الصوم في الشريعة الإسلامية الغراء - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
457 /
155

..........

____________

الإنسان؛ و أمّا الغبار الطبيعي الذي تثيره الريح في بعض الفصول و في البلاد الجدباء، فالرواية منصرفة عنه لكثرة الابتلاء، و عدم ورود نصّ فيه.

2. حكم البخار الغليظ و دخان التبغ ألحق بعضهم البخار و الدخان بالغبار بحجّة أنّ الجميع أجزاء دقيقة منتشرة في الهواء تدخل جوف الإنسان، و قد عرفت أنّ الحكم غير ثابت في المقيس عليه فضلا عن المقيس، و أقصى ما يمكن أن يقال: استقرار سيرة المسلمين على عدم التجنب عن البخار في الحمام و المرافق العامة و غيرها.

و أمّا الدخان الذي يثيره الإنسان مباشرة، بشرب التبغ و التتن و الترياك و مثلها البخور الذي يستعمله المصاب بالزكام، فالأحوط الاجتناب عنه، إذ ليس فيه سيرة على عدم الاجتناب أوّلا، و صدق الشرب عليه ثانيا، فيدخل تحت صحيحة محمد بن مسلم أي: «لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب عن أربع خصال ... الأكل و الشرب ...».

و حصيلة البحث: أنّ المسألة مورد إشكال، فمن جانب تعارض الروايتين في مورد الغبار- الذي هو الأساس لغيره كالبخار و الدخان- و عدم وجود الجمع العرفي بينهما، و من جانب آخر استقرار السيرة على الاجتناب عن الدخان.

و من جانب ثالث صدق الشرب على امثال دخان التبغ و غيره، كلّ ذلك يفرض على الفقيه الإفتاء بالاحتياط و عدم الترخيص، خصوصا انّ الإفتاء بالترخيص يوجب جرأة الناس لاستعمال سائر المفطرات.

3. حكم الدخول غفلة و على كلّ حال يقول الماتن: و لا بأس بما يدخل في الحلق غفلة أو نسيانا أو‌

156

..........

____________

مع ترك التحفّظ بظن عدم الوصول، و نحو ذلك.

الأولى على مذهب من قال بكونه مفطرا أن يقول «بالجزم بعدم الوصول»، و إلّا فمع عدم الثقة بعدم الوصول يدخل تحت العمد، كما مرّ نظيره في مسألة تقبيل المرأة.

157

السابع: الارتماس

السابع: الارتماس في الماء، و يكفي فيه رمس الرأس فيه، و إن كان سائر البدن خارجا عنه، من غير فرق بين أن يكون رمسه دفعة، أو تدريجا على وجه يكون تمامه تحت الماء زمانا، و أمّا لو غمسه على التعاقب- لا على هذا الوجه- فلا بأس به و إن استغرقه، و المراد بالرأس ما فوق الرقبة بتمامه، فلا يكفي غمس خصوص المنافذ في البطلان، و إن كان هو الأحوط، و خروج الشعر لا ينافي صدق الغمس. (1)

____________

(1) كون الغمس من المحرمات للصائم أو من المفطرات للصوم، من خصائص الفقه الإمامي، و ليس منه أثر في الفقه السنّي، و لذلك يقول الشيخ: من ارتمس في الماء متعمدا أفطر و عليه القضاء و الكفارة. و خالف جميع الفقهاء في ذلك في الإفطار و لزوم الكفّارة معا. و به قال المرتضى من أصحابنا، و الأكثر على ما قلناه. (1)

أمّا فقهاء الشيعة فهم على أقوال أربعة:

1. موجب للقضاء و الكفّارة.

2. موجب للقضاء دون الكفّارة.

3. أمر محرم غير موجب لواحد منهما.

4. أمر مكروه ينقض الصوم و لا يبطله.

____________

(1). الخلاف: 2/ 221، كتاب الصوم، المسألة 85.

158

..........

____________

نسب الأوّل: إلى الشيخين في المقنعة و الجمل و الاقتصاد، و السيد المرتضى في الانتصار، و ابن البراج، و قد مرّ كلام الشيخ في الخلاف.

و الثاني: إلى أبي الصلاح.

و الثالث: إلى الشيخ في الاستبصار، و المحقّق في المعتبر، و العلّامة في المنتهى و المختلف، و السيد السند في المدارك.

و الرابع: إلى ابن إدريس، و نقله عن السيد المرتضى، و نسبه في المختلف إلى ابن أبي عقيل. (1)

ثمّ إنّ الروايات على أقسام:

1. النهي عن الارتماس في الماء 1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الصائم يستنقع في الماء و لا يرمس رأسه». (2)

2. صحيحة حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يرتمس الصائم و لا المحرم رأسه في الماء». 3

3. خبر الحسن الصيقل قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصائم يرتمس في الماء؟ قال: «لا، و لا المحرم». 4

4. صحيح حنان بن سدير أنّه سأل أبا عبد اللّه عن الصائم يستنقع في الماء؟ قال: «لا بأس، لكن لا يتغمس، و المرأة لا تستنقع في الماء لأنّها تحمل الماء بقبلها». 5

____________

(1). الحدائق: 13/ 133.

(2) 2 و 3 و 4 و 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 7، 8، 4، 6.

159

..........

____________

و الروايتان محمولتان على رمس أو غمس رأسه، بقرينة السابقتين، مضافا إلى أنّ الرابعة يفصل بين الرجل و المرأة حيث ترخص الاستنقاع للرجل دون المرأة و ينهى الرجل عن الغمس.

5 و 6. و يقرب منهما روايتا يعقوب بن شعيب (1) و محمد بن مسلم. 2

و الروايات ظاهرة في فساد الصوم برمس الرأس في الماء كسائر النواهي الواردة في أبواب العبادات و المعاملات، إلّا أن تكون قرينة على حملها على مجرّد التحريم أو الكراهة.

2. ما هو ظاهر في الإضرار بالصوم 7. ما رواه محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث (أربع) خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء». 3

و المراد من الإضرار بالصائم، هو الإضرار بصومه، لا بنفسه، لأنّه بصدد بيان الحكم الشرعي لا الحكم التكويني.

8. مرفوعة أحمد بن أبي عبد اللّه عن أبيه باسناده رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «خمسة أشياء تفطر الصائم: الأكل، و الشرب، و الجماع، و الارتماس في الماء، و الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمّة (عليهم السلام)». 4

3. ما هو ظاهر في الكراهة 9. خبر عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «يكره للصائم أن‌

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2.

(2) 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(3) 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6.

160

..........

____________

يرتمس في الماء». (1)

و القائل بالحرمة يحمل الكراهة على الحرمة.

4. ما هو صريح في عدم الإفطار 10. موثقة إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا، عليه قضاء ذلك اليوم؟! قال: «ليس عليه قضاؤه و لا يعودن عليه». (2)

و الرواية معتبرة، إنّما الكلام في الجمع بينها و بين ما دلّ على البطلان.

فربما يقال انّ هناك جمعا دلاليّا، و هو حمل الروايات الناهية على الحرمة التكليفية أو حملها على التنزيه و الكراهة.

يلاحظ عليه: أنّ هذا الجمع لا يتم في صحيحة ابن مسلم التي تحكم بأنّ الارتماس يضرّ بصوم الصائم و حمل الإضرار على النقص في الثواب و الفضيلة، خلاف الظاهر جدا، و أوضح منه مرفوعة البرقي، و يقرب منها الفقه الرضوي، فالجميع ظاهر في كونه مفسدا للصوم.

و الحقّ أن يقال انّ المقام من مواضع الرجوع إلى المرجحات، فالترجيح مع الطائفة الأولى لكثرتها أوّلا، و شهرتها بين الأصحاب ثانيا، و كونها على خلاف التقية، لأنّ أهل السنة بين من لم ير الارتماس شيئا، و من يراه أمرا مكروها للصائم، (3) بخلاف الموثقة فانّها رواية واحدة غير مشهورة و موافقة للتقية، و يشير إليه قوله: «ليس عليه قضاؤه و لا يعودن» إذ لو كان الارتماس غير مضرّ، فلا وجه‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 8.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(3). المغني: 3/ 99.

161

..........

____________

للنهي، فالإمام جمع بين التقية و الإفتاء بالحكم، و على كلّ تقدير فالأقوى كون الارتماس من المفطرات، و ليس الارتماس كالكذب على اللّه و رسوله، فانّ دليل الأوّل أقوى بخلاف دليل الثاني فقد عرفت ضعفه.

ثمّ إنّ هناك أمرين ذكرهما الماتن.

1. أن يكون تمام الرأس تحت الماء في آن واحد وجهه: انّ غمس الرأس أو رمسه لا يتحقق إلّا إذا كان الرأس بأجمعه تحت الماء في آن واحد، كما ذكروه في باب الغسل الذي جاء فيها: «إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله». (1) و على ذلك فلو غمس رأسه تحت الماء تدريجا على نحو التعاقب لا يبطل، بأن غمس الطرف الأيمن من الرأس ثمّ أخرجه، ثمّ رمس الطرف الأيسر و أخرجه.

2. المراد من الرأس ما فوق الرقبة بتمامها لا شكّ انّ الرقبة داخلة في اخبار الغسل من جهة تثليث الأعضاء، فبما انّ الرقبة غير داخلة في الجانب الأيمن و لا الأيسر فدخلت في العضو الآخر أي الرأس. و أمّا المقام فالموضوع هناك غمس الرأس، و من المعلوم انّ الرقبة غير الرأس، فالموضوع للبطلان غمس الرأس و رمسه لا الرقبة.

و تظهر الثمرة فيما لو كان خارج الماء و غمس رأسه إلى أذنيه بطل صومه و إن لم يغمس رقبته لما عرفت من أنّ الرقبة خارجة عن الموضوع.

و على ذلك لو انتهى الغمس إلى المنافذ كلّها و كانت منابت الشعر خارجة عن الماء لم يبطل لعدم غمس الرأس.

____________

(1). الوسائل: الجزء 1، الباب 26 من أبواب الجنابة، الحديث 12.

162

[المسألة 30: لا بأس برمس الرأس أو تمام البدن في غير الماء من سائر المائعات]

المسألة 30: لا بأس برمس الرأس أو تمام البدن في غير الماء من سائر المائعات، بل و لا رمسه في الماء المضاف و إن كان الأحوط الاجتناب خصوصا في الماء المضاف. (1)

[المسألة 31: لو لطخ رأسه بما يمنع من وصول الماء إليه ثمّ رمسه في الماء]

المسألة 31: لو لطخ رأسه بما يمنع من وصول الماء إليه ثمّ رمسه في الماء، فالأحوط بل الأقوى بطلان صومه، نعم لو أدخل رأسه في إناء كالشيشة و نحوها و رمس الإناء في الماء فالظاهر عدم البطلان. (2)

____________

(1) انّ هنا صورا:

1. رمس الرأس في غير المائع، كالدقيق و نحوه.

2. رمس الرأس في المائع غير الماء كالحليب و الدبس و الزيت.

3. رمس الرأس في الماء المضاف.

4. رمس الرأس في الماء المطلق.

لا إشكال في الأوّل و الثاني لانصراف الرواية عنهما أوّلا، و اشتمال الروايات على لفظ «الاستنقاع» ثانيا، و ورود الماء في صحيحة ابن مسلم و خبر الصيقل و صحيح الحلبي و حريز و عبد اللّه بن سنان كما مرّ ثالثا، إنّما الكلام في شموله للثالث و الرابع و الظاهر اختصاص الحكم بالماء المطلق و حمل القيد، على وروده مورد الغالب، خلاف الظاهر و لو شكّ فالشكّ في سعة المانعية فالمحكّم هو البراءة.

