التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج5

- حسن المصطفوي المزيد...
296 /
155

سقى

مصبا- سقيت الزرع سقيا، و أنا ساق و هو مسقيّ. و يقال للقناة الصغيرة ساقية لأنّها تسقي الأرض، و أسقيته: لغة. و أسقانا اللّه الغيث و سقانا. و منهم من يقول سقيته إذا كان بيدك، و أسقيته إذا جعلت له سقيا. و سقيته و أسقيته إذا دعوت له فقلت له سقيا لك. و في الدعاء: سقيا رحمة و لا سقيا عذاب، على فعلى بالضمّ، أي اسقنا غيثا فيه نفع بلا ضرّ. و السقاية: الموضع يتّخذ لسقي الناس. و السقاء يكون للماء و اللبن. و الاستسقاء طلب السقي مثل الاستمطار لطلب المطر.

مقا- سقى: أصل واحد و هو اشراب الشي‌ء الماء و ما أشبهه، تقول سقيته بيدي أسقيه سقيا، و أسقيته إذا جعلت له سقيا. و السقي: المصدر. و كم سقي أرضك، أي حظّها من الشرب. و سقيت على فلان، أي قلت سقاه اللّه. و السقاية:

الموضع الّذي يتّخذ فيه الشراب في الموسم. و السقاية: الصواع. و سقى بطن فلان، ذلك ماء أصفر يقع فيه. و سقى فلان على فلان بما يكره، إذا كرّره عليه. و السقيّ على فعيل: السحابة العظيمة القطر.

مفر- السقي و السقيا: أن يعطيه ما يشرب. و الإسقاء: أن يجعل له ذلك حتّى يتناوله كيف شاء، فالإسقاء أبلغ من السقي، تقول أسقيته نهرا. و يقال للنصيب من السقي سقي.

صحا- السقاء: يكون للّبن و الماء، و الجمع القليل أسقية و أسقيات، و الكثير أساق، و الوطب للّبن خاصّة، و النحي للسمن، و القربة للماء. و يقال سقيته لشفته و أسقيته لماشيته و أرضه. و الاسم السقي، و الجمع الأسقية.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو إعداد ما يشرب و تهيّته، كما أنّ الإطعام هو أعداد ما يؤكل و تهيّته.

فالسقي في مقابل الإطعام، كما أنّ الأكل في مقابل الشرب، فالشرب و الأكل‌

156

في مقام التناول و المضغ و الجرع. و السقي و الإطعام في مقام تهيئة ما يؤكل و يشرب.

. وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ- 26/ 79.

. كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لٰا تُسْرِفُوا- 7/ 31.

فتفسير السَقي بالإشراب غير وجيه، كما أنّ تفسيره بإعطاء ما يشرب غير صحيح، و يدلّ عليه موارد:

. وَ لَمّٰا وَرَدَ مٰاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّٰاسِ يَسْقُونَ .... قٰالَتٰا لٰا نَسْقِي حَتّٰى يُصْدِرَ الرِّعٰاءُ- 28/ 23.

فانّ السقي هنا لا يصحّ أن يكون بمعنى إعطاء السقي، بل التهيئة و الإعداد.

. فَسَقىٰ لَهُمٰا ثُمَّ تَوَلّٰى إِلَى الظِّلِّ- 28/ 24.

. لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مٰا سَقَيْتَ لَنٰا- 28/ 25.

. وَ لٰا تَسْقِي الْحَرْثَ- 2/ 71.

. فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً- 12/ 41.

. وَ سُقُوا مٰاءً حَمِيماً- 47/ 15.

. وَ يُسْقىٰ مِنْ مٰاءٍ صَدِيدٍ- 14/ 16.

. وَ سَقٰاهُمْ رَبُّهُمْ شَرٰاباً طَهُوراً- 76/ 21.

فيراد الإعداد و التهيئة و التمكين و الإحضار.

. وَ أَسْقَيْنٰاكُمْ مٰاءً فُرٰاتاً،. لَأَسْقَيْنٰاهُمْ مٰاءً غَدَقاً،. نُسْقِيكُمْ مِمّٰا فِي بُطُونِهِ.

التعبير بالإفعال فانّه يدلّ على أنّ الملحوظ هو جهة الصدور و النسبة الى الفاعل.

. وَ إِذِ اسْتَسْقىٰ مُوسىٰ لِقَوْمِهِ- 2/ 60.

يراد طلب إعداد السقي.

. أَ جَعَلْتُمْ سِقٰايَةَ الْحٰاجِّ- 9/ 19.

. جَعَلَ السِّقٰايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ- 12/ 70.

السقاية مصدر كالعمارة و الكتابة، بمعنى إعداد السقي، و التعبير في الآية‌

157

الاولى بالمصدر دون الصفة (من يسقي أو السقّاء و الساقي) إشارة الى أنّ الملحوظ و مورد البحث هو هذا العمل بنفسه، و هو لا يعادل الايمان. (كَمَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جٰاهَدَ). و في الثانية- الى أهميّة ذلك المفقود، فكأنّهم فقدوا برنامج السقي، و مع ذلك كان صواعا للملك، ثمّ اطلق السقاية على المسقى بهذه المناسبة، و هو مجاز.

و قلنا إنّ كثيرا من المعاني المذكورة في كتب اللغة: يؤخذ من المعاني المجازيّة المستعملة في الأشعار العربيّة أو في التفاسير من دون تحقيق، و هذا الأمر أوجب الانحراف عن الحقائق في كلمات اللّه تعالى.

أمّا التجوّز في الأشعار: فانّ الشعر مورد تضيّق في استعمال الكلمات و انتخابها من جهة التوازن في البحور و القوافي، و الشاعر يستعمل كلمة يختارها من جهة تناسب اللفظ بأدنى مناسبة في المعنى.

و أمّا في القرآن الكريم: فمن جهة تسامح المفسّرين في تفسير الآيات الإلهيّة، فانّهم يفسّرون الكلمات بأيّ مفهوم يطابق المورد الخاصّ، على مقتضى أفهامهم و في حدود علمهم، من دون تحقيق.

. فَقٰالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّٰهِ نٰاقَةَ اللّٰهِ وَ سُقْيٰاهٰا- 91/ 13.

السقيا: ما يسقى و ما يتهيّأ للسقي، كالسقية على وزن اللقمة.

سكب

مقا- أصل يدلّ على صبّ الشي‌ء تقول سكب الماء يسكبه، و فرس سكب أي ذريع كأنّه يسكب عدوه سكبا، و ذلك كتسميتهم ايّاه بحرا.

مصبا- سكب الماء سكبا و سكوبا: انصبّ، و سكبه غيره يتعدّى و لا يتعدّى.

مفر- ماء مسكوب: مصبوب. و فرس سكب الجري. و سكبته فانسكب.

و دمع ساكب متصوّر بصورة الفاعل، و قد يقال: منسكب. و ثوب سكب تشبيها بالمنصبّ لدقته و رقّته كأنّه ماء مسكوب.

الجمهرة 1/ 287- و السكب من المطر: الهطلان الدائم، و فرس سكب إذا‌

158

كان جوادا سهل الجري، و انكسب الشي‌ء انسكابا كالدمع و غيره. و الاسكوب و الاسكاب في بعض اللغات الإسكاف أو القين و قالوا ماء اسكوب كما قالوا اثعوب أي منسكب، و ماء مسكوب إذا جعلته مفعولا به، و ساكب و سكوب إذا جعلته فاعلا، و سكبت العين دمعها و انسكب إذا جعلت الفعل له.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الصبّ من دون قيد الحصانة، كما قلنا في السفح بأنّه كان صبّا فيما من شأنه الحصانة و المحفوظيّة، و أكثر استعمال هذه المادّة في المادّيّات و في المتتابع انحدارا.

. مٰا أَصْحٰابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ وَ مٰاءٍ مَسْكُوبٍ وَ فٰاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ- 56/ 31.

هذه المفاهيم من جهة الظاهر معلومة، و أمّا من جهة المعنى و الروحانيّة: فلعلّ الماء إشارة الى انحدار العلوم و المعارف اللطيفة و الفيوضات الربّانيّة، بعد الاستقرار في محيط ظلّ الربوبيّة و تحت قيموميّة العزيز الحكيم، و الانقطاع عن ما سواه، راجع موادّ الكلمات.

سكت

مقا- سكت: يدلّ على خلاف الكلام، تقول، سكت يسكت سكوتا، و رجل سكّيت، و رماه بسكاتة، أي بما أسكته، و سكت الغضب، بمعنى سكن.

و السكتة: ما أسكتّ به الصبيّ.

مصبا- سكت سكتا و سكوتا: صمت. و يتعدّى بالألف و التضعيف فيقال أسكته و سكّته، و استعمال المهموز لازما لغة، و بعضهم يجعله بمعنى أطرق و انقطع.

و السكتة: المرّة. و سكت الغضب و أسكت بمعنى سكن. و السكتة وزان غرفة: ما يسكت به الصبيّ. و السكات: مداومة السكوت، و يقال للافحام سكات على التشبيه. و السكيت: العاشر من خيل السباق، و التخفيف أكثر.

159

مفر- السكوت: مختصّ بترك الكلام، و رجل سكّيت و ساكوت: كثير السكوت، و السكتة و السكات: ما يعتري من مرض، و السكت يختصّ بسكوت النفس في العناء.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو السكون بعد هيجان في كلام أو التظاهر بعمل. و بلحاظ هذا القيد تستعمل في إطالة الكلام و هيجان الغضب و بكاء الصبيّ و سكون العناء.

و الفرق بينها و بين السكون و الصمت: أنّ الصمت في مقابل التكلّم و النطق.

و السكون في مقابل الحركة المطلقة.

و لمّا كان السكوت في مقابل هيجان في تظاهر: يشعر هذا المعنى بأمرين: الأوّل خروج التظاهر عن حدّ الاعتدال. و الثاني- كونه غير ممدوح.

فيستظهر بأنّ السكوت يكون ممدوحا دائما.

. وَ لَمّٰا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوٰاحَ وَ فِي نُسْخَتِهٰا هُدىً وَ رَحْمَةٌ- 7/ 154.

أي أخذ الألواح الّتي طرحها حين الغضب، إشعارا بطغيان الغضب و لو كان في جهة الدين و الهداية و حرصا في دعوة الناس و سوقهم الى اللّه العزيز المتعال.

. قٰالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي وَ أَدْخِلْنٰا فِي رَحْمَتِكَ.

فظهر لطف التعبير بالكلمة دون الصمت و السكوت.

سكر

مصبا- سكرت النهر سكرا من باب قتل: سددته، و السكر: ما يسدّ به.

و السكر معروف، قال بعضهم و أوّل ما عمل بطبرزد، و لهذا يقال سكر طبرزديّ، و السكر أيضا نوع من الرطب شديد الحلاوة. و السكر: يقال هو عصير الرطب إذا اشتدّ. و سكر سكرا من باب تعب، و كسرها لغة في المصدر فيبقى مثل عنب، فهو‌

160

سكران و امرأة سكرى، و الجمع سكارى و فتحها لغة، و في لغة بني أسد يقال في المرأة سكرانة، و السكر اسم منه، و أسكره الشراب: أزال عقله. و يروى ما أسكر كثيره فقليله حرام.

مقا- سكر: أصل واحد يدلّ على حيرة، من ذلك السكر من الشراب يقال سكر سكرا، و رجل سكّير أي كثير السكر. و التسكير: التحيير، و السكر: ما يسكر فيه الماء من الأرض، و السكر: حبس الماء، و الماء إذا سكر تحيّر، و ليلة ساكرة فهي الساكنة، و يقال سكرت الريح أي سكنت، و السكر: الشراب، و حكى ناس سكره إذا خنقه.

مفر- السكر: حالة تعرض بين المرء و عقله، و أكثر ما يستعمل ذلك في الشراب، و قد يعتري من الغضب و العشق، و منه سكرات الموت، و السكر اسم لما يكون منه السكر. و السكر حبس الماء، و ذلك باعتبار ما يعرض من السدّ بين المرء و عقله، و السكر: الموضع المسدود، و ليلة ساكرة أي ساكنة اعتبارا بالسكون العارض من السكر.

الجمهرة 2/ 335- و السكر ما سكرت به الماء فمنعته عن جريته، و أصله من قولهم سكرت الريح إذا سكن هبوبها، و يوم ساكر لا ريح فيه. و السكر: كلّ شراب أسكر. فأمّا السكّر ففارسيّ معرّب. و قال المفسّرون في تفسير السكر في القرآن: إنّه الخلّ، و هذا شي‌ء لا يعرفه أهل اللغة. و السكر معروف، و اشتقاقه من سكرت الريح إذا سكنت كأنّ الشراب سكر عقله أي سدّ عليه طريقه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الحيلولة في جريان طبيعيّ بحيث يتحصّل جريان خلاف ما كان. و من مصاديقه السكور الحاصل في جريان الريح و الحرارة و النظر بحيث يتوقّف جريان الهواء الطبيعيّ، و ينتهي جريان الحرارة، و يتوقّف امتداد النظر. و منها السكر و السدّ الحاصل في قبال جريان النهر و الباب و التنفّس، و منها السكر الحاصل في جريان التعقّل و التفكّر. فالمادّة تشعر بتحصّل‌

161

حيلولة في جريان شي‌ء و نظمه الطبيعي، و هذا القيد لا بدّ و أن يلاحظ في كل مورد تستعمل المادّة.

ثمّ إنّ الأغلب في فعل يفعل منها: هو الاستعمال متعدّيا. و في فعل يفعل لازما، تقول- سكرت الريح إذا توقّفت في جريانها الأصيل. و سكر من الشراب و أمثاله فهو سكران إذا صار نظم عقله مختلا.

و سكرت النهر إذا سددته، و سكر الباب إذا سدّه.

. وَ تَرَى النّٰاسَ سُكٰارىٰ وَ مٰا هُمْ بِسُكٰارىٰ وَ لٰكِنَّ عَذٰابَ اللّٰهِ شَدِيدٌ- 22/ 2.

و. لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ- 4/ 43.

. لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ- 15/ 72.

السكارى جمع سكران على عطشان، و السكران هو الّذي اختلّ جريان النظم في فكره و عقله و أموره، و هذا الاختلال يتحصّل إمّا بمواجهة الابتلاءات و الشدائد العظيمة، و إمّا بتحقّق التعلّقات الدنيويّة و التوغّل في الأمور الماديّة، و إمّا بتناول الشراب المسكر، أو بغيرها ممّا يخرجه عن الاعتدال.

