التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج5

- حسن المصطفوي المزيد...
296 /
205

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الظلمة الخفيفة. و بهذا الاعتبار يقال: إنّ السمر يدلّ على خلاف البياض، و السمر سواد الليل، و سمر و سمر و اسمارّ إذا اسودّ و اظلمّ، و السمرة لون بين البياض و السواد، و السامر اللّيل المظلم، و السمر ظلّ القمر و الظلمة.

و أما إطلاق المادّة على الحنطة و الرمح و المسمار و اللبن المخلوط بالماء و الريح و شجرة العضاه: فباعتبار النظر الى لون الظلمة الخفيفة و السواد العارض في كلّ منها، فالقيد ملحوظ و لازم تحقّقه.

و أمّا المسامرة بمعنى المحادثة ليلا: فيقال سمر يسمر و سامر يسامر إذا جعل شيئا مظلما أو في ظلمة و سواد. فكأنّ الحديث يجعل في ظلمة الليل.

. حَتّٰى إِذٰا أَخَذْنٰا مُتْرَفِيهِمْ .... قَدْ كٰانَتْ آيٰاتِي تُتْلىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سٰامِراً تَهْجُرُونَ- 23/ 67.

أي استكبارا بسبب نكوصهم في السمر، و هذا كما في قوله تعالى:. فَأَمّٰا عٰادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. أي يجعلون الإعراض و النكوص وسيلة في استكبارهم في السامر، توهّما منهم أنّ الاعراض عن الحقّ و الإدبار عن آيات اللّه موجب لرفعة شأنهم و علوّ منزلتهم و مقامهم.

فالسامر هو المظلمّ الخفيف و هو على الأصحّ مفعول فيه من الاستكبار، أي يستكبرون بنكوصهم في أيّ مكان سافر، و هذا إشارة الى أنّ استكبارهم ليس بحقّ، و لا يعلنونه إلّا في خفاء و ظلمة.

فظهر أنّ الضمير يرجع الى النكوص، و أنّ السامر مفعول فيه كما في قولهم جلست قرب زيد أو قريب زيد. و لا نحتاج الى تفسير السامر بالسمّار جمعا ليكون حالا، أو إرجاع الضمير الى ما لم يذكر لفظا.

و أمّا السامريّ: فظاهر الكلمة كونها منسوبة الى السامر أو السامرة، فانّ النسبة الى المذكّر و المؤنّث واحدة. و السامر قد عرفت معناه، و السامرة إمّا أنّها كانت‌

206

اسم معمورة في فلسطين قبل بناء بلدة سامرة فيها أو في محلّ آخر، أو أنّها كانت اسم طائفة و قوم في ذلك الزمان، أو أنّها معرّبة من كلمة اخرى عبرانيّة أو لغة اخرى، و لا سند لنا يوجد في هذا المورد.

و على ايّ حال: فهو رجل من أصحاب موسى (ع) الّذين انتظروا قدوم موسى (ع)، و صنع ما صنع، و دعا بني إسرائيل الى عبادة العجل.

. وَ اتَّخَذَ قَوْمُ مُوسىٰ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوٰارٌ- 7/ 148.

. قٰالَ فَإِنّٰا قَدْ فَتَنّٰا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السّٰامِرِيُّ.

. فَرَجَعَ مُوسىٰ إِلىٰ قَوْمِهِ غَضْبٰانَ .... وَ لٰكِنّٰا حُمِّلْنٰا أَوْزٰاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنٰاهٰا فَكَذٰلِكَ أَلْقَى السّٰامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوٰارٌ فَقٰالُوا هٰذٰا إِلٰهُكُمْ .... قٰالَ فَمٰا خَطْبُكَ يٰا سٰامِرِيُّ قٰالَ بَصُرْتُ بِمٰا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً- 20/ 86 و 97.

و الظاهر أنّ هذا الرجل كان له سابقة في علوم الشعبذة و السحر، كما هو المتعارف في عصر موسى (ع)، و لا يبعد كونه من أفراد السحرة المؤمنين بموسى (ع)، و هو بمقتضى علمه و عقيدته السابقتين، أظهر هذا العمل-. وَ أَضَلَّهُمُ السّٰامِرِيُّ.

و يناسب هذا المعنى أن نقول: إنّ السامريّ مأخوذ من مادّة سامر:

قع- تصلّب، جمد، تحجّر، وقف، ثبّت بمسمار.

فانّ السامريّ قد تصلّب و جمد في عقيدته السابقة، و لم يكن له إدراك وسيع و ذوق و دقّة و فهم و نور روحانيّ.

و العجب كلّ العجب من سفر الخروج من التوراة، الإصحاح 32، حيث يقول: اجتمع الشعب على هارون و قالوا له قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا ... فقال لهم هارون انزعوا أقراط الذهب الّتي في آذان نسائكم و بنيكم و بناتكم و أتوني بها، فنزع كلّ الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم و أتوا بها الى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم و صوّره بالارميل و صنعه عجلا مسبوكا، فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل الّتي أصعدتك من أرض مصر ... فقال الربّ لموسى اذهب انزل لأنّه قد فسد شعبك ....

صنعوا لهم عجلا مسبوكا و سجدوا له و ذبحوا له.

207

فنسب الى هارون بأنّه قد صنع عجلا و دعا بني إسرائيل الى عبادته، و هذا أعظم من الشرك بمراتب، فكيف يكون نبيّا من اللّه لهداية الناس.

و قال اللّه تعالى في القرآن الكريم:

. وَ وَهَبْنٰا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنٰا أَخٰاهُ هٰارُونَ نَبِيًّا.

. وَ لَقَدْ آتَيْنٰا مُوسىٰ وَ هٰارُونَ الْفُرْقٰانَ وَ ضِيٰاءً وَ ذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ.

. ثُمَّ بَعَثْنٰا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسىٰ وَ هٰارُونَ إِلىٰ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ.

. وَ أَخِي هٰارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسٰاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً.

فسفر الخروج يصرّح بأنّ هارون دعا بني إسرائيل الى ما يخالف دعوة أخيه موسى (ع)، فكيف يكون هذا الصنع نصرة و تأييدا و ردءا.

و لا يخفى أنّ سفر الخروج كتاب تاريخيّ يبحث عن جريان امور بني إسرائيل من وفاة يوسف النبيّ الى منتهى وصولهم الى خيمة الاجتماع، في امتداد زمان في حدود 150 سنة.

كما أنّ سفر التكوين قبله يبحث عن ابتداء التكوين الى منتهى فوت يوسف النبيّ.

و سفر اللاويّين يبحث عن ابتداء خيمة الاجتماع الى منتهى وصايا الربّ الى بني إسرائيل في جبل سيناء، و هو السفر الثالث من الأسفار.

و سفر العدد يبحث عن بقيّة الجريان الى وصايا الرب الى بني إسرائيل على أردن أريحا.

و سفر التثنية هو الخامس من الأسفار الخمسة و يبحث عن بقيّة الجريان الى آخر وفاة موسى (ع).

و في آخر التثنية يقول: و لم يقم بعد نبيّ في إسرائيل مثل موسى.

فيظهر أنّ هذه الأسفار قد ألّفت بعد امتداد زمان من وفاة موسى (ع) مربوطا كلّ واحد منه بآخر، و أين هذا من توراة موسى (ع).

فهذه رسائل تاريخيّة لا يتوقّع منها أزيد من أن تحتوي على جريانات امور و حوادث و قضايا على حسب اطّلاع مؤلّفيه.

208

سمع

مقا- سمع: أصل واحد و هو إيناس الشي‌ء بالاذن من الناس و كلّ ذي اذن.

تقول سمعت الشي‌ء سمعا. و السمع: الذكر الجميل، يقال قد ذهب سمعه في الناس أي صيته، و يقال سماع: بمعنى استمع، و يقال سمعت بالشي‌ء إذا أشعته ليتكلّم به، و المسمعة المغنّية، و المسمع كالاذن للغرب و هي عروة تكون في وسط الغرب يجعل فيها حبل ليعدل الدلو.

مصبا- سمعته و سمعت له سمعا و تسمّعت و استمعت: كلّها يتعدّى بنفسه و بالحرف: بمعنى، و استمع لما كان يقصد لأنّه لا يكون إلّا بالاصغاء، و سمع يكون بقصد و بدونه، و السماع اسم منه، فأنا سميع و سامع، و أسمعت زيدا: أبلغته، فهو سميع أيضا. قال الصنعانيّ: و قد سمّوا سمعان و العامّة تفتح السين، و منه دير سمعان. و طرق الكلام السمع و المسمع، و الجمع أسماع و مسامع. و سمعت كلامه أي فهمت معنى لفظه، فان لم نفهمه لبعد أو لغط فهو سماع صوت لا سماع كلام، و سمع اللّه قولك: علمه. و سمع اللّه لمن حمده: قبل حمد الحامد. و قال ابن الأنباريّ:

أجاب اللّه حمد من حمده، و من الأوّل قولهم- سمع القاضي البيّنة أي قبلها. و سمّعت بالشي‌ء أذعته ليقوله الناس.

الاشتقاق 355- إن كسرت الميم فالاذن مسمع. و يقال أنت منّي بمرأى و مسمع، أي حيث أراك و اسمع كلامك. و يكون مسمع مأخوذا من أسمعت الدلو، و السامعان و المسمعان: الأذنان. و السمع ضرب من السباع بين الذئب و الضبع. و السمعة: الذكر حسنا أو قبيحا. و سمّع فلان بفلان إذا ذكره بقبيح لا غير. و الرياء و السمعة: بأن يسمّع بأكثر ممّا عنده. و تقول العرب: فعلت ذاك تسمعتك، أي لتسمعه. و دير سمعان: موضع بالشام مات فيه عمر بن عبد العزيز.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو إدراك الأصوات سواء كان بواسطة عضو‌

209

الاذن الجسمانيّ أو بوسيلة قوّة روحانيّة و نور باطنيّ، أو بسبب إحاطة وجوديّة و قيّوميّة مطلقة.

فالأوّل كما في:. فَلَمّٰا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ...،. سَمِعْنٰا وَ أَطَعْنٰا* ...،. فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ ...،. وَ لٰا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعٰاءَ ...،. يَسْمَعُونَ كَلٰامَ اللّٰهِ.

و الثاني كما في:. إِنّٰا سَمِعْنٰا قُرْآناً عَجَباً ...،. نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ...،. وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمٰا يُوحىٰ ...،. لٰا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلىٰ.

و الثالث كما في:. قَدْ سَمِعَ اللّٰهُ قَوْلَ الَّتِي تُجٰادِلُكَ ...،. إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ سَمِيعاً.

و كشف المرام في هذا الموضوع يتوقّف على تبيين امور:

1- سماع الكلام في الإنسان: إنّما يتحقّق بوصول الاهتزازات الهوائيّة و التموّجات الحاصلة الى صماخ الاذن، ثمّ تنتقل تلك الاهتزازات الصوتيّة بواسطة الأعصاب في الاذن، الى مخّ الجمجمة.

2- المدرك بالأصوات و كذلك بسائر المدركات: هو النفس، و إذا فرض السماع المادّي: فلا بدّ من سلامة و صحّة و نظم في الأذن، لكي يتحقّق السمع بواسطته، و تستوي القوّة السامعة فيه، و يكون الإدراك به تامّا.

3- المدرك بالمدركات و المحسوسات في الموجودات البرزخيّة كالجنّ و الشياطين و كذلك الانس في عالم برزخه: هو الوسائط و الأعضاء البرزخيّة اللطيفة، و يشبّه هذا العالم عالم الجنّة و النار و أهلهما، فانّ الآخرة جسمانيّة لا جسدانيّة. و مع هذا فانّ المدرك الحقيقيّ الأصليّ هو الروح.

4- المدرك في عالم العقول: هو نفس الروح المجرّد السميع في ذاته من دون آلة و واسطة، و هذا العالم مظهر الصفات و الأسماء الإلهيّة، لا فرق بينها و بينه الّا أنّها مخلوقة و محدودة ذاتا، و اللّه هو الأوّل و الآخر و الظاهر و الباطن و الحقّ القيّوم لا إله إلّا هو العزيز الرحمن الرحيم.

5- إنّ اللّه عزّ و جلّ هو المنزّه عن الحدود الماديّة و الجسمانيّة و الذاتيّة و هو الأزليّ الابديّ الحيّ المريد المحيط المدرك.

فهو تعالى أكبر و أعلى من عالم المادّة الّتي هي محدودة بأبعاد الزمان و أبعاد المكان‌

210

و أبعاد الذاتيّات و حدودها. و أعلى و أكبر من الأبعاد الّتي في عالم البرزخ من الحدود العرضيّة و الطوليّة في عالمه و من الحدود الذاتيّة فيه. و أكبر و أعلى من الحدود الذاتيّة في عالم العقل.

فهو الحيّ المطلق و النور المطلق و هو المريد القيّوم المحيط.

6- الإنسان يعيش في الدنيا بوسائل و وسائط، يرى بحاسّة الباصرة، و يسمع بحاسّة السامعة، و ينطق باللسان، و يبطش باليد، و يتحرّك بالرجل، و يذوق بالذائقة، و يشمّ بحاسّة الشامّة، و يتغذّى بجهاز الهاضمة، و يتنفّس بجهاز التنفّس، و يلمس بحاسّة اللامسة، و هكذا. و هذه هي الحياة الدنيا، و لا يمكن إدامة الحياة و العيش فيها إلّا بوسائط، فلا يتحقّق الإدراك فيها إلّا بواسطة الحواسّ الخمسة، و لا يمكن إدراك الأصوات إلّا بواسطة الاذن، ليس إلّا.

7- و لمّا كانت الحياة الدنيا إنّما تجري أمورها و معايشها بالوسائط فيصعب العيش و يشكل دوام الحياة، و يحتاج تهيّة الوسائط و العمل بالوسائل و الاستفادة بالأسباب و القوى الى تكلّف و تحمّل زحمة، و مع هذا لا يخلو حصول النتيجة و تحقّق المقصود عن إمكان وقوع موانع و فقدان شرائط لازمة. فيكون تحصيل اليقين في الأمور و القضايا و في الإدراكات و الإحساسات في غاية الإشكال.

8- و كلّما كانت الوسائط قليلة كانت النتائج المأخوذة و لا سيّما في المدركات بالحواسّ الخمسة: متيقّنة مشهودة مسلّمة. فالاشتباه و التردّد في عالم البرزخ أقلّ كثيرا. و في عالم العقل منتفية بالكليّة، و في عالم اللاهوت علم مطلق و شهود تامّ و إحاطة كاملة.

فجميع الأمور و قاطبة الأشياء و كلّ عمل و نيّة في أيّ عالم ماديّا أو برزخيّا مشهودة عنده حاضرة لديه تعالى، في الأزل و الأبد، لا يحجبه زمان و لا مكان و لا بعد و لا حدّ و لا حجاب و لا واسطة، فالأزل و الأبد عنده سواء، و الشرق و الغرب لديه غير متفاوت، و طبقات الخلق محاطة بعلمه و حضوره بنحو واحد و بنسبة فاردة، و لا يتصوّر بعد عنده.