(2) محصله: انّ المانع عن وصول الماء لو كان متصلا بالبشرة كلطخ الرأس بمانع أو شدّه ب‍ «نايلون» فهو مبطل دون ما إذا كان منفصلا عنها كالغوّاص‌

163

[المسألة 32: لو ارتمس في الماء بتمام بدنه إلى منافذ رأسه و كان ما فوق المنافذ من رأسه خارجا عن الماء كلا أو بعضا]

المسألة 32: لو ارتمس في الماء بتمام بدنه إلى منافذ رأسه و كان ما فوق المنافذ من رأسه خارجا عن الماء كلا أو بعضا لم يبطل صومه على الأقوى، و إن كان الأحوط البطلان برمس خصوص المنافذ كما مرّ. (1)

[المسألة 33: لا بأس بإفاضة الماء على رأسه]

المسألة 33: لا بأس بإفاضة الماء على رأسه، و إن اشتمل على جميعه ما لم يصدق الرمس في الماء، نعم لو أدخل رأسه أو تمام بدنه في النهر المنصبّ من عال إلى السافل و لو على وجه التسنيم، فالظاهر البطلان لصدق الرمس، و كذا في الميزاب إذا كان كبيرا و كان الماء كثيرا كالنهر مثلا. (2)

____________

الذي يرمس في الماء و هو في جوف جهاز، أو اسطول بحري تحت الماء، و الظاهر عدم البطلان مطلقا، لأنّ المتبادر من الروايات مدخلية تأثر البشرة بالماء و هو غير موجود، و لذلك سوى سيد مشايخنا البروجردي بين الصورتين.

(1) قد ظهر وجهه مما ذكرناه.

(2) أمّا إذا أفاض الماء على رأسه، فلعدم صدق الرمس في الماء- حتى و إن كان تحت الرقبة في الماء- مضافا إلى قوله في صحيح ابن مسلم: عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال: الصائم يستنقع في الماء و يصبّ على رأسه و يتبرّد بالماء. (1) و لو منع عن صبّ الماء يلزم عدم جواز الاغتسال للصائم، نعم لو صبّ على رأسه بوعاء كبير كالدلو على وجه يكون الماء محيطا بالرأس و هو مستورا بالماء، دفعة واحدة فالأحوط الاجتناب عنه.

كما أنّه لو أدخل رأسه أو تمام بدنه في النهر المنصب من عال إلى السافل- فالأحوط الاجتناب، و إن لم يصدق عليه الغمس في الماء، و لكن العرف يلغي‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

164

[المسألة 34: في ذي الرأسين إذا تميّز الأصلي منهما فالمدار عليه]

المسألة 34: في ذي الرأسين إذا تميّز الأصلي منهما فالمدار عليه، و مع عدم التميّز يجب عليه الاجتناب عن رمس كلّ منهما، لكن لا يحكم ببطلان الصوم إلّا برمسهما و لو متعاقبا. (1)

____________

الخصوصية و كان الموضوع إحاطة الماء على مجموع الرأس دفعة واحدة من غير فرق بين كون الماء جاريا أو واقفا، و من غير فرق بين كون جريانه على وجه التسهيل أو التسنيم.

(1) للمسألة صور:

1. أن يكون كلّ من الرأسين أصليا، بحيث يرى به و يسمع.

2. أن يكون أحدهما أصليا و متميزا عن الآخر الذي هو بمنزلة العضو الزائد، إذ لا يرى به و لا يسمع.

3. تلك الصورة و لا يتميز الأصلي عن الآخر.

لا شكّ في بطلان الصوم برمس أحدهما في الصورة الأولى، و يظهر من الماتن و أكثر المحشين، التسالم على صحّة الصوم برمس الرأس غير الأصلي عند تميزهما و يحتمل أنّ الميزان صدق النسبة و هو رمس الرأس و إن كان غير أصليّ، و على ذلك يبطل الصوم في عامة الصور.

نعم لو لم نقل بذلك يقع الكلام في بطلان الصوم في الصورة الثالثة و هو غمس أحدهما في الماء مع عدم التميز فقال الماتن: فانّه لا يحكم ببطلان الصوم إلّا برمسهما و لو متعاقبا.

و لكن الظاهر من السيد الحكيم عدم الاجتزاء بذلك الصوم قائلا: إنّه و إن لم يحكم بالإفطار واقعا أو ظاهرا شرعا إلّا أنّه بمقتضى العلم الإجمالي يحكم عقلا بعدم الاجتزاء به لاحتمال مصادفة الواقع المنجز، و استصحاب الصحّة لا يجري في‌

165

..........

____________

قبال العلم الإجمالي المنجّز، و بالجملة وجوب الاجتناب عقلا تابع لتنجز الواقع، و هو مانع من جريان الأصل المؤمّن منه. (1)

يلاحظ عليه: أنّ العلم الإجمالي بأنّ غمس أحد الرأسين مفطر، يمنع عن جريان الأصل في موردهما، إمّا لعدم شمول دليل الأصول أطراف العلم كما هو الحقّ، أو شموله لها و لكن يسقط بالتعارض، و أمّا عدم جريانه فيما يرتبط بها، كصحة الصوم فلا يمنع عنه، كما أنّ منع جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي لا يمنع عن جريان الأصل في ملاقي أحد المشتبهين، كالعلم الإجمالي بخمرية أحد الإناءين، فانّه لا يمنع عن جريان أصالة الطهارة في ملاقيه.

فالأقوى الاجتزاء أخذا باستصحاب الصحّة في صومه.

و يظهر من السيد الخوئي الحكم بالبطلان، بناء على ما سبق منه في الكذب على اللّه عند ما نسب إليه و لكن مع الشكّ في الصحة، و ذلك لأنّه على تقدير كون المرموس أصليا لم يكن ناويا للصوم بطبيعة الحال، بل على تقدير خاص و هو عدم كون المرموس أصليا، و هذا لا ينفع، بل لا بدّ للصائم أن يكون ناويا لصومه في جميع الحالات و على جميع التقادير. (2)

يلاحظ عليه: أنّ الحكم بالإفطار فرع قصد المفطر بعنوان كونه مفطرا، بأن يعلم انّه مفطر قطعا ثمّ يتناوله، و ليس المقام كذلك و ليس قصد الذات كافيا.

و أمّا ما ذكره من التحليل فإنّما هو قائم بذهنه الوقّاد و فكره الأصولي، و ليس عنه أثر في ذهن الرامس، بل هو على حد انّه لو علم انّه رأس أصلي لما رمسه، و إنّما يرمس رجاء أن لا يكون رأسا أصليّا.

كلّ ذلك على تقدير عدم كفاية صدق عنوان الرأس و معه لا تصل النوبة إلى هذه البحوث.

____________

(1). المستمسك: 8/ 266.

(2). مستند العروة الوثقى كتاب الصوم: 163.

166

[المسألة 35: إذا كان مائعان يعلم بكون أحدهما ماء يجب الاجتناب عنهما]

المسألة 35: إذا كان مائعان يعلم بكون أحدهما ماء يجب الاجتناب عنهما، و لكن الحكم بالبطلان يتوقّف على الرمس فيهما. (1)

[المسألة 36: لا يبطل الصوم بالارتماس سهوا أو قهرا أو السقوط في الماء من غير اختيار]

المسألة 36: لا يبطل الصوم بالارتماس سهوا أو قهرا أو السقوط في الماء من غير اختيار. (2)

[المسألة 37: إذا ألقى نفسه من شاهق في الماء بتخيّل عدم الرمس فحصل لم يبطل صومه]

المسألة 37: إذا ألقى نفسه من شاهق في الماء بتخيّل عدم الرمس فحصل لم يبطل صومه. (3)

____________

(1) إذا كان مائعان أحدهما مضاف و الآخر مطلق و اشتبه أحدهما بالآخر، فلو قلنا بأنّ الارتماس في المضاف أيضا مبطل، يفسد الصوم بالارتماس في واحد منهما، و أمّا إذا قلنا بعدم البطلان إلّا في الارتماس في الماء المطلق، يكون نظير المسألة السابقة.

فعلى من قال بعدم الاجتزاء هناك لكون العلم الإجمالي منجّزا في المقام و لا تحرز صحّة الصوم لعدم جريان أصالة الصحّة فيه، أو قال بأنّه يشترط كونه ناويا على كلّ تقدير و ليس هو بمتحقق فانّه ناو على تقدير و هو كون المائع مضافا لا مطلقا، يكون الصوم محكوما بالبطلان. لكنّك عرفت ضعف كلا القولين فلا نعيد.

(2) لعدم صدق العمد‌

(3) ظاهر العبارة كفاية الظن بعدم الرمس، و لكنّه غير تام لعدم حجّيته، و الأولى أن يقول: «إنّه يكفي إذا كان على ثقة من نفسه على عدم الرمس» كما في رواية سماعة حيث سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يلصق بأهله في شهر رمضان فقال: «ما لم يخف على نفسه فلا بأس». (1)

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6، و لاحظ الحديث 1 و 13 من هذا الباب.

167

[المسألة 38: إذا كان مائع لا يعلم أنّه ماء أو غيره أو ماء مطلق أو مضاف لم يجب الاجتناب عنه]

المسألة 38: إذا كان مائع لا يعلم أنّه ماء أو غيره أو ماء مطلق أو مضاف لم يجب الاجتناب عنه. (1)

[المسألة 39: إذا ارتمس نسيانا أو قهرا ثمّ تذكّر أو ارتفع القهر وجب عليه المبادرة إلى الخروج]

المسألة 39: إذا ارتمس نسيانا أو قهرا ثمّ تذكّر أو ارتفع القهر وجب عليه المبادرة إلى الخروج و إلّا بطل صومه. (2)

____________

(1) أقول: هنا فروض:

1. لو قلنا بأنّ المضاف كالمطلق، فالثمرة منتفية في الفرع الثاني، لأنّه مبطل كالمطلق و ينحصر النزاع في الفرع الأوّل.

2. لو قلنا بمقالة السيد الخوئي (قدّس سرّه) من أنّ الصائم الجازم برمس الرأس فيما دار كونه مبطلا أو غير مبطل، غير ناو للصوم على كلّ تقدير كما مرّ تفصيله فالصوم باطل بلا إشكال.

3. لو لم نقل بمقالته فصومه صحيح، لأنّ الشبهة موضوعية و لا يجب الاجتناب عنها بعد الفحص اللازم المناسب لها.

و بعبارة أخرى: يكون مرجع الشكّ إلى تعلق النهي بهذا الموضوع أو لا، و الأصل البراءة.

(2) و ذلك لفهم العرف من الأحاديث عدم الفرق بين الحدوث و البقاء، فقوله (عليه السلام): «لا يرتمس المحرم في الماء و لا الصائم»، (1) و إن كان ظاهرا في الوجود الحدوثي و لكن مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي عدم الخصوصية فيه و كون الموضوع، مطلق الرمس حدوثا و بقاء و انّ الموضوع تأثر الرأس بالماء و هو موجود في كلتا الصورتين.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

168

[المسألة 40: إذا كان مكرها في الارتماس لم يصحّ صومه]

المسألة 40: إذا كان مكرها في الارتماس لم يصحّ صومه، بخلاف ما إذا كان مقهورا. (1)

[المسألة 41: إذا ارتمس لإنقاذ غريق بطل صومه و إن كان واجبا عليه]

المسألة 41: إذا ارتمس لإنقاذ غريق بطل صومه و إن كان واجبا عليه. (2)

____________

(1) أمّا إذا كان مقهورا فلعدم صدق العمد، و أمّا إذا كان مكرها فهو فاعل مريد اختار أحد الطرفين لأجل محاسبات رجح الفعل معها على الترك. و بما انّ حديث الإكراه حديث رفع لا وضع فهو يرفع الإثم و بالتالي العذاب و لا يثبت صحّة الصوم، و لذلك قالوا حديث الرفع حديث رفع لا حديث وضع.

