.

و قريب من هذا المفهوم: معنى السرور، فانّ حقيقته انبساط في الباطن و صفاؤه و خلوصه عن عروض تحوّلات توجب الانقباض و الحزن و التألّم و التكدّر و التلوّن.

. إِنَّهٰا بَقَرَةٌ صَفْرٰاءُ فٰاقِعٌ لَوْنُهٰا تَسُرُّ النّٰاظِرِينَ- 2/ 69.

. فَوَقٰاهُمُ اللّٰهُ شَرَّ ذٰلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقّٰاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً- 76/ 11.

يراد ظهور حالة باطنيّة خالصة عن الانقباض و الكدورات و التألّمات.

106

. وَ يَنْقَلِبُ إِلىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً- 84/ 9.

أي مرتفعا عنه الانقباض.

و أمّا قوله تعالى:. وَ يَصْلىٰ سَعِيراً إِنَّهُ كٰانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً- 84/ 13.

ظهور حالة السرور بالإطلاق في الحياة الدنيا مذموم، فانّ المؤمن بشره في وجهه و حزنه في قلبه، و هو يدوم حزنه بلحاظ التوجّه الى قصوره و تقصيره في العمل بوظائف العبوديّة، و الوحشة عن سوء العاقبة.

فالسرور المطلق في الدنيا علامة الجهل و الغفلة، و يقابله الخوف و الخشية، و هذا خلاف السرور الحاصل للمؤمن في الآخرة، فانّه الفراغ عن العذاب، و التخلّص عن الاضطراب، و الوصول الى جزيل الثواب.

. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ- 3/ 134.

. وَ قٰالُوا قَدْ مَسَّ آبٰاءَنَا الضَّرّٰاءُ وَ السَّرّٰاءُ- 7/ 95.

قلنا إنّ السرور هو الانبساط و خلوص الباطن و يقابله مطلق الانقباض بأيّ سبب كان، و الضرّ هو الشدّة و الضيق و سوء الحال، و الظاهر أنّ هذه الصيغة للتأنيث صفة كحمراء.

و لا يخفى أنّ لبّ الإنسان و باطنه لا يخلو من إحدى الحالتين السرّاء، و الضرّاء، و الإنسان لازم له أن يكون حاكما على الحالتين لا محكوما و مغلوبا تحت تأثيرهما و اقتضائهما.

و أمّا تقديم السرّاء في الآية الاولى و تأخيرها في الثانية: فانّ الإنفاق في السرّاء أشدّ اقتضاء للتقدير و التوجّه، من حالة الضرّاء و الشدّة. و أمّا الثانيّة فانّ النظر فيها الى نزول العذاب و البأساء و الشدّة الى آبائهم-. أَخَذْنٰا أَهْلَهٰا بِالْبَأْسٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنٰا ... الآية.

و يناسب هذه المعنى: مفهوم السريرة، و هو الحالة الباطنيّة القلبيّة الخالصة، و باعتبار أنّ كلّ صفة مكنونة في القلب مستسرّة: يطلق على كلّ من هذه الصفات أنّها سريرة، و جمعها سرائر.

و هكذا أسرار الكف و سرّة البطن و أسرّة الوجه و الحديث المستسرّ و غيرها.

107

و أمّا السرر و السرير بمعنى المستقرّ و الّذي يجلس عليه: فهي إمّا جسمانيّة أو روحانيّة، أمّا الجسمانيّة: فباعتبار الخفاء و المستوريّة فيها، إذ السرر مستورة بالفرش و النمارق و الزرابيّ و أمثالها، و أمّا الروحانيّة المعنويّة: فيراد منها الصفات النفسانيّة و السرائر الباطنيّة القلبية الصافية الخالصة الّتي يعتمد اليها النفس و يستقرّ عليها.

. وَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْوٰاباً وَ سُرُراً عَلَيْهٰا يَتَّكِؤُنَ- 43/ 34.

. وَ نَزَعْنٰا مٰا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوٰاناً عَلىٰ سُرُرٍ مُتَقٰابِلِينَ- 15/ 47.

. مُتَّكِئِينَ عَلىٰ سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ- 52/ 20.

. وَ قَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ عَلىٰ سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ- 56/ 15.

. فِيهٰا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ- 88/ 13.

راجع في توضيح الخصوصيّات الموادّ المذكورة.

فظهر الفرق بين المادّة و الأخلاق و الصفات و السجايا و الطبائع و غيرها، و خصوصيّة المادّة منظورة في جميع موارد استعمالاتها.

. إِنَّهُ عَلىٰ رَجْعِهِ لَقٰادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرٰائِرُ- 86/ 9.

أي تتقلّب و تتحوّل ما في البواطن و ما يخفى في النفوس، فانّ السرائر أعمّ ممّا في الباطن من صفة حميدة روحانيّة أو مذمومة حيوانيّة، و هو يطلق على كلّ صفة باطنيّة مستسرّة، صحيحة أو فاسدة.

سرع

مصبا- أسرع في مشيه و غيره إسراعا، و الأصل أسرع مشيه، و في زائدة، و قيل الأصل أسرع الحركة في مشيه، و أسرع اليه أي أسرع المضيّ اليه، و السرعة اسم منه. و سرع سرعا فهو سريع، وزان صغر صغرا فهو صغير. و سرعان الناس:

أوائلهم، يقال جئت في سرعانهم أي في أوائلهم. و جاء القوم سراعا أي مسرعين.

مقا- سرع: أصل صحيح واحد، يدلّ على خلاف البطء. فالسريع خلاف البطي‌ء. و سرعان الناس: أوائلهم الّذين يتقدّمون سراعا. و تقول العرب: لسرعان ما صنعت كذا، أي ما أسرع ما صنعته. و أمّا السرع: من قضبان الكرم، فهو أسرع‌

108

ما يطلع منه.

صحا- السرعة: نقيض البطء، تقول منه: سرع سرعا مثال صغر صغرا، فهو سريع، و عجيب من سرعة ذاك و سرع ذاك، و أسرع في السير، و هو في الأصل متعدّ، و المسارعة الى الشي‌ء: المبادرة اليه، و تسرّع الى الشرّ، و سرعان: ثلاث لغات.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل البطء، و هو أعمّ من أن يكون في أمر مادّيّ أو معنويّ و في خير أو شرّ.

فالسرعة في أمر مادّيّ:. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسٰارِعُونَ فِيهِمْ- 5/ 52.

و في أمر معنويّ كما في:. وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ- 3/ 133.

و في الخير:. أُولٰئِكَ يُسٰارِعُونَ فِي الْخَيْرٰاتِ وَ هُمْ لَهٰا سٰابِقُونَ- 23/ 61.

و في الشرّ:. وَ تَرىٰ كَثِيراً مِنْهُمْ يُسٰارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ- 5/ 62.

و الفرق بين هذه المادّة و موادّ الجدّ و الجهد و المبادرة و العجلة:

إنّ التعجيل: هو سرعة خارجة عن الاعتدال، و هو مذموم غالبا.

و المبادرة: هو السبقة في سرعة، أو سرعة مع سبقة.

و الجهد: بذل الطاقة في الوصول الى المقصود.

و الجدّ: عزم و قطع مع العظمة، أو ما يتحصّل من الجلال و العظمة.

فالسرعة مطلق مبادرة، و المسارعة و السراع: تدلّ على إدامة الفعل، و التسارع مطاوعة المسارعة. و السريع فعيل: يدلّ على ثبوت الحدث و الحركة لمن ينتسب اليه.

. سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ- يدلّ على الأمر بادامة السرعة الى المغفرة و دوامها.

. وَ اللّٰهُ سَرِيعُ الْحِسٰابِ*- أي إنّ سرعة الحساب و تسريعه ثابتة له تعالى، و قلنا في الحسب: إنّه بمعنى الاختبار و النظر بقصد السبر و التطلب.

فهو تعالى لا يؤخّر المحاسبة، و لا يمهل أحدا في تطلّب ما له و ما عليه، فهو يوفّي كلّ أحد حسابه بالفور.

109

. لِيَجْزِيَ اللّٰهُ كُلَّ نَفْسٍ مٰا كَسَبَتْ إِنَّ اللّٰهَ سَرِيعُ الْحِسٰابِ- 14/ 51.

. وَ اللّٰهُ يَحْكُمُ لٰا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسٰابِ- 13/ 41.

. وَ وَجَدَ اللّٰهَ عِنْدَهُ فَوَفّٰاهُ حِسٰابَهُ وَ اللّٰهُ سَرِيعُ الْحِسٰابِ- 24/ 39.

. أَلٰا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحٰاسِبِينَ- 6/ 62.

فيتحقّق الحساب و يصدر الحكم من دون تأخير و فصل.

سرف

مقا- سرف: أصل واحد يدلّ على تعدّي الحدّ و الإغفال أيضا للشي‌ء.

تقول: في الأمر سرف أي مجاوزة القدر. و أمّا الإغفال: فقول القائل- مررت بكم فسرفتكم، أي غفلتكم. و يقولون إنّ السرف الجهل، و السرف الجاهل. و يقولون:

إنّ للّحم سرفا كسرف الخمر، أي ضراوة، و ليس هذا بالبعيد من الكلمة الاولى.

مصبا- أسرف إسرافا: جاز القصد. و السرف: اسم منه. و سرف سرفا من باب تعب: جهل أو غفل، فهو سرف.

مفر- السرف: تجاوز الحدّ في كلّ فعل يفعله الإنسان، و إن كان ذلك في الإنفاق أشهر، و يقال تارة اعتبارا بالقدر، و تارة بالكيفيّة، و قوله-. يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ: فتناول الإسراف في المال و في غيره. و قوله-. فَلٰا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ: فسرفه أن يقتل غير قاتله، إمّا بالعدول عنه الى من هو أشرف منه، أو بتجاوز قتل القاتل الى غيره حسبما كانت الجاهليّة تفعله.

صحا- السرف: ضدّ القصد. و السرف: الإغفال و الخطاء. و قد سرفت الشي‌ء إذا أغفلته و جهلته. و رجل سرف الفؤاد: غافله. و السرف: الضراوة.

و الإسراف في النفقة: التبذير. و السرفة: دويبة. و إسرافيل: اسم أعجمّي، كأنّه مضاف الى أيل.

التهذيب 12/ 398- عن ابن الأعرابيّ: السرف تجاوز ما حدّ لك.

و السرف: الخطأ، و اخطاء الشي‌ء: وضعه في غير موضعه. و السرف: الاغفال.

و السرف: الجهل. قال شمر: سرف الماء: ما ذهب منه في غير سقي و لا نفع. و الّذين‌

110

إذا أنفقوا لم يسرفوا: أي لم يضعوه في غير موضعه، و لم يقتروا: أي لم يقصّروا به عن حقّه. و قال إياس بن معاوية: الإسراف: ما قصّر به عن حقّ اللّه. و السرف: ضدّ القصد. قال شمر: لم أسمع أحدا ذهب بالسرف الى الضراوة، و كيف يكون ذلك تفسيرا له و هو ضدّه، و الضراوة للشي‌ء كثرة الاعتياد له، و السرف بالشي‌ء: الجهل به، إلّا أن تصير الضراوة نفسها سرفا، أي اعتياده و كثرة شرائه سرف.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو عمل يتجاوز عن الحدّ الملحوظ فيه عقلا أو عرفا، كما في الأكل الزائد عن الحدّ، و الإنفاق الخارج عن المعروف، و البناء زائدا عن شئونه و مقامه، و جمع أثاث البيت متجاوزا عن الحدّ العرفيّ، و التوسعة في المعاش على خلاف العقل، و أعمال خارجة عن الحدّ و المعروف في المعيشة مطلقا.

و قلنا في البذر: إنّه عبارة عن التفريق بلا نظم.

و أمّا مفاهيم الجهل و الخطأ و الغفلة: فهي من أسباب الإسراف و علله الموجبة لظهوره، فكأنّ الإسراف تجليها و ظهورها.

و أمّا الضراوة: فهي تجاوز عن الحدّ في عمل استعاده.

. وَ لٰا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ*- 6/ 141.

. وَ أَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحٰابُ النّٰارِ- 40/ 43.

. وَ لٰا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ- 26/ 151.

. وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعٰالٍ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ- 10/ 83.

. إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّٰابٌ- 40/ 28.

. كَذٰلِكَ يُضِلُّ اللّٰهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتٰابٌ- 40/ 34.

. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ*- 36/ 19.

. كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ- 10/ 12.

قلنا إنّ الإسراف منشأه الجهل و الغفلة و مورده الحياة الدنيا و المعيشة الدنيويّة المادّيّة، فالمسرف من توغّل في حبّ الدنيا، و اشتدّ تعلّقه و توجّهه اليها، و غفل عن الحقّ‌

111

و الآخرة، فهو محجوب بالدنيا عن الآخرة، و مشغول بالمادّة عن عالم النور، و قريب من الطبيعة و بعيد عن اللّه تعالى، فهو خارج عن صراط الهداية الى طريق الضلالة، و عن محيط المحبّة و الرحمة الى منزل البغض و الغواية.

فالإسراف مرتبة نازلة ظلمانيّة، و منزل من علا في الأرض و طغى في الحياة الدنيا-. وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعٰالٍ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ.

. وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لٰا تُسْرِفُوا- 7/ 31.

. وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ وَ لٰا تُسْرِفُوا- 6/ 141.

. فَلٰا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كٰانَ مَنْصُوراً- 17/ 33.

. وَ الَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا- 25/ 67.

. وَ لٰا تَأْكُلُوهٰا إِسْرٰافاً وَ بِدٰاراً- 4/ 6.

يُصرّح بالنهي عن الإسراف في موارد الأكل، الشرب، و إعطاء حقّ الصدقة من الثمر و الزرع، و في القتل، و في الإنفاق، و في مال اليتامى.

و لا يخفى ما فيما بين موادّ السرف و السرى و السرع و السرح و السرب و السفر و السير، و ممّا فيه السين و الراء، من التناسب لفظا و معنى.

سرق

مصبا- سرق مالا يسرقه من باب ضرب، و سرق منه مالا، يتعدّى الى الأوّل بنفسه، و بالحرف على الزيادة، و المصدر سرق، و الاسم السرق، و السرقة مثله، و تخفّف مثل كلمة، و يسمّى المسروق سرقة تسمية بالمصدر. و سرق السمع مجاز، و استرقه: إذا سمعه مستخفيا.