9- إنّ اللّه عزّ و جلّ قد أعطى لكلّ حيوان من أيّ نوع روحا، و ذلك الروح‌

211

يختلف بحسب اختلاف الأنواع و الأشخاص، ففي كلّ نوع يتميّز و يتجلّى بخصوصيّات و صفات خاصّة، و يتفاوت بالشدّة و القوّة و الضعف، و في الإنسان يعطى روح قويّ له استعداد إدارة الأمور الدنيويّة و الاخرويّة، و فيه قدرة التكميل و التربية من جهة الحياة الماديّة و الحياة الروحانيّة، و له استطاعة أن يترقّى من عالم المادّة الى عالم العقل.

فبسبب هذا الاستعداد التكوينيّ الروحيّ يمتاز عن سائر الحيوانات، و بلحاظ تكميل استعداده بالعمل و الرياضة: يمتاز عن الملائكة الّذين خلقوا تكوينا، متناسبة و في سنخ عالم البرزخ، فانّ له جزاء ما عمل و سلك، الى أن يصل الى البرزخ أو الى عالم العقل، مضافا الى مالهم.

10- و بهذا يظهر حقيقة الحشر في الإنسان دون الحيوان: فانّ الحيوان ليس له استعداد التوجّه الى عالم ما وراء المادّة و تربية الروح و تزكيته و تكميله و تهذيبه و السلوك الى عالم الآخرة، فلا معنى لحشرهم في عالم الآخرة، لأنّهم قد خلقوا للحياة الدنيا، و هم يجزون في امتداد حياتهم بحسب ما عملوا من خير أو شرّ، بجريان طبيعيّ إلهيّ.

11- فالإنسان العاقل المتنبّه: لا بدّ له بمقتضى فطرته التكوينيّة و بلحاظ استعداده الذاتيّة الروحيّة، أن يهذّب نفسه، و يتوجّه الى ماله خير و صلاح و كمال، و يسلك في صراط خلق له، و يعيش بعيش الآخرة، و يحيى بالحياة الروحيّة النورانيّة، و يجعل الدنيا وسيلة الى الوصول بلذائذ عالم الآخرة، و يجتهد في تحصيل إدراك الحقائق و المعارف الحقّة.

12- فظهر أنّ اللّه تعالى بصير بذاته لا بواسطة، كما أنّه تعالى بذاته سميع و بذاته فعّال و مريد و ذو بطش، فلا حاجة له تعالى في السماع الى الشرائط و الوسائل اللازمة في عالم الجسم.

فهو تعالى في تفرّده و تجرّده: له الصفات العليا و الأسماء الحسنى.

و هذه كلّها اعتبارات و ملحوظات بالنسبة الى خلقه و تكوينه و فضله وجوده.

و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه.

212

13- و الفرق بين السماع و الإبصار و العلم: أنّ في السمع يلاحظ ظهور صوت و لو في القلب أوّلا ثم يتوجّه اليه و يحصل الإدراك. و في الإبصار يلاحظ ابتداء التوجّه الى المبصر و إدراكه من دون نظر الى تظاهر في المبصر أو عدمه. و أمّا العلم فهو انكشاف مطلق من دون نظر الى ظهور المعلوم أو قصد الإدراك من العالم، فلا خصوصيّة في العلم.

14- كثيرا ما يذكر- السميع- في القرآن الكريم مقرونا باسم- العليم كما في:. وَ كٰانَ اللّٰهُ سَمِيعاً عَلِيماً ...،. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ*.

فانّ ذكر العامّ أو المطلق بعد الخاصّ و المقيّد يكون تأكيدا له و تحكيما للحكم.

و قد يذكر باسم- البصير: كما في:

. فَعِنْدَ اللّٰهِ ثَوٰابُ الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ كٰانَ اللّٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً- 4/ 134.

. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ- 42/ 11.

. وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لٰا يَقْضُونَ بِشَيْ‌ءٍ إِنَّ اللّٰهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ- 40/ 20.

. اللّٰهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلٰائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النّٰاسِ إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ- 22/ 75.

. وَ يُولِجُ النَّهٰارَ فِي اللَّيْلِ وَ أَنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ- 22/ 61.

و ذلك في موارد خاصّة مربوطة بفعل اللّه تعالى و تقديره و حكمه، و هذا إشارة الى أنّ ما يصدر و يظهر منه يلاحظ فيه الجهتان: جهة ظهور و طلب من الطرف، و جهة توجّه و نظر اليه من جانب اللّه تعالى، و مرجعهما الى تحكيم و تقدير في التوجّه الى جهة الطلب و الاستقضاء، و تحكيم في جهة القضاء و إتمام الحكم و إكماله بمقتضى المورد، و هذا كما في:. لٰا تَخٰافٰا إِنَّنِي مَعَكُمٰا أَسْمَعُ وَ أَرىٰ.

و أمّا-. وَ لَهُمْ آذٰانٌ لٰا يَسْمَعُونَ بِهٰا- 7/ 179.

. قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ لٰا يَسْمَعُونَ- 8/ 21.

قلنا إنّ السماع هو الإدراك، و إذا لم يدرك فهو غير سامع.

213

سمك

مقا- سمك: أصل واحد يدلّ على العلوّ، يقال سمك إذا ارتفع، و المسموكات: السماوات، و يقال سمك في الدرج. و اسمك أي اعل. و سنام سامك، أي عال. و المسماك: ما سمكت به البيت. و ممّا شذّ عن الباب و باين الأصل: السمك.

الاشتقاق 444- و السماك: نجم من منازل القمر، و هما سماكان سماك الرامح، و سماك الأعزل. و كلّ شي‌ء ارتفع فهو سامك. و سمك البيت: مسافة أعلاه الى أسفله.

صحا- سمك اللّه السماء سمكا: رفعها. و سمك الشي‌ء: ارتفع، سموكا، و سنام سامك تامك أي عال. و يقال اسمك في الريم أي اصعد في الدرجة، و سمك البيت: سقفه. و المسماك: عود يكون في الخباء يسمك به البيت، و السمك من خلق الماء، الواحدة سمكة.

الجمهرة 3/ 46- و السمك: سمك البيت و غيره، و هو ما بين أعلاه الى أسفله ما بلغ. و رجل مسموك: طويل. و كلّ شي‌ء صعدت فيه فقد سمكت فيه.

و النجوم السوامك: المرتفعة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو مسافة الارتفاع، و مقدار المسافة يختلف باختلاف الموضوعات و الموارد، فلعود الخباء مسافة بمقداره و هو مسماك لارتفاع الخباء، و للدرجة مقدار معيّن، و هكذا مقدار الارتفاع للبيت أو السنام أو لكلّ نجم أو نجوم.

. أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا- 79/ 28.

و هو مسافة ارتفاع السماء من الأرض الى امتداد أعلى طبقة من السماء.

و بهذا ظهر لطف التعبير بالمادّة دون الرفع و غيره، فانّ السمك يشمل مجموع‌

214

طبقات السماوات من حيث مجموعها، و ما بين تلك السماوات.

و أمّا إطلاق المادّة على السمك فلعلّ هذا الإطلاق كان في مورد يكون ارتفاعه أزيد، كما في بعض انواع السموك.

و أمّا تسوية السماوات: يراد تنظيم حركتها و تقدير أفلاكها:

. لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهٰا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سٰابِقُ النَّهٰارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ- 36/ 40.

سمّ

مقا- سمّ: الأصل المطّرد فيه يدلّ على مدخل في الشي‌ء، كالثقب و غيره، ثمّ يشتقّ منه. فمن ذلك السمّ و السمّ: الثقب في الشي‌ء- حتّى يلج الجمل في سمّ الخياط. و السمّ: القاتل، يقال فتحا و ضمّا. و سمّي بذلك لأنّه يرسب في الجسم و يداخله خلاف غيره ممّا يذاق. و السامّة: الخاصّة، و إنّما سمّيت بذلك لأنّها تداخل بانس لا يكون لغيرها. و السموم: الريح الحارّة، لأنّها أيضا تداخل الأجسام مداخلة بقوّة. و السمّ: الإصلاح بين الناس، و ذلك أنّهم يتباينون و لا يتداخلون، فإذا أصلح بينهم تداخلوا.

مصبا- السمّ: ما يقتل بالفتح في الأكثر، و جمعه سموم و سمام، و الضمّ لغة لأهل العالية، و الكسر لبني تميم. و سممت الطعام سمّا من باب قتل: جعلت فيه السمّ. و السمّ: ثقب الإبرة، و فيه اللغات الثلاث، و جمعه سمام. و المسمّ: يكون مصدرا للفعل، و يكون موضع النفوذ، و الجمع مسامّ. و مسامّ البدن: ثقبه الّتي يبرز عرقه و بخار باطنه منها، قال الأزهريّ: سمّيت مسامّ لأنّ فيها خروقا خفيّة. و السامّة من الخشاش ما يسمّ و لا يبلغ أن يقتل سمّه كالعقرب و الزنبور، فهي اسم فاعل، و الجمع سوامّ. و السموم: الريح الحارّة بالنهار.

مفر- السمّ و السمّ: كلّ ثقب ضيّق، كخرق الإبرة و ثقب الأنف و الاذن.

و قد سمّه أي دخل فيه. و منه السامّة للخاصّة الّذين يقال لهم الدخلل الّذين يتداخلون في بواطن الأمر. و السمّ: القاتل، و هو مصدر في معنى الفاعل، فانّه‌

215

بلطف تأثيره يدخل بواطن البدن.

لسا- السمّ و السمّ و السمّ: القاتل، و جمعها سمام. و شي‌ء مسموم فيه سمّ.

و سمّه: سقاه السمّ. و سمّ الطعام: جعل فيه السمّ. و السامّة الموت، و المعروف السام بتخفيف الميم بلا هاء. و السمّ: الثقب. و سمّ كلّ شي‌ء و سمّه: خرقه و ثقبه، و الجمع سموم، و منه سمّ الخياط. و سمّ بين القوم يسمّ سمّا: أصلح. و سمّه سمّا:

شدّه. و السموم: الريح الحارّة، تؤنّث، و قيل هي الباردة ليلا كان أو نهارا، تكون اسما و صفة، و الجمع سمائم.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو النفوذ الشديد بحيث ينتهي الى خرق و ثقب. و بلحاظ هذه القيود تطلق على ثقب حاصل من الإبرة، و الاختلال المتحصّل من المادّة المخصوصة في البدن، و على الريح الحارّة النافذة المؤثّرة المخلّة في البلاد العربيّة، و الريح الباردة الشديدة في غيرها، و على ذوي القربى النافذين في أمور شخصيّة، و على إصلاح أمور أو تشديدها إذا انتهت الى نفوذ أساسيّ و تأثير.

فالسمّ يستعمل بمعناه المصدريّ و هو النفوذ الشديد و الخرق، و على المعنى الاسميّ و هو ما يتحصّل من ذلك النفوذ و هو الثقب و المنفذ.

. وَ لٰا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّٰى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيٰاطِ- 7/ 40.

قلنا في الجمل انّه كلّ شي‌ء بلغ الى حدّ كماله و تمامه و نضجه و نظمه، و المراد هنا الحبل الضخم المحكم يشدّ به السفينة و أمثالها، و معلوم أنّه غير ممكن وروده في منفذ في ما ثقبه الإبرة أو المثقب للخياطة.

و لا يخفى التناسب في التشبيه: حيث إنّ الكفّار بلحاظ توغّلهم في الظلمة و المادّيّة و سيّئات الأعمال و الأخلاق، مبعدون عن اللطافة و الروحانيّة و النورانيّة و الصفا، فلا تناسب بينهم و بين الجنّة الّتي هي دار النور و اللطف و الرحمة و الروحانيّة.

و هذا كدخول حبل ضخم على منفذ دقيق.

. وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ مِنْ صَلْصٰالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وَ الْجَانَّ خَلَقْنٰاهُ مِنْ

216

قَبْلُ مِنْ نٰارِ السَّمُومِ- 15/ 28.

و قد مرّ في الجنّ انّه بمعنى الستر، و الجانّ فاعل منه، و هو الواحد من النوع، و هو المخلوق من مادّة النار في مقابل الإنسان المخلوق من الطين. و السموم فعول و هو ما يكون في شدّة النفوذ، و من مصاديقه الريح الحارة الشديدة النافذة في منافذ البدن، و لمّا كانت الحرارة المتحصّلة من الريح في غاية اللطافة و النفوذ: فتكون المادّة المأخوذ منها الجنّ لطيفة نافذة بالنسبة الى الطين.

و تدلّ الآية الكريمة على أنّ خلق الجنّ كان قبل خلق الانس.

. وَ أَصْحٰابُ الشِّمٰالِ مٰا أَصْحٰابُ الشِّمٰالِ فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ- 56/ 43.

السموم جريان حارّ نافذ متوجّه من الخارج، و الحميم حرارة شديدة موجودة في المحلّ.

و لعلّ السموم هو تجسّم الأعمال الخبيثة و السيّئات المضلّة و الأهواء المظلمة، كما أنّ الحميم هو تجسّم النيّات الفاسدة و الأخلاق الرذيلة القلبيّة.

. وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ يَتَسٰاءَلُونَ قٰالُوا إِنّٰا كُنّٰا قَبْلُ فِي أَهْلِنٰا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللّٰهُ عَلَيْنٰا وَ وَقٰانٰا عَذٰابَ السَّمُومِ- 52/ 26.

هذا نتيجة الخوف و التقوى من الأعمال الفاسدة و المعاصي و الذنوب-. إِنَّمٰا تُجْزَوْنَ مٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ*- 52/ 16.

فظهر التناسب فيما بين المادّة و الأعمال الظالمة و التعدّيات المنحرفة و المعاصي الخارجة عن الاعتدال، و ثبت حسن التعبير و لطفه بها.

سمن

مصبا- السمن: ما يعمل من لبن البقر و الغنم، و الجمع سمنان مثل ظهر و ظهران. و سمن يسمن من باب تعب، و في لغة: من باب قرب: إذا كثر لحمه و شحمه. و يتعدّى بالهمزة و بالتضعيف، و السمن وزان عنب: اسم منه، فهو سمين، و جمعه سمان، و امرأة سمينة، و جمعها سمان أيضا. و السمينة: فرقة تعبد الأصنام.

217

مقا- سمن: أصل يدلّ على خلاف الضمر و الهزال. من ذلك السمن، يقال هو سمين. و السمن من هذا. و ممّا شذّ عن هذا الأصل كلام يقال: إنّ أهل اليمن يقولونه دون العرب، يقولون سمّنت الشي‌ء: إذا برّدته، و التسمين: التبريد.

