الصوم في الشريعة الإسلامية الغراء - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
457 /
105

..........

____________

و نقل السيد عن بعض أصحابنا انّه يوجب القضاء خاصة. (1)

و لكن السيد ذهب في الناصريات إلى عدم الفرق بين المعتاد و غيره و قال:

إنّما خالف في ذلك الحسن بن صالح فقال: إنّه لا يفطّر، و روى نحوه عن أبي طلحة، و الإجماع متقدم و متأخر على هذا الخلاف فسقط حكمه. (2)

استدل القائل بالمنع بإطلاق الآية و الروايات التي ورد فيها لفظا: «الأكل» و «الشرب» الصادقين على إدخال شي‌ء في الجوف عن طريق الحلق، من غير فرق بين المعتاد و غيره، قال سبحانه: كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ. (3)

و نظيرها ما روي عن علي (عليه السلام) أنّه قال: «و أمّا حدود الصوم فأربعة حدود أوّلها: اجتناب الأكل و الشرب». (4)

فالموضوع في الآية هو الاجتناب عن الأكل، مثله في الرواية، و هو صادق على مطلق ما يتناول الإنسان الأعم من المعتاد و غيره، على أنّ حذف المتعلق يفيد العموم.

يلاحظ على الأوّل: أنّ صدق المفرد «المأكول» على غير المعتاد لا يلازم صدق الجملة في الآية و الرواية عليه، فانّ الآية خطاب للمؤمنين الذين لهم اهتمام بتناول السحور و من المعلوم أنّهم لا يتناولون في هذه الفترة من الليل إلّا المعتاد فحسب، و نظير الآية ما روي عن عليّ (عليه السلام).

و يلاحظ على الثاني: من أنّ حذف المتعلّق و إن كان يفيد العموم، لكن في‌

____________

(1). مختلف الشيعة: 3/ 387.

(2). الناصريات: 294.

(3). البقرة: 187.

(4). الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه، الحديث 3.

106

..........

____________

جانب المعتاد، أي يعم كلّ معتاد و لا يختص بصنف دون صنف، و أمّا عمومه لغير المعتاد فلا.

و الحاصل انّ التمسك بالإطلاق ضعيف جدا لقوّة الانصراف.

و استدل للقول بالجواز بوجوه:

1. صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس». (1)

وجه الاستدلال: انّ الطعام و الشراب بمعنى المطعوم و المشروب، و هما لا يصدقان على التراب و الطين و نظائرهما.

يلاحظ عليه: أنّ الرواية ليست ناظرة إلى تحديد مفطرية هذه الأمور الأربعة حتى يؤخذ بمقتضى التحديد، أعني: كون المفطر هو المعتاد دون غيره.

بل ناظرة إلى وراء الأمور الأربعة، و انّ الصائم- إذا اجتنب هذه الأربعة- لا يضرّ ارتكاب غيرها من الأمور، فالهدف نفي مفطرية غير الأربعة لا تحديد مفطرية الأربع. و هذا معلوم بالإمعان في الرواية.

2. ما ورد في غير واحد من الروايات انّ الكحل ليس بطعام. (2)

فعلم أنّ المدار هو صدق الطعام و هو لا يصدق إلّا على المعتاد.

و أجيب عن الاستدلال بأنّ المراد من الطعام هو الأكل، أي هو ليس بأكل، و ذلك لأنّا لو حملنا الطعام على معناه المفعولي و كان مدار الإفطار صدق الطعام يلزم أن يكون الاكتحال بالعسل و طحين الحنطة مبطلا لكونهما طعاما، بخلاف ما‌

____________

(1). المصدر نفسه، الحديث 1.

(2). الوسائل: 7، الباب 27 من أبواب ما يمسك عنه، الحديث 1 و 6.

107

..........

____________

لو قلنا انّه بمعنى الأكل فلا يكونان مبطلين كالاكتحال بالكحلة. (1)

و يؤيده انّ الحرام للصائم من المطعومات و المشروبات إنّما هو أكلها أو شربها دون سائر الممارسات من البيع و الشراء و الغسل.

3. ما رواه مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) انّ عليا سئل عن الذباب يدخل في حلق الصائم، قال: «ليس عليه قضاء، إنّه ليس بطعام». (2)

و ربما يجاب بأنّ المراد من الطعام هو الأكل، و المعنى انّه ليس من باب الأكل العمدي، و ذلك لأنّه لو أخذنا بظاهره تلزم صحّة الصوم إذا أكل الصائم شيئا وافرا من الذباب بحجّة انّه ليس بطعام، بخلاف ما لو قلنا انّه بمعنى الأكل فانّ مثله أكل قطعا.

و بما ذكرنا يظهر انّ أدلّة الطرفين ضعيفة جدا، و الذي يصلح حجّة لقول المشهور هو ارتكاز المتشرعة حيث يتلقونه مفطرا، و أخرج الطحاوي في «مشكل الآثار» عن طريق علي بن زيد، عن أنس، قال: مطرت السماء بردا، فقال لنا أبو طلحة (الصحابي): ناولوني من هذا البرد، فجعل يأكل، و هو صائم، و ذلك في رمضان، فقلت: أ تأكل و أنت صائم؟ فقال: إنّما هو برد نزل من السماء نطهّر به بطوننا، و انّه ليس بطعام و لا شراب، فأتيت رسول اللّه فأخبرته بذلك فقال: خذها عن عمّك. (3)

أنا لا أحوم حول ما نقل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من أمره بأخذه من عمه، لكن اعتراض المسلمين، أدل دليل على أنّ المرتكز لديهم هو عدم الفرق بين المعتاد‌

____________

(1). مستند العروة: 95.

(2). الوسائل: 7، الباب 39 من أبواب ما يمسك عنه، الحديث 1.

(3). مشكل الآثار: 2/ 238 برقم 1983.

108

[المسألة 1: لا يجب التخليل بعد الأكل لمن يريد الصوم]

المسألة 1: لا يجب التخليل بعد الأكل لمن يريد الصوم و إن احتمل أنّ تركه يؤدّي إلى دخول البقايا بين الأسنان في حلقه، و لا يبطل صومه لو دخل بعد ذلك سهوا، نعم لو علم أنّ تركه يؤدّي إلى ذلك وجب عليه و بطل صومه على فرض الدخول. (1)

____________

و غيره.

و يؤيده الأسئلة و الأجوبة حول الغبار و التدخين بعود. (1) و الروايات متعارضة و قابلة للجمع بين العامد و غيره، فلاحظ.

(1) أمّا عدم وجوب التخليل، فلأنّ تركه ليس من المفطّرات إنّما الكلام فيما يترتب عليه من دخول البقايا بين الأسنان في حلقه، فله صور ثلاث:

1. لو ترك التخليل، يحتمل أنّه يدخل إلى الجوف بلا اختياره، كما إذا كان نائما أو غافلا عن كونه صائما، فالحكم هو الصحّة، لعدم صدق الإفطار العمدي، فيشمله قوله في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) سئل عن رجل نسي فأكل و شرب ثمّ ذكر قال: «لا يفطر، إنّما هو شي‌ء رزقه اللّه فليتمّ صومه». (2)

و بالجملة ارتكاب المفطّر عن سهو ليس بمفطّر و إلّا يجب على الصائم إيجاب التحفّظ حتى لا يفطر عن نسيان و لم يقل به أحد.

2. لو ترك يطمئن بدخوله في الجوف.

3. لو ترك يعلم بدخوله في الجوف.

____________

(1). الوسائل: 7، الحديث 3 من الباب 22، و الحديث 11 من الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

109

[المسألة 2: لا بأس ببلع البصاق و إن كان كثيرا مجتمعا]

المسألة 2: لا بأس ببلع البصاق و إن كان كثيرا مجتمعا، بل و إن كان اجتماعه بفعل ما يوجبه كتذكّر الحامض مثلا، لكن الأحوط الترك في صورة الاجتماع خصوصا مع تعمّد السبب. (1)

____________

فقد حكم الماتن ببطلان الصوم على فرض الدخول، لشمول إطلاقات مفطّرية الأكل و الشرب لهاتين الصورتين، و عدم شمول ما دلّ على العفو إذا أفطر نسيانا، فهو من مصاديق التفريط.

بل يمكن أن يقال ببطلانه بنفس الاطمئنان و العلم و إن لم يدخل في الجوف لمخالفته مع نية الصوم. نعم لا تتعلق الكفّارة لكونه من لوازم تناول المفطر، لا بطلان الصوم.

(1) قال الشيخ: إذا بلع الريق قبل أن ينفصل من فيه، لا يفطر بلا خلاف، و كذلك إن جمعه في فيه ثمّ بلعه لا يفطر. فإن انفصل من فيه ثمّ عاد إليه أفطر.

و وافقنا الشافعي في الأولى و الأخيرة، و أمّا الثانية و هي الذي يجمع في فيه ثمّ يبلعه فله فيها وجهان: أحدهما مثل ما قلناه و الآخر يفطر. (1)

أمّا عدم مفطرية البصاق فهو من ضروريات الفقه، لعدم شمول الأكل و الشرب، له عرفا، و لو شك في الإطلاق و عدمه، فالمرجع هو البراءة حتى البصاق المجتمع.

و يؤيده خبر زيد الشحام في الصائم يتمضمض، قال: «لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات». (2) أي لا مانع بعدها.

____________

(1). الخلاف: 2/ 177، المسألة 18، كتاب الصوم.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 31 من أبواب ما يمسك عنه، الحديث 1.

110

[المسألة 3: لا بأس بابتلاع ما يخرج من الصدر من الخلط و ما ينزل من الرأس ما لم يصل إلى فضاء الفم]

المسألة 3: لا بأس بابتلاع ما يخرج من الصدر من الخلط و ما ينزل من الرأس ما لم يصل إلى فضاء الفم، بل الأقوى جواز الجرّ من الرأس إلى الحلق، و إن كان الأحوط تركه، و أمّا ما وصل منهما إلى فضاء الفم، فلا يترك الاحتياط فيه بترك الابتلاع. (1)

____________

و الرواية و إن كانت ضعيفة بوجود ضعاف في السند كإسماعيل بن مرّار و أبي جميل، أعني: المفضل بن صالح، و زيد الشحام و لكنّها صالحة للتأييد.

(1) صور المسألة أربع:

1. ابتلاع ما يخرج من الصدر ما لم يصل إلى فضاء الفم.

2. ابتلاع ما ينزل من الرأس ما لم يصل إلى فضاء الفم.

3. ابتلاع ما يخرج من الصدر، بعد وصوله إلى فضاء الفم.

4. ابتلاع ما ينزل من الرأس بعد وصوله إلى فضاء الفم.

أمّا الأوّلان فجائزان، لعدم صدق الأكل و الشرب عليهما، و سيوافيك انّ الميزان هو صدقهما، و ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم من الاجتناب من الطعام و الشراب، فالمراد هو الاجتناب عن أكلهما و شربهما، و إلّا الممارسة بهما من دون أكل و شرب لا يضرّ الصائم.

و أمّا الآخران فالظاهر المنع، لصدق الأكل، و أمّا ما رواه غياث بن إبراهيم (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): لا بأس أن يزدرد الصائم نخامته، فمنصرف إلى الأوليين، لأنّ الغالب على الطباع بعد الوصول إلى فضاء الفم هو الدفع لا البلع.

على أنّ النخامة غير واضحة المعنى، فمن قائل إلى أنّه ما يخرج من الصدر،

____________

(1). غياث بن إبراهيم: زيدي بتري ثقة، فالرواية موثقة.

