التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج5

- حسن المصطفوي المزيد...
296 /
255

أسود، و الأنثى سوداء، و الجمع سود، و يصغّر الأسود على اسيّد على القياس، و على سويد أيضا على غير قياس، و يسمّى تصغير الترخيم، و به سمّي. و اسودّ الشي‌ء، و سوّدته بالسواد تسويدا، و السواد: العدد الكثير، و الشاة تمشي في سواد و تأكل في سواد و تنظر في سواد: يراد بذلك سواد قوائمها و فمها و ما حول عينيها. و العرب تسمّي الأخضر أسود، لأنّه يرى كذلك على بعد، و منه سواد العراق لخضرة أشجاره و زروعه. و كلّ شخص من انسان و غيره يسمّى سوادا، و جمعه أسودة مثل متاع و أمتعة. و سواد المسلمين: جماعتهم. و اقتلوا الأسودين في الصلاة، يعني الحيّة و العقرب، و الجمع الأساود. و ساد يسود سيادة، و الاسم السودد، و هو المجد و الشرف، فهو سيّد، و الأنثى سيّدة، فقيل سيّد العبد و سيّدته، و الجمع سادة و سادات، و سيّد القوم رئيسهم و أكرمهم، و السيّد: المالك. و الأسودان: الماء و التمر.

مقا- سود: أصل واحد، و هو خلاف البياض في اللون، ثمّ يحمل عليه و يشتقّ منه. فالسواد في اللون معروف، و عند قوم أنّ كلّ شي‌ء خالف البياض أيّ لون كان فهو في حيّز السواد، يقال اسودّ الشي‌ء و اسوادّ. و سواد كلّ شي‌ء: شخصه.

و السواد: السرار، يقال ساوده مساودة و سوادا: إذا سارّه، قال أبو عبيد: و هو من إدناء سوادك الى سواده، و هو الشخص. و الأساود جمع الأسود، و هي الحيّات. و أمّا السيادة: فقال قوم: السيّد الحليم. و آخرون: لأنّ إنّما سمّي سيّدا لأن الناس يلتجئون الى سواده. و يقال فلان أسود من فلان أي أعلى سيادة منه. و سواد القلب و سويداؤه: حبّته.

أسا- ساد قومه يسودهم سوددا، و ساودته فسدته: غلبته في السودد، و سوّده قومه، و هو سيّد مسوّد. و أسودت فلانة: ولدت سودا. و من المجاز: رأيت سوادا و أسودة و أساود: شخوصا. و منه: ساودته: ساررته. و خرجوا الى سواد المدينة: و هو ما حولها من القرى و الريف.

التهذيب 13/ 30- السواد: نقيض البياض. و السواد: السرار. قال الأصمعيّ: السواد: السرار- ساودته مساودة و سوادا: إذا ساررته. قال شمر:

الأسود: أخبث الحيّات و أعظمها و أمكرها. و يقال رأيت سواد القوم: أي معظمهم،

256

و مرّت بنا أسودات من الناس و أساود: أي جماعات، و سوّدت الشي‌ء: إذا غيّرت بياضه سوادا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التشخّص مع التفوّق في مقابل أفراد اخر، و هذا المفهوم أعمّ من أن يكون في أمر ماديّ أو معنويّ، فالمعنويّ: كما في قوله تعالى:

. يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ- 3/ 106.

. تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللّٰهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ- 39/ 60.

و المادّيّ كما في:. يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ- 2/ 187.

. وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوٰانُهٰا وَ غَرٰابِيبُ سُودٌ- 35/ 27.

. وَ إِذٰا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا- 16/ 58.

و أمّا التشخّص مع التفوّق: فهو في عالم الروحانيّة و المعنويّة إنّما يتحقّق بتحقّق الأنانيّة و التظاهر بالنفسانيّة و الشخصيّة و التكبّر و التبختر، و هذا في مقابل الخشوع و التذلّل و حقيقة العبوديّة و تحقّق الفناء الكامل.

و كلّما ازداد الفناء يزداد نورا و بهجة و ضياء و استفاضة و استنارة، و يستعدّ في قبول الفيوضات الإلهيّة و انعكاس الأنوار الربّانيّة، و هذا هو لبّ التبيّض في الوجه و تحقّق عنوان الوجهة الإلهيّة فيه و تجلّي النور في الوجه.

و في قبال هذا المعنى: بقاء الأنانيّة و ظهور التشخّص و النفسانيّة: فيوجب حجابا و اسودادا، و يزيد ظلمة بعد ظلمة، و يزداد محروميّة- وجوههم مسودّة.

و امّا في عالم المادّية الظاهريّة: فلون البياض في عالم الألوان له صفاء و تجرّد عن التلوّن و التشخّص و التظاهر، و إذا تحوّل الى لون آخر و تلوّن بلون متشخّص غليظ:

فهو السواد المطلق، الى أن يصل الى حدّ الاسوداد التامّ.

257

و على هذا يطلق الأسود على الأسمر و الأخضر أيضا، بل على كلّ لون غير بياض. و هذا المعنى المطلق هو المراد في قوله تعالى-. مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ...،. ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا*.

و أمّا الاسوداد الظاهريّ في غير الألوان: فهو وجود تشخّص و تفوّق بالنسبة الى أفراد اخر، كالزوج بالنسبة الى عائلته، و الرئيس بالنسبة الى المرءوسين، و هكذا في أنواع اخر من التشخّص و التفوّق، كما في:. وَ أَلْفَيٰا سَيِّدَهٰا لَدَى الْبٰابِ، و. مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّٰهِ وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً ...،. إِنّٰا أَطَعْنٰا سٰادَتَنٰا وَ كُبَرٰاءَنٰا.

فحقيقة السودد و الاسوداد تختلف باختلاف الموضوعات و العوالم، ففي كلّ مورد بحسبه، كما أشرنا اليها.

و أمّا إطلاق السيادة على مجد و شرف و مقام معنويّ كما في الروايات و الأدعية و الزيارات: مفهوم مجازيّ.

سور

مقا- سور: أصل واحد يدلّ على علوّ ارتفاع، من ذلك سار يسور، إذا غضب و ثار. و إنّ لغضبه لسورة، و السور جمع سورة، و هي كلّ منزلة من البناء. و أمّا سوار المرأة، و الإسوار من أساورة الفرس و هم القادة: فأراهما غير عربيّين.

و سورة الخمر: حدّتها و غليانها.

مصبا- ساريسور: إذا غضب، و السورة: اسم منه، و الجمع سورات. و قال الزبيدي: السورة: الحدّة، البطش. و سار الشراب يسور سورا و سورة: إذا أخذ الرأس، و سورة الجوع و الخمر: الحدّة أيضا، و منه المساورة و هي المواثبة. و السورة من القرآن جمعها سور. و سور المدينة: البناء المحيط بها، و الجمع أسوار.

مفر- السور: و ثوب مع علوّ، و يستعمل في الغضب و الشراب، و سوار المرأة معرّب و أصله دستواره، و كيفما كان فقد استعملته العرب و اشتقّ منه سوّرت الجارية و جارية مسوّرة و مخلخلة.

أسا- سار عليه: وثب، و ساوره، و الحيّة تساور الراكب، و له سورة في‌

258

الحرب، و تسوّرت اليه الحائط، و سرت اليه في أعالي السور، و كلب سوّار: جسور على الناس، و جلس على المسورة و جلسوا على المساور، و هي الوسائد، و هو سوّار في الشراب: معربد.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو هيجان مع اعتلاء و ارتفاع، و هذا المعنى يختلف خصوصية باختلاف المصاديق.

يقال: سار غضبه إذا هاج و ظهر و اعتلى أثره. و سار الشراب إذا هاج أثره و ظهر السكر و برز. و سارت الحيّة إذا هاجت و حملت على شخص، و سار البناء إذا اعتلى و ارتفعت مراتبه و طبقاته من دون انتظار.

و بهذه المناسبة يطلق السور على جدار عظيم و سدّ يمنع عن المخالف و يسدّ بين المتجاوزين أو متجاوز، فالسور مظهر هيجان و ارتفاع و علامة و ثوب و ثوران و غضب، و هو أعمّ من أن يكون سور بلد أو غيرها- كما قال تعالى:

. فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بٰابٌ بٰاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ- 57/ 13.

أي يضرب يوم القيامة بين المؤمنين و المنافقين بهذا السدّ للدفاع عن المنافقين و ردّهم.

و بهذه المناسبة أيضا تسمّى سور القرآن كلّ واحدة منها بسورة: فانّ كلّ سورة منها كالسور يسدّ به و يدفع به المخالفون، كما قال تعالى:

. وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّٰا نَزَّلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ- 2/ 23.

. قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ- 10/ 38.

فكلّ سورة سور في الحقيقة بين المؤمنين و الكافرين، و أسدّ عدّة معنويّة قطعيّة يدفع بها أيّ نوع من وساوس المخالفين و تعرّضهم، و هو مظهر من هيجان الحقّ و اعتلائه و ظهوره في قبال المعاندين.

و بهذا ظهر أنّ السورة من القرآن كلّ قطعة و طائفة من الآيات الكريمة يكون على هذه الصفة، و ليست مخصوصة بما هو المشهور المعروف خارجا، و إن كان هذا‌

259

مصداقا كاملا له.

و يدلّ على هذا المعنى أيضا قوله تعالى:. يَحْذَرُ الْمُنٰافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمٰا فِي قُلُوبِهِمْ- 9/ 64.

. وَ إِذٰا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللّٰهِ وَ جٰاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ- 9/ 86.

. وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لٰا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذٰا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَ ذُكِرَ فِيهَا الْقِتٰالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ- 47/ 20.

فانّ وحشة المنافقين و دعاء المؤمنين ليست في نزول سورة كاملة تامّة، بل في سورة تتضمّن التنبيه على ما في قلوبهم و ذكر القتال فيها. و هكذا صدور حكم الايمان مع الجهاد في سورة، فانّ المراد طائفة من الآيات الّتي تحتوي على هذه الأمور.

و على هذا المبنى: يلزم البحث عن وجود دليل قاطع يثبت وجوب قراءة سورة كاملة من القرآن في الصلاة بعد الحمد.

و أمّا عجز البشر عن إتيان بسورة مثل القرآن: فانّ القرآن مضافا الى محتوياته من المعارف العالية و الحكم الجامعة و الحقائق في كلّ جهة: قد نزّل على أحسن بيان و أفصح منطق و أكمل تأليف.

و من وجوه إعجازه الّتي يبحث هذا الكتاب عنها: استعمال كلّ كلمة في معناه الحقيقيّ، و انتخاب أيّ كلمة مخصوصة بالمورد من بين الألفاظ المترادفة و المتشابهة، و رعاية صيغة مخصوصة من صيغ المادّة على مقتضى ما يستدعيه المورد، و تركيب الكلمات على أجمل نحو يذكر في علم الفصاحة.

و هذا ممّا لا يمكن للبشر أن يأتي به و إن بلغ من العلم الى أقصاه، و قد أثبتنا هذا الموضوع الى هنا من هذا الكتاب بتوفيقه و تأييده و تعليمه، و نرجو أن يوفّقنا في إتمام الكتاب بمنّه وجوده.

. سُورَةٌ أَنْزَلْنٰاهٰا وَ فَرَضْنٰاهٰا وَ أَنْزَلْنٰا فِيهٰا آيٰاتٍ بَيِّنٰاتٍ- 24/ 1.

الظاهر أنّ المراد هو السورة الكاملة و هي سورة النور، و هكذا في قوله تعالى:

. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرٰاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيٰاتٍ- 11/ 13.

و أمّا كلمة سوار و الإسوار: فالظاهر كونهما معرّبتين من الفارسيّة. فالاسوار‌

260

معرّبة من أسوار و سوار بمعنى الفارس في مقابل الراجل. و السوار معرّبة من دستوار، بمعنى دست بند.

و يجمع السوار على أسورة و أساور، و قد يشتقّ منه انتزاعا، فيقال: سوّرها فتسوّرت، أي جعل لها سوارا فأخذته و اختارته.

. يُحَلَّوْنَ فِيهٰا مِنْ أَسٰاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ*- 18/ 31.

. وَ حُلُّوا أَسٰاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ- 76/ 21.

. فَلَوْ لٰا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ- 43/ 53.