لسا- السمن: نقيض الهزال. و السمين: خلاف المهزول، سمن يسمن سمنا و سمانة. و شي‌ء سامن و سمين، و الجمع سمان. قال اللحياني: إذا كان السمن خلقة: قيل هذا رجل مسمن و قد أسمن. و سمّنه: جعله سمينا. و في المثل- سمّن كلبك يأكلك. و استسمن الشي‌ء: طلبه سمينا أو وجده كذلك. و السمنة: دواء يتّخذ للسمن. في حديث عن النبيّ (ص): يقول لرجل سمين و يؤمي بإصبعه الى بطنه: لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك. و السمن: سلاء اللبن، سلاء الزبد، للبقر، و قد يكون للمعزى، و الجمع أسمن و سمون و سمنان. و سمن الطعام يسمنه سمنا، فهو مسمون: عمله بالسمن و لتّه به. و سمن الخبز و سمّنه و أسمنه: لتّه بالسمن. و رجل سامن: ذو سمن، كما يقال رجل تامر لابن.

التهذيب 13/ 21- ابن السكّيت، سمنت له: إذا أدمت له بالسمن. و قد سمّنته: إذا زوّدته السمن. و جاءوا يستسمنون: أي يطلبون أن يوهب لهم السمن.

و قال الليث: السمن: نقيض الهزال. و الفعل سمن يسمن سمنا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل الهزال و الضعف، و يختصّ بأنواع الحيوان و الإنسان، فيقال سمن يسمن فهو سمين إذا كان سمنه طبيعيا، و سمن يسمن سمنا من باب تعب فهو سمن، إذا كان عرضيّا و لاحقا، و هكذا أسمن يسمن فهو مسمن. هذا بحسب الصيغة و دلالة الهيئة.

ثمّ إنّ السمن في الحيوان يلازم الشحم، بل إنّ السمن لا يتحقّق إلّا بتزايد الشحم في داخل البدن و أطراف الأعضاء الداخليّة: و بهذا اللحاظ يطلق السمانة على الشحم إذا كان النظر اليه في ضمن السمن أو مجازا، كما أنّ الشحم أيضا يطلق على السمن، فيقال إنّه شحيم أي سمين.

218

. لَيْسَ لَهُمْ طَعٰامٌ إِلّٰا مِنْ ضَرِيعٍ لٰا يُسْمِنُ وَ لٰا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ- 88/ 8.

أي لا يزيد في قوّتهم و اقتدارهم و لا يقوّيهم، بل لا يرفع جوعهم و ضعفهم.

. فَرٰاغَ إِلىٰ أَهْلِهِ فَجٰاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ- 51/ 26.

العجل: ولد البقر قبل تمام سنة، جاء به للإطعام- راجع- الروغ و العجل.

. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنٰا فِي سَبْعِ بَقَرٰاتٍ سِمٰانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجٰافٌ- 12/ 46.

سمان: جمع سمينة أو سمنة، و العجاف جمع عجفة أو عجفاء أو أعجف، و العجف بمعنى الضعف و الهزال.

فذكر السمان في مقابل العجاف: يدلّ على أصالة المعنى المذكور.

و لا يبعد أن نقول إنّ دلالة المادّة على الشحم بالتضمّن لا بالالتزام.

سمو

مصبا- سما يسموا سمّوا: علا. و منه يقال: سمت همّته الى معالي الأمور:

إذا طلب العزّ و الشرف. و السماء المظلّة للأرض، قال ابن الأنباري: تذكّر و تؤنّث، و قال الفرّاء: التذكير قليل و هو على معنى السقف، و كأنّه جمع سماوة مثل سحاب و سحابة، و جمعت على سماوات. و السماء: المطر، مؤنّثة لأنّها في معنى السحابة، و جمعها سميّ على فعول. و السماء: السقف، مذكّر، و كلّ عال مظلّ سماء، حتّى يقال لظهر الفرس سماء، و منه- ينزّل من السماء. و النسبة الى السماء سمائيّ، بالهمزة على لفظها، و سماويّ اعتبارا بالأصل، و هذا حكم الهمزة إذا كانت بدلا أو أصلا أو كانت للإلحاق. و الاسم: همزته وصل و أصله سمو مثل حمل أو قفل، و هو من السموّ و هو العلوّ، و الدليل عليه أنّه يردّ الى أصله في التصغير و جمع التكسير، فيقال سميّ و أسماء، و على هذا فالناقص منه اللام، و وزنه إفع، و الهمزة عوض عنها، و هو القياس لأنّهم لو عوّضوا موضع المحذوف لكان المحذوف أولى بالإثبات. ذهب بعض الكوفيّين الى أنّ أصله و سم و هو العلامة، فحذفت الواو و عوّض عنها الهمزة، و على هذا فوزنه اعل، قالوا و هذا ضعيف، لأنّه لو كان كذلك لقيل في التصغير و سيم، و في الجمع أوسام، و لأنّك تقول أسميته، و لو كان من السمة لقلت وسمته. و سمّيته‌

219

زيدا و سمّيته بزيد جعلته اسما له علما عليه، و تسمّى هو بذلك.

مقا- سمو: أصل يدلّ على العلوّ، يقال سموت إذا علوت، و سما بصره:

علا. و سما لي شخص: ارتفع حتّى استثبتّه. و سما الفحل: سطا على شوله سماوة.

و سماوة الهلال و كلّ شي‌ء: شخصه، و الجمع سماو. و العرب تسمّي السحاب سماء، و المطر سماء. و السماءة: الشخص. و السماء: سقف البيت. و كلّ عال مطلّ سماء، حتّى يقال لظهر الفرس سماء و يتّسعون حتّى يسمّوا النبات سماء. و يقولون ما زلنا نطأ السماء حتّى أتيناكم- يريدون الكلأ و المطر. و يقال إنّ أصل- اسم- سمو، و هو من العلوّ، لأنّه تنويه و دلالة على المعنى.

مفر- سماء كلّ شي‌ء أعلاه. قال بعضهم: كلّ سماء بالاضافة الى ما دونها فسماء و بالاضافة الى ما فوقها فأرض إلّا السماء العليا فانّها سماء بلا ارض، و سمّي المطر سماء لخروجه منها، قال بعضهم: إنّما سمّي سماء ما لم يقع بالأرض. و سمّى النبات سماء إمّا لكونه من المطر الّذي هو سماء و إمّا لارتفاعه عن الأرض. و السماء المقابل للأرض مؤنّث، و قد يذكّر، و يستعمل للواحد و الجمع-. ثُمَّ اسْتَوىٰ إِلَى السَّمٰاءِ فَسَوّٰاهُنَّ، السماء منفطر به. و وجه ذلك أنّها كالنخل في الشجر و ما يجري مجراه من أسماء الجنس الّذي يذكّر و يؤنّث و يخبر عنه بلفظ الواحد و الجمع. و السماوة: الشخص العالي، و الاسم ما يعرف به ذات الشي‌ء، و أصله سمو، و هو الّذي به رفع ذكر المسمّى فيعرّف به. و معرفة الأسماء لا تحصل إلّا بمعرفة المسمّى و حصول صورته في الضمير. و قوله هل تعلم له سميّا- أي نظيرا له يستحقّ اسمه و موصوفا يستحقّ صفته على التحقيق، و ليس المعنى هل تجد من يتسمّى باسمه.

قع- (شميا) آراميّة سماء.

(شما) آراميّة اسم.

(شميت) أسماء.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما كان مرتفعا فوق شي‌ء آخر محيطا به.

220

و هذه اللغة كما ترى مأخوذة من الأراميّة و السريانيّة و العبريّة، و تعرّبت بهيئة السماء و الاسم.

فالهمزة في الاسم للوصل، زيدت على المادّة المأخوذ منها، بعد حذف الياء منها- شما، فأصل كلمة الاسم هو شما، لا الوسم و لا السموّ.

ثمّ اشتقّت منها مشتقّات- كالتسمية و التسمّي و غيرهما.

فهذه المادّة غير مادّة السماء المأخوذة من شميا.

و يمكن أن نقول بأنّ مرجع اللغتين الى مفهوم واحد، و هو ما ذكرنا من الارتفاع و الاحاطة فوق شي‌ء، فانّ الاسم كذلك يحيط بمسمّاه و يستقرّ المسمّى تحت عنوان الاسم و يدعى به.

و أمّا الفرق بين هذه المادّة و موادّ الارتفاع و العلوّ و الصعود و الرقيّ و الفوق:

أنّ الرفعة زوال عن موضع بعد التسفّل الى ما فوقه، و هو ضدّ الخفض.

و العلوّ: ملحوظ في نفسه من دون نظر الى التسفّل و الزوال عن موضع و يغلب عليه القهر و الاقتدار.

و الصعود: ارتفاع من مكان الى مكان، و يختصّ بالمكان.

و الرقيّ: يفيد صعودا درجة بعد درجة بالتدريج مادّيّا أو معنويّا.

و الفوق: يقابل التحت و هو من ظروف المكان، و هو ليس من الشي‌ء، بخلاف العلو و الأعلى.

فظهر أنّ مفهوم السقف و السماء و السحاب و المطر حال نزوله و ظهر الفرس بالنسبة الى ما تحته من الأرض و سماوة الفحل و الشخصيّة كلّها من مصاديق الأصل الّذي ذكرناه.

ثمّ إنّ السماء إمّا محسوس مادّيّ كما في:. وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً* ...،. ثُمَّ اسْتَوىٰ إِلَى السَّمٰاءِ فَسَوّٰاهُنَّ ...،. يُرْسِلِ السَّمٰاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرٰاراً* ...،. أَوْ تُسْقِطَ السَّمٰاءَ كَمٰا زَعَمْتَ عَلَيْنٰا كِسَفاً ...،. وَ جَعَلْنَا السَّمٰاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً ...،. فَتُثِيرُ سَحٰاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمٰاءِ ...،. إِنّٰا زَيَّنَّا السَّمٰاءَ الدُّنْيٰا بِزِينَةٍ الْكَوٰاكِبِ ...،. سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ...،. ثُمَّ اسْتَوىٰ إِلَى السَّمٰاءِ وَ هِيَ دُخٰانٌ.

فأطلق السماء في هذه الآيات الكريمة على الدخان و هو مبدأ السماوات و مادّتها‌

221

الأوّلية، و على السماوات السبع، و على السماوات الّتي فيها زينة الكواكب، و على السماء الّتي ترى كالسقف، و على السحاب النازل منه الماء، و على الفضاء الّتي فيها السحاب-. مُسَخَّرٰاتٍ فِي جَوِّ السَّمٰاءِ.

و إمّا معنويّ كما في:. قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ ...،. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمٰاءِ إِلَى الْأَرْضِ ...،. وَ أَنّٰا لَمَسْنَا السَّمٰاءَ فَوَجَدْنٰاهٰا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً.

فانّ اللّه تعالى ليس يقوم في هذه السماوات الماديّة، بل هو في عالم اللاهوت العليا، يدبّر العوالم المادّية و الروحانيّة، و يشاهد السرائر و الضمائر، و أنّ لمس الجنّ و هو من البرزخ وجودا ليس لهذه السماء المادّيّ.

هذا إذا يلاحظ بالنسبة إلينا و الى الأرض المسكونة لنا، و أمّا إذا كان النظر الى كرات و نجوم اخر: فكلّ منها أرض بالنسبة الى ما فوقها و سماء بالنسبة الى ما تحتها.

كما أنّ النظر إذا كان الى الأرض و السماء معا: فيعبّر عمّا دونهما بقوله تعالى: فيما بينهما، كما في:. وَ السَّحٰابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ ...،. رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا* ...،

. وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا*.

و قد يعبّر بقوله تعالى- فيهما، كما في:. يُسَبِّحُ لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ* ...،. لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ* ...،. أَنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ* ...،. وَ لِلّٰهِ يَسْجُدُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ.

فيراد مجموع الأفراد و كلّ فرد فرد موجود في طبقات السماوات و الأرض، و هذا يشتمل كلّ ذي وجود من السماوات و الأرض و ما فيهما، فانّ كلّ طبقة منها يراد منه مجموع ما يوجد في تلك الطبقة، حالّا و محلّا، من ذوي عقل أو غيرهم.

و إذا كان النظر الى مجموعهما من حيث المجموع لا من حيث الأفراد، فيعبّر هكذا:. وَ لِلّٰهِ مُلْكُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ* ...،. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ* ...،. مٰا دٰامَتِ السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ* ...،. رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ*.

و إذا كان النظر الى ذوي العقول فيهما: فيعبّر هكذا-. وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ ...،. لٰا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ.

و إذا كان النظر الى مطلق السماء في مقابل الأرض، فيعبّر بصيغة الإفراد‌

222

الجنسي:. شَيْ‌ءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لٰا فِي السَّمٰاءِ* ...،. فَوَ رَبِّ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ ...،. أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً* ...،. فَمٰا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمٰاءُ وَ الْأَرْضُ.

و قد يذكر فيهما العدد، كما في:. فَسَوّٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ ...،. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ ...،. اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ .... كَيْفَ خَلَقَ اللّٰهُ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ طِبٰاقاً.

سبق في- أرض و سبع، أنّ المراد من هذا العدد: إمّا سبع منظومات مرتبطة مادّيّة، أو معنوية، أو بعضها مادّيّة و بعضها معنويّة روحانيّة.

و نضيف هنا: بأنّ هذا العدد في السماء و الأرض، يمكن أن يكون إشارة الى العوالم السبعة بهذا الترتيب- الجماد، النبات، الحيوان، الإنسان، عالم الموجودات البرزخيّة، السماوات المحسوسة الماديّة، عالم الملكوت، عالم العقل و الجبروت.

فعالم الجماد أرض فقط، كما أنّ عالم الجبروت سماء و ليس بأرض، فيكون كلّ منهما سبعا.

و توضيح ذلك: أنّ الأرض كما سبق عبارة عمّا سفل في قبال السماء، و السماء هو ما يرتفع فوق شي‌ء محيطا، مادّيا أو معنويّا. فالجمادات الأصلية من التراب و الحجر و الجبل و الماء و البرّ و البحر كلّها متسفّلة و أرض.

و فوقها النباتات و هي تعلو و ترتفع و تحيط على الأرض- ما زلنا نطأ السماء- أي الكلأ.

و فوقها الحيوانات المسلّطة المحيطة المرتفعة عليها ظاهرة و باطنة، و منها ظهر الفرس.

و فوقها الإنسان من حيث هو و بلحاظ استعداده الذاتيّ و بالقوّة، و هو مسلّط و متفوقّ و محيط على الحيوان ظاهرا و معنى، بهمّته و تدبيره و شخصيّته و شرفه.

و فوقها الموجودات البرزخيّة من الجنّ المطلق المسلّط المقتدر اللطيف النافذ وجودا و قوّة-. أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نٰارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ*.

