الصوم في الشريعة الإسلامية الغراء - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
457 /
55

..........

____________

الورود، أو البرء لما صحّ التنزيل، و على ضوء ذلك فالعمل في المقيس عليه و المقيس ناقص مصداقا و ملاكا، فما أشار إليه من الفرق غير مؤثر بعد المشاركة فيما هو المهم.

و أمّا الرابع فالاستدلال به عجيب، لأنّ الأصل دليل حيث لا دليل اجتهاديّ، و قد دلّ الدليل على لزوم اقتران النية مع طلوع الفجر، كما هو صريح الآية و غيرها.

نعم لا بأس بالاستدلال بحديث الرفع، و هو استدلال متين و حاصله: رفع وجوب اعتبار النية في هذا المقدار من الزمان، أعني: حال الجهل و النسيان، بحديث الرفع. و قد استشكل المحقق الخوئي على الاستدلال برفع الجهل و النسيان.

أمّا في جانب رفع الجهل فقال: إنّ الرفع بالإضافة إلى ما لا يعلمون رفع ظاهري، فهو بحسب الواقع مأمور بالصيام و إن جاز له الإفطار في مرحلة الظاهر استنادا إلى الاستصحاب، أو إلى قوله (عليه السلام): «صم للرؤية و أفطر للرؤية» فالحكم الواقعي المتعلّق بالصوم من طلوع الفجر باق على حاله، و قد تركه حسب الفرض.

و معه كيف يحكم بالإجزاء لدى انكشاف الخلاف؟ (1)

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان لدليل الجزء كالسورة إطلاق يعم حالتي العلم و الجهل، فإذا ضم إليه حديث الرفع يستفاد منه انّ وجوبها مرفوع في حقّ الجاهل، هذا من جانب، و من جانب آخر انّ السورة ليست مقوّمة لماهية الواجب، بل هي صادقة على المصداق الفاقد أيضا، فينطبق عليه عنوان الواجب، الموجب لسقوط الأمر.

فإن أراد من كون الرفع ظاهريّا، لا واقعيا، هو ثبوت الحكم المشترك بين‌

____________

(1). مستند العروة: 46.

56

..........

____________

العالم و الجاهل فهو صحيح و لكنّه لا يضرّ بالمقصود، و إن أراد منه كونه صوريّا، لا حقيقيّا، فهو غير مقبول بل هو حقيقي، بمعنى سقوط فعلية وجوب الجزء في حقّ الجاهل، و إن كان واجبا إنشاء.

أمّا في جانب النسيان فقد اعترف بأنّ الرفع في النسيان واقعي، لأنّ الناسي غير مكلّف بالصوم حال نسيانه حتى واقعا لكنّه مكلّف بالإمساك من زمان التفاته، إلى الغروب لإطلاق الروايات، لكن وجوب الإمساك شي‌ء و وجوب الصوم المحدود ما بين الطلوع و الغروب الذي هو المأمور به أصالة- لو لا النسيان- شي‌ء آخر، و حديث الرفع لا يكاد يتكفّل إجزاء الأوّل عن الثاني، لأنّه حديث رفع لا حديث وضع. (1)

و حاصل كلامه: انّ لحديث الرفع دور الرفع لا الوضع، فليس له وضع الإمساك من قبيل الزوال إلى الليل مع نية الصوم، مكان الصوم المحدود بما بين الطلوع و الغروب.

يلاحظ عليه: أنّ حديث الرفع- كما أفاد- حديث رفع، لا حديث وضع، لكن الوضع على عاتق دليل المركب، المقيّد بوجوب السورة، الشامل حالتي الذكر و النسيان، فإذا انضم إليه حديث رفع النسيان، و اختص وجوبها بحال الذكر، يكون الواجب في حقّه، هو الصلاة بلا سورة، و مثله المقام.

قال سبحانه: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (2)، دلّ على لزوم نية الإمساك من طلوع الفجر إلى أوّل اللّيل و كان مقتضى الإطلاق، شرطيّتها للذاكر و الناسي، فإذا انضم الدليل إلى حديث الرفع، تكون النتيجة، اختصاص وجوبها بحال الذكر‌

____________

(1). مستند العروة: 46.

(2). البقرة: 187.

57

..........

____________

دون النسيان، و لو لا الدليل على تحديد مقدار الرفع بما قبل الزوال، لقلنا بكفاية الإمساك- بلا نية- إلى الليل، و على ذلك فالاعتداد بهذا النوع من العمل الناقص من شئون إطلاق الدليل، لا حديث الرفع حتى يقال انّه حديث رفع لا وضع.

و قد أوضحنا حاله في بحوثنا الأصوليّة، و سيوافيك نظائر المقام في الفصول الآتية.

إلى هنا تبيّن انّ الصالح للاستدلال من بين الوجوه هو حديث الرفع، و قد استدل المحقّق الهمداني بوجه سادس نشير إليه.

و حاصل الاستدلال ما سنتلو عليك في الفرع الثالث من كفاية النيّة قبل الزوال في الواجب غير المعيّن، فانّه إذا صحّ في غير المعين، ففي المعين المضيّق يصحّ بطريق أولى، يقول في هذا الصدد:

إنّا لا نسلّم انصراف ما ورد في القضاء أو النذر، عن النذر المعين و القضاء المضيّق الذي لم يلتفت المكلّف إليه إلّا بعد الفجر. و لو سلّم الانصراف، فهو بدويّ منشؤه ندرة الوجود، و لو سلم ورودها في خصوص الواجب الموسّع فنقول:

إنّه يستفاد منها حكم المضيّق الذي كان المكلّف معذورا في تركه للتبييت، بالفحوى و تنقيح المناط. (1)

الفرع الثالث: الواجب غير المعين يمتدّ وقت الواجب غير المعين اختيارا من أوّل اللّيل إلى الزوال دون ما بعده على الأصح.

و الظاهر شهرة الحكم بين الأصحاب.

قال في المدارك: و قد قطع الأصحاب بأنّ وقت النيّة فيه يستمرّ من الليل إلى‌

____________

(1). مصباح الفقيه: 14/ 315، كتاب الصوم.

58

..........

____________

الزوال إذا لم يفعل المنافي نهارا. (1)

و قال في الحدائق: الواجب غير المعيّن كالقضاء و النذر المطلق، فقد قطع الأصحاب بأنّ وقت النيّة فيه يستمر من الليل إلى الزوال إذا لم يفعل المنافي نهارا. (2)

و لو كان هناك خلاف فإنّما هو من القديمين: فقد منع ابن أبي عقيل التأخير من طلوع الفجر، و جوّز ابن الجنيد التأخير إلى ما بعد الزوال.

و استدل بروايات، و قد عقد صاحب الوسائل بابا خاصا للمسألة أورد فيه روايات كثيرة غير ظاهرة في التحديد بما قبل الزوال، نذكر منها ما يلي:

1. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يبدو له بعد ما يصبح و يرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان، و لم يكن نوى ذلك من الليل؟ قال: «نعم، ليصمه و ليعتدّ به إذا لم يكن أحدث شيئا». (3)

و قوله «يبدو له» ظاهر في عدم تعيّن اليوم للصوم وسعة الوقت.

2. خبر صالح بن عبد اللّه، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: قلت له: رجل جعل للّه عليه الصيام شهرا فيصبح، و هو ينوي الصوم، ثمّ يبدو له فيفطر؟ و يصبح و هو لا ينوي الصوم فيبدو له فيصوم؟ فقال: «هذا كلّه جائز». (4)

نعم لا دلالة له على عدم جواز تجديد النية بعد الزوال، لأنّ القيد ورد في كلام الراوي لا في كلام الإمام (عليه السلام).

____________

(1). مدارك الأحكام: 6/ 22.

(2). الحدائق الناضرة: 13/ 21.

(3). الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 2.

(4). الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 4. قوله فيفطر: ينوي الإفطار و لكن لا يفطر عملا.

59

..........

____________

3. موثقة عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان و يريد أن يقضيها، متى يريد أن ينوى الصيام؟ قال (عليه السلام): «هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فإن كان نوى الصوم فليصم، و إن كان نوى الإفطار فليفطر».

سئل: فإن كان نوى الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس، قال: «لا». (1)

4. صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يصبح و لا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم؟ فقال (عليه السلام): «ان هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، و إن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى». (2)

فالروايات تتضمن انّ من نوى قبل الزوال يحتسب اليوم له بتمامه، دون ما إذا نوى بعد الزوال فلا يحتسب بتمامه و إن كان يثاب، فالاحتساب في الرواية من باب الثواب لا من باب انّه صوم حقيقة.

نعم هو بإطلاقه دال على لزوم تجديد النية في الواجب غير المعين و المندوب لكن خرج الثاني بدليل.

و فيما ذكرنا من الروايات كفاية.

نعم يعارضها في بادئ النظر الحديث التالي:

ما رواه الشيخ بسند صحيح عن معاوية بن حكيم، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل يصبح و لم‌

____________

(1). الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 10.

(2). الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 8.

60

..........

____________

يطعم، و لم يشرب، و لم ينو صوما و كان عليه يوم من شهر رمضان، أله أن يصوم ذلك اليوم و قد ذهب عامة النهار؟ فقال: «نعم، له أن يصومه و يعتد به من شهر رمضان». (1)

فانّ ظاهر قوله: «ذهب عامة النهار» هو ذهاب كثير من اليوم على وجه لا يبقى إلى الغروب إلّا شي‌ء يسير، و هذا ينافي ما قلنا من أنّ جواز التجديد محدّد بالزوال، و لأجل ذلك حمله صاحب الوسائل على ما بين الفجر و الزوال و انّه يصدق على قبيل الزوال انّه ذهب عامة النهار على وجه المجاز، لأنّ ما بين طلوع الفجر و الزوال أكثر من نصف النهار.

و يمكن أن يقال: إنّ هذا الحديث متحد مع الحديث الأوّل الذي نقلناه عن عبد الرحمن بن الحجاج، و قد مضى فيه انّه قال له: بعد ما يصبح و يرتفع النهار، و هذا قرينة على أنّ مراده من «عامة النهار» هو ارتفاعه.

هذه هي الروايات التي يمكن أن يستدل بها على الفرع الثاني، و قد نقل الحرّ العاملي في الباب الذي عقده لذلك العنوان روايات كثيرة، لكن لا دلالة لقسم منها فانّه ناظر إلى النافلة؛ مثل ما رواه حماد بن عثمان، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ رجلا أراد أن يصوم ارتفاع النهار، أ يصوم؟ قال:

«نعم». (2) و مثله ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3)، و محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) 4، و هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). 5

نعم لا يجوز له في المعين تأخير النية اختيارا بخلاف غير المعين.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 6.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 1.

(3) 3 و 4 و 5. المصدر نفسه، الحديث 3 و 5 و 7.

61

..........

____________

الفرع الرابع: الصوم المندوب يمتدّ وقت المندوب اختيارا من طلوع الفجر إلى أن يبقى من الغروب ما يمكن فيه تجديد النية.

أقول: اختلفت كلمة الشيخ في كتابيه، فذهب في الخلاف إلى انتهاء وقتها بالزوال، كما ذهب في المبسوط إلى بقائها بمقدار ما يمكن أن يكون صوما، كما اختلفت كلمة فقهاء المذاهب الأربعة، و إليك نصّ الشيخ في كتابيه:

قال الشيخ في الخلاف: يجوز أن ينوي صيام النافلة نهارا، و من أصحابنا من أجازه إلى عند الزوال، و هو الظاهر من الروايات؛ و منهم من أجازه إلى آخر النهار، و لست أعرف به نصا. و قال الشافعي: يجوز ذلك قبل الزوال قولا واحدا و بعد الزوال فيه قولان، قال في الحرملة: يجزي، و قال في الأمّ: لا يجوز بعد الزوال؛ و به قال أبو حنيفة و أصحابه و أحمد بن حنبل. و قال مالك: لا يجوز حتى ينوي له ليلا كالفرض سواء و به قال المزنّي. (1)

ترى أنّه يذكر انّه لم يقف على نصّ دالّ على بقاء وقت تجديد النية إلى بعد الزوال، و لكنّه أفتى في المبسوط على البقاء، و لعلّه وقف على النص. و هذا يدل على أنّه ألّف المبسوط بعد الخلاف خلافا لما كان عليه السيد البروجردي من أنّ الخلاف آخر ما ألّفه الشيخ في مجال الفقه.

