الصوم في الشريعة الإسلامية الغراء - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
457 /
455

..........

____________

الواجب قبل الإتيان بالمنذور، يقع الكلام في صحّته أوّلا، و جواز الإتيان به قبل الفريضة ثانيا.

أمّا الصحة فلا إشكال في وقوع النذر صحيحا، لكون الصوم راجحا بالذات، إنّما الكلام في جواز الإتيان به قبل الواجب، فقد ذهب المصنف تبعا لصاحب الجواهر، إلى جواز الإتيان به قبل الفريضة، لأنّ المنساق منه، التطوع من حيث كونه تطوعا، فلو وجب بالنذر و نحوه جاز له أداؤه لخروجه عن الوصف المذكور و اندراجه في الواجب. (1)

يلاحظ عليه: أنّه لا يخرج الصوم المندوب بتعلّق النذر به عن كونه تطوعا و مستحبا، و إنّما يجب بالنذر، الوفاء به، لقوله سبحانه: وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ (2) و لذلك قلنا في محلّه: إذا نذر نافلة الليل، فليس إلّا قصد الندب في مقام الأداء، إذ به يتحقق الوفاء به، لأنّ المفروض أنّه نذر الصلاة المندوبة، لا الواجبة و إنّما حصل الخلط بين الواجب بالذات و هو الوفاء بالنذر، و الواجب بالعرض و هو المنذور، و على ذلك فما دل على عدم صحة التطوع مع وجود الفريضة يعم المقام.

و قد ذكر في المستمسك وجها آخر قال: إنّه إذا كان التطوّع غير جائز على من عليه الفرض فلا يكون للمنذور إطلاق يشمله، بل يختص بغيره فلا يكون الإتيان به قبل الواجب فردا للمنذور. (3)

يلاحظ عليه: أنّ عدم الشمول ليس لأجل فقد المقتضي، بل لأجل وجود المانع، و هو انّه تطوع، فإذا ارتفع المانع، فلا وجه لعدم شمول دليل المنذور، بل الوجه في عدم الجواز ما ذكرنا من بقائه على التطوع.

____________

(1). الجواهر: 17/ 22.

(2). الحج: 29.

(3). المستمسك: 1/ 428.

456

..........

____________

2. نذر صوم أيام معيّنة يتمكن من الفريضة قبلها إذا تعلّق النذر بصوم أيام معينة و كان الإتيان بالفرض ممكنا، كما إذا كان عليه صوم ثلاثة أيام و نذر صوم اليوم الخامس عشر من شعبان و هو في أوّل الشهر، فالكلام في صحّة النذر و عدم جواز الإتيان قبل الإتيان بالفرض كما سبق، و على ما ذكرنا يجب عليه- لصيانة نذره عن الحنث- الإتيان بالفرض، مقدمة لإمكان الوفاء بالنذر.

3. نذر أيام معيّنة لا يتمكن من الفريضة قبلها إذا نذر صوم أيّام معيّنة على نحو لا يتمكن من الإتيان بالفريضة قبلها، يقع الكلام في صحّة النذر أوّلا، و صحّة الإتيان به قبل الفريضة ثانيا.

أمّا الأوّل: فقد ذكر المصنف فيه وجهين:

1. البطلان، لأنّه تطوّع قبل الفريضة، فلا يصحّ نذره.

2. الصحة، لأنّه بالنذر يخرج عن وصف التطوع، و يكفي في رجحان متعلّق النذر كونه راجحا، و لو بالنذر.

و بعبارة أخرى: المانع هو وصف الندب، و بالنذر يرتفع المانع.

يلاحظ عليه أوّلا: أنّه بالنذر لا يخرج من التطوع، فهو صوم مستحب فرض على نفسه الوفاء به.

و ثانيا: لا يكفي في رجحان متعلّق النذر كونه راجحا و لو بالنذر، و إلّا يلزم جواز نذر المكروهات و المرجوحات، بل لا بدّ من كونه حائزا للرجحان مع قطع النظر عن النذر، و لذلك حاول المحقّقون كيفية تصحيح الإحرام قبل الميقات بالنذر، ببيان خاص.

457

[المسألة 4: الظاهر جواز التطوّع بالصوم إذا كان ما عليه من الصوم الواجب استئجاريّا]

المسألة 4: الظاهر جواز التطوّع بالصوم إذا كان ما عليه من الصوم الواجب استئجاريّا و إن كان الأحوط تقديم الواجب. (1)

____________

و يمكن أن يقال: إنّ مقصوده بقرينة ذيل كلامه «المانع وصف الندب و بالنذر يرتفع» انّ المتعلّق يتمتع بالرجحان الذاتي- مع قطع النظر عن تقابله بالفريضة- غاية الأمر انّه مقرون بالمانع و مرفوع بالنذر.

نعم يرد عليه عدم ارتفاعه بالنذر، لأنّه بعد صوم مندوب لا يخرج عن كونه تطوّعا، فالمانع باق بحاله، و على ما ذكر، لا يصحّ النذر، و معه لا يبقى مجال للبحث في جواز الإتيان به قبل الفريضة.

(1) علله في الجواهر بقوله: المنساق من الأدلة الواجب عليه لنفسه دون غيره بإجارة أو نذر، أو بتبرّع لكونه وليا أو غير ذلك مع احتماله. (1)

و قد مرّ انّ المتبادر، ما إذا كان الصيام واجبا عليه بنفسه ابتداء لا ما إذا وجب على غيره و وجب عليه تفريغ ذمة الغير بالنية عنه بمقتضى عقد الاستئجار.

بلغ الكلام إلى هنا، صبيحة يوم الثلاثاء، 5 ربيع الأوّل من شهور عام 1420 ه‍ و الحمد للّه أوّلا و آخرا‌

____________

(1). الجواهر: 17/ 22.