و فوقها السماوات المرتفعة المحيطة المادّيّة بموادّها المختلفة و أهاليها المتنوّعة و بملايين من الكواكب و الثوابت و السيّارات و بمنظومات لم يتناه اليها علم البشر-

223

. أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا- 79/ 28.

و فوقها عالم الملائكة و الملكوت القويّة و الموجودات اللطيفة الروحانيّة النافذة المسلّطة المقتدرة الحاكمة المطيعة لأمر اللّه و الوسائط لإجراء أحكامه و قضائه (و منهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم و المارقة من السماء العليا أعناقهم و الخارجة من الأقطار أركانهم). و هذا حقيقة التسلّط و الاقتدار و الإحاطة و الاعتلاء و التفوّق.

و فوقها عالم العقول المجرّدة و الجبروت الخارجة عن تلك الحدود الكليّة الّتي لا فرق بينها و بين اللاهوت إلّا أنّهم عباده، و هم محدودون ذاتا.

فهذه هي طبقات السماوات السبع، بعضها فوق بعض طباقا، و كلّ واحدة منها بالنسبة الى ما فوقها أرض مستفّلة واقعة تحتها، الى أن تنتهي الى البرّ و البحر و الجبل و الماء و التراب-. وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنٰاهٰا.

فظهر أنّ السماوات و الأرض: تعبير واضح عمّا سوى الخالق الباري عزّ شأنه و جلّ جلاله، و هذا أحسن تعبير يشمل قاطبة الموجودات السفليّة و العلويّة، و يشمل جميع الممكنات المخلوقة بمراتبها المختلفة، و يجمع الطبقات كلّها.

و تدلّ على هذا المنظور بفضله الآيات الكريمة:. يَعْلَمُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ*،. خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ*،. وَ لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ*،. سَبَّحَ لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ،. لَهُ مُلْكُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ*،. وَ لِلّٰهِ جُنُودُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ*،. وَ لَهُ الْكِبْرِيٰاءُ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ،. اللّٰهُمَّ فٰاطِرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ،. وَ مٰا يَخْفىٰ عَلَى اللّٰهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لٰا فِي السَّمٰاءِ.

فانّ هذه الآيات في مقام الإشارة الى قاطبة الموجودات.

و قد سبق في- أرض، سبع: ما يرتبط بهذا المقام فراجعهما.

و أمّا ما قلنا في- أرض: من عدم صحّة إطلاق الأرض على الحيوان أو الإنسان بلحاظ كونهما مستقلّين غير منظور فيهما مفهوم النسبة الى العلوّ: لا يضرّ هذا النظر، فانّ هذه النسبة غير مأخوذة في مفهومهما، بل هي أمر قهريّ انتزاعيّ من الترتيب المذكور.

. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمٰاءِ إِلَى الْأَرْضِ- 32/ 5.

224

. إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمٰاءِ آيَةً- 26/ 4.

يراد مطلق السماء، و المصداق الأتمّ الأكمل منها هو مقام اللاهوت و المرتبة العليا الإلهيّة. و هذا لا ينافي ما ذكرنا من تطبيق السماوات السبع: فانّ عنوان سبع سماوات إنّما هو في السماوات المخلوقة الّتي سوّاهنّ اللّه تعالى، لا السماء المطلقة.

. إِنّٰا زَيَّنَّا السَّمٰاءَ الدُّنْيٰا بِزِينَةٍ الْكَوٰاكِبِ- 37/ 6.

السماء الدنيا هي السماوات المحسوسة الماديّة بجميع منظوماتها. فانّها بالنسبة الى الملكوت و الجبروت دانية متسفّلة، و أمّا بالنسبة الى الإنسان و الجنّ الموظّفين سماء، كما أوضحناها. و أمّا تزيّنها فمحسوسة معلومة.

فتطبيق السماء المطلقة على واحدة من مصاديقها: إنّما هو يتعيّن بالقرائن اللفظيّة أو المقاميّة.

. وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ- 3/ 133.

. وَ جَنَّةٍ عَرْضُهٰا كَعَرْضِ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا- 57/ 21.

التقوى: هو الوقاية و حفظ النفس عن أيّ رذيلة و مانع و حجاب، و هذا المعنى إنّما يتحقّق بعد تحقّق الايمان، و مقام التقوى أعلى و أرفع، و على هذا قال في حق المتّقين: عرضها السماوات و الأرض، و في حقّ المؤمنين: عرضها كعرض السماء و الأرض- بافراد السماء و إطلاقه، و بالتشبيه.

و على أيّ صورة: فالسماء أعمّ يشمل السماء المادّيّ و الروحانيّ، و الإنسان بلحاظ روحانيّته له سعة ذاتيّة و إحاطة استعداديّة في أن يدخل جنّة روحانيّة عرضها عرض السماوات و الأرض و سعة جميع الممكنات ظاهريّة و معنويّة و روحانيّة. و امتداد طولها الى ما لا نهاية له، و الى ما شاء اللّه أن يربّيه و يعلّمه في اللّه عزّ و جلّ شأنه.

هذا إذا خلّص نفسه و أطلقها عن قيود محيط المادّة و عيش الحياة الدنيا المحدودة الظلمانيّة- أللّهمّ لا عيش إلّا عيش الآخرة.

. إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيٰاتِنٰا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْهٰا لٰا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوٰابُ السَّمٰاءِ- 7/ 40.

فالمكذّبون المتوغّلون في عيش الدنيا كيف يتمكّنون من إدراك العيش في تلك‌

225

الجنّة.

. وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي السَّمٰاءِ.

و أمّا الاسم: قلنا إنّه مأخوذ من كلمة- شما- أراميّة و عبريّة، و الهمزة زائدة للوصل و تسهيل التلفّظ، و الواو أو الياء محذوفة في التعريب، و لمّا كانت تلك الحرف ملحوظة أعيدت في التصغير و الجمع، و هذه اللغة في المبدأ بمعنى الاسم المعروف عرفا، و هذه المادّة مستقلّة لا ربط لها بمادّة السماء المذكور الّذي بمعنى الرفعة، و ذكرها في ذيل مادّة السمو و توجيهها و اشتقاقها منها غفلة عن تحقيق أصل الكلمة.

و الظاهر أنّ آخر الكلمة في المعرّبة اعتبرت ياء، ثمّ اشتقّت منها الصفة و المزيد: سميّ- تسمية، تسامي.

و لكنّ استعمال المجرّد منه فعلا يدلّ على كونه واويّا، فيقال: سماه يسموه سموا، و سما به، و سمّاه به و أسماه به، و تسمّى، و تسامى القوم.

و يدلّ على ما ذكرنا: استعمال السم و السم و السم: بمعنى الاسم.

و ينبغي هنا التنبيه على امور:

1- الاسم: هو ما يري ذاتا أو صفة، بمعنى أنّه مظهر لذات و عنوان له أو لصفة من صفاته. و هذا التعريف يشمل العلم و اللقب و الكنية و الصفة كزيد و هو علم يعيّن و يرى ذاته و وجوده، و الصادق يلقّب به باعتبار إراءته مفهوم الصدق له فجعل لقبا مخصوصا له، و ابو محمّد يكنّى به باعتبار كونه والد ابنه محمّد، و يدعى به تجليلا، و يرى زيدا بهذا الاعتبار. و العلّامة و غيره من الصفات الّتي تطلق عليه و شاع إطلاقها باتّصافه بها.

و في كلّ من هذه الأسماء: يشترط أن يكون شائع الاستعمال و متداوله، حتّى يصحّ و يتحقّق الإطلاق.

2- إنّ العلم و الكنية و اللّقب: لا تجري في حقّ اللّه عزّ و جلّ، فانّ العلم ما يوضع في مقابل ذات و يعيّنه عند الإطلاق، و اللّه تعالى لا يمكن تصوّر ذاته حتّى يوضع له كلمة تعيّنه. و الكنية ما يصدّر بأب أو امّ، و هو تعالى لم يلد و لم يولد، فليس له أب أو امّ أو مولود. و اللقب ما يشعر بمدح أو ذمّ، و هذا في حقّ اللّه تعالى لم يقع،

226

فلم يوضع لفظ له بهذا القصد.

فينحصر في الصفة: أي إطلاق كلمات عليه تعالى بمناسبة صفات ذاتيّة له تعالى- كالرّحمن و الكريم و العزيز و الجبّار.

3- الأسماء للّه تعالى لفظيّة و تكوينيّة: فاللفظيّة كلمات تشعر و تدلّ على صفات جلاليّة أو جماليّة ذاتيّة أو صفات فعليّة كالأسماء الحسنى. و التكوينيّة مظاهر تكوينيّة عينيّة لصفات اللّه عزّ و جلّ، و هي موجودات مجرّدة من العقول و النفوس و الروحانيّات، و هي مرايا صفاته تعالى. كما ورد في الروايات الشريفة: نحن الأسماء الحسنى.

و لا يخفى انّ الأسماء التكوينيّة أعلى و أظهر من جهة الإراءة و المظهريّة و المرآتيّة من الأسماء اللفظيّة- و هذا واضح.

4- و الفرق بين الصفة و الاسم: انّ الصفة هو المعنى الملحوظ المعتبر في الذات سواء كان عين الموصوف ذاتا أو عارضا له. و الاسم هو المظهر و المرآة لهذه الصفة سواء كان تكوينيّا له وجود خارجيّ عينيّ أو لفظيّا له وجود لفظيّ، فمرتبة الأسماء متأخّرة عن مرتبة الصفات، كما أنّ مرتبة الصفات متأخّرة اعتبارا عن مرتبة الذات الأحديّة البحتة الغيبيّة- و كمال الإخلاص نفي الصفات عنه.

5- قلنا إنّ الاسم بمعناه المتداول المصطلح و هو ما وضع في مقابل ذات و لتعيينه [اسم يعيّن المسمّى مطلقا]: غير جائز في اللّه عزّ و جلّ، لأنّ ذاته تعالى غيب بحت و خارج عن التصوّر و التعقّل و الإدراك، فلا يمكن وضع لفظ مناسب في قباله ليعيّنه و يكون مرآة له.

و أقرب كلمة و أجمعها في المقام: هو كلمة- هو- المشار به اليه تعالى، لا إله إلّا هو- يراد به الذات الغيبيّ المنظور إجمالا.

و بعده لفظ الجلال- اللّه- يراد به المعبود المطلق الجامع لجميع الصفات الجماليّة و الجلاليّة- لا إله إلّا اللّه.

و بعده أسماء- الحيّ، المريد، العالم، القادر، فانّها أسماء اصيلة و مظاهر لصفات ذاتيّة كليّة أوّليّة.

227

6- يتفرّع من هذه الأسماء الأربعة الأصلية الكليّة: أسماء حسنى باعتبار خصوصيّات و بلحاظ قيود و موارد مخصوصة:

فيتفرّع من الحياة: الدائم، الأبديّ، الأزليّ، الحقّ، الباقي، النور، الأوّل، الآخر، الظاهر، الباطن، المقدّم، المؤخّر، الواحد، الوارث، الواسع، الصمد، الغنيّ، ذو الجلال و الإكرام.

و يتفرّع من الإرادة: المعزّ، المذلّ، الرافع، الرّحمن، الرحيم، القابض، الغفّار، القهّار، الوهّاب، المهيمن، الباسط، الملك.

و يتفرّع من القادر: الخالق، البارئ، الرّازق، القابض، المصوّر، المقتدر، الحليم، العظيم، العدل، الصبور، المؤمن.

و يتفرّع من العالم: المدرك، السميع، البصير، الهادي، الخبير، الحكيم، اللطيف، الرشيد، المحصي، الشهيد.

فيطلق كلّ واحد من هذه الأسماء الحسنى: في مورد خاصّ و بقيود مخصوصة و بحدود معيّنة.

و توضيح كلّ واحد منها و بيان حقائقها موكول الى محلّه.

7- كلّ موجود في العالم من أيّ مرتبة و بأيّ صفة و خصوصيّة و حدّ و قيد: فهو مظهر واحد أو عدّة من هذه الصفات الحسنى و الأسماء العليا، و مرجع جميع الموجودات الى هذه الأسماء الحسنى.

فكلّ شي يرى و يوجد في ايّ عالم كان: فهو مظهر صفات و أسماء كريمة، فالعوالم كلّها مظاهر و مرائي للحيّ و المريد و القادر و العالم.

و قلنا إنّ الاسم هو المظهر و المرآة، فجميع الموجودات أسماء للحقّ تعالى و مظاهر لصفاته العليا.

و توضيح ذلك: أنّ اللّه عزّ و جلّ هو المنزّه المتعالي عن كلّ حدّ و حجاب، حدود مادّيّة، حدود خارجيّة، حدود ذاتيّة. فهو تعالى وجود حقّ و نور مطلق لا حدّ له و لا وصف و لا خصوصيّة، و هو فوق التخيّل و التصوّر و التعقّل و التفكّر- لا يبلغه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن.

228

فإذا كان وجوده تعالى متعاليا عن أيّ حدّ: فهو نور مطلق و حياة مطلق و إرادة مطلق و قدرة مطلق و علم مطلق.

فهذه الصفات إنّما هي منتزعة و مستخرجة و معتبرة عن تلك الذات البحت و النور المطلق و الوجود الحقّ، في المرتبة الثانية و في مقام الاعتبار. و إلّا فذاته المتعال عين هذه الصفات، و لا تغاير فيه بأيّ وجه.

فهذه الصفات المنتزعة المعنونة: إنّما هي لتعريف الذات و بيان حاقّ النور المطلق الغيبيّ، لا في مقام بيان الحقيقة و التغاير.

8- فظهر أنّ كلّما يتجلّى و يتظهّر في عالم الوجود، في أيّ مرتبة و مقام، من أيّ صفة و خصيصة: إنّما هو أثر و ظهور من صفات المبدأ المتعال.

و ثبت من العقل بأنّ فاقد شي‌ء لا يكون معطيا له.

فما يرى في العالم من الحكمة و القدرة و العلم و الارادة و الحياة و النور و الرحمة و القهر و الغفران و القبض و البسط و الحلم و العدل و العزّة و السمع و الأبصار و الإدراك و الهداية و اللطف و الرشاد و الصبر و الدوام و البقاء و السعة و الظهور و البطون و الملك و الهبة و غيرها من محاسن الصفات و جميل الخصائص: فانّما هو من آثار وجوده و مظاهر صفاته تعالى.

. رَبُّنَا الَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ- 20/ 50.

أي بالهداية التكوينيّة و تتميم الخصائص الذاتيّة ثمّ بالتشريع على طبقها تأكيدا لها.

فظهر أنّ كلّ موجود إنّما هو مظهر لصفة من الصفات العليا في التكوين، و أمّا الإنسان فهو يستعدّ لأن يكون مظهرا لجميع الصفات الإلهيّة، كما قيل: و أنت الكتاب المبين الّذي فيه ينطوي العالم الأكبر.