111

[المسألة 4: المدار صدق الأكل و الشرب و إن كان بالنحو الغير المتعارف]

المسألة 4: المدار صدق الأكل و الشرب و إن كان بالنحو الغير المتعارف، فلا يضرّ مجرّد الوصول إلى الجوف إذا لم يصدق الأكل أو الشرب، كما إذا صبّ دواء في جرحه، أو شيئا في أذنه أو إحليله فوصل إلى جوفه، نعم إذا وصل من طريق أنفه فالظاهر أنّه موجب للبطلان إن كان متعمّدا لصدق الأكل و الشرب حينئذ. (1)

____________

كما هو الظاهر من المحقّق في الشرائع؛ إلى آخر، بأنّه ما ينزل من الرأس، كما عليه مختصر الصحاح؛ إلى ثالث بتفسيره بهما.

و مثل ذلك لا يكون حجّة في المسألة في غير المورد المتيقن، كما لا يخفى.

(1) ما هو الملاك في هذين المفطّرين، في المسألة احتمالات ثلاثة:

1. الميزان هو صدق الأكل و الشرب سواء أ كان بالنحو المتعارف أو بغيره، كما في الشرب بالأنف.

2. المدار هو الدخول في الحلق كيفما اتّفق، سواء أ كان عن طريق الفم و الأنف، أو عن طريق الأذن و العين و لا عبرة بالدخول في الجوف عن غير هذا الطريق كالتزريق عن طريق الإبرة في البدن.

3. المقياس هو الدخول في الجوف سواء أ كان من طريق الحلق، أو غيره و على ذلك، يبطل الصوم إذا صبّ دواء في جرحه أو إحليله فوصل إلى جوفه، أو استعمل الإبرة في البدن لتزريق الدواء و الغذاء.

و الأوّل خيرة الماتن و يدل عليه:- مضافا إلى الآية الكريمة الآمرة بالأكل و الشرب إلى الفجر، الناهية عن طريق المفهوم عنهما بين الحدين- ما في تفسير النعماني باسناده عن علي (عليه السلام): «و أمّا حدود الصوم فأربعة حدود: أوّلها: اجتناب‌

112

..........

____________

الأكل و الشرب». (1)

و لا يختص بالطريق المتعارف بل يعم غيره أيضا لصدق الشرب عن طريق الفم.

نعم ربما لا يصدق العنوانان و مع ذلك، يجب تركه، كإدخال المواد الغذائية عن طريق استعمال الإبرة بانبوب متصل بالمعدة، و ذلك لأنّ الهدف من إيجاب الصوم، هو تضعيف القوى البهيمية بالجوع و العطش، أو غير ذلك ممّا جاء في حكمة إيجاب الصوم، و العملية المذكورة تناقض ملاك الحكم، و لذلك يجوز استعمال تزريق الدواء، دون الغذاء عن هذا الطريق.

و أمّا ما في صحيح محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر يقول: «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء». (2)

فلا ظهور له في كون الملاك هو الطعام و الشراب، لا الأكل و الشرب، بل من المحتمل جدّا انّهما بمعنى المصدر، المرادف للأكل و الشرب، و يدل على ذلك انّه لا يحرم على الصائم معهما إلّا أكلهما و شربهما، لا سائر الممارسات العادية، من البيع و الشراء و غيرهما.

و أمّا الثاني فهو خيرة المحقّق الخوئي و هو وصول المطعوم و المشروب إلى الحلق، مسندا بصحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الصائم هل يصلح له أن يصبّ في أذنه الدهن؟ قال: «إذا لم يدخل حلقه فلا بأس». (3)

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من باب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.

113

[المسألة 5: لا يبطل الصوم بإنفاذ الرمح أو السكّين أو نحوهما]

المسألة 5: لا يبطل الصوم بإنفاذ الرمح أو السكّين أو نحوهما بحيث يصل إلى الجوف، و إن كان متعمّدا. (1)

____________

يلاحظ عليه:- مضافا إلى أنّه معارض بروايات فيها صحاح يدل على جواز الصب في الأذن مطلقا، وصل إلى الجوف أو لم يصل، و لو كان مقيدا بعدم الوصول إلى الحلق، لجاء القيد في واحد من هذه المطلقات، بالإطلاق المتضافر- و عندئذ يشكل تقييد المطلقات المتضافرة برواية علي بن جعفر، و ذلك لأنّ صاحب الوسائل يروي عن كتاب علي بن جعفر بالوجادة لا بالاسناد، و نقل صاحب السرائر الذي كان عنده كتاب «مسائل علي بن جعفر» لا يسوغ رفع اليد عن الإطلاقات برواية حالها كذلك.

و أما الثالث، أي كون المقياس هو الدخول في الجوف، فيستأنس له بما دلّ على بطلان الصوم بالحقنة، دون الشياف (1) و هو غير تام، لأنّ الحقنة خرج بالدليل، بل هو يبطل بعنوان خاص، لا صلة له بالأكل و الشرب، كالارتماس في الماء.

(1) قد ظهر حال المسألة مما مرّ.

____________

(1). راجع الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

114

الثالث: الجماع

الثالث: الجماع، و إن لم ينزل للذكر و الأنثى، قبلا أو دبرا، صغيرا كان أو كبيرا، حيّا أو ميّتا، واطئا كان أو موطوءا، و كذا لو كان الموطوء بهيمة، بل و كذا لو كانت هي الواطئة، و يتحقّق بإدخال الحشفة أو مقدارها من مقطوعها، فلا يبطل بأقلّ من ذلك، بل لو دخل بجملته ملتويا و لم يكن بمقدار الحشفة لم يبطل و إن كان لو انتشر كان بمقدارها. (1)

____________

(1) إذا جامع زوجته في نهار رمضان فله صور:

1. الدخول من القبل أنزل أم لم ينزل.

2. الدخول في الدبر إذا أنزل.

3. الدخول في الدبر إذا لم ينزل.

أمّا الأولى بكلا شقيه فموضع اتّفاق بين المسلمين لقوله سبحانه: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ هُنَّ لِبٰاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبٰاسٌ لَهُنَّ إلى أن قال:

فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ (1) روي أنّه كان النكاح حراما بالليل و النهار في شهر رمضان، و كان قوم من الشبان ينكحون نساءهم بالليل سرّا لقلّة صبرهم، فسأل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اللّه في ذلك؛ فأنزل اللّه سبحانه أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ. (2)

و الآية مطلقة تعم كلتا الصورتين.

____________

(1). البقرة: 187.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 43، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.

115

..........

____________

أضف إلى ذلك اتّفاق الفقهاء على حصول الجنابة بالدخول و لزوم الغسل به، و كيف يصحّ صومه مع حصولها له و لزوجه؟!

أمّا الثانية، أعني: الجماع في الدبر مع الإنزال، فالبطلان مورد اتّفاق، و يدل عليه ما دلّ على بطلانه مع الملاعبة، ففي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني؟ قال:

«عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع». (1)

أمّا الثالثة: أعني الجماع في الدبر بلا إنزال، فقد ادّعى الشيخ في الخلاف بصدق الجماع عليه قال: إذا أدخل في دبر امرأة أو غلام كان عليه القضاء و الكفارة. و به قال الشافعي.

و قال أبو حنيفة: عليه القضاء بلا كفارة. (2)

و استدل للبطلان بإطلاق النهي عن المباشرة في الآية الكريمة، مضافا إلى صدق الجماع الوارد في غير واحد من الروايات.

و استدل للصحة بمرفوعة أحمد بن محمد، عن بعض الكوفيين يرفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يأتي المرأة في دبرها و هي صائمة قال: «لا ينقض صومها و ليس عليها غسل». و نظيرها مرسلة علي بن الحكم.

و الروايتان- مع أنّهما مرسلتان، و غير معمولتين- يعارضهما خبر حفص بن سوقة، عمّن أخبره قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي أهله من خلفها قال: «هو أحد المأتيين فيه الغسل». (3) مضافا إلى اتّفاقهم بحصول الجنابة بالدخول في الدبر و إن لم ينزل، فكيف تحصل الجنابة و معها يصحّ الصوم؟!

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و غيره.

(2). الخلاف: 2/ 190، كتاب الصوم، المسألة 41.

(3). الوسائل: الجزء 1، الباب 12 من أبواب الجنابة، الحديث 3 و 1.

116

..........

____________

الإيلاج في دبر الغلام و البهيمة أمّا إذا أنزل فلا إشكال في البطلان، إنّما الكلام فيما إذا لم ينزل فقال الشيخ في الخلاف: إذا أدخل في دبر امرأة أو غلام كان عليه القضاء و الكفارة. (1)

و قال أيضا: إذا أتى بهيمة فأمنى كان عليه القضاء و الكفارة، فإن أولج و لم ينزل فليس لأصحابنا فيه نصّ، و لكن يقتضي المذهب أنّ عليه القضاء، لأنّه لا خلاف فيه، و أمّا الكفّارة فلا تلزمه، لأنّ الأصل براءة الذمة. (2)

و لا يخفى ما في كلامه من عدم الانسجام فقد سلّم القضاء و الكفارة في مورد الغلام، و اعترف بعدم النصّ لأصحابنا في البهيمة، و مع ذلك، قال بالقضاء و علّله بأنّه لا خلاف فيه، و نفى الكفارة بالبراءة، فإذا لم يكن هناك نص، من أصحابنا، فكيف يقول: إنّ القضاء لا خلاف فيه؟ ثمّ إنّ البراءة التي تمسّك بها في نفي الكفارة صالحة لنفي القضاء أيضا؟

و لأجل ما ذكرنا يقول ابن إدريس: لما وقفت على كلامه كثر تعجبي، و الذي دفع به الكفارة، به يدفع القضاء. (3)

و يظهر من المبسوط جزمه بالقضاء و الكفارة في الموردين، قال: يجب القضاء و الكفّارة بالجماع في الفرج أنزل أو لم ينزل سواء كان قبلا أو دبرا فرج امرأة أو غلام أو ميتة أو بهيمة، و على كلّ حال على الظاهر من المذهب. (4)

و قال العلّامة: إنّ إفساد الصوم و إيجاب القضاء و الكفّارة أحكام تابعة لإيجاب الغسل، و كلّ موضع قلنا بوجوب الغسل فيه وجبت الأحكام الثلاثة-

____________

(1). الخلاف: 2/ 190، كتاب الصوم، المسألة 41.

(2). الخلاف: 2/ 191، كتاب الصوم، المسألة 42.

(3). السرائر: 1/ 380.

(4). المبسوط: 1/ 270.

117

..........

____________

فساد الصوم، و القضاء و الكفّارة- فيه أيضا، و إلّا فلا. (1)

و ما ذكره العلّامة هو الحقّ و عليه المحقّق في المعتبر و الشرائع قبله.

و لو تمّ ما ذكره من الإجماع على حصول الجنابة فيترتب عليه الأحكام الثلاثة، و إلّا فالحكم بالفساد و القضاء فضلا عن الكفارة يحتاج إلى الدليل.

و نظيره إذا كانت البهيمة هي الواطئة، فإقامة الدليل على الإفطار رهن الدليل على حصول الجنابة بوطئها.

تحديد المبطل من الجماع لا شكّ انّ الجنابة تتحقق بغيبوبة الحشفة، و قد تضافرت الروايات على أنّ التقاء الختانين محقّق للجنابة، و موجب للغسل ففي صحيح ابن بزيع قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل؟

فقال: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل»، فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: «نعم». (2)

و لذلك قال المصنّف: «و يتحقق بإدخال الحشفة أو مقدارها من مقطوعها، فلا يبطل بأقلّ من ذلك» فقد فهم من الروايات انّ الموضوع للإبطال هو الجنابة و تتحقّق، بغيبوبة الحشفة في سالمها، و مقدارها في مقطوعها.