مقا- سرق: أصل يدلّ على أخذ شي‌ء في خفاء و ستر، يقال سرق يسرق سرقة، و المسروق سرق، و استرق السمع إذا تسمّع مختفيا. و ممّا شذّ عن الباب السرق جمع سرقة، قطعة من الحرير.

الجمهرة 2/ 334- سرق يسرق سرقا، فهو سارق. و السرق ضعف في المفاصل، سرقت مفاصله سرقا: إذا ضعفت. و السرق ضرب من الحرير، فارسيّ‌

112

معرّب، و ذكر الأصمعيّ: إنّ أصله سره أي جيّد. و سرق الشي‌ء إذا خفي.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو أخذ شي‌ء خفاء عن صاحبه بغير حقّ.

يقال سرقه سرقا، و استرق افتعل يدلّ على القصد و اختيار الفعل، و استرق السمع:

اختار السرق من السمع، و هو استماع كلمات على سبيل السرق.

و أمّا قولهم سرقت مفاصله: فان لم يكن مجازا فبمناسبة الخفاء، فكأنّ المفاصل سرقت من قواها و أخفت فضعفت، و كسر العين في الفعل يدلّ على اللزوم و الثبوت.

. وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا جَزٰاءً بِمٰا كَسَبٰا- 5/ 28.

قطع اليد بمناسبة مفهوم السرق و هو الأخذ بغير حق، و الأخذ إنّما يكون باليد، فلازم أن تقصر اليد العادية و تقطع.

. يُبٰايِعْنَكَ عَلىٰ أَنْ لٰا يُشْرِكْنَ بِاللّٰهِ شَيْئاً وَ لٰا يَسْرِقْنَ- 60/ 12.

الشرك هو تجاوز الى حق اللّه تعالى و سرق من سلطانه و ملكوته و سعة حكومته و هذا في الأمور المعنويّة و في الاعتقاديّات، و السرق هو تجاوز الى حقوق النّاس و الأخذ ممّا تحت سلطتهم (الناس مسلّطون على أموالهم) و هذا في الأمور الاجتماعيّة الماديّة. فالآية الكريمة لاصلاح المعنى و الخارج.

. ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ- 12/ 70.

التمسّك في جلبهم بهذه الخصلة: فانّها توجب رفع الطمأنينة و النظم و الاعتماد و الأمن في الاجتماع، و تقتضي الاختلال و الاغتشاش و التزلزل و الاضطراب.

و أمّا نسبة السرق اليهم: فانّهم قد سرقوا يوسف من أبيه.

. إِلّٰا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهٰابٌ مُبِينٌ- 15/ 18.

أي فحفظناها من نفوذ كلّ شيطان، إلّا من اختار السرق من جهة السمع، فسرق منها في خفاء و سرّ باختلاس ليطّلع على بعض الأمور المكتومة.

فيظهر من الآية الكريمة: أنّ اطّلاع الشياطين على بعض الأمور إنّما هو من هذا الطريق، لا من جهة معرفتهم و نورانيّتهم.

113

و قلنا في البرج: إنّه كلّ شي‌ء جالب متفوّق ظاهر عال، فيكون البروج في السماء المعنويّ عبارة عن حقائق و معارف إلهيّة و اسماء و صفات متجلّية، عليها مدار العوالم و نظم الخلقة، و لا يطّلع عليها إلّا المصطفون الّذين اختارهم اللّه عبيدا و أولياء و حملة لأسراره.

و أمّا الشياطين و النفوس البعيدة عن مقام النور و الرحمة: فانّهم محرومون عن هذه المعارف و الحقائق النورانيّة، إلّا بطريق الاستماع و الاختلاس.

. فَأَتْبَعَهُ شِهٰابٌ مُبِينٌ- راجع- شهب.

سرمد

مقا- و من ذلك السرمد: الدائم، و الميم فيه زائدة، و هو من سرد إذا وصل، فكأنّه زمان متّصل بعضه ببعض.

التهذيب 13/ 152- الليث: السرمد دوام الزمان من ليل و نهار. و قال الزجّاج: السرمد الدائم.

لسا- السرمد: دوام الزمان من ليل أو نهار. و ليل سرمد: طويل. و في حديث لقمان- جوّاب ليل سرمد: الدائم الذي لا ينقطع.

و التحقيق

أنّ هذه الكلمة على وزان فعلل أو فعمل أو فرعل، و أمّا المناسبة: فانّ السرد بمعنى الضمّ و الوصل. و السمد بمعنى الانتصاب و الذهاب و الدوام.

و يسبق الى الذهن: أن يكون النظر الأخير أنسب و أولى، فانّ زيادة الراء فيما بين السين و الميم أقرب الى التلفّظ و ألين، مع أنّ التناسب في المعنى اكثر و أشدّ فيه.

. إِنْ جَعَلَ اللّٰهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ- 28/ 71.

. إِنْ جَعَلَ اللّٰهُ عَلَيْكُمُ النَّهٰارَ سَرْمَداً إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ مَنْ إِلٰهٌ غَيْرُ اللّٰهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ- 28/ 72.

النهار لتأمين المعيشة، و الليل لرفع متاعب المشاغل و للاستراحة، و لا يتمّ واحد‌

114

منهما بدون آخر، و لا يمكن دوام الحياة إلّا بتحقّق الأمرين، فانّ الاستراحة للإنسان كتأمين القوى اللازمة المصروفة لادامة الحياة.

و ترتب نظام الليل و النهار: إنّما يتحقّق بنظم الحركة في الأرض، و بانتفاء الحركة الوضعيّة فيها ينتفي هذا الترتّب.

ثمّ إنّ التعبير بالسرمد دون الدوام: فانّ السرمد يدلّ على حركة دائميّة، أي دوام في نوع واحد من الحركة. و أمّا الدوام: فهو يدلّ على مطلق الاستمرار.

سرى

مصبا- سريت الليل و سريت به سريا، و الاسم السراية، إذا قطعته بالسير، و أسريت: لغة حجازيّة، و يستعملان متعدّيين بالباء الى مفعول، فيقال سريت بزيد و أسريت به. و السرية بضمّ السين و فتحها أخصّ، يقال: سرينا سرية من الليل و سرية، و الجمع السرى. قال أبو زيد: و يكون السرى أوّل الليل و أوسطه و آخره، و قد استعملت العرب سرى في المعاني تشبيها لها بالأجسام مجازا و اتّساعا،-. وَ اللَّيْلِ إِذٰا يَسْرِ- أي إذا يمضي، و قال البغوي: إذا سار و ذهب. و سرى عليه الهمّ: أتاه ليلا، و سرى همّه: ذهب. و قول الفقهاء: سرى الجرح في النفس معناه دام ألمه حتّى حدث منه الموت. و سرى التحريم و سرى العتق: بمعنى التعدية. و السريّة: قطعة من الجيش، فعيلة بمعنى فاعلة، لأنّها تسري في خفية، و الجمع سرايا و سريّات.

و السريّ: الجدول و هو النهر الصغير و الجمع سريان. و السريّ الرئيس، و الجمع سراة و هو جمع عزيز لا يكاد يوجد له نظير. و سراة الطريق: وسطه و معظمه. و السارية:

السحابة تأتي ليلا. و السارية: الاسطوانة، و الجمع سوار.

مقا- سرو: باب معتلّ و متفاوت جدّا لا تكاد كلمتان منه تجتمعان في قياس واحد. فالسرو: سخاء في مروءة، يقال سري و قد سرو. و السرو: كشف الشي‌ء عن الشي‌ء، سروت عنّي الثوب أي كشفته. و السرى: سير الليل، يقال سريت و أسريت. و سراة الشي‌ء: ظهره. و سراة النهار: ارتفاعه. و السراء: شجر. و السارية الاسطوانة. و هذا الّذي ذكرناه بعيد بعضه من بعض فلذلك لم نحمله على القياس،

115

و إذا همز كان أبعد، يقال سرأت الجرادة: ألقت بيضها.

التهذيب 13/ 52- قال أبو إسحاق:. أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ- معناه سيّر عبده، يقال أسريت و سريت: إذا سرت ليلا. و في-. وَ اللَّيْلِ إِذٰا يَسْرِ- معنى يسري: يمضي، و حذفت الياء لأنّها راس آية. و قال الليث: السرى سير الليل. و السارية من السحاب الّذي يجي‌ء ليلا، و جمعها السواري. و السارية اسطوانة من حجارة أو آجرّ، و عرق الشجر يسري في الأرض. و عن ابن الأعرابيّ: السرى: السراة من الناس.

و قال ابن السكّيت و غيره: سرو الرجل يسرو، و سرا يسرو، و سري يسرى، إذا شرف و سراة الفرس: أعلى متنه، و تجمع سروات. و السرو: الشرف. و السرو من الجبل: ما ارتفع عن مجرى السيل و انحدر عن غلظ الجبل. و سراة النهار: وقت ارتفاع الشمس في السماء. و سرو الرجل يسرو أي ارتفع يرتفع. و سراة الطريق: متنه و معظمه، و يقال استريته، إذا اخترته و أخذت سراته، أي خياره.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو سير بلا تظاهر و إعلان و جهر بل بالسرّ و الخفاء، مادّيّا أو معنويّا.

فالمادّيّ كما في-. فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ*.

و المعنويّ:. أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.

و في هذا المفهوم لا يلاحظ قيد الإقبال و لا الإدبار كما يلاحظ في الذهاب و المجي‌ء و الإتيان.

و لا قيد زمان معيّن كما في- المضيّ و التقدّم.

و لا قيد ابتداء و لا انتهاء و لا نقطة ملحوظة فيه كما في- التجاوز و الدرّ و الصبّ و التعدّي.

و لا قيد تقدّم أو تأخّر كما في- التقدّم و السبق و المسارعة.

و لا قيد الإطلاق كما في الحركة و الجري.

و لا قيد القدم كما في المشي.

116

و أمّا الفرق بين هذه المادّة و موادّ- السلوك، و السيلان، و السير، و الجري، و المرور.

فالسلوك: هو سير على خطّ معيّن مادّيّا أو معنويّا.

و السيلان: جريان في مايع من حيث هو و من دون قيد.

و السير: ذهاب مطلق من دون قيد، مادّيّا.

و الجري: حركة منظّمة دقيقة في طول مكان.

و المرور: اجتياز بشي‌ء و عنه.

فالسرى: يلاحظ فيه مفهوم السير و السرّ.

و لا يخفى انّ مفهوم السير المطلق أو السرّ: مأخوذان فيما فيه حرفا الراء و السين، كما في- السرب، السرح، السرو، السرق، السرف، السرع، السرط، السفر، الستر،- راجع- الحركة، الجري، المجي‌ء، الذهاب و غيرها.

فظهر أنّ تفسير المادّة بالسير ليلا أو بعرق شجر يسري أو بسحابة ليلا أو بقطعة جيش تسير خفاء و بالليل و أمثالها: بلحاظ هذا الأصل، فلا بد من لحاظ هذا الأصل و قيده في موارد استعمالها.

و أمّا التفسير بالذهاب و المجي‌ء و المضيّ و السير و الإتيان و الدوام و التعدّي، بطور مطلق: فمن باب التسامح.

و أمّا مفاهيم الارتفاع و الشرف و العلوّ و الرياسة و الاسطوانة و المعظّم و الظهور و أمثالها: فمن مادّة السرو واويّا، أو من السرء مهموزا، فانّ السرو و السرء بمعنى الارتفاع و الشرف، و قد اشتبهت و اختلطت هذه المعاني بين الموادّ المزبورة.

. فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ*- 11/ 81.

. وَ لَقَدْ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ مُوسىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبٰادِي- 20/ 77.

. فَأَسْرِ بِعِبٰادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ- 44/ 23.

فالإسراء في هذه الموارد لازم أن يكون سرّا و بالإخفاء دون الجهر و الإعلان، اتّقاء من كيد العدوّ و تحفّظا من مقابلته.

و ذكر الليل يدلّ على انّ هذا القيد غير مأخوذ في مفهوم المادّة، و إنّما يذكر‌

117

تأكيدا لمفهوم الإخفاء و الإسراء.

. وَ الْفَجْرِ وَ لَيٰالٍ عَشْرٍ وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ وَ اللَّيْلِ إِذٰا يَسْرِ- 89/ 4.

فانّ الليل فيه جهة الظلّية، و الظلّ فيه جهة الظلمة، و هو يسير سرّا و في ظلمة و من دون إجهار.

ثمّ إنّ السري في الليل، بلحاظ كونه منتهيا الى الفجر و النور مطلوب جدّا، سواء كان نورا ظاهريّا بالإصباح، أو نورا باطنّيا بروحانيّة في القرب من الفجر.

و لا يبعد شموله على المنازل الظلمانيّة المنتهية الى رفع الحجب للسالك حتى يرد في مراحل النور و اليقين، فهو متعلّم في سبيل الهدى.

. فَنٰادٰاهٰا مِنْ تَحْتِهٰا أَلّٰا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا- 19/ 24.

السريّ هذا من السرو، و أصله سريو، و هو بمعنى الشريف المرتفع الرفيع، و هذا إشارة إلى أنّ الطفل الصغير الّذي لا يستطيع على جلب نفع و خير و لا على دفع ضرر و شرّ و هو تحت اختيار أمّه و تصرّفه و تربيته، قد جعله اللّه تعالى رفيعا عاليا فوق العالم المحسوس الظاهر.

أو من الباب يائيّا، فيكون بمعنى- الّذي يسير سيرا معنويّا و هو في طريق الجري و الحركة الى الكمال.

و امّا تفسير السريّ بجدول الماء و النهر: فبعيد جدّا، فأوّلا إنّه معنى مجازيّ.

و ثانيا- إنّه لا يناسب ما قبله-. فَأَجٰاءَهَا الْمَخٰاضُ إِلىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قٰالَتْ يٰا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هٰذٰا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا- فهذا الكلام في مقام إظهار التألّم و الاضطراب بالنسبة الى وقوع المخاض، لا من جهة الشرب و الأكل و الغذاء، فمرجع النداء و الجواب الى أنّ هذا المخاض و الوضع ينتهي الى وجود طفل رفيع شريف فوق أفراد الناس، فيعلو ذكرها و يرفع مقامها و يخضع الناس في مقابل عظمة ولدها. و ثالثا- إنّ الماء في تلك الأراضي كثير وفير و لا حاجة الى إخراجه بطريق غير عاديّ.

. سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بٰارَكْنٰا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰاتِنٰا- 17/ 1.

التسبيح: هو جعل شي‌ء على الحقّ و في مسيره منزّها عن نقطة ضعف.

118

السجود: هو كمال الخضوع بحيث لا يبقى أثر من الأنانيّة.

الإسراء: جعل شي‌ء في المسير سرّا و من دون إعلان.

البركة: هو الفيض و الخير و الزيادة و الفضل.

الحرام: ما يكون ممنوعا من الأصل.

و المسجد الحرام: ذكر في القرآن المجيد في خمسة عشر موردا، مرادا به المسجد بمكّة فيه بيت اللّه. و أمّا المسجد الأقصى: فلم يذكر إلّا في مورد واحد و هو في هذه الآية الكريمة.

فالبحث في هذا الإسراء و حقيقته إنّما يقع في امور:

1- يبتدأ هذا الموضوع بالتسبيح: بمناسبة الإسراء، فانّ حقيقته في هذا المورد السير الروحاني من محدودة هذا العالم الجسمانيّ الدنيويّ الى العالم العلويّ الروحانيّ اللاهوتي، كما أنّ التسبيح هو الاعتراف و الإذعان و اليقين بانّ اللّه هو الحقّ و على الحقّ منزّها عن كلّ نقص و ضعف. فهو تعالى يليق و يقدر بأن يسري عبده الى المقام الأعلى الأقصى، و هذا من شأنه.

2- يعبّر النبيّ الأكرم بالعبد: إشارة الى أنّ هذا السير إنّما يتحقّق في مقام العبوديّة الحقّة، و العبوديّة منتهى مقام السالك، و فيه تنتفي الأنانيّة و النفسانيّة المتظاهرة-. عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ،. فَأَوْحىٰ إِلىٰ عَبْدِهِ مٰا أَوْحىٰ،. هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلىٰ عَبْدِهِ آيٰاتٍ بَيِّنٰاتٍ.

3- و قد وقع الإسراء بالليل: إشعار بأنّ الصفاء و النور الروحانيّ إنّما يتحصّل في الفراغ عن العلائق الماديّة و بانتفاء التظاهرات و التجلّيات الدنيويّة، و كلّما قلّ التظاهر المادّيّ تجلّت الأنوار الروحانيّة.

و أيضا إنّ الإسراء الروحانيّ لا بدّ و أن يكون في محيط خال عن الأغيار و في انقطاع عن المشاغل و الشواغل، حتّى يتحصّل التجرّد و الخلوص، فلازم أن يتحقّق في حال الخلوة و في أوقات فارغة عن الانس و إشراف الناس.

4- حقيقة مفهوم المسجد: مقام يتحقّق فيه الخضوع التامّ و الانكسار الكامل بحيث تنتفي الأنانيّة، و هذا المفهوم يصدق في الخارج بصورة السجدة المعمولة في‌

119

الصلوات و غيرها، فمحلّ هذه السجدة يطلق عليه المسجد، و المسجد الحرام أفضل المساجد الدنيويّة و أكرمها، و فيه امتياز مخصوص في الشرف و المنزلة و الانتساب الى اللّه المتعال.

و مصداقه في العالم الروحانيّ كلّ مقام للسالك يتحقّق فيه هذا المفهوم و يصدق فيه هذه الحقيقة، و أعلى هذه المساجد مقاما و فضلا هو المسجد الأقصى الّذي يتجلّى فيه منتهى حقيقة السجود، و يبارك ما حوله، و يرى فيه آياته الباهرة المتجلّية.

فالمسجد الأقصى: مقام تحقّق حقّ الخضوع بكماله و حقيقة السجود بتمامها و نهاية مرتبة الفناء و منتهى درجة سقوط الأنانيّة، بحيث تنتفي فيه الحجب قاطبة من ظلمانيّة و نورانيّة.

5- من المسجد الحرام: هذا المقام مبدأ الإسراء و ابتداء المسير، و هو في عين كونه أشرف و أفضل المساجد و المقامات الظاهريّة: متّصف بكونه حراما، أي ممنوعا في نفسه و محدودا في ذاته و مقيّدا بقيود معلومة من جهة السكنى و الورود و الخروج و الآداب و الأعمال و الطاعات، فالإسراء من هذه المحدودة يواجه أمورا معضلة، و لا سيّما إذا كان منتهى السير المقصد الأسنى و المسجد الأقصى، و هذا المعنى من مظاهر القدرة و من الآيات البيّنة الإلهيّة-. نَرْفَعُ دَرَجٰاتٍ مَنْ نَشٰاءُ*.

و ظاهر الآية الكريمة وقوع الإسراء من المسجد الحرام، لا من بلدة مكّة و من بيت النبيّ (ص)، و لا نحتاج الى تأويل.

و لا يبعد أن يكون الإسراء بمرّات عديدة، يشير الى كلّ منها و الى خصوصيّاته آية أو رواية خاصّة واردة، و لا حاجة لنا الى حصره بمرّة واحدة ثمّ تأويل جميع الآيات و الروايات اليها.

6- باركنا حوله: إشارة الى أنّ ما حول هذا المقام و النزول فيه بفضل منه تعالى و رحمة زائدة و فيض و توجه خاصّ، و لا يمكن لسالك أن يصل الى هذا المقام و يستغرق في هذا البحر العميق الزخّار إلّا بإسرائه و تأييده، و تحت تربيته و لطفه و فضله.

فهذا مقام خارج عن السير الطبيعيّ و الإمكانيّ للبشر-. يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشٰاءُ*.

120

7- لنريه من آياتنا: يشعر بانّ شهود الآيات الخاصّة له تعالى إنّما يتحصّل بعد الوصول الى هذا المقام، فانّ من لم ينقطع عن نفسه و عن أنانيّته و عمّا يتعلّق به حقّ الانقطاع: كيف يمكن له شهود آيات الحقّ و معاينة تجلّيات الجلال و الجمال كما هو-. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مٰا يَغْشىٰ مٰا زٰاغَ الْبَصَرُ وَ مٰا طَغىٰ، لَقَدْ رَأىٰ مِنْ آيٰاتِ رَبِّهِ الْكُبْرىٰ.

8- الإسراء: قلنا إنّه سير سرّا، و هذا الإسراء كذلك، و هو جريان خاصّ و فضل مخصوص و لطف ممتاز و رحمة رحيميّة، لا ينال به إلّا من اختاره اللّه في الأوّل و في مقام التربية ثانيا.

و يناسب هذه الحقيقة ذكر السبّوحيّة المقتضية للافاضة المناسبة، و ذكر العبوديّة المشعرة بتحقّق الاقتضاء في المورد و وجود الاستعداد الخاصّ، و ذكر المسجد مشيرا الى تحقّق حالة الخضوع التامّ و انتفاء الأنانيّة.

9- و أمّا تفسير المسجد الأقصى بمسجد القدس في بيت المقدّس: فلا يلائم المورد. فأوّلا- فانّ الأقصى بمعنى الأبعد الأعلى، و مسجد القدس ليس بأبعد مسجد من مكّة المكرّمة.

و ثانيا- إنّ الاسراء الى مسجد القدس أمر ماديّ ظاهريّ و لا فائدة فيه أزيد ممّا في تشرّف و رحلة اليه، و لا سيّما أن ذلك المسجد و تلك الأراضي كانت تحت سلطة من ايران و الروم، بين نفوذ مسيحيّة و زردشتيّة، و ذلك في زمان سابور ذي الأكتاف.

و ثالثا- إنّ الآية مصرّحة بأنّ الإسراء كان من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى، فيكون منتهى السير هو المسجد الأقصى، و أمّا ما فوقه من عوالم اخر فلا يدلّ عليه هذا الكلام الشريف.

و رابعا- إنّ السير الى ما فوق المسجد الأقصى إمّا في جهة مادّيّة أو روحانيّة:

فالأوّل لا يفيد عروجا معنويّا و معرفة إلهيّة أزيد ممّا في السير في الأرض. و الثاني لا يلائم السير في الجهة الاولى.

و خامسا- إنّ الإسراء المادّيّ لا يلائم كلمات- سبحان، أسرى، عبد، المسجد، اللّيل، المباركة- إراءة الآيات.

10- إنّ هذا الإسراء كان روحانيّا في جسمانيّة: بمعنى انّ مشاهدة تلك‌

121

العوالم و الآيات كانت في اليقظة، لا في حال النوم و لا في عالم التجرّد و الانقطاع الكامل الخارجيّ عن البدن، بل بالشهود في حال التعلّق خارجا بالبدن، أي شهود القلب مع كونه متعلّقا بالبدن و متوجّها اليه، و إن شئت فعبّر بحال الجمع في الجمع، و هذا المعنى إنّما يتحقّق للخواصّ من الأولياء و هو المرتبة القصوى و الحدّ الأعلى من الشهود.

و لعلّ هذا المعنى هو المراد من كون المعراج جسمانيّا.

11- إنّ مشاهدة ما شوهد في المعراج: ليس للبدن فيه أدنى تأثير، و لا حاجة في هذا المعنى الى إسراء البدن، بل و هو رفيق سوء في هذا المسير، بل و لا حاجة الى السير المكانيّ الظاهريّ، فانّ السماوات و الأرض قاطبة ماديّة محدودة جسمانيّة ظلمانيّة، و ليس في إسرائها مزيد فائدة.

و هذا خلاصة ما يعبّر بهذه الكلمات القاصرة ممّا يشاهده بعض أهل المعرفة و اليقين في خصوص هذه الآية الكريمة- فتدبّر فيها.

و امّا الروايات الواردة الصحيحة: فتنزيلات و تأويلات على لسان القوم كما في سائر الحقائق و المعارف المربوطة بعوالم ما وراء المادّة، فلا بدّ من تنزيلها الى صور تلائم المادّة و أهلها- كلّموا الناس على قدر عقولهم.

و مع هذا فالاحتياط في الدين يقتضي أن يرجع كلما لا يعرف علما يقينيّا، الى عالم الغيب و الشهادة، و هو العليم الخبير.

سطح

مقا- سطح: أصل يدلّ على بسط الشي‌ء و مدّه، من ذلك السطح معروف.

و سطح كلّ شي‌ء: أعلاه الممتدّ معه، و يقال انسطح الرجل: إذا امتدّ على قفاه فلم يتحرّك، و لذلك سمّي المنبسط على قفاه من الزمانة سطيحا، و سطيح الكاهن سمّي سطيحا، لأنّه كذلك خلق بلا عظم. و المسطح: الموضع الّذي يبسط فيه التمر.

و المسطح: الخباء، و الجمع مساطح، و إنّما سمّي بذلك لأنّه تمدّ الخيمة به مدّا.

و السطيحة: المزادة، و إنّما سمّيت بذلك لأنّه إذا سقط انسطح، أي امتدّ.

122

مصبا- سطح البيت و غيره: أعلاه، و الجمع سطوح. و انسطح الرجل امتدّ على قفاه زمانة و لم يتحرك، فهو سطيح. و سطحت التمر من باب نفع بسطته.

و المسطح: عمود الخيمة.

صحا- السطح: معروف، و هو من كلّ شي‌ء أعلاه، و سطح اللّه الأرض سطحا: بسطها. و تسطيح القبر: خلاف تسنيمه. و أنف مسطّح: منبسط جدّا.

و السطيحة و السطيح: المزادة. و السطيح: المستلقي على قفاه من الزمانة. و السطّاح:

نبت، الواحدة سطّاحة، و المسطح: الصفاة يحاط عليها بالحجارة فيجتمع فيها الماء.

أسا- سطح الشي‌ء: بسطه و سوّاه، و منه- سطح الخبز بالمسطح و هو المحور.

و سطح الثريدة في الصحفة. و منه- سطح البيت و سطح مسطّح: مستو. و بسط لنا المسطح و المساطح و هو الحصير من الخوص. و ضربه فسطحه: إذا بطحه على قفاه ممتدّا، فانسطح و هو سطيح و منسطح، و به سمّي سطيح. و ضربه بالمسطح و هو عمود الخباء. و شرب من السطيحة و هي المزادة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو البسط مع الاستواء، و هذا هو الفرق بينها و بين البسط و الاستواء و المدّ.

و اطلاق السطح على أعلى البيت: فانّ السطح في قبال الجدران المرتفعة عمودا، فهو ما يبسط و يستوي فوق الجدران.

و أمّا المسطح بمعنى عمود الخباء: فانّ العمود كالجدار يبسط فوقه الخباء.

و أمّا مفهوم المدّ: فباعتبار لحاظه في ضمن البسط.

و أمّا إطلاق المسطح على نفس الخباء إن صحّ: فلعلّ الخباء قبل البسط و الاستواء، و هو المراد، فانّه آلة للانبساط.

. وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ- 88/ 20.

أي بسطت و استوت حتّى جعلت مهيّأة للحياة الانسانيّة و الحيوانيّة، و للنباتات.

123

سطر

مقا- سطر: أصل مطّرد يدلّ على اصطفاف الشي‌ء، كالكتاب و الشجر، و كلّ شي‌ء اصطفّ. و أمّا الأساطير فكأنّها أشياء كتبت من الباطل فصار ذلك اسما لها، مخصوصا بها. يقال: سطّر فلان علينا تسطيرا: إذا جاء بالأباطيل، و واحد الأساطير إسطار و اسطورة. و ممّا شذّ عن الباب: المسيطر و هو المتعهّد للشي‌ء المتسلّط عليه.

مصبا- سطرت الكتاب سطرا من باب قتل: كتبته. و السطر الصفّ من الشجر و غيره، و تفتح الطاء في لغة بني عجل فيجمع على أسطار، و يسكن في لغة الجمهور فيجمع على أسطر و سطور.