فينطوي في وجود الإنسان جميع الصفات، و يقرأ في كتاب نفسه جميع الكلمات الدالّة على الظهورات و التجلّيات و المراتب، و يستعدّ بأن يشاهد في وجوده قاطبة الأسماء التكوينيّة، فانّه مظهر تامّ للصفات، و مجمع كامل للأسماء، و مرآة تري مراتب الأنوار و الحقائق.

229

و هذه كلمات مجملة ممّا يشاهد في تفسير الآيات الكريمة:. وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلٰائِكَةِ فَقٰالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلٰاءِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ، قٰالُوا سُبْحٰانَكَ لٰا عِلْمَ لَنٰا إِلّٰا مٰا عَلَّمْتَنٰا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قٰالَ يٰا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمٰائِهِمْ فَلَمّٰا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمٰائِهِمْ قٰالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ- 2/ 31.

و لا يخفى أنّ مرجع الحقائق الى هذا المعنى، و هو معرفة الأسماء و شهود كلّ اسم في النفس شهودا تامّا، و هذا غير ما هو متداول في التعليم الرسميّ، فانّه لا يزيد منه معرفة و علما يقينيّا و نورا و بصيرة باطنيّة.

و أمّا اطلاق الأسماء: فإشارة الى أنّ الأسماء بالإطلاق و في الحقيقة منحصر في أسماء الصفات بلحاظ هذه الحيثيّة، و لا حاجة الى التقييد.

و الفرق بين الحقائق و المعارف الإلهيّة: أنّ الحقّ الأوّل كما قلنا هو تعالى: لا إله إلّا هو، ثمّ في مقام التفسير يعبّر عنه بكلمة اللّه، و هو الجامع بين اسماء- المريد و الحيّ و العالم و القادر، فهذه حقائق في المرتبة الثانية، ثمّ يتفرّع منها أسماء حسنى، و هي حقائق في المرتبة الثالثة، ثم في المرتبة الرابعة- مظاهر تلك الأسماء من جميع الموجودات من حيث إنّها مظاهرها و من تلك الجهة. فهذه هي الحقائق، و لا بدّ من التوجّه من الأعلى و هو الحقّ الأوّل الى أن يصل الى المظاهر و الأسماء.

و أمّا المعارف الإلهيّة: فهي حصول المعرفة و الشهود و العلم اليقينيّ بتلك الحقائق الثابتة من حيث إنّها مظاهر و أسماء إلهيّة.

أللّهمّ عَرّفني نفسك فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف رسولك.

. أَ تُجٰادِلُونَنِي فِي أَسْمٰاءٍ سَمَّيْتُمُوهٰا أَنْتُمْ وَ آبٰاؤُكُمْ- 7/ 71.

. مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلّٰا أَسْمٰاءً سَمَّيْتُمُوهٰا أَنْتُمْ- 12/ 40.

. لَيُسَمُّونَ الْمَلٰائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثىٰ- 53/ 27.

. وَ جَعَلُوا لِلّٰهِ شُرَكٰاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ- 13/ 23.

هذه الأسماء مجعولة في قبال أسماء تكوينيّة واقعيّة حقّة.

. فَكُلُوا مِمّٰا ذُكِرَ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ- 6/ 118.

. وَ أَنْعٰامٌ لٰا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّٰهِ عَلَيْهَا- 6/ 138.

230

أي لازم أن يذكر اسم من اللّه عليه، و الاسم إذا اطلق ينصرف الى اسم- اللّه، فانّه في أوّل مرتبة من الأسماء. و المراد من كلمة- اللّه في الآيتين هو المسمّى لا الاسم.

. سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى- 87/ 1.

. إِنَّ هٰذٰا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ- 56/ 96.

. نَحْنُ جَعَلْنٰاهٰا تَذْكِرَةً وَ مَتٰاعاً لِلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ- 56/ 74.

تسبيح الاسم: تنزيه اسمه و تجليل عنوانه و تعظيم وجهته و تكريم مظاهره الروحانيّة و الأنفسيّة و الآفاقيّة و اللفظيّة، فانّ تعظيم الربّ جلّ جلاله إنّما يتحقّق بهذه الصورة و بهذا الطريق و بهذا النحو المتداول عرفا.

و التعبير بالباء للتأكيد و للتحقيق و التعيين في موارد الحاجة اليها.

. بِسْمِ اللّٰهِ* ...،. اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ...،. بِسْمِ اللّٰهِ مَجْرٰاهٰا ...،. وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ...،

. وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ ...،. وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ* ...،. تَبٰارَكَ اسْمُ رَبِّكَ.

يراد التوجّه اليه تعالى و الإقبال الى وجهته و العمل مبتدأ باسمه، و التذكّر في الأمور به.

فالامور الدنيويّة و الجريانات المادّيّة و الأعمال الظاهريّة: لازم أن تجري في مجاري التوجّه الإلهي و النظر الروحانيّ و في سبل الأسماء.

سنبل

صحا- السبل: المطر، و السنبل، و قد اسبل الزرع: خرج سنبله. و السنبلة:

واحدة سنابل الزرع.

مقا- سبل: أصل واحد يدلّ على إرسال شي‌ء من علو الى سفل، و على امتداد شي‌ء. و الممتدّ طولا: السبيل و هو الطريق. و سمّي السنبل سنبلا لامتداده، يقال أسبل الزرع إذا خرج سنبله. قال أبو عبيد: سبل الزرع و سنبله: سواء.

لسا- سبل: و السبولة و السبولة و السنبلة: الزرعة المائلة. و السبل: كالسنبل.

231

و قيل السبل: ما انبسط من شعاع السنبل و الجمع سبول. و قد سنبلت و أسبلت.

الليث: السبولة هي سنبلة الذرّة و الأرزّ و نحوه إذا مالت. قد أسبل الزرع إذا سنبل.

و السبل: أطراف السنبل، و قيل السنبل.

قع- (شبيل) طريق، سبيل، زقاق، مجاز.

(شبلت) سنبلة.

و التحقيق

أنّ هذه الكلمة مأخوذة من مادّة سبل، و قلنا إنّ الأصل فيها: إرسال شي‌ء بالتطويل. ثمّ زيدت فيها النون، و زيادة النون في كلمة فيها سين كثير كالعنسل و القلنسوة و فرسن و فرناس.

فالسنبل كلّ ما على أعالي سوق النباتات المحمّلة بالحبوب أو البذور أو الزهر، باعتبار أنّها مسبلة مع حبوب زائدة فيها تدل عليها النون.

. مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنٰابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللّٰهُ يُضٰاعِفُ لِمَنْ يَشٰاءُ- 2/ 261.

إشارة الى أنّ إنفاق مال من الإنسان يقاوم بقيمة حبّة، إلّا أنّ ذلك العمل منه كالحبّة المزروعة أنبتت سبع سنابل، و هذا لطف و تأييد و فضل منه تعالى، و اللّه يضاعف لمن يشاء.

فانّ العمل الصالح من الإنسان بمقدار وسعه و بميزان استعداده، و أمّا الأجر من جانب اللّه العزيز المتعال: فهو أيضا بمقتضى رحمته الواسعة و كرمه العميم و فضله و لطفه.

. وَ سَبْعَ سُنْبُلٰاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يٰابِسٰاتٍ* .... قٰالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمٰا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلّٰا قَلِيلًا- 12/ 47.

اليبس في السنابل إشارة الى قطع المطر و قلّة الماء للزراعة بحيث تصير النباتات و حبوبها يابسات، و في قباله الاخضرار فيها.

232

سند

مقا- سند: أصل واحد يدلّ على انضمام الشي‌ء الى الشي‌ء. يقال سندت الى الشي‌ء أسند سنودا، و استندت استنادا، و أسندت غيري إسنادا. السناد: الناقة القويّة، كأنّها أسندت من ظهرها الى شي‌ء قويّ. و المسند: الدهر، لأنّ بعضه متضامّ.

و فلان سند أي معتمد.

مصبا- السند: ما استندت اليه من حائط و غيره. و سندت الى الشي‌ء سنودا، من باب قعد، و سندت أسند: من باب تعب لغة، و استندت اليه: بمعنى، و يعدّى بالهمزة، فيقال أسندته الى الشي‌ء فسند هو. و ما يستند اليه مسند و مسند، و الجمع مساند. و أسندت الحديث الى قائلة: رفعته اليه بذكر ناقله.

كتاب الأفعال 2/ 114- سند في الجبل سنودا، و أسند: ارتفع، و سندت الى الشي‌ء سنودا: استرفدت به. و أسندت الحديث: رفعته الى المحدّث، و الى اللّه تعالى: لجأت. و الرجل: جعلته دعيّا في القوم. و في العدو: أسرع.

صحا- السند: ما قابلك من الجبل و علا عن السفح. و خشب مسنّدة شدّد للكثرة. و تساندت اليه: استندت. و خرج القوم متساندين: أي على رايات شتّى و لم يكونوا تحت راية أمير واحد. و المسند: الدّهر. و المسند: الدعيّ. و ساندت الرجل مساندة: إذا عاضدته و كانفته.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الاعتماد و الاتّكاء الى شي‌ء، سواء كان الاستناد في الظاهر أو في أمر معنويّ.

و الفرق بين المادّة و موادّ الاعتماد و الاتّكاء و الركون و التمكّن:

أنّ الاعتماد: هو استقامة و اتّكاء في النفس بالنسبة الى شي‌ء و في قباله.

و الاتّكاء: هو استقرار و تمكّن بسبب الاستناد الى شي‌ء.

و التمكّن: هو استقرار و تثبّت من حيث هو.

233

و الركون: هو ميل مع سكون، كما مرّ في الركن.

. وَ إِذٰا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسٰامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ- 63/ 4.

إشارة الى أنّ هؤلاء المنافقين لهم أبدان سالمة و أجسام ضخمة و صور منظّمة و هياكل جالبة و منطق صحيح، إلّا أنّ عقولهم سقيمة و أفكارهم منحرفة و أرواحهم في حجاب من الجهل و الظلمة و الغواية و الضلال.

فكأنّهم خشب يابسة خالية عن الحياة و هي مستندة الى جدار ليس لها تمييز و لا إدراك و لا شعور و لا طمأنينة و سكون.

فظهر لطف التعبير بالمادّة: فانّ الاعتماد و الركون و الاتّكاء و التمكّن فيها دلالة على الاستقرار في النفس و التمكّن و التمايل و الاستقامة.

و أمّا التعبير بصيغة التفعيل مفعولا: للاشارة الى أنّ ذلك الاستناد إنّما هو من جانب آخر، و ليس لهم اختيار في ذلك ايضا.

سندس

مصبا- سدس: و السندس فنعل: و هو ما رقّ من الديباج.

المعرّب 177- السندس: رقيق الديباج، لم يختلف فيه المفسّرون. و قال الليث: السندس ضرب من البزيون يتّخذ من المرعزاء، لم يختلف أهل اللغة في أنّه معرّب.

مفر- و السندس: الرقيق من الديباج، و الإستبرق الغليظ منه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الديباج الرقيق اللطيف، كما أنّ الإستبرق ديباج غليظ. و أنّهما اسمان غير متصرّفان مأخوذان من لغة خارجيّة فارسيّة أو روميّة، و لم أجد في المآخذ الّتي كانت موجودة عندي ما يبيّنها أزيد من هذا المقدار.

234

. وَ يَلْبَسُونَ ثِيٰاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ- 18/ 31.

. عٰالِيَهُمْ ثِيٰابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقٌ وَ حُلُّوا- 76/ 21.

. يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ- 44/ 53.

الديباج: هو الحرير و هو ألطف مادّة ينسج منه الثوب.

و الثوب: ما يرجع الى شخص و يرتبط به بمقتضى حاله و مقامه، و هو كالصورة.

و الثوب كالأجر و الثواب الراجع الى الإنسان، و هو في كلّ عالم بحسبه و بمقتضى خصوصيّاته، كما أنّ اللباس ما يكون ساترا له، و هو أيضا أعمّ من المادّيّ و المعنويّ-. وَ لِبٰاسُ التَّقْوىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ.

ثياب أهل الجنّة إن كانت جسمانيّة و مأخوذة من الديباج أو ما يجانسه فظاهر، و إن كانت روحانيّة: فتكون عبارة عن حالات و توجّهات و محبّة و جذبات إلهيّة ترجع الى أهل الجنّة، و تسترهم. كما أنّ الإستبرق كذلك، و تكون عبارة عن صفات قلبيّة و أخلاق باطنيّة حميدة.

و هذه الحالات و الصفات و نتائجها: متجسّمة ممّا في الحياة الدنيا لهم من الأعمال الصالحة و الأفكار الصحيحة و النيّات الخالصة.

و قلنا في البرق: إنّ الأصل فيه هو اللمعان المخصوص، و منه الإستبرق.

و يدلّ على المعنى المزبور تتمّة الآية الاولى 18/ 31-. نِعْمَ الثَّوٰابُ وَ حَسُنَتْ مُرْتَفَقاً. و في تتمّة الآية 76/ 21-. إِنَّ هٰذٰا كٰانَ لَكُمْ جَزٰاءً وَ كٰانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً.

و هكذا التعبير بقوله تعالى-. عٰالِيَهُمْ- أي يعلوهم و يحيطهم من فوقهم.

و أمّا التعبير بالخضر: فقد سبق في المادّة أنّ في اللّون من الطراوة و البهاء و النعومة الجالبة ما لا يخفى. راجع- ثوب، خضر- برق.

سنم

مصبا- السنام: للبعير كالإلية للغنم، و الجمع أسنمة، و سنم البعير و اسنم:

عظم سنامه، و منهم من يقول- أسنم، و سنم سنما، فهو سنم: من باب تعب،

235

كذلك. و منه قيل: سنّمت القبر تسنيما: إذا رفعته عن الأرض كالسنام. و سنّمت الإناء: ملأته و جعلت عليه طعاما أو غيره. و كلّ شي‌ء علا شيئا: فقد تسنّمه.

مقا- سنم: أصل واحد، يدلّ على العلوّ و الارتفاع. فالسنام: معروف.

و تسنّمت: علوت. و ناقة سنمة: عظيمة السنام. و أسنمت النار: أعليت لهبها.

التهذيب 13/ 15- قال الليث: جمل سنم، و ناقة سنمة: ضخمة السنام.

و اسنمت النار: إذا عظم لهبها. و أسنمة الرمل: ظهورها المرتفعة من أثباجها.

و يقال: تسنّمت الحائط: إذا علوته من عرضه، و مزاجه من تسنيم عينا يشرب بها- أي من ماء يتنزّل عليهم من معال، و تنصب عينا على جهتين: إحداهما- أن تنوي من تسنيم عين، فلمّا نوّنت نصبت. و الاخرى- أن تنوي من ماء سنّم عينا، كقولك رفع عينا. و قبر مسنّم: إذا كان مرفوعا عن الأرض. يقال: تسنّم السحاب الأرض:

إذا جادها. و تسنّم الجمل الناقة: إذا قاعها. و الماء السنم الظاهر على وجه الأرض.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يرتفع و يعلو من الشي‌ء، كتحدّب ظهر البعير، و ارتفاع اللهب من النار، و التحدّب في سطح القبر، و ارتفاع السحاب من الأرض كاللهب، و هكذا ما يرتفع من الدخان في اشتعال النار، و ارتفاع الزهر و السنبل في النبات.