و على أية حال قال في المبسوط: و متى فاتت إلى بعد الزوال، فقد فات وقتها إلّا النوافل خاصة، فانّه روي في بعض الروايات جواز تجديدها بعد الزوال.

و تحقيقها انّه يجوز تجديدها إلى أن يبقى من النهار بمقدار ما يبقى زمان بعدها يمكن أن يكون صوما، فأمّا إذا كان انتهاء النية مع انتهاء النهار فلا صوم بعده‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 167، كتاب الصوم، المسألة 6.

62

..........

____________

على حال. (1)

و أمّا الآخرون، فقد أفتوا بجواز تجديد النية بعد الزوال، منهم: المرتضى في انتصاره (2)، و ابن حمزة في وسيلته (3)، و ابن إدريس في سرائره. (4)

نعم وافق الشيخ في خلافه، العلّامة في مختلفه. (5)

و يدل على مختار المشهور ما رواه هشام بن سالم في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدخل إلى أهله فيقول: عندكم شي‌ء و إلّا صمت؟ فإن كان عندهم شي‌ء أتوه به، و إلّا صام». (6)

و ظاهر قوله: «كان يدخل إلى أهله» انّه كان أمرا مستمرا فلا يحمل إلّا على النافلة.

و بما انّ الرواية تحكي الفعل دون القول فيؤخذ بالقدر المتيقن و هو دخوله قبل الزوال، هذا من جانب و من جانب آخر، الدخول إلى البيت قبل الزوال أمر بعيد لأنّه يناسب الفطور، لا الغداء.

و تدل عليه موثقة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة، قال: «هو بالخيار ما بينه و بين العصر، و إن مكث حتى العصر ثمّ بدا له أن يصوم و إن لم يكن نوى ذلك، فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء». (7)

____________

(1). المبسوط: 1/ 278.

(2). الانتصار: 60.

(3). الوسيلة: 140.

(4). السرائر: 1/ 372.

(5). مختلف الشيعة: 3/ 371.

(6). الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته، الحديث 7.

(7). الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب وجوب الصوم و نيته، الحديث 1.

63

..........

____________

و هذان الحديثان مع صحّة سندهما يصلحان لأن يكونا سندا لفتوى المشهور إنّما الكلام في تفسير ما يخالفه بادئ النظر. منها:

ما رواه الشيخ باسناده عن ابن بكير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجنب ثمّ ينام حتى يصبح، أ يصوم ذلك اليوم تطوّعا؟ فقال: «أ ليس هو بالخيار ما بينه و بين نصف النهار». (1)

و لعلّ الإمام اكتفى في مقام التصحيح بالأمر المسلّم عند ابن بكير و هو خياره ما بينه و بين نصف النهار، و أمّا انّ هذا هو الحدّ الواقعي الذي لا يجوز التجاوز عنه فلا يستفاد من الرواية.

و بالجملة استدلال الإمام بالأصل المسلّم عنده الذي يدلّ عليه قوله:

أ ليس هو بالخيار ما بينه و نصف النهار لا يدل على أنّه نهاية الوقت غاية الأمر هو ظاهر في أنّه كذلك عند الإمام أيضا فترفع اليد عن الظهور لأجل الصحيحين النصّين السابقين، و بذلك يعلم ضعف الاستدلال بروايته الأخرى:

روى الشيخ بسند غير نقيّ عن ابن بكير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب، ثمّ أراد الصيام بعد ما اغتسل و مضى ما مضى من النهار؟ قال: «يصوم إن شاء، و هو بالخيار إلى نصف النهار». (2)

و دلالته بالمفهوم و إن كان من أقوى الدلالات، لكن السند مشتمل على أبي عبد اللّه الرازي الجاموراني الذي ضعفه ابن الوليد و الشيخ الصدوق و غيرهما.

و يمكن حمله على أنّ الإمام بصدد بيان الصوم الكامل، و لذلك حدّد تجديد النية بما قبل الزوال، و أمّا بعد الزوال فالصوم مشروع و لكن هو بمقدار ما نوى.

____________

(1). الوسائل: ج 7، الباب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

(2). الوسائل: ج 7، الباب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

64

[المسألة 13: لو نوى الصوم ليلا ثمّ نوى الإفطار ثمّ بدا له الصوم قبل الزوال فنوى و صام قبل أن يأتي بمفطر]

المسألة 13: لو نوى الصوم ليلا ثمّ نوى الإفطار ثمّ بدا له الصوم قبل الزوال فنوى و صام قبل أن يأتي بمفطر صحّ على الأقوى إلّا أن يفسد صومه برياء و نحوه، فإنّه لا يجزيه لو أراد التجديد قبل الزوال على الأحوط. (1)

____________

(1) تقدم انّ وقت النية في الصوم المعين للعالم بالحكم أو الموضوع، هو طلوع الفجر الثاني، كما أنّ وقتها للجاهل يمتد إلى الزوال متى تذكّر.

و أمّا غير المعيّن فيمتد إلى الزوال اختيارا.

ثمّ إنّ للقسم الثاني صورا ثلاث:

أ. سبق التردّد على نية الصوم.

ب. العزم على العدم قبل نيّة الصوم.

ج. نيّة الصوم ثمّ نيّة الإفطار ثمّ نيّة الصوم.

و قد ذكر الماتن الصورتين الأوليين في المسألة السابقة (12)، كما ذكر الصورة الثالثة في المقام.

فالموضوع للبحث هو غير المعين من الواجب، و أمّا المعين فهو خارج عن موضوع بحثنا.

إذا علمت ذلك، يقع الكلام في صحّة الصورة الثالثة.

فالظاهر شمول الإطلاقات لهذا القسم، و ذلك لأنّ الموضوع فيها «إذا لم يكن أحدث شيئا». (1)

و أوضح منه قوله في رواية صالح بن عبد اللّه عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: قلت له: رجل جعل للّه عليه الصيام شهرا، فيصبح و هو ينوي الصوم، ثمّ يبدو فيفطر،

____________

(1). الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 2.

65

..........

____________

و يصبح و هو لا ينوي الصوم، فيبدو له فيصوم؟

فقال: «هذا كلّه جائز». (1)

فقد أشار بكلامه الأخير انّ الأمر بيد المكلّف، فليس هناك فرق بين صورة و صورة، و انّ له النية قبل الزوال فيصحّ صومه، كما أنّ له الإفطار.

و بالجملة فهذه الإطلاقات تكفي في عطف الصورة الثالثة على الأوليين.

نعم لو لا الإطلاق لكان مقتضى القاعدة الأولى البطلان، و الذي يدعم الصحّة انّ في فرض الصورة الثالثة أمرين:

أ. عزمه على الإفطار بعد نيّة الصوم.

ب. تقدّم نية الصوم على ذلك العزم.

و ليس الأوّل أزيد ممّن عزم على العدم ثمّ بدا له أن يصوم، و قد مرّ قول الماتن بأنّه لا فرق بين سبق التردّد أو سبق العدم.

و أمّا الثاني، فهو إن لم يكن مفيدا لا يقع مضرّا، إذ لو كان في هذه الفترة عازما على الإفطار لم يكن مفسدا، فكيف إذا كان صائما؟

ثمّ إنّ الماتن قيّد صحّة الصوم بما إذا لم يكن مفسدا لصومه برياء و نحوه، فانّه لا يجزئه لو أراد التجديد قبل الزوال.

وجهه: قصور الأدلّة عن شمول هذا الفرد فانّه بصدد تنزيل غير الصائم منزلة الصائم.

و أمّا تنزيل الصائم على الوجه المحرّم كالرياء، منزلة الصائم على الوجه المحلّل، فهو يحتاج إلى دليل خاص و لا ينقلب العمل المحرّم إلى العمل المحلّل، و ليس الصيام مع الرياء مثل من لم ينو أو ينوى العدم. إذ ليس ترك النية أو نية‌

____________

(1). الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 4.

66

[المسألة 14: إذا نوى الصوم ليلا لا يضره الإتيان بالمفطر بعده قبل الفجر مع بقاء العزم على الصوم]

المسألة 14: إذا نوى الصوم ليلا لا يضره الإتيان بالمفطر بعده قبل الفجر مع بقاء العزم على الصوم. (1)

[المسألة 15: يجوز في شهر رمضان أن ينوي لكلّ يوم نيّة على حدة]

المسألة 15: يجوز في شهر رمضان أن ينوي لكلّ يوم نيّة على حدة، و الأولى أن ينوي صوم الشهر جملة، و يجدّد النيّة لكلّ يوم، و يقوى الاجتزاء بنيّة واحدة للشهر كلّه، لكن لا يترك الاحتياط بتجديدها لكلّ يوم، و أمّا في غير شهر رمضان من الصوم المعيّن فلا بدّ من نيّته لكلّ يوم إذا كان عليه أيّام

____________

الصوم عملا محرّما فلا يكون مانعا من التنزيل بخلاف الصيام للرياء، فانّه قبيح و مبغض لا يقبل التنزيل.

و يمكن أن يقال انّ العبرة هنا بنية الصوم قبل الزوال مستمرا إلى الليل، فهذا هو الذي يصحح العمل و يتعامل الشارع معه كعمل تام.

و أمّا ما سبق عليها فلا عبرة به سواء أ كان متردّدا و عازما على العدم أو مرائيا في صومه المؤقت، و كأنّ الماتن تلقّى انّ الرياء كاستعمال المفطر مع أنّه ليس كذلك. و سيوافيك تمام الكلام في المسألة العشرين.

(1) إنّ الواجب على المكلّف العزم على ترك المفطرات في الفترة التي يجب عليه الإمساك فيها، و ليس هو إلّا المجموع من أوّل الفجر إلى آخر النهار. و إذا كان هذا هو الإمساك الواجب، فالنيّة باقية سواء أتى بالمفطر بعده أم لا، و ما ذاك إلّا لأنّ النية مقيدة بترك المفطرات من أوّل الفجر، و هذا صادق سواء تناول شيئا بعدها أم لم يتناول.

و ما نقل عن الشهيد الأوّل من لزوم تجديد النية لو أتى بالمفطر غير ظاهر، لأنّ النيّة على التقرير الماضي باقية فلا يضرّها الإفطار بشي‌ء بعدها.

67

كشهر أو أقلّ أو أكثر. (1)

____________

(1) يقع الكلام في فرعين:

الأوّل: كفاية النيّة الواحدة لصيام شهر رمضان، أو لزوم تجديدها لكلّ يوم، و ربما يحتمل لزوم الاقتصار بها و عدم تجديدها، و إليك البيان:

قال الشيخ في الخلاف: و يجزي في صوم رمضان نية واحدة من أوّل الشهر إلى آخره؛ و به قال مالك. و قال الشافعي: لا بد من أن ينوي لكلّ يوم من ليله، سواء وجب ذلك شرعا أو نذرا، كصيام شهر رمضان و النذر و الكفارات، و سواء تعلّق بزمان بعينه كصوم رمضان، أو نذر زمان بعينه، أو كان في الذمة كالنذور المطلقة و القضاء و الكفارات؛ و به قال مالك و أحمد، إلّا انّ مالكا قال: إذا نوى شهر رمضان في أوّل ليلة للشهر كلّه أجزأه. (1)

و أمّا أصحابنا: فالظاهر من القدماء كفاية نية واحدة، و عليه المفيد في مقنعته (2) و المرتضى في انتصاره (3) و سلّار في مراسمه (4) و أبو الصلاح في كافيه. (5)

و قال في الحدائق: المشهور بين الأصحاب المتأخرين أنّه لا بدّ في كلّ يوم من شهر رمضان من نية. (6) و هو صريح العلّامة في المختلف.