التحلية هو التحسين بالزينة العرضيّة كالأساور، و غيرها. و الأساور جمع أسورة.

و الآية الأخيرة راجعة الى موسى (ع) من جانب فرعون.

و أمّا تفسير الآيات الكريمة من جهة الروحانيّة: فالتحلية يكون إشارة الى ما يتجسّم من بعض الأعمال الصالحة الّتي تتحلّى بها النفوس. و الأساور: تكون إشارة الى الموارد و مصادر الحلي و مجاليها، و هي أيدي القدرة و سواعد المجاهدة و العمل.

و الذهب و الفضّة: تكون إشارة الى مقدار الخلوص و ميزان الكيفيّة فيها-. فَإِنَّ اللّٰهَ لٰا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ*.

. وَ هَلْ أَتٰاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرٰابَ إِذْ دَخَلُوا عَلىٰ دٰاوُدَ- 38/ 21.

التسوّر تفعّل من السور، و قلنا إنه الهيجان مع اعتلاء، فيكون المعنى اختيار الهيجان و الاعتلاء و إظهاره بالرغبة في محلّ المحراب، فانّ التخاصم يقتضي تلك الحالة و يستدعي اختيار تلك المواثبة.

و بهذا التوضيح في تفسير تلك الآيات الكريمة: يتّضح ما في التفاسير و كتب اللغة من الوهن و الاختلاف و الخلاف. و اللّه هو الهادي.

سوط

صحا- السوط: الّذي يضرب به، و الجمع أسواط و سياط، و سطته أسوطه:

إذا ضربته بالسوط- سوط عذاب- أي نصيب عذاب، و يقال شدّته، لأنّ العذاب‌

261

قد يكون بالسوط. و السوط ايضا خلط الشي‌ء بعضه ببعض، و منه سمّي المسواط.

و سوّطه أي خلطه و أكثر ذلك، يقال سوّط فلان أموره. قال أبو زيد: يقال أموالهم سويطة بينهم أي مختلطة.

مقا- سوط: أصل واحد يدلّ على مخالطة الشي‌ء الشي‌ء يقال سطت الشي‌ء:

خلطت بعضه ببعض، و سوّط فلان أمره تسويطا: إذا خلطه. و من الباب السوط، لأنّه يخالط الجلدة، يقال سطته بالسوط: ضربته. و أمّا قولهم في تسمية النصيب سوطا: فهو من هذا-. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذٰابٍ- أي نصيبا من العذاب.

مفر- السوط: الجلد المضفور الّذي يضرب به، و أصل السوط: خلط الشي‌ء بعضه ببعض، يقال سطته و سوّطته، فالسوط يسمّى به لكونه مخلوط الطاقات بعضها ببعض. و قوله تعالى-. سَوْطَ عَذٰابٍ: تشبيها بما يكون في الدنيا من العذاب بالسوط، و قيل: إشارة الى ما خلط لهم من أنواع العذاب المشار اليه بقوله-. حَمِيماً وَ غَسّٰاقاً.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو نوع من الخلط، فانّ الخلط: هو تداخل أجزاء يتمايز كلّ منها عن الآخر أو لا يتمايز.

و المزج: تداخل أجزاء بحيث لا يتمايز كلّ منها عن الآخر، كما في المائعات.

و الدخل: يقابله الخروج، و هو مطلق دخول مادّيّا أو معنويّا.

و الورود: أوّل مرتبة من الدخول، و هو يقابل الصدور، أي الدنوّ منه.

و الولوج: بعد الورود و قبل تحقّق الدخول الكامل، أي اللصوق به.

فيلاحظ في الورود و الولوج و الدخول: جهة الدخول الى شي‌ء و فيه، و في الخلط و المزج و السوط: جهة اختلاط، و لا نظر فيها الى التداخل.

و يلاحظ في السوط: اختلاط مع تمايز، أو تقارن و اختلاط.

و أمّا السوط الّذي يضرب به فباعتبار كونه مضفورا أي مفتولا من أجلاد أو غيرها، و بلحاظ كونه يضرب به الجلد يسمّى جلدة.

262

. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسٰادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذٰابٍ- 89/ 12.

الفساد هو اختلال في النظم الطبيعي و نقض القوانين التكوينيّة و التشريعيّة و هذا يناسب العذاب المختلط و انصباب الابتلاءات المتنوّعة.

و لم يعبّر بالمزج أو الخلط: ليكون مصرّحا بالتنوّع، و أمّا التفسير بالجلدة، أو الشدّة، أو النصيب، أو غيرها: ففي غير محلّه.

ثمّ إنّ الاضافة بمعنى- من، كما في:. أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذٰابِ ...،

. فَأَخَذَتْهُمْ صٰاعِقَةُ الْعَذٰابِ الْهُونِ.

سوع

مصبا- الساعة: الوقت من ليل أو نهار، و العرب تطلقها و تريد بها الوقت و الحين، و إن قلّ، و عليه قوله تعالى-. لٰا يَسْتَأْخِرُونَ سٰاعَةً*، و الجمع ساعات. و سواع و هو منقوص، و ساع أيضا.

مقا- سوع: يدلّ على استمرار الشي‌ء و مضيّه، من ذلك الساعة، سمّيت بذلك. يقال جاءنا بعد سوع من الليل و سواع، أي بعد هدء منه، و ذلك أنّه شي‌ء يمضي و يستمرّ. و من ذلك قولهم عاملته مساوعة، كما يقال مياومة، و ذلك من الساعة. و يقال أسعت الإبل إساعة، و ذلك إذا أهملتها حتّى تمرّ على وجهها، و ساعت فهي تسوع. و منه يقال هو ضائع سائع، و ناقة مسياع، و هي الّتي تذهب في المرعى.

صحا- الساعة: الوقت الحاضر، و الجمع الساع و الساعات، و ساعة سوعاء أي شديدة، كما يقال ليلة ليلاء. و الساعة: القيامة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو زمان محدود، هذا إذا استعملت نكرة و أمّا إذا استعملت معرّفة فتكون إشارة الى زمان محدود معيّن خارجا، إمّا بالعهد السابق الخارجيّ، أو بجريان معهود.

263

فالنكرة كما في:. لٰا يَسْتَأْخِرُونَ سٰاعَةً* ...،. يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلّٰا سٰاعَةً مِنْ نَهٰارٍ ...،

. يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مٰا لَبِثُوا غَيْرَ سٰاعَةٍ. يراد زمان محدود.

و المعرفة المخصّصة بالنسبة كما في:. اتَّبَعُوهُ فِي سٰاعَةِ الْعُسْرَةِ،. وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلّٰا سٰاعَةً مِنَ النَّهٰارِ- أي في زمان محدود كنتم في عسرة. و يظنّون أنّهم لم يلبثوا من نهارهم التي كانوا عليها إلّا زمانا محدودا.

و المعرّف باللام كما في:. حَتّٰى إِذٰا جٰاءَتْهُمُ السّٰاعَةُ بَغْتَةً ...،. أَوْ أَتَتْكُمُ السّٰاعَةُ ...،

. يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّٰاعَةِ* ...،. وَ إِنَّ السّٰاعَةَ لَآتِيَةٌ ...،. وَ مٰا أَمْرُ السّٰاعَةِ- و قد ذكرت هذه الكلمة معرّفة باللام في أربعين موردا من القرآن الكريم، و يراد منها زمان محدود في مستقبل أيّام من جريان حياة الناس.

و هذا الزمان هو مرحلة الموت و الانقطاع عن التعلّقات الدنيويّة، و طرح قاطبة مراتب المادّة و قواها، و الورود الى عالم فوقها، و الابتداء بحياة جديدة في عالم جديد لطيف، بأسباب و قوى و وسائل مناسبة.

و في هذا التحوّل العظيم: يتبدّل جميع ما للإنسان من العلائق الجسمانيّة، و يفني جميع تمايلاته و مشتهياته الماديّة، و يختتم أيّ نوع من اللذّات و العناوين و التملّك و القدرة و القوّة الدنيويّة.

و هذا تحوّل في طول حياة الإنسان، لا يتصوّر أعظم و أشدّ منه، و على هذا يستعمل لفظ الساعة عند الإطلاق في آيات اللّه العزيز: في قبال هذا المعنى، أي التحوّل العظيم و هو الموت، و هذا المعنى هو مورد البحث و في معرض الترديد و الشكّ و الاعتراض لأهل الدنيا.

و كيف يصدّق و يعتقد بهذا المعنى: من لم يطّلع على مرتبة من مقامات الآخرة، و لم يشاهد أثرا من آثار منازل لما بعد الموت.

و كيف يمكن لإنسان مستغرق في الحياة الدنيا المادّيّة: أن يذعن لتحوّل يذهب بحواسّه و قواه و تمايلاته و شهواته، و أن يهدم ماله و ملكه و سلطته و قدرته و شخصيّته و عنوانه، و أن يبعّد الأقربين و الأدنين منه، و أن يجعله صفر اليد فقيرا محتاجا لا يملك شيئا، و هو في ظلمات و ابتلاءات.

264

. يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّٰاعَةِ أَيّٰانَ مُرْسٰاهٰا*- 7/ 187.

. وَ مٰا أَمْرُ السّٰاعَةِ إِلّٰا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ- 16/ 77.

. وَ مٰا أَظُنُّ السّٰاعَةَ قٰائِمَةً*- 18/ 36.

. بَلْ كَذَّبُوا بِالسّٰاعَةِ- 25/ 11.

. أَلٰا إِنَّ الَّذِينَ يُمٰارُونَ فِي السّٰاعَةِ لَفِي ضَلٰالٍ- 42/ 18.

و ليس المراد من الساعة الّتي هي في معرض النفي و التكذيب: القيامة الكليّة العامّة، فانّها ليست في مورد الابتلاء في الجريان لحياة الأشخاص، بل القيامة الشخصيّة- فانّ من مات فقد قامت قيامته.

و في آيات الساعة: إشارات الى خصوصيّاتها و آثارها و لوازمها:

1- تأتي بغتة:. حَتّٰى إِذٰا جٰاءَتْهُمُ السّٰاعَةُ بَغْتَةً- 6/ 31.

. أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّٰاعَةُ بَغْتَةً وَ هُمْ لٰا يَشْعُرُونَ- 12/ 107.

2- علمها عند اللّه:. إِنَّ اللّٰهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّٰاعَةِ- 31/ 34.

. قُلْ إِنَّمٰا عِلْمُهٰا عِنْدَ رَبِّي- 7/ 187.

. وَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّٰاعَةِ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- 43/ 85.

3- الحسرة:. السّٰاعَةُ بَغْتَةً قٰالُوا يٰا حَسْرَتَنٰا عَلىٰ مٰا فَرَّطْنٰا- 6/ 31.

4- التفرّق:. وَ يَوْمَ تَقُومُ السّٰاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ- 30/ 14.

5- اليأس:. وَ يَوْمَ تَقُومُ السّٰاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ- 30/ 12.

6- رؤية الجزاء:. إِنَّ السّٰاعَةَ آتِيَةٌ أَكٰادُ أُخْفِيهٰا لِتُجْزىٰ كُلُّ نَفْسٍ- 20/ 15.

7- الخسارة:. وَ يَوْمَ تَقُومُ السّٰاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ- 45/ 27.

8- الخوف منه:. الَّذِينَ يَخْشَوْنَ* .... وَ هُمْ مِنَ السّٰاعَةِ مُشْفِقُونَ- 21/ 49.

9- زلزلتها عظيمة:. إِنَّ زَلْزَلَةَ السّٰاعَةِ شَيْ‌ءٌ عَظِيمٌ- 22/ 1.

10- نزول العذاب:. وَ أَعْتَدْنٰا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّٰاعَةِ سَعِيراً- 25/ 11.

. وَ يَوْمَ تَقُومُ السّٰاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذٰابِ- 40/ 46.

هذه آثار تنطبق جميعها على الموت و تحوّل عالم المادّة، بظهور ما في السرّ و رفع الحجب الدنيويّة و شهود ما كان في الحياة من عمل و فكر و عروض التحسّر الشديد‌

265

و اليأس عن الخير و الفلاح و تحقّق تزلزل و اضطراب عظيم في الظواهر و البواطن و الحالات تفرّق ما كان مجتمعاً.