و ربما يقال: يكفي في بطلان الصوم أقلّ من ذلك كصدق الجماع، (3) أو الوقوع على الأهل و الإتيان بها، 4 و «الإيلاج» 5 و هو صادق على الأقل من مقدار الحشفة في واجدها و مقطوعها، و على ذلك يبطل الصوم و إن لم يصدق الجنابة و لم‌

____________

(1). المختلف: 3/ 390.

(2). الوسائل: الجزء 1، الباب 6 من أبواب الجنابة، الحديث 2 و غيره.

(3) 3 و 4 و 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 3 و الباب 8 منها، الحديث 2، 3، 5، 8.

118

[المسألة 6: لا فرق في البطلان بالجماع بين صورة قصد الإنزال به و عدمه]

المسألة 6: لا فرق في البطلان بالجماع بين صورة قصد الإنزال به و عدمه. (1)

____________

يجب الغسل.

يلاحظ عليه: أنّ الأخذ بإطلاق هذه الكلمات بعيد جدا و خصوصا انّ بعضها واقع في لسان الراوي كالوقوع على الأهل لو لم نقل بانصرافها إلى الأزيد من غيبوبة الحشفة.

على أنّ هناك ما يدل على أنّ المقياس حصول الجنابة، و هو ما رواه الصدوق عن يونس بن عبد الرحمن، عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) في حديث قال: «في المسافر فدخل أهله و هو جنب قبل الزوال و لم يكن أكل فعليه أن يتم صومه و لا قضاء عليه يعني إذا كانت جنابته من احتلام». (1)

و فصل الإمام بين جنابته الاختيارية و الاضطرارية، فحكم بالبطلان في الثانية دون الأولى، فيدل على أنّ الموضوع هو الجنابة الاختيارية.

نعم رواه في الكافي عن يونس من دون اسناده إلى الإمام، و لعلّه سقط من نسخته.

(1) الظاهر من الأدلّة أنّ الجماع موضوع بنفسه للإفساد، و لذلك قال فيمن يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني: «عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع». (2)

على أنّك قد عرفت أنّ مجرّد التقاء الختانين محقق للجنابة و موجب للغسل سواء أنزل أم لم ينزل.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3.

119

[المسألة 7: لا يبطل الصوم بالإيلاج في غير أحد الفرجين بلا إنزال]

المسألة 7: لا يبطل الصوم بالإيلاج في غير أحد الفرجين بلا إنزال إلّا إذا كان قاصدا له فإنّه يبطل و إن لم ينزل من حيث إنّه نوى المفطر. (1)

[المسألة 8: لا يضرّ إدخال الإصبع و نحوه لا بقصد الإنزال]

المسألة 8: لا يضرّ إدخال الإصبع و نحوه لا بقصد الإنزال. (2)

[المسألة 9: لا يبطل الصوم بالجماع إذا كان نائما أو كان مكرها]

المسألة 9: لا يبطل الصوم بالجماع إذا كان نائما أو كان مكرها بحيث خرج عن اختياره كما لا يضرّ إذا كان سهوا. (3)

____________

(1) لعدم تحقّق الجنابة إلّا بالتقاء الختانين أو الدخول في الدبر، نعم لو قصد الإنزال، فيبطل، لأنّه قاصد للمفطّر سواء تحقق أو لا، لما عرفت من أنّ قصد القاطع مفطر.

(2) لعدم صدق الجماع إلّا إذا قصد به الإنزال فيبطل لما عرفت من أنّ قصد القاطع مبطل.

(3) أمّا الجماع في النوم، فلعدم كونه مفطّرا، لأنّه أمر خارج عن الاختيار.

و أمّا المكره فهو على قسمين:

تارة يكون مقهورا مسلوبا عنه الاختيار، كما إذا أوجر الماء في حلقه، فلا شكّ انّ العمل مستند إلى السبب لا إلى المباشر، فاستعمال هذا النوع من المفطّر استعمال غير عمدي. فلا يبطل الصوم و لا يوجب القضاء.

و أخرى لا يكون مقهورا مسلوب الاختيار بمعنى أنّه يرجح استعمال المفطّر على ما أوعد به، و مع ذلك فله أن يعمل بالعكس كأن يتحمل الضرب و لكنّه يرجح الإفطار على الآخر.

ففي هذا القسم يكون المرفوع عند المشايخ هو الحكم التكليفي لا‌

120

[المسألة 10: لو قصد التفخيذ مثلا فدخل في أحد الفرجين لم يبطل]

المسألة 10: لو قصد التفخيذ مثلا فدخل في أحد الفرجين لم يبطل، و لو قصد الإدخال في أحدهما فلم يتحقّق كان مبطلا من حيث إنّه نوى المفطر. (1)

[المسألة 11: إذا دخل الرجل بالخنثى قبلا لم يبطل صومه و لا صومها]

المسألة 11: إذا دخل الرجل بالخنثى قبلا لم يبطل صومه و لا صومها، و كذا لو دخل الخنثى بالأنثى و لو دبرا، أمّا لو وطئ الخنثى دبرا بطل صومهما، و لو دخل الرجل بالخنثى و دخلت الخنثى بالأنثى بطل صوم الخنثى دونهما، و لو وطئت كلّ من الخنثيين الأخرى لم يبطل صومهما. (2)

____________

الوضعي، أعني: بطلان الوضوء و لزوم القضاء، و ذلك لأنّه من قبيل الإفطار الاختياري.

و بذلك يعلم أنّ المكره فاعل مختار و فعله اختياري، و لذلك يصحّ بيعه إذا أعقبه الرضا.

غير انّ التحقيق هو عموم حديث الرفع للحكم التكليفي و الوضعي إذا أمسك إلى الليل و اقتصر بما يرتفع به التقية، نعم ورد في الإفطار بالتقية قضاؤه. (1)

(1) أمّا عدم البطلان في الأوّل، فلعدم وجود العمد، و أمّا البطلان في الثاني، فلأنّه نوى القاطع، فقد مضى انّ نية القاطع مبطلة و إن لم تتحقّق فيما بعد.

(2) هنا صور:

1. إذا دخل الرجل بالخنثى قبلا الجماع المبطل عبارة عن إدخال الرجل آلته في أحد الفرجين الواقعيين، فلو‌

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5، و سيوافيك الكلام فيه في المستقبل فانتظر.

121

..........

____________

دخل الرجل بالخنثى قبلا لم يبطل صومه و لا صومها لعدم إحراز إدخال الآلة في الفرج الواقعي لاحتمال وجود ثقبة زائدة في بدنها، فيكون شبهة موضوعية يستصحب صحّة صومهما.

2. إذا دخلت الخنثى بالأنثى إذا دخلت الخنثى بالأنثى قبلا أو دبرا لا يبطل صومهما، لعدم إحراز إدخال الآلة، لاحتمال وجود زائدة لحمية في بدنها، فتكون الشبهة موضوعية يستصحب صحّة صومهما.

3. إذا دخل الرجل بالخنثى دبرا إذا وطأ الرجل الخنثى دبرا بطل صومهما، لانطباق التعريف المذكور على ذلك الوطء، لإدخال آلة الرجل في دبر الخنثى الذي هو أحد المخرجين.

4. إذا دخل الرجل بالخنثى مع دخول الخنثى بالأنثى إذا دخل الرجل بالخنثى، و دخلت الخنثى بالأنثى بطل صوم الخنثى دون صوم الرجل و الأنثى.

أمّا عدم بطلان صوم الرجل، فلعدم إحراز كون المحلّ مخرجا في الخنثى.

و أمّا عدم بطلان صوم الأنثى، فلعدم إحراز رجولية الخنثى حتى يصدق إدخال الآلة في الفرج، لاحتمال وجود زائدة لحمية في بدنها.

و أمّا بطلان صوم الخنثى، فلأنّها صارت موطوءة و واطئة، فلو كانت مرأة بطل صومها، لأنّها صارت موطوءة، و لو كانت رجلا بطل صومها، لأنّها واطئة.

و عبارة المصنف مأخوذة من عبارة الفقهاء في كتاب الأغسال حيث يقولون:

122

[المسألة 12: إذا جامع نسيانا أو من غير اختيار ثمّ تذكّر أو ارتفع الجبر وجب الإخراج فورا]

المسألة 12: إذا جامع نسيانا أو من غير اختيار ثمّ تذكّر أو ارتفع الجبر وجب الإخراج فورا فإن تراخى بطل صومه. (1)

[المسألة 13: إذا شكّ في الدخول أو شكّ في بلوغ مقدار الحشفة لم يبطل صومه]

المسألة 13: إذا شكّ في الدخول أو شكّ في بلوغ مقدار الحشفة لم يبطل صومه. (2)

____________

«إذا دخل الرجل بالخنثى، و الخنثى بالأنثى، وجب الغسل على الخنثى، دون الرجل و الأنثى».

5. إذا وطئت كلّ من الخنثيين الأخرى إذا وطئت كلّ من الخنثيين الأخرى لم يبطل صومهما، لاحتمال تساويهما في الذكورية و الأنوثية، بمعنى انّهما لو كانا ذكرا فالمحل ليس مخرجا واقعيا لافتراض ذكوريتهما، و لو كانا أنثى فالآلة ليست آلة الرجل بل لعلّها لحمة زائدة.

نعم لو كانت إحداهما في الواقع رجلا، و الأخرى أنثى، وجب الغسل عليهما، لكون إحداهما واطئة و الأخرى موطوءة.

فإذا الشبهة موضوعية تستصحب صحّة صومهما.

(1) لأنّه و إن كان في الحدوث ناسيا لكنّه في البقاء ذاكر و مثله إذا كان مجبورا في الحدوث دون البقاء، فلو تراخى بطل صومه لعدم انطباق العنوان المرخّص على حالة البقاء.

(2) لكون الشبهة موضوعية.

لكن هنا سؤالا و هو انّ الشاك لا يخلو من إحدى صورتين:

الأولى: أن يكون قاصدا للدخول من أوّل الأمر ثمّ شكّ في الدخول أو في‌

123

..........

____________

مقدار ما دخل، فالمحكّم هو بطلان الصوم، لأنّ قصد القاطع مبطل و إن لم يدخل قطعا فضلا عمّا إذا شكّ في الدخول أو في مقدار ما دخل.

الثانية: أن لا يكون قاصدا للدخول، فهذا يصحّ صومه و إن دخل قطعا لعدم كونه عمديا.

و بذلك يظهر انّه ليس للشكّ في المسألة دور في بطلان الصوم و عدمه كما يظهر من المصنّف.

نعم للشكّ في الدخول تأثير في وجوب الكفّارة لترتبها على الدخول الواقعي، فلو أحرز فترتب عليه الكفّارة، و لو شكّ في الدخول أو في مقدار ما دخل فليس عليه كفّارة.

فتعبير المصنّف في المقام واقع في غير مورده، بل كان عليه أن يقول مكان قوله: «لم يبطل صومه» «لم تجب عليه الكفّارة».

124

الرابع: الاستمناء

الرابع من المفطرات: الاستمناء: أي إنزال المنيّ متعمّدا بملامسة أو قبلة أو تفخيذ أو نظر أو تصوير صورة الواقعة أو تخيّل صورة امرأة أو نحو ذلك من الأفعال التي يقصد بها حصوله، فإنّه مبطل للصوم بجميع أفراده، و أمّا لو لم يكن قاصدا للإنزال و سبقه المني من دون إيجاد شي‌ء ممّا يقتضيه لم يكن عليه شي‌ء. (1)

____________

(1) دلّت الروايات على أنّ الإمناء أحد أسباب فساد الصوم، و قد ذكر في الروايات من الأسباب الموجبة للإنزال، العبث بأهله أو اللزوق به أو وضع يده على شي‌ء من جسد امرأته. و لكن المتبادر انّها من باب المثال خصوصا انّها وردت في كلام السائل و لذلك عمّم الماتن انّ كلّ ما يقصد بها حصول المني من غير خصوصية للسبب.