و الأقوى صحّة صومه بالبيان التالي:

إنّ المرفوع ما هو المكره عليه بالحمل الشائع، و من المعلوم انّ الرفع ليس رفعا تكوينيا بل تشريعيا، فيكون مرجعه إلى سلب حكمه الشرعي عنه، أي كونه مفطّرا، فيكون تناول المفطر كعدم تناوله في ميزان الشرع، و عند ذلك ينطبق عليه عنوان الصوم فيشمله الإطلاقات، كما هو الحال في نسيان الصوم، فانّ المنسي مرفوع تشريعا، فيكون الإمساك إمساكا تاما صادقا عليه عنوان الصوم فيشمله الإطلاق، و حديث الرفع و إن كان حديث رفع لا حديث وضع، و لكن الوضع أي الحكم بالصحّة إنّما هو على عاتق الإطلاقات بعد شموله للمورد.

و منه يظهر حال الفرع التالي.

(2) حيث إنّ المقام من قبيل المتزاحمين، فيقدم أحدهما على الآخر بحكم الشرع فيصدق عليه انّه مضطرّ بحكم الشرع في الرمس، فيكون حكمه مرفوعا بحكم الشرع.

169

[المسألة 42: إذا كان جنبا و توقّف غسله على الارتماس انتقل إلى التيمّم]

المسألة 42: إذا كان جنبا و توقّف غسله على الارتماس انتقل إلى التيمّم إذا كان الصوم واجبا معيّنا و إن كان مستحبّا أو كان واجبا موسّعا وجب عليه الغسل و بطل صومه. (1)

____________

(1) أما الانتقال إلى التيمم في الفرع الأوّل، فلأنّها من قبيل المتزاحمين، فإذا كان كذلك، فيقدّم ما ليس له بدل على ما له بدل.

و بما انّ الصوم صوم واجب معين و ليس له بدل، و لكن الطهارة لها فردان:

اختياري و هو الطهارة المائية، و اضطراري و هو الطهارة الترابية، يحكم العقل بتقديم ما ليس له بدل و هو الصوم، على الطهارة المائيّة، التي لها بدل و هو التيمم.

و لعلّ هذا البيان أوضح ممّا أفاده السيد الحكيم حيث قال: إنّ وجوب الصوم يوجب حرمة الغسل الارتماسي، فيكون غير مقدور شرعا، فيتعين عليه التيمم. (1)

أقول: إنّ الحكم بحرمة الغسل الارتماسي لا يتم إلّا بعد ثبوت تقديم دليل الصوم على دليل الغسل الارتماسي، و إلّا فلا وجه للحكم بالحرمة و لا تثبت الحرمة له إلّا بما قلنا.

و أمّا عدم الانتقال إلى التيمّم في الفرع الثاني، أعني: ما إذا كان الصوم مستحبا أو واجبا موسعا، بل يجب عليه الغسل و إن بطل صومه فهو لأجل انّ كلّ واحد من الواجبين و إن كان ذا بدل، لكن يقدم الثاني أي الطهارة المائية على الأوّل، أي حفظ الصوم، و ذلك لأنّ بدل الصوم بدل اختياري لافتراض كونه واجبا موسّعا بخلاف بدل الطهارة المائية، فانّ بدله اضطراري فيقدم الثاني على‌

____________

(1). المستمسك: 8/ 269.

170

[المسألة 43: إذا ارتمس بقصد الاغتسال في الصوم الواجب المعيّن]

المسألة 43: إذا ارتمس بقصد الاغتسال في الصوم الواجب المعيّن بطل صومه و غسله إذا كان متعمّدا، و إن كان ناسيا لصومه صحّا معا، و أمّا إذا كان الصوم مستحبّا أو واجبا موسّعا بطل صومه و صحّ غسله. (1)

____________

الأوّل، فهو بارتماسه يبطل صومه و ينتقل إلى الفرد الاختياري منه بخلاف العكس، أي الحكم بحفظ الصوم حيث ينتقل إلى البدل الاضطراري للطهارة أي التيمم.

ثمّ إنّ هنا بحثا، و هو هل الصوم في الفرع الثاني يبطل بنفس التكليف كما عليه أكثر المعلّقين، أو يبطل بنية القطع، أو بنفس الفعل أي الغسل، ربما يقال بالأوّل، و ذلك لامتناع الأمر بالصوم المشتمل على الاجتناب عن الارتماس بعد فرض فعلية الأمر بالارتماس. (1)

أقول: إنّه لو كان الخطاب شخصيا كان لما ذكره وجه حيث لا يصحّ أن يخاطب المكلّف بالصيام و في الوقت نفسه يؤمر بالارتماس في الماء، و بما انّ الحكم الفعليّ هو الارتماس يلزم بطلان الصوم بنفس التكليف بالارتماس.

و أما إذا كان الخطاب قانونيا، أي كلّيا، فلا يبطل إلّا بعد ملاحظة الدليلين و الخروج بتقديم الارتماس على الثاني، فعندئذ ينوي عدم الإتمام و الاغتسال بالارتماس فيبطل صومه، فالقول الثاني هو الأقوى.

(1) هنا فروع ثلاثة:

1. إذا كان الصوم واجبا معيّنا فارتمس في الماء بقصد الاغتسال عمدا بطل صومه و غسله.

2. تلك الصورة و لكن ارتمس في الماء سهوا و نسيانا صحّ صومه و غسله.

____________

(1). مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم: 169.

171

[المسألة 44: إذا أبطل صومه بالارتماس العمديّ]

المسألة 44: إذا أبطل صومه بالارتماس العمديّ فإن لم يكن من شهر رمضان و لا من الواجب المعيّن غير رمضان يصحّ له الغسل حال المكث في الماء أو حال الخروج، و إن كان من شهر رمضان يشكل صحّته حال المكث لوجوب الإمساك عن المفطرات فيه بعد البطلان أيضا، بل يشكل صحّته حال الخروج أيضا لمكان النهي السابق، كالخروج من الدار الغصبيّة إذا

____________

3. إذا كان الصوم واجبا موسعا أو مستحبا فارتمس في الماء عمدا بطل صومه، و صحّ غسله، و إليك دراسة الفروع.

أمّا الفرع الأوّل: فيبطل الصوم بالارتماس، و أمّا الغسل لكونه منهيا عنه و المبغوض لا يكون مقربا.

فإن قلت: يبطل الصوم بنية القطع، فلا يكون الارتماس فيه مبغوضا و محرّما فيصحّ الغسل.

قلت: إنّما يصحّ ذلك في غير الواجب المعيّن الذي لا يكون الإمساك بعد الإفطار واجبا دون الواجب المعيّن الذي يجب فيه الإمساك بعد الإفطار أيضا تأدّبا، من غير فرق بين كونه رمضانا، أو واجبا معيّنا كالنذر، و عليه يكون الارتماس عند فساد الصوم بنيّة القطع، مبغوضا أيضا.

أمّا الفرع الثاني: فيصحّ كلاهما لعدم كون الارتماس السهوي مفطرا، فيصحّ الصوم و بالتالي لا يكون محرما فيصحّ الغسل أيضا.

أمّا الفرع الثالث: فبطلان الصوم لأجل الارتماس، و أمّا صحّة غسله فلعدم كونه محرما لجواز الإفطار و لو بالارتماس في الماء في الصوم الواجب غير المعين، أو المستحب.

172

دخلها عامدا، و من هنا يشكل صحّة الغسل في الصوم الواجب المعيّن أيضا سواء كان في حال المكث أو حال الخروج. (1)

____________

(1) المسألة مبنية على جواز الاغتسال تحت الماء بتحريك البدن، أو بإخراجه عن الماء، و إلّا فلو قلنا بظهور الدليل بإحداث الارتماس، استظهارا من قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي: «إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله» (1) فلا مجال لعقد هذه المسألة.

صور المسألة 1. إذا أبطل صومه بالارتماس العمدي و كان صومه مستحبا أو واجبا غير معيّن، فبما انّ الارتماس، ليس بمحرّم يكون المكث و الخروج مثله، فيصحّ غسله في الحالتين المتأخرتين.

2. إذا أبطل صومه بالارتماس العمدي، و كان الصوم من شهر رمضان و كان الاغتسال حال المكث في الماء بتحريك بدنه فيه، يحكم عليه بالبطلان، لحرمة المكث في الماء و ذلك بملاحظة أمرين:

أ. يجب الإمساك بعد الإفطار أيضا تأدّبا.

ب. انّ الارتماس مفطر، حدوثا و بقاء فيجب الإمساك عن البقاء كالحدوث.

3. نفس الصورة و لكن نوى الاغتسال بالخروج عن الماء، فيحكم عليه بالبطلان بتينك المقدمتين، لأنّ الخروج و إن كان واجبا عقلا من باب أخفّ القبيحين، لكنّه مبغوض و هو ينافي الصحة، و إن شئت فاستوضح ذلك بما ذكرناه في الأصول عند البحث فيمن توسط أرضا مغصوبة عن اختيار، و قلنا انّ الخروج‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 1، الباب 26 من أبواب الجنابة، الحديث 12.

173

..........

____________

واجب عقلا، لدفع الأفسد بالفاسد، و ليس بمحرم فعلا لمكان الاضطرار و عدم القدرة على تركه فيكون النهي لغوا، لكنّه مبغوض بالذات لكونه تصرّفا في مال الغير إذ كان في وسعه، ترك هذا المبغوض بعدم التوسط في الأرض، و كونه غير قادر على ترك الغصب في هذه الحالة موجب لسقوط الخطاب دون ملاكه و عقابه، لأنّ الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار.

و أمّا إذا قلنا بعدم سقوط النهي فالحكم أوضح، و الخروج من الماء في المقام يكون محرما بالفعل، لكونه مبغوضا.

و حاصل الكلام: أنّه يظهر بطلان الغسل بملاحظة مقدّمتين، لما عرفت أوّلا انّه يجب الإمساك عن المفطر حدوثا و بقاء، و ثانيا انّ البقاء في الماء مبغوض و إن فسد الصوم بالارتماس الحدوثي و معه لا يصحّ الاغتسال.

نعم لو تاب تحت الماء يصحّ الغسل حال الخروج دون حال المكث، إذ التوبة لا تجتمع مع المكث، فما عن السيد الحكيم من الحكم بالصحّة في كلتا الحالتين لا يخلو عن تأمل.

4. إذا أبطل صومه بالارتماس العمدي و كان واجبا معيّنا لا من شهر رمضان، فإن قلنا: إنّ حكمه، حكم شهر رمضان في وجوب الإمساك حدوثا و بقاء فيتحد حكمهما، و إلّا، فيحكم بصحّة الغسل في حالتي المكث و الخروج، و لعلّه إلى ما ذكرنا يشير سيد مشايخنا في تعليقته بقوله: «لا وجه لهذا الإشكال إذ العنوان المنهي بالنهي السابق لا يصدق هنا على المكث و الخروج بخلاف المكث في المغصوب و الخروج عنه».