فهذه آثار و خصوصيّات تظهر بمجرّد الموت، و تشاهد بعد التحوّل من دون تأخير و تمهّل، و الساعة الّتي تقع موردا للخلاف و الإنكار: هي هذه البرهة من زمان بعد الموت و التحوّل، و امّا نفس الموت بمعناه الظاهريّ و من حيث هو: فأمر محسوس مسلّم و مشاهد لكلّ أحد، و لا يقبل الإنكار، و إنّما الخلاف في حالة واقعة بعد الموت-. إِنْ هِيَ إِلّٰا حَيٰاتُنَا الدُّنْيٰا نَمُوتُ وَ نَحْيٰا وَ مٰا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ- 23/ 37.

و يدلّ على المعنى المذكور من الساعة: هذه الآيات الكريمة:

1-. حَتّٰى إِذٰا جٰاءَتْهُمُ السّٰاعَةُ بَغْتَةً قٰالُوا يٰا حَسْرَتَنٰا عَلىٰ مٰا فَرَّطْنٰا- فانّ مجيئها بغتة يصدق على الموت، و كذا تحسّرهم إنّما يتحقّق في أوّل مرتبة بعد التحوّل من الحياة الدنيا.

2-. إِنْ أَتٰاكُمْ عَذٰابُ اللّٰهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّٰاعَةُ- فإتيان الساعة في عرض إتيان العذاب و الابتلاء، و هما يحدثان في زمان حياتهم و في طول كونهم مخاطبين.

3-. وَ مٰا أَمْرُ السّٰاعَةِ إِلّٰا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ- فانّ الإنسان في جميع الآنات مستعدّ للموت، و أمّا القيامة الكبرى فليست كذلك.

4-. الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ هُمْ مِنَ السّٰاعَةِ مُشْفِقُونَ- فانّ الإشفاق و الخوف إنّما هو من جهة آثار اعماله السوء، و هذا إنّما يتحصّل بالموت، و هكذا سائر الآثار المذكورة المتحقّقة بتحوّل الحياة الدنيا الى حياة اخرى.

5-. وَ مٰا أَظُنُّ السّٰاعَةَ قٰائِمَةً وَ لَئِنْ رُجِعْتُ إِلىٰ رَبِّي- يراد أوّل زمان يكون في معرض مشاهدة ما له من الجزاء، و أوّل زمان يرجع الى ربّه، و هذا إنّما يكون بالموت.

هذه الآيات الكريمة و نظائرها تنفي حملها على القيامة الكبرى و البعث و الحشر العامّ، و لتحقيقها و تحقيق المعاد الجسمانيّ: موضع آخر.

فظهر أنّ الساعة معرّفة تنصرف عند الإطلاق الى المعنى المذكور إلّا إذا كانت قرينة مقاليّة أو حاليّة أو خارجيّة تعيّن المراد، من زمان محدود معيّن له خصوصيّة و امتياز خاصّ على سائر الأزمنة، و لا سيّما في الروايات.

266

و أمّا سواع: فهو اسم لصنم كان للعرب في الجاهليّة، و كأنّه مأخوذ من كلمة- شووع [] عبريّة، بمعنى النبيل و الشريف.

سوغ

مقا- سوغ: أصل يدلّ على سهولة الشي‌ء و استمراره في الحلق خاصّة، ثمّ يحمل على ذلك. يقال ساغ الشراب في الحلق سوغا، و أساغه اللّٰه جلّ جلاله. و من المشتقّ منه قولهم: أصاب فلان كذا فسوّغته إيّاه. و أمّا قولهم هذا سوغ هذا: أي مثله، فيجوز أن يكون من هذا، أي انّه يجري مجراه و يستمرّ استمراره، و يجوز أن يكون السين مبدلة من صاد، كأنّه صيغ صياغته.

مصبا- ساغ يسوغ سوغا من باب قال: سهل مدخله في الحلق، و أسغته إساغة: جعلته سائغا، و يتعدّى بنفسه في لغة. و قوله تعالى:. وَ لٰا يَكٰادُ يُسِيغُهُ أي يبتلعه، و من هنا قيل ساغ فعل الشي‌ء بمعنى الإباحة، و يتعدّى بالتضعيف، فيقال سوّغته أي أبحته. و السواغ: ما يساغ به الفضّة. و أسغتها إساغة: ابتلعتها بالسواغ.

لسا- و ساغ الطعام سوغا: نزل في الحلق. و أساغه هو و ساغه يسوغه و يسيغه سوغا و سيغا و أساغه اللّٰه ايّاه. و يقال أساغ فلان الطعام و الشراب يسيغه و سوّغه ما أصاب: هنّأه، و قيل تركه له خالصا. و سغته أسيغه و سغته أسوغه، يتعدّى و لا يتعدّى، و الأجود أسغته إساغة يقال أسغ لي غصّتي أي أمهلني و لا تعجلني.

و السواغ: ما أسغت به غصّتك، يقال سواغ الغصص. و شراب سائغ و أسوغ:

عذب. و طعام أسوغ سيّغ: يسوغ في الحلق. و ساغ له ما فعل أي جاز له ذلك، و أنا سوّغته له أي جوّزته. و سوغ الرجل: الّذي يولد على أثره و ان لم يك أخاه، و سوغه أخوه لأبيه و امّه. و هذا سيغ هذا: إذا كان على قدره.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يجري موافقا للميل و الطبع. فمن‌

267

ذلك الشراب السائغ: إذا كان وفق الذائقة و جهاز الهاضمة، و هكذا الطعام السائغ: إذا كان موافقا و له جريان في جهاز الهاضمة، بأن يكون طعاما رقيقا. و عمل سائغ: إذا كان له جريان موافقا للصلاح و على مقتضى الطبيعة الحقّة.

فالإباحة و التجويز و السهولة و الاستمرار و الامهال و أشباهها: قد تكون من لوازم الأصل و آثاره.

و الفرق بين السوغ و الصوغ: أنّ الصوغ يلاحظ فيه جهة التقدير و الاختلاق. و في السوغ جهة الجريان على وفق الطبع.

. نُسْقِيكُمْ مِمّٰا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خٰالِصاً سٰائِغاً لِلشّٰارِبِينَ- 16/ 66.

خالصا من دم و كثافة و كراهة، و موافقا للطبع و الذائقة، لا يشابه الدم و الفرث في لون و لا في طعم و لا في جنس.

. وَ مٰا يَسْتَوِي الْبَحْرٰانِ هٰذٰا عَذْبٌ فُرٰاتٌ سٰائِغٌ شَرٰابُهُ وَ هٰذٰا مِلْحٌ أُجٰاجٌ- 35/ 12.

العذب يقابل الملح. و الفرات يقابل الأجاج، كالشجاع و لم يذكر ما يقابل السائغ، فانّ الماء إذا كان ملحا و أجاجا مرّا: لم يكن سائغا للشارب و لم يوافق الذائقة بل يستكرهه.

. وَ يُسْقىٰ مِنْ مٰاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَ لٰا يَكٰادُ يُسِيغُهُ وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكٰانٍ وَ مٰا هُوَ بِمَيِّتٍ- 14/ 17.

الصديد القيح الخارج من الجروح و هو الخارج من تجسّم التجبّر و التعنّد [. وَ خٰابَ كُلُّ جَبّٰارٍ عَنِيدٍ مِنْ وَرٰائِهِ جَهَنَّمُ وَ يُسْقىٰ] فيشرب جرعة فجرعة، و لا يتمكّن من جعله سائغا له، و يتهيّأ له الموت و تقبل عليه أسبابه و شدائده، و ما هو بميّت و يبقى حيّا.

هذا بحسب ظاهر الآية الكريمة و من جهة المفاهيم المادّيّة.

و أمّا من جهة عالم فوق المادّة، قلنا إنّ التجبّر و التعنّد يتجسّمان متناسبين لتلك العالم، و يتظاهر منها ما يكون كثيفا صديدا قيحا ظلمانيّا في عالمه.

268

و التغذّي منه و الانس به و التلوّن و التكيّف به و تجرّعه و تحمّله في غاية الشدّة و الكلفة و نهاية الزحمة و هو العذاب الأليم.

و هذه حالة ليس فيها نور و لا حياة و لا سعة و لا روحانيّة و لا رحمة، و هم متوغّلون في آثار عالم المادّة، أحاطت بهم ظلمات الأنانيّة، و انّهم في إدامة هذه الحالة كالأموات-. وَ إِنَّ الدّٰارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوٰانُ.

و هذا معنى قوله تعالى:. وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكٰانٍ وَ مٰا هُوَ بِمَيِّتٍ.

فظهر أنّ السوغ يستعمل في المادّيّات و الروحانيّات، و هو أعمّ منها.

سوف

مقا- سوف: ثلاثة اصول، أحدها- الشمّ، يقال سفت الشي‌ء أسوفه سوفا، و أسفته. و ذهب بعض أهل العلم الى أنّ قولهم- بيننا و بينهم مسافة: من هذا. و الأصل الثاني السواف: ذهاب المال و مرضه، يقال أساف الرجل، إذا وقع في ماله السواف. و أمّا التأخير فالتسويف. يقال سوّفته إذا أخّرته.

مصبا- ساف الرجل الشي‌ء يسوفه سوفا من باب قال: شمّه، و يقال إنّ المسافة من هذا، و ذلك انّ الدليل يسوف تراب الموضع الّذي ضلّ فيه، فان استاف رائحة الأبوال و الأبعار علم أنّه على جادّة الطريق، و إلّا فلا، و أصلها مفعلة، و الجمع مسافات. و سوف كلمة وعد، و منه سوّفت به تسويفا: إذا مطلته بوعد الوفاء، و أصله أن يقول مرّة بعد اخرى سوف أفعل.

مفر- سوف: حرف يخصّص أفعال المضارعة بالاستقبال و يجرّدها عن معنى الحال، نحو سوف أستغفر لكم. و يقتضي معنى المماطلة و التأخير، و اشتقّ منه التسويف اعتبارا بقول الواعد سوف أفعل كذا.

معاني الحروف 109- سوف: من الحروف الهوامل، و هي عدة و تنفيس، و مبنيّة على الفتح، و فتحه كراهية الخروج من الواو الى الكسر، مع كثرة الاستعمال، و لم تعمل و هي مختصّة بالفعل، لأنّها صارت كأحد أجزائه بمنزلة لام المعرفة في الأسماء، و يدلّ على ذلك قوله تعالى:. وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ- و هذه اللّام إنّما تدخل على‌

269

الاسم و الفعل المضارع، فلولا أنّ سوف صارت كأحد حروف الفعل لما جاز أن تدخل عليها اللّام. و قد حكي- سو أقوم، و هو من الشاذّ الّذي لا يؤخذ به.

مغني اللبيب- سوف: مرادفة للسين أو أوسع منها على الخلاف، و كان القائل بذلك نظرا الى أنّ كثرة الحروف تدلّ على كثرة المعنى، و ليس بمطّرد. و يقال فيها سف و سو وسي مبالغة للتخفيف، و تنفرد عن السين بدخول اللّام عليها-. وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ.

صحا- سفت الشي‌ء أسوفه، إذا شممته، و الاستياف: الاشتمام، و المسافة:

البعد، و أصلها من الشمّ، و كان الدليل إذا كان في فلاة أخذ التراب فشمّه ليعلم أهو على قصد أم على جور، ثمّ كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتّى سمّوا البعد مسافة.

و السواف: مرض المال و هلاكه، يقال وقع في المال سواف أي موت. و انّ الأصمعيّ يقول السواف، و يقول الأدواء كلّها تجي‌ء بالضمّ نحو النّحاز و الدكاع و القلاب و الجمال. قال سيبويه: سوف كلمة تنفيس فيما لم يكن بعد، ألا ترى انّك تقول سوّفته إذا قلت له مرّة بعد مرّة سوف أفعل، و لا يفصل بينها و بين يفعل.

قع-، (سوف، ساف)- فني، زال، انتهى، انقرض.

(سوف) نهاية، ختام، آخر، طرف، حدّ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الانتهاء و التأخّر، و بهذه المناسبة تطلق على المرض الشديد، و الموت، و الانتهاء في ذهاب المال، و التأخير، و المماطلة.

و أمّا الشمّ: فكأنّ النظر فيه الى التحقيق و التفتيش عن الانتهاء في أيّ جهة، في سير أو كمال أو بلوغ الى حدّ أو رائحة.