قال في الخلاف: إذا باشر امرأته فيما دون الوطء فأمنى لزمته الكفّارة سواء كان قبلة أو ملامسة أو أيّ شي‌ء كان و قال مالك بمثل ما قلناه. و قال أبو حنيفة و الشافعي: عليه القضاء بلا كفارة. (1)

و قال المحقّق في المعتبر: يفطر بإنزال الماء بالاستمناء و الملامسة و القبلة اتّفاقا.

____________

(1). الخلاف: 2/ 190، كتاب الصوم، المسألة 40.

125

..........

____________

غير انّ المهم بيان ما هو الموضوع للإفساد، و الظاهر من الماتن تبعا لصاحب المدارك، انّ الموضوع هو القاصد، دون غيره و يلحق به المعتاد بالإنزال بواحد من هذه الأسباب.

لكن الظاهر انّ الموضوع هو «من لم يثق من نفسه بعدم سبق الماء» و إن لم يكن قاصدا.

استدل صاحب المدارك بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني؟ قال: «عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع». (1)

يلاحظ عليه- مضافا إلى أنّ القيد ورد في كلام الراوي دون كلام الإمام مع احتمال أن يكون الموضوع أعمّ ممن يقصد الإنزال-: أنّ الاستدلال مبنيّ على أن يكون «حتى» تعليلية مثل قوله سبحانه: لٰا تُنْفِقُوا عَلىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّٰهِ حَتّٰى يَنْفَضُّوا (2)، مع احتمال أن يكون بمعنى «إلى» مثل قوله سبحانه: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عٰاكِفِينَ حَتّٰى يَرْجِعَ إِلَيْنٰا مُوسىٰ. (3)

و الظاهر انّ الموضوع هو قاصد المقدمة مع عدم الوثوق من نفسه بعدم سبق الماء، و إن لم يكن قاصدا للإنزال، و يدل عليه إطلاق الروايات.

فعن موثق سماعة قال: سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل؟ قال: «عليه إطعام ستين مسكينا، مدّ لكلّ مسكين». (4)

و في خبر أبي بصير: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل وضع يده على شي‌ء من جسد امرأته فادفق. 5

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و هو متحد مع رقم 3.

(2). المنافقون: 18.

(3). طه: 91.

(4) 4 و 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4، 5.

126

..........

____________

و في مرسل حفص بن سوقة، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يلاعب أهله أو جاريته و هو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء، فينزل؟ قال: «عليه من الكفارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان». (1)

و أوضح من الجميع ما في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه سئل عن رجل يمس من المرأة شيئا أ يفسد ذلك الصوم أو ينقضه؟ فقال: «إنّ ذلك ليكره للرجل الشاب مخافة أن يسبقه المني». (2)

و في صحيح الفاضلين، عن أبي جعفر (عليه السلام)، انّه سئل هل يباشر الصائم أو يقبّل في شهر رمضان؟ قال: «إنّي أخاف عليه، فليتنزّه من ذلك، إلّا أن يثق أن لا يسبقه منيّه». 3 و وجوب الكفّارة عليه في الروايات، يلازم فساد صومه الملازم للقضاء فلا يضر عدم ورود القضاء فيها، مضافا إلى ورود فساد الصوم في صحيحة الحلبي في كلام السائل و سكوت الإمام عليه بل تصديقه كما لا يخفى.

بقي الكلام في النظر قد اختلفت كلماتهم في من نظر إلى امرأة فأمنى.

قال الشيخ: إذا كرّر النظر، فأنزل، أثم و لا قضاء عليه و لا كفارة، فإن فاجأته النظرة لم يأثم. و به قال الشافعي.

و قال مالك: إن كرّر- النظر- أفطر و عليه القضاء. 4

و قد نقل العلّامة في المختلف اختلاف الأصحاب في هذه المسألة، فعن المبسوط التفريق بين النظر إلى ما لا يحلّ النظر إليه فأمنى فعليه القضاء، و النظر

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

(2) 2 و 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و لاحظ 3 و 5.

(3) 4. الخلاف: 2/ 198، كتاب الصوم، المسألة 50.

127

[المسألة 14: إذا علم من نفسه أنّه لو نام في نهار رمضان يحتلم فالأحوط تركه]

المسألة 14: إذا علم من نفسه أنّه لو نام في نهار رمضان يحتلم فالأحوط تركه، و إن كان الظاهر جوازه خصوصا إذا كان الترك موجبا للحرج. (1)

____________

إلى ما يحل فأمنى لم يكن عليه شي‌ء؛ و وافقه سلار في المراسم حيث خصّ كلامه بالنظر إلى ما لا يحلّ.

و فرّق السيد المرتضى بين من تعمد استنزال الماء الدافق وجب عليه القضاء و الكفارة، و غيره لكن كرّر النظر فسبقه الماء، وجب القضاء خاصة و هو خيرة العلّامة. (1)

(1) لا شكّ انّ الاحتلام ليس من المفطّرات، بل ورد في الروايات انّه غير مفطّر، ففي صحيحة عبد اللّه بن ميمون القداح، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ثلاثة لا يفطّرن الصائم: القي‌ء، و الاحتلام، و الحجامة». (2)

و في خبر عمر بن يزيد ورد سبب عدم إفساده فسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و قال:

لأيّ شي‌ء لا يفطّر الاحتلام، الصائم، و النكاح يفطّر؟ قال: «لأنّ النكاح فعله و الاحتلام مفعول به». 3

و المراد انّ الجماع فعل اختياري للصائم و هذا بخلاف الاحتلام فهو خارج عن اختياره.

فإن قلت: ما الفرق بين هذه المسألة، أعني: ما لو علم بأنّه لو نام يحتلم فحكم بجواز النوم، و ما سبق من أنّه إذا علم انّه لو ترك التخليل في الليل يدخل ما بقي بين أسنانه في حلقه حيث حكم بأنّه لو تركه يبطل صومه مع أنّ المسألتين‌

____________

(1). المختلف: 3/ 410.

(2) 2 و 3. الوسائل: 7، الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و 4 و ...

128

..........

____________

من باب واحد، ففي كليهما يعلم بأنّه يتناول المفطر في المستقبل بلا اختيار، و هو امّا الاحتلام، أو دخول شي‌ء في الحلق من الغذاء؟

قلت: الفرق بين المسألتين هو عدم شمول المخصّص في باب الأكل للمورد، بخلافه في الاحتلام، فانّ له سعة يشمل المورد.

توضيحه: انّ الأكل مفطّر مطلقا خرج عنه الأكل حين نسيان الصوم فقط، ففي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه عن رجل نسي فأكل و شرب، قال: «لا يفطر فإنّما هو شي‌ء رزقه اللّه و ليتم صومه». (1)

و المراد من النسيان نسيان كونه صائما، فهذا هو الخارج فقط، و من المعلوم انّ ترك التخليل في الليل مع العلم بدخول شي‌ء في الحلق طول النهار ليس من مصاديق المخصص، إذ هو ليس ناسيا للصوم حين دخول الطعام في الحلق و إنّما هو غافل عن الدخول لا الصوم فلا يشمله المخصص.

و أمّا المقام فالموضوع للإفطار هو نفس الجنابة، ففي صحيح ابن أبي نصر عن أبي سعيد القمّاط، قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عمن أجنب في شهر رمضان في أوّل الليل فنام حتى أصبح؟ قال: «لا شي‌ء عليه، و ذلك لأنّ جنابته كانت في وقت حلال». (2) فالموضوع للإفطار مطلق الجنابة خرج عنه صورة الاحتلام كما مرّ في رواية عبد اللّه بن ميمون و المخصّص مطلق يعم العالم و الجاهل، و هذا هو الفارق بين المسألتين.

و الحاصل: انّ المورد من قبيل التمسك بإطلاق المخصص دون عموم العام بخلاف مسألة الأكل غفلة، فهو من موارد التمسك بالعموم لا المخصص.

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(2). الوسائل: 7، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

129

[المسألة 15: يجوز للمحتلم في النهار الاستبراء بالبول أو الخرطات]

المسألة 15: يجوز للمحتلم في النهار الاستبراء بالبول أو الخرطات، و إن علم بخروج بقايا المني في المجرى، و لا يجب عليه التحفّظ بعد الإنزال من خروج المنيّ إن استيقظ قبله خصوصا مع الإضرار أو الحرج. (1)

____________

(1) أقول: هنا فرعان كان عليه أن يقدم الثاني على الأوّل:

أ. لو احتلم الصائم، فاستيقظ و علم بحركة المني عن محله و لم يخرج بعد، فهل يجب عليه التحفظ أو لا؟

ب. لو احتلم الصائم، فاستيقظ بعد خروج المني، و لكن علم أنّه بقي مقدار منه في المجرى- كما هو المعتاد عند إنزال المني- فهل يجوز له إخراجه بالبول أو الخرطات أو لا؟

أمّا الأوّل فهل المرجع هناك هو عموم العام الوارد في صحيحة أبي سعيد القمّاط التي عرفت أنّ الموضوع للإفطار هو الجنابة، أو إطلاق المخصص الوارد في رواية عبد اللّه بن ميمون القداح؟ و الظاهر هو الثاني، لأنّ الجنابة هناك مستندة عرفا إلى الاحتلام الخارج عن الاختيار و إطلاقه يشمل جميع الحالات التي منها لو استيقظ بعد حركة المني و قبل خروجه من المجرى، و مع هذا الإطلاق يكون إيجاب التحفظ محتاجا إلى دليل، و ليس المورد من النوادر حتى يقال بانصراف المخصص عنه.

و منه يظهر حال الفرع الثاني، فانّه داخل تحت الاحتلام، و خروج المني ثانيا من تبعات الاحتلام، فالمورد من مصاديق المخصص لا من موارد التمسك بعموم العام.

أضف إلى ذلك انّ المنع عن الخروج في كلا الفرعين ينافي كون الشريعة سهلة سمحة.

130

[المسألة 16: إذا احتلم في النهار و أراد الاغتسال]

المسألة 16: إذا احتلم في النهار و أراد الاغتسال، فالأحوط تقديم الاستبراء إذا علم أنّه لو تركه خرجت البقايا بعد الغسل فتحدث جنابة جديدة. (1)

[المسألة 17: لو قصد الإنزال بإتيان شي‌ء ممّا ذكر و لكن لم ينزل بطل صومه]

المسألة 17: لو قصد الإنزال بإتيان شي‌ء ممّا ذكر و لكن لم ينزل بطل صومه من باب نيّة إيجاد المفطر. (2)

[المسألة 18: إذا أوجد بعض هذه الأفعال لا بنيّة الإنزال لكن كان من عادته الإنزال بذلك الفعل]

المسألة 18: إذا أوجد بعض هذه الأفعال لا بنيّة الإنزال لكن كان من عادته الإنزال بذلك الفعل بطل صومه أيضا إذا أنزل، و أمّا إذا أوجد بعض هذه و لم يكن قاصدا للإنزال و لا كان من عادته فاتّفق أنّه أنزل فالأقوى عدم البطلان، و إن كان الأحوط القضاء خصوصا في مثل الملاعبة و الملامسة

____________

(1) انّ خروج المني بعد الاغتسال تارة يكون قهريا و أخرى بفعل الصائم كما إذا بال و خرج معه المني، فيقع الكلام في أنّ المورد من قبيل التمسك بعموم العام الوارد في صحيحة أبي سعيد القماط، أو من قبيل التمسّك بعموم المخصص الوارد في صحيحة عبد اللّه بن ميمون القداح، وجهان:

1. انّه جنابة جديدة أوجدها باختياره بتقديم الاغتسال على الاستبراء بالبول أو نحوه فيكون مفطرا.