و حاصله: انّ البقاء تحت الماء حالة غير محرمة في الواجب المعين بخلاف شهر رمضان.

174

[المسألة 45: لو ارتمس الصائم في الماء المغصوب]

المسألة 45: لو ارتمس الصائم في الماء المغصوب، فإن كان ناسيا للصوم و للغصب صحّ صومه و غسله، و إن كان عالما بهما بطلا معا، و كذا إن كان متذكّرا للصوم ناسيا للغصب، و إن كان عالما بالغصب ناسيا للصوم صحّ الصوم دون الغسل. (1)

____________

(1) صور المسألة:

1. إذا كان متذكرا للصوم و كون الماء مغصوبا.

2. إذا كان متذكرا للصوم ناسيا للغصب.

3. إذا كان متذكرا للغصب ناسيا للصوم.

4. إذا كان ناسيا للصوم و الغصب.

أمّا الأولى: فيبطل الصوم لتعمد الارتماس، و الغسل لكون الاغتسال بماء معلوم الغصبية فلا يكون المبعّد مقربا.

أمّا الثانية: فهو مثل الأولى يبطل الصوم لتعمد الارتماس، و الغسل للعلم بأنّه إفطار محرم، فبطلان الغسل لا ينحصر بالعلم بكون الماء مغصوبا بل يكفي العلم بكون الارتماس محرما.

و لكن بطلان الغسل مختص بما إذا كان الإفطار محرّما كما في الواجب المعين، دون الموسّع إذ عندئذ، يبطل الصوم، و يصحّ الغسل.

أمّا الثالثة: فيبطل الغسل للعلم بكون الماء غصبيا، دون الصوم لعدم التعمد في الإفطار.

و أمّا الرابعة: أعني ما إذا كان ناسيا لهما، فقد حكم الماتن بصحّة صومه و غسله، أمّا الصوم فلعدم التعمد، و أمّا الغسل فلأنّ المانع من صحّته، عدم تمشّي‌

175

..........

____________

التقرّب عند العلم بكون الماء مغصوبا، و المفروض كون المغتسل ناسيا به، فيصحّ الغسل، كما هو الحال في كل متزاحم إذا كان حكمه غير منجز.

و لكن ذهب المحقّق الخوئي (قدّس سرّه) إلى بطلان الغسل في الصورة الأخيرة و حاصل كلامه: انّ المقام من باب التعارض دون التزاحم و ليس التركيب فيه انضماميا ليكون من موارد اجتماع الأمر و النهي حتى يتجه التفصيل بين الحرمة المنجّزة بالعلم، فلا يمكن التقرب عندئذ لكونهما بإيجاد واحد و بين صورة الجهل، فيمكن التقرب حينئذ بالأمر.

بل التركيب اتحادي ضرورة انّ الغسل أو الوضوء بالماء المغصوب متحد مع التصرف فيه فهو من باب النهي عن العبادة لا من باب الاجتماع، فيكون من باب التعارض دون التزاحم، فإذا قدم جانب النهي كان تخصيصا في دليل الواجب، فيخرج مورد الحرمة بحسب الواقع عن مورد الوجوب، إذ الحرمة لا تكون مصداقا للواجب، و عندئذ لا يفرق بين العلم و الجهل، إذ التخصيص واقعي، و لا يناط ذلك بعلم المكلّف و جهله. (1)

إنّ ما ذكره من الضابطة لتميز المتزاحمين عن المتعارضين مبني على تعلّق الأحكام بالأفراد و بالمصاديق الخارجية، فيفرّق بين ما إذا كان التركيب انضماميا، فيكون متعلق كلّ غير متعلّق الآخر، دون ما إذا كان اتحاديا فيتحد متعلّقا الحكمين، فلا محيص من تقديم أحدهما على الآخر و تخصيصه، كما خصص في المقام بتقديم دليل الغصب على دليل الغسل، و لكنك عرفت انّ متعلق الأحكام هي العناوين الكلية، و الخارج ظرف للسقوط لا للثبوت، فإذا كان المفهومان مختلفين مفهوما، و بينهما من النسبة عموم و خصوص من وجه، يصح الأمر بأحدهما و النهي عن الآخر، كما هو الحال في المقام أيضا، فيدخل المورد تحت اجتماع الأمر و النهي، فلو‌

____________

(1). مستند العروة: كتاب الصوم: 174.

176

[المسألة 46: لا فرق في بطلان الصوم بالارتماس بين أن يكون عالما بكونه مفطرا أو جاهلا]

المسألة 46: لا فرق في بطلان الصوم بالارتماس بين أن يكون عالما بكونه مفطرا أو جاهلا (1).

____________

كان الأمر و النهي توصّليين كان عاصيا و ممتثلا دون ما إذا كان أحدهما تعبديا كالاغتسال فيكون عاصيا فقط، لكن لما كان النهي غير مؤثر، لأنّه إمّا مجهول أو منسيّ، فلا يكون منجزا، و عندئذ يتقرب بامتثال الأمر.

إنّ الفرق بين التزاحم و التعارض هو عدم التكاذب في مقام الجعل و التشريع في المتزاحمين و وجوده في المتعارضين، فقوله: «أنقذ هذا الغريق و أنقذ ذاك الغريق، ليسا بمتعارضين في مقام الجعل لإمكان جعل الوجوب على أكثر من واحد، بخلاف جعل النفوذ لبيع العذرة و عدمه في ما روى «يحرم بيع العذرة، لا بأس ببيع العذرة» فلا يمكن جعل حكمين متضادين لشي‌ء واحد، فكلّ، يكذّب الآخر، بخلاف الأمرين بإنقاذ نفرين.

و على ضوء ذلك، فالاغتسال بالماء المغصوب من باب التزاحم، لا التعارض لعدم التكاذب بين الحكمين في مقام الجعل و لا قصور في قدرة المكلّف في مورد امتثال الحكمين، لأنّ المفروض وجود المندوحة و إنّما جمع المكلّف بين الحكمين بسوء اختياره، فكان هناك تزاحم بين الملاكين لا يجتمعان، و من المعلوم انّ النهي عن التصرف في الماء المغصوب إنّما يؤثر إذا كان المستعمل ذاكرا بالموضوع، فإذا كان جاهلا أو ناسيا لم يؤثر، لعدم كونه مبعدا عند الجهل، فيصح الاغتسال عند الجهل أو النسيان.

نعم يشترط أن لا يكون الناسي، هو نفسه الغاصب، لأنّ النهي السابق الساقط، يؤثر في المبغوضية فلا يكون مقربا.

(1) و ذلك لعمومية الأحكام للعالم و الجاهل.

177

[المسألة 47: لا يبطل الصوم بالارتماس في الوحل و لا بالارتماس في الثلج]

المسألة 47: لا يبطل الصوم بالارتماس في الوحل و لا بالارتماس في الثلج. (1)

[المسألة 48: إذا شكّ في تحقّق الارتماس بنى على عدمه]

المسألة 48: إذا شكّ في تحقّق الارتماس بنى على عدمه. (2)

____________

(1) لعدم صدق الارتماس في الماء.

(2) لأصالة عدمه، و لكن لو قصد الارتماس و شكّ في تحقّقه يبطل صومه بنية القطع و إن علم عدم الارتماس فضلا عن الشكّ فيه.

178

الثامن: البقاء على الجنابة عمدا

الثامن: البقاء على الجنابة عمدا إلى الفجر الصادق في صوم شهر رمضان أو قضائه، دون غيرهما من الصيام الواجبة و المندوبة على الأقوى و إن كان الأحوط تركه في غيرهما أيضا خصوصا في الصيام الواجب موسّعا كان أو مضيّقا. (1)

____________

(1) في المسألة فروع ثلاثة:

1. البقاء على الجنابة عمدا إلى الفجر الصادق.

2. الإصباح جنبا من غير عمد، بل ناويا للغسل، و سيوافيك الفرق بين العنوانين.

3. البقاء على حدث الحيض و النفاس إلى طلوع الفجر إذا طهرت قبله.

و إليك الكلام في الفروع واحدا تلو الآخر.

البقاء على الجنابة عمدا يقع الكلام تارة في أصل الحكم من كونه مفسدا أو لا، و أخرى فيما يجب عليه، من القضاء و الكفّارة، و ثالثة في عمومية الحكم لشهر رمضان و قضائه، و الصوم الواجب المعين و غير المعيّن و الصوم المستحب.

أمّا الكلام في أصل الحكم فنقول:

المشهور بين الأصحاب بطلان الصوم و لزوم الكفارة، خلافا لأهل السنّة،

179

..........

____________

فالمشهور عندهم هو الصحّة و عدم وجوب شي‌ء، إلّا ما روي عن أبي هريرة و الحسن بن صالح بن حي حيث حكما بالبطلان، و لم يعلم إيجابهما الكفارة؛ روى أبو هريرة: من أصبح جنبا فلا صوم له، ما أنا قلته، قال محمد و ربّ الكعبة. (1)

و أمّا أصحابنا، فالمشهور عندهم ان تعمد البقاء على الجنابة من غير عذر في ليلة شهر رمضان إلى الصباح موجب للقضاء و الكفّارة؛ و إليه ذهب الشيخان و علي بن بابويه و ابن الجنيد و سلار و أبو الصلاح و ابن إدريس حتى عدّه المرتضى في الانتصار ممّا انفردت به الإمامية.

لكن نقل هو فيه و الشيخ الطوسي في الجمل قولا بأنّ عليه القضاء دون الكفّارة، و نسبه العلّامة في المختلف إلى ابن أبي عقيل.

و نسب إلى الصدوق عدم لزوم شي‌ء منهما استنادا إلى حديث حماد بن عثمان. (2)

قال الشهيد الثاني بعد قول المحقّق: «و البقاء على الجنابة عامدا حتى يطلع الفجر من غير ضرورة على الأشهر»: هذا هو الصحيح و الأخبار به متضافرة، و خلاف ابن بابويه ضعيف. (3) و ما أبعد ما بينه و بين ما ذكره معاصره المحقّق الأردبيلي: ما رأيت دليلا يصلح لذلك (القول المشهور)، فكان مخالفة المشهور لا بدّ منها، لذلك. (4)

و مع ذلك قال في الجواهر: «فالحكم من القطعيات، بل لم أتحقق فيه‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 174، كتاب الصوم، المسألة 13.

(2). المختلف: 3/ 407.

(3). المسالك: 2/ 17.

(4). مجمع البرهان: 5/ 45 و قوله: «لذلك» إشارة إلى عدم الدليل، و قد نقل صاحب الحدائق اختيار ذلك القول عن رسالة للمحقّق الداماد في الرضاع.

180

..........

____________

خلافا». (1)

على كلّ تقدير فيدل على القول المشهور طوائف من الروايات:

الأولى: ما يدل على المطلوب في من تعمد على البقاء 1. صحيحة أو موثقة (2) أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ ترك الغسل متعمّدا حتى أصبح؟ قال: «يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا» قال: و قال: إنّه حقيق أن لا أراه يدركه أبدا. (3)

و السند لا غبار عليه، و إبراهيم بن عبد الحميد من مشايخ ابن أبي عمير الذي ثبت انّه لا يروي إلّا عن ثقة، و قد ذكر الفضل بن شاذان انّه صالح، و قال الشيخ في الفهرست: ثقة له أصل، نعم روى الكشي عن نصر بن الصباح انّه واقفي، و عنونه النجاشي و الكشي و لم يصفاه بشي‌ء من الصلاح و الوثاقة، أو الوقف و لكن القول الفصل، قول الفضل. (4)

2. خبر سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه (عليه السلام) قال: «إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل و لا يغتسل حتى يصبح، فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم و لا يدرك فضل يومه. (5)

و ما في الوسائل من سليمان بن جعفر بدل «حفص» قد عرفت خلافه، و سليمان بن جعفر هو الجعفري، لا المروزي و سليمان بن حفص هو المروزي حيث‌

____________

(1). الجواهر: 16/ 237.