فظهر الفرق بين المادّة و بين الارتفاع و العلوّ و غيرها.

. إِنَّ الْأَبْرٰارَ لَفِي نَعِيمٍ .... يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ .... وَ مِزٰاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ- 83/ 27.

قلنا في الرحيق: إنّه الخمر الصافي عن الغشّ و المزج، و المخصوص.

و في الختم: إنّه البالغ الى حدّ النهاية في التمام و الكمال.

فيكون المراد في المورد: أنّ الأبرار المقرّبين يسقون من اللّه تعالى بشراب خالص و خمر يجعل الأبرار سكارى غافلين عن غيره، و هو الخالص عن الغشّ و المزج، إلّا أنّ امتزاجه بأمر معنويّ و جهة روحانيّة توجب جذبا و ارتفاعا و توجّها في أنفسهم.

236

فالأبرار بهذا السقي تتحصّل لهم حالة ارتفاع عن الإنيّة و التوجّه الى النفس و الى ما وراء الحقّ، و يفنون في نور اللّه و عظمته و جماله.

فالرحيق يسنّم العبد كما يسنّم الكلأ البعير و يزيد في ارتفاع سنامه.

و هذا المعنى هو الموافق لما للأبرار من مقاماتهم الروحانيّة النورانيّة، فانّ التذاذهم بالتوجّهات و الفيوضات و الجذبات المعنويّة الإلهيّة، لا بالأكل و الشرب و الشهوات النفسانيّة.

و أمّا التعبير بالتسنيم دون الترفيع و الاعلاء: فانّ الاسقاء يوجد حالا و توجّها و التذاذا، لا مقاما و ارتفاعا في الوجود نفسه.

و أمّا عينا: فهو معطوف على كلمة- رحيق، فانّه منصوب معنى على المفعوليّة.

سنّ

مقا- سنّ: أصل واحد مطّرد، و هو جريان الشي‌ء و اطّراده في سهولة.

و الأصل قولهم سننت الماء على وجهي أسنّه سنّا: إذا أرسلته إرسالا، ثمّ اشتقّ منه:

رجل مسنون الوجه كأنّ اللحم قد سنّ على وجهه. و الحمأ المسنون من ذلك، كأنّه قد صبّ صبّا. و ممّا اشتقّ منه: السنّة، و هي السيرة، و سنّة رسول اللّه (ص): سيرته، و إنّما سمّيت بذلك لأنّها تجري جريا. و من ذلك قولهم امض على سننك و سننك:

أي وجهك. و جاءت الريح سنائن، إذا جاءت على طريقة واحدة، ثمّ يحمل على هذا: سننت الحديدة أسنّها: إذا أمررتها على السنان. و السنان: هو المسنّ. و السنان للرمح من هذا، لأنّه مسنون أي ممطول محدّد، و كذلك السناسن، و هي أطراف فقار الظهر، كأنّها سنّت سنّا. و من الباب سنّ الإنسان و غيره: مشبّه بسنان الرمح.

و السنون: ما يستاك به، لأنّه يسنّ به الأسنان سنّا.

مصبا- السنّ من الفم: مؤنّثة، و جمعه أسنان، و يقال للإنسان اثنتان و ثلاثون سنّا، أربع ثنايا، و أربع رباعيّات، و أربعة أنياب، و اربعة نواجذ، و أربع ضواحك، و اثنتا عشرة رحى. و السنّ: إذا عنيت بها العمر: مؤنّثة أيضا، لأنّها بمعنى المدّة.

237

و سنان الرمح: جمعه أسنّة. و سننت السكّين سنّا من باب قتل: أحددته. و سننت الماء على الوجه: صببته صبّا سهلا. و المسنّ: حجر يسنّ عليه السكّين و نحوه.

و السنن: الوجه من الأرض. و يقال تنحّ عن سنن الطريق، و فلان على سنن واحد أي طريق. و السنّة: الطريقة. و السنّة: السيرة حميدة كانت أو ذميمة، و الجمع سنن.

و أسنّ الإنسان إسنانا: إذا كبر، فهو مسنّ، و الأنثى مسنّة. و الجمع مسانّ.

الجمهرة 1/ 95- سنّ الحديدة بالمسنّ يسنّها سنّا: إذا مسحها بالمسنّ. و سنّ الماء يسنّه سنّا: إذا صبّه حتّى يفيض. و فسر أبو عبيدة قوله-. مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ*- أي سائل. و السنّة: معروفة. و سنّ فلان سنّة حسنة أو قبيحة يسنّها سنّا. و سنّة الخدّ صفحته، و من ذلك قيل خدّ مسنون، أي سهل. و السنّ: واحد الأسنان، للإنسان و غيره. و حطمت فلانا السنّ: إذا أضعفه الكبر.

قع- (شن) سنّ، كلّ بروز حادّ يشبه السنّ، عاج.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو جريان أمر منضبط، سواء كان هذا الأمر و جريانه في ظهور صفة أو عمل أو قول، و تختلف الضوابط باختلاف الموارد.

و السنّة فعلة و هو ما يسنّ به كاللقمة. و سنّة اللّه تعالى: جريان من ظهور صفاته على ضوابط مخصوصة، و هذه الضوابط تختلف باختلاف كلّ صفة و بمقتضى خصوصيّاتها.

. سُنَّةَ اللّٰهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كٰانَ أَمْرُ اللّٰهِ قَدَراً مَقْدُوراً- 33/ 38.

يراد إجراء أمره فيهم مع ضوابط مخصوصة و تقديرات مقدّرة، و يدلّ على قيد الضوابط: جملة- و كان أمره اللّه قدرا مقدورا.

. وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّٰهِ تَبْدِيلًا*- 33/ 62.

. وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّٰهِ تَحْوِيلًا- 35/ 43.

. وَ لٰا تَجِدُ لِسُنَّتِنٰا تَحْوِيلًا- 17/ 77.

قلنا إنّ السنّة ظهورات من صفاته و أسمائه، و جريانات من أمره و حكمه‌

238

و قضائه، و لا يمكن التحوّل و التبدّل و التغيّر في أمره و قضائه، فانّ قضاءه حقّ.

و توضيح ذلك: أنّ سنّة اللّه مرجعها الى ظهور صفات الفعل كالاحياء و الاماتة و الرحمة و الغضب و الرازقيّة و القاهريّة و اللطف و الكرم.

. وَ إِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ- 8/ 38.

. وَ قَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ- 15/ 13.

. إِلّٰا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ- 18/ 55.

يراد سنّة اللّه الّتي جرت في الأوّلين، كما في-. سُنَّةَ اللّٰهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا*- فالاضافة بمعنى- في، و سنّة اللّه فيهم إمّا باللطف و الرحمة، و إمّا بالقهر و الغضب، كلّ منهما مع حدود و ضوابط معيّنة في مواردها. فلا بدّ للإنسان أن يراجع الى جريان أمورهم و يتدبّر في حالاتهم و يعتبر من عواقب أعمالهم، و يستكشف سنن اللّه المضبوطة في مواردها-. قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ- 3/ 137.

إشارة الى موارد ظهور صفة القهّاريّة و القبض و الاذلال في قبال المكذّبين.

. يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ- 4/ 25.

إشارة الى ظهور صفة الهداية و اللطف ببيان الأحكام الإرشاديّة و التكاليف و الوظائف الهادية الى الخير و الصلاح و السعادة.

و جملة- و يهديكم: إشارة الى أهمّيّة التوجّه الى سنن اللّه العزيز المتعال، فانّه توجّه الى حقائق الأسماء و الصفات، و به يحصل المعرفة بالحقائق و المقامات الإلهيّة و المعارف الربّانيّة.

و نتيجة هذا التوجّه: هو توبة اللّه و رجوعه الى العبد و ظهور لطفه و رحمته عليه، و تحقّق الارتباط بين اللّه المتعال و عبده، فانّ التوجّه الى السنن يوجب العمل و الطاعة و يرشد الى مقام العبوديّة.

. وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ مِنْ صَلْصٰالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ- 15/ 26.

سبق أنّ الحمأ هو التراب المرطوب المنتن، فإنّ تكوّن النبات من الحمأ،

239

و تكوّن الحيوان من النبات. و معلوم أنّ الحمأ المطلق لا تتكوّن منه النباتات، بل على ضوابط مخصوصة و قيود معيّنة، بأن تكون الرطوبة على مقدار معيّن و أن لا تكون التراب ممزوجة بموادّ كالأملاح، و هذا معنى كونه مسنونا، أي جاريا على ضوابط معيّنة- راجع الصلصل.

و أمّا السنّ من الفم: فهو مأخوذ من اللّغة العبريّة (شن).

و مع هذا فيناسب الأصل في المادّة: فانّ السنّ أظهر وسيلة من جهاز الهاضمة، و الهاضمة أكبر ما يتوصّل به الى إدامة الحياة، فالسنّ تكون سبب ظهور جريان مضبوط للحياة، و يتحقّق التناسب.

و أمّا السنّ بمعنى جريان الحياة و العمر: فمن مصاديق الأصل.

. وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ- 5/ 45.

أي يجازى به.

و أمّا السنان بمعنى رأس الرمح: فهو أيضا مأخوذ من العبريّة- شناناه.

و في مادة- شن عبريّة: معنى الحدّة و القطع، و بهذه المناسبة يشتقّ منها: كلمة شن و شناناه.

سنه

مصبا- السنه: الحول، و هي محذوفة اللام، و فيها لغتان: إحداهما جعل اللام هاء، و يبني عليها تصاريف الكلمة، و الأصل سنهة، و تجمع على سنهات، و تصغّر على سنيهة، و تسنّهت النخلة و غيرها: أتت عليها سنون، و عاملته مسانهة، و أرض سنهاء: أصابتها السنة و هي الجدب. و الثانية- جعلها واوا يبنى عليها تصاريف الكلمة أيضا، و الأصل سنوة، و تجمع على سنوات، و تصغّر على سنيّة، و عاملته مساناة، و أرض سنواء: أصابتها السنة، و تسنّيت عنده: أقمت سنين. قال النحاة: و تجمع السنة كجمع المذكّر السالم أيضا، فيقال سنون و سنين و تحذف النون للاضافة. و في لغة: تثبت الياء في الأحوال كلّها، و تجعل النون حرف اعراب، تنوّن في التنكير و لا تحذف مع الاضافة كأنّها من اصول الكلمة، و على هذه اللغة- اللّهم‌

240

اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف. و ربّما أطلقت السنة على الفصل.

مقا- سنه: أصل واحد، يدلّ على زمان. فالسنة معروفة، و قد سقطت منها هاء، ألا ترى أنّك تقول سنيهة. و يقال سنهت النخلة إذا أتت عليها أعوام. و قوله تعالى-. فَانْظُرْ إِلىٰ طَعٰامِكَ وَ شَرٰابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، أي لم يصرّ كالشي‌ء الّذي تأتي عليه السنون فتغيّره.

لسا- سنه: قال ابن سيده: السنة العام منقوصة، و الذاهب منه يجوز أن يكون هاء و واوا، بدليل قولهم في جمعها سنهات و سنوات، و السنة مطلقة: السنة المجدبة، أوقعوا ذلك عليها إكبارا لها و تشنيعا و استطالة، يقال أصابتهم السنة-. وَ لَقَدْ أَخَذْنٰا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ- أي بالقحوط. و سنه الطعام و الشراب سنها و تسنّه: تغيّر.

قع- (شاناه) تغيّر، تبدّل، اختلف.

(شناه) غيّر، بدّل.

(شاناه) سنة، عام.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التغيّر و من هذا المعنى و من مصاديقه امتداد معيّن من الزمان بمعنى العام.

و هذه المادّة مأخوذة من اللغة العبريّة كما رأيت.

و لا يبعد أن نقول: إنّ الأصل هو التحوّل و بهذه المناسبة تطلق السنة على العام، و يقال له الحول، لتحوّل الزمان الممتدّ دائرة بانتهاء الحركة الانتقاليّة في الأرض.

فالهاء في آخر المادّة من الحروف الأصليّة. و أمّا التاء في آخر كلمة السنة فامّا مبدلة من الهاء، أو أنّها للوحدة أو للتأنيث و الهاء محذوفة.

و أمّا الواو في سنوات: فامّا مبدلة، أو الكلمة من مادّة- سنو، بناء على أنّ التعريب قد وقع على هذا الحرف- راجع- سنو.

و على أيّ حال فلا شكّ في كون المادّة مأخوذة من العبريّة.

241

. فَانْظُرْ إِلىٰ طَعٰامِكَ وَ شَرٰابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ- 2/ 259.

أي لم يتحوّل الى حالة اخرى. و أمّا التفسير بقولهم- لم يأت له سنون: فغير وجيه: فأوّلا- إنّ هذا المعنى كذب، و قد اتى عليه سنون. و ثانيا- إنّ السنة اسم لا يشتقّ منه الفعل، إلّا بالانتزاع، و هو غير فصيح.

هذا إذا كانت الكلمة من مادّة السنة، و أمّا إذا كانت من مادّة السنو فالهاء في آخر الكلمة تكون للسكت و الوقف، و الواو محذوفة بالجازم، و الأولى هو الأوّل بوجوه ذكرناها، مع أنّ الحذف خلاف الأصل.

. أَلْفَ سَنَةٍ* ...،. أَرْبَعِينَ سَنَةً* ...،. خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.

و الأصل سنهة حذفت الهاء للتخفيف في الكلمة و لثقل توالي الحركات.

. فِي بِضْعِ سِنِينَ ...،. مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ...،. عَدَدَ السِّنِينَ* ...،. سَبْعَ سِنِينَ ...،. إِنْ مَتَّعْنٰاهُمْ سِنِينَ.

جمع سنة يجمع بالواو و النون، فانّ أكثر استعماله في ذوي العقل، و كسر السين لتسهيل التلفّظ، و للفرق بينه و بين الجمع السالم.

. وَ لَقَدْ أَخَذْنٰا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَرٰاتِ- 7/ 130.

إذا اطلق هذه اللّفظ من دون قيد و في مقام المؤاخذة: يراد منه التحوّلات و الشدائد و الابتلاءات الجارية في امتداد تلك المدّة من دون نظر الى ابتلاء مخصوص.

و قلنا إنّ الأصل في المادّة: هو التحوّل و التغيّر.

سنا

مصبا- السانية: البعير يسنى عليه أي يستقي من البئر. و السحابة تسنو الأرض أي تسقيها، فهي سانية أيضا، و أسنيته رفعته، و السناء: الرفعة، و السنى:

الضوء.

مقا- سنى: أصل واحد يدلّ على سقي، و فيه ما يدلّ على العلوّ و الارتفاع.