2. انّ الجنابة في المقام و إن كان بعد الغسل، لكنّه مستند إلى الاحتلام السابق و الجنابة المحللة، و على ذلك فالأحوط الاغتسال بعد الاستبراء.

(2) قد عرفت انّ نية القطع أو القاطع مفطّر و المقام من قبيل الثاني.

131

و التقبيل. (1)

____________

(1) هنا فرعان قد سبق في صدر البحث انّ الميزان في الإبطال، عدم الوثوق بعدم سبق المنيّ أخذا بما في صحيحة الفاضلين عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه سئل هل يباشر الصائم أو يقبّل في شهر رمضان؟ فقال: «إنّي أخاف عليه فليتنزّه من ذلك إلّا أن يثق أن لا يسبقه منيّه». (1)

و بذلك يعلم حال الفرعين المذكورين في المتن:

1. إذا أوجد بعض هذه الأفعال لا بنيّة الإنزال، لكن كان من عادته الإنزال بذلك، بطل صومه إذا أنزل. و ذلك لدخوله تحت ضابطة عدم الوثوق بعدم سبق الماء.

2. أوجد بعض هذه الأفعال و لم يكن قاصدا للإنزال و لا كان من عادته، فاتّفق انّه أنزل، فقال الماتن: «الأقوى عدم البطلان» لكن اللازم، التفصيل بين الوثوق بعدم سبق الماء و عدمه.

و أمّا تخصيص الأمور الثلاثة بالذكر في المتن لورودها في النصوص. (2)

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 13.

(2). لاحظ الوسائل: الجزء 7، الباب 33.

132

الخامس: تعمّد الكذب على اللّه و رسوله

الخامس: تعمّد الكذب على اللّه تعالى أو رسوله أو الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- سواء كان متعلّقا بأمور الدين أو الدنيا، و سواء كان بنحو الإخبار أو بنحو الفتوى بالعربيّ أو بغيره من اللغات، من غير فرق بين أن يكون بالقول أو الكتابة أو الإشارة أو الكناية أو غيرها ممّا يصدق عليه الكذب عليهم و من غير فرق بين أن يكون الكذب مجعولا له أو جعله غيره و هو أخبر به مسندا إليه لا على وجه نقل القول، و أمّا لو كان على وجه الحكاية و نقل القول فلا يكون مبطلا. (1)

____________

(1) عدّ الكذب على اللّه و رسوله و الأئمة (عليهم السلام) من المفطرات من خصائص الفقه الإمامي، و ليس منه أثر في فقه السنّة.

قال الشيخ في الخلاف: «من ارتمس في الماء متعمدا أو كذب على اللّه أو على رسوله أو على الأئمّة (عليهم السلام) متعمدا أفطر، و عليه القضاء و الكفّارة. و خالف جميع الفقهاء في ذلك في الإفطار و لزوم الكفّارة معا. و به قال المرتضى من أصحابنا، و الأكثر على ما قلناه. (1)

و قال العلّامة في المختلف: قال الشيخان: الكذب على اللّه تعالى و على رسوله و على الأئمّة (عليهم السلام) متعمّدا مع اعتقاد كونه كذبا، يفسد الصوم، و يجب به‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 221، كتاب الصوم، المسألة 85.

133

..........

____________

القضاء و الكفارة. و هذا مذهب السيد المرتضى في الانتصار، و عدّه علي بن بابويه من المفطّرات.

قال الشيخ في المبسوط: و من أصحابنا من قال: إنّ ذلك لا يفطّر و إنّما ينقض. و نقله في الخلاف عن السيد المرتضى و قال: و الأكثر من أصحابنا على ما قلناه، و أفتى أبو الصلاح و ابن البراج بمثل ما قاله الشيخان.

و قال السيد المرتضى في الجمل: الأشبه انّه ينقض الصوم و إن لم يبطل و اختاره ابن إدريس و لم يعده سلار و لا ابن أبي عقيل، و هو الأقوى عندي. (1)

الظاهر انّ لفظة «ينقض» مصحّف ينقص بالصاد المهملة، و إلّا فلا معنى انّه ينقض الصوم و لا يبطله، بل المراد انّه ينقص من ثوابه و كماله.

استدل القائلون بالإبطال بروايات أهمّها روايتا أبي بصير و سماعة، و إليك بيانهما:

1. حديث أبي بصير رواه المشايخ الثلاثة مضافا إلى أحمد بن محمد بن عيسى فقد رواه في النوادر لكن باختلاف في المتن، فتارة خصصت ناقضية الكذب إلى الصوم فقط، و أخرى أضيف إليها ناقضيته للوضوء أيضا الذي لم يقل بها أحد.

أمّا الأوّل فرواه الكليني في قسم الأصول، و الصدوق في الفقيه، و معاني الأخبار و إليك بيانه:

1. روى الكليني بسند صحيح عن منصور بن يونس، عن أبي بصير قال:

سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إنّ الكذبة تفطر الصائم» قلت: و أيّنا لا يكون ذلك منه قال: «ليس حيث ذهبت إنّما ذاك الكذب على اللّه عزّ و جلّ و على رسوله‌

____________

(1). المختلف: 3/ 397.

134

..........

____________

و على الأئمّة (عليهم السلام)». (1)

2. رواه الصدوق في معاني الأخبار بنفس اللفظ. (2)

3. روى الصدوق في الفقيه بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«انّ الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمّة (عليهم السلام) يفطر الصائم». (3)

أمّا الثاني أي ناقضيته للوضوء أيضا فكما يلي:

4. روى الكليني بنفس السند السابق عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «الكذبة تنقض الوضوء و تفطّر الصائم» قال قلت: هلكنا قال:

«ليس حيث تذهب، إنّما ذاك الكذب على اللّه و رسوله و على الأئمّة». (4)

5. رواه الشيخ في التهذيب نحوه. (5)

6. روى أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أبي بصير: من كذب على اللّه و على رسوله و هو صائم نقض صومه و وضوءه إذا تعمّده. (6)

و قد أورد على الاستدلال به بوجهين:

الأوّل: اشتماله على ما لم يقل به أحد من الطائفة، و هو انتقاض الوضوء بالكذب، و هو و إن لم يرد في أصول الكافي و الفقيه و معاني الأخبار، لكن النقل الثاني للكليني، و التهذيب و نوادر ابن عيسى مشتمل عليه، و إذا دار الأمر بين النقيصة و الزيادة، فالأولى هي المتعينة، لأنّ زيادة جملة على الحديث، عند النقل‌

____________

(1). الكافي: 2/ 340.

(2). معاني الأخبار: 165.

(3). الفقيه: 2/ 67.

(4). الكافي: 4/ 89، كتاب الصوم.

(5). التهذيب: 4/ 267.

(6). النوادر: 24.

135

..........

____________

على خلاف الطبع، بخلاف سقوط جملة منه، فكثيرا ما يتفق.

و على افتراض وجود هذه الزيادة في الحديث لا محيص من تفسير الناقضية في الموردين بمعنى واحد، و حيث لا يمكن حمل الناقضية فيهما على المعنى الحقيقي الملازم لفساد الصوم و بطلان الوضوء- بما انّه لم يقل به أحد في ناحية الوضوء- فلا محيص من تفسيرها بتنافي الكذب مع المرتبة الكاملة من الطهارة و الصوم فاللائق بحالهما ترك الكذب.

و ما ربما يقال من أنّ رفع اليد عن الظهور في جملة لقرينة (كنا قضيته للوضوء) لا يستوجب رفع اليد عن الظهور في جملة أخرى، أمر لا تصدقه سيرة العقلاء في تفسير الشهادات و الأقارير و الأخبار و إن كان أكثر الفقهاء لم يعتدّ بتلك السيرة.

الثاني: انّ الأسانيد تنتهي إلى منصور بن يونس الذي عرّفه النجاشي (1) بقوله:

كوفي، ثقة، روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (عليهما السلام) لكن الشيخ عدّه من أصحاب الكاظم و قال: واقفي. و ذكر الكشي انّه كان عنده مال للإمام أبي الحسن فلم يدفعه إلى الإمام الرضا. و الترجيح و إن كان مع قول النجاشي، لأنّه خرّيت الفن، لكن لا تسكن النفس إلى مثل هذه الرواية في تأسيس حكم اختلفت فيه كلماته، نعم لو كان هناك دليل آخر، تصلح أن تكون مؤيدة.

2. حديث سماعة الحديث الثاني في المقام هو حديث سماعة، و للشيخ إليه طريقان، فتارة يرويه عن كتاب علي بن مهزيار، و أخرى عن كتاب الحسين بن سعيد الأهوازي و إليك البيان:

____________

(1). النجاشي: الرجال: 2/ 351 برقم 1101.

136

..........

____________

1. ما رواه عن كتاب علي بن مهزيار، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال:

سألته عن رجل كذب في رمضان فقال: «قد أفطر و عليه قضاؤه» فقلت فما كذبته؟! قال: «يكذب على اللّه و على رسوله». (1)

2. ما رواه عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال:

سألته عن رجل كذب في شهر رمضان فقال: «قد أفطر و عليه قضاؤه، و هو صائم يقضي صومه و وضوءه إذا تعمد». (2)

و السند لا غبار عليه، و الرواية موثقة، لكن المتن على النقل الثاني مشتمل على ما لم يقل به أحد، (بطلان الوضوء بالكذب) لكن لا محيص عن تفسير الإفطار، بالمعنى المجازي، حفظا للسياق.

و هناك روايات أخرى تؤيدهما.

3. روى علي بن طاوس قال: رأيت في أصل من كتب أصحابنا، قال:

سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنّ الكذبة لتفطّر الصائم، و النظرة بعد النظرة و الظلم كلّه قليله و كثيره». (3)

و الإشكال فيه نفس الإشكال بل أكثر، لعدم القول بفساد الصوم بالنظرة بعد النظرة أو بالظلم.

4. مرفوعة محمد بن خالد البرقي رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «خمسة أشياء تفطّر الصائم: الأكل، و الشرب، و الجماع، و الارتماس في الماء، و الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمّة». (4).

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(2). التهذيب: 4/ 268. نقله في الوسائل في ذيل الحديث السابق، و لم يشر إلى الاختلاف في المتن، (و وضوءه إذا تعمد) و لذلك نقلناه عن التهذيب.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 9.

(4). الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6.

137

..........

____________

و الرواية لو لا كونها مرفوعة، تصلح للاستناد.

5. و جاء في فقه الرضا، بإضافة قول: «الخنا من الكلام، و النظر إلى ما لا يجوز». (1)

و حاصل الكلام في هذه الروايات: انّه لا إشكال في صدورها، لأنّ المجموع من حيث المجموع يورث الاطمئنان بالصدور، و قد قلنا في محلّه، انّ المعتبر هو الخبر الموثوق بصدوره، لا خصوص خبر الثقة، و انّ حجّيته لأجل كونه مورثا للوثوق بصحته إلّا انّ الكلام في دلالتها على نقض الصوم بالكذب ففيه إشكالات:

الأوّل: انّ الحكم بكونه مفطرا، ينافي ما ورد في صحيحة ابن مسلم قال:

سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث (أربع) خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس.