التهذيب 12/ 326- ابن السكّيت: فمن قال سطر: فجمعه القليل:

أسطر، و الكثير: سطور. و من قال سطر: جمعه أسطارا. و قال الليث: يقال سطر من كتب، و سطر من شجر مغروس و نحو ذلك. و قال الزجّاج: في-. وَ قٰالُوا أَسٰاطِيرُ الْأَوَّلِينَ: خبر لابتداء محذوف. قال: و واحد الأساطير اسطورة كما قالوا احدوثة و أحاديث. و قال اللحياني: واحده: اسطور و اسطورة و أسطير، و يقال سطر و يجمع الى العشرة أسطار ثمّ أساطير جمع الجمع. و قال الليث: سطّر فلان علينا تسطيرا، إذا جاء بأحاديث تشبه الباطل، يقال هو يسطّر ما لا أصل له، أي يؤلّف. و سطر يسطر إذا كتب. و يقال سطر فلان فلانا بالسيف سطرا إذا قطعه به، كأنّه سطر مسطور، و منه قيل لسيف القصّاب ساطور. قال الفرّاء: في-. أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ:

كتابتها بالصاد و قراءتها بالسين و بالصاد، و مثله-. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ، و مثله- بسطة و بصطة. و قال الزجّاج: المسيطرون- الأرباب المسلّطون، يقال قد تسيطر علينا و تصيطر، و الأصل السين، و كلّ سين بعدها طاء يجوز أن تقلب صادا، نقول سطر و صطر، و سطا عليه و صطا. و قال الليث: السيطرة مصدر المسيطر و هو كالرقيب الحافظ المتعهّد للشي‌ء.

124

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الاصطفاف مع النظم في كتابة أو انسان أو شجر أو أحاديث أو غيرها ماديّا أو معنويّا.

يقال سطر من الكتاب و من الشجر و من الأحاديث و من الإنسان و من الكتاب المحفوظ و من اللوح و من الوحي.

و أمّا الاسطورة و الإسطارة و الأسطير: فمزيدة و تدلّ على زيادة و إضافة عن السطر الطبيعي، و هو السطر المجعول. و هكذا التسطير و هو جعل السطر، أي السطر المصنوع المجعول.

و الاستطار افتعال يدل على اختيار السطر، و هو مستطر و مستطر، و السيطرة ملحق بباب فعللة: بمعنى الاصطفاف في قبال شي‌ء و عليه.

. وَ الطُّورِ وَ كِتٰابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ- 52/ 3.

. كٰانَ ذٰلِكَ فِي الْكِتٰابِ مَسْطُوراً*- 17/ 58.

يراد مطلق ما يكتب و يضبط فيه الأمور و الجريانات الواقعة و الأحكام اللاحقة و المقدّرات المربوطة، و هذا الكتاب إمّا تكوينيّ أو تدوينيّ أو أنفسيّ، و كلّ منها فيه يضبط امور مربوطة به، فالقرآن كتاب تدوينيّ مسطور فيه الأحكام التكليفيّة و الضوابط الاخلاقيّة و المعارف الإلهيّة. و النفس الانسانيّ كتاب مسطور فيه ضوابط الصفات و الخلقيات و الطبائع و القوى، و كلّما اشتدّ الروح قوّة و كمالا اشدّ احتواء و ضبطا، الى أن يقال إنّه كتاب مبين جامع المراتب و المقامات.

فكلّ كتاب في اللاهوت يحتوي ما لا يحتويه الكتاب الجبروتي، و كلّ ما في الجبروت يحتوي ما لا يضبطه الكتاب الملكوتيّ، و هكذا الى أن يصل الى عالم اللفظ و التدوين، فالتدوين ظهور و تجلّي من التكوين.

فمراتب ما وراء التدوين: لا يتصوّر فيها لفظ و كلام و مادّة و تزاحم و تكاثف، بل هي من التكوينيّات، و كلّما قلّ فيه الحدود ازداد قوّة و نورا و ضبطا، الى أن ينتهي الى الحيّ القيّوم العزيز العليم المحيط- راجع الكتاب.

125

. ن وَ الْقَلَمِ وَ مٰا يَسْطُرُونَ- 68/ 1.

الكتاب مسطور و فيه جهة القابليّة و القلم ساطر و فيه جهة الفاعليّة، و به يتجلّى النظم و الضبط.

و لا يبعد أن تكون هذه الجملة الكريمة ناظرة الى قوله تعالى-. يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ .... نُورٌ عَلىٰ نُورٍ يَهْدِي اللّٰهُ لِنُورِهِ- 24/ 35.

فيكون القلم إشارة الى الشجرة المباركة، فانّ القلم ما يقطع من الشجرة و يكون آلة للكتابة و غيرها، و النون إشارة الى النور و عليه نور،. (اللّٰهُ نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ)، و التعبير بالنون المجرّد إشارة الى تجرّده الكامل، كما يقال هو بإشباع الهاء.

ثمّ إنّ النور يساوي عدده- 256، و بيّنته الباطنيّة- 206 و- ر، و هذا يساوي عدد الملفوظ الظاهر من- و القلم- 206، و القلم متجلّي و متظاهر من النور الأصيل المجرّد، و هذا ليس من تفسير الاية.

و أيضا إنّ عدد النون- 50، و هو أوّل سنة من الخلافة الحقّة للإمام عليّ (ع) بناء على أنّ وفاة النبيّ (ص) كانت في سنة 25 من البعثة، و عمره- 65 سنة، كما في بعض التواريخ و السير المعتبرة.

و أيضا إنّ عدد 50 بإسقاط المرتبة يكون 5، فيكون إشارة الى الخمسة أهل الكساء من أهل البيت، و هم من مصاديق القلم.

و أمّا صيغة الجمع في-. وَ مٰا يَسْطُرُونَ: فانّ القلم للجنس، مضافا الى أنّ النون أيضا مصداق حقيقيّ و أصيل من الساطر.

هذه ذوقيّات في هذه الآية الكريمة، و العلم عند اللّه المتعال.

. وَ كُلُّ شَيْ‌ءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ- 54/ 53.

أي كلّ شي‌ء و أمر صغير أو كبير موضوعا أو حكما فهو على مختار كونه على صفّ و نظم في البعد الطوليّ و العرضيّ و الذاتي، فلا يخرج شي‌ء ما عن كونه في سطر، فهو مسطور على أيّ حال و في أيّ جهة.

. إِنْ هٰذٰا إِلّٰا أَسٰاطِيرُ الْأَوَّلِينَ*- 6/ 25.

. وَ قٰالُوا أَسٰاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهٰا فَهِيَ تُمْلىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا- 25/ 5.

126

أي سطور زائدة مصنوعة مجعولة من الماضين، و ليست منسوبة الى اللّه أو الوحي أو القلم.

. إِنَّمٰا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ- 88/ 22.

أي و عليك التذكرة و التنبيه و بيان الحقائق، و ليس لك إعمال الحكومة و السيطرة و القيام على اصطفافهم و نظمهم و تدبير أمورهم جبرا و بالسلطة. فالسيطرة هو السطر بالغلبة و الحكومة و القهر الاستعلاء.

و زيادة الياء في السطر للإلحاق بالرباعيّ: تدلّ على الاستيلاء و القهر، فانّ الياء يدلّ على النفوذ و التعمّق، و انكسار الطرف.

سطو

مقا- سطا: أصل يدلّ على القهر و العلوّ. يقال: سطا عليه يسطو، و ذلك إذا قهره ببطش. و يقال فرس ساط: إذا سطا سائر الخيل. و الفحل يسطو على طروقته.

و يقال سطا الماء إذا كثر.

مصبا- سطا عليه و به يسطو سطوا و سطوة: قهره و أذلّه و هو البطش بشدّة.

و سطا الماء: كثر.

الجمهرة 3/ 29- السطو: مصدر سطا يسطو سطوا، و الاسم السطوة، و سطا الفحل إذا صال. و فرس ساط: إذا رفع ذنبه في حضره (عدوه).

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الصول و الحملة بالقهر. و إذا استعملت بحرف على تدلّ على الاستعلاء أيضا، بخلاف ما إذا استعملت بحرف الباء فتدل على الربط فقط.

. وَ إِذٰا تُتْلىٰ عَلَيْهِمْ آيٰاتُنٰا بَيِّنٰاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكٰادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيٰاتِنٰا- 22/ 72.

أي يصولون بالقهر بالنسبة الى الّذين يتلون عليهم الآيات.

127

و لمّا لم يكن لهم استعلاء عليهم عبّر متعلّقا بالباء.

سعد

مصبا- سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا، و الفاعل سعيد، و الجمع سعداء، و السعادة اسم منه، و يعدّى بالحركة في لغة فيقال سعده اللّه يسعده، فهو مسعود، و قرئ في السبعة بهذه اللغة في قوله تعالى-. وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا، بالبناء للمفعول. و الأكثر أن يتعدّى بالهمزة فيقال أسعده اللّه. و سعد بالضمّ خلاف شقي. و الساعد هو العضد، و الجمع سواعد، و ساعده مساعدة بمعنى عاونه.

مقا- سعد: أصل يدلّ على خير و سرور خلاف النحس، فالسعد: اليمن في الأمر. و السعدان: نبات من أفضل المرعى. و سعود النجم عشرة، مثل سعد بلع و سعد الذابح، و سميت سعودا ليمنها. هذا هو الأصل. ثمّ قالوا لساعد الإنسان ساعد، لأنّه يتقوّى به على أموره، و لهذا يقال ساعده على أمره، إذا عاونه، كأنّه ضمّ ساعده الى ساعده.

التهذيب 2/ 69- روي عن النبيّ (ص): إنّه كان يقول في افتتاح الصلاة- لبّيك و سعديك و الخير في يديك و الشرّ ليس اليك. فأمّا لبيّك: فهو مأخوذ من لبّ بالمكان و ألبّ إذا أقام به، لبّا و إلبابا، كأنّه يقول: أنا مقيم في طاعتك إقامة بعد إقامة، و مساعدة لك ثمّ مساعدة و إسعادا لأمرك بعد إسعاد، و أصل الإسعاد و المساعدة: متابعة العبد أمر ربّه. و الساعد: ساعد الذراع و هو ما بين الزندين و المرفق، سمّي ساعدا لمساعدته الكفّ إذا بطشت شيئا أو تناولته. أبو عمرو:

السواعد مجاري البحر الّتي تصبّ اليه الماء، واحدها ساعد. و السعد: ضدّ النحس يقال: يوم سعد و يوم نحس. و السعود: مصدر كالسعادة. ابن المظفّر: سعد يسعد سعدا و سعادة، فهو سعيد، نقيض شقي.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو حالة تقتضي الخير و الفضل و الصّلاح،

128

و هذا المعنى إمّا في ذات من حيث هو، تكوينا و استعدادا، و إمّا في عمل من جهة توفيق الأعمال الصالحة.

و يقابل هذا المفهوم: الشقاء و النحوسة، أي حالة شدّة و عناء و كلفة تمنع عن الخير و الصلاح و الفضل و السلوك الى الكمال.

و أمّا جملة- لبّيك و سعديك: فمفهومها قياما لك و في محضرك و في الخدمة و العمل لك، و الفعل مقدّر- البّ لبّا.

و في حالة مهيّأة للعمل الصالح و السلوك اليك و طلب الفضل و الكمال، بمعنى وجود الاقتضاء و التهيّؤ للخير و الصلاح أسعد سعدا.

. يَوْمَ يَأْتِ لٰا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلّٰا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّٰارِ لَهُمْ فِيهٰا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ، .... وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خٰالِدِينَ فِيهٰا- 11/ 108.

أي لا تقدر نفس أن تظهر ما في نفسها من إحاطة العظمة و السطوة و الهيبة، الّا أن يؤذن بالإظهار، فيومئذ يكون الناس على صنفين، إمّا شقيّ و هو في حالة الشدّة و العناء، فهو بمقتضى تلك الشدّة و الكلفة يكون له زفير و شهيق و هو في النار.

و إمّا سعيد و هو في حالة الشوق الى اللقاء و العلاقة بالروحانيّات، فهو بمقتضى تلك الحالة الفعليّة له مستقرّ في الجنّة.

فظهر أنّ السعادة لها ثلاث مراحل، الأولى- السعادة الفطريّة الذاتيّة بحسب اقتضاء الأسباب و العلل، من الخصوصيّات في الوالد و الأمّ و الزمان و المكان و الغذاء و الرحم و التحوّلات فيها، الى أن يستعدّ لنفخ الروح، فهو في تلك الحالة بعد هذه التحوّلات و الشرائط و المقتضيات امّا له درجة من السعادة أو في منزلة من الشقاء.

و الثانية- السعادة المكتسبة بالأعمال و العبادات و الطاعات و الرياضات، فانّ كلّ نفس مكلّف بمقدار وسعه و على ما آتيها، و العمل الصالح بأيّ كيفيّة كان و في أيّ مقام و حالة: يؤثّر في إيجاد السعادة، و يوجب قوّة و روحانيّة و انشراحا في الصدر.

و الثالثة- السعادة الفعليّة المتحصّلة من المرحلتين الذاتيّة و المكتسبة: و هي المتظاهرة في الآخرة، و هي مبنى الثواب و العقاب.

129

فقوله تعالى-. فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ: يراد الشقاوة و السعادة الفعليّين، لا ما كان مرادا في الحياة الدنيا، و على هذا يعبّر بقوله- ففي النار، ففي الجنّة، لا بقول- يدخلون الى النار و الجنّة، فانّهم بمقتضى اتّصافهم بهما فعلا فقد استقرّوا في النار و الجنّة، لا أنّهم يستقرّون بعد.

و أمّا التعبير في- سعدوا، بصيغة المجهول: إشارة الى أنّ السعادة كان من اللّه المتعال و بتأييده و توفيقه كما في المرحلتين الأوليين، و هذا بخلاف الشقاوة فانّه بسوء الاختيار و في نتيجة سوء العمل.

و أمّا تقديم الشقاء: فانّ المقام لبيان أحوال المشركين و الظالمين.

سعر

مصبا- سعّرت الشي‌ء تسعيرا: جعلت له سعرا معلوما ينتهي اليه، و أسعرته لغة. و سعرت النار سعرا من باب نفع، و أسعرتها إسعارا: أوقدتها، فاستعرت.

مقا- سعر: أصل واحد يدلّ على اشتعال الشي‌ء و اتّقاده و ارتفاعه. من ذلك السعير، سعير النار، و استعارها: توقّدها. و المسعر: الخشب الّذي يسعر به، فهي مسعرة و مسعورة، و يقال استعر اللصوص، كأنّهم اشتعلوا. و من هذا الباب السعر و هو الجنون، و سمّي بذلك لأنّه يستعر في الإنسان، و يقولون ناقة مسعورة، و ذلك لحدّتها كأنّها مجنونة. فأمّا سعر الطعام فهو من هذا أيضا لأنّه يرتفع و يعلو.