(2). الترديد لأجل الاختلاف في كون إبراهيم بن عبد الحميد، واقفيا أو لا.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

(4). قاموس الرجال: 1/ 221.

(5). الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

181

..........

____________

وصف بالمروزيّ، فالمراد هو ابن حفص لا ابن جعفر. و هو لم يوثق، و وقوعه في سند روايات كامل الزيارات، غير مجد، كما أوضحناه في كتابنا «كليات في علم الرجال».

الثانية: في من تعمّد النوم جنبا حتى مطلع الفجر 3. خبر إبراهيم بن عبد الحميد، عن بعض مواليه قال: سألته عن احتلام الصائم؟ قال: فقال: إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلا ينم حتى يغتسل، و إن أجنب ليلا في شهر رمضان فلا ينام إلّا ساعة حتى يغتسل، فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح فعليه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا، و قضاء ذلك اليوم، و يتم صيامه و لم يدركه أبدا. (1)

و السند مرسل أوّلا، و مشتمل على مهمل ثانيا، أعني: عبد الرحمن بن حماد إذا لم نقل باتحاده مع عبد الرحمن بن أبي حماد، الذي رمي بالضعف و الغلو. (2)

و لذلك وصفه صاحب المدارك بضعف السند، لكنّه في غير محله في الأولى.

4. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه قال في رجل احتلم أوّل الليل أو أصاب من أهله ثمّ نام متعمدا في شهر رمضان حتى أصبح قال: «يتم صومه ذلك ثمّ يقضيه، إذا أفطر من شهر رمضان و يستغفر ربّه». (3)

5. صحيح البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة ثمّ ينام حتى يصبح متعمدا؟ قال: «يتم ذلك اليوم و عليه قضاؤه». (4)

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.

(2). لاحظ رجال النجاشي: 2/ 51 برقم 631.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(4). الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.

182

..........

____________

و السند لا غبار عليه، لكن يدلان على وجوب القضاء دون الكفارة و يمكن تقييدها بما دلّ على وجوبها، كالروايات الثلاث الأول و هي أقوى دلالة منهما.

الثالثة: ما دلّ على وجوب القضاء على ناسي الغسل ما دل على وجوب القضاء على من نسي غسل الجنابة حتى خرج الشهر. (1)

و إيجاب القضاء مع النسيان يستلزم إيجابه مع التعمد بوجه أولى.

و ربما يستدل ببعض الروايات الراجعة إلى صورة الإصباح جنبا كالصحاح الثلاثة، أعني: صحيح محمد بن مسلم، (2) و معاوية بن عمار، 3 و ابن أبي يعفور، 4 و سيوافيك حالها.

أدلة المخالف قد عرفت تضافر الروايات على الحكم المطلوب و قد عمل بها الأصحاب و لم يظهر الخلاف إلّا عن الصدوق، و المحقّق الأردبيلي و المحقّق الداماد و قد اعتمد هؤلاء على إطلاق الآية أوّلا، و الروايات ثانيا.

1. قال سبحانه: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا مٰا كَتَبَ اللّٰهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ 5، و الآية تقتضي جواز الرفث في كلّ جزء من أجزاء الليل و إن كان الجزء الأخير، و وجوب تقديم الغسل على طلوع الفجر يقتضي تحريم الرفث و المباشرة في الجزء الأخير من الليل، و هو على خلاف إطلاق الآية.

____________

(1). لاحظ الباب 30 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.

(2) 2 و 3 و 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3، 1، 2.

(3) 5. البقرة: 187.

183

..........

____________

يلاحظ عليه: أنّ دلالتها بالإطلاق و هو قابل للتقييد، بالسنّة المتضافرة.

2. و قد استدل بروايات، و هي على طائفتين، إمّا محمولة على التقيّة، أو قابلة للتأويل محمولة على من نام بعد الجماع بنية الغسل.

و إليك كلتا الطائفتين:

الطائفة الأولى: ما هي محمولة على التقية 1. صحيحة حبيب الخثعمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يصلّي صلاة الليل في شهر رمضان ثمّ يجنب ثمّ يؤخّر الغسل متعمدا حتى يطلع الفجر». (1)

يلاحظ عليه: أنّ قوله: «كان» ظاهر في الاستمرار و أي ملزم لمداومة الأمر المرجوح. و لعلّ الرواية نقلت على غير وجهها، و إلّا فلا محيص عن حملها على ورودها تقية و يؤيده اتّفاقهم على جواز البقاء على الجنابة ما ننقله تاليا.

2. رواية حماد بن عثمان انّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل و أخّر الغسل حتى يطلع الفجر؟ فقال: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يجامع نساءه من أوّل الليل ثمّ يؤخر الغسل حتى يطلع الفجر و لا أقول كما يقول هؤلاء الاقشاب يقضي يوما مكانه». (2) و مضمون الرواية غير قابل للتصديق، لأنّ البقاء على الجنابة إلى الفجر يلازم ترك نافلة الليل التي كانت واجبة عليه و إلّا فلا محيص عن حملها على التقية.

و يؤيده انّ الإمام ابتدأ بنقل الفعل من دون أن يجيب بالقول، أضف إلى ذلك انّه لم يعلم المراد من هؤلاء الأقشاب، الذين يرون بطلان الصوم و لزوم‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

184

..........

____________

القضاء، مع اتّفاق فقهاء عصره على الصحة و عدم القضاء إلّا ما روي عن أبي هريرة و الحسن بن صالح، و هذا شاهد على أنّ الرواية لم تنقل على وجه صحيح.

3. خبر إسماعيل بن عيسى قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان فنام عمدا حتى يصبح أي شي‌ء عليه؟ قال: «لا يضره هذا و لا يفطر و لا يبالي، فإنّ أبي (عليه السلام) قال: قالت عائشة إنّ رسول اللّه أصبح جنبا من جماع من غير احتلام قال: لا يفطر و لا يبالي». (1)

و على الرواية أمارة التقية أمّا أوّلا، لتأكيده على عدم الافطار بقوله: «لا يضره هذا، و لا يفطره و لا يبالى» مع عدم الحاجة إليه لاتفاق أهل السنة على عدم الإضرار، و ثانيا الاستشهاد بكلام عائشة مع عدم الحاجة إليه.

الطائفة الثانية: ما يقبل التأويل 4. صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان في أوّل الليل فأخّر الغسل حتى طلع الفجر فقال: «يتم صومه و لا قضاء عليه». 2

5. رواية سليمان بن أبي زينبة قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) أسأله عن رجل أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل فأخّر الغسل حتى طلع الفجر؟ فكتب (عليه السلام) إليّ بخطه أعرفه مع «مصادف»: «يغتسل من جنابته و يتم صومه و لا شي‌ء عليه». 3

ثمّ إنّ هذه الروايات الخمس لا يصحّ ردّها بكونها أخبار آحاد، مع أنّ فيها صحيح الخثعمي، و مرسلة المقنع، بل لا بدّ من العلاج بالجمع إذا أمكن، و الظاهر‌

____________

(1) 1 و 2 و 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6، 4، 5.

185

..........

____________

إمكان حملهما على التأخير لا عن عمد، فيحمل على من إذا أجنب، ثمّ نام بنيّة الغسل، و يؤيد الحمل رواية ابن بكير، قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ نام حتى أصبح؟ قال: «لا بأس». (1)

و الحاصل: انّ الروايات المعارضة بين ما هي ظاهرة في التقية كما في الثلاث الأول، و هي أمر غير خفي على العارف بأساليب كلامهم في بيان الأحكام الصادرة عنهم (عليهم السلام)، أو محمولة على النوم بنيّة الغسل كما سيأتي حكمه.

و إن أبيت إلّا عن التعارض، فلا شكّ انّ ما دلّ على الفساد و الكفارة هو الراجح الذي دلّت المقبولة على الأخذ به.

عموم الحكم لرمضان و قضائه إنّ مورد الروايات و إن كان شهر رمضان، لكن الضابطة في الروايات المتعرضة لأحكام موضوع كالصلاة و الصوم و الحجّ، حملها على أنّها أحكام لماهيتها من غير فرق بين الأداء و القضاء، و الواجب و المندوب، و لذلك عطف المشهور المندوب على الواجب في عامة الأبواب في الأحكام و إن كان الحكم واردا في مورد الواجب، مضافا إلى ما ورد في خصوص قضاء رمضان من كون البقاء على الجنابة مفسدا، أعني: صحيح عبد اللّه بن سنان: انّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أوّل الليل و لا يغتسل حتى يجي‌ء آخر الليل و هو يرى الفجر قد طلع؟ قال: «لا يصحّ ذلك اليوم و يصوم غيره»، (2) و مثله حديثه الآخر، 3 و في رواية سماعة 4 فقلت: إذا كان ذلك من الرجل و هو يقضي رمضان قال: «فليأكل يومه ذلك و ليقض، فانّه لا يشبه رمضان شي‌ء من‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 8.

(2) 2 و 3 و 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3.

186

..........

____________

الشهور». و التعليل لبيان تجويز الأكل و أنّ الإمساك تأدّبا مختص بشهر رمضان و لا يعمّ قضاءه.

و على ذلك فلا شكّ في وحدة حكم الأداء و القضاء إنّما الكلام في غيرهما.

عدم عموم الحكم لغير رمضان أداء و قضاء قد عرفت أنّ مقتضى الضابطة و تفسير الروايات المتعرضة لحكم الموضوعات انّه حكم لماهية الموضوع و ان ورد في مورد خاصّ، لكنّها معتبرة ما لم يدلّ دليل على خلافها، فهل هناك ما يدل على خرق القاعدة أو لا؟ ذهب المشهور إلى عدم الفرق بين أقسام الصوم قال المحدّث البحراني: ظاهر المشهور من كلام الأصحاب هو عموم هذا الحكم لشهر رمضان و غيره من الصوم الواجب و المستحب حيث إنّهم عدّوا من جملة المفطرات تعمّد البقاء على الجنابة، (1) و قريب منه ما في الجواهر، (2) و اختار المحقّق في المعتبر خلافه و قال: «و لقائل أن يخص هذا الحكم برمضان دون غيره من الصيام». (3)

و قال الشهيد: و إن كان نفلا، ففي رواية ابن بكير صحته و لو علم بالجنابة ليلا.

أقول: و تدل على الصحّة في التطوع روايات ثلاث:

1. صحيح حبيب الخثعمي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني عن‌

____________

(1). الحدائق: 13/ 121.

(2). الجواهر: 16/ 240.

(3). المعتبر: 2/ 656.

187

..........

____________

التطوع و عن «صوم» هذه الثلاثة الأيّام إذا أجنبت من أوّل الليل فأعلم أنّي أجنبت، فأنام متعمدا حتى ينفجر الفجر أصوم أو لا أصوم؟ قال:

«صم». (1)

2. موثقة ابن بكير: قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجنب ثمّ ينام حتى يصبح، أ يصوم ذلك اليوم تطوعا؟ قال: «أ ليس هو بالخيار ما بينه و نصف النهار». 2

3. موثقته الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب ثمّ أراد الصيام بعد ما اغتسل و مضى ما مضى من النهار؟

قال: «يصوم إن شاء، و هو بالخيار إلى نصف النهار». 3

لكن الاستدلال بهذه الروايات مشكل من جهات:

1. انّ ظاهر الأوليين هو الحكم بالصحّة مطلقا، اغتسل قبل الظهر أم لا، بخلاف الثالثة، فظاهرها اشتراط الصحّة بالاغتسال قبله، و التقييد قول ثالث، لأنّ القوم بين من يقول بالصحّة مطلقا، و بالبطلان مطلقا.