فالسكرة في يوم البعث من شدّة العذاب، و في المذنبين و المخالفين من شدّة توغّل في التعلّقات الماديّة و التمايلات النفسانيّة، و في المصلّين بأيّ نوع يتحصّل.

. وَ جٰاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ- 50/ 19.

أي اختلال جريان في امتداد الحياة الدنيويّة، و الاضطراب و التحوّل الشديد الّذي يواجه عند الموت و انقطاع العلائق الماديّة.

. وَ مِنْ ثَمَرٰاتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنٰابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً- 16/ 67.

السكر وزان حسن صفة، و هو المتحوّل على خلاف الجريان الطبيعيّ لشي‌ء، كالمسكر المتحوّل من العنب و التمر، و العصير المتحصّل منهما. فالسكر أعمّ من أيّ نوع متحصّل منهما مسكرا كان أو غير مسكر، و لمّا كان فيه ما هو حرام ممنوع بقرائن خارجيّة: أطلقه من دون توصيف.

162

. وَ لَوْ فَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بٰاباً مِنَ السَّمٰاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقٰالُوا إِنَّمٰا سُكِّرَتْ أَبْصٰارُنٰا- 15/ 15.

التسكير و الإسكار جعل السكر و التحوّل، و النظر في التفعيل الى جهة الوقوع، و في الافعال الى جهة الصدور.

فظهر أنّ تفسير المادّة بالحيرة أو بحالة تعرض بين المرء و عقله أو بالسكون و نظائرها: ليس كما ينبغي، و هذه من مصاديق الأصل.

سكن

مقا- سكن: أصل واحد مطّرد يدلّ على خلاف الاضطراب و الحركة، يقال سكن الشي‌ء يسكن سكونا، فهو ساكن. و السكن: الأهل الّذين هم يسكنون الدار. و السكن: النار، فانّ الناظر اليها يسكن و يسكن اليها و الى أهلها. و السكن:

كلّ ما سكنت اليه من محبوب. و السكّين معروف، قال بعض أهل اللغة هو فعّيل لأنّه يسكّن حركة المذبوح به. و من الباب السكينة و هو الوقار و سكّان السفينة لأنّه يسكّنها عن الاضطراب.

مصبا- سكنت الدار و في الدار سكنا من باب طلب، و الاسم السكنى فأنا ساكن، و الجمع سكّان، و يتعدّى بالألف فيقال أسكنته الدار، و المسكن بفتح الكاف و كسرها: البيت، و الجمع مساكن. و السكن ما يسكن اليه من أهل و مال و غير ذلك، و هو مصدر سكنت الى الشي‌ء، و السكينة: المهابة و الرزانة و الوقار. و سكن المتحرّك سكونا: ذهبت حركته، و يتعدّى بالتضعيف فيقال سكّنته. و المسكين من هذا لسكونه الى الناس. قال ابن السكّيت: المسكين الّذي لا شي‌ء له، و الفقير الّذي له بلغة من العيش. و قال الأصمعيّ: أحسن حالا من الفقير، و هو الوجيه لأنّ اللّه تعالى قال:. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكٰانَتْ لِمَسٰاكِينَ، و كانت تساوي جملة. و قال في حقّ الفقراء:. لٰا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ. و المسكين أيضا:

الذليل المقهور و إن كان غنيّا، و المرأة مسكينة، و القياس حذف الهاء لأنّ بناء مفعيل و مفعال في المؤنّث لا تلحقه الهاء، نحو امرأة معطير و مكسال، لكنّها حملت على فقير‌

163

فدخلت الهاء. و استكن إذا خضع و ذلّ، و تزاد الألف فيقال استكان، و هو كثير في كلام العرب.

الجمهرة 3/ 46- السكن: سكّان الدار. و السكن: الدار أيضا. و السكن:

صاحبك الّذي تسكن اليه، فلان سكني أي الّذي أسكن اليه، و في التنزيل-. جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً- أي تسكن فيه الحركات. و السكن: النار. و السكون: ضدّ الحركة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الاستقرار في مقابل الحركة و هو أعمّ من الاستقرار المادّيّ و الروحيّ. و الاستقرار الباطنيّ يعبّر عنه بالطمأنينة و رفع الاضطراب و التشوّش. فيقال سكن الدار و في الدار، و سكن الشي‌ء أي استقرّ في محلّ و لم يتحرّك، و يستعمل متعدّيا الى مفعول فيه، فانّ هذا الحدث كما مرّ في سقط: متعلّق وقوعه المفعول فيه.

و إذا استعمل بحرف الى فيكون بمعنى الاعتماد و الاطمينان: فيقال سكن الى فلان أي استقرّ معتمدا و مطمئنّا عليه و متّكئا اليه.

و أمّا السكن: فهو مصدر في الأصل، و يطلق على الساكن مفردا و على السكّان جمعا بلحاظ تحقّق الحدث في الفاعل و قيامه به كما في العدل بمعنى العادل لمبالغة أو غيره. و قد يطلق على ما يسكن اليه و يعتمد عليه بهذا اللحاظ، لتحقّق مفهوم الاطمينان فيه.

و أمّا السكن: فهو صفة في الأصل كحسن، و يطلق بمعنى الساكن، أو إنّه مصدر أيضا بمعنى السكون و الاستقرار و الاطمينان، أو إنّه اسم بمعنى مورد السكون و الاطمينان. و هذه المعاني مستعملة.

. وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلٰاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ- 9/ 103.

. وَ اللّٰهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً- 16/ 80.

. وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً- 6/ 96.

164

السكن في هذه الآيات هو بمعنى الاستقرار و السكون و الاطمينان، و هو مصدر و يدلّ عليه كونه خبرا عن الصلاة و هو مصدر، و عطف جملة- و الشمس و القمر حسبانا، على الجملة الثالثة، و الحسبان مصدر.

. وَ لَهُ مٰا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ- 6/ 13.

. وَ سَكَنْتُمْ فِي مَسٰاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا- 14/ 45.

. يٰا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ*- 2/ 35.

. وَ إِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هٰذِهِ الْقَرْيَةَ- 7/ 161.

المراد من السكون في المكالمات العرفيّة و في الآيات الكريمة: الاستقرار و السكون العرفيّ، لا السكون الدقّي الفلسفيّ، حتّى يقال إنّه ما من شي‌ء إلّا و له حركة ما و لو بالتحرّك الذاتيّ، أو تحرّك في أعضاء و أجزاء و لو في مكان معيّن محدود، بل بحركات لازمة، لا تنافي الاستقرار العرفيّ أيضا.

فالسكون العرفيّ المنظور: هو أن يكون النظر الأصيل و القصد الصريح الى استقرار في محلّ معيّن، فيقال إنّه مستقرّ فيه، و لو توقّف استقراره الى حركات و تشبّثات و ذهاب و مجي‌ء و الى تحصيل ما يحتاج اليه مقدّمة.

و أيضا- إنّ السكون يلاحظ بالنسبة الى متعلّقه و محلّه، فالسكون إذا كان في الجنّة أو في الليل أو في القرية أو في المساكن للظالمين: يراد الاستقرار في تلك المحدودة و لو كان متحرّكا فيها، فيقال عرفا إنّه مستقرّ فيها.

. أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوٰاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهٰا- 30/ 21.

. وَ جَعَلَ مِنْهٰا زَوْجَهٰا لِيَسْكُنَ إِلَيْهٰا- 7/ 189.

قلنا إنّ المادّة إذا استعملت بحرف الى و تعدّيت به: تكون بمعنى الاطمينان و الاتّكاء، أي استقرار مرتبطا اليه و متعلّقا به و مستندا اليه، في امور حياته و معيشته.

. فَأَسْكَنّٰاهُ فِي الْأَرْضِ،. وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ،. أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ،. إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ.

فتعدّيت المادة بالهمزة.

. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ- 48/ 4.

165

. فَأَنْزَلَ اللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهٰا- 9/ 40.

. إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّٰابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ- 2/ 248.

السكينة فعيلة من السكون و هو ما يتصف بالاستقرار و الثبات و السكون، كالشريفة و الكريمة. و المراد نزول روح من اللّه تعالى فيه استقرار و ثبات و سكون نفس و طمأنينة، بحيث يرتفع الاضطراب و التشوّش عن الخاطر بالكليّة. و لا يخفى ان السكون في النفس و القوّة الروحيّة و الشدّة الباطنيّة أعظم بمراتب من القوّة في البدن و الظاهر، بل الظاهر تجلّي الباطن و عنوانه.

. ادْخُلُوا مَسٰاكِنَكُمْ،. وَ سَكَنْتُمْ فِي مَسٰاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا،. وَ مَسٰاكِنُ تَرْضَوْنَهٰا،. لَقَدْ كٰانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ.

الجمع بمناسبة الأفراد الساكنين، و الإفراد في الأخيرة باعتبار ظاهر السبأ، و هو اسم قبيلة.

. أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهٰا مَتٰاعٌ لَكُمْ- 24/ 29.

أي غير مسكونة فيها، فحذف الظرف اختصارا و للحفظ من التكرار، و المتاع مصدر بمعنى الاستمتاع و الانتفاع و الاستفادة.

و أمّا المسكين: فهو مفعيل مبالغة في الساكن، و هو الّذي بلغ في السكون الى أقصاه و تجاوز حدّه، و يعبّر هذا عمّن يكن محدودا قدرة و قوّة و تمكّنا بحيث يعجز عن السعي و الجهد في توسعة المعيشة، إمّا لمرض أو لهرم أو لضعف في البدن أو في المال.

و الفقر ما يقابل الغنى، و هو الحاجة، و بينهما عموم و خصوص من وجه.

فقد يذكر المسكين منفردا كما في:. وَ لٰا يَحُضُّ عَلىٰ طَعٰامِ الْمِسْكِينِ*،. فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً،. وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ،. فَكَفّٰارَتُهُ إِطْعٰامُ عَشَرَةِ مَسٰاكِينَ.

قد ذكر في مورد الإطعام عنوان المسكين دون الفقير، فانّ الفقير له حاجة و لكنّه ليس محصورا و محدودا كالمقعد، و هو يتمكّن من الجهد و تحصيل الطعام و تهيئة الوسائل و توسعة المعيشة، و هذا بخلاف المسكين غير المتمكّن العاجز المحدود.

و قد يذكر بعد ذوي القربى و الأيتام كما في:. وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ

166

وَ ابْنَ السَّبِيلِ،. وَ آتَى الْمٰالَ عَلىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينَ،. فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ،. وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً وَ ذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ،. يَتِيماً ذٰا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذٰا مَتْرَبَةٍ،. وَ إِذٰا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينُ.

هذا الترتيب بتقديم ذوي القربى ثمّ اليتامى ثمّ المساكين ثمّ ابن السبيل:

بلحاظ لزوم رعايتهم من جهة الشأن و المقام و الحيثيّة و المرتبة الخاصّة عند المعطي.

فانّ ما يعطى باسم اللّه تعالى في أوّل مرتبة، ثمّ بعده ما يعطى باسم الرسول (ص)، ثمّ بعده الوالدان، و بعده أولو القربى من جهة الوالدين، و بعده اليتامى: فانّ اليتيم مضافا الى عجزه و محدوديّته متأثر محزون مصاب بفقد الوالد، فهو أولى بالرعاية من المسكين، كما أنّ ذا القربى أولى برعاية جانبه من اليتيم فانّ القريب له توقّع و رجاء و انتظار خاصّ من المعطي و هو قريبه، و هذا التوقّع و الرجاء منه ليس لغيره، فأوجب هذا تكليفا مخصوصا بحكم الطبيعة و الوجدان الانسانيّ.

و بعد اليتيم ذكر المسكين، فانّه محدود عاجز بأيّ سبب كان. و بعد المسكين يذكر ابن السبيل فانّه محدود عاجز فعلا و ان كان غير محدود في الحضر.

و قد يذكر المسكين مع الفقير: فيلاحظ في كلّ منهما معناه الخاصّ به، و يراد من المسكين جهة كونه محصورا و محدودا، و من الفقير جهة فقره و حاجته، كما في:. إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا- 9/ 60.

فيلاحظ في موضوع الصدقات جهة الحاجة و شدّة الفاقة، و الفقير من هذه الجهة مقدّم على المسكين، ثمّ العاملين عليها لوجوب تأمين معاشهم حتّى يتمكّنوا من تحصيل الصدقات و جمعها و تناولها.

و لمّا كان المورد (الصدقة) يقتضي صرفها في أهل الحاجة و الفاقة فقط: لم يذكر ما ذكر في الغنائم و العطايا من المصارف المزبورة فيها.

و لا يخفى أنّ اولي القربى: يراد منه الأقربون بالنسب و الأرحام، و لمّا كان الرسول (ص) أولى و أقدم بالمؤمنين من أنفسهم. [النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ- 33/ 6]: فيكون أقاربه و أرحامه أيضا أولى من أقاربهم، فكلّما ذكر ذو القربى يشمل‌

167

الأقربين من الرسول (ص).

و أمّا المسكنة: فهو مصدر ميميّ يدلّ على سكون زائد، بزيادة في المبنى، و هو الاستقرار الأكيد و المحصوريّة و المحدوديّة الشديدة، و هذا المعنى كما ترى محقّق في بني إسرائيل، حيث لا حريّة في معيشتهم و حياتهم، و لا انطلاق في جريان أمورهم، و هم لا يزالون محدودين في أيّ مملكة كانوا، حتّى أنّهم بعد ما بلغوا ما بلغوا من الاستقلال و الحكومة و الدولة في أراضي فلسطين: واجهوا بالخلاف و المقابلة و المحدوديّة الشديدة و المحاصرة التامّة من دول العرب.

. وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ وَ بٰاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ- 2/ 61.

. وَ بٰاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ- 3/ 112.

و أمّا السكّين: فهو فعّيل صيغة مبالغة كالشرّير، و هو ما كان بالغا حدّ الشدّة في السكون و المحدوديّة و المحصوريّة، و لعلّه بلحاظ كونه وسيلة قطع و ذبح يجعل في محلّ محدود و يكون دائما محفوظا، فالسكون صفة له و لا يصحّ ان يجعل صفة للمذبوح.

و لا يبعد أن نقول: إنّ هذه الكلمة مأخوذة من العبريّة:

قع- (سكّين) سكّين، شفرة، نصل.

فتكون هذه الكلمة معرّبة من العبريّة، غير مأخوذة من المادّة. و هذا هو الأقوى الأصحّ عندنا.

. وَ لَهُ مٰا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ- 6/ 13.