صحا- سعرت النار و الحرب: هيّجتها و ألهبتها، و قرئ-. وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، و سعّرت أيضا للمبالغة. و سعرناهم بالنبل: أحرقناهم و أمضضناهم.

و المسعر و المسعار: الخشب الّذي تسعر به النار، و منه قيل للرجل: إنّه مسعر حرب، أي تحمى به الحرب. و مساعر الإبل: آباطها و أرفاعها. و استعر الجرب في البعير: إذا ابتدأ بمساعره. و استعرت النار و تسعّرت أي توقّدت، و السعير: النار. في ضلال و سعر- قال الفرّاء: العناء و العذاب، و السعر أيضا: الجنون.

130

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو شدّة حرارة مع الالتهاب، و السعير هو الشديد حرارة و الملتهب.

و الفرق بين هذه المادّة و موادّ- التوقّد و الاشتعال و الالتهاب و الغليان و التهيّج و الإمضاض و التحرّق و الحرارة و الحمّ و الحمى:

أنّ الحرارة ضدّ البرودة، و هو معنى عامّ بلا قيد.

و الحمّ و الحمى: الحرارة الشديدة، و لعلّ الحمى قد أخذ من الحمّ و يستعمل غالبا في الحرارة الباطنيّة كالعطوفة- راجع الحمى.

و التحرّق: فوق الحمّ، بحصول التهيّج و التحرّك في الأجزاء قريبا من الالتهاب.

و الالتهاب: فوق التحرّق، و هو التحرّق الشديد الخالص من الدخان.

و الغليان: يلاحظ فيه جهة الجيش من حيث هو.

و التهيّج: يلاحظ فيه جهة الانبعاث و الثوران.

و الإمضاض: يلاحظ فيه الإيلام و الايجاع و إيجاد المشقّة.

و الاشتعال و التوقّد: إنّما يحصلان بعد التحرّق، و هو التلألؤ في النار، و في الاشتعال تلألؤ و تظاهر شديد.

. وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَ إِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ- 81/ 12.

فالتسعير إنّما يتحقّق في موضوع الجحيم، و قلنا في الجحيم: إنّه شدّة الحرارة بالغة حدّ التوقّد، فالتسعّر و هو الالتهاب في حرارة هو بعد الجحم.

. إِلىٰ عَذٰابِ السَّعِيرِ*،. مِنْ أَصْحٰابِ السَّعِيرِ،. وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ،. وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً،. لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّٰاعَةِ سَعِيراً.

يراد ما يكون في شدّة من الحرارة مع الالتهاب.

و يستفاد هذا المعنى أيضا من موارد استعمالها في:

. مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمٰا خَبَتْ زِدْنٰاهُمْ سَعِيراً- 17/ 97.

131

. وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً- 4/ 55.

فانّ الخبى انخفاض الصولة و انكسار اللهب و الحدّة، و أصله الستر مع الانكسار. و جهنّم اسم لما فيه مضيقة و كلوح و غلظة.

. إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلٰالٍ وَ سُعُرٍ- 54/ 47.

صيغة الجمع باعتبار المجرمين، و المجرم من انقطع عن اللّه تعالى بالخلاف و العصيان، و من ينقطع عن مبدأ الرحمة و النور و الحياة الروحانيّة: فقد ضلّ عن سبيل السعادة و الفلاح و هو في السعير.

فالسعير في مقابل الجنّة: فانّ الجنّة ما يغطّى و يلفّ تحت الأشجار مادّية، و تحت ظلال الرحمة و العطوفة معنويّة، و يقابلها السعير.

سعى

مصبا- سعى الرجل على الصدقة يسعى سعيا: عمل في أخذها من أربابها.

و سعى في مشيه: هرول. و سعى الى الصلاة: ذهب اليها على ايّ وجه كان. و أصل السعي: التصرّف في كلّ عمل. و سعى على القوم: ولي عليهم. و سعى به الى الوالي: وشى به. و سعى المكاتب في فكّ رقبته سعاية، و هو اكتساب المال ليتخلّص به. و استسعيته في قيمته: طلبت منه السعي. و الفاعل ساع.

صحا- سعى الرجل يسعى سعيا أي عدا، و كذلك إذا عمل و كسب، و كلّ من ولي شيئا على قوم فهو ساع عليهم، و أكثر ما يقال ذلك في ولاة الصدقة. و المسعاة واحدة المساعي: في الكلام و الجود. و السعو: الساعة من الليل، يقال مضى من الليل سعو. و ساعاني فلان فسعيته أسعيه، إذا غلبته فيه.

مفر- السعي: المشي السريع و هو دون العدو، و يستعمل للجدّ في الأمر خيرا كان أو شرّا. قال تعالى-. وَ سَعىٰ فِي خَرٰابِهٰا،. نُورُهُمْ يَسْعىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. و أكثر ما يستعمل السعي في الأفعال المحمودة. و خصّ السعي فيما بين الصفا و المروة من المشي. و المساعاة بالفجور.

132

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو مرتبة من الجهد، فانّ الجهد كما سبق هو السعي البليغ الى أن ينتهي النهاية.

و هذا المعنى يختلف في الموارد، ففي كلّ شي‌ء بحسبه: ففي المشي و السير: إنّما يتحقّق بالتصميم و تهيئة المقدّمات و عدم التساهل في الحركة. و في الكسب و التجارة:

بالدقّة و الاستقامة و المراقبة. و في فكّ الرقبة: بتحصيل المقدّمات من المال و غيره.

و هكذا السعي في تحصيل الكمال و الوصول الى المقصود، و في البلوغ الى العيش المادّيّ أو الاخرويّ، و في سبيل الفساد و الخراب أو الإصلاح، فالجهد في كلّ موضوع بحسب ما يناسبه.

و لعلّ هذا مراد من يفسّرها: بالتصرّف في كلّ عمل، أي بتغييرات و تحوّلات و تردّدات و مجاهدات حتّى يوفّق في منظوره.

و أمّا مفاهيم العدو و الهرولة و الذهاب و غيرها: فمن المصاديق.

و أمّا السعوة: فكأنّها من مادّة السوع و الساعة بالتبديل.

و أمّا السعي بين الصفا و المروة: بالهرولة و الذهاب و الرجوع و غيرها فانّ هذا جهد بعد الإحرام و الطواف ليبلغ المقصود.

. وَ الَّذِينَ سَعَوْا فِي آيٰاتِنٰا مُعٰاجِزِينَ*- 22/ 51.

آيات اللّه لا بدّ و أن يتوقّف فيها و يتفكّر و يتذكّر و يتعقّل، لا أن يتردّد و يذهب و يجهد و يسعى فيها.

. وَ إِذٰا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيٰاتُهُ زٰادَتْهُمْ إِيمٰاناً،. إِنَّمٰا يُؤْمِنُ بِآيٰاتِنَا الَّذِينَ إِذٰا ذُكِّرُوا بِهٰا خَرُّوا سُجَّداً.

مضافا الى أنّ نيّتهم في هذا السعي هو المعاجزة و تضعيف الآيات و تحقيرها.

فكلمة معاجزين: حال.

. وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلّٰا مٰا سَعىٰ- 53/ 39.

. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا- 18/ 104.

133

. وَ مَنْ أَرٰادَ الْآخِرَةَ وَ سَعىٰ لَهٰا سَعْيَهٰا وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولٰئِكَ كٰانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً- 17/ 19.

سبق في سعد: أنّ السعادة لها ثلاث مراحل: سعادة ذاتيّة تكوينيّة، و سعادة مكتسبة تحصيليّة، و سعادة متحصّلة اخرويّة، و كلّ منها إنّما ينتج و يؤثّر و يتحقّق له فعليّة و ثبوت: إذا تحقّقت السعادة الاكتسابيّة، فانّ بهذه السعادة تتمّ السعادة الذاتيّة و تحيي الفطرة السليمة و تتحقّق لها فعليّة، و في نتيجة هذا التحقّق في هذه المرحلة:

تتحقّق المرحلة الثالثة الاخرويّة، و إذا انتفت السعادة الاكتسابيّة و ضلّ السعي في الحياة الدنيا و اكتساب الأمور الماديّة: انتفت السعادة كلّا و لم يتحصّل منها شي‌ء.

فليس شي‌ء ينفع للإنسان في الآخرة إلّا سعي سعى لها في الدنيا، حتّى يحفظ فطرته الأصيلة السليمة و يقوّيها و يكمّلها بالسعادة الاكتسابيّة.

. يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسٰانُ مٰا سَعىٰ- 79/ 35.

. وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرىٰ- 53/ 40.

. إِنَّ السّٰاعَةَ آتِيَةٌ أَكٰادُ أُخْفِيهٰا لِتُجْزىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا تَسْعىٰ- 20/ 15.

. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنٰاتِ يَسْعىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ- 57/ 12.

. وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ- 66/ 8.

فانّ المؤمن هو المنقطع عن العلائق النفسانيّة و المرتبط المتعلّق باللّه عزّ و جلّ، و من يرتبط به تعالى و يجعل نفسه خالصا طاهرا عن الشوائب و الحجب: استعدّ للاستفاضة و الاستنارة، و يكون جميع أموره و أعماله و حركاته على بصيرة و نور من اللّه تعالى، فيتجلّى نور وجوده، و يتظاهر أشعّة حياته الخالصة الروحانيّة.

. وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّٰاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمٰاتِ لَيْسَ بِخٰارِجٍ مِنْهٰا.

و إطلاق السعي في هذا المورد: باعتبار شدّة تلألؤه و قوّة ظهوره أي النور، في جميع أموره و حركاته المتوالية.

و المراد من النور فيما بين الأيدي و الأيمان: تلألؤه و تجلّيه في طول المسير و هو أمام السالك، و في عرضه و هو جنبه.

134

و ينطبق ما في أمامه: على المعارف و الحقائق و المقامات الّتي فوق مقامه. و ما في أيمان: على صفات كريمة و أعمال مرضيّة له.

سغب

مقا- سغب: أصل واحد يدلّ على الجوع، فالمسغبة: المجاعة، يقال سغب يسغب سغوبا، و هو ساغب و سغبان. قال بعض: لا يكون السغب إلّا الجوع مع التعب. و ربّما سمّي العطش سغبا، و ليس بمستعمل.

أسا- هو ساغب لاغب، و قد سغب و سغب، و به سغب و مسغبة و سغابة:

جوع مع تعب، و هو سغبان، و يوم ذو مسغبة، و تقول: لو بقي الليث في الغابة لمات من السغابة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الجوع الشديد مع انتفاء الموادّ الغذائيّة في ذلك المحيط و الناس في مضيقة.

. فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعٰامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذٰا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذٰا مَتْرَبَةٍ- 90/ 14.

أي إطعام يتيم قريب أو مسكين فقير عاجز في يوم يصاحب المضيقة و المجاعة.

سفح

مقا- سفح: أصل واحد يدلّ على إراقة شي‌ء، يقال سفح الدم إذا صبّه.

و سفح الدم: هراقه. و السفاح: صبّ الماء بلا عقد نكاح، فهو كالشي‌ء يسفح ضياعا. و أمّا سفح الجبل: فهو من باب الإبدال، و الأصل فيه صفح. و السفيح:

أحد السهام الثلاثة الّتي لا أنصباء لها، و هو شاذّ عن الأصل.

صحا- سفح الجبل: أسفله حيث يسفح فيه الماء و هو مضطجعه. و سفحت الماء: هرقته. و سفحت دمه: سفكته. و السفاح: الزنا، يقول سافحها مسافحة‌

135

و سفاحا. و السفيح: سهم من سهام الميسر ممّا لا نصيب له.

أسا- ماء سافح و مسفوح، و فلان سفّاح: سفّاك للدماء، و سفحت العين دمعها. و جفن سفوح. و للوادي مسافح: مصابّ، و نزلنا بسفح الجبل، و هو ما اضطجع منه، كأنّما سفح منه سفحا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الصبّ فيما من شأنه المحفوظيّة، و هو يقابل الحصانة و هو الحفظ المطلق في الظاهر و المعنى، فالسفح أيضا يكون أعمّ من المادّيّ و المعنويّ.

و الفرق بين هذه المادّة و بين موادّ- السقط و الصبّ و السكب و السفك:

أنّ السقط هو نزول شي‌ء من العلوّ دفعة و بلا اختيار.

و الصبّ انحدار من فوق ماديّا أو معنويّا و بلا قيد.

و السكب مطلق انحدار في مادّة بدون لحاظ جهة الحصانة.

و السفك انحدار يلاحظ فيه جهة العدوان.

فتفسير المادّة بهذه الكلمات تقريب في المعنى لا تحقيق فيها.

و قلنا إنّ السفح في مقابل الحصن: و الحصن هو المحفوظيّة في الظاهر و الباطن من حيث هي. فيكون السفح عدم كون شي‌ء محفوظا في نفسه، بل متجاوزا عن حدّ العفّة و الوقار و العصمة، و لم يعصم نفسه. و إذا استعمل من باب المفاعلة: فيدلّ على الاستمرار و زوال العفّة، و يلازم هذا المعنى: ما يفسّر السفاح بالفجور و الزنا.

. وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوٰالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ .... وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنٰاتٍ غَيْرَ مُسٰافِحٰاتٍ وَ لٰا مُتَّخِذٰاتِ أَخْدٰانٍ فَإِذٰا أُحْصِنَّ- 4/ 25.

يراد انحدار العصمة و العفّة و الحفظ عن محدودتها، و هذا في قبال الحصانة.

و لا يخفى أنّ الحصانة في الرجال: بمعنى واحد و هو حفظ عفاف النفس. و أمّا في النساء: فظاهريّ و معنويّ، فالظاهريّ: هو الحصانة بالتزويج و من ناحية الزوج.

136

و المعنويّ: هو التحفّظ و التعفّف.

فالمحصنات عند الإطلاق: يراد منها معناها المطلق أو معناها الظاهريّ الخارجيّ، و بالقرينة تحمل على المراد.

. قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ- 6/ 145.

يراد ما ينحدر من الدم بالذبح، فانّه محرّم، دون ما يبقى في ضمن اللحوم.

فظهر لطف التعبير بالمادّة دون ما يرادفها.