يقال سنت الناقة إذا سقت الأرض، تسنو، و هي السانية. و القوم يستنون لأنفسهم إذا استقوا. و من الباب سانيت الرجل: إذا راضيته. و أمّا الّذي يدلّ على الرفعة:

242

فالسناء ممدود، و كذلك إذا قصرته دلّ على الرفعة، إلّا انّه لشي‌ء مخصوص، و هو الضوء.

مفر- السنا: الضوء الساطع. و السناء: الرفعة.

التهذيب 13/ 76- سنا- قال الليث: السانية جمعها السواني ما يسقى عليه الزروع و الحيوان من كبير و غيره. و قد سنت السانية تسنو سنّوا: إذا استقت، و سناية و سناوة. و السحاب يسنو المطر، و القوم يستنون: إذا استنوا لأنفسهم. و سنيت الباب و سنوته: إذا فتحته. عن أبي عمرو: سانيت الرجل: راضيته و أحسنت معاشرته.

و المساناة: المصانعة و هي المداراة. و السنا: حدّ منتهى ضوء البدر و البرق، و قد أسنى البرق: إذا دخل سناه عليك بيتك، و وقع على الأرض أو طار في السحاب. و قال ابن السكّيت: السناء: من الشرف و المجد ممدود. و السنا: سنا البرق و هو ضوءه يكتب بالألف، و يثنّى سنوان.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو انتشار شعاع من مقام رفيع، و الشعاع أعمّ من أن يكون ضوءا أو شرفا أو خلقا أو رحمة أو سقاية أو ما يشابهها.

فبلحاظ هذا الأصل تستعمل المادّة في إسقاء البعير و السحاب و غيرهما، و في نشر الضوء، و فيما يكون مرتفعا و في مقام عال يفيض رحمة أو شرفا.

و السناء ممدودا: يناسب الرفعة مع إفاضة ضوء أو خير. و السنا مقصورا يناسب نفس الشعاع و الأثر الخارج.

و لا يخفى الاشتقاق الأكبر فيما بين السنو و السنن و السنه، و الجامع بينها هو جريان و تحوّلات على مقتضى المادّة: ففي السنّ بالتضعيف دلالة على الضبط و الحدّ في الجريان. و في السنو على انتشار جريان و شعاع من المقام العالي، و هو أوسع و أخفّ من الأوّل، فانّ التضعيف قد يعرضه الإبدال تخفيفا كما في أمللت و أمليت. و في السنه دلالة على مطلق التحوّل.

. وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ جِبٰالٍ فِيهٰا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَصْرِفُهُ

243

عَنْ مَنْ يَشٰاءُ يَكٰادُ سَنٰا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصٰارِ- 24/ 43.

أي البرق المتحصّل من الاصطكاكات الّتي في جريان السحاب و البرد.

فالبرق: هو اللمعان المخصوص بشدّة و ضغط. و السنا: جريان ذلك البرق و شعاعه. و البرد: كحسن ما برد من السحاب و الماء. و الجبل: كلّ ما ارتفع و عظم.

و المراد جبال في السماء أي السحب. و قوله من برد: مفعول به. و ذكر حرف من الدالّ على التبعيض و التجزئة في الموردين (من جبال، من برد) إشارة الى أنّ النازل بعض من الجبال و بعض من البرد. و هذا تقدير من اللّه العزيز العليم-. إِلّٰا عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلّٰا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ. و هذا معنى قوله تعالى:. فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشٰاءُ.

هذا إذا اريدت من الكلمات معانيها الظاهريّة الماديّة.

و أمّا إذا اريدت منها مفاهيم عامّة شاملة للمعاني المعنويّة أيضا: فنقول في تفسير الآية الكريمة: ينزّل اللّه تعالى من سماء الأسماء الإلهيّة من جبال السحب النورانيّة و من مقام العظمة و النور إفاضات روحانيّة و كشفيّات و حقائق شهوديّة و تجلّيات إلهيّة و جذبات ذوقيّة، تبرّد الحرارة في القلوب و التهابها. فهذه المقامات و الحالات الروحانيّة تتوجّه الى من يشاء و له أهليّة.

سهر

مقا- سهر: معظم بابه الأرق، و هو ذهاب النوم. يقال سهر يسهر سهرا، و يقال للأرض: الساهرة، لأنّ عملها في النبت دائما ليلا و نهارا. ثمّ صارت الساهرة اسما لكلّ أرض.

مصبا- السهر: عدم النوم في الليل. كلّه أو في بعضه، يقال سهر الليل كلّه أو بعضه: إذا لم ينم فيه، فهو ساهر و سهران، و أسهرته.

اشتقاق- 316- الساهرة: و هي أرض بيضاء، و فسّر قوم الساهرة في التنزيل فقالوا- يخلق اللّه أرضا لم يعص عليها. و الساهور: القمر بالسريانية، و قد تكلّمت به العرب. و السهر: معروف.

244

مفر- الساهرة: قيل وجه الأرض. و قيل هي أرض القيامة، و حقيقتها الّتي يكثر الوطء بها فكانّها سهرت بذلك.

التهذيب 6/ 120- قال الليث: السهر: امتناع النوم بالليل، تقول:

أسهرني همّ فسهرت له سهرا. قال: و الساهور من أسماء القمر، و قال غيره: الساهور للقمر كالغلاف للشي‌ء. و ساهور العين: أصلها و منبع مائها. و يقال لعين الماء ساهرة إذا كانت جارية، و يقال: خير المال عين ساهرة لعين نائمة. و السهار و السهاد واحد.

قع- (سهر) قمر، هلال.

(سوهر) سجن، حبس، موقف، معتقل.

(شحر) فجر، ظلام الليل.

(شاحر) اسودّ، أظلم، خيّم الظلام.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو فقدان النوم و الغفلة مع التوجّه ليلا.

و ليس مطلق الأرق سهرا.

و بهذه المناسبة تطلق على القمر: فانّه لا يغفل عن وظيفته و عمله ليلا، و على عين الماء: لخروج الماء و جريانه عنها دائما و من دون توقّف.

و مفهوم الظلمة و الاسوداد و التوقّف و التسجّن في العبريّة: يناسب الأصل، فانّ السهر ليلا محاط قهرا بالظلمة و محدود بالاسوداد.

. قٰالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خٰاسِرَةٌ فَإِنَّمٰا هِيَ زَجْرَةٌ وٰاحِدَةٌ فَإِذٰا هُمْ بِالسّٰاهِرَةِ- 79/ 14.

الزجرة: هي الصيحة تمنع عن عمل أو حالة. و الساهرة: عبارة عن محيط و مقام لا غفلة و لا نوم فيها، و هي عالم غير محجوب بالمادّة و قواها و تمايلاتها- الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.

فالمحجوبون الغافلون المتوغّلون في تعلّقات الحياة الدنيا كالنائمين الواقعين في ظلمات الجهل و الطغيان، غير متوجّهين الى حالاتهم الباطنية و الى ما فيه صلاح‌

245

أمورهم و سلامة قلوبهم و نورانيّة نفوسهم.

و أمّا إذا أدركهم الموت: فيتحصّل لهم التنبّه و السهر و التوجّه، فانّ عالم الآخرة عالم لطيف يرتفع فيه حجب المادّة-. فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.

و أمّا تفسير الساهرة بالأرض: فأوّلا- إنّ النفوس بعد الموت ليس لهم تعلّق و سكنى في الأرض كما كانوا في الدنيا، و لا يحتاجون الى مسكن مادّي كما في حال تعلّقهم بالأبدان الجسدانيّة. و ثانيا- إنّ الأرض ليست من مصاديق الأصل.

و الظاهر أنّ أهل اللغة أخذوا المعنى من كتب التفسير. و المفسّرون فسّروا الكلمة برأيهم على مقتضى أفهامهم. و قلنا كرارا إنّ أمثال هذه المعاني في كتب اللغة كثيرة.

مع أنّ تقييد الكلمة يحتاج الى دليل، و الدليل على خلافه.

سهل

مقا- أصل واحد يدلّ على لين و خلاف حزونة. و السهل: خلاف الحزن.

و يقال النسبة الى الأرض السهلة سهليّ و يقال أسهل القوم، إذا ركبوا السهل. و نهر سهل فيه سهلة، و هو رمل ليس بالدقاق. و سهيل: نجم.

صحا- السهل نقيض الجبل، و أرض سهلة، و النسبة اليه سهليّ بالضمّ على غير قياس. و أسهل القوم إذا صاروا الى السهل. و رجل سهل الخلق. و أسهل الدواء طبيعته. و التسهيل: التيسير، و التساهل التسامح. و استسهل الشي‌ء: عدّه سهلا.

مصبا- سهل الشي‌ء سهولة: لان، هذه هي اللغة المشهورة و قالوا سهل بفتح الهاء و كسرها أيضا، و الفاعل سهل، و به سمّي و بمصغّره أيضا، و سهّل اللّه الشي‌ء فتسهّل و سهل. و لا يعوّل على قول الناس مسهول إلّا أن يوجد نصّ يوثق به.

التهذيب 6/ 125- قال الليث: السهل: كلّ شي‌ء الى اللين و ذهاب الخشونة، تقول سهل سهولة. و السهلة: تراب كالرمل يجي‌ء به الماء. و أرض سهلة، فإذا قلت سهلة فهي نقيض حزنة. قلت: لم أسمع سهلة بكسر الهاء لغير الليث.

و أسهلوا: إذا نزلوا السهل بعد نزولهم بالحزن و أسهلوا إذا استعملوا السهولة مع الناس.

246

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل الصعوبة، كما أنّ اللين ما يقابل الخشونة، و اليسر ما يقابل العسر، و الرخوة ما يقابل الشدّة.

فتفسير المادّة باللين و الحزن و اليسر و أمثالها: في غير مورده، و على سبيل التقريب و التجوّز.

ثمّ إنّ السهولة يختلف مفهومه باختلاف الموضوعات: فالأرض السهلة في مقابل ما يكون صعبا كالجبل، و الخلق السهل إذا لم يكن سبّى الخلق، و هكذا في كلّ موضوع بحسبه.

و أمّا الحزن: فهو انقباض مخصوص، و منه الحزن في مقابل الانبساط.

. وَ بَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهٰا قُصُوراً- 7/ 74.

أي تجعلون سهول الأرض وسائل و لوازم للأبنية و العمارات، كالتراب و الماء و الطين و الأحجار و الرمل و الأشجار و ما يسهل أخذه و يفيد في العمارة.

فظهر لطف التعبير بها دون اللين و الرخوة و اليسر: فانّ تهيئة بعض اللوازم كالأحجار من الجبال السهلة و الأشجار و المعدنيّات ما لم تكن صعبة: غير يسير و هي في أنفسها خشنة و شديدة.

سهم

مصبا- السهم: النصيب، و الجمع أسهم و سهام و سهمان. و أسهمت له:

أعطيت له سهما. و ساهمته مساهمة بمعنى قارعته مقارعة. و استهموا: اقترعوا.

و السهمة: النصيب، و تصغيرها سهيمة. و السهم: واحد من النبل، و قيل السهم نفس النصل.

مقا- سهم: أصلان، أحدهما- تغيّر في لون. و الآخر يدلّ على حظّ و نصيب و شي‌ء من الأشياء. فالسهمة: النصيب، و يقال أسهم الرجلان إذا اقترعا، و ذلك من السهمة و النصيب أن يفوز كلّ واحد منهما بما يصيبه. و السهمة: القرابة، و هو من‌

247

ذاك، لأنّها حظّ من اتّصال الرحم. و قولهم برد مسهّم، أي مخطّط، و إنّما سمّي بذلك لأنّ كلّ خطّ منه يشبّه بسهم. و أمّا الأصل الآخر: فقولهم سهم وجه الرجل: إذا تغيّر.

التهذيب 6/ 138- قال الليث: استهم الرجلان: إذا اقترعا. و السهم:

القدح الّذي يقارع به. و السهم: النصيب. و السهم: واحد السهام من النبل و غيره. و يقال للفرس إذا حمل على كريهة الجري ساهم الوجه، و كذلك الرجل في الحرب ساهم الوجه، و السهام الضمر و التغيّر. و قال الليث: السهام من وهج الصيف و غبرته، يقال سهم الرجل: إذا أصابه السهام.

الاشتقاق 118- السهم الّذي يرمى به: معروف. و لا يسمّى سهما حتّى يكون عليه نصل و ريش، و إلّا فهو قدح. و السهام: الريح الحارّة. و السهام: داء يصيب الإبل شبيه بالعطاش. و برد مسهّم: مخطّط كأفواق السهام. و سهم وجهه:

إذا ضمر، فهو ساهم من مرض أو علل. و بيني و بين فلان سهمة: أي نسب و قرابة.

اللسان- سهم: السهم: النصيب المحكم. السهم في الأصل: واحد السهام الّتي يضرب بها في الميسر، و هي القداح، ثمّ سمّي به ما يفوز به الفالج سهمه، ثمّ كثر حتّى سمّي كلّ نصيب سهما. و حديث بريدة: خرج سهمك أي بالفلج و الظفر. و السهم: القدح الّذي يقارع به.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يتعيّن و ينسب لشخص، و الفرق بين المادّة و بين موادّ- الحظّ و القسمة و الحصّة و الخلاق و الرزق و النصيب:

أنّ الحظّ: يلاحظ فيه الاستفادة.

و القسمة: يلاحظ فيها الانقسام و التجزّي من الكلّ.

و الحصّة: يلاحظ فيها الانفصال و التعيّن و اتّضاح المفصول.

و الخلاق: ما يكون من الخير وافرا و مقدّرا و هو من التقدير و الخلق.

و الرزق: ما يعطى و يجرى على الاستمرار و الإدرار.

248

و النصيب: ما ينصب و يتعيّن في مقابل شخص، محبوبا أو مكروها، و هو أعمّ من كلّ منها، كما أنّ السهم كذلك. و الملحوظ في النصيب جهة النصب، و في السهم جهة النسبة.

و أمّا إطلاقها في موارد القرابة و التغيّر و التعلّل: فيقيّد لحاظ النسبة أي تستعمل المادّة فيها إذا كان النظر الى جهة نسبة منها الى شخص نصيبا.

و أمّا المساهمة: أ فتدلّ الصيغة على تكرار و استمرار في المفهوم، و هذا المعنى إنّما يتحقق بالمقارعة حتّى يتعيّن النصيب في المورد.

و كذلك الاستهام: و هو اختيار السهم بأيّ وسيلة يمكن.

. إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسٰاهَمَ فَكٰانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ- 37/ 141.

أي فقارع و استمرّ في تشخيص السهم منهم، و تعيّن هو نفسه في ذلك المورد.

فظهر لطف التعبير بالمادّة دون أخواتها.