و الحاصل انّ في المسألة قولين:

____________

(1). الخلاف: 2/ 163، كتاب الصوم، المسألة 3.

(2). المقنعة: 302.

(3). الانتصار: 61.

(4). المراسم: 96.

(5). الكافي: 181.

(6). الحدائق: 13/ 27.

68

..........

____________

1. ما عليه قدماء الأصحاب، من كفاية النية الواحدة للشهر كلّه، و استدل عليه السيد المرتضى بأنّه تؤثّر في الشهر كلّه، كما تؤثّر في اليوم كله و إن وقعت في ابتداء ليلته، و لو شرطت مقارنة النية للصوم لما جاز ذلك (النيّة في ابتداء ليلته) مع الإجماع على جوازه، و لو اشترط في تروك الأفعال في زمان الصوم، مقارنة النية لها، لوجب تجديد النية في كلّ حال من زمان كلّ يوم من شهر رمضان، لأنّه في هذه الأحوال كلّها تارك لا يوجب كونه مفطرا. (1)

و حاصل استدلاله أمران:

أ. إذا كانت النية في أوّل الليلة كافية لصوم يوم، فلتكن نية شهر كافية له، لاشتراكهما في تقدم النية على الواجب و ظرفه.

ب. إذا كانت المقارنة شرطا لصحّة العمل، يجب استمرارها طول النهار و عدم كفاية النية قبل طلوع الفجر، مع أنّه غير واجب إجماعا إذ لا فرق في عدم المقارنة بين قلة الفصل و كثرته.

و ظاهر كلامه جواز الاكتفاء بنية واحدة و إن جاز تجديدها لكلّ ليلة، و لكن الظاهر ممّا استدل به الشهيد الثاني على قول القائل، لزومها و عدم جواز تجديدها، قال: «إنّ القائل بالاكتفاء بنية واحدة للشهر يجعله عبادة واحدة كما صرح به في دليله، و من شأن العبادة الواحدة المشتملة على النية الواحدة، أن لا يجوز تفريق النية على أجزائها كما هو المعلوم من حالها، و حينئذ يشكل أولوية تعدد النية بتعدد الأيّام، لاستلزامه تفريق النية على أجزاء العبادة الواحدة التي تفتقر إلى النية الواحدة. (2)

2. ما عليه المتأخرون من عدم كفاية النية الواحدة.

____________

(1). رسائل الشريف المرتضى: المسائل الرسّية: المجموعة الثانية: 355.

(2). المسالك: 2/ 11.

69

..........

____________

و استدل العلّامة عليه بقوله: لا شكّ انّ صوم كلّ يوم مستقل بنفسه قائم بذاته، لا تعلّق له باليوم الذي بعده و تتعدّد الكفارة بتعدّد أيّام إفطاره، ثمّ ردّ على دليل المرتضى بقوله: إنّه قياس محض، مع قيام الفارق بين الأصل و الفرع فانّ اليوم الواحد، عبادة واحدة، و انقسامها بانقسام أجزاء زمانها لا يوجب تعدّدها، كالصلاة التي يكفي في إيقاعها النية الواحدة، و لا يوجب لكلّ فعل نية على حدة، بخلاف الأيام المتعددة فانّها عبادات متغايرة و لا تعلق لبعضها ببعض. (1)

و لا يخفى أنّ ما ذكره كاف في ردّ دليله الثاني و هو عدم اشتراط استمرار النية، و كفاية وجودها عند طلوع الفجر، دون دليله الأوّل على جواز الفصل بين النية و العمل، إذ لم يردّ عليه بشي‌ء.

و التحقيق أن يقال: انّ هذا النزاع مبني على قول القدماء من تفسير النية بالإخطار بالبال، فقالوا: هل تكفي النية الواحدة أي الإخطار بالبال في أوّل الشهر أو يلزم تعددها أي تعدد الإخطار بالبال.

و أمّا على مبنى المتأخرين من أنّ النيّة عبارة عن الداعي الذي هو أثر الإرادة التفصيلية الباعثة إلى اختيار الفعل في وقته فيكفي بقاؤه في النفس بحيث لا تنافيه الغفلة و النوم، و كلّما سئل المكلّف عن الفعل لأخبر بأنّه بصدد الصوم. و الداعي للعمل مكنون في النفس لا يضمحلّ بمرور الأيّام، سواء سمّي ذلك نية واحدة لمجموع أيّام الشهر أو نيات متعددة حسب تقرره في النفس عبر الأيام.

و أمّا الاستدلال على كفاية النية الواحدة بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (2) فغير تام، لأنّ الآية بصدد التفريق بين الحاضر و المسافر و ليست بصدد بيان انّ الواجب شي‌ء واحد و هو نفس الشهر حتى يقال بأنّ العمل الواحد تكفي فيه النية الواحدة.

____________

(1). المختلف: 3/ 374.

(2). البقرة: 185.

70

[المسألة 16: يوم الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان يبني على أنّه من شعبان]

المسألة 16: يوم الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان يبني على أنّه من شعبان، فلا يجب صومه، و إن صام ينويه ندبا أو قضاء أو غيرهما، و لو بان بعد ذلك أنّه من رمضان أجزأ عنه و وجب عليه تجديد النيّة إن بان في أثناء النهار، و لو كان بعد الزوال، و لو صامه بنيّة أنّه من رمضان لم يصحّ و إن صادف الواقع. (1)

____________

(1) المسألة تشمل على فرعين:

1. يوم الشك في أنّه من شعبان أو رمضان، لا يجب صومه و إن صام فيصوم من شعبان ندبا أو قضاء و يجزيه صومه إن بان الخلاف، و لو بان قبل الغروب يجدد النية.

2. لو صام من رمضان لم يصح و إن صادف الواقع.

و إليك الكلام في الفرعين:

الفرع الأوّل: قال الشيخ في الخلاف: صوم يوم الشكّ يستحب بنية شعبان، و يحرم صومه بنية رمضان، و صومه من غير نية أصلا لا يجزي عن شي‌ء.

و ذهب الشافعي إلى أنّه يكره إفراده بصوم التطوع من شعبان، أو صيامه احتياطا لرمضان، و لا يكره إذا كان متصلا بما قبله من صيام الأيّام.

و كذلك لا يكره أن يصومه إذا وافق عادة له في مثل ذلك، أو يوم نذر أو غيره؛ و حكى أنّ به قال في الصحابة؛ علي (عليه السلام)، و عمر، و ابن مسعود، و عمار بن ياسر؛ و في التابعين: الشعبي، و النخعي؛ و في الفقهاء: مالك، و الأوزاعي.

و قالت عائشة و أختها أسماء: لا يكره بحال.

71

..........

____________

و قال الحسن و ابن سيرين: إن صام إمامه صام، و إن لم يصم إمامه لم يصم.

و قال ابن عمر: إن كان صحوا كره، و إن كان غيما لم يكره؛ و به قال أحمد بن حنبل.

و قال أبو حنيفة: إن صامه تطوعا لم يكره، و إن صامه على سبيل التحرز لرمضان حذرا أن يكون منه فهذا مكروه. (1)

و الإمعان في الأقوال المنقولة عن الصحابة و التابعين و الفقهاء يثبت انّ الكراهة و ترك الصيام عندهم أفضل.

قال ابن رشد: و اختلفوا في تحرّي صيامه- يوم الشكّ- تطوعا، فمنهم من كرهه على ظاهر حديث عمّار: «من صام يوم الشكّ فقد عصى أبا القاسم» و من أجازه فلأنّه قد روي انّه (عليه السلام) صام شعبان كلّه، و لما قد روي من أنّه عليه الصلاة و السلام قال: «لا تتقدموا رمضان بيوم و لا بيومين إلّا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم فليصمه». و كان الليث بن سعد يقول: إنّه إن صامه على أنّه من رمضان ثمّ جاء الثبت انّه من رمضان أجزأه. (2)

و على كلّ حال فجواز الصوم و كفايته عن رمضان عندنا اتفاقي.

قال المحدّث البحراني: الظاهر انّه لا خلاف في أنّه لو صام يوم الشك بنية الندب، ثمّ ظهر كونه من شهر رمضان فانّه يجزي عنه و لا يجب عليه قضاؤه. (3)

و قال في الجواهر: بلا خلاف أجده، بل ربما ظهر من المحقّق و العلّامة نفي الخلاف بين المسلمين، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 170، كتاب الصوم، المسألة 9.

(2). بداية المجتهد: 1/ 310.

(3). الحدائق الناضرة: 13/ 39.

72

..........

____________

حدّ الاستفاضة إن لم يكن متواترا كالنصوص. (1)

و ربما نسب إلى المفيد القول بالكراهة لكن كلامه في المقنعة ينادي بخلاف ذلك. (2) و إليك بعض ما يدل عليه:

1. موثقة سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل صام يوما و لا يدري أ من شهر رمضان هو أو من غيره، فجاء قوم فشهدوا انّه كان من شهر رمضان، فقال: بعض الناس عندنا: لا يعتدّ به؟

فقال: «بلى».

فقلت: إنّهم قالوا: صمت و أنت لا تدري أ من شهر رمضان هذا أم من غيره؟ فقال: «بلى، فاعتدّ به، فإنّما هو شي‌ء وفّقك اللّه له، إنّما يصام يوم الشك من شعبان و لا تصومه من شهر رمضان». (3)

2. ما رواه الكليني عن معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، فيكون كذلك؟ فقال: «هو شي‌ء وفّق له». 4

3. ما رواه سعيد الأعرج، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي صمت اليوم الذي يشك فيه، فكان من شهر رمضان، أ فأقضيه، قال: «لا، هو يوم وفقت له». 5

4. ما رواه محمد بن حكيم، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن اليوم الذي يشكّ فيه، فإنّ الناس يزعمون انّ من صامه بمنزلة من أفطر في شهر رمضان، فقال: «كذبوا، إن كان من شهر رمضان فهو يوم وفّق له، و إن كان من غيره، فهو‌

____________

(1). جواهر الكلام: 16/ 211.

(2). المقنعة: 302.

(3) 3 و 4 و 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 4 و 5 و 2.

73

..........

____________

بمنزلة ما مضى من الأيّام». (1)

5. ما رواه بشير النبّال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن صوم يوم الشك؟ فقال: «صمه، فإن يك من شعبان، كان تطوّعا، و إن يك من شهر رمضان فيوم وفّقت له». 2

6. ما رواه الكاهلي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن اليوم الذي يشك فيه من شعبان، قال: «لأن أصوم يوما من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوما من شهر رمضان». 3

و هذه الطائفة من الروايات تعرب عن جواز الصيام و كفايته عن شهر رمضان إذا بان الواقع.

و أي لفظ أصرح من قوله في رواية سماعة «بلى، فاعتدّ به»؛ و قوله في رواية الأعرج: «فكان من شهر رمضان، أ فأقضيه، فقال: لا»؛ و في رواية أخرى لسماعة:

سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، لا يدري أ هو من شعبان، أو من شهر رمضان، فصامه فكان من شهر رمضان؟ قال: «هو يوم وفّق له، لا قضاء عليه». 4

نعم ورد في التهذيب مكان قوله: «فصامه فكان من شهر رمضان» قوله:

«فصامه من شهر رمضان» و لكن نسخة التهذيب مغلوطة و الصحيح ما رواه الكليني.

و ما ورد فيه قوله: «هو شي‌ء وفق له» مجردا عن نفي القضاء أريد من التوفيق صحّة الصوم و عدم وجوب قضائه لو بان انّه من شهر رمضان بقرينة الروايات التي قورن فيها التوفيق بعدم القضاء.

____________

(1) 1 و 2 و 3 و 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 7، 3، 1، 6.

74

..........

____________

و هذه الروايات و غيرها تدل بوضوح على القول المشهور المتفق عليه.