و ربما يجاب عنه: انّ دلالة الرواية الحاصرة بالإطلاق فلا مانع من رفع اليد عنه بما دلّ على أنّ الكذب أو غيره أيضا مفطر على ما هو مقتضى صناعة الإطلاق و التقييد، و هذا نظير ما دلّ على أنّ ناقض الوضوء هو ما خرج عن الأسفلين و لكن دلّ دليل على أنّ زوال العقل و الاستحاضة و النوم مبطل أيضا.

يلاحظ عليه: أنّ صناعة الإطلاق و التقييد شي‌ء، و تعيين المفطّر بالعدد شي‌ء آخر فلو دلّ دليل على كون المفطر أزيد من خمسة أمور، يعد معارضا لا مقيدا و أمّا ما مثّل، من حصر ناقض الوضوء على الأسفلين فالحصر فيه إضافي في مقابل ما ذهب إليه العامة من أنّ مس الذكر، أو مس الامرأة ناقض للوضوء.

فقد ذهب الشافعي إلى أنّ مباشرة النساء من غير حائل إذا كن غير ذوات‌

____________

(1). المستدرك: 1/ 321.

138

..........

____________

محارم تنقض الوضوء بشهوة كانت أو بغير شهوة. و فصل مالك بين المس بشهوة و غيرها فينتقض في الأوّل دون الثاني، إلى غير ذلك من الأقوال التي ذكروها في مسألة مس المرأة. (1)

و هكذا مس الذكر قال الشافعي: الرجل إذا مس ذكره بباطن كفه و المرأة إذا مسّت فرجها بباطن كفها انتقض وضوؤهما. و لم يفرق مالك و لا الأوزاعي بين باطن الكف و ظاهره. 2

الثاني: انّ عدم ورود الزيادة في الفقيه، أو معاني الأخبار و في النقل الأوّل للكليني، لا يدل على زيادته واقعا، لما عرفت من أنّ الكليني نقله في الفروع و الشيخ في التهذيب، و أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره، و قد عرفت أنّه إذا دار الأمر بين الزيادة و النقيصة فالثانية أولى. فتكون النتيجة سقوطها عن سائر النقول، و على ذلك، الأمر يدور بين حفظ وحدة السياق و تفسير الناقضية في موردي الصوم و الوضوء بإرادة نقض المرتبة الكاملة، و بين رفع اليد عنها و حمل الناقضية في الصوم على المعنى الحقيقي، و في غيره على إرادة نقض المرتبة الكاملة، و لكن لا يصار إلى الثاني إلّا بدليل، كما إذا ورد اغتسل للجمعة و الجنابة، فإنّ قيام القرينة على الاستحباب في غسل الجمعة لا يصرف ظهوره عن الوجوب في الجنابة، و بما أنّه لا دليل في المقام على نقض السياق فوحدته تدل على أنّ المراد هو نقض المرتبة الكاملة في كليهما.

الثالث: انّ هناك قرينة على أنّ المراد هو نقض الكمال، و ذلك لورود روايات في نقض الصوم بأمور أخرى كالغيبة 3 و النميمة 4 كما وردت روايات في لزوم‌

____________

(1) 1 و 2. الخلاف: 1/ 110- 112، كتاب الطهارة، المسألة 54 و 55.

(2) 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.

(3) 4. جامع أحاديث الشيعة: 1/ 386.

139

..........

____________

اجتناب الصائم عن البهتان و النظر و الظلم و النجاسة و التنازع و استماع الغيبة و اللغو. (1)

كلّ ذلك قرينة صالحة لتفسير النقض في هذه الروايات، و انّ المراد هو أنّ الصوم الكامل رهن الاجتناب عن الكذب على اللّه و رسوله و الأئمّة (عليهم السلام).

و الإنصاف انّ الإفتاء بأنّ الكذب على اللّه و رسوله و الأئمّة مبطل للصوم، موجب للقضاء أمر مشكل فضلا عن الإفتاء، بأنّه موجب للكفّارة و لذلك اقتصر صاحب الحدائق بالأوّل قائلا بأنّ ما دلّ على وجوب الكفّارة بالإفطار متعمدا، المتبادر من الإفطار فيه، إنّما هو الإفساد بالأكل و الشرب، ثمّ قال: فالمسألة لا تخلو من الإشكال، فالأحوط الاجتناب. (2)

ثمّ إنّ الماتن سوّى بين الأمور التالية:

1. كان الكذب متعلّقا بأمور الدين أو الدنيا.

2. كان بنحو الإخبار أو الإفتاء.

3. كان باللسان العربي أو بغيره.

4. كان بالقول أو الكتابة أو الإشارة أو الكناية.

5. كان هو الجاعل له، أو كان الغير جاعلا له، و هو مع علمه بكذبه أسنده إليهم.

أمّا الأوّل، فهو بمقتضى إطلاق روايات الباب، فلو أخبر الصائم عن فعل النبي العادي الذي لا يمسّ بالدين فقد كذب عليه، نعم لو قلنا بأنّ الكذب على النبي و آله، طريق إلى الكذب على اللّه، يختص البطلان بما يصحّ نسبته إلى اللّه‌

____________

(1). المصدر نفسه.

(2). الحدائق: 13/ 143.

140

[المسألة 19: الأقوى إلحاق باقي الأنبياء و الأوصياء بنبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)]

المسألة 19: الأقوى إلحاق باقي الأنبياء و الأوصياء بنبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فيكون الكذب عليهم أيضا موجبا للبطلان، بل الأحوط إلحاق فاطمة الزهراء- (سلام اللّه عليها)- بهم أيضا. (1)

____________

فيختص بالأمور الدينية. و لكنّه بعيد و إن اختاره كاشف الغطاء.

و أمّا الثاني، فإنّما تصحّ التسوية بين الإخبار و الإفتاء إذا كان الإفتاء ظاهرا في الحكاية عنهم، كما قال هذا حلال و هذا حرام أي أحله الشارع أو حرمه، و أمّا إذا قال: في نظري انّ المعاطاة عقد لازم، و لم يكن كذلك عنده فلا يعد كذبا عليهم، غاية الأمر انّه كذب في نقل رأيه، إذا لم يكن رأيه كذلك.

و أمّا الثالث، للإطلاق، بل ليس شموله للغة العرب أولى من لغة أخرى، فالجميع أمام الدليل سواسية، كحرمة الكذب.

و أمّا الرابع، فلأنّ الموضوع الكذب على اللّه، فلو سئل عن ورود قول المؤذن:

«الصلاة خير من النوم» عن رسول اللّه، فأشار إليه برأسه بعنوان التصديق، فقد كذب.

نعم القدر المتيقن من الكتابة إذا كان هناك قارئ كما سيوافيك بيانه:

و أمّا الخامس، لا فرق بين كون الجاعل هو نفسه أو غيره لكنّه نقله ناسبا له إلى اللّه و رسوله، و أمّا لو نقله عنه و قال: إنّه نسبه إلى اللّه و رسوله- مع العلم بكذبه- فهو نقل كذب، خال عن النسبة فلا يبطل.

(1) يمكن الإلحاق بوجهين:

1. إلغاء الخصوصية و انّ الميزان هو الكذب على المعصوم، فيعم سائر الأنبياء و الأوصياء و الزهراء (سلام اللّه عليهم)، سواء كان المضمون دينيا أو دنيويا.

141

[المسألة 20: إذا تكلّم بالخبر غير موجّه خطابه إلى أحد، أو موجّها إلى من لا يفهم معناه]

المسألة 20: إذا تكلّم بالخبر غير موجّه خطابه إلى أحد، أو موجّها إلى من لا يفهم معناه، فالظاهر عدم البطلان و إن كان الأحوط القضاء. (1)

____________

2. عموم قوله: إنّما ذلك، الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمّة (عليهم السلام) في موثقة أبي بصير، (1) الأنبياء و الأوصياء.

و الوجهان ضعيفان خصوصا الثاني.

نعم لو قلنا بأنّ الموضوع هو الافتراء على اللّه، و انّ الكذب على الآخرين (الرسول و الأئمّة) إنّما يبطل، لأنّه طريق إلى الكذب عليه، فالبطلان هو المتعين إذا كانت هناك ملازمة بين الافتراءين، كما هو الحال في الكذب عليهم في الأمور الدينية التي لا طريق إلى العلم بهما إلّا الوحي أو التحديث.

(1) هل يشترط في الإبطال قصد الإفهام، فلا يبطل فيما إذا لم يكن هناك مخاطب، أو كان لكن كان غير عارف باللغة، أو لا يشترط؟ ذهب صاحب الجواهر إلى الأوّل و المحقّق الخوئي إلى الثاني، و استدل الثاني بأنّ الموجود في الأخبار عنوان الكذب، (2) لا عنوان الاخبار، فيصدق ذلك بمجرد عدم المطابقة و إن لم يكن عنده أحد، و على ذلك لو كتب خبرا كاذبا، و لم يكن هناك من يقرؤه بل و لن يتفق أن يقرأه أحد صدق انّه كذب على رسوله. (3)

لا يخفى انّ الكذب المحرّم عبارة عن التقوّل على خلاف الواقع، لغاية إغراء المخاطب على الجهل، و قد عدّ الكذب الحرام مفطرا للصوم، فلو لم يكن هناك أي‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

(2). مستند العروة: 137.

(3). الجواهر: 16/ 227؛ و مستند العروة: 137.

142

[المسألة 21: إذا سأله سائل هل قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كذا، فأشار نعم في مقام لا، أو لا في مقام نعم]

المسألة 21: إذا سأله سائل هل قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كذا، فأشار نعم في مقام لا، أو لا في مقام نعم بطل صومه. (1)

[المسألة 22: إذا أخبر صادقا عن اللّه أو عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مثلا ثمّ قال: كذبت]

المسألة 22: إذا أخبر صادقا عن اللّه أو عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مثلا ثمّ قال:

كذبت، بطل صومه، و كذا إذا أخبر بالليل كاذبا ثمّ قال في النهار: ما أخبرت به البارحة صدق. (2)

[المسألة 23: إذا أخبر كاذبا ثمّ رجع عنه بلا فصل لم يرتفع عنه الأثر]

المسألة 23: إذا أخبر كاذبا ثمّ رجع عنه بلا فصل لم يرتفع عنه الأثر، فيكون صومه باطلا، بل و كذا إذا تاب بعد ذلك فإنّه لا تنفعه توبته في رفع البطلان. (3)

____________

مخاطب، فالكلام و إن كان كاذبا، لكن التقوّل به غير محرم، و لا يكون مفطرا، نعم لو كان الموضوع للإفطار هو الأعم من المحرّم و غيره، كان لما ذكره وجه، و منه يظهر حكم ما لو كتب الكذب من دون أن يكون هناك من يقرؤه، كما إذا كتب و مزّقه بعد مدة بلا تخلّل قارئ بين الفترتين.

(1) لصدق الكذب على النبي.

(2) و ربما يخصص الإبطال بما إذا كان المقصود، نفي الواقع المطابق للخبر، كما هو الظاهر، أمّا إذا كان المقصود نفي الخبر المطابق للواقع، فلا يبطل به الصوم لعدم كونه كذبا على اللّه تعالى أو على النبي، بل كذب على نفسه فقط.

حاصله: انّ تكذيب الخبر تارة يراد منه انّ المعصوم لم يقله فهو افتراء عليه، و أخرى انّ خبره ليس بمطابق للواقع، فهو كذب على نفسه و إن كان كذبا عليه أيضا بنحو الإيماء لكن الدليل منصرف عنه.