سهو

مصبا- سها عن الشي‌ء يسهو سهوا: غفل. و فرّقوا بين الساهي و الناسي:

بأنّ الناسي إذا ذكرته تذكّر، و الساهي بخلافه. و السهوة: الغفلة. و سها اليه: نظر ساكن الطرف.

مقا- سهو: معظم الباب يدلّ على الغفلة و السكون. فالسهو: الغفلة، يقال سهوت في الصلاة أسهو سهوا. و من الباب المساهاة حسن المخالقة، كأنّ الإنسان يسهو عن زلّة إن كانت من غيره. و السهو: السكون، يقال جاء سهوا رهوا.

و ممّا يبعد عن هذا قولهم حملت المرأة ولدها سهوا، أي على حيض.

مفر- السهو: خطأ عن غفلة، و ذلك ضربان: أحدهما أن لا يكون من الإنسان جوالبه و مولّداته كمجنون سبّ إنسانا. و الثاني أن يكون منه مولّداته كمن شرب خمرا ثمّ ظهر منه منكر لا عن قصد الى فعله. و الأوّل معفوّ عنه، و الثاني مأخوذ به. و على نحو الثاني ذمّ اللّه تعالى فقال:. فِي غَمْرَةٍ سٰاهُونَ ...،. عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ.

249

التهذيب 6/ 366- قال الليث: السهو: الغفلة عن الشي‌ء و ذهاب القلب عنه، و إنّه لساه بيّن السهو و السهوّ، و سها الرجل في صلاته: إذا غفل عن شي‌ء منها.

أبو عبيد: السهوة: الناقة الليّنة السير، و يقال: بعير ساة راه، و جمال سواه رواه لواه.

الفروق- 78- الفرق بين النسيان و السهو: أنّ النسيان إنّما يكون عمّا كان.

و السهو يكون عمّا لم يكن، تقول نسيت ما عرفته.

و فرق آخر: أنّ الإنسان إنّما ينسى ما كان ذاكرا له. و السهو يكون عن ذكر و عن غير ذكر، لأنّه خفاء المعنى بما يمتنع به إدراكه.

و الفرق بين السهو و الغفلة: أنّ الغفلة تكون عمّا يكون. و السهو يكون عمّا لا يكون، تقول غفلت عن هذا الشي‌ء حتّى كان.

و فرق آخر: أنّ الغفلة تكون عن فعل الغير، تقول كنت غافلا عمّا كان من فلان. و لا يجوز أن يسهى عن فعل الغير.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الغفلة عن عمل يقصده و يريد أن يعمل به، كلّا أو جزءا، ظاهريّ أو معنويّ.

فإذا كان السهو بسبب اختيار مقدّمات توجبه: فهو مأخوذ به، و كذلك إذا كان عن قصد و عمد، و هذا لا يطلق عليه السهو.

فالسهو لازم أن يتعلّق بعمل من نفسه، و إذا تعلّق بعمل من الغير فهو غفلة.

و إذا كان أخطأ في تشخيص المصداق و لم يصبه: فهو خطأ، سواء كان في حكم أو في موضوع أو عمل. و إذا كان الخطأ بتعمّد و قصد: فهو عصيان و إثم- راجع خطأ، إثم.

. قُتِلَ الْخَرّٰاصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سٰاهُونَ- 51/ 11.

قلنا إنّ الخرص: هو اختلاق و افتعال على الظنّ من دون سند متين، و هذا المعنى يشمل كلّ ما يقع غير مستند الى أصل محكم، من عقيدة أو أدب أو عمل.

فمن سلك في هذه الطريقة: فهو واقع في غمرة و غورة من الخطأ و العصيان، و إنّهم‌

250

دائمون في السهو، و لا يرون سهوهم، و لا يتوجّهون اليه.

فانّ المنهمكين في اختلاق و المتوغلين في سلوك غير حقّ: لا يمكن لهم التوجّه الى الحقّ، و إنّهم يغفلون عن درك الصواب، و يسهون في أعمالهم.

. فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ- 107/ 5.

أي يغفلون عن صلاتهم و عن إقامتها، و لا يهتمّون بها و لا يراقبون فيها، مع أنّ الصلاة قربان كلّ تقيّ، و معراج كلّ مؤمن.

و أمّا قولهم: بعير ساه: فيطلق في مورد يغفل و يسهو عن سيره كمّا أو كيفا.

و قولهم حمل المرأة في أيّام الحيض: فانّه عمل و توليد خلاف المراد و المعمول به.

و أمّا حسن المخالقة أي المعاشرة بخلق حسن: فانّ هذا الاستعمال في مورد يعاشر بخلق حسن تصنّعا و باختلاق.

و أمّا قولهم: سهى اليه إذا نظر بسكون الطرف: فانّ هذا الإطلاق في مورد يكون التوجّه القلبي الى غير ما يكون النظر الظاهريّ اليه، فكأنّ العين تسهو في نظرها و لا تنظر بإرادة و قصد الى تلك الناحية.

سوء

مقا- سوء: فليست من ذلك، إنّما هي من باب القبح، تقول رجل أسوأ أي قبيح، و امرأة سوآء أي قبيحة. قال رسول اللّه (ص): سواء ولود خير من حسناء عقيم. و لذلك سمّيت السيّئة سيّئة. و سمّيت النار سوأى، لقبح منظرها.

مصبا- سوى: و أساء زيد في فعله، و فعل سوءا، و الاسم السوأى على فعلى، و هو رجل سوء، و عمل سوء، فان عرّفت الأوّل قلت الرجل السوء و العمل السوء على النعت. و أسأت به الظنّ. و أسأت به الظنّ. و سؤت به ظنّا، يكون الظنّ معرفة مع الرباعيّ و نكرة مع الثلاثيّ، و منهم من يجيزه نكرة فيهما، و هو خلاف- أحسنت به الظنّ. و السيّئة خلاف الحسنة، و السيّئ خلاف الحسن، و هو اسم فاعل من ساء يسوء إذا قبح، و هو أسوأ القوم، و هي السوأى أي أقبحهم. و الناس يقولون:

أسوأ الأحوال و يريدون الأقلّ أو الأضعف. و المساءة: نقيض المسرّة، و أصله‌

251

المسوأة، و لهذا تردّ الواو في الجمع فيقال هي المساوي. و بدت مساويه أي نقائصه و معايبه.

صحا- ساءه يسوءه سوءا و مساءة و مسائية: نقيض سرّه، و الاسم السوء.

و قرئ-. عَلَيْهِمْ دٰائِرَةُ السَّوْءِ*- يعني الهزيمة و الشرّ، و من فتح فهو من المساءة. و تقول- رجل سوء و رجل السوء. قال الأخفش: و لا يقال- الرجل السوء، و يقال الحقّ اليقين، لأنّ السوء ليس بالرجل و اليقين هو الحقّ. و لا يقال هذا رجل السوء بالضمّ.

و أساء اليه نقيض أحسن اليه، و السوأى نقيض الحسنى. و السيّئة أصلها سويئة فقلبت الواو ياء ثمّ أدغمت الياء في الياء، يقال فلان سيّىّ الاختيار و قد يخفّف مثل هيّن و ليّن. و السوءة: العورة و الفاحشة.

التهذيب 13/ 130- قال الليث: ساء يسوء: فعل لازم و مجاوز، يقال ساء الشي‌ء يسوء فهو سيّئ: إذا قبح، و السوء: الاسم الجامع للآفات و الداء. و يقال- سؤت وجه فلان، و أنا أسوءه مساءة و مسائية، و المساية لغة في المساءة. أبو زيد: أساء الرجل إساءة، و سوّأت على الرجل فعله. و ابن هانئ: المصدر السوء، و اسم الفعل السوء. و قيل من السوء من الذكر أسوأ، و الأنثى سوآء.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل الحسن، و هو ما يكون غير مستحسن في ذاته، سواء كان في عمل أو موضوع أو حكم أو أمر قلبّي أو معنويّ أو غيرها.

و الفرق بين السوء و القبح و الضرّ و الفساد:

أنّ الضرّ: يقابل النفع، و يكون فيما لا يعلم، و قد يكون حسنا مطلوبا.

و القبح: يلاحظ فيه جانب الصورة، في عمل أو قول أو موضوع.

و الفساد: يقابل الصلاح، و هو اختلال في عمل أو رأي أو غيرهما.

فالسوء: يكون فيما يعلم، و لا يكون مطلوبا حسنا، و هو أعمّ من جهة الصورة و غيرها.

252

و السوء بالفتح مصدر كالغسل كما في- دائرة السوء، مثل السوء، إمرؤ سوء، قوم سوء، مطر السوء، ظنّ السوء- و الاضافة بمعنى اللام، فانّ هذه الموضوعات في أنفسها ليست بأسواء، بل إنّها عوامل و وسائل للمساءة، فالمطر مثلا لا يكون سوءا بل يكون في مورد العذاب و بمقصد سوء، و هكذا القوم و الظنّ و المثل و أمثالها.

و السوء بالضمّ: اسم مصدر كالغسل، و هو ما يتحصّل و يتحقّق من المصدر، فيتّصف به حينئذ العمل و الموضوع و الحكم، كما في:

. سُوءَ الْعَذٰابِ* ...،. يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ ...،. وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ ...،. الْجَهْرَ بِالسُّوءِ ...،

. سُوءُ الدّٰارِ* ...،. سُوءُ أَعْمٰالِهِمْ ...،. وَ يَكْشِفُ السُّوءَ ...،. وَ لٰا تَمَسُّوهٰا بِسُوءٍ* ...،. مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً ...،. أَرٰادَ بِكُمْ سُوءاً.

فيراد في هذه الموارد العذاب و العمل و الدار الأسواء، أي المتّصفة بكونها أسواءا.

و تقرب منه كلمة السيّئة صفة على فعيلة و جمعها السّيئات، كما في:

. مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ...،. وَ مَنْ جٰاءَ بِالسَّيِّئَةِ* ...،. مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً ...،. وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا ...،. شَفٰاعَةً سَيِّئَةً ...،. وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ* ...،. يَعْمَلُونَ السَّيِّئٰاتِ* ...،. فَأَصٰابَهُمْ سَيِّئٰاتُ مٰا عَمِلُوا ...،. نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ ...،. اجْتَرَحُوا السَّيِّئٰاتِ.

يراد كلّ ما ثبت له السوء و اتّصف بالمساءة، من أيّ موضوع أو عمل أو رأي.

و لمّا كان لفظ السيّئة بصيغتها يدلّ على الاتّصاف بالثبوت: فهو أشدّ دلالة و آكد و أبلغ من لفظ السوء اسما، فيستعمل كلّ منهما في مورد مناسب.

و مثله الأسوأ كالأسود، و مؤنّثه السوآء كالسوداء، كما في:

. لِيُكَفِّرَ اللّٰهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا- 36/ 35.

. وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كٰانُوا يَعْمَلُونَ- 41/ 37.

. لِيُبْدِيَ لَهُمٰا مٰا وُورِيَ عَنْهُمٰا مِنْ سَوْآتِهِمٰا- 7/ 20.

. لِيُرِيَهُمٰا سَوْآتِهِمٰا- 7/ 27.

. لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوٰارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ- 5/ 31.

و السوآت جمع سوأة، و السوأة على فعلة لبناء المرّة، و هي كلّ ما لا تكون‌

253

مستحسنة في عمل أو صفة أو تمايل و شهوة، ناشئة من قرب الشجرة.

و يدلّ على كون المادّة في مقابل مادّة الحسن، قوله تعالى:

. ثُمَّ بَدَّلْنٰا مَكٰانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ...،. وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ...،

. وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ* ...،. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهٰا ...،. إِلّٰا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ.

ثمّ إنّ المادّة قد تستعمل متعدّية، كما في:

. إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ...،. إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ .... سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا.

فمفهوم المساءة في هذه الموارد يتحقّق في ضمن معنى الإحزان، و هو ما يقابل السرور، و السرور و ما يقابله مفهومان متعدّيان.

فالمساءة مفهوم مطلق، و من مصاديقه ما يقابل المسرّة، و إذا استعملت في هذا المورد: تكون متعدّية.

و السوء يتعدّى بالهمزة أو بالتضعيف، فيقال: أسأته و سوّأته، أي جعلته سيّئا أو أوجدت سوءا-. وَ مَنْ أَسٰاءَ فَعَلَيْهٰا* ...،. وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهٰا ...،. ثُمَّ كٰانَ عٰاقِبَةَ الَّذِينَ أَسٰاؤُا السُّواىٰ أَنْ كَذَّبُوا.

سوح

مصبا- ساحة الدار، الموضع المتّسع أمامها و الجمع ساحات و ساح، مثل ساعة و ساعات و ساع.

مقا- سوح: كلمة واحدة، يقال ساحة الدار، و جمعها ساحات.

لسا- الساحة: الناحية. و هي أيضا فضاء يكون بين دور الحيّ. و ساحة الدار: باحتها. و الجمع ساح و سوح و ساحات. قال الجوهريّ: مثل بدنة و بدن.

و التصغير سويحة.

254

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الفضاء المتّسع أمام الدار متّصلا بها، سواء كان محوّطا بالحائط أم لا، و سواء كان في ملك صاحب الدار أم لا. و لم أر مشتقّا من هذه الكلمة.

. أَ فَبِعَذٰابِنٰا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذٰا نَزَلَ بِسٰاحَتِهِمْ فَسٰاءَ صَبٰاحُ الْمُنْذَرِينَ.-

37/ 177.

قد عبّر في المورد بالساحة: فانّها مشرفة على الدار، و الدار تحت استيلائها دائما، و حياة الرجل و إدامة معاشه تحت وسع هذه المحوّطة، و هي فضاء للتنفّس و انطلاق المرء، و نزول العذاب عليها آخر وقت للهلاك، كنزول العدوّ عليها.

و التعبير بحرف الباء: يدلّ على الفعليّة و التصاق العذاب و وصوله.

و التعبير بساحتهم دون ساحة الدار لهم: إشارة الى أنّ نزول العذاب نزول الى فضائهم من دون واسطة الدار، فيصيرون تحت إحاطة ذلك العذاب مغرقين فيه- فساء صباحهم.

هذا بالنسبة الى التفسير الظاهريّ، و أمّا تطبيق الآية الكريمة على المعنى المعنويّ الحقيقيّ: فانّ العذاب الموعود هو العذاب الاخرويّ، و هو أخذة رابية شديدة-. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ- فإذا نزل بساحتهم و أحاطهم و ختم على قلوبهم: فيصبحون على أشدّ ابتلاء و يصيرون الى أسوأ حالات.

و هذا هو العذاب المستمرّ الّذي لا مفرّ منه، و يدوم الى الأبد، و هو النازل بهم و بساحتهم و يحيط بهم، فساء صباحهم.

و يؤيّد هذا المعنى: التعبير بقوله: نزل بساحَتهم، و- ساء صباحُهم- على ما أشرنا الى خصوصيّاتها إجمالا.

سود

مصبا- السواد: لون معروف، يقال: سود يسود من باب تعب، فالذكر‌