و المسافة: يراد منها محلّ انتهاء الامتداد المنظور.

و أمّا سوف: فمأخوذ من هذه المادّة، و يلاحظ فيه معنى التأخير و الانتهاء بالمعنى الحرفيّ، فيدلّ على تأخير في المضارع، لا مطلقا.

270

و يؤخذ منه كلمات- سو، سي، سف، س- مخفّفة.

و هذا المعنى ليس باشتقاق اصطلاحيّ متداول، بل تجانس و تقارب في الموادّ، يوجب اشتراكا في المفهوم و الأصل.

و لا يخفى أنّ موادّ السود و السور و السوغ و السوف: تدلّ على انتهاء و اعتلاء، كما أنّ السيل و السيع و السيف و السير و السيح و السيب و السوك و السوع تدلّ على جريان و حركة.

. فَسَوْفَ يَأْتِي اللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ...،. سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذٰابٌ* ...،. كَلّٰا سَوْفَ تَعْلَمُونَ* ...،. وَ أَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ.

و هذه الكلمة إنّما استعملت في موارد- موضوع متأخّر، عمل مستقبل، جزاء يجزى بعد، علم يحصل من بعد، و هكذا.

و من الموارد الّتي تستعمل كلمة سوف: فيما لا يمكن تحقّقه و وقوعه و جريانه في الحياة الدنيا و في عالم المادّة المحفوفة بالحدود و الابتلاءات، و المربوطة بالقوى الجسمانيّة و الانفعالات، كالأجر العظيم و تحقّق الرضوان الكامل و اللقاء التامّ لمن يعمل صالحا و يبتغي مرضاة ربّه:

. وَ سَوْفَ يُؤْتِ اللّٰهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً- 4/ 146.

. وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً- 4/ 114.

. وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضىٰ- 93/ 5.

و كالعلم بحقيقة الأحوال و الأعمال، و الاطّلاع على السرائر، و رؤية حقائق الآثار و نتائج الأفعال لمن احتجب في هذه الدار الظلمانيّة و استغرق في بحر التمايلات النفسانيّة و الصفات الحيوانيّة:

. أَلْهٰاكُمُ التَّكٰاثُرُ حَتّٰى زُرْتُمُ الْمَقٰابِرَ كَلّٰا سَوْفَ تَعْلَمُونَ- 102/ 3.

. وَ أَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ- 37/ 179.

. ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ- 15/ 3.

271

سوق

مقا- سوق: أصل واحد، و هو حدو الشي‌ء، يقال ساقه يسوقه سوقا.

و السيّقة: ما استيق من الدّواب. و يقال سقت الى امرأتي صداقها، و أسقته. و السوق:

مشتقّة من هذا، لما يساق اليها من كلّ شي‌ء، و الجمع أسواق. و الساق للإنسان و غيره، و الجمع سوق، إنّما سمّيت بذلك لأنّ الماشي ينساق عليها. و يقال امرأة سوقاء، و رجل أسوق: إذا كان عظيم الساق.

مصبا- سقت الدابّة أسوقها سوقا، و المفعول مسوق، و ساق الصداق الى امرأته: حمله اليها، و أساقه: لغة. و ساق نفسه و هو في السياق أي في النزاع. و الساق من الأعضاء: أنثى و هو ما بين الركبة و القدم، و تصغيرها سويقة. و السوق: يذكّر و يؤنّث، و النسبة اليها سوقيّ على لفظها. و قولهم رجل سوقة: ليس المراد أنّه من أهل الأسواق كما تظنّه العامّة، بل السوقة عند العرب خلاف الملك، و تطلق على الواحد و المثنّى و المجموع، و ربّما جمعت على سوق مثل غرفة و غرف. و السويق ما يعمل من الحنطة و الشعير معروف.

مفر- سوق الإبل: جلبها و طردها. و السيقة: ما يساق من الدّواب. و سقت المهر الى المرأة، و ذلك أنّ مهورهم كانت الإبل.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو حثّ على سير من خلف، في ظاهر أو معنى. و سبق في السحب أن الجلب هو السير به بالقهر- راجعه.

فالسوق في الظاهر، كما في:. فَتُثِيرُ سَحٰاباً فَسُقْنٰاهُ إِلىٰ بَلَدٍ مَيِّتٍ- 35/ 9.

و السوق المعنويّ، كما في:. إِلىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسٰاقُ- 75/ 30.

و السوق في ما وراء المادّة، كما في:. وَ سِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلىٰ جَهَنَّمَ- 39/ 71.

. وَ سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ- 39/ 73.

فكما أنّ السحاب يساق الى بلد ميّت، لحفظ النظم و تتميم اللطف و الفضل:

272

كذلك يساق الكافر الى جهنّم، و يساق المؤمن الى الجنّة، حفظا للنظم و إجراء للعدل و إعطاء لما تقتضيه الطبائع و تطلبه النفوس من لوازم الضلال و الهداية-. أَ يَحْسَبُ الْإِنْسٰانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ...،. فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ.

. وَ جٰاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهٰا سٰائِقٌ وَ شَهِيدٌ- 50/ 21.

. يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سٰاقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلٰا يَسْتَطِيعُونَ- 68/ 42.

و هذان الأمران لإتمام الحجّة عليهم، فانّ كلّ سائق معه شاهد يشهد بالعلم الشهوديّ الحضوريّ على ما في ظاهره و باطنه، و يرى ما في حاله و مضيّه.

مضافا الى هذا الشاهد: فيدعى الى السجود للّٰه تعالى، و لا تستطيع نفسه و لا تتمكّن في العمل بهذا الأمر، فانّه من المستكبرين الغافلين.

فتتّم الحجّة بذلك من نفسه عليه.

و أمّا كشف الساق: فيراد كشف الحجب و الأستار عن حقيقة الساق.

و أمّا الساق: فهو ما به الانسياق و السير من عضو القدم، ظاهريّا أو معنويّا و هو ما به يتحقّق السير الى هداية أو ضلالة. و هذا المفهوم يدلّ عليه حرف الألف المبدل من الواو للتخفيف، فيدلّ الساق على ظهور السوق و ما به يتحقّق.

فيشاهد باطن انسياقه و حقيقة ساقه الذي كان مظهر الانسياق و السير، و يعرف مسيره و يتعيّن مسلكه المخالف للسجود و العبوديّة.

. وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِرٰاقُ وَ الْتَفَّتِ السّٰاقُ بِالسّٰاقِ إِلىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسٰاقُ- 75/ 30.

قلنا أنّ الساق ما به يساق، و ينساق السائر، و هو في السلوك الى الدنيا من جهة المعنى هو الحبّ للدنيا و العلاقة لحياتها، و الى الآخرة هو الشوق و الحبّ للحياة الآخرة، و هذان الشوقان هما قدما السلوك و وسيلتا السعادة و الشقاوة- حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة.

فالمحتضر لمّا يظنّ و يدرك آثار الفراق من الحياة الدنيا، و يدرك أيضا آثارا من عالم الآخرة و بعد الموت: فتلتفّ حينئذ الساقان و يتنازع الشوقان و تتداخل العلاقتان، و لكنّ المساق الى اللّٰه و الى جانبه قهرا.

273

فظهر أنّ السوق باقتضاء الساق و على وفق مسيره و جريانه الباطنيّ الواقعيّ-. يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سٰاقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلٰا يَسْتَطِيعُونَ.

و أمّا السوق: فالظاهر أنّه في الأصل اسم مصدر من السوق كالغسل من الغسل، ثمّ يطلق على كلّ محلّ معدّ لأن يساق اليه ما يحتاج اليه الناس من أيّ جنس و ينساق اليه الناس لبيع أو شراء.

. وَ قٰالُوا مٰا لِهٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعٰامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْوٰاقِ- 25/ 7.

يريدون أنّ الرسول كأحد منّا، و لا فرق بينه و بيننا، و هو يتغذّى كما نتغذّى، و يمشي الى الأسواق لأخذ ما يحتاج اليه كسائر الناس.

. كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوىٰ عَلىٰ سُوقِهِ- 48/ 29.

السوق جمع ساق. و الشّطء: ما يتفرّع و يثبت من الزرع. و الزرع: جريان طرح البذر في الأرض. و الاستواء: يراد استقامته على أصله.

و التعبير بالسوق: فانّ المحصولات للزرع كالسنابل و غيرها، تساق في غالب الأوقات بسوقها.

. رُدُّوهٰا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْنٰاقِ- 38/ 33.

قال سليمان (ع) ردّوا الصافنات الجياد عليّ، فأخذ أن يمسح بسوقها و أعناقها حبّا لها و تعلّقا بها، و كان حبّها حبّ خير لا للدّنيا.

سول

مصبا- سوّلت له الشي‌ء: زيّنته.

مقا- سول: أصل يدلّ على استرخاء في شي‌ء، يقال سول (سول سولا. فأمّا قولهم- سوّلت له الشي‌ء إذا زيّنته له: فممكن أن تكون أعطيته سؤله، على أن تكون الهمزة مليّنة، من السؤل.

التهذيب 13/ 66- رجل أسول، و امرأة سولاء: إذا كان فيهما استرخاء، و الأسول من السحاب: الّذي في أسفله استرخاء و لهدبه إسبال، و قد سول يسول سولا. و التسويل تفعيل، و كأنّه من سول الإنسان و هو امنيّته الّتي يتمنّاها فتزيّن‌

274

لطالبها الباطل و الغرور. و أصل السؤال مهموز غير أنّ العرب استثقلوا ضغطة الهمزة فيه فخفّفوا الهمزة، و الدليل على أنّ الأصل فيه الهمز قراءة-. قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰا مُوسىٰ- أي امنيّتك الّتي سألتها.

صحا- سوّلت له نفسه أمرا أي زيّنته. و السول: استرخاء ما تحت السرّة من البطن. و سحاب أسول: بيّن السول مسترخ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو استرخاء مع غرور. فيقال رجل أسول إذا كان مسترخيا مع غرور فيه، بأن يتزيّن في نفسه. و سحاب أسول إذا كان فيه استرخاء و فيه إسبال و تظاهر بالإمطار.

و التسويل: جعل شي‌ء سولا، أي خارجا عن حقّه و استحكامه، و جعله رخوا مع التزيّن و التظاهر و الحسن.

و يدلّ على هذا المعنى: ما في اللّسان من قوله- التسويل: تحسين الشي‌ء و تزيينه و تحبيبه الى الإنسان ليفعله أو يقوله. و كأنّ التسويل من سول الإنسان و هو امنيّته أن يتمنّاها فتزيّن لطالبها الباطل و غيره من غرور الدنيا. فصرّح بأنّه تحسين و تزيين و تحبيب من غرور.

. فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهٰا وَ كَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي- 20/ 96.

. قٰالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ*- 12/ 83.

. إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ .... الشَّيْطٰانُ سَوَّلَ لَهُمْ- 47/ 25.

فيلاحظ في كلمة التسويل تحويل أمر على خلاف ما هو عليه، و تحسينه و تحبيبه، و كونه عن غرور و غفلة عن الحقّ، متعلّقا بخلافه.

ثمّ إنّ المسوّل إمّا الشيطان أو جنوده من نفس خدّاعة مكّارة أمّارة بالسوء و هو يحسّنه و يحبّبه، فيكون المسوّل له منحرفا عن الحقّ.

فظهر من الآيات الكريمة: أنّ كثيرا من الجنايات و الانحرافات الشديدة إنّما‌

275

يتحقّق في الخارج بالتسويل من شيطان أو نفس، و قلنا إنّ مبدأ التسويل و حقيقته إنّما هو استرخاء الأمر و استصغاره مع وجود غرور.

سوم

مصبا- سامت الماشية سوما من باب قال: رعت بنفسها، فيتعدّى بالهمزة فيقال أسامها راعيها. قال ابن خالويه و لم يستعمل اسم مفعول من الرّباعيّ بل جعل نسيا منسيّا، و يقال أسامها فهي سائمة و الجمع سوائم. و سام البائع السلعة سوما من باب قال أيضا: عرضها للبيع، و سامها المشتري و استامها: طلب بيعها، و منه لا يسوم أحدكم على سوم أخيه أي لا يشتر، و يجوز حمله على البائع أيضا، و قد تزاد الباء في المفعول فيقال سمت به. و التساوم بين اثنين أن يعرض البائع السلعة بثمن و يطلبها صاحبها بثمن دون الأوّل. و ساومته سواما، و تساومنا و استام على السلعة اي استام على سومي. و الخيل المسوّمة: المرسلة و عليها ركبانها. و المرعيّة، و المعلّمة.