سفر

مصبا- سفر الرجل سفرا من باب ضرب، فهو سافر، و الجمع سفر، مثل صاحب و صحب، و هو مصدر في الأصل، و الاسم السفر، و هو قطع المسافة، يقال ذلك إذا خرج للارتحال أو لقصد موضع فوق مسافة العدوى، و استعمال الفعل و اسم الفاعل منه مهجور، و جمع الاسم أسفار، و سافر مسافرة: كذلك، و كانت سفرته قريبة، و قياس جمعها سفرات. و سفرت الشمس سفرا: طلعت. و سفرت بين القوم أسفر سفارة: أصلحت، فأنا سافر و سفير. و قيل للوكيل و نحوه سفير، و الجمع سفراء، و كأنّه مأخوذ من قولهم- سفرت الشي‌ء: إذا كشفته و أوضحته، لأنّه يوضح ما ينوب فيه و يكشفه. و سفرت المرأة سفورا: كشفت وجهها، فهي سافر بغير هاء.

و أسفر الصبح إسفارا: أضاء. و أسفر الوجه من ذلك إذا علاه جمال. و أسفر الرجل بالصلاة: صلّاها في الأسفار. و السفرة: طعام يصنع للمسافر، و الجمع سفر، و سمّيت الجلدة الّتي يوعى فيها الطعام سفرة مجازا.

مقا- سفر: أصل واحد يدلّ على الانكشاف و الجلاء. من ذلك السفر، سمّي بذلك لأنّ الناس ينكشفون عن أماكنهم. و السفر المسافرون. و من الباب و هو الأصل سفرت البيت: كنسته، و لذلك يسمّى ما يسقط من ورق الشجر: السفير، و إنّما سمّي سفيرا لأن الريح تسفره. و أمّا قولهم: سفر بين القوم سفارة إذا أصلح:

فهو من الباب لأنّه أزال ما كان هناك من عداوة و خلاف. و سفرت المرأة عن وجهها‌

137

إذا كشفته. و أسفر الصبح: و ذلك انكشاف الظلام. و وجه مسفر: إذا كان مشرقا سرورا، و يقال استفرت الإبل: تصرّفت و ذهبت في الأرض. و السفر: الكتابة، و السفرة: الكتبة، و سمّي بذلك لأنّ الكتابة تسفر عمّا يحتاج اليه.

الاشتقاق 166- مسافر: مفاعل من السفر. و السفر: القوم المسافرون، لا يتكلّم بواحده، لا يقال سافر و سفر، و هو الأصل. و قد يجمع سفر سفّارا، و لم يقولوا رجل سافر، في معنى السفر، اقتصروا على مسافر، يقال: سافر الرجل يسافر سفارا و مسافرة. و السفر: الكتاب من التوراة و الإنجيل و ما أشبههما، و الجمع أسفار.

و السفير: الماشي بين القوم في الصلح. سفر يسفر سفارة. و السفير: ما طرحته الريح من ورق الشجر. و السفار: حديدة شبيهة بالحكمة يجعل على خطم البعير، و بعير مسفر: قويّ على السفر. و سفرت المرأة عن وجهها تسفر سفرا لا غير، و كذلك سفر الصبح و أسفر.

مفر- السفر: كشف الغطاء، و يختصّ ذلك بالأعيان نحو سفر العمامة عن الرأس، و الخمار عن الوجه، و سفر البيت: كنسه بالمسفر، أي المكنس. و الإسفار يختصّ باللون، نحو و الصبح إذا أسفر أي أشرق لونه. و السفر: الكتاب الّذي يسفر عن الحقائق. و السفير: الرسول بين القوم يكشف و يزيل ما بينهم من الوحشة.

فالرسول و الملائكة و الكتب مشتركة في كونها سافرة عن القوم ما استبهم عليهم.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الحركة الى محيط خارج عن محدودته، و هذا القيد ملحوظ في جميع موارد الاستعمال.

ففي السفر: خروج عن محدودة الوطن، و هو في قبال الحضر.

و من ذاك المعنى السفير: و هو خروج عن محيط يتوطّن فيه الى محيط خارج، و يلاحظ فيه هذه الخصوصيّة فقط، و أمّا الرسالة و الإبلاغ و العمل بوظائف خاصّة، أو قيد الخروج من جانب شخص معيّن و غيره: فانّما يستفاد بقرائن اخر، فيقال إنّه سفير من جانب تلك الحكومة. وظيفته العمل و المذاكرة على طبق هذا المحيط، بأيّ‌

138

نحو و خصوصيّة يوافق صلاح حكومته و وطنه.

و هذا هو الفارق بينه و بين الوكيل و الرسول و النبيّ و المصلح.

و أمّا الفرق بينه و بين المسافر: فانّ فاعل يدلّ على استمرار السفر و إدامته، كما في المسافرة العرفيّة، و السفير ليس له إلّا خروج من محيط و ورود الى محيط معيّن.

و أمّا السفرة: كاللقمة بمعنى ما يسفر به، و هو الطعام و ظرفه.

و أمّا السفر بمعنى الكتاب: فهو مخصوص بكتاب سماويّ، فكأنّه خرج من محيط روحانيّ علويّ و نزل في محيط دنيويّ، و إطلاقه في الكتب المتداولة مجاز.

و أمّا السفير بمعنى الورق الساقط: فمن ذاك الأصل.

و أمّا مفهوم الكنس: فهو باعتبار إخراج ما هو من الزوائد، و المسفرة هو المكنسة.

و أمّا مفهوم كشف الوجه: فهو باعتبار خروج المرأة عن محدودة العفاف الى محيط و وضع مخالف، و ليس الكشف بخصوصه من الأصل.

و أمّا مفاهيم الإيضاح و الاضاءة و الجمال و انكشاف الظلام و الاشراق و ما يماثلها: فمن لوازم الأصل في موارد استعماله، و الأصل ما قلناه.

. وَ الصُّبْحِ إِذٰا أَسْفَرَ- 74/ 34.

. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضٰاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ- 80/ 38.

أي إذا جعل الصبح محيطا سافرا و أخرجه من محدودة الظلمة الى الضياء و الاشراق و الانكشاف.

و وجوه يوم القيامة تكون ضاحكة بتحوّل حالتها و تبدّلها الى حالة ناعمة، و خروجها الى النور و السرور و الانشراح، فتدخل الى محيط وسيع روحانيّ نورانيّ.

و قلنا في السابق إنّ الملحوظ في صيغة أفعل: هو جهة الصدور، بمعنى انّ النظر فيها الى قيام الفعل بالفاعل و صدوره منه.

و إذا أريد من الصبح: تجلّي النور و ظهوره، و من الوجوه: ما يكون فيه وجهة من اللّه تعالى: فيشار الى مقام روحانيّ يرتفع فيه الظلام، و يتحصّل فيه المرابطة، و يتحقّق الاستنارة و الاستشراق.

139

. مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرٰاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهٰا كَمَثَلِ الْحِمٰارِ يَحْمِلُ أَسْفٰاراً- 62/ 5.

أي يحمل كتبا سماويّة نازلة من اللّه تعالى فيها حقائق و معارف يهتدي بها من يشاء الى الحقّ و السعادة و الكمال و النور.

و يؤيّد ما ذكرنا من معنى السفر: ذكر التوراة في المورد، و أنّ الكتب المعمولة في الفنون المختلفة لا تزيد لمن راجعها بصيرة و اهتداء، و أنّهم في تركهم الكتب السماويّة و عدم استفاضتهم منها كالحمار الحامل أسفارا سماويّة.

. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرٰامٍ بَرَرَةٍ- 80/ 15.

جمع سافر و هو من يخرج من محيط الى محيط خارج، كالرسول المبعوث المرسل، و الملك المرسل المبعوث، و السفرة هم المبعوثون من جانب اللّه تعالى و بأيديهم كتب و صحف سماويّة، يبلّغونها الى الناس.

و التعبير بالسفرة دون النبيّ و الرسول: إشارة الى أنّهم قد بعثوا خارجين من مقام فوق عالم المادّة، و ليسوا من أهل الدنيا المحجوبين.

. فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ- 2/ 184.

. وَ إِنْ كُنْتُمْ عَلىٰ سَفَرٍ وَ لَمْ تَجِدُوا كٰاتِباً- 2/ 283.

التعبير بالسفر دون المسافرة: إشارة الى أقلّ مرتبة منه يتحقّق فيه السفر و يصدق فيه هذا المفهوم من دون توقّف على استمراره، و أمّا التعبير بالمادّة دون ألفاظ اخر: إشارة الى أنّ المبنى في الحكم هو تحقّق معنى السفر و هو الخروج من الموطن و البعد عنه الى أن يدخل في محيط خارج، و المقدار المسلّم في تحقّق هذا المعنى هو البلوغ الى حدّ ثمانية فراسخ، فإذا قصد الإنسان هذا المقدار من المسافة: فهو في سفر.

فالمناط هو الخروج عن الموطن قاصدا أو واصلا الى المسافة. و امّا كيفيّة السفر و خصوصيّته و سائر جهاته من جهة المدّة و المركب و الزمان و غيرها: فليس لها موضوعيّة و تأثير في الحكم.

فالفرق بين المركب السريع و البطي‌ء و المقدار الزمانيّ: خارج عن المنظور و مبنى‌

140

الحكم و حدود الموضوع.

فالسفر كالمرض له موضوعيّة كما في موارد تلك الآيات أيضا.

. وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ* ...،. وَ إِنْ كُنْتُمْ عَلىٰ سَفَرٍ وَ لَمْ تَجِدُوا.

فإنّ الكون على سفر إذا لم يوجد ماء و لا كاتب هناك يوجب تغيّر التكليف.

سفع

مقا- سفع: أصلان، أحدهما لون من الألوان، و الآخر تناول شي‌ء باليد.

فالأوّل- السفعة و هي السواد و لذلك قيل للأثافيّ سفع، و منه قولهم- أرى به سفعة من غضب، و ذلك إذا تمعّر لونه. و السفعاء: المرأة الشاحبة، و كلّ صقر أسفع، و كان الخليل يقول: لا تكون السفعة في اللون إلّا سوادا مشربا حمرة. و أمّا الأصل الآخر- فقولهم سفعت الفرس إذا أخذت بمقدّم رأسه و هي ناصيته. و يقال سفع الطائر ضريبته، أي لطمه، و سفعت رأس فلان بالعصا، هذا محمول على الأخذ باليد.

الاشتقاق 97- و السفع أن يأخذ الرجلان كلّ واحد منهما بناصية صاحبه، و أصل السفع الجذب، يقال اسفع بيده، أي خذ بيده. و كان بعض قضاة البصرة مولعا بأن يقول: يا حرسيّ اسفعا بيده، و سفعت بناصية الفرس، إذا أخذتها بشمالك و ألجمته بيمينك، و يقال سفعته النار تسفعه سفعا، إذا مسّت جلده فأثّرت فيه.

ص 132- مسافع: من السفع و هو الأخذ بالناصية. و السفعة حمرة فيها كدرة و سواد.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو القبض الشديد، يقال سفع بيده و بناصيته، و به من الغضب سفعة أي انقباض شديد، و في لونه سفعة أي انقباض في زهرته.

و أمّا مفاهيم- الأخذ و الضرب و اللطم و التناول و الجذب: فهي من آثار الأصل‌

141

و لوازمه في الموارد المختلفة.

و أمّا قيد الناصية: فهو مأخوذ من استعمال الكلمة في القرآن الكريم في ذلك المورد، و هذا اللحاظ كثيرا ما يوجب خلطا لأهل اللغة، حيث قيّدوا اللغات بالقيود الموجودة في موارد استعمال المادّة في كلام اللّه تعالى.

و امّا الناصية و فرقها مع الجبهة و الجبين و النزعة و الصدغ:

فانّ الجبهة: ما فوق الحاجبين الى الناصية، و طرفاها يسمّى بالجبين.

و الناصية: ما فوق الجبهة و هو مقدّم الرأس و فيه الشعر.

و طرفاه البياضان و هما النزعتان و يقابله القفا من الرأس. و الصدغ: تحت الجبين.

. كَلّٰا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنّٰاصِيَةِ نٰاصِيَةٍ كٰاذِبَةٍ خٰاطِئَةٍ- 96/ 16.

إن لم ينته عن النواهي و الزواجر، لنقبضه قبضا شديدا في الظاهر و في المعنى، أمّا في الظاهر فبالقبض بناصيته، بحيث لا يقدر أن يتحرّك الى جانب و يميل الى ناحية و يتفكّر في أموره، فهو مغلوب مقهور تحت سلطة القابض المقتدر. و أمّا المعنويّ: فانّ مقدّم الرأس مركز الإحساسات و الإدراكات و التوجّهات، فإذا قبضت الناصية بيد غيبيّ إلهيّ جبّار: يكون محدودا و مقيّدا و محكوما و مأخوذا بأخذ عزيز مقتدر، و في هذا عذاب أليم ليس فوقه عذاب.

سفك

مقا- سفك: كلمة واحدة، يقال: سفك دمه يسفكه سفكا: إذا أساله، و كذلك الدمع.

مصبا- سفك الدم و الدمع سفكا من باب ضرب، و في لغة من باب قتل:

أرقته، و الفاعل سافك، و سفّاك مبالغة.

مفر- السفك في الدم: صبّه، و كذلك في الجوهر المذاب و في الدمع.

142

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو انحدار و صبّ فيه نظر عدوان، كما سبق في السفح، و أكثر استعماله في الدم.

. قٰالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ الدِّمٰاءَ- 2/ 30.

الفساد في إخلال النظم التشريعيّ و نقض القوانين الاجتماعيّ و العرفيّ. و ذلك إذا تجاوز الحدّ يبلغ حدّ الإخلال في التكوين كسفك الدماء.

. وَ إِذْ أَخَذْنٰا مِيثٰاقَكُمْ لٰا تَسْفِكُونَ دِمٰاءَكُمْ وَ لٰا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ- 2/ 84.

الخطاب لبني إسرائيل.

و التعبير بالمادّة دون الاماتة: فانّ الحياة و الموت من النظام، و امّا سفك الدماء:

فيدل على إخلال في النظام بقصد التجاوز و العدوان، و على أشدّ ظلم و عصيان و منكر و طغيان.