هذه الآية الكريمة نظير قوله تعالى:

. قُلِ اللّٰهُمَّ مٰالِكَ الْمُلْكِ،. أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّٰهَ لَهُ مُلْكُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ*،. وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ*،. لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ،. لَهُ مُلْكُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ- 57/ 2.

اللام يدلّ على الاختصاص، فتدلّ الآيات على أنّ كلّ ما هو موجود في العالم ملك له و لا شريك له في ملكه يحيي و يميت و يسمع و يعلم و لا يخفى عليه شي‌ء، و بيده أزمّة الأمور، و بمشيّته التدبير و التقدير، يقضي و يحكم و يريد، و هو على كلّ‌

168

شي‌ء محيط قدير.

سلب

مصبا- سلبته ثوبه سلبا من باب قتل: أخذت الثوب منه، فهو سليب و مسلوب، و استلبته، و كان الأصل سلبت ثوب زيد، لكن أسند الفعل الى زيد و اخّر الثوب و نصب على التمييز، و يجوز حذفه لفهم المعنى. و السلب: ما يسلب و الجمع أسلاب. قال في البارع: و كلّ شي‌ء على الإنسان من لباس فهو سلب. و الأسلوب:

الطريق و الفنّ.

مقا- سلب: أصل واحد: و هو أخذ الشي‌ء بخفّة و اختطاف، يقال سلبته ثوبه سلبا. و السلب: المسلوب. و في الحديث- من قتل قتيلا فله سلبه. و السليب:

المسلوب. و السلوب من النوق: الّتي يسلب ولدها، و الجمع سلب.

التهذيب 12/ 434- قال الليث: السلب: ما يسلب به، و الجميع الأسلاب، و كلّ شي‌ء على الإنسان من اللباس فهو سلب، و الفعل سلبته أسلبه سلبا: إذا أخذت سلبه. و السلوب من النوق الّتي ترمي بولدها، و قد أسلبت ناقتكم: إذا ألقت ولدها قبل أن يتمّ، و الجميع السلائب. اللحياني: امرأة سلوب و سليب و هي الّتي يموت زوجها أو حميمها فتسلّب عليه. و يقال للرجل مسلب: إذا لم يألف أحدا و لا يسكن اليه، و إنّما شبّه بالوحش، يقال إنّه لوحشيّ مسلب، و السلب: قشر من قشور الشجرة يعمل منه السلال. و السلب: الثياب السود الّتي تلبسها النساء في المآتم، واحدها سلاب. عن أسماء: لمّا أصيب جعفر أمرني رسول اللّه (ص)- تسلّبي ثلاثا ثمّ اصنعي ما شئت.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو أخذ شي‌ء من تحت حيطته و سلطته و نفوذه، أي أخذ ما هو في حيطة شخص أو شي‌ء آخر.

يقال سلبت ثوبه، و أسلبت الناقة ولدها، و سلبت المرأة ألبستها إذا أراد التلبّس‌

169

بالثياب السود، و سلبت قشر الشجرة.

و قد سبق في الخلع: أنّ الخلع نزع شي‌ء كان مشتملا و تنحيته.

و القلع: هو النزع من أصل الشي‌ء بالجذب.

و النزع: جذب شي‌ء و اقتلاعه من مكان أو من داخل شي‌ء آخر.

فلا يلاحظ في هذه المادّة: النزع و لا قلع و لا خلع.

. وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبٰابُ شَيْئاً لٰا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّٰالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ- 22/ 74.

يراد الأخذ من حيطتهم و ممّا تحت أيديهم.

فظهر لطف التعبير بالمادّة دون نظائرها.

سلح

مقا- السلاح: و هو ما قوتل به، و الجنّة ما اتّقي به. كان أبو عبيدة يفرّق بينهما بهذا.

مصبا- السّلاح: ما يقاتل به في الحرب و يدافع، و التذكير أغلب من التأنيث، فيجمع على التذكير أسلحة، و على التأنيث سلاحات، و السلح وزان حمل: لغة في السلاح. و أخذ القوم أسلحتهم أي أخذ كلّ واحد سلاحه. و سلح الطائر سلحا من باب نفع، و هو منه كالتغوّط من الإنسان و هو سلحة تسمية بالمصدر.

صحا- السلاح مذكّر، و يجوز تأنيثه. و تسلّح الرجل: لبس السلاح. و رجل سالح: معه السلاح. و المسلحة: قوم ذوو سلاح. و السلاح: النجو. و قد سلح سلحا و أسلحه غيره، و ناقة سالح.

قع- (سالوط) تحيّة عسكريّة.

التهذيب 4/ 310- الليث: السلح و الغالب منه السُلاح، و يقال هذه الحشيشة تسلّح الإبل تسليحا. قلت: و الإسليح بقلة من أحرار البقول تنبت في الشتاء تسلّح الإبل إذا استكثرت منها. و قال: السلاح ما يعدّ للحرب من آلة‌

170

الحرب، و السيف وحده يسمّى سلاحا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو إعداد ما يحفظ حيوانا عن الخطر و يتّقى به، و هذا المعنى يختلف باختلاف الموارد و الأفراد، كالسيف و الجنّة و سائر آلات للحرب و الدفاع للإنسان. و القرن للثور و لكلّ حيوان يذبّ به. و هكذا سائر الأسلحة.

و يقال للعصا إنّه سلاح، و لسمن الإبل إنّه سلاحه.

و أمّا السلح بمعنى النجو: فكأنّ الطائر أو الحيوان يستعدّ به لإدامة العيش و تجديد الحياة و يدفع عن نفسه الخطر و الضرر و المانع، فانّ النجو فضلة في البدن و يجب رفعها ليستريح المزاج بدفعها.

. وَ إِذٰا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلٰاةَ فَلْتَقُمْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذٰا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا .... وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وٰاحِدَةً وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ .... أَوْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ- 4/ 102.

تدلّ الآية الكريمة على وجوب أخذ الأسلحة الّتي بها يتقوّى و بها يدفع عن كيان الإسلام و المسلمين و عن حقوق الدين و المتديّنين.

فيجب على كلّ مسلم إذا وقع في معرض تجاوز عدوّ: أن يهيّئ السلاح الذي به يتقوّى و به يدفع العدوّ. و أن يكون السلاح تحت قدرته و في اختياره. و أن يتعلّم كيفيّة العمل به. و أن يعمل بالحذر و الاحتياط دائما. و أن يحفظ أمتعته الّتي بها تدوم حياته. و أن يكونوا متّحدين و على نظم واحد.

سلخ

مقا- سلخ: أصل واحد، و هو إخراج الشي‌ء عن جلده، ثمّ يحمل عليه.

171

و الأصل سلخت جلدة الشاة سلخا، و السلخ: جلد الحيّة تنسلخ، و يقال أسود سالخ، لأنّه يسلخ جلده كلّ عام فيما يقال. و حكى بعضهم سلخت المرأة درعها:

نزعته. و من قياس الباب سلخت الشهر إذا صرت في آخر يومه، و هذا مجاز. و انسلخ الشهر و انسلخ النهار من الليل المقبل.

مصبا- سلخت الشاة سلخا من بابي قتل و ضرب. قالوا و لا يقال في البعير سلخت جلده و إنّما يقال كشطته و نجوته و أنجيته. و المسلخ موضع سلخ الجلد.

و سلخت الشهر سلخا من باب نفع و سلوخا: صرت في آخره، فانسلخ، أي مضى.

و سلخ الشهر: آخره.

أسا- سلخ الشاة و كشط مسلاخها: أهابها. و أعطاني مسلوخة أي شاة سلخ جلدها. و أسود سالخ. و انسلخ جلده و تسلّخ. و من المجاز: سلخنا الشهر و انسلخ الشهر. و سلخ اللّه النهار من الليل و انسلخ منه. و سلخت عنها درعها. و سلخ الحرّ و الجرب جلده. و فلان حمار في مسلاخ انسان.

صحا- سلخت جلد الشاة أسلخ و أسلخ سلخا. و مسلاخ الحيّة قشرها الّذي تنسلخ منه. و المسلاخ: النخلة التي ينتشر بسرها أخضر. و سلخت الشهر إذا أمضيته و صرت في آخره، و انسلخ الشهر من سنته و الرجل من ثيابه و الحيّة من قشرها و النهار من الليل.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو كشط شي‌ء و نزعه و هو يحيط بشي‌ء آخر متّصلا و ملصقا، كالجلد للحيوان و القشر الظاهر من الأشياء و الضوء للأجسام المظلمة و العنوان الملحوظ المقرّر لزمان معيّن أو مكان كما في الشهر الحرام أو شهر الصوم أو محلّ عبادة، و الدرع للبدن، و البسر من التمر الّذي لم ينضج للنخلة.

و الكشط أعمّ ممّا يكون ملصقا أو غير ملصق، و ظهر مفاهيم النزع و القلع و الخلع في- الخلع و السلب- فراجع.

. وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهٰارَ فَإِذٰا هُمْ مُظْلِمُونَ- 36/ 37.

172

و لم يعبّر بقوله- نسلخ منه الليل: بالنسبة الى النهار- فانّ الأصل في المادّة هو الظلمة، كما أنّ الأصل في عالم الروحانيّة هو النور، فالضوء عارض في المادّة، كما في الأرض و ما فيها، و أمّا الثوابت و الشموس: فانّ الضياء فيها إمّا بالانعكاس أيضا، أو في أثر الحركة في الأجزاء، فانّ الحرارة و النور يتحصّلان في المادّة بالحركة، و إذا فقدت الحركة ينعدم النور و الحرارة، كما فصّل في محلّه.

و نقول أيضا: إنّ النظر في الآية الكريمة الى الأرض و ساكنيها، و الى الليل و النهار المتعاقبين فيها، لا الى مطلق عالم المادّة.

. الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُمٰاتِ وَ النُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ- 6/ 1.

أي يعدلون عن النور الى الظلمات.

. وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنٰاهُ آيٰاتِنٰا فَانْسَلَخَ مِنْهٰا- 7/ 175.

الآية عبارة عمّا يكون وسيلة في التوجّه و الوصول الى المقصود، و المرتبة العالية الحقيقيّة منها ما يكون تكوينيّا روحانيّا، أو من جهة الروحانيّة، أو أمرا من عنده تعالى كروح و فيض و معرفة و نور و تجلّي مقام و صفة.

فايتاء الآيات من اللّه تعالى عبارة عن فيض و نور يتجلّى في قلب العبد يتنوّر به و يجعله وسيلة في السير الى اللّه تعالى و الوصول اليه.

و الانسلاخ من جلباب الرحمة و النور إنّما يكون بتقصير و عصيان و سوء اختيار، و لهذا عبّر بالانسلاخ دون السلخ من اللّه العزيز.

. فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ- 9/ 5.

الشهر عبارة عن امتداد زمان يبتدئ برؤية الهلال الى آخر زمان من غيبته قبل رؤيته ثانيا، فهذه المدّة من حركة القمر الى آخر نقطة من دائرة حول الأرض يسمّى بالشهر، و كلّ شهر يعنون بعنوان مناسب له، و الأشهر الحرم شهر رجب و ذي القعدة و ذي الحجّة و محرّم، فبانتهاء محرّم ينتهي عنوان الأشهر الحرم، فكأنّ هذا العنوان محيط بهذه المدّة المعيّنة.

فظهر أنّ السلخ أعمّ من أن يكون في ماديّ او في غيره، و إطلاقه في جميع هذه‌

173

الموارد على سبيل الحقيقة، و لا تجوّز فيها.

فظهر أيضا لطف التعبير بالمادّة في الآيات الكريمة دون أخواتها.

سلسبيل

التهذيب 13/ 156- عن ابن الأعرابي: لم أسمع سلسبيل إلّا في القرآن.

و قال الزجّاج: سلسبيل اسم العين، و هو في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة، فكأنّ العين سمّيت بصفتها.

صحا- سبل: و سلسبيل اسم عين في الجنة. قال الأخفش: هي معرفة و لكن لما كان رأس الآية و كان مفتوحا زيدت فيه الألف، كما في قواريرا قوارير.

لسا- سلسل: و قال الليث: هو السلسل و هو الماء العذب الصافي إذا شرب تسلسل في الحلق، و تسلسل الماء في الحلق: جرى. و السلسبيل السهل المدخل في الخلق. و يقال شراب سلسل و سلسال و سلسبيل. و قيل: سلسبيل اسم عين في الجنّة، مثّل به سيبويه على أنّه صفة. و قال ابو بكر: يجوز أن يكون السلسبيل اسما للعين فنّون، و حقّه أن لا يجرى (لا ينصرف) لتعريفه و تأنيثه ليكون موافقا رؤوس الآيات المنوّنة، إذا كان التوفيق بينها أخفّ على اللسان و أسهل على القارئ، و يجوز أن يكون صفة للعين و نعتا له، فإذا كان وصفا زال عنه ثقل التعريف و استحقّ الإجراء. و قال ابن عبّاس سلسبيلا: ينسلّ في حلوقهم انسلالا. و قال أبو جعفر محمّد بن عليّ ((عليه السلام)) معناها: ليّنة فيما بين الحنجرة و الحلق. و يقال عين سلسل و سلسبيل معناه: أنّه عذب سهل الدخول في الحلق.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يمتدّ متّصفا بالسهولة و اللينة و السلاسة، كالمائع الجاري السلس العذب الليّن.

و هذه الكلمة مركّبة من السلس و السبيل و مأخوذة منهما، و فيها معنى ما فيهما من الخصوصيّات، و يدلّ عليه قول الباقر (عليه السلام) كما رأيت.

174

. وَ يُسْقَوْنَ فِيهٰا كَأْساً كٰانَ مِزٰاجُهٰا زَنْجَبِيلًا، عَيْناً فِيهٰا تُسَمّٰى سَلْسَبِيلًا- 76/ 18.

عينا بدل من الكأس، و هو المبدأ لجريان الماء، و بهذا اللحاظ يطلق على الباصرة، و السلسبيل ماء لطيف سهل التناول العذب الجاري و هو صفة للعين معنى و مفعول ثان للتسمية، و التسمية بمعنى الإطلاق الخاصّ في مورد معيّن، و ليس بمعنى التعيّن و العلميّة، فالآية لا تدلّ على كونه علما و اسما لنهر.

و أمّا من جهة الروحانيّة: فيشار الى إفاضات و توجّهات و جذبات خاصّة لطيفة عذبة تسكّن حرارة المحبّة و الفراق و تزيد نورا و صفاء.