(3) أمّا الرجوع بلا فصل، فانّه لا يخرجه عن كونه كذبا على اللّه، لأنّ الواقع‌

143

[المسألة 24: لا فرق في البطلان بين أن يكون الخبر المكذوب مكتوبا في كتاب من كتب الأخبار أو لا]

المسألة 24: لا فرق في البطلان بين أن يكون الخبر المكذوب مكتوبا في كتاب من كتب الأخبار أو لا، فمع العلم بكذبه لا يجوز الإخبار به، و إن أسنده إلى ذلك الكتاب إلّا أن يكون ذكره له على وجه الحكاية دون الإخبار، بل لا يجوز الإخبار به على سبيل الجزم مع الظنّ بكذبه، بل و كذا مع احتمال كذبه إلّا على سبيل النقل و الحكاية فالأحوط لناقل الأخبار في شهر رمضان مع عدم العلم بصدق الخبر أن يسنده إلى الكتاب، أو إلى قول الراوي على سبيل الحكاية. (1)

____________

لا ينقلب عمّا هو عليه بالرجوع. نعم لو رجع قبل انعقاد الظهور و استقراره فذيّل كلامه مما يخرجه عن الظهور في الكذب على اللّه- كما إذا قال: حسب ما يقوله الفلاني- لا يكون مبطلا من حيث نسبة الكذب على اللّه، نعم يكون مبطلا من حيث نية القطع، إذا كان ناويا لنسبة الكذب على اللّه من أوّل الأمر.

و أمّا التوبة فإنّما تنفع في رفع العقاب لا في الحكم الوضعي، أعني: القضاء.

(1) أمّا عدم الفرق بين كونه مكتوبا في كتاب و عدمه، هو انّ الموضوع، الكذب على اللّه و رسوله، فهو متحقق مطلقا كان مكتوبا فيه أو لا.

ثمّ إنّ الإخبار عن اللّه و رسوله و الأئمة على وجوه ثلاثة:

1. أن يخبر عنهم مع العلم بكونه كاذبا.

2. أن يخبر عنهم مع الظن بكونه كاذبا.

3. أن يخبر عنهم مع الشكّ في كونه كاذبا.

أمّا الصورة الأولى، فلا شكّ انّه مفطر، و هو المصداق الواضح للمقام.

فإن قلت: إذا كان عند الإخبار عالما بكونه على خلاف الواقع، لكنّه تبيّن‌

144

..........

____________

بعد صدقه و موافقته له، فهل يحكم بصحّة صومه، لأجل عدم تحقّق المفطر، أعني:

القول على اللّه بما يخالف الواقع؟

قلت: يبطل صومه، لأجل نية القطع و العزم على نية المفطّر، و قد سبق انّ نيّة القطع و القاطع مفطّران و إن لم يتحقق المفطّر.

أمّا الصورة الثانية، فإن قامت حجّة شرعية على حجّية قول الثقة مطلقا- و إن ظن خلافه- فلا يفطّر للإذن بالإخبار لقوله سبحانه: آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ (1)، و المراد من العلم في قوله سبحانه: أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ* (2)، هو الحجّة العقلية أو الشرعية.

إنّما الكلام في الظنّ الذي لم تثبت حجّيته، فهو يلحق بالشكّ الذي هو الصورة الثالثة.

أمّا الصورة الثالثة: فإذا لم يدل دليل على جواز الإخبار به عن اللّه سبحانه، فلا كلام في حرمة الإسناد إلى اللّه بصورة القطع مع كونه شاكّا، إنّما الكلام في كونه مفطّرا للصوم، أو لا. فقد اختار السيد الحكيم (قدّس سرّه) عدم البطلان للشكّ في تحقّق المفطّر، أعني: الإخبار المخالف للواقع- و أضاف- بأنّه لو كان موافقا للواقع فلا كذب، و إن كان مخالفا للواقع فلا تعمد، لأنّ المفطّر هو خصوص التعمد (3).

و ذهب المحقّق الخوئي إلى أنّ الظاهر هو البطلان لصدق العمد بعد تنجز الاحتمال، لأجل كونه من أطراف العلم الإجمالي الذي لا مجال معه للرجوع إلى أصالة البراءة، حيث إنّه يعلم إجمالا بكذب أحد الأمرين، إمّا ذاك الخبر المفروض أو نقيضه، و انّ أحد الاسنادين إلى الإمام (عليه السلام) مخالف للواقع جزما، و بالعلم الإجمالي يتنجز الواقع لا محالة، و لا مجال معه للرجوع إلى أصالة البراءة. و نتيجة‌

____________

(1). يونس: 59.

(2). الأعراف: 28.

(3). المستمسك: 8/ 257.

145

..........

____________

ذلك انّه يكون قد تعمد الكذب اختيارا على تقدير كون الخبر مخالفا للواقع، نظير ما لو علم إجمالا انّ أحد الإناءين خمر فشرب أحدهما و صادف الواقع. (1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح لو كان مثل ذلك العلم الإجمالي موجودا في ذهن المخبر بأن يكون ممّن صرف عمره في المسائل الأصولية، و بالتالي واقفا بأنّ الإمام إمّا قال: الطلاق بيد من أخذ الساق، أو قال نقيضه، و مع ذلك أخبر و صار مخالفا للواقع، فتعمد الكذب كمن لو شرب أحد الإناءين المشتبهين بالخمر.

و لكن ذلك العلم الإجمالي ليس بموجود في ذهن المخبر عند الإخبار إمّا لقصور فكره عن تلك المسائل أو لعدم التفاته إليه، و مع ذلك كيف يكون منجزا عليه و وجوده في الأذهان العالية لا يكون سببا لتنجزه عليه.

ثمّ إنّه (قدّس سرّه) أشار في ذيل كلامه إلى وجه آخر مستلزم لبطلانه مطلقا خالف الواقع أم لم يخالف. و حاصله: انّه جازم للإخبار به سواء أ وافق الواقع أم خالف و عليه فهو ليس بناو للإمساك على جميع التقادير بل ناو له على فرض الموافقة، دون فرض المخالفة فيوجب ذلك إخلالا بنيّة الصوم، لأنّ اللازم على الصائم نيّة الإمساك عن جميع المفطرات في جميع الآنات و على جميع التقادير 2.

يلاحظ عليه: بأنّه ناو للصوم على وجه لو علم أنّه مخالف للواقع و انّ النسبة غير صحيحة، لأمسك عن الإخبار، و إنّما يخبر راجيا مطابقته له، و لعلّ هذا المقدار من النية كاف في صحّة الصوم.

نعم إنّما لا يكون ناويا للصوم على جميع التقادير إذا كان ذلك التحليل موجودا في ذهنه حتى يمنع عن الإمساك على كلّها. و المفروض انّ الأغلب غافل عن هذا النوع من التحليل المانع عن الإمساك على عامة الفروض.

____________

(1) 1 و 2. مستند العروة: 141- 142.

146

[المسألة 25: الكذب على الفقهاء و المجتهدين و الرواة و إن كان حراما لا يوجب بطلان الصوم]

المسألة 25: الكذب على الفقهاء و المجتهدين و الرواة و إن كان حراما لا يوجب بطلان الصوم، إلّا إذا رجع إلى الكذب على اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). (1)

[المسألة 26: إذا اضطرّ إلى الكذب على اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في مقام التقيّة من ظالم لا يبطل صومه به]

المسألة 26: إذا اضطرّ إلى الكذب على اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في مقام التقيّة من ظالم لا يبطل صومه به كما أنّه لا يبطل مع السهو أو الجهل المركّب. (2)

____________

(1) لاختصاص الحكم بالكذب عليهم و لا يعم غيرهم إلّا أن يرجع إليهم.

(2) وجهان مبنيان على أنّ التقية ترفع الإثم فقط أو يعمّ الرفع الحكم الوضعي أيضا، أعني: القضاء، و المستظهر من روايات التقية هو الأوّل؛ روى الكليني بسند صحيح عن زرارة، عن أبي جعفر قال: «التقية في كلّ شي‌ء يضطر إليه ابن آدم فقد أحل اللّه له». (1) فظاهر قوله: «أحل اللّه له» هو عدم الحرمة، و لو حكم في مورد على صحّة الوضوء و الصلاة عن تقية، فإنّما هو لدليل خاص كما بيّن في مبحث الإجزاء.

و مع ذلك كلّه، فالظاهر في المقام رفع التكليف و الوضع، و ذلك لا لعمومية في دليل التقية، بل للقصور في دليل المفطّر، لأنّ الظاهر من أدلّته هو الكذب المحرّم بشهادة قول الراوي- بعد ما سمع مفطرية الكذبة- قال: «هلكنا» الظاهر في أنّ الموضوع هو الكذب المحرم المتداول لا الحلال منه.

نعم الإفطار بالأكل مطلقا تقية مبطل، لعدم انقسامه إلى قسمين حتى ينصرف الدليل إلى القسم الحلال مضافا إلى ما ورد «فكان إفطاري يوما و قضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي». (2) و ستعرف قوة صحّة الصوم إذا أفطر عن تقية و أمسك إلى المغرب، فانتظر.

____________

(1). الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 2.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

147

[المسألة 27: إذا قصد الكذب فبان صدقا دخل في عنوان قصد المفطر]

المسألة 27: إذا قصد الكذب فبان صدقا دخل في عنوان قصد المفطر بشرط العلم بكونه مفطرا. (1)

[المسألة 28: إذا قصد الصدق فبان كذبا لم يضرّ]

المسألة 28: إذا قصد الصدق فبان كذبا لم يضرّ كما أشير إليه. (2)

____________

فإن قلت: يلزم صحّة صوم الصبي إذا كذب على اللّه و رسوله، لعدم حرمته عليه، لأنّ المفروض رفع قلم التكليف عنه.

قلت: لو قلنا بأنّ عباداته تمرينية، فلا مورد للنقض، و أمّا على القول بشرعية عباداته كما هو الحقّ، فليس مفاد قوله: «رفع القلم عن ثلاثة» رفع الجزئية و الشرطية، أو القاطعية أو المانعية عن عباداته، بل غاية الأمر رفع الإلزام و المؤاخذة أو التكليف الإلزامي، و عندئذ تكون الجزئية و الشرطية و جميع الأمور الوضعية محفوظة في عباداته.

و قد ثبت في محلّه انّ العبادات المندوبة، كما هو الحال في عبادة الصبيّ تشارك العبادات الواجبة في الماهية و الاجزاء و الشرائط و الموانع و القواطع- إلّا ما خرج بالدليل- و ليس معنى كون العبادة مستحبة انّه يجوز الإتيان بها، بأيّ نحو شاء الفاعل بحذف الاجزاء و الشرائط أو بعضها، مقرونة بالموانع و القواطع.

(1) وجه الاشتراط انّ قصد ذات المفطر ليس بمفطّر، كما إذا استعمله سهوا، بل المفطّر تناوله مع العلم- حين التناول- انّه مفطر، و على ذلك فلا يكون قصد الكذب بلا علم بكونه كذبا، قصدا للمفطّر بما هو مفطّر، بل قصدا لذاته و قد عرفت أنّ مجرد عزمه لا يبطل.

(2) قال في ذيل المسألة 26 كما أنّه لا يبطل مع السهو أو الجهل المركب.

148

[المسألة 29: إذا أخبر بالكذب هزلا بأن لم يقصد المعنى أصلا]

المسألة 29: إذا أخبر بالكذب هزلا بأن لم يقصد المعنى أصلا لم يبطل صومه. (1)

____________

(1) لا يخفى انّ الهازل يقصد المعنى لكن بإرادة استعمالية و ليس له إرادة جدية حيث ينصب قرينة في كلامه على كونه في مقام الهزل، لا الجد.