2. عدم وضوح تعليل الصحّة بالقول بكونه على الخيار بين الفجر و نصف النهار، فانّ الخيار إنّما يكون مسوغا لجواز البقاء إذا لم يتناول المفطر أو لم يأت بشي‌ء يفسده، و المفروض أنّه بقى على الجنابة إلى قبيل الظهر و البقاء أحد المفسدات.

و توجيه التعليل بأنّ المفطرات على قسمين: قسم يكون مفطّرا مطلقا، كالأكل و الشرب، و قسم يكون مفطّرا من حين نية الصوم و اندراج الإنسان في‌

____________

(1) 1 و 2 و 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1- 3.

188

..........

____________

موضوع الصائم، و البقاء على الجنابة من القسم الثاني، فلو اغتسل ثمّ نوى الصوم فلا يكون مفطرا، غير تام لعدم معهودية هذا القسم أوّلا، و مخالفته لكلام المجوّزين ثانيا، و لإطلاق الأوليين ثالثا.

3. انّ مورد الأوليين هو الصوم تطوعا بخلاف الأخيرة، فانّها تعم الواجب و المندوب، حتى قضاء شهر رمضان إذا كان الوقت موسّعا فانّ الإنسان فيه مخير بين الفجر و نصف النهار، و قد عرفت أنّ حكم رمضان قضاء و أداء واحد.

فالاستدلال بهذه الروايات على تخصيص الضابطة مشكل خصوصا مع احتمال أن يكون التعليل، من الإمام نوع إعراض عن الإجابة بالحكم الواقعي، فما ذهب إليه صاحب الجواهر و المصباح من تسويغ البقاء و تبعه السيد الحكيم (قدّس سرّه) في المستمسك، غير خال عن الإشكال و الاعتماد في نفي الاشتراط على صحيح ابن مسلم: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لا يضر الصائم إذا اجتنب ثلاث خصال:

الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء» (1) غير خال عن المناقشة لاحتمال دخوله في قوله: «و النساء» و غاية ما يمكن أن يقال هو الجواز في المندوب دون الواجب للأخذ بالأوليين، و قد عرفت الإشكال بالأخذ بإطلاق الثالثة. فيكون الصوم تطوعا، كصلاة النافلة حيث لا يعتبر فيه بعض ما يعتبر في الفريضة من الاستقرار و لا القيام و لا غيرهما.

ثمّ إنّ الماتن احتاط و قال: و إن كان الأحوط تركه في غيرهما أيضا، غير انّ كيفية الاحتياط في الواجب غيرها في المندوب، فهي في الأوّل عبارة عن المبادرة إلى الاغتسال قبل الفجر، و في الثاني، المبادرة إليه، و إلّا فالمضي في الصوم و الاغتسال أثناء النهار لا ترك الصوم، لأنّه على خلاف الاحتياط.

____________

(1). الوسائل: الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

189

و أمّا الإصباح جنبا من غير تعمّد فلا يوجب البطلان إلّا في قضاء شهر رمضان على الأقوى، و إن كان الأحوط إلحاق مطلق الواجب الغير المعيّن به في ذلك، و أمّا الواجب المعيّن رمضان كان أو غيره فلا يبطل بذلك، كما لا يبطل مطلق الصوم واجبا كان أو مندوبا معيّنا أو غيره بالاحتلام في النهار. (1)

____________

(1) ذكر الماتن في عبارته فروعا:

1. الإصباح جنبا بغير عمد في شهر رمضان.

2. الإصباح جنبا بغير عمد في قضاء شهر رمضان.

3. الإصباح جنبا بغير عمد في الواجب غير المعيّن.

4. الإصباح جنبا بغير عمد في الواجب المعيّن.

5. عدم بطلان الصوم بالاحتلام في نهار شهر رمضان.

أمّا الأوّل: فقد عرفت اختصاص البطلان بصورة العمد في النصوص (1) مضافا إلى ما مرّ من أنّ ما دلّ على عدم البأس (2) محمول على صورة عدم العمد، فالضابط هو البطلان في العمد و عدمه في غيره إلّا ما خرج بالدليل، كالصوم المندوب على ما مرّ، حيث يصحّ مع العمد أيضا.

و أمّا الثاني: فللنصوص الواردة في مورده كصحيح ابن سنان انّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أوّل الليل فلا يغتسل حتى يجي‌ء آخر الليل و هو يرى أنّ الفجر قد طلع؟ قال: «لا يصوم ذلك اليوم و يصوم غيره». (3)

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4 و 5.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1. و لاحظ 2 و 3.

190

..........

____________

و أمّا الثالث: فالقول بالبطلان مبني على أنّ الموضوع في صحيحة ابن سنان و غيرها هو الواجب الموسع من دون خصوصيّة للقضاء، فيلحق به الواجب غير المعين كالنذر المطلق و الكفارات لكن العلم بالمناط مشكل لاحتمال مدخلية قضاء شهر رمضان، فيكون الموضوع باقيا تحت القاعدة السابقة من اختصاص البطلان بالتعمد.

و أمّا الرابع: فعدم البطلان على القاعدة لاختصاص النصوص بصورة العمد.

و بذلك ظهر انّه لا يبطل الصوم بالإصباح جنبا بغير العمد إلّا في صورة واحدة أعني: قضاء شهر رمضان للنصّ، و أمّا غيره فهو باق تحت الضابطة.

و أمّا الخامس: فتدل عليه نصوص كثيرة منها: صحيحة عبد اللّه بن ميمون عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ثلاثة لا يفطرن الصائم: القي‌ء، و الاحتلام، و الحجامة». (1) و هل يجب المبادرة إلى الاغتسال؟ مقتضى الإطلاقات عدمه. نعم في خبر إبراهيم بن عبد الحميد عن بعض مواليه قال: سألته عن احتلام الصائم قال فقال: «إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلا ينام حتى يغتسل». (2) و هو محمول على الاستحباب، و على ذلك فلو صلى الظهرين و نام و احتلم لا يجب عليه الغسل إلى المغرب.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1. و لاحظ الأحاديث 2، 3، 4.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.

191

و لا فرق في بطلان الصوم بالإصباح جنبا عمدا بين أن تكون الجنابة بالجماع في الليل أو الاحتلام، و لا بين أن يبقى كذلك متيقّظا أو نائما بعد العلم بالجنابة مع العزم على ترك الغسل. (1)

____________

(1) أمّا عدم الفرق بين الإجناب و الاحتلام، فهو مقتضى التصريح في صحيحة البزنطي، ففيها التصريح بعدم الفرق بين الأمرين، روى عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:

سألته عن رجل أصاب أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة حتى يصبح متعمدا؟ قال: «يتمّ ذلك اليوم و عليه قضاؤه». (1) و نظيره صحيحة الحلبي. (2)

أمّا عدم الفرق بين بقائه متيقظا أو نائما، أمّا متيقظا فتدل عليه موثقة أبي بصير 3 و خبر سليمان بن حفص المروزي. 4 و أمّا نائما فيدل عليه صحيحة البزنطي الماضية حيث قال: «ثمّ نام متعمدا» و هي شاهد جمع لما دلّ على عدم البطلان مطلقا، و ما دلّ على البطلان مطلقا.

أمّا الأوّل، فهو ما رواه أبو سعيد القماط قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عمن أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل فنام حتى أصبح؟ قال: «لا شي‌ء عليه، و ذلك لأنّ جنابته كانت في وقت حلال». 5

أمّا الثاني، فهو ما رواه ابن مسلم عن الرجل تصيبه الجنابة في رمضان ثمّ ينام انّه قال: «إن استيقظ قبل أن يطلع الفجر فان انتظر ماء يسخّن أو يستقي فطلع الفجر، فلا يقضي صومه». 6

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.

(2) 2 و 3 و 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3.

(3) 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(4) 6. الوسائل: الجزء 7، الباب 14 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

192

و من البقاء على الجنابة عمدا الإجناب قبل الفجر متعمّدا في زمان لا يسع الغسل و لا التيمّم، و أمّا لو وسع التيمّم خاصّة فتيمّم صحّ صومه و إن كان عاصيا في الإجناب. (1)

____________

حيث يدل بالمفهوم على أنّه إن لم يستيقظ قضى صومه، فيحمل ما رواه ابن مسلم على من نام بنية الغسل، و الثاني على خلافه.

(1) هنا مسألتان:

إحداهما: الإجناب قبل الفجر في زمان لا يسع الغسل و لا التيمم.

يقع الكلام في شمول الدليل على إحداث الجنابة، مع أنّ مورده هو البقاء على الجنابة و عدمه. و الظاهر شموله بملاكه لا بلفظه أمّا الثاني فلأنّه ليس بقاء عليها، بل إحداثا لها حين الفجر، و أمّا الأوّل فلأنّ المتفاهم من الأدلة انّ سبب البطلان، كونه جنبا حين الفجر مع الاختيار، سواء كانت جنابته إحداثا حينه أو بقاء.

ثانيهما: لو أجنب في زمان يسع التيمم و لا يسع الغسل فحكم المصنف بأنّه عاص و صومه صحيح، فجمع بين صحة صومه و عصيانه.

أمّا الصحّة فلعموم بدلية التراب عن الماء، أعني قوله: «التراب أحد الطهورين» (1) و قوله: يكفيك عشر سنين. (2) أو بمنزلة الماء. 3 أو قوله: إنّ ربّ الماء هو ربّ الصعيد. 4 فهذه الروايات ظاهرة في قيام التراب مقام الغسل‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 2، الباب 21 من أبواب التيمم، الحديث 1.

(2) 2 و 3. الوسائل: الجزء 2، الباب 20 من أبواب التيمم، الحديث 7 و 3.

(3) 4. الوسائل: الجزء 2، الباب 23 من أبواب التيمم، الحديث 6.

193

..........

____________

و الوضوء عند التعذر، و يترتب عليه ما يترتب على الماء، و أمّا العصيان، فلعدم وفاء الطهارة الترابية، لمصلحة الطهارة المائيّة، فلو كان الإجناب عن لا اختيار، لكان معذورا دون ما أجنب نفسه عن اختيار مع العلم بعدم وفاء الوقت إلّا للتيمّم.

هذا ما يرجع إلى المتن.

و الحقّ انّ هنا صورتين إحداهما أوضح حكما من الأخرى.

الأولى: إذا كان الوقت وسيعا، و لكن كان فاقدا للماء أو كان استعمال الماء مضرا من أوّل الأمر، فهل يجوز له إجناب نفسه و درك الفجر متطهرا بالطهارة الترابية أو لا؟ و هذا الفرع نفس ما يأتي الكلام عنه في المسألة 51 فانتظر.

الثانية: لو أخّر الغسل عمدا إلى أن ضاق الوقت أو أجنب عمدا في وقت يعلم بأنّه لا يسع الغسل فتيمم و صام، فهل يصحّ صومه أو لا.