سفل

مقا- سفل: أصل واحد و هو ما كان خلاف العلوّ. فالسفل: سفل الدار و غيرها، و السفول: ضدّ العلوّ، و السفلة: الدون من الناس، يقال هو من سفلة الناس و لا يقال سفلة، و السفال نقيض العلاء، و انّ أمرهم لفي سفال. و يقال قعد بسفالة الريح و علاوتها، و العلاوة من حيث تهبّ. و السفالة ما كان بإزاء ذلك.

مصبا- سفل سفولا من باب قعد، و سفل من باب قرب لغة صار أسفل من غيره، فهو سافل، و سفل في خلقه و عمله سفلا و سفالا من باب قتل، و الاسم السفل بالضمّ. و تسفّل خلاف جاد، و منه قيل للأراذل سفلة، و فلان من السفلة، و يقال أصله سفلة البهيمة و هي قوائمها، و يجوز التخفيف فيقال سفلة مثل كلمة و كلمة، و السفل خلاف العلو، و الكسر لغة.

أسا- سفل الحجر و غيره سفلا. و مررت بعالية النهر و سافلته و نزلوا في أعالي‌

143

الوادي و أسافله. و نزل أسفل منّي. و سفلة البعير سالمة و هي قوائمه. و أنا أسكن في معلاة مكّة و فلان في مسفلتها. و سفّل الشي‌ء: صوّبه. و من المجاز- سفلت منزلته عند الأمير، و أمره كلّ يوم الى سفال. و قد سفل في العلم و النسب و استفل و تسفّل.

و هو من السفلة. و من قال السفلة فهو على وجهين: أن يكون تخفيف السفلة كاللبنة في اللبنة، و جمع سفيل كعلية في جمع عليّ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل العلوّ.

و سبق في- تحت: أنّ تحت في مقابل الفوق، و يستعمل في المنفصل كما أنّ السفل يستعمل في ما يتصل و هو مفهوم نسبيّ في مقابل العلوّ.

و قلنا في- دون: هو يدلّ على الغيريّة مع التسفّل.

ثمّ إنّ المادّة تستعمل في المادّيّات و في المعنويّات: أمّا المعنويّات، فكما في:

. وَ جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلىٰ وَ كَلِمَةُ اللّٰهِ هِيَ الْعُلْيٰا- 9/ 40.

أي موهونة ضعيفة خالية عن القوّة و البرهان، فانّها خلاف الحقّ و خلاف النظام و الفطرة و الحقائق الثابتة.

. رَبَّنٰا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلّٰانٰا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُمٰا تَحْتَ أَقْدٰامِنٰا لِيَكُونٰا مِنَ الْأَسْفَلِينَ- 41/ 29.

أي من الّذين يستقرّون في المنازل السافلة من منازل الآخرة، و الدرجات فيها غير ماديّة.

و أمّا المادّيات فكما في:. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنٰاهُ أَسْفَلَ سٰافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا- 95/ 5.

إشارة الى جريان حياة الإنسان المادّية، فانّه خلق على أحسن تقويم و أكمل ترتيب و نظم جامع لجميع ما يحتاج اليه من الجوارح و الأعضاء و القوى و الجمال، ثم يردّ في آخر سنين من عمره الى تحليل القوى و الضعف في البدن حتّى يموت و يفنى جميع أعضائه و بدنه بالكليّة و لا يبقى منه جمال و لا صورة.

144

فلا يعتمد على الحياة المادّيّة الدنيويّة و زينتها و جمالها، إلّا أن تكون قائمة بالحياة الروحانيّة-. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ.

و هكذا قوله تعالى:. فَلَمّٰا جٰاءَ أَمْرُنٰا جَعَلْنٰا عٰالِيَهٰا سٰافِلَهٰا- 11/ 82.

و أمّا ما يحتمل فيه الأمران فكما في:. إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّٰارِ- 4/ 145.

فيعمّ الحياة الدنيا و حياتهم الآخرة، فانّ النفاق لا يزيد لصاحبه إلّا اختلالا و اغتشاشا في الفكر، و سلب الاعتماد و الاطمينان و التصديق له في جامعة الناس، فهو مضطرب دائما في الدنيا. و يحشر في الآخرة في زمرة المنكرين المخالفين الكافرين.

سفن

مصبا- السفينة معروفة، و الجمع سفين و سفائن، و يجمع السفين على سفن، و جمع السفينة على سفين شاذّ لأنّ الجمع الّذي بينه و بين واحده الهاء: بابه المخلوقات مثل تمرة و تمر و نخلة و نخل، و أمّا في المصنوعات: فمسموع في ألفاظ قليلة، و منهم من يقول: السفين لغة في الواحدة، و هي فعيلة بمعنى فاعلة لأنّها تسفن الماء أي تقشره. و صاحبها سفّان.

مقا- سفن: أصل واحد يدلّ على تنحية الشي‌ء عن وجه الشي‌ء كالقشر. قال ابن دريد: السفينة فعيلة بمعنى فاعلة لأنّها تسفن الماء كأنّها تقشره. و أصل الباب السفن و هو القشر، يقال سفنت العود أسفنه سفنا. و السفن: الحديدة الّتي ينحت بها و سفنت الريح التراب عن وجه الأرض.

التهذيب 13/ 4- ابن السكّيت: السفن القشر، يقال سفنه يسفنه سفنا:

إذا قشره. و السفن و المسفن و الشفر: شبه قدوم يقشر به الأجذاع. و قيل: السفن جلد السمك الّذي يحلّ به السياط و القدحان، و يكون على قائم السيف. و قال الليث: و قد يجعل من الحديد ما يسفن به الخشب. و الريح تسفن التراب تجعله دقاقا. و قال أبو عبيد: السوافن الرياح الّتي تسفن وجه الأرض كأنّها تمسحه، و قال غيره: تقشره. ابن الأعرابي: قيل لها سفينة لأنها تسفن بالرمل إذا قلّ الماء، فهي‌

145

فعيلة بمعنى فاعلة، و تكون مأخوذة من السفن و هو الفأس الّذي ينجر به النجّار.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الحركة مع التنحية و القشر، و من مصاديقه الرياح العاصفة الّتي تنحّي الزوائد عن وجه الأرض و تزيلها، و الفأس أيضا يزيل بالحركة قشر العود الّذي هو زائد، و السفينة الجارية على وجه الماء تنحّي عنه كلّ ما على وجه الماء بالحركة.

و أمّا السفن و هو الجلد الخشن يجعل على قائمة السيف أي مقبضه: فباعتبار النحت و القشر في القائمة حتّى يتّصل بها و يساويها، أو بلحاظ أنّ ذلك الجلد مقشور من سمك لهذا المنظور.

و لا يبعد أن يكون اللفظ مأخوذا من العبريّة، فانّ الكلمة فيها قريبة منه.

قع- (سفيناه) سفينة، مركب، زورق.

فعلى هذا لا نحتاج الى اثبات تناسب بين الكلمة و المادّة- سفن.

. حَتّٰى إِذٰا رَكِبٰا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهٰا- 18/ 71.

. فَأَنْجَيْنٰاهُ وَ أَصْحٰابَ السَّفِينَةِ وَ جَعَلْنٰاهٰا آيَةً- 29/ 15.

أي أنجيناهم من الطوفان العامّ، و جعلنا السفينة و جريان نجاتهم من بين هذه البليّة آية للعالمين.

سفه

مقا- سفه: أصل واحد، يدلّ على خفّة و سخافة، و هو قياس مطّرد، فالسفه ضدّ الحلم، يقال ثوب سفيه، أي ردي‌ء النسج. و يقال تسفّهت الريح، إذا مالت.

و يقال تسفّهت فلانا عن ماله، إذا خدعته كأنّك ملت به عنه و استخففته. و ذكر ناس أنّ السفه أن يكثر الإنسان من شرب الماء فلا يروى، و هذا إن صحّ فهو قريب من ذاك القياس.

مصبا- سفه سفها من باب تعب، و سفه سفاهة فهو سفيه و الأنثى سفيهة،

146

و الجمع سفهاء. و السفه: نقص في العقل و أصله الخفّة. و سفه الحقّ: جهله.

و سفّهته تسفيها: نسبته الى السفه أو قلت له إنّه سفيه.

التهذيب 6/ 131- قال اللّه تعالى-. إِلّٰا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ: قلت- قال الأخفش:

أهل التأويل يزعمون أنّ المعنى- سفّه نفسه. و ذهب يونس: الى أنّ فعل للمبالغة، كما أنّ فعّل للمبالغة، و يجوز على هذا القول سفهت زيدا بمعنى سفّهت زيدا. و قال أبو عبيدة: معنى سفه نفسه أهلك نفسه و أوبقها، و هذا غير خارج من مذهب يونس و أهل التأويل. و قال الكسائي و الفرّاء: إنّ نفسه منصوب على التفسير، و قالا:

التفسير في النكرات أكثر، نحو طبت به نفسا، و قررت به عينا. و قيل: معناه- إلّا من سفه في نفسه، إلّا أنّ في حذفت كما حذفت حروف الجرّ في غير موضع. و قال الزجاج: القول الجيّد عندي في هذا: أنّ سفه في موضع جهل. و قال بعض أهل اللغة: أصل السفه: الخفّة، و معنى السفيه الخفيف العقل. و من هذا يقال- تسفّهت الرياح الشي‌ء: إذا حرّكته و استخفّته فطيّرته. و يقال: ناقة سفيهة الزمام إذا كانت خفيفة السير. أبو عبيد: سفهت الماء إذا أكثرت منه و لم ترو. و قال غيره:

سافهت الشراب إذا أسرفت فيه. و في حديث ثابت عن النبيّ (ص): الكبر أن تسفه الحقّ و تغمط الناس. و قال أبو زيد: امرأة سفيهة من نسوة سفائه و سفيهات و سفه و سفاه، و رجل سفيه من رجال سفهاء و سفّه و سفاه. و يقال سفه الرجل يسفه فهو سفيه، و لا يكون هذا واقعا، و أمّا سفه: فانّه يجوز أن يكون واقعا، و الأكثر فيه أن يكون غير واقع أيضا.

مفر- السفه: خفّة في البدن، و منه قيل زمان سفيه: كثير الاضطراب، و ثوب سفيه: ردي‌ء النسج. و استعمل في خفّة النفس لنقصان العقل، و في الأمور الدنيويّة و في الاخرويّة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الاختلال، و أكثر استعماله فيما يقابل العقل و الحلم، و قد يستعمل في اختلال الأمور الماديّة.

147

ثم إنّ الفعل منها من باب فعل: لازم دائما، يقال سفه يسفه فهو سفيه، و أمّا من باب فعل و فعل: فقد يستعمل متعدّيا.

و أمّا مفاهيم- الخفّة و السخافة و الرداءة و الميل و الخدعة و النقص و الجهل و الاضطراب و الإسراف: فمن آثار الأصل و لوازمه في الموارد.

و أمّا شرب الماء: فيستعمل في مورد الشرب من غير تقدير و ميزان.

. وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّٰهُ لَكُمْ قِيٰاماً- 4/ 5.

. فَإِنْ كٰانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً- 2/ 282.

يراد الاختلال في العقل.

. قٰالُوا أَ نُؤْمِنُ كَمٰا آمَنَ السُّفَهٰاءُ، أَلٰا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهٰاءُ- 2/ 14.

. قٰالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنّٰا لَنَرٰاكَ فِي سَفٰاهَةٍ ...،. قٰالَ يٰا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفٰاهَةٌ وَ لٰكِنِّي رَسُولٌ- 7/ 67.

و لا يخفى أنّ اختلال العقل أمر باطنيّ معنويّ، و يستدلّ عليه بآثاره المشاهدة في الأعمال و الأفكار و الآراء، و قد يختلف النظر و الحكم فيها باختلاف المحيط و التفكّر مادّيّا أو معنويّا، فمن كان برنامج أموره في حياته راجعا الى المادّيات و الحياة الدنيويّة و التمايلات النفسانيّة: فهو ضعيف العقل و مختلّ في تعقّله و تشخيصه ما يصلحه و يفسده.

هذا بالنسبة الى الواقع و الحقيقة، و أمّا في نظر أهل الدنيا المتوغّلين فيها: فهم عاقلون يعملون بما هو صلاح و خير لهم في العاجلة، بل إنّهم يسفّهون من يجاهد في تأمين الحياة الروحانيّة و الدار الآجلة الآخرة.

فظهر أنّ تشخيص الخير و الصلاح من أتمّ آثار العقل و أكملها، و هذا التشخيص إنّما يختلف باختلاف مراتب العقل-. كُلُّ حِزْبٍ بِمٰا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ*.

فالسفيه بالنظر الحقّ الصائب القاطع: هو الّذي يميل عن سعادة نفسه و كماله و صلاحه و حسن عاقبته و تأمين حياته الروحانيّة.

. وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرٰاهِيمَ إِلّٰا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ- 2/ 130.

قلنا إنّ سفه بكسر العين يستعمل لازما و متعدّيا: فعلى اللزوم يكون ما بعده‌

148

تمييزا، كما في- طبت النفس يا قيس، أي نفسا، و غبن رأيه، أي رأيا. أو هو منصوب بنزع الخافض كما في- و أن تسترضعوا أولادكم. و على التعدية يكون ما بعده مفعولا به، أي أخلّ نفسه و أخرجه عن المسير الحقّ.

و هذا ما يقال، و لكنّ التحقيق أنّه منصوب بنزع الخافض باصطلاح النحاة و حقيقته: أنّ المفعول فيه إمّا في مورد زمان أو في مورد مكان، أو في مورد موضوع، أو عمل. فالأوّل كما في- جئت يوم الجمعة. و الثاني كما في- جلست مجلس زيد.

و الثالث كما في- تسترضعوا أولادكم. و الرابع كما في- عجبت أنّ زيدا قائم، أي عجبت قيامه. فالمنصوب بنزع الخافض: نوع من المفعول فيه، و حرف في مقدّر فيها في المعنى لا حقيقة.

و جملة- سفه نفسا: من قبيل النوع الثالث، بمعنى أنّ السفه يتحقّق في مورد النفس، و هذا التعبير آكد و أبلغ في الدلالة على المطلوب، و لا سيّما صيغة فعل بكسر العين الدالّ على النفوذ و الرسوخ و التحقّق و الثبوت.

سقر

مقا- سقر: أصل يدلّ على إحراق أو تلويح بنار، يقال سقرته الشمس، إذا لوّحته. و لذلك سمّيت سقر، و سقرات الشمس: حرورها. و قد يقال بالصاد.