سلسل

الجمهرة 1/ 151- السلسلة: اتّصال الشي‌ء بالشي‌ء، و به سمّيت سلسلة الحديد و سلسلة الرمل، و السلسلة من البرق: المستطيلة في عرض السحاب. و ماء سلسل و سلسال و سلاسل إذا كان صافيا.

الاشتقاق 387- و السلسلة: كلّ ما تسلسل من شي‌ء. تسلسل البرق إذا استطال في عرض السماء. و ماء سلسل و سلسال إذا كان سهل المزدرد (الابتلاع).

و سلاسل الرمل: قطع تستطيل و تتداخل.

التهذيب 12/ 294- و قال الليث: هو السلسل و هو الماء العذب الصافي الّذي إذا شرب تسلسل في الحلق، و الماء إذا جرى في صبب أو حدور تسلسل.

و السلسلة: معروفة. و برق ذو سلاسل، و رمل ذو سلاسل، و هو تسلسله الّذي يرى في التوائه. عن الأصمعيّ: السلاسل رمل يتعقّد بعضه على بعض. و عن ابن الأعرابيّ: البرق المسلسل الّذي يتسلسل في أعاليه و لا يكاد يخلف.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو استطالة في اتّصال أجزاء أو ارتباط حلقات مع انتظام و التواء و سلاسة.

175

يقال: تسلسل الماء، و سلسلة البرق الظاهر في السحاب، و سلسلة الرمل المستطيلة المتداخلة، و ماء سلسل عذب في الحلق.

و يلاحظ في السلسلة: كون شي‌ء مستطيلا في انتظام و ارتباط بين أجزائه. و أمّا الغلّ: فهو ما يوجب محدوديّة و تقيّدا.

. إِنّٰا أَعْتَدْنٰا لِلْكٰافِرِينَ سَلٰاسِلَ وَ أَغْلٰالًا وَ سَعِيراً- 76/ 4.

فالسلاسل: شعب مستطيلة مرتبطة في أنفسها تكون متعلّقة للإنسان تجرّه و تحرّكه الى ما تريد.

و الأغلال: كلما يقيّد و يجعل الإنسان محدودا و محصورا لا يستطيع سيرا و لا حركة.

و السعير: هو الحرارة الشديدة تعذّب الإنسان في أيّ حالة و في أيّ محيط و محدوديّة.

هذا بحسب الظاهر. و أمّا بحسب الباطن و الحقيقة الواسعة: فالسلاسل:

عبارة عن الشهوات و التمايلات النفسانيّة و البرنامج المادّيّ الدنيويّ المنبسط في شعب متنوّعة حيوانيّة، فتكون سلاسل لصاحبها تمنع عن السير الى خلافها و السلوك الى سبيل الحقّ و الفلاح.

و أمّا الأغلال: فهي عبارة عن العلائق و التقيّدات المادّيّة الدنيويّة من المال و العنوان و الأهل و الشهرة و غيرها، تجعل الإنسان محدودا مقيّدا لا يتمكّن من إطلاق نفسه و تحصيل سعادته.

و أمّا السعير: و هو ما يتجسّم من الأعمال الفاسدة و الحركات الشنيعة و المعاصي و ما يخالف مقام العبوديّة و الحقوق الانسانيّة-. إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلٰالٍ وَ سُعُرٍ.

. وَ أَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِشِمٰالِهِ .... ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كٰانَ لٰا يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ الْعَظِيمِ- 69/ 32.

قلنا إنّ السلاسل عبارة عن برنامج التمايلات و الشهوات النفسانيّة، و مرجع هذا المعنى الى التوجّه بالحياة الدنيا و التمايل الى تأمين القوى البدنيّة الجسمانيّة.

و لمّا كان اليمين مظهرا للتوجّه و ظهور القوّة و الاستطاعة طبعا، كما أنّ اليسار‌

176

على خلاف ذلك، فانّ الإنسان بالطبع لا يتوجّه أوّلا الى جانب اليسار و لا يريد في مقام إظهار القوّة و القدرة و في الحاجة الى الدفاع، أن يتوسل ابتداء و بالفطرة الى يساره، فهو متأخّر دائما و متخلّف بالطبع عن اليمين: فيناسب هذا المعنى أن يعبّر عالم الروحانيّة للإنسان باليمين، و عالم الجسمانيّة و البدن باليسار، فانّ جهة الروح في أمام الإنسان و فيما بين أيديه، و لازم له أن يسلك الى هذه الجهة، و هو طريق الهدى و سبيل النجاة و الصلاح و السعادة و الكمال.

و أمّا جهة الجسمانيّة: فانّها في جهة الخلف و المؤخّر للإنسان، و لازم له أن يجعل هذه الجهة وراء ظهره، و لا تكون الدنيا وجهة في حياته و سلوكه.

و إيتاء الكتاب بالشمال: عبارة عن أخذ برنامج للحياة الدنيا، بان يسير الى هذه الجهة و يجعلها أمام قصده و سلوكه، و يتّبع عن تمايلاته النفسانيّة و شهواته الجسمانيّة و التحرّك على وفق القوى البدنيّة. فالكتاب هو البرنامج و ما يضبط و يقدّر و يعيّن للعمل و السير.

و هذا التوجّه الى الحياة الدنيا و أخذ برنامجها: هو المتجسّم بالسلاسل و المتظاهر في عالم الآخرة بها، و على هذا عبّر في المورد بها.

ثمّ إنّ أخذ هذا البرنامج و اختيار مسير الحياة الدنيا: هو القدم الأوّل و المرحلة الابتدائيّة من السير القهقرائيّ للإنسان. و إذا تثبّت في هذه المرحلة و تحقّق العمل بالبرنامج: تحصّل له التقيّد و التعلّق به، و هذا هو مرحلة الاستقرار تحت قيود الأغلال. ثمّ إذا تحقّق هذا التعلّق و المحدوديّة: يتظاهر آثاره في ظواهره و في أعضائه و جوارحه، بصورة الخلاف و العصيان و الكفران و العدوان، و هذا هو مرحلة النار و السعير.

فيظهر أنّ العصيان هو أعلى مرتبة التخلّف و الإعراض، و أتمّ مرحلة في السير القهقرائيّ للإنسان، و من يرى منه العصيان فهو متجاوز حدّ السلاسل و الأغلال، و متوغّل في الخلاف و العدوان.

. إِذِ الْأَغْلٰالُ فِي أَعْنٰاقِهِمْ وَ السَّلٰاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ- 40/ 71.

أي إنّ التعلّقات الدنيويّة تكون بصورة أغلال في أعناقهم تقيّدهم فلا‌

177

يتمكّنوا من الحركة و التحوّل و التقلّب، ثمّ يسحبون و يجرّون بالسلاسل في الحميم.

فالسلاسل مبتدأ خبره قوله يسحبون بها، و الضمير محذوف لكونه معلوما و لنظم آخر الآية. و لمّا كان البرنامج منهاج السير و العمل على طبقه، و العمل على ذاك المنهاج يسوق الى العصيان و ينتهي الى النار: فعبّر في المورد بقوله تعالى:. يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ.

و لا يصحّ عطف السلاسل على الأغلال: فانّ السلاسل صورة البرنامج و عبارة عن حقيقة المنهاج المتّخذ للسير، و هذا المعنى لا يناسب أن تعلّق في الأعناق، بل يناسب السحب و الجرّ في محلّ المنهاج.

سلط

مقا- سلط: أصل واحد و هو القوّة و القهر، من ذلك السلاطة من التسلّط و هو القهر، لذلك سمّي السلطان سلطانا، و السلطان: الحجّة. و السليط من الرجال: الفصيح اللسان الذرب. و السليطة: المرأة الصخّابة (شديدة الصياح). و ممّا شذّ عن الباب: السليط: الزيت بلغة أهل اليمن، و بلغة غيرهم دهن السمسم.

مصبا- سليط: صخّاب بذيّ اللسان، و امرأة سليطة، و سلط سلاطة.

و السليط: الزيت. و السلطان إذا أريد به الشخص مذكّر. و السلطان: الحجّة و البرهان. و السلطان: الولاية و السلطنة، و التذكير أغلب عند الحذّاق، و قد يؤنّث فيقال قضت به السلطان أي السلطنة، و سلّطته على الشي‌ء تسليطا: مكّنته منه، فتسلّط: تمكّن و تحكّم.

الجمهرة 3/ 27- و السلط منه قولهم- لسان سليط: بيّن السلاطة و السلوطة. و يقال امرأة سلطّانة: إذا كانت طويلة اللسان. و السلطان يذكّر و يؤنّث و التأنيث أعلى، و السليط للذكر مدح و للأنثى ذمّ، يقال سليطة كثيرة الشرّ و الصخب، و رجل سليط اللسان فصيحه، و المصدر فيهما السلاطة. و سلطان كلّ شي‌ء: حدّته و سطوته، و منه اشتقاق السلطان. و سلطان الدم تبيّغه (هيجانه).

و سلطان النار التهابها. و فلان مسلّط على بني فلان إذا كان متأمّرا عليهم.

178

مفر- السلاطة: التمكّن من القهر- و لو شاء اللّه لسلّطهم، و منه سمّي السلطان. و السلطان يقال في السلاطة- فقد جعلنا لوليّه سلطانا. و قد يقال لذي السلاطة و هو الأكثر، و سمّي الحجّة سلطانا و ذلك لما يلحق من الهجوم على القلوب، لكنّ أكثر تسلّطه على أهل العلم و الحكمة من المؤمنين- فأتوا بسلطان مبين.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التمكّن مع تفوّق، سواء كان قاهرا أو غير قاهر، و سواء كان في شخص أو في قول أو في عقيدة، و سواء كان طبيعيّا أو غير طبيعيّ بافاضة أو بجعل أو بتكلّف.

فالتكلّف كما في قولهم: مرأة سليطة، إذا تكلّفت في الكلام و أكثرت حتّى تتفوّق.

و في الجعل كما في:. وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً- 17/ 33.

و في الافاضة كما في:. سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُمٰا سُلْطٰاناً- 28/ 35.

. وَ لَقَدْ أَرْسَلْنٰا مُوسىٰ بِآيٰاتِنٰا وَ سُلْطٰانٍ مُبِينٍ*- 40/ 23.

و في القول كما في:. إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطٰانٍ بِهٰذٰا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّٰهِ- 10/ 68.

و في الاعتقاد كما في:. وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللّٰهِ مٰا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطٰاناً- 7/ 33.

و في الشخص كما في:. وَ مٰا كٰانَ لَنٰا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطٰانٍ- 37/ 30.

. إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ*- 17/ 65.

. وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ- 4/ 90.

و في الأعمّ من القول و الشخص كما في:. أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّٰهِ عَلَيْكُمْ سُلْطٰاناً مُبِيناً- 4/ 144.

. وَ أُولٰئِكُمْ جَعَلْنٰا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطٰاناً- 4/ 91.

فالسلطان في هذه الموارد كلّها مصدر كالغفران، بمعنى التمكّن في تفوّق، في أيّ شي‌ء يتحقّق.

و ظهر أنّ القوّة و القهر و الحجّة و الفصاحة و الولاية و الصخب و الحدّة و السطوة‌

179

و نظائرها: من آثار الأصل و لوازمه في الموارد.

و أمّا الزيت: فلعلّه بمناسبة نفوذه و تفوّقه و استقراره و تمكّنه في أيّ طعام، أو بمناسبة تمكّن شجرة الزيت و قوّتها و تفوّقها.

. إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ إِلّٰا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغٰاوِينَ- 15/ 42.

. إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطٰانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ- 16/ 99.

. وَ مٰا كٰانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطٰانٍ إِلّٰا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي- 14/ 22.

فانّ إبليس ليس له تفوّق و تسلّط على الإنسان من حيث إنّه إنسان من جهة شخصه و لا بالجعل و لا بالإفاضة، نعم إنّه يغوي و يدعو الى الضلال و الفساد، و ما لم يكن الإنسان ضعيفا فيه اقتضاء القبول للضلال: لا يقدر إبليس أن يغويه و يضلّه.

و روح الإنسان و حقيقة وجوده إنّما يتقوّى و يقتدر و يتمكّن بالارتباط و الايمان و التوكّل و التفويض و الاستقرار تحت حكومة اللّه العزيز المتعال و في ظلّ ربوبيّته، و من كان مرتبطا و مستقرّا تحت الربوبيّة: فلا ضعف فيه و لا اقتضاء في وجوده لقبول الإغواء و النفوذ و السلاطة.

فبيت القلب إذا كان في تصرّف الرحمن و تحت نفوذه و توجّهه و ربوبيّته: لا يمكن للشيطان أن يتصرّف فيه و يكون عليه سلطان منه.

. وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ يَهْدِ قَلْبَهُ- 64/ 11.

. مٰا جَعَلَ اللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ- 33/ 4.

فيعلم من هذه الآيات الكريمة: أنّ من يكون متأثّرا من إغواء الشيطان و متّبعا خطواته و عاصيا لربّه: فهو من جنود الشيطان كلّا أو في الجملة.

و لا يخفى أنّ السلاطة و السلطان: لم يطلق في اللّه تعالى و للّه في كتاب اللّه المجيد، فانّ السلطان هو المتمكّن في تفوّق، و هذا المعنى يناسب الممكن لا الواجب تعالى، فانّ صفات الواجب ذاتيّة لا زائدة.

180

سلف

مصبا- سلف سلوفا من باب قعد: مضى و انقضى، فهو سالف، و الجمع سلف و سلّاف، ثمّ جمع السلف على أسلاف. و أسلفت اليه في كذا فتسلّف، و سلّفت اليه تسليفا: مثله، و استسلف أخذ السلف، و هو اسم من ذلك.

مقا- سلف: أصل يدلّ على تقدّم و سبق، من ذلك السلف الّذي مضوا.

و القوم السلّاف: المتقدّمون. و السلاف: السائل من عصير العنب قبل أن يعصر.

و السلفة: المعجّل من الطعام قبل الغذاء. و السلوف: الناقة تكون في أوائل الإبل إذا وردت. و من الباب السلف في البيع، و هو مال يقدّم لما يشترى نساء، و ناس يسمّون القرض السلف و هو ذلك القياس، لأنّه شي‌ء يقدّم بعوض يتأخّر.

مفر- السلف: المتقدّم- فجعلناهم سلفا و مثلا للآخرين أي معتبرا متقدّما.

و له ما سلف أي يتجافى عمّا تقدّم من ذنبه. و لفلان سلف كريم، أي آباء متقدّمون، جمعه أسلاف و سلوف. و السالفة: صفحة العنق. و السلف: ما قدّم من الثمن على المبيع.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو وقوع شي‌ء و تحقّقه في الزمان الماضي، و قلنا في السبق:

إنّ السبق تقدّم في حركة أو عمل أو فكر، و هو في مقابل اللحوق.