و بعبارة أخرى بعد الفراغ عن مشروعية التيمم للصوم، فهل تختص مشروعيّته بمن كان فاقدا أو عاجزا بطبعه أو يعمّ التعجيز الاختياري؟

ربما يقال بعدم المشروعية لقصور المقتضي، فانّ المستفاد من قوله سبحانه:

فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً (1) حسب الفهم العرفي هو عدم الوجدان بالطبع، لا أن يجعل الإنسان نفسه غير واجد بأن يريق الماء أو يجنب نفسه و الوقت غير واف. نعم في خصوص باب الصلاة التزمنا بالمشروعية و جعلنا ضيق الوقت و إن استند إلى العمد من المسوّغات و ذلك لقيام الدليل الخارجي عليه، و هو ما استفيد من صحيحة زرارة في المستحاضة من أنّ الصلاة لا تترك بحال (2) دون الصوم.

يلاحظ عليه: أنّ الآية و إن كانت واردة في مورد التعجيز الاضطراري و لا تعم التعجيز الاختياري لكن لا غبار في دلالة بعض الروايات على الجواز حيث‌

____________

(1). المائدة: 6.

(2). كتاب الصوم: 188.

194

و كما يبطل الصوم بالبقاء على الجنابة متعمّدا، كذا يبطل بالبقاء على حدث الحيض و النفاس إلى طلوع الفجر، فإذا طهرت منهما قبل الفجر وجب عليها الاغتسال أو التيمّم و مع تركهما عمدا يبطل صومها. (1)

____________

إنّه يعلّل جواز الصلاة مع التيمم فيمن أجنب من غير عمد، بأنّ اللّه جعل التراب طهورا، روى الصدوق عن محمد بن حمران و جميل بن دراج انّهما سألا أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن إمام قوم أصابته جنابة في السفر و ليس معه من الماء ما يكفيه للغسل، أ يتوضأ بعضهم و يصلّي بهم؟ فقال: «لا، و لكن يتيمم الجنب و يصلّي بهم، فإنّ اللّه عزّ و جلّ جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا». (1) ترى أنّه يعلّل جواز الصلاة و الإمامة بالتنزيل لا بان الصلاة لا تترك، و هو يدل على أنّ للتراب نفس الشأن الموجود للماء، و المورد و إن كان غير المختار إلّا أنّ العبرة بعموم التنزيل و حمله على أنّه سبحانه جعله منزلة الماء في ضيق الوقت في من أجنب بلا اختيار، دون من أجنب اختيارا، كما ترى و الظاهر صحّة ما في المتن، من الجمع بين الصحة و العصيان.

(1) قال ابن أبي عقيل: المرأة إذا طهرت من حيضها أو دم نفاسها ليلا، و تركت الغسل حتى تصبح عامدة، يفسد صومها، و يجب القضاء خاصة كالجنب إذا أهمل الغسل حتى يصبح عامدا.

و قال العلّامة بعد نقل هذا الكلام: و لم يذكر أصحابنا ذلك، و الأقرب انّها كالجنب إذا أخلّ بالغسل، فإن أوجبنا القضاء و الكفارة عليه أوجبناهما عليها و إلّا فالقضاء.

____________

(1). الوسائل: الجزء 2، الباب 24 من أبواب التيمم، الحديث 2.

195

..........

____________

لنا: إنّ الثلاثة اشتركت في كونها مفطّرة للصوم، لأنّ كلّ واحد منها حدث يرتفع بالغسل، فيشترك في الأحكام. (1)

و نقل عن العلّامة في المنتهى أنّه قال: لم أجد لأصحابنا نصّا صريحا في حكم الحيض في ذلك بقي انّها إذا انقطع دمها قبل الفجر هل يجب عليها الاغتسال، و يبطل الصوم لو أخلّت به حتى يطلع الفجر؟ الأقرب ذلك، لأنّ حدث الحيض يمنع الصوم فكان أقوى من الجنابة.

و يمكن الاستدلال على وحدة الحكم بوجوه:

1. القياس الأولوي الوارد في كلام العلّامة حيث إنّ الجنابة غير مانعة عن الصوم بخلاف الحيض، إذ لا يصحّ معه الصوم أصلا، فكيف لا يكون البقاء عليه مبطلا مع أنّ البقاء على الأضعف مفسد فما أورد عليه صاحب الحدائق (2) من أنّ التعليل ضعيف، كأنّه في غير محله.

2. القياس الأولوي المستفاد ممّا ورد في المستحاضة إذا تركت غسلها، حيث تقضي صومها. روى علي بن مهزيار قال: كتبت إليه (عليه السلام): امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في أوّل يوم من شهر رمضان ثمّ استحاضت فصلّت و صامت شهر رمضان كلّه من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكلّ صلاتين، هل يجوز صومها و صلاتها أم لا؟ فكتب (عليه السلام): «تقضي صومها و لا تقضي صلاتها». (3) نعم حكمه على الصلاة بعدم القضاء به غير معمول به.

فإذا كان الحكم ثابتا في الضعيف ففي القوي بوجه أولى، على أنّه يظهر من الراوي أنّ القضاء في الحيض و النفاس كان أمرا مسلما، و إنّما الشكّ في حكم‌

____________

(1). المختلف: 3/ 410، كتاب الصوم.

(2). الحدائق: 13/ 123.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

196

..........

____________

المستحاضة.

3. ما رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضال، عن علي بن أسباط، عن عمّه يعقوب بن سالم الأحمر، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن طهرت بليل من حيضتها ثمّ توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت، عليها قضاء ذلك اليوم». (1)

و أورد على الاستدلال بأنّ طريق الشيخ إلى كتاب علي بن الحسن بن فضال ضعيف.

قال في المشيخة: ما ذكرته في هذا الكتاب عن علي بن الحسن بن فضال، فقد أخبرني به، أحمد بن عبدون المعروف ب‍ ابن الحاشر سماعا، إجازة من علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضّال. (2) و السند ضعيف لأجل «علي بن محمد بن الزبير» لأنّه مجهول.

غير انّ المحقّق الخوئي حاول تصحيح السند بوجه آخر، و هو انّ طريق الشيخ إلى كتاب علي بن الحسن بن فضال و إن كان ضعيفا إلّا أنّ طريق النجاشي إليه صحيح، و بما انّ شيخهما واحد، و هو أحمد بن محمد بن عبدون، و طبع الحال يقتضي انّ ما نقله للشيخ هو بعينه ما نقله للنجاشي من غير زيادة و لا نقيصة، فلا جرم يستلزم ذلك صحّة طريق الشيخ أيضا حيثما عرفت. (3)

يلاحظ عليه: أنّ طريق النجاشي إلى علي بن الحسن نفس طريق الشيخ، قال: «قرأ أحمد بن الحسين كتاب الصلاة و الزكاة، و مناسك الحجّ، و الصيام و الطلاق، و النكاح و الزهد و الجنائز و المواعظ و الوصايا، و الفرائض، و المتعة‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 21، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(2). التهذيب: 10/ 385، قسم المشيخة.

(3). كتاب مستند العروة: 190.

197

..........

____________

و الرجال على أحمد بن عبد الواحد (ابن الحاشر أو ابن عبدون) في مدّة سمعتها معه، و قرأت أنا كتاب الصيام عليه في مشهد العتيقة، عن ابن الزبير عن علي بن الحسن. (1) ترى أنّه ينقل كتاب الصيام عن المؤلف عن شيخه عن ابن الزبير الذي هو عبارة عن علي بن محمد بن الزبير.

نعم للنجاشي طريق آخر إلى سائر كتب ابن فضال و هو صحيح قال:

و أخبرنا محمد بن جعفر في «آخرين» عن أحمد بن محمد بن سعيد عن علي بن الحسن بكتبه. و لكن شيخه في هذا الطريق عبارة عن محمد بن جعفر النحوي التميمي، لا ابن الحاشر.

و الذي يمكن ذبّ الإشكال به انّ ذكر الطريق إلى هذه الكتب كان لأجل إخراجها عن صورة المراسيل إلى صورة المسانيد، لا لإثبات صحّة انتسابها لمؤلّفيها، فانّ الكتب التي روى عنها الصدوق و الشيخ كانت معروفة الانتساب إلى مؤلفيها.

أمّا الصدوق فقال في ديباجة الفقيه: و جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل و إليها المرجع. (2)

و قال الشيخ في مشيخة التهذيب: الآن نذكر الطرق التي يتوصل بها إلى رواية هذه الأصول و المصنفات، و نذكرها على غاية ما يمكن من الاختصار لنخرج الأخبار بذلك عن حدّ المراسيل و تلحق بباب المسندات. (3) و الظاهر انّ مراده نفس ما ذكره الصدوق، و انّ نسبة هذه الكتب إلى أصحابنا كانت ثابتة غير محتاجة إلى تحصيل السند، لكن ذكرها في المشيخة لأجل إخراجها بصورة المسانيد لا لأجل إثبات انتسابها إلى مؤلفيها.

____________

(1). رجال النجاشي: 2/ 85 برقم 674.

(2). من لا يحضره الفقيه: 1/ 2.

(3). التهذيب: 10/ 382.

198

و الظاهر اختصاص البطلان بصوم رمضان و إن كان الأحوط إلحاق قضائه به أيضا، بل إلحاق مطلق الواجب بل المندوب أيضا، و أمّا لو طهرت قبل الفجر في زمان لا يسع الغسل و لا التيمّم أو لم تعلم بطهرها في اللّيل حتّى دخل النهار فصومها صحيح واجبا كان أو ندبا على الأقوى. (1)

____________

البقاء على حدث النفاس و أمّا البقاء على حدث النفاس، فيعلم حكمه ممّا مر في الحيض، فانّ النفاس أخت الحيض تشاركها في أكثر الأحكام من القلّة و الكثرة، بل هي حيض محتبس:

كما ورد في بعض الروايات، و قد اشتهر في كلامهم: النفساء كالحائض.

و أمّا الكفّارة فإنّما تثبت لو كان دليل عام على وجوبها في كلّ مفسد للصوم، لكن سيوافيك في محلها من احتمال اختصاصها بالأكل و الشرب و الجماع أو شيئا أوسع من ذلك، فانتظر.

(1) هنا فرعان:

1. هل حكم ترك البقاء على الجنابة و حدث الحيض و النفاس مختص بصوم رمضان أو يعمه و القضاء و الواجب غير المعين و المندوب.

2. لو طهرت الحائض و النفساء قبل الفجر في زمان لا يسع الغسل و لا التيمم أو لم تعلم بطهرها في الليل حتى دخل النهار.

أمّا الفرع الأوّل فمبنيّ على أنّ ترك البقاء على الأحداث الثلاثة مأخوذ في ماهية الصوم و حقيقته، كترك الأكل و الشرب و الجماع و الارتماس، فيكون مبطلا في عامة الأصناف من غير فرق بين صوم رمضان و قضائه و الواجب المعين و غير المعين و المندوب، أو هو شرط لصحّة بعض الأصناف كرمضان فيختص به دون‌

199

..........

____________

غيره إلّا بدليل.

و مورد الروايات هو صوم رمضان، فقد مرّ انّها بأصنافها الثلاثة واردة في صوم شهر رمضان من غير فرق بين من تعمد على البقاء مستيقظا، أو نائما، أو نسي الغسل حتى خرج الشهر، فإثبات الحكم في غير شهر رمضان حتى قضاءه يحتاج إلى دليل خاص.

و إن شئت قلت: إنّ القيد بينما ورد في كلام السائل كروايتي الحلبي و البزنطي، و ما ورد في كلام الإمام كخبر المروزي و مرسلة عبد الحميد، فكما يحتمل أن يكون القيد واردا مورد الغالب لكونه المبتلى به غالبا، يحتمل أن تكون للقيد خصوصية في الحكم. فيكون الشكّ في سعة الحكم و ضيقه من باب الشكّ في التكليف، فالمرجع هو البراءة.