نعم في مقابل هذه الروايات ما يعارضها، نقتصر منها على ما يلي:

1. ما رواه قتيبة الأعشى، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن صوم ستة أيّام: العيدين، و أيام التشريق، و اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان». (1)

2. عبد الكريم بن عمرو الملقّب ب‍ «كرّام»، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

إنّي جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم فقال: «صم؛ و لا تصم في السفر، و لا العيدين، و لا أيّام التشريق، و لا اليوم الذي يشك فيه». 2

3. عن محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن اليوم الذي يشكّ فيه و لا يدرى أ هو من شهر رمضان أو من شعبان؟ فقال: «شهر رمضان، شهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من التمام و النقصان، فصوموا للرؤية و أفطروا للرؤية، و لا يعجبني أن يتقدمه أحد بصيام يوم ...» الحديث. 3

و لكن النهي محمول على الصوم بنيّة رمضان بشهادة حديث محمد بن شهاب الزهري قال: سمعت علي بن الحسين يقول: «و صوم يوم الشكّ أمرنا به و نهينا عنه، أمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان، و نهينا عنه، أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشكّ فيه الناس». الحديث. 4

و يمكن حمل هذه الروايات على التقية لما عرفت من كتاب الخلاف، ذهاب بعضهم إلى كراهته إذا كان مفردا، أو التفصيل بين الصحو و الغيم كما عن ابن عمر أو غير ذلك.

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 2، 3.

(2) 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 7.

(3) 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 8.

75

..........

____________

إذا صام قضاء يجزي عن رمضان إذا صام ندبا، أو قضاء أو لغيرهما و بان أنّه من رمضان أجزأ عنه في جميع الصور، و ربما يقال انّ المنصرف من صومه على أنّه من شعبان، صومه بنية صوم شعبان المندوب لا غير ... و يؤيد قوله (عليه السلام) في رواية بشير النبال: «صمه فإن يك من شعبان كان تطوعا، و إن يك من رمضان فصوم وفّقت له». (1)

يلاحظ عليه: أنّ مقتضى الإطلاقات هو الاجتزاء في جميع الصور و لو كانت الصحة مختصة بما إذا صام تطوعا كان على الإمام البيان، و أمّا رواية بشير فليست بصدد التقييد، بل ورد بعنوان المثال.

تجديد النية لو بان أثناء النهار هل يجب تجديد النية إن بان في أثناء النهار و لو كان بعد الزوال أو لا؟ يظهر من صاحب الجواهر التردد في الوجوب قائلا: ثمّ إنّ إطلاق النص و الفتوى يقتضي الاجتزاء بذلك، و إن لم يجدّد النية إذا بان انّه من رمضان في أثناء النهار. (2)

لكن مصبّ الروايات هو الانكشاف بعد انقضاء النهار، فلا يصحّ التمسك بإطلاقها فلا بدّ من الرجوع إلى القواعد فربما يقال انّ أمامه أحد الأمور:

1. أن يتخلّى عن النية عند الانكشاف، بحيث لو نوى المفطر ساغ له ذلك.

2. أن يستمر على النية السابقة: نية الصوم من شعبان ندبا.

3. أن يجدّد النية.

و الأوّل باطل جزما، و الصوم عبادة لا يصحّ بلا نية، و الثاني أيضا مثله لعدم‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 3.

(2). الجواهر: 16/ 211.

76

..........

____________

الأمر بالصوم بنية شعبان فتعين الثالث.

يلاحظ عليه: أنّه يتخلّى عن النية السابقة، و يصوم بلا عنوان لما مرّ من أنّ الزمان لا يصلح إلّا لرمضان، و قد مرّ انّ في مثله يكفي الصوم بلا نية العنوان، نعم تجديد النية هو الأحوط فربما تحصل بلا اختيار بعد الانكشاف، كما هو الأقوى، و عندئذ يكون البحث عن التجديد و عدمه أمرا لغوا.

الفرع الثاني: لو صام يوم الشكّ بنية انّه من رمضان و هذا الفرع أحد الفروع الأربعة الآتية في المسألة السابعة عشرة.

قال الشيخ في الخلاف: صوم يوم الشك يستحب بنية شعبان، و يحرم صومه بنية رمضان. (1)

و قال في مسألة أخرى: إذا عقد النية ليلة الشكّ على أن يصوم من رمضان من غير أمارة من رؤية أو خبر من ظاهره العدالة، فوافق شهر رمضان اجزأه و قد روي أنّه لا يجزئه. (2)

و لا يخفى وجود التهافت الاجتهادي بين المسألتين، فإذا كان صومه حراما، فكيف يكون صحيحا مع اقتضاء النهي في العبادات الفساد؟!

و كلّ من نسب إلى الشيخ الجواز، فإنّما هو بالنظر إلى كلامه في المسألة الأخرى، و إلّا فمقتضى كلامه في مسألتنا هو الفساد.

قال العلّامة في المختلف بعد عنوان المسألة: قال ابن أبي عقيل: إنّه يجزئه؛ و هو اختيار ابن الجنيد، و به أفتى الشيخ في الخلاف، قال فيه: و قد روي أنّه لا يجزئه.

و قال في المبسوط: و إن صام بنية الفرض روى أصحابنا أنّه لا يجزئه؛ و قال‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 170، كتاب الصوم، المسألة 9.

(2). الخلاف: 2/ 180، كتاب الصوم، المسألة 23.

77

..........

____________

في النهاية، و الجمل، و الاقتصاد و كتابي الاخبار: لا يجزئه و هو حرام.

و اختاره السيد المرتضى، و ابنا بابويه، و أبو الصلاح، و سلّار، و ابن البراج، و ابن إدريس، و ابن حمزة و هو الأقوى. (1)

و قال في الحدائق الناضرة بعد عنوان المسألة: المشهور انّه يكون فاسدا و لا يجزئ عن أحدهما، لا عن شهر رمضان و إن ظهر كونه منه. (2)

و قال في الجواهر: على المشهور بين الأصحاب، بل في الرياض نسبته إلى عامة من تأخّر، بل عن المبسوط نسبته إلى الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه لبطلانه بالنهي عنه، المقتضي للفساد. (3)

و يمكن الاستدلال على الصحّة بروايتين:

الأولى: موثقة سماعة، قال: سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، لا يدري أ هو من شعبان أو من شهر رمضان، فصامه من شهر رمضان؟

قال: «هو يوم وفّق له لا قضاء عليه». (4)

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على ما رواه الشيخ في التهذيب:

«... فصامه من شهر رمضان» و لكن المروي في الكافي قوله: «فصامه [فكان] من شهر رمضان» باضافة لفظة «فكان» فيكون دليلا للفرع السابق، قال في الحدائق:

«و بذلك يظهر حصول الغلط في الخبر و نقصان «فكان» من رواية الشيخ كما هو معلوم من طريقته في الكتاب المذكور و ما جرى له فيه من التحريف و التغيير‌

____________

(1). مختلف الشيعة: 3/ 380.

(2). الحدائق الناضرة: 13/ 34.

(3). الجواهر: 16/ 207.

(4). الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 6. و قد أشار المعلّق على الوسائل إلى اختلاف نسختي الكافي و التهذيب فلاحظ.

78

..........

____________

و النقصان في متون الأخبار و أسانيدها.

و الثانية صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، فيكون كذلك، فقال: «هو شي‌ء وفّق له»، بناء على (1) أنّ قوله: «من شهر رمضان» متعلّق بقوله: «يصوم».

يلاحظ عليه: أنّه خلاف الظاهر، لوضوح انّ قوله: «من شهر رمضان» متعلّق ب‍ «يشك» لا بقوله: «يصوم» لأقربية الأوّل.

استدل القائلون بالفساد بروايات:

1. رواية هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: في يوم الشك: من صامه قضاه، و إن كان كذلك، يعني من صامه على أنّه من شهر رمضان بغير رؤية، قضاه، و إن كان يوما من شهر رمضان، لأنّ السنّة جاءت في صيامه على أنّه من شعبان، و من خالفها كان عليه القضاء. (2)

و الاستدلال مبني على أنّ التفسير أعني قوله: «يعني الخ» من الإمام و إلّا فقوله: «من صامه قضاه و إن كان كذلك» مجمل مردّد بين الصوم بنية شعبان الذي فرغنا عنه أو صومه بنية رمضان الذي نحن فيه.

نعم يمكن أن يقال انّ المراد الصوم بنية رمضان بقرينة ما مضى من الروايات الدالة على الصحّة إذا كانت النية، نية شعبان.

2. صحيح محمد بن مسلم في الرجل يصوم اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان، فقال: «عليه قضاؤه و إن كان كذلك». 3

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 6 و 5. و قد أشار المعلّق على الوسائل إلى اختلاف نسختي الكافي و التهذيب فلاحظ.

(2) 2 و 3. الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 5 و 1.

79

..........

____________

و الاستدلال مبني على تعلّق الظرف (من رمضان) بقوله: «يصوم» حتى يكون الصوم بنية رمضان.

يلاحظ عليه: الظاهر تعلّقه بالأقرب، أعني: يشك، و يكون عندئذ مخالفا لما دل على الصحة من الروايات و الإجماع.

و يمكن أن يكون متعلقا بالبعيد بأن يكون المراد يصوم- يوم الشك- من رمضان و ذلك جمعا بينها و بين الروايات الدالة على الصحّة إذا صام بنية شعبان.

و الأولى الاستدلال بالروايتين التاليتين:

3. رواية الزهري عن علي بن الحسين (عليهما السلام) في حديث طويل، قال: «و صوم يوم الشك أمرنا به و نهينا عنه، أمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان، و نهينا عنه أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس». (1)

و الاستدلال مبني على أنّ المراد من انفراد الرجل، انفراده بصيامه عن سائر الناس فيصوم بنية رمضان.

و في بعض النسخ على ما في تعليقة الحدائق «أن ينوى» مكان «أن ينفرد».

4. موثقة سماعة في جواب سؤال من قال: رجل صام يوما و لا يدري أ من شهر رمضان هو أو من غيره؟ فقال (عليه السلام): «بلى فاعتدّ به فإنّما هو شي‌ء وفقك اللّه له، إنّما يصام يوم الشكّ من شعبان، و لا تصومه من شهر رمضان، لأنّه قد نهى أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك». 2

و دلالة الرواية واضحة، و المقصود من قوله: «و لأنّه قد نهى أن ينفرد الإنسان» أي ينفرد بالصوم بنية رمضان.

هذه هي الروايات التي استدلّ بها على القول المشهور، و إن كانت دلالة‌

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 8 و 4.

80

..........

____________

بعضها ضعيفة، و لكن في المجموع كفاية.

مضافا إلى أنّ الصوم بنيّة رمضان بدعة في الدين، لأنّه إذا لم يثبت الهلال لم يثبت كون اليوم من رمضان، فكيف يصوم بنية يوم دل الدليل على أنّه من شعبان؟

و بذلك يظهر مفاد النهي عن الصوم في يوم الشك ففي خبر محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في اليوم الذي يشك فيه- إلى أن قال:- «لا يعجبني أن يتقدم أحد بصيام يومه». (1)

و في خبر سهل بن سعد قال: سمعت الرضا يقول: «الصوم للرؤية، و الفطر للرؤية، و ليس منّا من صام قبل الرؤية للرؤية، و أفطر قبل الرؤية للرؤية»، قال:

قلت له: يا ابن رسول اللّه فما ترى في صوم يوم الشك؟ فقال: «حدثني أبي، عن جدّي، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لأن أصوم يوما من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوما من شهر رمضان». 2

و مرسل الصدوق قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «لئن أفطر يوما من شهر رمضان أحبّ إليّ من أن أصوم يوما من شعبان، أزيده في شهر رمضان». 3

فانّ ذيل المرسلة قرينة على المراد من قوله: «لا يعجبني أن يتقدمه أحد بصيام يومه» هو أن يجعله من رمضان.

و بعد ملاحظة الفتاوى في الفرعين و دراسة الروايات و تفسير بعضها ببعض، يتبيّن انّ ما هو المشهور هو الحقّ و إن قال صاحب الجواهر: فالمسألة لا تخلو من إشكال. 4

____________

(1) 1 و 2 و 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم و نيّته، الحديث 7 و 9 و 8.