و التقدّم: هو كون شي‌ء مقدّما بالنسبة الى شي‌ء متأخّر عنه و هو في مقابل التأخّر، في زمان أو مكان، قصد ذلك أو لم يقصد، و لا نظر فيه الى زمان أو الى سبق.

و المرور: هو العبور عن نقطة معيّنة.

و المضيّ: هو تجاوز جريان عن الحال الى ما تقدّم، و النظر فيه الى زمان أو زمانيّ يفرض فيه جريان، و هو في مقابل الاستقبال.

فالسلف: لا يلاحظ فيه سبق و لحوق، و لا تقدّم و تأخّر، و لا عبور عن نقطة،

181

و لا جريان في ماضي و مستقبل.

. وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلّٰا مٰا قَدْ سَلَفَ- 4/ 23.

. وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ إِلّٰا مٰا قَدْ سَلَفَ- 4/ 22.

. عَفَا اللّٰهُ عَمّٰا سَلَفَ- 5/ 95.

. إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مٰا قَدْ سَلَفَ- 8/ 38.

أي ما وقع و تحقّق من قبل.

. هُنٰالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مٰا أَسْلَفَتْ- 10/ 30.

. كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِمٰا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّٰامِ الْخٰالِيَةِ- 69/ 24.

الإسلاف: جعل شي‌ء سلفا و محقّقا، و المراد منه ما قد وقع منه من الأعمال و الطاعات الصالحات أو السيّئات.

. فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ- 2/ 275.

أي ما سلف من عمله في الربوا، فليس لأحد أن يتعرّض عليه أو يطلب منه ما أخذ منهم.

و أمّا من جهة العصيان و الخلاف: فقال:. وَ أَمْرُهُ إِلَى اللّٰهِ.

. فَأَغْرَقْنٰاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنٰاهُمْ سَلَفاً وَ مَثَلًا لِلْآخِرِينَ- 43/ 56.

أي جعلنا هلاكهم و كونهم مغرقين أمرا محقّقا واقعا و مثلا يمثّل به لأقوام يأتون من بعدهم و بالنسبة اليهم، ليعتبروا بهم.

فظهر لطف التعبير بهذه المادّة في هذه الموارد، إذ النظر فيها الى أمر قد تحقّق و وقع، لا الى جهة السبق، أو التقدّم، أو المرور، أو المضيّ.

و قد خلطت هذه المفاهيم في كتب اللغة و التفاسير، و انحرفوا عن الحقيقة.

سلق

مقا- سلق: كلمات متبائنة لا تكاد تجمع منها كلمتان في قياس واحد، و ربّك يفعل ما يشاء و ينطق خلقه كيف أراد، فالسلق: المطمئنّ من الأرض. و السلقة:

الذئبة. و سلق: صاح. و السليقة: الطبيعة. و السليقة: أثر النسع في جنب البعير.

182

و سلوق: بلد. و التسلّق على الحائط: التورّد عليه إلى الدار. و السليق: ما تحاتّ من الشجر. و السلاق: تقشّر جلد اللسان. و سلقت المزادة إذا دهّنتها. و السلق: أن تدخل إحدى عروتي الجوالق في الاخرى ثمّ تثنيها مرّة اخرى.

مصبا- السلق: نبات معروف. و السلق: اسم للذئب، و السلقة: الذئبة.

و سلقت الشاة سلقا من باب قتل: نحّيت شعرها بالماء الحميم. و سلقت البقل:

طبخته بالماء بحتا، و هكذا البيض يطبخ في قشره بالماء. و سلق الرجل امرأته: ألقاها على قفاها للمباضعة. و سلقه بلسانه: خاطبه بما يكره.

مفر- السلق: بسط بقهر إمّا باليد أو باللسان. و التسلّق على الحائط منه.

و السليقة: خبز مرقّق، و جمعها سلائق.

صحا- السلق: القاع الصفصف، و جمعه سلقان، و كذلك السملق بزيادة الميم. و طعنته فسلقته: إذا ألقيته على ظهره، و ربّما قالوا: سلقيته سلقاء، يزيدون فيه الياء. و اسلنقى الرجل: إذا نام على ظهره. و سلقه بالكلام سلقا: آذاه و هو شدّة القول باللسان. و المسلاق: الخطيب البليغ، و كذلك السلّاق.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو إخضاع بقهر و شدّة، و هذا المعنى تختلف خصوصيّاته باختلاف الموارد، و هذه القيود لازم أن تلاحظ في كلّ مورد منها.

فالخطيب سلّاق إذا أخضع الناس و أسكتهم بقهر بيانه و شدة كلامه، و الاسلنقاء هو الاستقرار على قفاه بالخضوع مقهورا. و السليقة: عبارة عن طبيعة خاضعة مقهورة متحصّلة ثانويّة. و القاع: إذا كانت منبسطة خاضعة بالقهر، و هكذا في الخبز المرقّق و غيره.

و لعلّ اطلاق السلق على الذئب: باعتبار كونه مخضعا قاهرا في حملته. و على الصيحة إذا كانت قاهرة. و على الطبيخ إذا كان منبسطا مقهورا.

. فَإِذٰا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدٰادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ- 33/ 19.

أي أخضعوكم قاهرين و حملوا عليكم بألسنتهم الحديدة. يراد إنّهم إذا أمنوا‌

183

من شرور الأعداء: ظهر ما في قلوبهم من البغضاء و حبّ الدنيا.

سلك

مصبا- سلكت الطريق سلوكا من باب قعد ذهبت فيه، و يتعدّى بنفسه و بالباء، يقال سلكت زيدا الطريق و سلكت به الطريق، و أسلكت: لغة نادرة، و سلكت الشي‌ء في الشي‌ء: أنفذته.

مقا- سلك: أصل يدلّ على نفوذ شي‌ء في شي‌ء، يقال سلكت الطريق أسلكه. و سلكت الشي‌ء في الشي‌ء: أنفذته. و الطعنة السلكى: إذا طعنه تلقاء وجهه.

صحا- السلك: الخيط، و السلك: مصدر سلكت الشي‌ء في الشي‌ء فانسلك: أدخلته فيه فدخل. و السلك: ولد الحجل، و الأنثى سلكة، و الجمع سلكان.

مفر- السلوك: النفاذ في الطريق، يقال سلكت الطريق، و سلكت كذا في طريقه-. لِتَسْلُكُوا مِنْهٰا سُبُلًا فِجٰاجاً.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الحركة أو العمل على خطّ معيّن و برنامج دقيق، و هذه القيود هي الفارقة بينها و بين موادّ الحركة و المشي و الذهاب و السير و غيرها- راجع السرى.

فالسلوك هو المشي على خطّ معيّن في حركة أو عمل أو عقيدة.

فالحركة كما في:. أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَسَلَكَهُ يَنٰابِيعَ فِي الْأَرْضِ- 39/ 21.

. وَ اللّٰهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسٰاطاً لِتَسْلُكُوا مِنْهٰا سُبُلًا فِجٰاجاً- 71/ 20.

يراد الحركة الظاهريّة في خطوط معيّنة و طرق منتخبة.

و العقيدة كما في:. مٰا كٰانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذٰلِكَ سَلَكْنٰاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ- 26/ 200.

184

. كَذٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ- 15/ 13.

يراد الحركة على خطّ معيّن معنويّ و على مقتضى ما يعتقدون، و هو الكفر و عدم الايمان.

و أمّا إنفاذ الكفر و عدم الايمان من اللّه تعالى في قلوبهم: فانّه جزاء كونهم مجرمين و استقامتهم في العصيان و الخلاف.

. اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضٰاءَ- 28/ 32.

أي أوجد هذه الحركة المعيّنة و العمل المخصوص في هذا الخطّ بخضوع و توجّه و تذلّل، كما هو ظاهر عمل وضع اليد في الجيب، فانّ كمال قدرة الروح و نورانيّته في الفناء.

. وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذٰاباً- 72/ 17.

هذا كإنفاذ الكفر في قلوب المجرمين في أثر عصيانهم، فيكون التعذيب جزاء للإعراض.

. مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ- 74/ 42.

. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ- 69/ 32.

أيّ مشي و عمل و حركة و عقيدة معيّنة أوصلكم الى هذا السقر، و يسوقونهم الى جهنّم في سلسلة، و السلسلة كما مرّ كانت عبارة عن التمايلات و الشهوات الممتدّة النفسانيّة المتجسّمة بصورة السلاسل.

. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرٰاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ- 16/ 69.

أي فاتّخذي سبلا معيّنة بالفطرة و اعملي كما هو وظيفة لك في خطوط حياتك.

سلّ

مقا- سلّ: أصل واحد، و هو مدّ الشي‌ء في رفق و خفاء، ثمّ يحمل عليه، فمن ذلك سللت الشي‌ء أسلّه سلّا، و السلّة و الإسلال: السرقة. و من الباب السليل: الولد، كأنّه سلّ من امّه سلّا. و ممّا حمل عليه السلسلة، لأنّها ممتدّة في اتّصال. و السالّ: مسيل في مضيق الوادي، و جمعه سلّان، كأنّ الماء ينسلّ منه أو فيه‌

185

انسلالا. و فرس شديد السلّة: و هي دفعته في سباقه.

مصبا- سللت السيف سلّا من باب قتل و سللت الشي‌ء: أخذته و منه قيل:

يسلّ الميّت من قبل رأسه الى القبر، أي يؤخذ. و السلّة: السرقة، و هي اسم من سللته سلّا: إذا سرقته. و السلّة: وعاء يحمل فيه الفاكهة، و الجمع سلّات.

و السليل: الولد، و السلالة: مثله، و الأنثى سليلة، و رجل مسلول سلّت انثياه أي نزعت خصيتاه. و المسلّة: مخيط كبير، و الجمع المسال. و السلّ: مرض معروف.

و أسلّه اللّٰه: أمرضه.

مفر- سلّ الشي‌ء من الشي‌ء: نزعه، كسلّ السيف من الغمد، و سلّ الشي‌ء من البيت على سبيل السرقة، و سلّ الولد من الأب، و منه قيل للولد سليل-. مِنْ سُلٰالَةٍ مِنْ طِينٍ- أي من الصعو (اللطيف) الّذي يسلّ من الأرض، و قيل: السلالة كناية عن النطفة تصوّر دونه صفو ما يحصل منه.

التهذيب 12/ 292- سلّ: قال الليث- السلّ سلّك الشعر من العجين و نحوه، و الانسلال: المضيّ و الخروج من مضيق أو زحام، و سللت السيف من غمده، فانسلّ، و السلّ و السلال: داء مثله يهزل و يضني و يقتل، يقال سلّ الرجل و أسلّه اللّه، فهو مسلول.-. مِنْ سُلٰالَةٍ مِنْ طِينٍ- قال الفرّاء: السلالة الّذي سلّ من كلّ تربة. و قال ابو الهيثم: ما سلّ من صلب الرجل و ترائب المرأة كما يسلّ الشي‌ء سلّا، و السليل: الولد، سمّي سليلا حين يخرج من بطن امّه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التحصّل و الخروج من شي‌ء، كسلّ السيف من الغمد، و سلّ المال بالسرقة و العدوان، و الولد سليل من أبويه، و السلالة ما يسلّ و يتحصّل، و الفعل متعدّ.

و الانسلال: قبول التحصيل و الإخراج، يقال: انسلّ الشعر من الزبد و السيف من الغمد. و التسلّل لمطاوعة السلّ، و هو الخروج و التحصّل باختيار و قصد، يقال تسلّل من الزحام، أي اختار الخروج منه. و الإسلال يدلّ على جهة الصدور‌

186

و نسبة الحدث الى الفاعل، يقال أسلّ السيف إذا كان النظر الى جهة الصدور.

و أمّا قولهم- يسلّ الميت: فباعتبار إخراجه من التابوت من ساتر يستر الجنازة، حتى يوضع في الميّت. و أمّا السلّة: فباعتبار أنّ محتواه مأخوذة و مخرجة من جملة الفواكه.

. وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ مِنْ سُلٰالَةٍ مِنْ طِينٍ- 23/ 12.

أي ممّا يتحصّل و يخرج من الطين، و الطين هو المركّب من ماء و تراب، و النباتات كلّها متحصّلة منهما، و غذاء الحيوان يرجع الى النبات، و هكذا الإنسان.

و النطفة إنّما هي تتكوّن من الغذاء، فترجع الى الطين-. ثُمَّ جَعَلْنٰاهُ نُطْفَةً فِي قَرٰارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً- 23/ 14.

. وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسٰانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلٰالَةٍ مِنْ مٰاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوّٰاهُ- 32/ 8.

لمّا كان النظر في الآية الاولى الى مطلق خلق الإنسان: فذكر المبدأ و المنشأ الأصليّ الجامع بين جميع الأفراد. و أمّا هذه الآية الكريمة: فالنظر فيها الى التفصيل بين بدء خلقه و خلق نسله، فذكر بأنّ مبدأ الخلق و بدأه كان من الطين، و امّا النسل و في الطبقات المتأخّرة: فهو من سلالة من ماء مهين، أي ممّا يتحصّل و يخرج من النطفة، و المهين هو الحقير.

. قَدْ يَعْلَمُ اللّٰهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوٰاذاً- 24/ 63.

التسلّل اختيار التحصّل و الخروج من اجتماع أو برنامج، و التحصّل يشعر بالدقّة و الخفاء و الاستخفاء. و اللواذ و الملاوذة بمعنى إدامة الالتجاء من جهة الى جهة، و يلازمه الاستبعاد و المخالفة، يقال لاوذ بفلان إذا التجأ اليه و لاذ به، و لاوذ فلانا خالفه. و لاوذ عنه راوغ.

يراد خروجهم من دائرة الدين و الطاعة بأعمال مخالفة و حركات شنيعة و معاصي و انحرافات مخفيّة، يريدون القرب و الاتّصال الى المخالفين و البعد و الانفصال عن الإسلام و المسلمين، و الاستقرار تحت جمعيّة المنافقين، ملتجئين اليهم.

فالتسلّل إشارة الى جهة الخروج، و اللواذ الى جهة التقرّب من المخالفين،

187

و اللواذ: منصوب على انّه مفعول لأجله، أي يتسلّلون لأجل اللواذ اليهم.