مقا- سوم: أصل يدلّ على طلب الشي‌ء. يقال سمت الشي‌ء أسومه سوما، و منه السوم في الشراء و البيع، و من الباب سامت الراعية تسوم، و أسمتها أنا- فيه تسيمون- أي ترعون. و يقال سوّمت فلانا في مالي تسويما، إذا حكّمته في مالك.

و سوّمت غلامي: خلّيته و ما يريد. و الخيل المسوّمة: المرسلة و عليها ركبانها. و أصل ذلك كلّه واحد. و ممّا شذّ عن الباب السومة و هي العلامة تجعل في الشي‌ء، و السيما مقصور من ذلك، فإذا مدّوه قالوا السيماء.

مفر- السوم: أصله الذهاب في ابتغاء الشي‌ء، فهو لفظ لمعنى مركّب من الذهاب و الابتغاء، و أجري مجرى الذهاب في قولهم سامت الإبل فهي سائمة، و مجرى الابتغاء في قولهم سمت كذا-. يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذٰابِ*، و منه السوم في البيع، فقيل صاحب السلعة أحقّ بالسوم.

التهذيب 13/ 110- السوم: عرض السلعة على البيع. و فلان غالي السيمة: إذا كان (يغلي السوم. و السوم في-. يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذٰابِ*- يولونكم سوء العذاب، و قال شمر: أرادوهم به، و قيل عرضوا عليهم. و قال الأصمعيّ: السوم:

276

سرعة المرّ، يقال سامت الناقة. و يقال سامت الراعية تسوم إذا رعت. و السوام: كلّ ما رعى من المال في الفلوات إذا خلّي و سومه يرعى حيث شاء، و السائم: الذاهب على وجهه حيث شاء. و قال الليث: سوّم فلان فرسه: إذا أعلم عليه بحريرة أو بشي‌ء يعرف به. و السيما: ياؤها في الأصل واو، و هي العلامة الّتي يعرف بها الخير و الشرّ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو عرض شي‌ء و جعل شي‌ء في معرض لشي‌ء آخر. و من مصاديقه: العرض للمبيع على المعاملة. و العرض للثمن عليها من جانب المشتري. و عرض الدابّة نفسها على المرعى في مقابل المعلوفة و هي الّتي لا تخرج الى المرعى و تعلف. و عرض المارّ نفسه في سرعة مروره إذا لم يتوقّف. و عرض شخص على بلاء و عذاب.

. وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذٰابِ- 7/ 167.

. وَ إِذْ نَجَّيْنٰاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذٰابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنٰاءَكُمْ- 2/ 49.

أي يجعلون بني إسرائيل في معرض سوء العذاب، و ليبعث من يجعلهم في معرض العذاب، يقال سمت فلانا سلعتي سوما: إذا قلت: أ تأخذها بكذا من الثمن- كما في التهذيب.

فالمناسب أن يكون الضمير مفعولا ثانيا، و السوء مفعولا أوّلا، كما في المثال المذكور، فيكون السوء معرضا كالسلعة.

و المعنى كون العذاب في مرأى و منظر منهم دائما، لا يأمنون من نزوله عليهم، و هم مضطربون متوحّشون في جمع أيّامهم.

. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرٰابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ- 16/ 10.

الإسامة جعل شي‌ء سائما، كجعل الماشية سائمة في الشجر، أي راعية في‌

277

المرعى و المعلف، و بهذا يتحقّق تأمين حياة الحيوان.

. يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلٰافٍ مِنَ الْمَلٰائِكَةِ مُسَوِّمِينَ- 3/ 125.

التسويم جعل شي‌ء سائما و في معرض شي‌ء آخر، و النظر في التفعيل الى جهة الوقوع، و المعنى تجعل الملائكة جنود المسلمين يسومون الكفّار بإلقاء الرعب في قلوبهم من المسلمين، أو كون التفعيل للمبالغة و بمعنى السوم، أي يسومون الكفّار في وحشة و اضطراب بإلقاء الرعب في قلوبهم و عرض العظمة و القدرة و السطوة و القوّة عليهم.

و هذا المعنى يناسب ما في شأن الملائكة من الإلقاء و النفوذ و التصرّف المعنويّ في القلوب، و هذا يوافق العرض منهم.

. زُيِّنَ لِلنّٰاسِ حُبُّ الشَّهَوٰاتِ .... مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ- 3/ 14.

أي ما كان من الأنعام متشخّصا متكبّرا و في معرض الأنظار، يباهى بها و يفتخر بعرضها و تجعل في معرض.

. وَ أَمْطَرْنٰا عَلَيْهٰا حِجٰارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ- 11/ 83.

أي حجارة واقعة في مقام العرض، و هي إبراز عذاب و إظهار أخذ من عزيز مقتدر، فهذه الحجارة النازلة بها يتحقّق عرض القهر و العذاب عند اللّٰه تعالى، فهذا العرض إنّما هو ظاهر في مقام الحقّ و من الحقّ و بالحقّ.

. يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمٰاهُمْ- 55/ 41.

. سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ- 48/ 29.

. وَ عَلَى الْأَعْرٰافِ رِجٰالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمٰاهُمْ- 7/ 46 السيما: لغة في سومة على فعلة للنوع، بمعنى نوع من العرض المطلق طبيعيّا أو إراديّا، و المراد هنا ظهور صفات الباطن و تجلّي مراتب القلب من النور و الظلمة في الوجوه طبيعيّا.

و هذه المعرفة بالسيما: تختلف كيفا باختلاف القوّة و الحدّة و النفوذ في البصيرة‌

278

و النورانيّة، الى أن يصل الى مقام رجال يعرفون كلّا بسيماهم.

فالسيما هو عَرْض طبيعيّ من جانب الباطن في الظاهر.

فظهر أنّ الأصل في جميع موارد استعمال المادّة: هو العرض و إبراز ما في القلب أو الباطن طبيعيّا أو إراديّا في أمر مادّيّ أو معنويّ.

سوى

مقا- سوى: أصل يدلّ على استقامة و اعتدال بين شيئين. قال هذا لا يساوي كذا، أي لا يعادله. و فلان و فلان على سويّة من هذا الأمر، أي سواء.

و مكان سوى، أي معلم قد علم القوم الدخول فيه و الخروج منه. و يقال أسوى الرجل، إذا كان خلفه و ولده سويّا. و عن الكسائيّ: يقال كيف أمسيتم؟ فيقال:

مستوون صالحون. يريدون- أولادنا و ماشيتنا سويّة صالحة. و من الباب: السيّ:

الفضاء من الأرض. و السيّ: المثل، و قولهم سيّان أي مثلان، و من ذلك قولهم- لا سيّما، أي لا مثل ما. كما يقال و لا سواء. و من الباب السواء: وسط الدار و غيرها، و سمّي بذلك لاستوائه. و أمّا قولهم: هذا سوى ذلك، أي غيره: فهو من الباب، لأنّه إذا كان سواه فهما كلّ واحد منهما في حيّزه على سواء، و الدليل على ذلك مدّهم السواء بمعنى سوى. و يقال قصدت سوى فلان: كما يقال قصدت قصده.

مصبا- ساواه مساواة: ماثله و عادله قدرا أو قيمة. و منه قولهم هذا يساوي درهما، أي تعادل قيمته درهما، و في لغة قليلة: سوي درهما يسواه من باب تعب، و منعها أبو زيد فقال: يقال يساويه و لا يقال يسواه. و استوى الطعام أي نضج، و استوى القوم في المال: إذا لم يفضل منهم أحد على غيره. و تساووا فيه و هم فيه سواء.

و استوى جالسا و استوى على الفرس: استقرّ، و استوى المكان اعتدل.

صحا- السواء: العدل. و سواء الشي‌ء: وسطه. و سواء الشي‌ء: غيره. قال الأخفش: سوى إذا كان بمعنى غير أو بمعنى العدل تكون فيه ثلاث لغات: ان ضممت السين أو كسرت قصرت فيهما جميعا، و إن فتحت مددت، تقول مكان سوى و سوى و سواء أي عدل و وسط، و مررت برجل سواك و سوك و سواءك أي غيرك.

279

مفر- المساواة: المعادلة المعتبرة بالذرع و الوزن و الكيل، و قد يعتبر بالكيفيّة.

و استوى: يقال على وجهين: أحدهما- يسند اليه فاعلان فصاعدا نحو استوى زيد و عمرو. و الثاني- لإعتدال الشي‌ء في ذاته نحو فإذا استويت أنت. و متى عدّى بعلى:

اقتضى معنى الاستيلاء- على العرش استوى. و إذا عدّي بإلى: اقتضى معنى الانتهاء اليه إمّا بالذات أو بالتدبير. و تسوية الشي‌ء: إمّا في الرفعة أو في الضعة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التوسّط مع الاعتدال، فكلا المفهومان مأخوذان في الأصل معا، و هذا ينطبق على جميع موارد استعمالها مجرّدا و مزيدا، مضافا اليه خصوصيّة الصيغة.

فالسواء اسم مصدر يلاحظ فيه التوسّط مع الاعتدال من حيث هو و من دون نظر الى نسبة الحدث، و هو المتحصّل من المصدر.

. سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ*- 36/ 10.

. سَوٰاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ- 13/ 10.

. تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ- 3/ 64.

يراد المرتبة المتوسّطة و الحدّ الوسط من الكفر الّذي كانوا عليه، من دون حصول تفاوت في طريقتهم، و من دون تمايل الى اليمين و الشمال بإنذار أو تركه، فهم ثابتون في كفرهم.

و أنّ اللّٰه تعالى محيط و عالم بما في سرّكم و جهركم و يشهد ما في قلوبكم، و الجهر في القول أو الإخفات فيه لا يخرجه عن حدّ التوسّط و الاعتدال في علمه.

و يا أهل الكتاب تعالوا نتوافق في مرتبة متوسّطة معتدلة-. أَلّٰا نَعْبُدَ إِلَّا اللّٰهَ وَ لٰا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لٰا يَتَّخِذَ بَعْضُنٰا بَعْضاً أَرْبٰاباً.

هذه الآيات الكريمة في المعنويّات.

و أمّا التوسّط في المادّيّات المحسوسة: فكما في-. وَ إِمّٰا تَخٰافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيٰانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلىٰ سَوٰاءٍ- 8/ 58.

280

. وَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ الَّذِي جَعَلْنٰاهُ لِلنّٰاسِ سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ- 22/ 25.

أي فاطرح اليهم معونتهم و نصرتهم و تعهّدهم و توافقهم، و كن على سواء في وفاقهم و خلافهم، و جهادهم و قعودهم، و أنّ العاكف و الباد يستويان فيه.

. فَقَدْ ضَلَّ سَوٰاءَ السَّبِيلِ* ...،. وَ أَضَلُّ عَنْ سَوٰاءِ السَّبِيلِ ...،. وَ اهْدِنٰا إِلىٰ سَوٰاءِ الصِّرٰاطِ ...،. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلىٰ سَوٰاءِ الْجَحِيمِ.

فالوسط المعتدل من الطريق و الصراط و السبيل: هو الجهة الّتي تكون مصونة عن الانحراف الى اليمين و الشمال و عن الضلال و التعدّي، و هو أشدّ اعتدالا و استقامة من جهة العلو و السفل في سطح الطريق.

ثمّ الإستواء يختلف باختلاف الموارد: ففي كلّ مورد بحسبه و على ما يقتضيه، فالتوسّط في الاعتدال في الخلق من جهة النظم و الكمال في خلقه و تدبيره-. فَخَلَقَ فَسَوّٰى ...،. ثُمَّ سَوّٰاكَ رَجُلًا ...،. وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا ...،. عَلىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنٰانَهُ.

و الاستواء في التمكّن في محلّ: عبارة عن الاستقرار التامّ و التمكّن الكامل من دون انكسار و ضعف و تزلزل و اضطراب-. وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ...،. فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ ...،. لِتَسْتَوُوا عَلىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ- 43/ 13.