149

السادس: إيصال الغبار الغليظ

السادس: إيصال الغبار الغليظ إلى حلقه، بل و غير الغليظ على الأحوط، سواء كان من الحلال كغبار الدقيق، أو الحرام كغبار التراب و نحوه، و سواء كان بإثارته بنفسه بكنس أو نحوه، أو بإثارة غيره، بل أو بإثارة الهواء مع التمكن منه و عدم تحفّظه، و الأقوى إلحاق البخار الغليظ و دخان التنباك و نحوه، و لا بأس بما يدخل في الحلق غفلة أو نسيانا أو قهرا أو مع ترك التحفّظ بظنّ عدم الوصول و نحو ذلك. (1)

____________

(1) الكلام في هذه المسألة حول أمور ثلاثة:

1. الغبار الغليظ و غير الغليظ.

2. البخار الغليظ و دخان التنباك.

3. حكم الدخول غفلة أو نسيانا أو قهرا.

و إليك الكلام في هذه الأمور:

1. الغبار الغليظ و غير الغليظ اختلفت الأنظار في مفطرية الغبار، فالجمهور على عدم كونه موجبا للقضاء و الكفّارة قال الشيخ: غبار الدقيق و النفض الغليظ حتى يصل إلى الحلق يفطّر و يجب منه القضاء و الكفارة متى تعمد، و لم يوافق عليه أحد من الفقهاء، بل أسقطوا كلّهم القضاء و الكفّارة معا. (1)

____________

(1). الخلاف: 2/ 177، كتاب الصوم، المسألة 17.

150

..........

____________

و أمّا الإمامية، فالشيخ، في الخلاف و المبسوط و الجمل، و السيّد في الانتصار، و العلّامة في المختلف، (1) على أنّه يوجب القضاء و الكفّارة، و العجب من المحقّق الخوئي من نسبة عدم المفطرية إلى الشيخ الطوسي مع أنّه رائد القوم في هذه المسألة في القول بالمفطرية. و ذهب المفيد في المقنعة و أبو الصلاح في الكافي و ابن إدريس في السرائر إلى كونه موجبا للقضاء دون الكفّارة. و قال ابن إدريس: فالقضاء مجمع عليه. (2) لكن الظاهر من المحقّق كون القضاء أيضا مورد خلاف حيث قال: و في إيصال الغبار إلى الحلق خلاف، و الأظهر التحريم و فساد الصوم، و قد ذيله صاحب الجواهر بقوله: «وفاقا للمشهور، بل لم أجد فيه خلافا بين القائلين بعموم المفطر للمعتاد و غيره، إلّا من المصنّف في المعتبر فتردّد فيه، اللّهمّ إلّا أن يريد المرتضى و من تبعه على القول باختصاص المفطر بالمعتاد- إلى أن قال:- و كيف كان فلم نتحقّق ما ذكره المصنّف من الخلاف. (3) و مع ذلك فقال صاحب الحدائق: و ذهب جمع من متأخري المتأخرين إلى عدم الإفساد، و عدم وجوب شي‌ء من قضاء أو كفّارة، و هو الأقرب. (4)

و على كلّ تقدير لم يكن القول بمفطرية الغبار موجودا في الفقه الإمامي و إنّما دخل فيه في أوائل القرن الثالث برواية سليمان بن حفص المروزي.

روى الشيخ عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن سليمان ابن جعفر (حفص) المروزي، قال: سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمدا أو شمّ رائحة غليظة أو كنس بيتا فدخل في أنفه و حلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين، فإنّ ذلك مفطر مثل الأكل و الشرب‌

____________

(1). المختلف: 3/ 402.

(2). السرائر: 1/ 377، و قد نقلنا الأقوال من المختلف.

(3). الجواهر: 16/ 232.

(4). الحدائق: 13/ 72.

151

..........

____________

و النكاح. (1)

الظاهر انّ «جعفر» مصحّف «حفص»، لأنّ العبيدي أي محمد بن عيسى الوارد في السند ينقل كثيرا ما عن سليمان بن حفص لا عن سليمان بن جعفر. (2)

و ذكره الصدوق في المشيخة باسم سليمان بن حفص (3)، و بعد ذلك لا يبقى شكّ في أنّ المراد منه هو حفص.

ثمّ إنّ الكلام يقع في صحّة السند أوّلا، و دلالة المتن على الحكم ثانيا.

أمّا الأوّل: فقد وقع الكلام في وثاقة سليمان بن حفص، فقد روى الوحيد البهبهاني عن جدّه المجلسي الأوّل انّه نفس الرجل الذي ناظر الإمام الرضا في مسائل كلامه بأمر المأمون و قد رجع إلى الحقّ.

أقول: يلاحظ عليه: أنّ المناظر حسب ما ينقله الصدوق في التوحيد هو سليمان المروزي، و ليس فيه انّه ابن حفص.

قال الصدوق: و روي عن الحسن بن محمد النوفلي انّه كان يقول: قدم سليمان المروزي- متكلم خراسان- على المأمون فأكرمه و وصله ثمّ قال له: إنّ ابن عمي علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قدم عليّ من الحجاز يحبّ الكلام و أصحابه، فعليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته. (4)

و لا دليل على كونه هو ذلك المتكلم، و على فرض الوحدة لا دليل على وثاقته، فقد نقل في الاحتجاج انّ الرضا كان يلزمه في مواضع بحثه، ... فانقطع سليمان فقال المأمون عند ذلك: يا سليمان هذا علم هاشمي، ثمّ تفرّق القوم.

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(2). لاحظ الفقيه 3، الحديث 901؛ و التهذيب 7، الحديث 784.

(3). الفقيه: 4/ 458.

(4). الاحتجاج: 2/ 365، رقم الاحتجاج 284.

152

..........

____________

و على كلّ تقدير فهل يمكن إثبات وثاقته؟

فقد اعتمد المحقّق الخوئي في إثباتها وقوعها في اسناد كامل الزيارات. (1)

يلاحظ عليه: بأنّ ما اتخذه أساسا لتوثيق عدّة من الرواة، لا أساس له و قد أوضحنا حال الضابطة في كتاب «كليات في علم الرجال».

و يمكن إثبات وثاقته من أجل انّه روى عن الأئمّة الثلاثة: أبي الحسن موسى بن جعفر، و أبي الحسن الرضا، و أبي الحسن العسكري.

و روى عنه: علي بن محمد القاساني، و محمد بن عيسى بن عبيد، و موسى بن عمر، و وقع اسمه في اسناد جملة من الروايات تبلغ واحدا و ثلاثين موردا، و لعلّ هذا المقدار من القرائن يثبت وثاقته.

و لكن تأسيس حكم مخالف للحصر المستفاد من صحيحة محمد بن مسلم من أنّه: «لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس». (2) بهذه الرواية، أمر مشكل، و معنى ذلك انّه خفي ذلك الحكم إلى عصر الإمام الثامن على أصحاب الأئمّة مع كثرة الابتلاء به.

و على كلّ تقدير لو لا كونه مخالفا للضابطة الواردة في صحيحة ابن مسلم، و لو لا استبعاد أن يكون الغبار مفطرا و لم يذكره، أحد الأئمّة إلى عصر الإمام الثامن، لصحّ الاعتماد على مثل تلك القرائن.

و في الرواية إشكال آخر، و هو: كونها مضمرة حيث لم يعين المسئول، و لكنه ليس بمهم إذ من البعيد أن ينقل الصفار في كتابه أو ينقل العبيدي رواية مروية عن غيرهم (عليهم السلام)، و قد عرفت رواية سليمان عن غير واحد من الأئمّة.

____________

(1). كامل الزيارات: 209، يروي عنه المؤلف بوساط أربع.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

153

..........

____________

هذا كلّه حول دراسة السند، و أمّا المتن فقد أورد عليه إشكالات:

أوّلا: انّها مشتملة على ما لم يلتزم به أحد من الفقهاء، كمفطّرية نفس المضمضة و الاستنشاق متعمدا و شمّ الرائحة الغليظة.

و يمكن رفع الإشكال عن الأوّلين بأنّ الرواية ناظرة إلى ما إذا أدّى إلى وصول الماء إلى الحلق مع العلم بأنّه سينتهي إلى ذلك، لكنّ هذا على فرض الصحّة لا يجزي في شمّ الرائحة الغليظة.

ثانيا: أنّها مشتملة على صوم شهرين متتابعين، و هل يمكن الالتزام بذلك في الاستنشاق و المضمضة و شمّ الرياحين على فرض الالتزام به في الغبار؟ فلا بدّ من التفكيك بحملها على الاستحباب في الثلاثة الأول دون الرابع (الغبار). و هذا النوع من التفكيك مردود عند العقلاء، و إن كان الفقهاء يرتكبون ذلك في الروايات المشتملة على أمور شاذة.

ثالثا: انّها معارضة بموثقة أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، (1) عن عمرو بن سعيد، (2) عن الرضا (عليه السلام): عن الصائم يتدخن بعود و بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه؟ فقال: «جائز لا بأس به» قال: سألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه؟ قال: «لا بأس». (3)

و ظاهر الفقرة الأولى هو العمد حيث يقول: يتدخّن بعود، أي يشعّل العود ليطيب دخانه.

____________

(1). عرّفه النجاشي بقوله: ثقة بالحديث، مات سنة 260 ه‍ (رجال النجاشي، برقم 192).

(2). المدائني وثقه النجاشي و لم يذكر من مذهبه شي‌ء، و هذا دليل على عدم ثبوت كونه فطحيا عنده، و إن نقل الكشي عن نصر بن صباح انّه فطحي. و النجاشي أبصر بحال الرواة من الكشي (راجع رجال النجاشي، برقم 765).

(3). الوسائل: 7، الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

154

..........

____________

و على ذلك فالفقرة الثانية، أعني قوله: «سألته عن الصائم يدخل الغبار» محمول على العمد أيضا كالفقرة الأولى، لأنّ التفكيك بينهما خلاف السياق.

و على ذلك فبين الروايتين تعارض، حيث إنّ الأولى تحكم بالبطلان في سورة العمد، بخلاف الثانية لا ترى الغبار مخلا مع العمد.

ثمّ إنّ القائلين ببطلان الصوم بإيصال الغبار إلى الحلق حاولوا الجمع بين الروايتين بوجهين أشار إليهما صاحب الوسائل بعد نقل الرواية الثانية.

الأوّل: حمل الرواية الأولى على العمد، و حمل موثقة عمرو بن سعيد على الأعم من العمد و غيره، و عند ذلك يقيّد إطلاق الثانية بقيد الرواية الأولى.

و كون الفقرة الأولى في رواية عمرو بن سعيد ناظرة إلى العمد لا يكون دليلا على كون الثانية كذلك، لوجود الفصل بين الفقرتين، أعني قوله: «و سألته» فسواء أ كان السؤالان في مجلس واحد أو مجلسين فلا تكون الأولى قرينة على الثانية.

أقول: لو ثبت كونهما في مجلسين كان لما ذكره وجه، و لكن إذا كان في مجلس واحد كما هو الظاهر لوجود المناسبة بين الدخان و الغبار، فكلاهما موجودان في الهواء، غير انّ الدخان ذرّات ناريّة في الهواء و الغبار ذرّات ترابية في الهواء، فتتحدان في المورد و يكون السؤال متعلّقا بالعمد في كلا الموردين، فيعود التعارض بين الروايتين.

الثاني: حمل الرواية على الغبار الغليظ بقرينة وجود غليظة في شمّ الرائحة، و حمل الثانية على الخفيف، و لكنّه جمع تبرعي لا شاهد له، و احتمال أنّ الغبار في الرواية الأولى ناشئة من كنس البيت كغبار غليظ ليس بأمر كلّي لاختلاف البيوت من حيث الاشتمال على الغبار و عدمه.

و على كلّ تقدير فلو قلنا بإفساد الغبار، فالمراد هو الغبار الذي يثيره‌