و الآية الكريمة مربوطة بما قبلها. لٰا تَجْعَلُوا دُعٰاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعٰاءِ بَعْضِكُمْ فانّ الدعوة إمّا باللسان و الإظهار أو بالقلب و التوجّه و التعلّق الباطنيّ، و القسم الثانيّ أهمّ، فانّ اللسان ترجمان الجنان، فالآية تشير الى أنّ الدعوة للرسول لازم أن تكون من القلب و بالتوجّه و التعلّق الباطنيّ، لا كدعاء بعضكم بعضا، يظهرون بالتعلّق و يسرّون التسلّل و اللواذ.

فظهر لطف التعبير بالمادّة دون الخروج و البعد و الانفصال و غيرها.

سلم

مقا- سلم: معظم بابه من الصحّة و العافية، و يكون فيه ما يشذّ، و الشاذّ عنه قليل. فالسلامة: أن يسلم الإنسان من العاهة و الأذى. قال أهل العلم: اللّه جلّ ثناؤه هو السلام، لسلامته ممّا يلحق المخلوقين من العيب و النقص و الفناء- و اللّه يدعو الى دار السلام، فالسلام اللّه، و داره الجنّة. و من الباب أيضا الإسلام و هو الانقياد لأنّه يسلم من الإباء و الامتناع. و السلام: المسالمة، و فعال تجي‌ء في المفاعلة كثيرا، نحو القتال. و من باب الإصحاب و الانقياد: السلم الّذي يسمّى السلف، كأنّه مال أسلم و لم يمتنع من إعطائه. و ممكن أن تكون الحجارة سمّيت سلاما لأنّه أبعد شي‌ء في الأرض من الفناء و الذهاب، لشدّتها و صلابتها. فأمّا السليم و هو اللديغ، و تسميته: لأنّه اسلم لما به أو أنّهم تفاءلوا بالسلامة. و السلّم: معروف و هو من السلامة، لأنّ النازل عليه يرجى له السلامة. و الّذي شذّ عن الباب السلم:

الدلو الّتي لها عروة واحدة. و السلم: شجر. و من الباب الأوّل: السلم و هو الصلح.

مصبا- السلم: في البيع مثل السلف وزنا و معنى، و أسلمت اليه بمعنى أسلفت أيضا. و السلم أيضا شجر العضاه، الواحدة سلمة. و السلام اسم من سلم عليه، و السلام من أسماء اللّه تعالى. و السلم: الصلح، يذكّر و يؤنّث، و سالمه مسالمة و سلاما. و سلم المسافر يسلم من باب تعب، سلامة: خلص و نجا من الآفات، فهو سالم. و سلّمه اللّه في التعدية و أسلم للّه، فهو مسلم، و أسلم: دخل‌

188

في دين الإسلام. و أسلم: دخل في السلم. و أسلم أمره للّه، و سلّم أمره للّه لغة.

و أسلمته: خذلته، و استسلم: انقاد، و سلّم الوديعة لصاحبها: أوصلها، فتسلّم ذلك، و منه قيل سلّم الدعوى: إذا اعترف بصحّتها، فهو إيصال معنويّ، و سلّم الأجير نفسه للمستأجر: مكّنه من نفسه حيث لا مانع، و استلأمت الحجر قال ابن السكّيت: همّزته العرب على غير قياس، و الأصل استلمت لأنّه من السلام و هي الحجارة، و قال ابن الأعرابيّ: أصله مهموز من الملاءمة و هي الاجتماع.

الاشتقاق- 34- سلمى من السلم و السلم: ضدّ الحرب. و السلم و السلم واحد، و ألقوا إليكم السلم، و جئتك بفلان سلما أي مستسلما لا ينازع. و السلم: دلو لها عروة واحدة نحو دلاء السقّائين. و السلامة: ضدّ البلاء. و السلام جمع سلمة و هي حجارة. و ذكر يونس إنّ قولهم استلم فلان الحجر الأسود: هو افتعل من السلمة.

و اشتقاق السلم من قولهم أسلمت للّه أي سلم له ضميري. و السلامي: عصب ظاهر الكفّ و القدم، و عظام صغار حولها عصب.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل الخصومة و هو الموافقة الشديدة في الظاهر و الباطن بحيث لا يبقى خلاف في البين.

و من لوازم هذا المعنى مفاهيم الانقياد و الصلح و الرضا.

و لمّا كان أصل المادّة لازما: فيكون مفهومه حصول الوفاق و رفع الخلاف و الخصومة في نفس الشي‌ء، سواء يلاحظ في نفسه أو بالنسبة الى غيره.

و إذا لوحظ في نفسه من حيث هو: يلازمه الاعتدال و النظم و المحفوظيّة من النقص و العيب و العاهة و الآفة، و هذا معنى السلامة و الصحّة في نفس الشي‌ء و في أجزائه، لفقدان الخلاف فيما بين الأجزاء و الأعضاء، و حصول الوفاق الكامل و النظم و الاعتدال فيها، فالصحّة تكون من مصاديق الأصل بهذا المعنى.

و هذا القيد هو الفارق بين السلامة و الصحّة و العافية، فالنظر في هذه المادّة الى حصول الوفاق و رفع الخلاف في نفس الشي‌ء من حيث هو.

189

و من لوازم هذا المعنى: مفاهيم التخلّص من الآفات و النجاة من العاهات و الصحّة و العافية من النقص و العيب.

و أمّا مفهوم الخذلان في قولهم- أسلمته أي خذلته: فمأخوذ من السلم، أي جعلته سلما موافقا و منقادا، فهو من آثار الأصل.

و أمّا استلام الحجر: فهو افتعال و هو بمعنى المطاوعة و الاختيار، و المعنى اختيار التسلّم في قبال الحجر الأسود الّذي شرّفه اللّه حول البيت، و التسلّم يتجلّى بتعظيمه كتعظيم البيت و تقبيله و مسّه بقصد التيمّن.

و امّا الإطلاق في الحجارة: فكأنّها مصاديق طبيعيّة للتسلّم، و هذا المعنى متحقّق في الدلو للسقاء أيضا، حيث إنّه مسخّر و منقاد.

. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً- 2/ 208.

فالسلم اسم مصدر، و هو المفهوم المتحصّل من المصدر و المسالمة.

. وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهٰا وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ- 8/ 61.

. فَلٰا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ- 47/ 35.

السلم مصدر بمعنى التوافق و رفع الخلاف و الخصومة. و تشير الآيتان الكريمتان الى أنّ الأصل الأوّلي في الإسلام هو المسالمة إذا تمايل المخالف، و لا يجوز الاستسلام و طلب المسالمة من جانب المسلمين ابتداء، فانّ هذا علامة الوهن و الضعف في إرادة المسلمين و إيمانهم، فانّهم الأعلون إن كانوا مؤمنين.

. فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقٰاتِلُوكُمْ وَ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمٰا جَعَلَ اللّٰهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا .... فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَ يُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَ اقْتُلُوهُمْ- 4/ 91.

. وَ أَلْقَوْا إِلَى اللّٰهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مٰا كٰانُوا يَفْتَرُونَ- 16/ 87.

. فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مٰا كُنّٰا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ- 16/ 28.

السلم أيضا مصدر كتعب، و الإلقاء بمعنى الإظهار و الإبلاغ، و الآيتان الأوليان تدلان على نفي التعرّض و السبيل على المخالفين إذا أظهروا الاعتزال و ألقوا السلم في الدنيا. و الأخيرتان إشارة الى إظهار السلم منهم في الآخرة و بعد انقضاء‌

190

زمان العمل، و هو غير نافع لهم في يوم الحساب.

و أمّا الإسلام و التسليم: فالنظر في الأوّل الى جهة الصدور من الفاعل و قيام الفعل به، و في الثاني الى جهة وقوع الفعل و تعلّقه بالمفعول.

. بَلىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّٰهِ ...،. وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ ...،. وَ أُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعٰالَمِينَ.

أي من جعل نفسه و ذاته و وجهه في سلم قبال ربّ العالمين، حتّى لا يبقى جهة خلاف في البين.

. فَسَلِّمُوا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً ...،. صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً ...،. إِذٰا سَلَّمْتُمْ مٰا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ.

أي التسليم و جعل هذا العمل متعلّقا بالغير، كتسليم التحيّة و تسليم النفس و تسليم ما آتيتم، و المراد جعل هذه الموضوعات مسلّمة و في سلم في هذه الموارد، في كلّ مورد بحسبه.

و التعبير في هذه الموارد بهذه المادّة دون ما يماثلها من التأدية و الإيتاء و الإعطاء و الدفع و غيرها: إشارة الى تحقّق مفهوم السلم و أن لا يبقى أدنى خلاف و بغض، و يكون هذا من خلوص النيّة.

ثمّ إنّ متعلّق التسليم و الإسلام إمّا أمر مادّيّ أو روحانيّ:

فالأوّل كما في:. إِذٰا سَلَّمْتُمْ مٰا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ.

ما تريدون إيتاءه في مقابل الرضاعة، و كما في:. وَ لَوْ أَرٰاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَ لَتَنٰازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ سَلَّمَ- 8/ 43.

أي جعلكم سلما متوافقين في مقابل العدوّ.

و الأمر الروحانيّ كما في:. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً- 33/ 56.

أي اجعلوا أنفسكم و قلوبكم سلما و موافقا قبال رسول اللّه (ص). و نظيرها قوله تعالى:. ثُمَّ لٰا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً- 4/ 65.

أي حتّى لا يبقى خلاف باطنيّ و استنكار قلبيّ بل يوافقون من جميع الجهات‌

191

و يسلّمون أنفسهم و قلوبهم فيما قضى (ص).

و الإسلام أيضا من جهة متعلّقه كذلك، فالمادّيّ كما في:. سَتُدْعَوْنَ إِلىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقٰاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ- 48/ 16.

يراد إظهار التسلّم و كونهم سلما في المرتبة الاولى من الإسلام. و كما في قوله تعالى:. أَلّٰا تَعْلُوا عَلَيَّ وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ- 27/ 31.

يراد الاطاعة و الاتّباع في الظاهر.

و الروحانيّ كما في:. وَ أُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعٰالَمِينَ- 40/ 66.

فظهر أنّ الإسلام عبارة عن جعل شي‌ء سلما أي موافقا متلائما لا يبقى خلاف و لا ترى جهة مغايرة و منافرة.

و للإسلام مراتب: الأوّل- اسلام في أعمال الظاهريّة و في الأركان البدنيّة و الجوارح و الأعضاء الجسمانيّة، كما في:. قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا- 49/ 14.

و المرتبة الثانية- جعل النفس سلما و موافقا في الظاهر و الباطن، بحيث لا يبقى خلاف في أعماله و في نيّاته و قلبه، كما في:. إِنْ تُسْمِعُ إِلّٰا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيٰاتِنٰا فَهُمْ مُسْلِمُونَ*- 30/ 53.

و المرتبة الثالثة- رفع الخلاف كلّا، سواء كان في عمل أو في نيّة أو في إنّيّة ذات، ففي هذه المرتبة لا يبقى إنيّة و لا تشخّص نفسيّ، و لا رؤية نفس، و يكون وجوده مستغرقا في بحر الوجود الحقّ، و فانيا في عظمة نوره تعالى، و في هذا المقام يقلع أثر الخلاف من أصله، و هو الإنّيّة، و يتجلّى حقيقة مفهوم التسلّم و الموافقة الحقّة المطلقة-. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ- 3/ 19.

فانّ الإسلام المطلق الكامل هو يكون متحقّقا في هذا المقام.

و أمّا السلام: فهو مصدر كالكلام، و معناه السلم و السلم، بزيادة في مفهومه لزيادة في لفظه و مبناه، و هو التوافق الكامل و رفع أيّ خلاف في الظاهر و الباطن.

و قلنا إنّ السلم في ذات الشي‌ء من حيث هو: عبارة عن تحقّق الاعتدال و النظم الكامل فيما بين الأجزاء و تنزّهه عن النقص و العيب، فانّ التوافق الحقّ فيما بين‌

192

الأجزاء و ارتفاع الخلاف إنّما يتحصّل و يتحقّق في هذه الصورة فقط، و الصحّة مرجعها الى هذا المعنى.

. سَلٰامٌ عَلَيْكُمْ بِمٰا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّٰارِ- 13/ 14.

. يَقُولُونَ سَلٰامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- 16/ 32.

. وَ سَلٰامٌ عَلىٰ عِبٰادِهِ الَّذِينَ اصْطَفىٰ- 27/ 59.

. سَلٰامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهٰا- 39/ 73.

فتدلّ الآيات على ما ذكرنا من مفهوم السلام، فانّ السلام قد ذكر فيها مربوطا و منوطا بالعمل و الاصطفاء و التطيّب و الصبر، و يذكر بانّ نتيجة السلام هي دخول الجنّة، و ليس هذا إلّا أن يتحقّق الاعتدال و يتنزّه عن النقص و العيب، و يتحصّل حقّ الخلوص و الصفا و الطهارة و النظم الكامل.

و يدلّ على هذا المعنى أيضا: التعبير بقوله تعالى-. سُبُلَ السَّلٰامِ،. دٰارُ السَّلٰامِ*، في قوله:

. يَهْدِي بِهِ اللّٰهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ السَّلٰامِ- 5/ 16.

. وَ اللّٰهُ يَدْعُوا إِلىٰ دٰارِ السَّلٰامِ- 10/ 25.

. لَهُمْ دٰارُ السَّلٰامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ- 6/ 127.

يراد دار فيها اعتدال و صفاء و طهارة و نظم كامل، خالية عن النقص و العيب.

و أمّا السلام و هو من أسماء اللّه عزّ و جلّ: و هو المصداق الأتمّ الأكمل الحقّ من هذا المفهوم، ليس في وجوده أقلّ نقطة من الضعف و الحاجة و الفقر و النقص و المحدوديّة، و ليس في ذاته عزّ و جلّ أثر من خلاف، و هو الحقّ المطلق، و المنزّه عن كلّ ما يتصوّر من الضعف، سبحانه و تعالى عمّا يقولون.

. لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلٰامُ- 59/ 23.

و أمّا كونه تعالى في غاية التوافق و كمال السِلميّة: فانّ ذاته تعالى المصداق الأتمّ من حقيقة الوفاق و السلميّة و الصلح و الرفق و السداد، و في اثر هذه الصفة تتجلّى منه تعالى صفات الرحمة و العطوفة و الكرم، و هو الحنّان المنّان الودود الرحمن الرحيم، سبقت رحمته غضبه، ليس في ذاته تعالى مثقال ذرّة من بغض و خلاف و غضب و عدوان‌

193

و محدوديّة في أمر أو في حقّ مخلوق. فانّ هذه الصفات انّما تنشأ من الضعف و الحاجة و الفقر و المحدوديّة. و هو الغنيّ العزيز.