فالافتعال للمطاوعة، فيدلّ على اختيار الاعتدال و التوسّط في مورد التمكّن، و هو الاستقرار التامّ المطمئنّ.

و من هذا الباب:. ثُمَّ اسْتَوىٰ إِلَى السَّمٰاءِ* ...،. ثُمَّ اسْتَوىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ- 10/ 3.

. الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ- 20/ 5.

يراد الاستقرار التامّ المطمئنّ و التمكّن بالاعتدال بإتمام الخلق و إكمال التدبير فيه.

و التعبير في السماء بحرف- على: فانّ السماء جهة علوّ، و ليست بموضع للتمكّن و الاستقرار- راجع العرش.

و التسوية: جعل شي‌ء معتدلا في توسّطه، و متوسّطا معتدلا بالعمل و النظم‌

281

و التدبير و التكميل.

. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّٰاكَ فَعَدَلَكَ- 82/ 7.

. ثُمَّ سَوّٰاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ- 32/ 9.

. رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا- 79/ 28.

. وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا- 91/ 7.

أي جعلها في توسّط مع اعتدال.

. حَتّٰى إِذٰا سٰاوىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ- 18/ 96.

صيغة المفاعلة تدلّ على التكرر و الاستمرار، أي جعل بينهما في توسّط و اعتدال حتّى عادلهما.

و إذا أريد من التوسّط معناه في نفسه: فيكون المراد جعل بين الصدفين سدّا في حدّ الاعتدال و التوسّط خارجا عن الافراط و التفريط كما و كيفا.

. الصِّرٰاطِ السَّوِيِّ ...،. بَشَراً سَوِيًّا ...،. يَمْشِي سَوِيًّا ...،. أَلّٰا تُكَلِّمَ النّٰاسَ ثَلٰاثَ لَيٰالٍ سَوِيًّا- 19/ 10.

أي الصراط الّذي يكون في توسّط مع اعتدال غير منحرف عن الاستقامة.

و البشر السويّ في الخلقة و الطبيعة. و يمشي حال كونه سويّا غير مكبّ على وجهه.

و ألّا تكلّم مع أنّك في حالة توسّط مع اعتدال.

. مَوْعِداً لٰا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَ لٰا أَنْتَ مَكٰاناً سُوىً- 20/ 58.

أي متوسّطا باعتدال من جهة كيفيّة أو كميّة أو نسبة و بعد بيننا و بينكم أو غيرها.

و أمّا مفهوم الغير- هذا الرجل سوى زيد: فهو في الأصل هذا في مكان أو مرتبة يعادل زيدا و يقابله، و هذا المعنى يلازم التغاير.

سيب

مصبا- ساب الفرس و نحوه يسيب سيبانا: ذهب على وجهه، و ساب الماء:

جرى، فهو سائب. و السائبة امّ البحيرة، و قيل السائبة كلّ ناقة تسيّب لنذر فترعى‌

282

حيث شاءت. و السائبة العبد يعتق و لا يكون لمعتقه عليه ولاء فيضع ماله حيث شاء، و سيّبته فهو مسيّب. و انسابت الحيّة انسيابا. و السيب: العطاء.

مقا- سيب: أصل يدلّ على استمرار شي‌ء و ذهابه، من ذلك سيب الماء مجراه. و يقال سيّبت الدابّة: تركتها تسيب حيث تشاء. و السائبة العبد يسيّب من غير ولاء، يضع ماله حيث يشاء.

صحا- السيب: العطاء. و السيوب: الركاز. و السيب: مصدر. ساب الماء: جرى. و السيب بالكسر: مجرى الماء. و انساب فلان نحوكم أي رجع.

و السائبة: الناقة الّتي كانت تسيّب في الجاهليّة لنذر و نحوه، و قد قيل هي أمّ البحيرة:

كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلّهن إناث، سيّبت و لم تركب و لم يشرب لبنها إلّا ولدها أو الضيف حتّى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال و النساء جميعا، و بحرت إذن بنتها الأخيرة فتسمّى البحيرة، و هي بمنزلة امّها في أنّها سائبة، و الجمع سيّب.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو جريان طبيعيّ و حركة منطلقة، و يلاحظ فيها قيد الانطلاق. و هذا القيد في كلّ مورد بحسبه، ففي كلّ من جريان الماء أو الفرس أو الحيّة أو الدابّة أو العبد: يلاحظ فيه قيد الانطلاق و كون الحركة في هذه الجهة.

و أمّا الركاز و العطيّة و الحرّيّة في المنطق: فيلاحظ فيها جهة انطلاق في جريانها، فكأنها جارية كالجريان الخارجيّ، و إن شئت فقل إنّ الجريان أعمّ من أن يكون مادّيّا أو معنويّا.

. مٰا جَعَلَ اللّٰهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لٰا سٰائِبَةٍ وَ لٰا وَصِيلَةٍ وَ لٰا حٰامٍ، وَ لٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ- 5/ 106.

يراد إنّ هذه الموضوعات حدودها و أحكامها قد جعلت من عند أنفسهم افتراء، و لا إلزام فيها لأحد، بل إنّ الالتزام بها اتّباعا عن جعلهم: بدعة محرّمة.

و النظر في الدابّة السائبة: الى جهة كونها منطلقة عن القيود و الحدود الّتي كانت‌

283

في مملوكيّتها من قبل.

و أمّا البحث عن خصوصيّات السائبة الّتي كانت متداولة في الجاهليّة: فخارج عن موضوع الكتاب، و لا يثمر ثمرة.

و قد سبق البحث عن البحيرة و الحام في مادّتيهما- فراجع.

سيح

مقا- سيح: أصل صحيح و قياسه قياس ما قبله، يقال ساح في الأرض- فسيحوا في الأرض أربعة أشهر. و السيح: الماء الجاري، و المساييح: هم الّذين يسيحون في الأرض بالنميمة و الشرّ و الإفساد بين الناس، و ممّا يدلّ على صحّة هذا القياس قولهم ساح الظلّ إذا فاء. و السيح: العباءة المخطّطة، و سمّي بذلك تشبيها لخطوطها بالشي‌ء الجاري.

مصبا- ساح في الأرض يسيح سيحا، و يقال للماء الجاري سيح، تسمية بالمصدر، و سيحون: نهر عظيم دون جيحون.

التهذيب 5/ 173- قال الليث: السيح- الماء الظاهر على وجه الأرض يسيح سيحا. الأصمعيّ: ساح الماء يسيح سيحا: إذا جرى على وجه الأرض، و جمعه سيوح و أسياح. و قال الليث: السياحة ذهاب الرجل في الأرض للعبادة و الترهّب، و سياحة هذه الامّة الصيام و لزوم المساجد. و جاء في التفسير: إنّ السائحين و السائحات: الصائمون. و قيل للصائم سائح: لأنّ الّذي يسيح متعبّدا يذهب في الأرض لا زاد معه، فحين يجد الزاد يطعم، و الصائم لا يطعم أيضا. و اساح فلان نهرا: إذا أجراه.

قع- (شيح) محادثة، تأمّل، تفكير، اهتمام، حرص.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو جريان مع تروّي و نظر. و بهذا يظهر الفرق بينها و بين موادّ السيب و الجريان و غيرها.

284

فإطلاق المادّة في مورد ظهور الماء و جريانه على وجه الأرض: إذا كان الجريان بالدقّة، فكأنّه يتروّى و يتأمّل في حركته. و هكذا في ذهاب الرجل مع توجّه و تفكّر في قبال وظائفه بينه و بين اللّٰه تعالى و بنيّة الطاعة و العبادة. و هكذا ذهابه بنيّة نميمة و إفساد و إيجاد شرّ. و كذلك في جريان الظلّ إذا فاء، فانّه بالدقّة و التدريج و المحاسبة.

و أمّا العباءة المخطّطة و نحوها: فباعتبار التدبير و إعمال التفكّر في خطوطها حين النسج، فيكون إجراء رسم الخطوط بالدقّة و النظر.

. بَرٰاءَةٌ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عٰاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ- 9/ 2.

الخطاب للمشركين الناكثين عهودهم، و قد أمهل اللّٰه لهم أربعة أشهر حرم من شوّال، لكي يسيروا في الأرض منطلقين مع تفكّر و تروّي و نظر في جريان أمورهم و أعمالهم و برنامج حياتهم و خصوصيّات أفكارهم و اعتقاداتهم، ثمّ إذا انقضت تلك المدّة و لم يتنبّهوا و لم يهتدوا الى الصلاح و الرشد: فاقتلوهم.

فظهر لطف التعبير بالمادّة في المورد، دون ما يرادفها.

. التّٰائِبُونَ الْعٰابِدُونَ الْحٰامِدُونَ السّٰائِحُونَ الرّٰاكِعُونَ السّٰاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النّٰاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ الْحٰافِظُونَ لِحُدُودِ اللّٰهِ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ- 9/ 112.

و قد رتّب اللّه عزّ و جلّ مراحل السالكين الى اللّه تعالى في سبعة منازل:

1- منزل التوبة: و هو الرجوع الى اللّٰه تعالى من العصيان و الخلاف، و من التعلّق بالحياة الدنيا، و من الغفلة و الضلال. و هذا أوّل منزل للسالك الى اللّٰه تعالى، و لا بدّ له من العزم و التصميم و النيّة الخالصة القاطعة، حتّى يخرج عن الخلاف و الضلال بالكلّيّة، و يتحقّق له التوبة القاطعة من دون ترديد و تزلزل و ريب.

2- منزل العبوديّة المطلقة: و هو التذلّل و التعبّد و الاطاعة و الاتّباع في جميع ما يريد اللّٰه و يأمر و ينهى، حتّى يكون جميع أعماله و أقواله و أحواله و برنامج أموره و ظاهره و سرّه على طبق حكم اللّٰه تعالى و على ما تقتضي وظائف العبوديّة، بحيث لا يرى منه غير الطاعة، و لا يشاهد منه غير الخضوع و التذلّل.

285

و يلزم للسالك أن يجاهد في تثبيت آثار و هو المنزل و التثبّت فيه حتّى لا يبقى له أدنى خلاف في سرّه و علنه، و يكون جميع جوارحه و أعضاء بدنه و قلبه في طاعة اللّٰه تعالى و اتّباعه، قال عزّ و جلّ-. وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ- فانّ عبادة اللّٰه تعالى و السير في طاعته و اتّباعه هو سعادة العبد، و فيه صلاحه و كماله، و يقابله الضلال و الانحراف عن الحقّ، و اتّباع خطوات الشيطان.

3- منزل الحمد: و مرجعه الى رضى العبد و طمأنينة نفسه في قبال قضائه و حكمة تكوينيّا و تشريعيّا، و كون الربّ تعالى ممدوحا عنده من أيّ جهة و صفة، من جهة صفاته الذاتيّة و صفاته الفعليّة، و من جهة أوامره و نواهيه و تكاليفه المتوجّهة الى العبيد عامّة أو خاصّة.

فانّ العبد إذا توجّه الى أنّ صلاحه و سعادته و خيره في اتّباع الأحكام الإلهيّة و في عبوديّة الربّ و إطاعته و سلوك مرضاته: يعرف أنّ ما يريد و يقضي و يحكم و يقدّر إنّما هو خير و صلاح للعبد، و ما يريد إلّا إصلاح حاله و تكميل نفسه و إيصال الخير و الرحمة اليه.

فهو محمود في جميع فعاله و شئونه، ليس في حكمه وهن، و لا في عمله ضعف و لا في قوله خلاف، و لا في تدبيره اختلال، و لا يتصوّر له نقص و لا حاجة، و هو غنيّ في ذاته و في صفاته و في أفعاله.

فلا بدّ للعبد من تحقيق هذه الصفات الإلهيّة و معرفتها و اليقين بها، حتّى يكون مطمئنّا عليها، و حامدا له على كلّ حال، لا يبقى في نفسه أدنى درجة من اضطراب و اعتراض و ترديد.

فتحقّق هذه الصفة و تثبّتها في سرّ السالك إنّما يكون بعد تثبّت العبوديّة، و ما لم يتثبت في هذا المنزل: لا يتوقّع له الارتقاء الى منزل أعلى.

4- منزل السياحة: و هو سير معنويّ و حركة روحيّة في الأسماء و الصفات و التجلّيات الإلهيّة، و تحصيل المعرفة بالحقائق و المعارف اللاهوتية بتهذيب النفس و تزكيتها و تسليمها و رفع الحجب بتأييد اللّٰه المتعال و حوله و قوته و لطفه و عنايته و توفيقه.