(2) 4. الجواهر: 16/ 211.

81

[المسألة 17: صوم يوم الشكّ يتصوّر على وجوه]

المسألة 17: صوم يوم الشكّ يتصوّر على وجوه:

الأوّل: أن يصوم على أنّه من شعبان، و هذا لا إشكال فيه، سواء نواه ندبا، أو بنيّة ما عليه من القضاء أو النذر، أو نحو ذلك، و لو انكشف بعد ذلك أنّه كان من رمضان أجزأ عنه و حسب كذلك.

الثاني: أن يصومه بنيّة أنّه من رمضان، و الأقوى بطلانه و إن صادف الواقع.

الثالث: أن يصومه على أنّه إن كان من شعبان كان ندبا أو قضاء مثلا. و إن كان من رمضان كان واجبا. و الأقوى بطلانه أيضا.

الرابع: أن يصومه بنيّة القربة المطلقة، بقصد ما في الذمّة، و كان في ذهنه أنّه إمّا من رمضان أو غيره، بأن يكون الترديد في المنويّ لا في نيّته فالأقوى صحّته و إن كان الأحوط خلافه. (1)

____________

(1) تقدم الكلام في الأوّلين إنّما الكلام في الأخيرين، و البحث تارة يقع في الفرق بينهما، و أخرى في وجه اختلاف حكمهما من حيث عدم صحّة الأوّل و صحّة الثاني.

وجه الفرق بين الصورتين الظاهر من الماتن أنّ الأوّل من قبيل الترديد في المنويّ حيث فسّر القسم الثاني بقوله: «بأن يكون الترديد في المنوي لا في النية» مشيرا بذلك إلى أنّ الترديد في الأوّل من قبيل الترديد في النية.

يلاحظ عليه: إذا كان المراد من النية هو قصد الصوم و العزم عليه، فهو قاصد و عازم قطعا فهو غير متردد في نية الصوم و قصده.

82

..........

____________

و قد حاول المحقّق الخوئي أن يجعله من قبيل الترديد في النيّة بالبيان التالي:

و هو انّ مبنى الصورة الأولى على الامتثال الاحتمالي، بمعنى انّ الباعث له على الصيام إنّما هو احتمال رمضان، و أمّا الطرف الآخر، أعني: الصوم الندبي من شعبان، فلا يهتمّ به، بل قد يعلم ببطلانه لعدم كونه مأمورا به في حقّه، كما لو كان عبدا أو زوجة أو ولدا قد منعه المولى أو الزوج أو الوالد عن الصوم الندبي، بناء على الافتقار إلى الإذن منهم، فيصوم يوم الشك برجاء أنّه من رمضان لا على سبيل البتّ و الجزم ليكون من التشريع، فيتعلّق القصد بعنوان رمضان، لكن لا بنية جزمية بل ترديدية احتمالية ...

و أمّا الصورة الثانية، فليس فيها رجاء أبدا، بل هو قاصد للأمر الفعلي الجزمي الجامع بين الوجوب و الاستحباب للقطع بتعلّق الأمر بالصوم في هذا اليوم، غاية الأمر انّ الخصوصية مجهولة، لأنّ صفة المنويّ مرددة بين الوجوب و الاستحباب لتردّدها بين رمضان و شعبان. (1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في الصورة الثانية لا غبار عليه، و قد أصلح بما ذكره عبارة الماتن حيث جعل المراد من التردّد في المنوي، هو التردّد في وصف المنويّ لا نفسه، خلافا لظاهر عبارة الماتن في كون التردّد في نفس المنويّ لا في وصفه، لكن كلامه في الصورة الأولى غير تام، لأنّه ربما يهتم بكلا الطرفين، كما إذا كان عليه قضاء يريد أن يقضي ما فات لئلّا تتعلّق به كفارة التأخير، أو كان عليه صوم نذري أو غير ذلك من الدواعي، و معه كيف يقول: إنّ الداعي هو الاحتمال، للاهتمام بأحد الأمرين دون الآخر؟!

و يمكن أن يقال: إنّه جازم في النية، أي قاصد للصوم، و جازم لامتثال الأمر، المحقّق شرطه في الواقع و إن لم يكن عارفا به؛ فكأنّه ينوي، إن كان من شعبان‌

____________

(1). مستند العروة: 75- 76.

83

..........

____________

أصومه ندبا لا غير. و إن كان رمضان أصومه واجبا لا غير، و بما انّ أحد الشرطين محقّق في الواقع، فهو قاصد للأمر المحقّق شرطه، فليس هذا ترديدا في النية و لا في المنويّ، و إنّما هو جهل لوصف الأمر المجزوم، المحقّق شرطه.

و الفرق بينها و بين الصورة الثانية هو انّ المنويّ في الثانية هو الأمر الفعلي الماثل أمامه من دون تعليق و اشتراط، و هذا بخلاف المقام فيقصد كلّ أمر مشروطا، و تكون النتيجة أنّه يقصد الأمر المشروط، المحقّق شرطه عند اللّه.

فليست هاتان الصورتان لا من قبيل الشكّ في النية و لا في المنويّ، و التفاوت بينهما هو كون المنويّ في الأولى مشروط دون الثاني.

نعم لو قال: أصوم إن كان من رمضان و لا أصوم لو كان من شعبان فهو ترديد في النية.

كما أنّه لو قال: أصوم إمّا من رمضان أو من شعبان، فهو ترديد في المنويّ، بلا تعليق على تقدير معين.

بقي هنا شي‌ء:

و هو انّ الماتن قيّد القربة المطلقة بقصد ما في الذمة في الصورة الثانية، و كأنّه قيد زائد لا يتم فيما إذا لم يكن على ذمته صوم واجب من قضاء أو نذر أو كفارة، و أمّا الصوم الاستحبابي فليس على ذمة الإنسان، و على هذا، فالإتيان بهذا القيد أمر زائد لو لم يكن مخلا.

إنّ هنا صورة خامسة، و هي أن يأتي بها تقرّبا إلى اللّه، بناء على كفايته في صحة العبادة و إن لم يلتفت إلى أمره، و لعلّ قول الماتن: «بنية القربة المطلقة» إشارة إلى هذا القسم، دون ما ذكرناه و فسرناه من قصد الأمر الفعلي الماثل، هذا كلّه حول الأمر الأوّل، أي تبيين واقع النيّتين.

84

..........

____________

ما هو وجه الفرق في الحكم؟ فلنذكر الأقوال ثمّ بيان الفرق:

قال الشيخ: إذا نوى أن يصوم غدا من شهر رمضان فرضة أو نفلة، فقال:

إنّه إن كان من رمضان فهو فرض، و إن لم يكن من رمضان فهو نافلة: أجزأه و لا يلزمه القضاء. و قال الشافعي: لا يجزيه و عليه القضاء.

دليلنا: ما قدّمناه من أنّ شهر رمضان يجزي فيه نية القربة، و نية التعيين ليست شرطا في صحّة الصوم، و هذا قد نوى القربة و إنّما لم يقطع على نية التعيين فكان صومه صحيحا. (1)

و قال العلّامة في المختلف: للشيخ قولان: أحدهما: الإجزاء، ذكره في المبسوط و الخلاف، و الثاني: العدم، ذكره في باقي كتبه. و اختاره ابن إدريس؛ و اختار ابن حمزة الأوّل، و هو الأقوى، و هو مذهب ابن أبي عقيل. (2)

و قال في الحدائق: و الصحة ظاهر الدروس و البيان، و إليه يميل كلام المحقّق الأردبيلي، و المحدث الكاشاني؛ و أمّا البطلان، فقد ذهب إليه المحقّق، و ابن إدريس، و العلّامة في الإرشاد، و اختاره في المدارك و نسبه إلى أكثر المتأخرين. (3)

استدل القائل بالبطلان في الصورة الأولى بوجوه:

الأوّل: ما نقله العلّامة عن الشيخ: انّه لم ينو أحد السببين (الأمرين) قطعا، و النية فاصلة بين الوجهين و لم يحصل، و المراد انّ النية قاطعة للترديد و موجبة لنية‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 179، كتاب الصوم، المسألة 21.

(2). مختلف الشيعة: 3/ 383.

(3). الحدائق: 13/ 44.

85

..........

____________

أحد السببين و لم يحصل.

و أجاب العلّامة: المنع من اشتراط القطع، لأنّه تكليف بما لا يطاق. (1)

توضيحه: انّه نوى أحد السببين لا بصورة مطلقة، بل بصورة مشروطة، و بما انّ شرط أحد الأمرين متحقّق فقد نواه و إن لم يتعيّن ظاهرا، فنيّة كلّ من الوجوب و الندب على تقدير، مرجعه إلى أنّه لو كان من شعبان فأصوم ندبا فقط و لو كان من رمضان فأصوم وجوبا فقط، فالمنوي في الواقع متعيّن و لا تعيّن عنده، و النيّة الفاصلة بين الوجهين أيضا محقّقة.

الثاني: الظاهر من النصوص انّه تتعيّن نيّته من شعبان، فنيّته بهذه الصورة على خلاف ذلك تشريع محرم فلا يتحقّق به الامتثال، و هو معتمد المدارك. (2)

يلاحظ عليه: أنّ النصوص المبيّنة لكيفية النيّة، بصدد المنع عن صومه بما انّه من رمضان، روى عبد اللّه بن سنان انّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صام شعبان، فلمّا كان شهر رمضان أضمر يوما من شهر رمضان فبان انّه من شعبان، لأنّه وقع فيه الشكّ؟ فقال: «يعيد ذلك اليوم، و إن أضمر من شعبان فبان انّه من رمضان فلا شي‌ء عليه». (3)

و هو صريح في أنّ الممنوع نيّة كونه من رمضان لا غير على وجه الجزم، و أمّا صورة الترديد و إيكال الأمر إلى الواقع، فهي خارجة عن حريم الروايات المجوّزة و المانعة.

و ممّا ذكرنا يعلم عدم تمامية ما ذكره المحقّق الخوئي حيث استقرب أن تكون الروايات ناظرة إلى نفس هذه الصورة، إذ من البعيد الاهتمام فيها بأمر إما لا يقع‌

____________

(1). مختلف الشيعة: 3/ 384.

(2). مدارك الأحكام: 6/ 34.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 10.

86

..........

____________

خارجا أو نادر الوقوع جدا، و هو الصوم في يوم الشك بعنوان رمضان بنية جزمية تشريعية، و بالجملة فالروايات إمّا مختصة بالرجاء أو أنّها مطلقة من هذه الجهة، و على التقديرين فتدل على البطلان في هذه الصورة. (1)

لأنّ ما ذكره مجرد احتمال لا تساعده ظواهر الروايات و ليس فيها أية إشارة إلى أنّها ناظرة إلى تلك الصورة، و لو افترضنا شمولها بصورة الرجاء، فيشمل ما إذا صام رجاء كونه رمضان فقط و هو غير نية كلّ من الأمرين على صورة خاصة.

الثالث: انّ حقيقة صوم رمضان، تغاير الصوم المندوب، كما يكشف عن ذلك اختلاف أحكامهما، فإذا لم تعيّن حقيقة أحدهما، في النيّة، التي حقيقتها استحضار حقيقة الفعل المأمور به، لم يقع عن أحدهما؛ و هو معتمد الشيخ الأعظم. (2)

يلاحظ عليه بما مرّ من أنّه لا تشترط نيّته عنوان رمضان في صحّة صومه، و ذاك لأنّ اليوم المتعيّن شرعا لصوم خاص لا يقبل فيه أي صوم، فتكفي فيه نية صوم الغد و الفرض أنّه محقق، و ما فسّرت به النيّة، كأنّه تفسير فلسفي، و اختلاف أحكام صوم رمضان يرجع إلى تعيّن اليوم للصوم، لا إلى اختلاف ماهية صومه مع صوم الأيام الأخر، و على ذلك فنيّة صوم الغد، كاف في استحضار حقيقة الفعل المأمور به كما لا يخفى.

هذا كلّه حول الصورة الأولى.