و أمّا السليم: فهو فعيل و يدلّ على ثبوت صفة السلميّة في ذات الشي‌ء و يتنزّه عن النقص و العيب في حدّ ذاته.

. يَوْمَ لٰا يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لٰا بَنُونَ إِلّٰا مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ- 26/ 89.

. وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرٰاهِيمَ إِذْ جٰاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ- 84/ 37.

يراد قلب طاهر من العيوب و النقائص، و حقيقته السلميّة و تحصّل مفهوم الوفاق و الصلح و الرفق في القلب، و هذه الحقيقة إنّما تتحقّق بالتنزّه عن العيوب.

و يظهر من هذا التعبير أنّ النافع المفيد للإنسان في يوم الجزاء و في مقام السير الى الكمال و السعادة: هو السلميّة المتحصّلة في القلب لا غير.

و لا يصحّ حمل الكلمة على الصحّة و العافية الظاهريّة، فانّ صحّة القلب المادّيّ لا تأثير لها في مقام الجزاء و الثواب و العقاب، مضافا الى أنّ هذه الصحّة المادّيّة تتبدّل في الآخرة بسنخ آخر يلائم تلك الدار.

و كذلك في الآية الكريمة:. وَ قَدْ كٰانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سٰالِمُونَ- 68/ 43.

فليس المراد هو الصحّة و العافية، فانّ السجود بمعنى كمال الخضوع و منتهى التذلّل، و هو أمر باطنيّ قلبيّ و قد يظهر بصورة السجود الظاهريّ، فلا ارتباط بين الصحّة و حقيقة السجود.

فالمراد انّ وجودهم الجسمانيّ و الروحي كانا في وفاق و اعتدال و سلميّة فطريّة، و مع هذا الاقتضاء الفطريّ و الدعوة الإلهيّة: إنّهم كانوا في خلاف و تمرّد و عصيان عملا.

ثمّ إنّ السلميّة و الوفاق إمّا طبيعيّ فطريّ و إمّا إراديّ اختياريّ: فالطبيعيّ: ما يكون باقتضاء الفطرة و التكوين الإلهيّ، كما في قوله تعالى:

. أَ فَغَيْرَ دِينِ اللّٰهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ- 3/ 83.

فانّ كلّ موجود من الجماد أو النبات أو الحيوان أو الملائكة أو الإنسان و قد خلقوا‌

194

خاضعين متذلّلين منقادين تحت حكم اللّه و سلطة أمره بفطرتهم و طبيعتهم الّتي فطرهم عليها، و هم سالكون على مقتضى تكوينهم موافقون في ما قدّر لهم مسالمون في إجراء وظائفهم المقدّرة لا يخالفون ما أمر اللّه لهم في حركة و لا في سكون و لا عمل، و لا يعصون.

و أمّا الإراديّ: فهو ما يتحقّق في المرتبة الثانية و في مقابل تكاليف تشريعيّة و وظائف إلهيّة ثانويّة، كما في:. بَلىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّٰهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ- 2/ 112.

يراد تحقّق السلميّة الإراديّة و الوفاق الباطنيّ في صورة العمل بالطاعات و وظائف العبوديّة.

. وَ لٰا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ- 2/ 71.

أي مربّاة على السلميّة و التسلّم.

و أمّا السلّم بمعنى المرقاة: هو وسيلة يتوسل بها الى الوصول بحاجة و مقصود، و هو سلم في قبال من يتوسّل اليه، و هذه الصيغة كالقمّل و الذمّل و القبّر، و ليست بمعنى المرقاة، بل هي من مصاديقه.

. فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمٰاءِ- 6/ 35.

. أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ- 52/ 38.

أي تبتغون وسيلة تتوسّلون اليها في محيط السماء و تستفيدون منها في ذلك المحيط، و أم لهم وسيلة موجودة ليقدروا فيها على الاستماع.

و لا يخفى أنّ هذه الكلمة مضافا الى تناسب هذا الاشتقاق: معرّبة و مأخوذة عن اللغة العبريّة بتغيير مختصر كما ترى:

قع- (سولّام) سلّم، مرقاة، سلّم موسيقيّ، تدرّج.

فظهر أنّ تفسير المادّة في الآيات المذكورة بالصحّة و العافية و الانقياد و الصلح و الخلاص و النجاة و التمكين و غيرها: في غير محلّه.

و باعتبار هذا الأصل أيضا يطلق السليم على اللديغ الجريح: فانّه بابتلائه دفعة بألم شديد و جراحة مولمة، يكون في سلم قهرا و في حال اضطرار.

195

سليمان

المروج 1/ 34- و لمّا قبض اللّه داود (ع) قام بعده ولده سليمان بالنبوّة و الحكم، و غمر عدله رعيّه، و استقامت له الأمور، و انقادت له الجيوش، و ابتدأ سليمان ببنيان بيت المقدّس و هو المسجد الأقصى، فلمّا استتمّ بناءه بنى لنفسه بيتا، و هو الموضع الّذي يسمّى في وقتنا هذا كنيسة القمامة، و هي الكنيسة العظمى ببيت المقدّس عند النصارى، و لهم كنائس غيرها معظمة، منها كنيسة صهيون، و قد ذكرها داود (ع)، و الكنيسة المعروفة بالجسمانيّة و يزعمون أنّ قبر داود فيها. و أعطى اللّه تعالى لسليمان من الملك ما لم يعطه لأحد من خلقه، و سخّر له الجنّ و الانس و الطير و الريح، و كان ملك سليمان (ع) على بني إسرائيل أربعين سنة، و قبض و هو ابن اثنتين و خمسين سنة و بعده ملك مالك بن رحبعم بن سليمان.

أخبار الأيّام الأوّل 28/ 5- لأنّ الربّ أعطاني بنين كثيرين إنّما اختار سليمان ابني ليجلس على كرسيّ مملكة الربّ على إسرائيل، و قال لي إنّ سليمان ابنك هو يبني بيتي و دياري لأنّه اخترته لي ابنا و أنا أكون له أبا و اثبت مملكته الى الأبد إذا تشدّد للعمل حسب وصاياي و أحكامي كهذا اليوم ... و أنت يا سليمان ابني اعرف إله أبيك و اعبده بقلب كامل.

تاريخ ابن الورديّ 1/ 24- سليمان و عمره اثنتا عشرة سنة، و آتاه اللّه من الحكمة و الملك ما أخبر به في كتابه العزيز. و في السنة الرابعة من ملكه في أيار و هي سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة لوفاة موسى ابتدأ سليمان بعمارة بيت المقدس، و أقام في عمارته له سبع سنين و كان ارتفاع البيت ثلاثين ذراعا، ثمّ شرع في بناء دار ملكه بالقدس و فرغ في ثلاث عشرة سنة، و في الخامس و العشرين من ملكه جاءته بلقيس ملكة اليمن و من معها، و أطاعه ملوك الأرض و حملوا اليه النفائس، فوفاته في أواخر سنة 575 لوفاة موسى (ع).

الملوك الأوّل 4/ 21- و كان سليمان متسلّطا على جميع الممالك من النهر الى أرض فلسطين و الى تخوم مصر، كانوا يقدّمون الهدايا و يخدمون سليمان كلّ أيّام‌

196

حياته، و لكلّ من تقدّم الى مائدة الملك سليمان كلّ واحد في شهره لم يكونوا يحتاجون الى شي‌ء، و كانوا يأتون بشعير و تبن للخيل و الجياد الى الموضع الّذي يكون فيه كلّ واحد حسب قضائه، و أعطى اللّه سليمان حكمة و فهما كثيرا جدّا و رحبة قلب كالرمل الّذي على شاطئ البحر، و فاقت حكمة سليمان حكمة جميع بني المشرق و كلّ حكمة مصر، و كان أحكم من جميع الناس، و تكلّم بثلاثة آلاف مثل و كانت نشائده ألفا و خمسا، و تكلّم عن الأشجار من الأرز الّذي في لبنان الى الزوفا النابت في الحائط، و تكلّم عن البهائم و عن الطير و عن الدبيب و عن السمك، و كانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان من جميع ملوك الأرض الّذين سمعوا بحكمته.

قاموس الكتاب المقدّس- سليمان: أي المملوّ من السلامة، و هو خليفة داود، و واحد من أبنائه الأربعة، من بتشبع.

قع- (شالوم) سلام، أمن، سكون، سلامة، صحّة.

و التحقيق

أنّ هذه الكلمة مأخوذة من اللغة العبريّة، كالسلّم، إلّا أنّ السلّم في المعجم العبريّ بالسين المهملة، و سليمان مأخوذ من شالوم بمعنى الصحّة و هو بالشين المعجمة، ثمّ إنّ مؤلّفي المعاجم العربيّة قد ضبطوا الكلمتين تحت عنوان السلم اشتباها.

و في صموئيل الثاني و الملوك الأوّل و غيرهما من كتب العهد القديم: كلّما يذكر اسم سليمان بالعبريّة، ضبط بهذا الضبط- شلمه، و تبديل المعجمة بالمهملة في التعريب كثير، فيقال في سمع.

و ظهر أنّ سليمان بن داود (عليهما السلام) كان من الأنبياء العظام آتاه اللّه الحكمة و الملك و العلم من لدنه، مبعوثا بعد رحلة أبيه سنة 962 قبل الميلاد تقريبا، و مضى لوفاة موسى (ع) قريب من 575 سنة.

. وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ .... وَ هٰارُونَ وَ سُلَيْمٰانَ وَ آتَيْنٰا دٰاوُدَ زَبُوراً- 4/ 163.

197

. وَ نُوحاً هَدَيْنٰا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسىٰ- 6/ 84.

. فَفَهَّمْنٰاهٰا سُلَيْمٰانَ وَ كُلًّا آتَيْنٰا حُكْماً وَ عِلْماً- 21/ 79.

. وَ لَقَدْ آتَيْنٰا دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ عِلْماً وَ قٰالا الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي فَضَّلَنٰا عَلىٰ كَثِيرٍ مِنْ عِبٰادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ وَ قٰالَ يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ عُلِّمْنٰا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينٰا مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ إِنَّ هٰذٰا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ- 27/ 15.

قال سليمان. أَ تُمِدُّونَنِ بِمٰالٍ فَمٰا آتٰانِيَ اللّٰهُ خَيْرٌ مِمّٰا آتٰاكُمْ- 27/ 36.

. وَ وَهَبْنٰا لِدٰاوُدَ سُلَيْمٰانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّٰابٌ .... وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنٰا لَزُلْفىٰ وَ حُسْنَ مَآبٍ*- 38/ 30.

هذه آيات من القرآن الكريم يوصف و يعرّف نبيّا من أنبياء بني إسرائيل و هو سليمان، بالزلفى، و حسن المآب، و بالأوبة، و العبوديّة التامّة، و بالعطاء، و الفضل الكبير من كلّ شي‌ء، و بتعليم منطق الطير، و الوراثة من داود، و التفضيل على كثير من العباد المؤمنين، و بتفهيم العلم و الحكمة و النبوّة.

و أمّا كتب بني إسرائيل: و هم يقولون بكونها إلهاميّة سماويّة، ففيها ما ينسبه الى الانحراف و التمايل الى الشهوات شديدا بل و الى الإنكار و الكفر و عبادة آلهة اخرى.

الملوك الأوّل 11- و أحبّ الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون، موآبيّات و عمونيّات و أدوميّات و صيدونيّات و حثّيّات، من الأمم الّذين قال عنهم الربّ لبني إسرائيل: لا تدخلون اليهم و هم لا يدخلون إليكم لأنّهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم، فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبّة، و كانت لهم سبعمائة من النساء السيّدات و ثلاثمائة من السراري، فأمالت نساؤه قلبه، و كان في زمان شيخوخة سليمان أملن قلبه وراء آلهة اخرى، و لم يكن قلبه كاملا مع الربّ كقلب داود أبيه، و عمل سليمان الشرّ في عيني الربّ، فغضب الربّ على سليمان لأنّ قلبه مال عن الربّ إله إسرائيل.

نحمياء- 13/ 26- أليس من أجل هؤلاء أخطأ سليمان ملك إسرائيل و لم يكن في الأمم الكثيرة ملك مثله و كان محبوبا الى إلهه، هو أيضا- جعلته النساء‌

198

الأجنبيّات يخطئ.

و العجب من فضلاء بني إسرائيل و المسيحيّين كيف حكموا بكون كتاب الملوك إلهاميّا، مع مجهوليّة مؤلّفه، و أنّه قد ألّف بعد قرون من حياة سليمان (ع)، و موضوع الكتاب شرح حياة السلاطين، و قد عدّ سليمان من السلاطين و بحث عمّا انتشر من حالاته و وصل اليه من جريان أموره.

نعم ابتدأ في الكتاب بذكر شيخوخة داود (ع) و الشروع باستخلاف سليمان، و هو في حدود سنة 965 قبل الميلاد، و انتهى الجزء الأوّل في 22 فصلا الى انتهاء ملك يهورام بن يهوشافاط، و كان ذلك في حدود سنة 842 قبل الميلاد، ثمّ يبتدئ في الجزء الثاني بالبحث و النقل عن بقيّة الجريان الى أن ينتهي الى أواخر حياة يهوياكين بن يهوياقيم في حدود سنة 480 قبل الميلاد، فلا بدّ من أن يكون تأليف الجزئين بعد خمسة قرون من حياة سليمان.

و المؤرّخ يروي كلّ ما يسمع أو يقال أو ينقل و يروى، و هو لا يتوجّه الى المعنويّات و الحقائق و لا الى أسرار امور الأنبياء و أعمالهم.

. وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنٰا لَزُلْفىٰ وَ حُسْنَ مَآبٍ*.

و أمّا الكتب المنسوبة الى سليمان (ع): ففصول من المزامير، و أمثال سليمان، و الجامعة، و نشيد الأنشاد.

فالمزامير: ينسب اليه مزمور 72 و 127- من المزامير.

و أمّا الأمثال: فهو 31 بابا، و ينسب باب 30 الى أجور بن منفّيه، و باب 31 الى لموئيل، و الباقي الى سليمان النبيّ (ع).

و هذا الكتاب أحسن كتاب في الحكم و المواعظ الشافية، من بين الكتب للعهدين، و ينبغي لكلّ مؤمن سالك أن يستفيد منه.

و أمّا الجامعة: هذه الكلمة مستعملة في معناها اللغويّ، فانّها مترجمة من العبريّة، و هي قهلت، بمعنى الطائفة و الاجتماع.