و هذا المعنى إنّما يتحقّق بالاتّصاف بالصفات العليا الإلهيّة، و التمكّن في‌

286

حضرتها، و التثبّت في ساحتها، و التخلّق بحقائقها.

و حينئذ تتجلّى له حقائق الأسماء و الصفات، و يستعدّ لإدراكها. و هذا المنزل يعبّر عنه- بالسفر في الحقّ بالحقّ.

5- منزل الركوع: و فيه يتحقّق الخضوع و الخشوع التامّ للسالك في قبال عظمة اللاهوت و جلال اللّٰه و جماله الأبهى، و ترتفع الأنانيّة، و يركع للّٰه بظاهره و باطنه و في جميع أعماله و أحواله.

6- منزل السجود: و فيه يتحقّق مقام المحو و الفناء الصرف، و لا يبقى من وجوده أثر، و لا يرى إلّا اللّٰه، و فيه تتجلّى حقيقة الإخلاص.

7- منزل السفر الى الخلق: و هو المعبّر عنه بقوله تعالى:. الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النّٰاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ الْحٰافِظُونَ لِحُدُودِ اللّٰهِ، و هذه الجملات بمنزلة جملة واحدة، و إشارة الى منزل واحد، بقرينة العطف بالواو.

و في هذا المنزل بعد الفناء الصرف و تجلّي الإخلاص: يستعدّ السالك لأن يكون واسطة بين الخلق و الخالق بولاية عامّة أو خاصّة.

فهذه سبعة منازل للسالك الى اللّٰه العزيز: منزلان منها في عالم الملك و يتعلّقان بالبدن، و هما التوبة و العبادة. و ثلاثة منازل منها تتعلّق بالقلب و عالم الملكوت، و هي الحمد و السياحة و الركوع. و واحد منها يتعلّق بعالم الجبروت و العقل و حكومة اللاهوت و هو السجود. و المنزل الأخير مقام جامع، و فيه يتجلّى حقيقة الإنسان و كماله.

و هذا هو المراد من الإنسان الكامل، كما أنّ المنزل السادس يعبّر عنه بمقام الوصول و اللقاء و رفع الحجب. و قد أشير الى هذه المنازل الستّة بقوله تعالى:. فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً- 18/ 111.

. أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوٰاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمٰاتٍ مُؤْمِنٰاتٍ قٰانِتٰاتٍ تٰائِبٰاتٍ عٰابِدٰاتٍ سٰائِحٰاتٍ ثَيِّبٰاتٍ وَ أَبْكٰاراً- 66/ 5.

الآية الكريمة في توصيف الأزواج من حيث كونهنّ أزواجا، و هذه الأوصاف بالترتيب المذكور صفات كماليّة محسّنة لهنّ، و آخرها السياحة بعد كونهنّ عابدات،

287

و المراد كونهنّ في صدد النظر و التفكّر و التحقيق في المعارف الإلهيّة و العقائد الدينيّة و كيفيّة تهذيب النفس.

فالسياحة في مقام الزواج آخر منزل يفيد و يؤثّر في كماله و تمامه. و أمّا الركوع و السجود و الأمر بالمعروف: فغير مفيدة في مقام الزواج من حيث الزوجيّة، بل قد تنافي حقوق الزوجيّة، و على هذا لم تذكر في المورد.

و أمّا عدم ذكر صفات- الإسلام و الايمان و القنوت في عداد منازل السالكين في الآية السابقة: فانّ السلوك إنّما يبتدأ به من منزل التوبة، و أمّا مراحل الإسلام و الايمان و القنوت الظاهريّة الأوّليّة: فهي مقدّمة للسلوك الى اللّٰه تعالى، و السير إنّما يبتدأ به من التوبة. فانّ السير إنّما يتحقّق بعد التثبّت و التهيّؤ، و هذه الصفات للتهيّؤ.

سير

مقا- سير: أصل يدلّ على مضيّ و جريان، يقال سار يسير سيرا، و ذلك يكون ليلا و نهارا. و السيرة: الطريقة في الشي‌ء و السنّة، لأنّها تسير و تجري، يقال سارت، و سرتها أنا. و السير: الجلد، معروف، و هو من هذا، سمّي بذلك لامتداده كأنّه يجري. و سيّرت الجلّ عن الدابّة: إذا ألقيته عنه. و المسيّر من الثياب: الّذي فيه خطوط كأنّه سيور.

مصبا- سار يسير سيرا و مسيرا يكون بالليل و النهار و يستعمل لازما و متعدّيا، فيقال سار البعير و سرته فهو مسير و سيّرت الرجل فسار، و سيّرت الدابّة، فإذا ركبها صاحبها و أراد بها المرعى: قيل أسارها، و سار في الناس سيرة حسنة أو قبيحة، و الجمع سير، و غلب اسم السير في ألسنة الفقهاء على المغازي، و السيرة أيضا: الهيئة و الحالة. و السير: الّذي يقدّ من الجلود، و جمعه سيور. و السيّارة: القافلة. و سئر الشي‌ء سؤرا: بقي، فهو سائر، و ليس معناه الجميع.

مفر- السير: المضيّ في الأرض، و رجل سائر و سيّار، و السيّارة: الجماعة، يقال سرت، و سرت بفلان، و سرته أيضا، و سيّرته على التكثير، فمن الأوّل- أ فلم يسيروا.

و من الثاني- سار بأهله. و لم يجئ في القرآن القسم الثالث. و الرابع- و سيّرت الجبال.

288

و أمّا قوله-. سِيرُوا فِي الْأَرْضِ*: فقد قيل حثّ على السياحة في الأرض بالجسم، و قيل حثّ على إجالة الفكر و مراعاة أحواله- أبدانهم في الأرض سائرة و قلوبهم في الملكوت جائلة، و منهم من حمل ذلك على الجدّ في العبادة المتوصّل بها الى الثواب، و على ذلك حمل- سافروا تغنموا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو حركة و ذهاب ظاهريّ مادّيا، كما أنّ السرى هو سير في السرّ مادّيا أو معنويّا.

و سبق في السرى: الفرق بين هذه المادّة و بين موادّ- السيلان و المرور و الذهاب و المشي و السلوك و المجي‌ء و الجري و السبق و غيرها.

و قلنا: إنّ السيب هو جريان مع انطلاق، و السيح هو جريان مع نظر، فيكون فيما بين موادّ- السرى و السير و السيب و السيح و السيل و السيع و السوغ اشتقاق أكبر- راجع الموادّ.

و السيرة فعلة لبناء النوع، فيدلّ على نوع مخصوص من السير، فيمتاز بنوع من الهيئة أو الحالة أو الجريان أو الكيفيّة.

و الأصل فيها هو اللزوم، و هو أعمّ من المشي و الجري و السيل.

. فَلَمّٰا قَضىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَ سٰارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جٰانِبِ الطُّورِ- 28/ 29.

قد استعملت متعدّية بحرف الباء. و قد سبق في بقع- و بحر: طريق موسى (ع) في سيره من مدين الى طور سيناء.

و الظاهر انّ موسى (ع) كان له ابن في مدين و سار به و بامرأته صفّورة ثمّ تولد له ابن آخر في أثناء سفره قريبا من الطور.

سفر الخروج 4/ 19- و قال الربّ لموسى في مديان اذهب ارجع الى مصر لأنّه قد مات جميع القوم الّذين كانوا يطلبون نفسك، فأخذ موسى امرأته و بنيه و أركبهم على الحمير و رجع الى أرض مصر.

و ظاهر هذا الكلام وجود ابنين له في أوّل سفره من مدين.

289

. وَ قَدَّرْنٰا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهٰا لَيٰالِيَ وَ أَيّٰاماً آمِنِينَ- 34/ 18.

. أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهٰا- 22/ 46.

. فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ*- 6/ 11.

يراد السير و السفر الظاهريّ.

. يَوْمَ تَمُورُ السَّمٰاءُ مَوْراً وَ تَسِيرُ الْجِبٰالُ سَيْراً- 52/ 10.

أي تضطرب السماء و تسير جبال الأرض، و الظاهر أنّها اشارة الى انهدام هذه الدنيا و اختتام الحياة المادّية النوعيّة، أو المراد قيام القيامة الكبرى و اضطراب الأنفس العالية و تبدّل أراضي النفوس السافلة و سيرها.

. وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبٰالَ وَ تَرَى الْأَرْضَ بٰارِزَةً- 18/ 47.

. يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوٰاجاً وَ فُتِحَتِ السَّمٰاءُ فَكٰانَتْ أَبْوٰاباً وَ سُيِّرَتِ الْجِبٰالُ فَكٰانَتْ سَرٰاباً- 78/ 20.

. إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَ إِذَا الْجِبٰالُ سُيِّرَتْ- 81/ 3.

فامّا تتحقّق هذه الأمور بالقيامة الشخصيّة الأنفسيّة، أو بالعامّة الكبرى، و على أيّ تقدير: فالبحث عن جزئيّات هذه العوالم، و خصوصيّات أطوارها و كيفيّة روحانيّتها و جسمانيّتها: لا يغني من الحقّ شيئا.

. مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيّٰارَةِ ...،. يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّٰارَةِ ...،. وَ جٰاءَتْ سَيّٰارَةٌ- 12/ 19.

السيّارة مؤنّث السيّار و هو فعّال صيغة مبالغة، و تطلق السيّارة على الطائفة و الّذين يسيرون في الأرض.

. سَنُعِيدُهٰا سِيرَتَهَا الْأُولىٰ- 20/ 21.

أي الحالة و الهيئة الّتي هي نوع من سيرها.

سيل

مقا- سيل: أصل واحد يدلّ على جريان و امتداد، يقال سال الماء و غيره يسيل سيلا و سيلانا. و مسيل الماء إذا جعلت الميم زائدة: فمن هذا، و إذا جعلت الميم‌

290

أصليّة فمن باب آخر.

مصبا- السيل معروف، و جمعه سيول، و هو مصدر في الأصل من سال الماء يسيل سيلا من باب باع و سيلانا: إذا طفا و جرى، ثمّ غلب السيل في المجتمع من المطر الجاري في الأودية، و أسلته إسالة: أجريته. و المسيل: مجرى السيل، و الجمع مسايل و مسل، و ربّما قيل مسلان. و سال الشي‌ء: خلاف جمد، فهو سايل. و قولهم لا نفس لها سائلة: مرفوعة، لأنّها خبر مبتدأ في الأصل، و لا يجوز النصب على أنّها صفة تابعة لنفس، لأنّ الصفة يجوز حذفها و يبقى الكلام بعدها مفيدا، و إذا حذفت سائلة: بقي المعنى فاسدا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو جريان في المائعات أشدّ كمّا و كيفا فوق جريان طبيعيّ، و الشدّة في كلّ مورد بحسبه.

فيقال سال القطر، و سال الماء، و سال النهر، و سال الشطّ.

و سبق في سرى: أنّ السير هو حركة في الظاهر مادّيا، و السرى هو حركة في خفاء و سرّ بلا إعلان. و السلك حركة في خطّ مطلقا.

. أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَسٰالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهٰا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رٰابِياً- 13/ 17.

الأودية جمع الوادي و هو كلّ منفرج فيما بين الجبلين أو غيرهما يكون مجرى للسيل، و نسبة السيلان الى الأودية مجاز، و هذا التعبير شايع كثيرا في العرف، فيقال جرى النهر، و لا يقال جرى ماء النهر، و المجاز في النسبة إذا كان متداولا و مستعملا في العرف لغرض منظور: يجوز في الكلام المعجز الإلهيّ، لعدم طروّ شبهة فيه مع إعمال الغرض.

و هذا مثل يشار به الى نزول الماء الروحاني من سماء العالم العلوي، و جريانه في المجاري المختلفة، في كل مرتبة بحسبها.

. ... كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللّٰهُ الْحَقَّ وَ الْبٰاطِلَ .... كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللّٰهُ

291

الْأَمْثٰالَ.