و مع ذلك، فالظاهر من أدلة القضاء هو وحدة حكم القضاء مع المقضيّ حتى في الجهر و المخافتة، و على ذلك يبطل الصوم في قضاء شهر رمضان بالبقاء عمدا.

فإن قلت: لو صحّ ذلك في غير هذا المقام لما صحّ في المقام، لاختلاف حكم القضاء مع الأداء في المقام لما عرفت من أنّ البقاء من غير عمد، لا يبطل صوم رمضان بخلاف قضائه، فانّه يبطله و قد ورد في رواية سماعة: «فليأكل يومه ذلك و ليقض فانّه لا يشبه رمضان شي‌ء من الشهور». (1)

قلت: إنّه على خلاف المدّعى أدل، حيث يدل على التشديد في القضاء دون الشهر نفسه، فإذا كان التشديد ثابتا في شهر رمضان نفسه يكون ثابتا في قضائه بطريق أولى.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

200

[المسألة 49: يشترط في صحّة صوم المستحاضة على الأحوط الأغسال النهاريّة التي للصلاة]

المسألة 49: يشترط في صحّة صوم المستحاضة على الأحوط الأغسال النهاريّة التي للصلاة، دون ما لا يكون لها، فلو استحاضت قبل الإتيان بصلاة الصبح أو الظهرين بما يوجب الغسل كالمتوسّطة أو الكثيرة فتركت الغسل بطل صومها، و أمّا لو استحاضت بعد الإتيان بصلاة الفجر أو بعد الإتيان بالظهرين فتركت الغسل إلى الغروب لم يبطل صومها، و لا يشترط فيها الإتيان بأغسال الليلة المستقبلة و إن كان أحوط، و كذا لا يعتبر فيها الإتيان بغسل الليلة الماضية بمعنى أنّها لو تركت الغسل الّذي للعشاءين لم يبطل صومها لأجل ذلك، نعم يجب عليها الغسل حينئذ لصلاة الفجر، فلو تركته بطل صومها من هذه الجهة. (1)

____________

الفرع الثاني: «إذا طهرت قبل الفجر في زمان لا يسع للغسل و لا للتيمم أو لم تعلم بطهرها في الليل حتى دخل النهار، فصومها صحيح واجبا كان أو ندبا على الأقوى.

و ذلك لاختصاص النص (1) بما إذا توانت في الاغتسال، و هو غير صادق على المقام.

(1) قد ذكر في هذه المسألة فروع ثلاثة، لكن أساسها أمر واحد، و هو انّ صحة صوم المستحاضة رهن الأغسال النهارية التي تأتي بها للصلاة دون ما لا يكون لها.

فيترتب على هذا:

أوّلا: أنّه إن استحاضت بعد صلاة الفجر و تركت الغسل أو بعد صلاة الظهرين فتركت الغسل فلا تبطل صومها لعدم وجوب الغسل بعد أداء الصلاة.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 21 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

201

..........

____________

و ثانيا: لو تركت أغسال الليلية المستقبلة، لا يبطل صومها، إذ الميزان هو ترك الأغسال النهارية التي لا بدّ منها للصلاة.

و ثالثا: لو تركت أغسال الليلة الماضية، لا يبطل صوم اليوم الآتي إذا اغتسلت لصلاة الفجر إذا كان الميزان الإتيان بالأغسال النهارية.

و لكن الظاهر من ابن أبي عقيل و الشيخ في النهاية و المبسوط عدم الفرق بين الأغسال النهارية أو الليلية، قال العلّامة في المختلف:

قال الشيخ في النهاية: المستحاضة إذا صامت و لم تفعل ما تفعله المستحاضة كان عليها قضاء الصوم. و كذا قال ابن إدريس.

و في المبسوط: المستحاضة إذا فعلت من الأغسال ما يلزمها من تجديد القطن و الخرقة و تجديد الوضوء صامت و صحّ صومها إلّا الأيام التي يحكم لها بالحيض فيها و متى لم تفعل ما تفعله المستحاضة وجب عليها قضاء الصلاة و الصوم.

و اعترض العلّامة بأنّه لا دليل على الوضوء و تجديد القطنة و الخرقة. (1)

استدل بصحيح على بن مهزيار: كتبت إليه (عليه السلام): امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أوّل يوم من شهر رمضان، ثم استحاضت، فصلّت و صامت شهر رمضان كلّه من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكلّ صلاتين هل يجوز صومها و صلاتها أم لا؟ فكتب (عليه السلام): «تقضي صومها و لا تقضي صلاتها، لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يأمر فاطمة و المؤمنات من نسائه بذلك». (2)

و أمّا وجه تخصيص الأغسال بالنهارية فقد أوضحه السيد الحكيم (قدّس سرّه) بقوله:

____________

(1). المختلف: 3/ 485.

(2). الفقيه: 2/ 94، الحديث 419؛ عنه الوسائل: الجزء 7، الباب 18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1. و قد خلت نسخة الوسائل من لفظة «فاطمة و».

202

..........

____________

إنّ المقطوع به إرادة ترك الغسل للصلاة أصلا حتى للفجر. و حينئذ فبطلان الصوم عند ترك الجميع لا يدل على اعتبار كلّ واحد منها فيه، و إنّما يدلّ على اعتبارها في الجملة، كلا أو بعضا، و لما كان لا يحتمل اعتبار غسل العشاءين فقط، بل التردد إنّما هو في اعتبار غسل النهار فقط، أو مع غسل الليل، يكون غسل الليل مشكوك الشرطية و يكون المرجع فيه أصل البراءة على التحقيق من جريانه مع الشك في الشرطية كالجزئية. (1)

أقول: ما ذكره إنّما يتم مع قطع النظر عمّا هو المغروس في ذهن السائل، إذ المتبادر من قوله: «من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة»، انّ الموضوع هو تارك وظائف المستحاضة من الوضوء لكلّ صلاة في القليلة و مع الغسل لصلاة الفجر للمتوسطة، أو مع الغسلين لكلّ صلاتين للكثيرة، فلو ذكر قوله: «من الغسل لكلّ صلاتين» فإنّما ذكره من باب المثال.

كما أنّ المغروس في ذهنه إنّ حدث الاستحاضة كحدث الحيض و النفاس مانع عن صحّة الصوم، و لا يرتفع إلّا بالوظائف الخاصة، فكلّ عمل من أعمالها، له قسط في رفع الحدث الملازم لصحّة الصلاة و الصوم.

و في هذه الظروف، أجاب الإمام: «تقضي صومها و لا تقضي صلاته» فيكون المتبادر انّ ترك كلّ وظيفة يرجع إلى رفع الحدث، فهو موجب للقضاء، فلا فرق بين الأغسال النهارية و الليليّة و من غير فرق بينها و بين الوضوء، نعم لا دليل على لزوم تغيير الخرقة و القطنة، لعدم تأثيره في رفع الحدث، و إنّما يؤثر في رفع الخبث.

و مع ذلك يمكن إبداء الفرق بين الغسل للّيلة الماضية و اللّيلة الآتية حيث يبطل ترك الأوّل دون الثاني لأنّ ترك الأوّل، موجب لإدراك الفجر و هي محدثة بالاستحاضة دون ترك الثاني، لأنّ تأثيره في صحّة صوم اليوم الماضي و إن كان‌

____________

(1). المستمسك: 8/ 286.

203

..........

____________

بمكان من الإمكان، لكنّه بعيد عن الأذهان لا يصار إليه إلّا بالنص.

و قد أورد على الحديث بوجوه:

1. كونها مضمرة.

2. اشتمالها على عدم قضاء الصلاة و هو خلاف ما أجمعوا عليه.

3. اشتمالها الأمر بفاطمة مع أنّ الأخبار تضافرت على أنّها ما كانت ترى حمرة.

4. اختصاصها بالكثيرة فلا تدل على أنّ المتوسطة مثلها، فلو وجب عليها غسل واحد كالمتوسطة لصلاة الفجر فلا دليل على بطلان صومها.

و لأجل الوجوه الثلاثة الأول قال الماتن- على الأحوط- و لأجل الوجه الرابع ذهب ابن سعيد (1) و بعض من تأخر عنه باختصاص الحكم بالكثيرة. قال: «و ترك المستحاضة ذات الدم الكثيرة الأغسال و صامت».

و الظاهر عدم تمامية الوجوه لرد الصحيحة.

أمّا الأوّل فهو غير مخل، إذ ما أكثر الإضمار في روايات زرارة و محمد بن مسلم و سماعة، و قد عمل بها الأصحاب، للقطع بأنّهم لا يرجعون و لا يصدرون إلّا عن أحاديث أئمّة أهل البيت.

أمّا الثاني، أي الاشتمال على عدم قضاء الصلاة عليها فهو حكم شاذ يردّ عليهم.

و أمّا الثالث، فلا دليل على كون المراد من فاطمة هو بنت المصطفى (عليه السلام)، و ما أكثر الفواطم في عصر الرسول، و قد حمل الإمام أمير المؤمنين الفواطم من مكة المكرمة إلى دار الهجرة، منهم فاطمة بنت النبي، و فاطمة بنت أسد، و فاطمة بنت الزبير.

____________

(1). الجامع للشرائع: 157.

204

و كذا لا يعتبر فيها ما عدا الغسل من الأعمال، و إن كان الأحوط اعتبار جميع ما يجب عليها من الأغسال و الوضوءات و تغيير الخرقة و القطنة، و لا يجب تقديم غسل المتوسّطة و الكثيرة على الفجر و إن كان هو الأحوط. (1)

[المسألة 50: الأقوى بطلان صوم شهر رمضان بنسيان غسل الجنابة ليلا قبل الفجر حتّى مضى عليه يوم أو أيّام]

المسألة 50: الأقوى بطلان صوم شهر رمضان بنسيان غسل الجنابة ليلا قبل الفجر حتّى مضى عليه يوم أو أيّام، و الأحوط إلحاق غير شهر رمضان من النذر المعيّن و نحوه به، و إن كان الأقوى عدمه، كما أنّ الأقوى عدم إلحاق غسل الحيض و النفاس لو نسيتهما بالجنابة في ذلك، و إن كان أحوط. (2)

____________

و أمّا اختصاصها بالكثرة فإنّما ورد في كلام الراوي دون الإمام، و المفهوم ترك ما يجب للصلاة و إن كان غسلا واحدا كما في المتوسطة أو المفهوم مانعية الحدث الأكثر للصوم، و هو مشترك بين الصنفين في الاستحاضة.

و ربما يورد إشكال خامس: و هو انّ الموضوع للبطلان ترك الغسل في جميع الشهر، فلو ترك في بعضه، لم يكن عليها قضاء، و هو غير تام بعد كون كلّ يوم موضوعا مستقلا للوجوب.

(1) قد اتضح المختار ممّا ذكرنا. نعم لا يجب تقديم الغسل و إن كان أحوط، و ذلك لأنّ الغسل لأجل الصلاة، فإيجاب الإتيان به قبل دخول وقتها يحتاج إلى دليل، و تأخيره لا يوجب دخولها في الفجر مع الحدث إذا اغتسلت للعشاءين أو كانت طاهرة.

(2) قال الشيخ في الخلاف: «من أصبح جنبا في شهر رمضان ناسيا تمّم صومه و لا شي‌ء عليه، و إن أصبح كذلك متعمدا من غير عذر بطل صومه و عليه قضاؤه‌