و لعلّ سليمان (ع) تكلّم في هذا الكتاب بلسان القوم، أو انّها لقب له.

و هذا الكتاب في اثني عشر بابا يحتوي على الحكم و المواعظ.

199

و يقول في 7/ 26- فوجدت أمرّ من الموت المرأة الّتي هي شباك و قلبها أشراك و يداها قيود، الصالح قدّام اللّه ينجو منها، أمّا الخاطئ فيؤخذ بها. هذا الكلام يخالف ما سبق من ابتلائه بالنساء.

و أمّا نشيد الأنشاد: و يعبّر عنه بالفارسيّة بقولهم- غزل غزلهاى سليمان و بالعبريّة بقولهم- مفردا بمعنى الغناء و اللحن و الشعر.

و هذا الكتاب في ثمانية أبواب، يحتوي على غزليّات نثريّة، و يستفاد من بعض التعبيرات و الجملات: انّها كالغزليّات من العرفاء في الروحانيّات و عوالم الوجد و المحبّة الروحانيّة الإلهيّة.

و ظاهر بعض الجملات منه: انّه قد انشد بعد زمان سليمان (ع) حيث يقول في 1/ 5- كخيام قيدار كشقق سليمان. و في 3/ 7- هو ذا تخت سليمان حوله ستّون جبّارا من جبابرة إسرائيل، الملك سليمان عمل لنفسه تختا من خشب لبنان. و في 11/ 8- كان لسليمان كرم في بعل هامون دفع الكرم الى نواطير كّل واحد يؤدّي عن ثمره ألفا من الفضّة.

مضافا الى أنّ إنشاد الشعر و الغزل لا يناسب مقام نبيّ مرسل من اللّه تعالى ليهدي الناس بقوله و فعله و حركاته.

. وَ لِسُلَيْمٰانَ الرِّيحَ عٰاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ- 21/ 81.

. وَ لِسُلَيْمٰانَ الرِّيحَ غُدُوُّهٰا شَهْرٌ وَ رَوٰاحُهٰا شَهْرٌ- 34/ 12.

هذا النفوذ و قدرة الإرادة و التأثير و الحكم بالنسبة الى جريان الريح بأمره، و كيفيّة جريانها كان من معجزاته الخارقة للطبيعة آتاه اللّه تعالى حجّة على الناس.

و حقيقة هذا الأمر إنّما هي قوّة و نفوذ و تأثير في إرادة شخص يؤتيها اللّه من يشاء، و كم له من نظير.

و هكذا إلقاء العلم و المعرفة بمنطق الطير، أو إعطاء النفوذ و التأثير و التسخير لشخص بالنسبة الى حيوان أو جنّ أو إنس، و مرجع هذه الأمور الى إرادة اللّه تعالى.

. إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

و إرادته تعالى إمّا باستقلال و مباشرة أو باجازة و إنفاذ.

200

. وَ قٰالَ يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ عُلِّمْنٰا مَنْطِقَ الطَّيْرِ- 27/ 16.

. وَ حُشِرَ لِسُلَيْمٰانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ- 27/ 17.

و التنفيذ و قدرة الإرادة بالاجازة مشهودة في ما بين أهل الرياضة.

و أمّا البحث عن جزئيّات هذه الأمور الخوارق: فخارج عن الميزان. و قد وردت في التواريخ و الروايات الضعيفة و الإسرائيليّات: امور ضعيفة و قضايا لا يصدّقها العقل السليم، و ينبغي الإعراض عنها، و لا سيّما ما يتعلّق بساحة قدس الأنبياء و الأولياء و في جريان أمورهم.

. وَ اتَّبَعُوا مٰا تَتْلُوا الشَّيٰاطِينُ عَلىٰ مُلْكِ سُلَيْمٰانَ وَ مٰا كَفَرَ سُلَيْمٰانُ وَ لٰكِنَّ الشَّيٰاطِينَ كَفَرُوا- 2/ 102.

أي و اتّبع هؤلاء المعرضون عن كتاب اللّه، ما جعله الشياطين مقتدى في حياتهم، و ذلك على حكومة سليمان. فليس لسليمان عصيان و كفران و خلاف، و إنّما الكفر من الشياطين.

. وَ لَقَدْ فَتَنّٰا سُلَيْمٰانَ وَ أَلْقَيْنٰا عَلىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنٰابَ- 38/ 34.

الجسد: جسم إذا لوحظ مجرّدا عن الروح، و إلقاء الجسد على كرسيّه في مقابل سلطانه و نفوذ أمره و تسخيره الجنّ و الانس: أمر فوق حكومته و إعلام بكون نفوذه محكوما في مقابل حكم اللّه تعالى و أمره، لئلّا يتوجّه الى الحكومة الظاهريّة المحدودة الموقّتة.

و أمّا خصوصيّة هذا الجسد: فلا فائدة في البحث عنها بعد اختلاف الأقوال فيه و فقدان سند مستند في المورد.

و أمّا موضوعات اخر مربوطة بالمقام: فليراجع الى مواردها.

سلو

مقا- سلوى: أصل احد يدلّ على خفض و طيب عيش، من ذلك قولهم فلان في سلوة من العيش، أي في رغد يسلّيه الهمّ. و يقول: سلا المحبّ يسلو سلوّا:

إذا فارقه ما كان به من همّ و عشق. و سليت بمعنى سلوت.

201

مصبا- سلوت عنه سلواّ من باب قعد: صبرت. و السلوة: اسم منه.

و سليت أسلى من باب تعب سليا: لغة. قال أبو زيد السلو طيب النفس للألف عن إلفه. و السلى: الّذي فيه الولد. و السلوى فعلى: طائر نحو الحمامة، و يقع على الواحد و الجمع.

مفر- سلا: السلوى أصلها ما يسلّي الإنسان، و منه السلوان و التسلّي. و قيل السلوى: طائر كالسماني. و قال ابن عبّاس: المنّ الّذي يسقط من السماء و السلوى طائر. قال بعضهم: أشار ابن عبّاس بذلك الى ما رزق اللّه تعالى عباده من اللحوم و النبات، و أورد بذلك مثالا. و أصل السلوى من التسلّي، يقال سليت عن كذا و سلوت عنه و تسلّيت: إذا زال عنك محبّته.

التهذيب 13/ 68- الأصمعيّ: سلوت فأنا أسلو سلوّا، و سليت عنه أسلى سليّا بمعنى سلوت: إذا نسي ذكره و ذهب عنه. و قال ابن شميل: سليت فلانا: أي أبغضته و تركته. و عن ابن الأعرابيّ: قال السلوانة: خرزة للبغض بعد المحبّة، و السلوى: طائر، و هو في غير القرآن العسل، و جاء في التفسير انّه طائر كالسماني.

الكشّاف 1/ 57-. وَ ظَلَّلْنٰا عَلَيْكُمُ الْغَمٰامَ وَ أَنْزَلْنٰا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوىٰ- 2/ 57، أي جعلنا الغمام يظلّكم و ذلك في التيه سخّر اللّه لهم السحاب يسير بسيرهم يظلّهم من الشمس، و المنّ هو الترنجبين ينزل عليهم مثل الثلج من طلوع الفجر الى طلوع الشمس لكلّ انسان صاع، و السلوى هي السماني.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو حالة الانصراف عمّا كان فيه و ترك ما كان يحبّه، مع حدوث السكون في النفس.

و بهذا اللحاظ تطلق المادّة على نسيان الذكر، و الذهاب عن الذكر، و ترك شي‌ء و بغضه بعد المحبّة، و الصبر و التسلّي للخاطر، و طيب النفس.

و لكنّ القيود المذكورة لا بدّ أن تلاحظ في كلّ من هذه الموارد، و لا يصحّ الإطلاق فيها بدونها الّا مجازا.

202

و أمّا العسل و لفافة الولد من الدوابّ: فكأنّ العسل من جهة حلاوته و طعمه الجاذب يصرف عن الحالة السابقة و يوجد تحوّلا، كما أنّ اللفافة تصرف الولد و تمنعه عن التعدّي عن محدودته.

و كذلك الطائر إذا اطعم به في حالة الجوع و الحاجة، فيكون مصداقا.

و لكنّ المنظور من السلوى في القرآن الكريم: مطلق ما يوجد تحوّلا من اضطراب و تشوّش و تعلّق، الى حالة استقرار و سكون و طيب نفس، أعمّ من أن يكون في المادّيّات أو في المعنويّات.

. وَ ظَلَّلْنٰا عَلَيْهِمُ الْغَمٰامَ وَ أَنْزَلْنٰا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوىٰ- 7/ 160.

المَنّ مصدر بمعنى اظهار النعمة و إيجاد الخير، و يطلق على النعمة و الخير الظاهر أيضا مبالغة. و السلوى اسم و هو ما يسلّيك بتطييب النفس و تسكينه.

فالمنّ يشمل كلّ نعمة تعطى و ينعم بها من الفواكه و النباتات و اللحوم و غيرها، و السلوى إشارة الى جهات معنويّة و الروح الّتي بها ينصرف النفس الى حالة سكون و طمأنينة و طيب بعد اضطراب و تزلزل.

فما يقال في التفاسير من النعم الماديّة: فمربوط الى مفهوم المنّ. و أمّا السلوى:

فظهوره في المعنويّات، و يشمل النعم المادّيّة أيضا إذا أوجبت انصرافا عمّا سبق و أوجدت طمأنينة و طيبا.

فظهر أنّ تفسير المنّ أو السلوى بنعمة خاصّة معيّنة كالعسل و الترنجبين و الطائر و أمثالها: في غير محلّه و خارج عن الحقيقة، إلّا أن يكون من باب تعيين المصداق.

سمد

مقا- سمد: أصل يدلّ على مضيّ قدما من غير تعريج، يقال سمدت الإبل في سيرها: إذا جدّت و مضت على رؤوسها. و من الباب السمود الّذي هو اللهو، و السامد هو اللاهي و هو قياس الباب، لأنّ اللاهي يمضي في أمره غير متعرّج و لا متمكّث، فأمّا- سمّد رأسه إذا استأصل شعره: فذلك من باب الإبدال و أصله الباء.

203

مصبا- السماد وزان سلام: ما يصلح به الزرع من تراب و سرجين، و سمّدت الأرض تسميدا: أصلحتها بالسماد.

التهذيب 12/ 377- سمد: عن ابن عبّاس: و أنتم سامدون- مستكبرون. و يقال للفحل إذا اغتلم: قد سمد. و قال الليث: سامدون لاهون، و السمود في الناس: الغفلة و السهو عن الشي‌ء. قال أبو عبيد: قوله- سامدون: يعني القيّام، و كلّ رافع رأسه فهو سامد. و قال المبرّد: السامد: القائم في تحيّر. و قال الليث: السماد: تراب يسمّد به النبات، و سمّد شعره إذا أخذه كلّه. و عن ابن الأعرابيّ: السامد: اللاهي، الغافل، الساهي، المتكبّر، القائم. أبو زيد: السامد:

المتحيّر بطرا و أشرا، و المغنّي.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التمرّد و التكبّر مع الغفلة. و بهذه المناسبة تستعمل في مفاهيم- التحيّر و التلهّي و السهو و الغفلة و التكبّر و التغنّي و البطر.

و استعمالها في اغتلام الفحل، و رفع الرأس قائما، و فيما يصلح و ينمو النبات به بلحاظ هذا الأصل المذكور.

فالقيدان لا بدّ أن يلاحظا في كلّ مورد من موارد الاستعمال.

. أَ فَمِنْ هٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَ تَضْحَكُونَ وَ لٰا تَبْكُونَ وَ أَنْتُمْ سٰامِدُونَ- 53/ 61.

أي و أنتم متكبّرون متجبّرون مع الغفلة عن حديث الآزفة، و التوجه الى الآزفة يقتضي الحزن و البكاء و التأثّر لا الضحك و الاستهزاء، إلّا إنّ التمرّد و الغفلة يوجب ذلك، و يصرف عن التوجّه الدقيق و التفكّر.

سمر

مقا- سمر: أصل واحد يدلّ على خلاف البياض في اللون، من ذلك السمرة في الألوان، و أصله قولهم- لا آتيك السمر و القمر- فالقمر: القمر. و السمر:

204

سواد الليل، و من ذلك سمّيت السمرة. فامّا السامر: فالقوم يسمرون. و السامر:

المكان الّذي يجتمعون فيه للسمر. و السمراء: الحنطة للونها. و الأسمر: الرمح.

و الأسمر: الماء.

صحا- السمر: المسامرة و هو الحديث بالليل، و قد سمر يسمر فهو سامر و السامر أيضا: السمّار و هم القوم الّذين يسمرون. و تسمير اللبن: ترقيقه بالماء.

و السمرة: لون الأسمر، تقول سمر و سمر و اسمارّ اسميرارا. و الأسمران الماء و البرّ، و يقال الماء و الريح. و المسمار واحد المسامير.

مفر- السمرة: أحد الألوان المركّبة بين البياض و السواد. و السمراء: كنيّ بها عن الحنطة. و السمار: اللبن الرقيق المتغيّر اللون. و السمرة: شجرة تشبه أن تكون للونها سمّيت بذلك. و السمر: سواد الليل. و سمر فلان إذا تحدّث ليلا. مستكبرين به سامرا تهجرون- قيل: سمّارا، فوضع الواحد موضع الجمع. و قيل: بل الليل المظلم.

التهذيب 12/ 418- قال أبو إسحاق في- مستكبرين به سامرا- بمعنى سمّارا، و السامر الجماعة يتحدّثون ليلا. و السمر: ظلّ القمر. و السمرة مأخوذة من هذا. و عن أبي حاتم في- مستكبرين سامرا- أي في السمر، و هو حديث الليل، يقال: قوم سامر و سمر و سمّار و سمّر. و سامر الإبل: ما رعى منها بالليل، يقال إنّ إبلنا تسمر أي ترعى ليلا. و قال الليث: السامر الموضع الّذي يجتمعون فيه للسمر.

و قد جاءت حروف على لفظ فاعل و هي جمع عن العرب، فمنها الجامل و السامر و الباقر و الحاضر. و قال الليث: السمر: شدّك شيئا بالمسمار. و السمرة: لون يضرب الى سواد خفيّ. و قناة سمراء و حنطة سمراء. قال الأصمعيّ: السمر عندهم الظلمة، و الأصل اجتماعهم يسمرون في الظلمة، ثمّ كثر الاستعمال حتّى سمّوا الظلمة سمرا.

قع- (سامر) تصلّب، جمد، تحجّر، ثبّت بمسمار.