و أمّا صحة الصورة الثانية، فقد اتضحت ممّا ذكرناه للجزم بالنيّة، و الإشارة إلى الأمر المعيّن، غاية الأمر لا يعلم وصفه، و هو غير مضرّ.

____________

(1). مستند العروة: 76.

(2). كتاب الصوم للشيخ الأنصاري: 121.

87

المسألة 18: لو أصبح يوم الشّك بنيّة الإفطار، ثمّ بان له أنّه من الشهر، فإن تناول المفطر وجب عليه القضاء، و أمسك بقيّة النهار وجوبا تأدّبا، و كذا لو لم يتناوله و لكن كان بعد الزوال، و إن كان قبل الزوال و لم يتناول المفطر جدّد النيّة و أجزأ عنه. (1)

____________

(1) هنا فروع ثلاثة: حكم بالبطلان في الأوّلين دون الثالث، فلنذكر بعض الكلمات:

قال الشيخ: إذا أصبح يوم الشك و هو يوم الثلاثين من شعبان، و يعتقد انّه من شعبان بنية الإفطار، ثمّ بان أنّه من شهر رمضان لقيام بيّنة عليه قبل الزوال، جدّد النية و صام، و قد أجزأه. و إن بان بعد الزوال، أمسك بقية النهار و كان عليه القضاء. و به قال أبو حنيفة.

و قال الشافعي: يمسك و عليه القضاء على كلّ حال. و اختلفوا إذا أمسك هل يكون صائما أم لا؟ قال الأكثر: إنّه يجب عليه الإمساك و لا يكون صائما.

و قال أبو إسحاق: يكون صائما من الوقت الذي أمسك صوما شرعيا. (1) و لم يذكر ما إذا تناول المفطر.

و قال في المختلف بعد نقل كلام الشيخ عن الخلاف: و نحوه قال ابن أبي عقيل. و أطلق ابن الجنيد و قال: إن أصبح يوم الشك غير معتقد لصيام، فعلم فيه انّه من رمضان، فصامه معتقدا لذلك، أجزأ عنه و بناه على أصله من جواز تجديد النية بعد الزوال. (2)

____________

(1). الخلاف: 2/ 178، المسألة 20، كتاب الصوم.

(2). المختلف: 3/ 379.

88

..........

____________

و قال في الحدائق: أمّا الحكم الأوّل (الصحّة قبل الزوال) فالظاهر انّه لا خلاف فيه بينهم، و ظاهر المحقّق في المعتبر و العلّامة في المنتهى و التذكرة انّه موضع وفاق بين العلماء؛ و أمّا الحكم الثاني (البطلان فيما بعد الزوال) فهو المشهور. (1)

و استدل على الصحّة فيما إذا لم يتناول المفطر و علم قبل الزوال بفحوى ما ورد على انعقاد الصوم من المريض و المسافر إذا زال عذرهما من قبل. (2)

و ما ورد من طريق أهل السنة انّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر رجلا من «أسلم» ان أذّن في الناس أنّ من أكل فليصم بقية يومه، و من لم يكن أكل فليصم، فإنّ اليوم يوم عاشوراء (3) و نقله الشيخ في الخلاف كما مرّ.

و استدل في الجواهر بالإجماع و قال: و هو الحجّة بعد اعتضاده بما عرفت. (4)

أقول: الظاهر انّ الأصحاب انتزعوا ممّا ورد في أبواب مختلفة ضابطة كلية، و هي بقاء وقت النية إلى الزوال.

1. ما ورد في حقّ المسافر في موردين:

أ. ما ورد في خروجه قبل الزوال و بعده، ففي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن الرجل يخرج من بيته يريد السفر و هو صائم؟ قال: فقال:

«إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر و ليقض ذلك اليوم، و إن خرج بعد الزوال فليتم يومه». (5)

____________

(1). الحدائق: 13/ 46.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4، 6، 7.

(3). السنن الكبرى: 4/ 288.

(4). الجواهر: 16/ 214.

(5). الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2 و غيره.

89

..........

____________

ب. ما ورد في قدومه قبل الزوال و بعده، فعن أبي بصير قال: سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان، فقال: «إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم و يعتدّ به». (1)

2. ما ورد في الواجب غير المعين كالقضاء و النذر المطلق من بقاء وقت النية إلى الزوال إذا لم يفعل المنافي نهارا، و هي روايات متضافرة؛ ففي صحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يبدو له بعد ما يصبح و يرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان و إن لم يكن نوى ذلك من الليل؟ قال: «نعم ليصمه و ليعتدّ به إذا لم يكن أحدث شيئا». (2)

3. و ما دلّ من الأدلة على صحّة صوم الجاهل و الناسي لرمضان إذا تذكر قبل الزوال إذا لم يأت بمفطر، و هو و إن لم يرد فيه نص بالخصوص لكن عرفت أنّ الصحّة هو مقتضى القواعد.

4. اتّفاق المشهور عليها، حيث ألحقوا المريض الذي برأ قبل الظهر بالمسافر مع عدم ورود نصّ فيه، كلّ ذلك ممّا يشرف الفقيه على بقاء زمان النية في الصوم الواجب إلى الزوال، من غير فرق بين صوم رمضان أو غيره، أداء كان أو قضاء.

و ما عن السيد المحقّق الخوئي (قدّس سرّه) من أنّ الاجتزاء على خلاف القاعدة، يقتصر على مورد قيام الدليل، و هو خاص بالمريض و المسافر دون غيرهما و إن لم يتناول المفطر، فلا وجه للتعدي (3) غير تام، لما عرفت من عدم ورود النصّ في المريض أوّلا، و إمكان انتزاع القاعدة الكلية من روايات واردة في موارد مختلفة‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6 و غيره.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته، الحديث 2 و غيره.

(3). مستند العروة، كتاب الصوم: 78- 79.

90

[المسألة 19: لو صام يوم الشكّ بنيّة أنّه من شعبان ندبا أو قضاء أو نحوهما ثمّ تناول المفطر نسيانا]

المسألة 19: لو صام يوم الشكّ بنيّة أنّه من شعبان ندبا أو قضاء أو نحوهما ثمّ تناول المفطر نسيانا و تبيّن بعده أنّه من رمضان أجزأ عنه أيضا، و لا يضرّه تناول المفطر نسيانا، كما لو لم يتبيّن، و كما لو تناول المفطر نسيانا بعد التبيّن. (1)

____________

ثانيا.

بقي الكلام في أمرين:

1. فيما إذا تناول المفطر، وجب القضاء و أمسك بقية النهار وجوبا تأدّبا. أمّا القضاء، فعلى وفق القاعدة، إنّما الكلام في الإمساك بعد الإفطار تأدّبا، فقد ورد صوم التأديب في رواية الزهري عن علي بن الحسين (عليهما السلام) في مورد الصبي المراهق و المسافر إذا أكل من أوّل النهار، ثمّ قدم أهله، و كلّ من أفطر لعلة في أوّل النهار ثمّ قوى بعد ذلك، أمر بالإمساك بقية يومه تأديبا، و ليس بفرض. (1) إنّما الكلام في الإمساك التأديبي فرضا كما في المقام، فليس عليه دليل سوى ارتكاز المتشرعة، فانّ المرتكز عندهم قبح تناوله بعد علمه.

2. فيما لو لم يتناوله و لكن كان التبيّن بعد الزوال، و قد عرفت أنّ الميزان لتجديد النية، هو قبل الزوال، لا بعده، فلذلك يصوم تأدّبا و يقضي.

(1) في المسألة فروع ثلاثة، و الجامع بينها صوم يوم الشك بنية شعبان:

1. إذا تناول المفطر نسيانا قبل أن يتبيّن انّه من رمضان.

2. إذا تناول المفطر نسيانا و لم يتبيّن أنّه من رمضان.

3. إذا تناول المفطر نسيانا، بعد أن تبيّن انّه من رمضان.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 33 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1.

91

[المسألة 20: لو صام بنيّة شعبان ثمّ أفسد صومه برياء و نحوه لم يجزه عن رمضان]

المسألة 20: لو صام بنيّة شعبان ثمّ أفسد صومه برياء و نحوه لم يجزه عن رمضان، و إن تبيّن له كونه منه قبل الزوال. (1)

____________

وجه عدم القدح هو اختصاص المفطر، بالتناول العمدي، و أمّا غيره فليس بمفطر.

و يؤيده الاتفاق على الصحّة فيما إذا تناول في شهر رمضان نسيانا، فكيف إذا تناول و لم يثبت بعد انّه من رمضان، أو لم يثبت إلى نهاية النهار؟

(1) و ذلك لاختصاص الدليل بالصوم الصحيح، فيجدّد النيّة من الصوم الصحيح إلى صحيح آخر، لا من الصوم الباطل، و ليس الصوم مجرّد إمساك، بل إمساك بنيّة التقرّب، و المفروض انّه فاته ذلك القيد في بعض أجزاء النهار.

فإن قلت: ما الفرق بينه و بين ما إذا صام بنية شعبان، ثمّ نوى الإفطار و تبيّن كونه من رمضان، مع أنّها كالرياء مفسدة للصوم، و سيأتي من الماتن في المسألة التالية الحكم بالصحّة، و مثله: ما إذا صام يوم الشك بقصد واجب معين، ثمّ نوى الإفطار عصيانا، ثمّ تبيّن كونه من رمضان، فالمختار عندنا هو الصحّة و إن كان المختار عند الماتن البطلان؟

قلت: سيوافيك الفرق بين المقام و الآخرين هو انّ نية الإفطار في الصورة الأولى لم تكن محرمة، لأنّه لم يثبت عنده كون الزمان من رمضان، و مثله الصورة الثانية، فإنّ نية الإفطار ليست محرمة إلّا من باب التجرّي، لأنّ الزمان غير صالح لصوم اليوم المعين، و كونه من رمضان غير ثابت، فلا يكون حكمه منجزا و تكون نيّة الإفطار تجريا، و أمّا المقام فالصوم هنا منهي عنه، فكيف يصلح لأن يتقرّب به و يضم إلى الصوم الصالح الذي يتقرّب به.

92

[المسألة 21: إذا صام يوم الشكّ بنيّة شعبان ثمّ نوى الإفطار و تبيّن كونه من رمضان قبل الزوال قبل أن يفطر فنوى صحّ صومه]

المسألة 21: إذا صام يوم الشكّ بنيّة شعبان ثمّ نوى الإفطار و تبيّن كونه من رمضان قبل الزوال قبل أن يفطر فنوى صحّ صومه، و أمّا إن نوى الإفطار في يوم من شهر رمضان عصيانا ثمّ تاب فجدّد النيّة قبل الزوال لم ينعقد صومه، و كذا لو صام يوم الشكّ بقصد واجب معيّن ثمّ نوى الإفطار عصيانا ثمّ تاب فجدّد النيّة بعد تبيّن كونه من رمضان قبل الزوال. (1)

____________

و مع ذلك ففي النفس ممّا ذكره شي‌ء لما مرّ من أنّ المصحح هو تجديد النية بعد الوقوف على كونه من رمضان و تقبل الصوم الناقص مكان الكامل، فلا يزيد الرياء في الصوم على نية الإفطار، و سيوافيك انّه غير مبطل.

(1) ذكر فيها فروعا ثلاثة كلّها ممّا لا نصّ فيها و لا محيص عن استخراج حكمها من القواعد العامة.

الفرع الأوّل إذا صام يوم الشك ثمّ نوى الإفطار، و لم يتناول شيئا، ثمّ تبيّن كونه من رمضان قبل الزوال، فهل ينعقد صومه أو لا؟

الظاهر انعقاده، لأنّه يكون كمن أصبح يوم الشكّ بنية الإفطار ثمّ بان له انّه من الشهر، فقد مضى انّه يصحّ إذا جدّد النيّة قبل الزوال.

و التفصيل بين قبل الزوال و بعده مبنيّ على الضابطة الكلية المنتزعة عن موارد مختلفة، بل الصحّة في المقام أولى، لأنّه إذا صحّ فيما إذا نوى الإفطار إلى قبيل الزوال ثمّ نوى الصوم، فأولى أن يكون صحيحا فيما إذا كان في جزء منه صائما و في جزء آخر ناويا الإفطار.