و من وجوه اللطف في التعبير و لأودية: أنّ نفس الأودية أيضا من مصاديق السيلان، بل من أتمّ المصاديق، فانّ الفيض المنبسط و الرحمة السائلة من الحقّ المتعال في المرتبة الاولى: هو نور الوجود، و قد قال تعالى-. مِنَ الْمٰاءِ كُلَّ شَيْ‌ءٍ حَيٍّ.

و نور الوجود يفيض منه تعالى على المهيّات المقدّرة المعيّنة و الأودية المصوّرة اللازمة المحدودة، بحسب ما كانت مقدّرة في النظام، ثمّ بعدها يسيل منه تعالى أنواع العلم و الرحمة و القدرة و غيرها.

و لعلّ التعبير بالسيلان: إشارة الى جريان الفيض دائما من مرتبة عالية الى ما دونها، غير متوقّف في وادي و مورد.

و على هذا المعنى فلا يكون في التعبير إسناد مجازيّ أيضا- راجع الزبد.

. فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ- 34/ 16.

راجع العرم.

. وَ أَسَلْنٰا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ- 34/ 12.

و لا يبعد أن يكون القطر صيغة فعل من القطر و هو الجريان الضعيف قطرة قطرة، من أيّ جنس كان- راجع القطر.

و هذه الإسالة إمّا بإرادة اللّٰه تعالى من دون واسطة في مورد خاص أو بالإطلاق أو بإجازته و تقويته و نظره.

سيناء

لسا-. وَ طُورِ سِينِينَ و سينا و سيناء: جبل بالشام. قال الزجّاج: إنّ سيناء اسم المكان، بمعنى الحجارة، فمن قرأ سيناء على وزن صحراء: فانّها لا تنصرف، و من قرأ سيناء فهو على وزن علياء إلّا أنّه اسم للبقعة: فلا ينصرف. و السينينيّة: شجرة، حكاه أبو حنيفة عن الأخفش، و جمعها سينين، و زعم الأخفش: أنّ طور سينين مضاف اليه. الجوهري: هو طور أضيف الى سينا و هي شجرة.

معجم البلدان- سينا: بكسر أوّله و يفتح: اسم موضع بالشام يضاف اليه‌

292

الطور، و هو الجبل الّذي كلّم اللّٰه تعالى عليه موسى بن عمران (عليه السلام) و نودي فيه، و هو كثير الشجر. و قد جاء في اسم هذا الموضع سينين.

تاريخ سينا ص 9- شبه جزيرة طور سينا، قد أخذت شكل مثلّث قعد على البحر المتوسط، و انقلب على رأسه فدخل كالسفين في رأس البحر الأحمر، و شطره شطرين هما خليج العقبة و خليج السويس. و شبه الجزيرة في الأصل هي البلاد الواقعة بين هذين الشطرين المعروفة الآن ببلاد الطور، ثمّ امتدّت إداريّا فشملت بلاد التيه ثمّ بلاد العريش في الشمال، فأصبح حدّها من الشمال البحر المتوسّط، و من الغرب ترعة السويس و خليج السويس، و من الجنوب البحر الأحمر، و من الشرق خليج العقبة و خطّ يقرب من المستقيم يبدأ من رأس طابا على رأس خليج العقبة و ينتهي بنقطة على شاطئ البحر المتوسّط عند رفح. و أمّا سيناء: فلغة الحجر، قيل سمّيت البلاد سيناء: لكثرة جبالها. و قيل إنّ اسم سيناء مأخوذ من السين بمعنى القمر في العبرانيّة، لأنّ أهلها كانوا قديما يعبدون القمر، بل يكفي لنسبتها الى القمر حسن الليالي المقمرة فيها.

و أمّا البحر المتوسّط الّذي يحدّ سيناء من الشمال: فطول شاطئه من بور سعيد الى رفح على خطّ مستقيم نحو مائة ميل.

و أمّا ترعة السويس من الغرب: فهي الترعة الّتي تصل البحر الأحمر رأسا بالبحر المتوسّط عند بور سعيد، من مدينة السويس، فطولها 160 كيلومترا، و عرضها مائة متر، و عمقها تسعة أمتار و خمسون سانتى‌مترا، و احتفل بافتتاحها سنة 1869 م.

و أمّا خليج السويس: فطوله من السويس الى رأس محمد نحو 150 ميلا، و عرضه من عشرة أميال الى 18 ميلا.

و أمّا خليج العقبة: فطوله من رأس محمّد الى قلعة العقبة نحو مائة ميل، و عرضه من سبعة أميال الى اربعة عشر ميلا.

و الحدّ الشرقيّ في الشمال الشرقيّ: من أيلة على رأس خليج العقبة الى رفح و هو الحدّ بين مصر و سوريا القديم- انتهى تلخيصا.

[راجع الخريطة في مادّة البحر من المجلّد الأوّل.]

293

قع- (سيني) جبل سينا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو المعنى الواحد الاسميّ، و هو الأرض المحدودة من القطعة الواقعة فيما بين أراضي الحجاز و مصر، و القدر المسلّم المقطوع فيه: هو القطعة الواقعة فيما بين خليج السويس و خليج العقبة، أي مجموع الأراضي من انتهاء البحر الأحمر الى انتهاء الخليجين في جهتي الشرق و الغرب، متوسّطة بينها، فتشمل جبال الطور و بلادها و جبال التيه الى بلدة أيلة شرقا، و السويس غربا.

و لكنّ المتداول في العرف: هو امتدادها الى البحر الأبيض شمالا، فتنتهي الى بلدة رفح شرقا، و الى بور سعيد غربا.

و مجموع هذه القطعة الواسعة يقرب من ثلاثين ألف كيلومترا مربّعا، كما أنّ قطعة بلاد الطور تقرب من عشرة آلاف كيلومتر مربّع.

و في هذه القطعة جبال مرتفعة: كجبل الطور، و جبل المناجاة، و جبل الصفصافة، و جبل سربال، و جبل حمّام موسى، و غيرها، و أشهرها جبل طور سيناء، و اليه تنسب الجزيرة كلّها، و هو واقع في وسط جهة الشمال من البحر الأحمر، قريبا من مسافة أربعين ميلا.

و الظاهر أنّ جبل الطور سلسلة تشمل عدّة قمم، منها جبل المناجاة و جبل موسى و غيرهما، و نبحث عنه في كلمة الطور إن شاء اللّٰه العزيز المتعال.

ثمّ انّ كلمة سينا قد تعرّبت من العبريّة أو السريانيّة، فانّ الكلمة في العبريّة هكذا- سيني. و في السريانيّة- سيني- أيضا. و في اليونانيّة- سينا. كما في- فرهنگ تطبيقي للمشكور.

فكلّ من سيناء و السينين: مأخوذ من هذه اللغات بزيادة همزة أو نون في آخره مع تغيير مختصر.

. وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ وَ طُورِ سِينِينَ وَ هٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنٰاهُ أَسْفَلَ سٰافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا

294

الصّٰالِحٰاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ- 95/ 2.

سبق في التين و الزيتون: إنّهما من الأشجار ذات الفواكه الممتازة اللذيذة المقوّمة للحياة الجسمانيّة، و الأخيران من الأماكن المقدّسة الّتي يتوجّه فيها الى اللّٰه المتعال، فالأوّلان لتصفية البدن و الأخيران لتصفية الروح.

و يناسب هذه الكلمات ما بعدها من خلق الإنسان ظاهره و بدنه و مجموعه على أحسن تقويم، ثمّ أشار بأنّ هذا الظاهر على أحسن تقويم، لا يدوم بل يفنى بعد زمان و يردّ الى أسفل مقام، إلّا أن يتوجّه الى جهة الباطن و يتحصّل له كمال و جمال و نورانيّة روحانيّة، في اثر الايمان و العمل الصالح.

و كما أنّ البدن وسيلة يتوسّل بها الى تقوية الباطن و تكميل الروح و الوصول الى السعادة الحقّة و عالم النور: كذلك هذه الأماكن المكرّمة الّتي يتجلّى فيها نور الجلال و الجمال و العظمة الإلهيّة:

. فَلَمّٰا تَجَلّٰى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ...،. وَ نٰادَيْنٰاهُ مِنْ جٰانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ ...،. إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً وَ هُدىً لِلْعٰالَمِينَ.

و أمّا خصوصيّة التين و الزيتون: فانّهما تكثران في أراضي بيت المقدّس و حواليها، و تلك الأراضي محلّ بعث الأنبياء و موضع حياتهم الروحانيّة، و فيها تحقّقت الدعوة الإلهيّة، و ظهرت الآيات الربّانيّة، و أكثر أنبياء بني إسرائيل كانوا فيها.

و لمّا لم يكن لهذه المواضع محلّ معيّن، و كانت مبسوطة وسعت اكثر أراضي الشام القديم: عبّر بالشجرين الممتازين فيها، إشارة الى جهة الروحانيّة و ظهور الآيات الإلهيّة و التوجّه الى الحقّ فيها. مضافا الى خصوصيّة ممتازة في التين و الزيتون من جهة التصفية.

فالنظر في ذكر هذه الكلمات: الإرشاد الى دعوة الأنبياء و توجيه القلوب الى آيات اللّٰه و مظاهره و كلماته.

و لا يبعد أن يكون التعبير بالسينين دون السيناء: إشارة الى أنّ المنظور في المورد المحلّ المحدود من أراضي سيناء، و هو ما يقرب من جبل الطور و حواليها، فانّ الياء‌

295

مع النون تدلّ على الانكسار و الانخفاض، و هذا يناسب المحدوديّة و الاختصاص.

بخلاف الألف الممدودة، فتدلّ على التوسّع و الامتداد.

و يناسب الممدودة: الآية الكريمة. فَأَنْشَأْنٰا لَكُمْ بِهِ جَنّٰاتٍ .... وَ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنٰاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَ صِبْغٍ لِلْآكِلِينَ- و شجرة عطف على جنّات. و طور سيناء: بالاضافة يدلّ على جبل معيّن ممتاز بالروحانيّة. و بالدهن: أي يكون النبات و نموّها ملصقا و مرتبطا بالدهن و الصبغ.

و الدهن بمعنى اللطافة و اللينة، و الدهن ما يدهن به، و هو من مصاديق اللطافة.

و الصبغ ما يصبغ به من لون أو طعم أو إدام و غيرها.

يراد إنّ الماء المنزل من السماء الى الأرض: تنشأ منه جنّات عموميّة من نخيل و أعناب و غيرها، و شجرة خاصّة لها امتياز من جهة المحلّ و من جهة الثمر، فهي تنبت في طور سيناء الّتي هي أرض يتجلّى فيها نور اللّٰه تعالى و هو الوادي المقدّس و منزل الوحي.

و ثمرتها الدهن و الصبغ: يكون مادّة للإضاءة و إيجاد النور و إدامة الحياة في النور، و هي أيضا توجب تلوين الطعام و تنويعه.

و هذه الجملة كالمثل يشاربها الى أنّ الفيوضات المعنويّة النازلة من سماء الفيض و الرحمة الى أراضي النفوس البشريّة أيضا كذلك.

فمنهم من لا يستفيد منها إلّا في حياتهم الدنيويّة، فهم فيها مستغرقون، و لا يطلبون إلّا تلك الحياة، و لا يدعون إلّا ما يتعلّق بتلك المحدودة، و لا يريدون الخروج و الانقطاع عنها الى ما فوقها.

و منهم الخواصّ أهل البصيرة و المعرفة و أولو الفضائل و الحكمة، مستعدّون لقبول الأنوار و الفيوضات الربّانيّة، مستفيضون من التوجّهات الرحمانيّة، و لهم حياة روحانيّة، متعلّقون بالملإ الأعلى.

فهم أولياء اللّٰه في أرضه و حججه على عباده، بهم ينوّر اللّٰه قلوب عباده، و يهديهم الى صراطه. و منهم ينشر العلم و الهداية، و من علومهم يستفيد الناس، و من‌

296

أنوارهم يهتدون في ظلمات الجهل و الضلال، و هم المنعمون و المنعمون و أهل النعمة، و الناس بأطعمتهم الروحانيّة يتنعّمون.

. أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ وَ فَرْعُهٰا فِي السَّمٰاءِ تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهٰا.

. يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ.

هذا آخر المجلّد الخامس من كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم، و قد تمّ بتوفيق اللّٰه المتعال و تأييده في العشرين من الربيع الثاني سنة/ 1400 ه‍ [18/ 12/ 58] في بلدة قم المشرّفة.