مفر- سقرته الشمس، و قيل صقرته، أي لوّحته و أذابته، و جعل سقر اسم علم لجهنّم-. مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. و لمّا كان السقر يقتضي التلويح في الأصل: نبّه بقوله-. وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا سَقَرُ لٰا تُبْقِي وَ لٰا تَذَرُ لَوّٰاحَةٌ لِلْبَشَرِ: أنّ ذلك مخالف لما تعرفه من أحوال السقر في الشاهد.

الجمهرة 2/ 334- و سقرته الشمس تسقره سقرا، بالسين و الصاد، إذا آلمت دماغه. و منه اشتقاق سقر، و لم تتكلّم بسقر الّا بالسين، و أمّا السقر و الصقر: فقد جاء بالسين و الصاد.

صحا- سقرات الشمس: شدّة وقعها. و سقرته الشمس: لوّحته، و يوم مسقّر و مصقّر: شديد الحرّ. و سقر: اسم من أسماء النار.

149

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الحرارة الشديدة بحيث يوجب تغيّرا في لون أو صفة، و هذا المعنى قريب من الحمّ و قبل التوقّد و الاشتعال و الالتهاب و التحرّق، راجع السعر.

. إِنْ هٰذٰا إِلّٰا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا سَقَرُ لٰا تُبْقِي وَ لٰا تَذَرُ لَوّٰاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهٰا تِسْعَةَ عَشَرَ- 74/ 26.

. مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ- 74/ 42.

. يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّٰارِ عَلىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ- 54/ 48.

ينبغي التنبيه على امور:

1- إنّ سقر علم للنار المعذّب فيها الكفّار و العصاة.

2- و هذه الكلمة غير منصرفة لوجود الوصفيّة و العلميّة، فإنّها في الأصل كانت وصفا كحسن، و هو النار شديد الحرارة تؤثّر و تغيّر.

3- قلنا إنّ سقر علم للنار لا لمحلّ النار و محيطها كجهنّم، و يدلّ على ذلك قوله تعالى:. لٰا تُبْقِي وَ لٰا تَذَرُ لَوّٰاحَةٌ ...،. يُسْحَبُونَ فِي النّٰارِ .... ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ.

فانّ هذه صفات مربوطة بالنار لا بالمحيط.

4- لا تبقي و لا تذر: أي لا تبقي الوارد عليها على الحالة و الكيفيّة و المرتبة و الخصوصيّات السابقة، بل تغيّرها و تمحوها، ثمّ لا تتركه أيضا حتّى يستريح و يستفرغ عن عذابها، بل يدوم فيها.

5- لوّاحة للبشر: أي إنّها متلألئة و متجلّية مختصّة للبشر.

6- يسحبون في النار: قد سبق أنّ السحب هو الجرّ منبسطا على الوجه في النار، فمسّ سقر يكون تفسيرا و نتيجة للسحب في النار.

7- عليها تسعة عشر: الظاهر بقرينة ما بعده-. وَ مٰا جَعَلْنٰا أَصْحٰابَ النّٰارِ إِلّٰا مَلٰائِكَةً وَ مٰا جَعَلْنٰا عِدَّتَهُمْ إِلّٰا فِتْنَةً: أنّ المراد الملائكة الموكّلين عليها.

و أمّا عدد تسعة عشر: فهو حاصل جمع تسعة مع عشر، و التسعة مجموع أعداد‌

150

الآحاد، فانّ آحاد الأعداد تسعة، و بعدها هو العاشر و هو أوّل عدد من العشرات، فيجمع التسعة مع العشرة. و لعلّ هذا إشارة الى كثرة الموكّلين المحاسبين القائمين على السقر، و أنّ كلّا منهم موظّف على طرف و طريق و نوع خاصّ منها بتنوّع أهاليها.

8- لم نك من المصلّين: الصلاة أوّل وظيفة للعبد، فانّها أحسن وسيلة و أعظم رابطة بين العبد و الربّ، و من لم يك مصلّيا فهو منقطع عن اللّه تعالى، و من انقطع عن مبدأ الرحمة و الفيض و اللطف فهو في السقر.

9- ما سلككم في سقر: و قد ذكر كلّ من سقر و السعير و جهنّم و الجحيم و الحميم و النار، في مورد يناسب مفهوم كلّ واحد منها فراجعها.

10- حقيقة هذه العوالم الاخرويّة و تفصيل كيفيّاتها و خصوصيّاتها: غير مدركة لنا في هذه الدنيا المحدودة الجسمانيّة الماديّة، إلّا أنّا ندرك منها ما يتيسّر لنا و ما في مقدورنا و لنا اليه سبيل من بصيرتنا و معرفتنا، و ما أعطانا اللّه جلّ و عزّ من النور و العلم. و ممّا يمكن لنا معرفته من عوالم الآخرة: الجهة الروحانيّة منها الّتي ندركها بعقولنا و نشاهدها بقلوبنا، و أمّا الجسمانيّة: فليس لنا اليها سبيل.

و نحن نشير الى هذه الجهة في الموارد المختلفة من هذا الكتاب، فانّ هذا المقدار هو القدر المسلّم المقطوع به من خصوصيّات العوالم الآخرة.

سقط

مصبا- سقط سقوطا: وقع من أعلى الى أسفل، و يتعدّى بالألف فيقال أسقطته، و السقط: ردي‌ء المتاع و الخطأ من القول و الفعل، و السقاط جمع سقطة، و السقط: الولد ذكرا كان أو أنثى يسقط قبل تمامه و هو مستبين الخلق، و التثليث لغة، و لا يقال وقع، و أسقطت الحامل: ألقت سقطا، قال بعضهم: و أماتت العرب ذكر المفعول فلا يكادون يقولون أسقطت سقطا، و لا يقال اسقط الولد. و سقط النار: ما يسقط من الزند، و سقط الرمل حيث ينتهي اليه الطرف، بالوجوه الثلاثة فيهما. و قول الفقهاء- سقط الفرض، معناه سقط طلبه و الأمر به. و لكلّ ساقطة لاقطة، أي لكلّ نادرة من الكلام من يحملها و يذيعها، و الهاء في لاقطة إمّا مبالغة و إمّا‌

151

للازدواج، ثمّ استعملت الساقطة في كلّ ما يسقط ضياعا.

مقا- سقط: أصل واحد يدلّ على الوقوع، و هو مطّرد، من ذلك سقط الشي‌ء يسقط سقوطا. و السقط: ردي‌ء المتاع. و السقاط و السقط: الخطأ من القول و الفعل.

و الساقطة: الرجل اللئيم في حسبه. و المرأة السقيطة: الدنيئة. و يقال أصبحت الأرض مبيضّة من السقيط، و هو الثلج و الجليد.

الجمهرة 3/ 26- سقط الشي‌ء سقوطا. و رجل ساقط: من سفلة الناس.

و سقاطة كلّ شي‌ء: رذاله. و سقاط النخل: ما سقط من بسره. و مسقط الطائر:

موقعه، و جمعه مساقط. و مسقطه: جناحه، و كذلك سقطاه أيضا. و سيف سقّاط:

يسقط وراء ضريبته، أي يقطعها حتّى يجوزها الى الأرض.

صحا- سقط الشي‌ء من يدي سقوطا، و أسقطته أنا، و المسقط السقوط.

و هذا الشي‌ء مسقطة للإنسان من أعين الناس. و هذا مسقط رأسي، أي حيث ولدت. و ساقطه، أي أسقطه. و سقط في يديه، أي ندم، و منه قوله تعالى-. وَ لَمّٰا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو وقوع شي‌ء و نزول دفعة بلا اختيار، و سبق الفرق بينها و بين ما يرادفها في- السفح، و هو أعمّ من المحسوس و المعقول.

فالمحسوس كما في:

. وَ مٰا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلّٰا يَعْلَمُهٰا- 6/ 59.

. فَأَسْقِطْ عَلَيْنٰا كِسَفاً مِنَ السَّمٰاءِ- 26/ 187.

. وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمٰاءِ سٰاقِطاً- 52/ 44.

و الكسفة: القطعة، و جمعها كسف.

و المعقول كما في:

. وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لٰا تَفْتِنِّي أَلٰا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا- 9/ 49.

أي في الابتلاء و المحنة سقطوا من مقام الوسع.

152

. وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسٰاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا- 19/ 25.

أي تساقط النخلة غير مرّة رطبا، فانّ فاعل يدلّ على الاستمرار.

. وَ لَمّٰا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَ رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا- 7/ 149.

أي صار العجل مسقوطا في الأيدي، و هذا يضرب به المثل في العرف لمن يندم على عمل و يعجز عن جبرانه و رفعه، فكأنّ العمل بقي على يديه.

و ليعلم أنّ التعدية بالحروف إنما هو بمقتضى مفهوم الفعل: فقد يقتضي التعدية بالباء للربط كما في مررت به، و قد يقتضي التعدية بمن أو إلى كما في قرب منه و قرب اليه، و قد يقتضي التعدية بفي كما في سقط فيه، أو بعلى كما في- مغضوب عليه.

و لا يخفى أنّ السقوط طرفا مفهومه: هما الساقط و المسقوط فيه، فانّ ما وقع عليه مفهوم السقوط هو محلّ السقوط و النزول، فكلمة المسقوط فيه، كلمة واحدة، كما في الممرور به و يراد من المسقوط مورد وقوع السقوط.

فتعدية اللفظ بتعلّقه بمفعول فيه و وقوعه عليه.

سقف

مصبا- السقف معروف، و جمعه سقوف مثل فلوس، و سقف أيضا و هو نادر، و قال الفرّاء: سقف جمع سقيف مثل بريد و برد. و سقفت البيت سقفا من باب قتل عملت له سقفا، و أسقفته: كذلك، و سقّفته: مبالغة. و السقيفة: الضفّة، و كلّ ما سقف من جناح و غيره. و الأسقف للنصارى.

مقا- سقف: أصل يدلّ على ارتفاع في إطلال و انحناء. من ذلك السقف سقف البيت، لأنّه عال مطلّ. و السقيفة: الصفّة، و السقيفة: كلّ لوح عريض في بناء إذا ظهر من حائط. و من الباب الأسقف من الرجال، و هو الطويل المنحني.

صحا- سقف: السقف للبيت، و الجمع سقوف، و سقف أيضا، عن الأخفش، مثل رهن و رهن، و قرئ- و سقفا من فضّة، و السقف: السماء. و يقال أيضا لحي سقف أي طويل مسترخ. و السقائف: ألواح السفينة، كلّ لوح منها‌

153

سقيفة. و السقيفة: الصفّة. و السقف: طول في انحناء، يقال رجل أسقف: بيّن السقف. قال ابن السكّيت: و منه اشتقّ اسقف النصارى، لأنّه يتخاشع، و هو رئيس من رؤسائهم في الدين.

المعرّب 35- اسقفّ النصارى: أعجميّ معرّب، و قالوا اسقفّ بالتخفيف و التشديد، و يجمع أساقفة و أساقف.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل السطح التحتانيّ الأرضيّ، و هو ما ينبسط فوق الرأس مستندا على جدار أو جدران، كسقف البيت و السقف في الصفّة و نحوها.

و بمناسبة هذا الأصل يطلق مجازا على الرجل الطويل المنحني، و على ألواح السفينة، و على أضلاع البعير، فكأنّ الأضلاع بانحنائها قد صارت كالسقف في الصفّة و الجناح، و أنّ ألواح السفينة سقف بالنسبة الى ما تحتها من الماء، و لا سيّما قبل دخولها الماء فانّها غير ماسّة على الأرض، و عدم اطلاق السطح عليها فانّها غير منبسطة، و لا سيّما ألواح أطراف السفينة، و لعلّ الأطراف فيها هو المراد.

. فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ- 16/ 26.

. لَجَعَلْنٰا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ- 43/ 33.

يراد سقف البيوت.

. وَ جَعَلْنَا السَّمٰاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً- 21/ 32.

يراد من السماء ما يرى منبسطا فوق الرأس في الفضا، و يشمل الهواء الفوقانيّ المنبسط و النجوم، و جميع هذه يرى كالسقف الواحد في مقابل الأرض، و هي تحت نظم واحد و تدبير مرتبط و تشكيل بديع، لا اختلال فيها بوجه.

. وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ- 52/ 5.

يراد السماء المادّيّ و هو ما يرى فوق الرأس، أو السماء الروحانيّ و هو ما يرى للسالك المعمور قلبه من المقامات العالية و بحر الفيض و الرحمة.

154

سقم

مقا- سقم: أصل واحد، و هو المرض، يقال: سقم و سقم و سقام، ثلاث لغات.

مفر- السقم و السقم: المرض المختصّ بالبدن. و المرض قد يكون في البدن، و في النفس نحو في قلوبهم مرض.

مصبا- سقم سقما من باب تعب: طال مرضه، و سقم سقما من باب قرب، فهو سقيم، و جمعه سقام، و يتعدّى بالهمزة و التضعيف. و السقام اسم منه.

و السقمونيا: معروفة، و قيل يونانيّة، أو سريانيّة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو المرض إذا استقرّ، و أكثر استعمالها في الأمراض الظاهريّة البدنيّة بأيّ منشأ يكون.

و المرض مطلق اختلال في صحّة البدن بعد اعتدالها، و يستعمل في الاختلالات المزاجيّة و الباطنيّة- في قلوبهم مرض.

. فَنَبَذْنٰاهُ بِالْعَرٰاءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ- 37/ 145.

أي نبذنا يونس من بطن الحوت الى مكان خال و هو سقيم من هذه الجريانات شديدا. ثمّ أعيدت له الصحّة و الاعتدال، و أرسلناه الى مائة ألف.

. فَمٰا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعٰالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقٰالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ- 37/ 89.

أي فتدبّر في حالات النجوم إعلاما باطّلاعه و علمه و توجّهه و دقّة نظره، فانّ علم النجوم كان متداولا فيما بينهم و في زمانهم، ثمّ أظهر بأنّه سقيم و متغيّر الحال و متأثّر شديدا من ضلالهم و انحرافهم و كفرهم بالحقّ و جحودهم بربّ العالمين، فلا اقتضاء في حاله بالبحث و الجدل و السؤال و الجواب، و لا يستطيع أن يصبر عليهم، و لازم لهم أن يتدبّروا و يتفكّروا في كلامه و في الحقّ.