93

..........

____________

الفرع الثاني إذا نوى الإفطار في يوم من شهر رمضان عصيانا، ثمّ تاب فجدّد النية قبل الزوال لم تنعقد نيّته.

قال الشيخ: إذا نوى في أثناء النهار أنّه قد ترك الصوم، أو عزم على أن يفعل ما ينافي الصوم لم يبطل صومه، و كذلك الصلاة إذا نوى أن يخرج منها، أو فكّر هل يخرج أم لا؟ لا تبطل صلاته، و إنّما يبطل الصوم و الصلاة بفعل ما ينافيهما. و به قال أبو حنيفة. و استدل على ذلك بأنّ نواقض الصوم و الصلاة قد نصّ لنا عليها، و لم يذكروا في جملتها هذه النية، فمن جعلها من جملة ذلك كان عليه الدلالة. (1)

و قال المحقّق: لو نوى الإفطار في يوم رمضان ثمّ جدّد قبل الزوال، قيل: لا ينعقد و عليه القضاء، و لو قيل بانعقاده كان أشبه. (2)

و بذلك يعلم أنّ التشكيك في كون الصحّة قولا للشيخ ليس بصحيح، لما عرفت من تصريحه في الخلاف، و نقله في المختلف عن المبسوط أيضا (3)، و ذهب أبو الصلاح في الكافي (4)، و العلّامة في المختلف (5) إلى البطلان؛ و دليله واضح، لأنّ الإخلال بالنية في جزء من الصوم يقتضي فوات ذلك الجزء لفوت شرطه، و يلزم منه فساد الكلّ، لأنّ الصوم لا يتبعض فيجب قضاؤه. (6)

و بذلك يعلم الفرق بين الصوم و الصلاة، فانّ كلّ آن من الفجر إلى الليل،

____________

(1). الخلاف: 2/ 222، كتاب الصوم، المسألة 89.

(2). الشرائع: 1/ 140، فروع ثلاثة.

(3). لاحظ المبسوط: 1/ 278.

(4). الكافي: 182.

(5). المختلف: 3/ 385.

(6). الحدائق: 13/ 47؛ المختلف: 2/ 385.

94

..........

____________

جزء من الصوم، فيجب أن يكون مقرونا بنية الصوم، فلو نوى الإتيان بالمخلّ، فقد أخلى ذلك الجزء من النية، و فات منه الصوم الكامل و لا دليل على قيامه مقام الصوم الكامل.

استدل على الصحّة بوجوه:

1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصبح و هو يريد الصيام ثمّ يبدو له فيفطر؟ قال: هو بالخيار ما بينه و بين نصف النهار». (1)

وجه الاستدلال: هو دلالتها على أنّه بالنيّة قبل الزوال، يحسب اليوم. (2)

يلاحظ عليه: ظهور الصحيحة في النافلة، أو الواجب غير المعيّن و لا يعم المعيّن من الصوم خصوصا شهر رمضان.

و قال الشهيد الثاني: القول بالصحّة مبني على الاجتزاء بنيّة واحدة مع تقدّمها أو على القول بجواز تأخير النيّة قبل الزوال اختيارا، و انّ نيّة المنافي إنّما ينافي الاستدامة الحكمية لا نفس النيّة و شرطيّة الاستدامة أو توقف صحّة الصوم عليها غير معلوم. و إن ثبت ذلك في الصلاة. (3)

يلاحظ عليه: أنّ كلا المبنيين غير ثابت: أمّا الثاني، أي جواز تأخير النية، فهو على خلاف الآية الدالة على لزوم مقارنة نيّة الصوم من الفجر إلى الليل، قال سبحانه: كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (4). و أمّا الأوّل أي كفاية النية المتقدمة، فلأنّ النيّة ليست إخطارا بالبال حتى يكتفي بوجودها المتقدم، بل هي عبارة عن‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 13.

(2). الحدائق: 13/ 48.

(3). المسالك: 2/ 14.

(4). البقرة: 187.

95

..........

____________

الداعي إلى الإمساك المقارن معه إلى نهاية اليوم و المفروض انتفاؤه في جزء من اليوم.

و أمّا القول بأنّ نيّة المنافي، لا ينافي نيّة الصوم فهو كما ترى.

الفرع الثالث لو صام يوم الشكّ بقصد واجب معيّن ثمّ نوى الإفطار عصيانا، ثمّ تاب فجدّد النيّة بعد تبيّن كونه من رمضان قبل الزوال، فهل يصحّ من رمضان أو لا؟

و ذلك كما إذا نذر أن يصوم آخر شهر شعبان، فصام بهذه النية، ثمّ نوى الإفطار عصيانا و لم يتناول المفطر، ثمّ تبيّن كونه من رمضان، فجدّد النيّة ثانيا.

وجه البطلان: انّه يشترط في الصوم الواجب المعيّن، اقتران الإمساك في جميع الوقت بنيّة الصوم، و المفروض عدمه في ظرف العصيان، و بما انّ صومه هذا من الواجب المعيّن، تكون نيّة الإفطار مبطلة.

و يمكن تصحيحه بالبيان التالي: انّ نيّة الإفطار إنّما تبطل إذا كان هناك أمر فعلي منجّز دون ما إذا لم يكن كذلك، و المفروض انّه قبل التبيّن لم يتنجّز عليه الأمر بالصوم، لجهله بكونه من رمضان، و أمّا الأمر بالصوم بنية الواجب المعين كالنذر، فقد كان أمرا تخيليّا، أو ظاهريا- حسب اصطلاح القوم- و مخالفته لا تكون مؤثّرة في بطلان الصوم، غاية الأمر تعدّ مخالفة العلم تجريا و له حكمه فعلا و فاعلا.

و أمّا بعد ما يتنجز الأمر و علم أنّه من رمضان، فالمفروض انّه عقد النية و لم ينو الإفطار، بل عقدها إلى الليل.

و إن شئت فنزّل المقام بما إذا أصبح ناويا للإفطار و لكن لم يتناول المفطر، فتبيّن انّه من شهر رمضان، فقد مضى انّه يصحّ من رمضان، بل المقام أولى بالصحّة لكونه صائما في فترة من اليوم.

96

[المسألة 22: لو نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعيّن بطل صومه]

المسألة 22: لو نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعيّن بطل صومه، سواء نواهما من حينه أو فيما يأتي، و كذا لو تردّد، نعم لو كان تردّده من جهة الشك في بطلان صومه و عدمه لعروض عارض، لم يبطل و إن استمرّ ذلك إلى أن يسأل، و لا فرق في البطلان بنيّة القطع أو القاطع أو التردد بين أن يرجع إلى نيّة الصوم قبل الزوال أم لا، و أمّا في غير الواجب المعيّن فيصحّ لو رجع قبل الزوال. (1)

____________

(1) الفرق بين هذه المسألة و ما تقدم من المسألة السابقة من الفرع الثاني، أعني:

«و أمّا إن نوى الإفطار في يوم من شهر رمضان عصيانا، ثمّ تاب فجدّد النية قبل الزوال لم ينعقد صومه» من وجهين:

أ. اختصاص الموضوع فيما سبق بشهر رمضان و عموم هذا له و لغيره.

ب. اختصاص الكلام فيه بنيّة القطع و عمومه في المقام له و للقاطع و التردد.

ثمّ الفرق بين نية القطع و القاطع واضح، و يراد من الأوّل رفع اليد عمّا تلبّس به من الصوم فيكون الزمان خاليا عن النيّة. و إن لم يقصد المفطّر فضلا عن تناوله و يراد من الثاني، العزم على فعل إحدى المفطّرات حاليّا أو في المستقبل كما لو قام ليشتري الطعام و يفطر، لكنّه ندم قبل الإفطار.

و أمّا التردّد فهو كما إذا تردّد في إنهاء الإمساك إلى الليل و عدمه.

ثمّ إنّ الماتن حكم ببطلان الجميع، و استثنى صورة رابعة، و هي أن يكون تردّده في الإفطار من جهة الشكّ في بطلان صومه و عدمه لعروض عارض على وجه لو علم بعدم إخلال العارض لاستمرّ في النيّة.

فنقول: أمّا حكم الصور الثلاث الأولى:

97

..........

____________

فقد ذهب السيد المرتضى إلى عدم كون نية القاطع مبطلا، قال في المختلف: قال السيد المرتضى (رحمه اللّه): كنت أمليت قديما مسألة أتصوّر فيها: انّ من عزم في نهار شهر رمضان على أكل و شرب و جماع يفسد بهذا العزم صومه، و نصرت ذلك بغاية التمكن، و قوّيته ثمّ رجعت عنه في كتاب الصوم من المصباح، و أفتيت فيه بأنّ العازم على شي‌ء ممّا ذكرناه في نهار شهر رمضان بعد تقدم نيّته و انعقاد صومه لا يفطر به. قال: و هو الصحيح الذي يقتضيه الأصول، و هو مذهب جميع الفقهاء.

و حاصل دليله: انّ الصوم بعد انعقاده بحصول النية في ابتدائه، و إنّما يفسد بما ينافي الصوم من أكل أو شرب أو جماع، و لا منافاة بين الصوم و بين عزمه على الأكل و الشرب.

ثمّ اعترض بأنّ عزيمة الأكل و الشرب و إن لم تناف الصوم، فإنّها (1) تنافي نيّته التي لا بدّ للصوم منها، لأنّا نعلم ضرورة منافاة عزيمة الأكل لعزيمة الكف عن الأكل، أو توطين النفس على الكف.

و أجاب ما هذا حاصله: انّ النيّة إذا وقعت في ابتداء الصوم استمرّ حكمها في باقي اليوم و إن لم تكن مقارنة لجميع أجزائه و أثّرت فيه بطوله، و عندنا انّ هذه النية- زيادة على تلك- مؤثرة في كون جميع أيام الشهر صوما و إن لم تكن مقارنة للجميع.

هذا خلاصة كلامه و قد أفاض الكلام في المسألة على وجه استغرق ثلاث صفحات. (2) و من كلامه في نية القاطع، يظهر نظره في نية القطع، لأنّ نيّة القاطع حاليا، يلازم نيّة القطع كما سيوافيك.

____________

(1). كذا في المصدر و الظاهر «لكنّها».

(2). المختلف: 3/ 391؛ و لاحظ رسائل الشريف المرتضى، المجموعة الرابعة: 322.

98

..........

____________

و تبعه صاحب الجواهر، لكنّه فصل بين نيّة القطع فأفتى بالبطلان، و نيّة القاطع فأفتى بالصحّة، و لكن التحقيق البطلان في عامة الصور.

لما عرفت من أنّ الصوم عبارة عن توطين النفس على الإمساك عن المفطرات بين الحدين، و يكفي في ذلك وجود الداعي في النفس في حالتي اليقظة و النوم، الالتفات و الغفلة.

و من أراد القطع فقد رفع اليد عمّا تلبس به من توطين النفس على الصوم، فكيف يكون صحيحا و البطلان لأجل فقدان نية الصوم، لا لأجل نية الإفطار، و هذا واضح في نية القطع.

و أمّا نية القاطع التي ذهب الشريف المرتضى و صاحب الجواهر فيه إلى صحّة الصوم، و قد عرفت استدلال الشريف و قريب منه كلام صاحب الجواهر:

يقول- بعد الاستدلال باستصحاب الصحّة:- و دعوى كون المعتبر في الصحّة العزم في سائر الأزمنة على الامتثال بالصوم في سائر أوقات اليوم لا نعرف له مستندا. (1)

يلاحظ عليه: أوّلا: أنّه إنّما يصحّ إذا نوى القاطع فيما بعد، كأن نوى صباحا أن يتغدّى عند الظهر، لكن ربما ينوي القاطع حاليا، كما إذا حاول شرب الشاي الواقع أمامه، اللّهمّ إلّا أن يرجع هذا النوع إلى نية القطع.

ثانيا: التفريق بينهما نابع عن الخلط بين الصوم اللغوي، و الصوم الشرعي، فمن نوى تناول القاطع في المستقبل صائم لغة، أي ممسك فعلا عن المفطرات، و لكنّه ليس بصائم شرعا، لأنّ الصوم الشرعي عبارة عن نيّة الإنسان‌

____________

(1). الجواهر: 16/ 215.

99

..........

____________

الإمساك عن استعمال المفطرات بين الفجر و الليل، و هو لا يجتمع مع نيّة القاطع بداهة انّه قاصد لاستعماله فيما يأتي، فلا يكون عندئذ ناويا لترك المفطرات بين الحدين.

و منه يظهر حال التردّد في إنهاء الإمساك إلى الليل و عدمه، لأنّ الميزان، كونه ناويا للصوم، و هو كما ينتفي بنية الإفطار كذلك ينتفي بالتردد.

فلا مناص عن الحكم بالبطلان في الصور الثلاث.

نعم نقل في الجواهر استثناء كاشف الغطاء، التردّد في الأثناء، إذا كان للتوقف على السؤال، و عقبه بقوله: و فيه أنّه يمكن أن يكون ذلك خارجا عمّا نحن فيه ضرورة بقاء عزمه السابق على الصوم إلّا أنّ تردّده في حصول المنافي. (1)

و الحاصل: انّ التردد في إنهاء الصوم إلى الليل و عدمه، أمر و التردد في صحّة الصوم و بطلانه لعروض أمر، شي‌ء آخر، فهو يستمر على نيّته إلى أن يسأل شخصا عن حكم المسألة.

و قد أشار إليه الماتن بقوله: نعم لو كان تردده من جهة الشكّ في بطلان صومه و عدمه لعروض عارض لم يبطل و إن استمر ذلك إلى أن يسأل.

نعم إن استتبع الشكّ في البطلان تردّدا في المضيّ على الصوم، يبطل لأجل التردّد الثاني الناتج من التردّد الأوّل، ثمّ إنّ نيّة القطع أو القاطع مفسدان للصوم في الواجب المعيّن من غير فرق بين قبل الزوال و بعده.

و أمّا في الواجب غير المعين فيصحّ لو رجع قبل الظهر لما عرفت من صحّته فيما لو أصبح بنيّة الإفطار إلى قبيل الظهر، ثمّ جدّد النية.

____________

(1). الجواهر: 16/ 216.

100

[المسألة 23: لا يجب معرفة كون الصوم هو ترك المفطّرات مع النيّة أو كفّ النفس عنها معها]

المسألة 23: لا يجب معرفة كون الصوم هو ترك المفطّرات مع النيّة أو كفّ النفس عنها معها. (1)

____________

(1) وجه ذلك أنّ الصوم إمّا من المفاهيم العرفية التي يعرفها الناس قاطبة، أو من المفاهيم الشرعية الواردة في الشرائع السماوية، و على كلّ تقدير فهو ذو مفهوم واضح- و إن كان مجهول الكنه- كغالب المفاهيم كالسماء و الأرض، و الماء و التراب، و يكفي في إلقاء الخطاب و الدعوة إلى الامتثال، هذا المقدار من المعرفة، قال سبحانه مخاطبا المؤمنين: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (1) أمرهم بالصيام مثل ما أمرهم بالزكاة و الصلاة و الحجّ و الجهاد.

نعم التكليف بالشي‌ء فرع المعرفة التفصيلية، لكن في حدّ المعرفة العرفية، لا المعرفة التفصيلية الفلسفية، فانّ البحث عن كونه نفس الترك مع النية ليكون أمرا عدميا، و التقابل بينه و بين الإفطار تقابل العدم و الملكة، أو كونه الكفّ معها، ليكون أمرا وجوديا و يكون التقابل بينهما تقابل التضاد، بحث فلسفي، لا صلة لها بالمعرفة التفصيلية في حدّ التفاهم العرفي.

و بذلك يعلم انّ ما أفاده السيد الحكيم (قدّس سرّه) في بيان مبنى المسألة غير تام، حيث قال: نعم لو اعتبرت الموافقة التفصيلية في صحّة العبادة، كانت معرفة معنى الصوم منهما لازمة. (2)

و ذلك لأنّ من اشترط المعرفة التفصيلية في صحّة العبادة فإنّما اشترطها في حدّ المعرفة العرفية أو الشرعية، لا في حدّ المعرفة الفلسفية.

____________

(1). البقرة: 183.

(2). المستمسك: 8/ 232.

101

[المسألة 24: لا يجوز العدول من صوم إلى صوم واجبين كانا أو مستحبّين أو مختلفين]

المسألة 24: لا يجوز العدول من صوم إلى صوم واجبين كانا أو مستحبّين أو مختلفين، و تجديد نيّة رمضان إذا صام يوم الشكّ بنيّة شعبان ليس من باب العدول، بل من جهة أنّ وقتها موسّع لغير العالم به إلى الزوال. (1)

____________

(1) جواز العدول من عبادة إلى عبادة أخرى في الأثناء، أمر على خلاف القاعدة و لا يثبت إلّا بدليل شرعي، كما في باب الصلاة حيث يجوز العدول من الحاضرة إلى الفائتة، أو من اللاحقة إلى السابقة كالمترتبين، أو من الفريضة إلى النافلة إذا حضرت الجماعة، أمّا كونه على خلاف القاعدة، فلأنّ معنى ذلك أنّ العبادة التلفيقية من امتثال أمرين، يحسب امتثالا للأمر الثاني، و مثل هذا الاحتساب يتوقف على دليل، لأنّ جبر نقص إحدى العبادتين بالأخرى، أمر شرعي تتوقف شرعيّته على الدليل.

بقي هنا سؤال: و هو أنّه إذا صام يوم الشك بنية شعبان ثمّ تبيّن كونه من رمضان فقد مضى أنّه يجدد النية بأنّه من رمضان، فهل هو من باب العدول من صوم إلى صوم آخر أو لا؟

فأجاب عنه الماتن بأنّه ليس من باب العدول، بل من جهة أنّ وقتها موسع لغير العالم به إلى الزوال.

أقول: لو افترضنا أنّ تجديد النية فيها من باب سعة وقت النية فقد مرّ أنّ وقته لا يكون محدودا بما قبل الزوال كما مرّ في المسألة السادسة عشرة.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ في تجديد نية رمضان إذا صام بنية يوم شعبان احتمالات ثلاثة:

1. انّ وقت النيّة موسع لغير العالم إلى المغرب و ليس عدولا.

2. انّه من باب الاحتساب القهري لما مرّ من أنّه لا يجوز في شهر رمضان‌

102

..........

____________

صوم غيره.

3. انّه من باب العدول الواجب.

لا شكّ أنّه إذا تبين كونه من رمضان بعد الغروب فهو من قبيل الاحتساب، لا من باب سعة الوقت، و لا العدول الواجب، لعدم الموضوع.

إنّما الكلام فيما إذا تبين أثناء النهار، فالكلّ محتمل و لا يترتب عليه أثر شرعي، و تخصيص العدول بما إذا كان مختارا في العدول و عدمه و ليس المقام كذلك (1) لا دليل عليه، بل يعم العدول حتى إذا كان واجبا كما في الصلاتين المترتبتين إذ نوى الثانية و وقف في الأثناء على أنّه لم يأت بالأولى، حيث يجب عليه العدول، و ليكن المقام من هذا القبيل.

و على كلّ تقدير لا تترتب ثمرة على التعيين و انّه من أيّ نوع.

و منه يظهر حال المسألة الأخرى، كما إذا صام ندبا فأراد أن يعدل إلى صوم الكفّارة إذا كان قبل الزوال فربما يقال انّه ليس من باب العدول بل من باب التوسعة في الوقت، لأنّه بعد أن رفع اليد عن الصوم الأوّل يبطل ما نوى و يكون كمن لم يكن ناويا للصوم، و المفروض انّه لم يفطر بعد، فيندرج تحت أدلّة جواز التجديد إلى ما قبل الزوال. (2)

يلاحظ عليه: إنّما يصحّ إذا أريد من رفع اليد عن الصوم الأوّل، نية الإفطار، فحينئذ لا يكون من باب العدول بل من باب التوسعة في الوقت، و أمّا لو حاول ضمّ النية الثانية إلى الأولى على وجه لا يتوسط بينهما آن فاقد لنية الصوم، فيحتمل أن يكون من باب العدول، كما يمكن أن يكون من باب التوسعة في الوقت.

____________

(1). مستند العروة: 89.

(2). مستند العروة: 90.

103

[الفصل الثاني فيما يجب الإمساك عنه في الصوم من المفطّرات]

الفصل الثاني فيما يجب الإمساك عنه في الصوم من المفطّرات و هي أمور:

[الأوّل و الثاني: الأكل و الشرب]

الأوّل و الثاني: الأكل و الشرب من غير فرق في المأكول و المشروب بين المعتاد كالخبز و الماء و نحوهما و غيره كالتراب و الحصى و عصارة الأشجار و نحوها، و لا بين الكثير و القليل كعشر حبّة الحنطة أو عشر قطرة من الماء أو غيرها من المائعات، حتّى أنّه لو بلّ الخيّاط الخيط، بريقه أو غيره ثمّ ردّه إلى الفم و ابتلع ما عليه من الرطوبة بطل صومه إلّا إذا استهلك ما كان عليه من الرطوبة بريقه على وجه لا يصدق عليه الرطوبة الخارجيّة، و كذا لو استاك و أخرج المسواك من فمه و كان عليه رطوبة ثمّ ردّه إلى الفم، فإنّه لو ابتلع ما عليه بطل صومه، إلّا مع الاستهلاك على الوجه المذكور، و كذا يبطل بابتلاع ما يخرج من بقايا الطعام من بين أسنانه. (1)

____________

(1) كون الأكل و الشرب من المفطّرات ممّا دلّ عليه الكتاب و السنة و الضرورة، قال سبحانه: كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. (1) ففي صحيح محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:

«لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء،

____________

(1). البقرة: 187.

104

..........

____________

و الارتماس في الماء». (1)

إلّا أنّ الكلام يقع في موارد ثلاثة تعرّض الماتن لاثنين منها دون الآخر.

الأوّل: هل تختص مفطّرية الأكل و الشرب بالطريق المتعارف، أو يعمه و غيره، كما إذا شرب من أنفه، أو عبر انبوب يصل إلى المعدة من دون أن يتأثر الفم و المجاري بالماء و غيره؟ الظاهر، بل المقطوع هو الثاني، لصدق الشرب في الأوّل، و منافاة الجواز بملاك الصوم في الثاني، لأنّ الغاية التي هي التقوى أثر الجوع و العطش ليكونا دليلين على شدائد (2) الآخرة، أو ليجد الغني مسّهما فيرحم الفقير، 3 كما ورد في الروايات و هي منتفية في المفروض.

الثاني: في مفطرية المعتاد و غيره، و الظاهر من الشيخ في خلافه، وجود الاتّفاق منّا على عدم الفرق بينهما و الاتّفاق من غيرنا، على خلافه، قال: غبار الدقيق، و النفض الغليظ حتى يصل إلى الحلق يفطّر و يجب منه القضاء و الكفّارة متى تعمّد، و لم يوافق عليه أحد من الفقهاء، بل أسقطوا كلّهم القضاء و الكفّارة معا.

و قال في المبسوط: يجب القضاء و الكفّارة بأكل المعتاد كالخبز، و اللحم و غيره كالتراب و الحجر و الفحم و الجصّ و الخزف و البرد و غير ذلك، و شرب المعتاد كالمياه و الأشربة المعتادة و غيره، كماء الشجر و الفواكه و ماء الورد. 4

و نقله العلّامة في المختلف عن المفيد و ابن حمزة و ابن إدريس، و نقل عن السيد المرتضى أنّه قال: الأشبه أنّه ينقض الصوم و لا يبطله، و اختاره ابن الجنيد.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، و لعلّ الصحيح: أربع خصال.

(2) 2 و 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 1 و 3.

(3) 4. المبسوط: 1/ 270.