الصوم في الشريعة الإسلامية الغراء - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
457 /
205

..........

____________

و عليه الكفّارة. (1)

ذهب ابن الجنيد، (2) و الصدوق في الفقيه، (3) و الشيخ في النهاية، (4) و المبسوط، (5) إلى لزوم قضاء الصلاة و الصوم. و قال ابن إدريس بوجوب قضاء الصلاة، دون الصوم. (6) و الأوّل خيرة العلّامة في المختلف.

و استدل بوجهين:

الأوّل: أنّه أخل بشرط الصوم و هو الطهارة من الجنابة في ابتداء النهار مع علمه بالحدث، و النسيان عذر في سقوط الإثم و الكفارة لا القضاء.

يلاحظ عليه: أنّه لو ثبت إطلاق شرطية الطهارة في الجنابة أو مانعيتها لحالتي العمد و النسيان كفى في الصحّة، حديث الرفع من رفع النسيان، و المراد رفع المنسي، و هو الشرطية أو المانعية، و ما ربّما يقال من أنّه لو ثبت عموم لقادحية الجنابة مطلقا فلا يصلح الحديث لتصحيح الناقص بنحو لا يحتاج إلى الإعادة و القضاء إذ غاية ما يقتضي هو رفع التكليف بالتمام لا ثبوت التكليف بالناقص حال النسيان ليصح. (7) مدفوع بأنّ الصوم حقيقة عرفية أمضاها الشارع ضمن شروط و قيود، و هو يصدق على من اجتنب عمّا لا ينسجم معه في نظر العرف العام.

غير انّ الشارع اعتبر الطهارة من الحدث الأكبر شرطا للصحة و مقتضى الإطلاق كونه مانعا من الصحّة في الذكر و النسيان، غير انّ حديث الرفع، دل على سقوط‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 174، كتاب الصوم، المسألة 13.

(2). مختلف الشيعة: 3/ 483.

(3). الفقيه: 2/ 119، الحديث 1896.

(4). النهاية و نكتها: 1/ 46.

(5). المبسوط: 1/ 288.

(6). السرائر: 1/ 407.

(7). المستمسك: 8/ 289.

206

..........

____________

الشرطية في حال النسيان، فيكفي في الصحّة، انطباق العموم.

الثاني: بالروايات و هي كالتالية:

1. صحيح إبراهيم بن ميمون قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان ثمّ ينسى أن يغتسل حتى يمضي لذلك جمعة أو يخرج شهر رمضان؟ قال: «عليه قضاء الصلاة و الصوم». (1)

2. صحيح الحلبي قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان، فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان؟ قال: «عليه أن يقضي الصلاة و الصيام». 2

3. مرسلة الصدوق مثلهما إلّا أنّه قال: «إلّا أن يكون قد اغتسل للجمعة، فانّه يقضي صلاته و صيامه إلى ذلك اليوم، و لا يقضي ما بعد ذلك». 3

و الموضوع للقضاء هو نسيان الجنابة، لا النوم عنها فلا مساس لما دل 4 من الصحّة عند النوم بالمقام و النسبة بينهما و إن كان عموما من وجه، إذ ربما يكون نوم بلا نسيان، و أخرى نسيان بلا نوم، و ربما ينسى ثمّ ينام، لكن المرجع هو روايات المقام فانّ عدم اقتضاء النوم القضاء، لا يكون دليلا على نفي اقتضاء النسيان له.

ثمّ إنّه يقع الكلام في موارد:

إلحاق قضاء رمضان بالأداء 1. لو نسي الجنابة في صوم قضاء رمضان، فهل يبطل الصوم أو لا؟

وجهان:

____________

(1) 1 و 2 و 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 30 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 و 3 و 2.

(2) 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

207

[المسألة 51: إذا كان المجنب ممّن لا يتمكّن من الغسل لفقد الماء أو لغيره من أسباب التيمّم وجب عليه التيمّم]

المسألة 51: إذا كان المجنب ممّن لا يتمكّن من الغسل لفقد الماء أو لغيره من أسباب التيمّم وجب عليه التيمّم فإن تركه بطل صومه، و كذا لو كان متمكّنا من الغسل و تركه حتّى ضاق الوقت. (1)

____________

أ. انّ المغروس في الأذهان اتحاد حكم القضاء و المقضي.

ب. انّ الشكّ في المقام يرجع إلى الشكّ في الشرطية و هو مورد للبراءة.

و الاستدلال على الشرطية بما ورد في باب أنّ من أصبح جنبا لم يجز له أن يصوم ذلك اليوم قضاء عن شهر رمضان، (1) غير تام، لأنّه وارد في العامد، و أين هي من الناسي؟

2. إذا نسي الجنابة في صوم الواجب المعين أو غيره، فهل يلحق بصوم شهر رمضان؟ فبما انّه لا دليل على الإلحاق، يرجع إلى البراءة.

3. إذا نسي غسل الحيض و النفاس و الاستحاضة فيقال: المرجع هو البراءة، لأنّه من قبل الشك في الشرطية و يمكن أن يقال: حدث الحيض و النفاس أقوى من حدث الجنابة كما مر، لأنّها تجامع الصوم دون الأوّلين، فإذا كان نسيان الجنابة موجبا للبطلان، فليكن الأوّلين كذلك، لأنّ الحدث فيها أقوى.

(1) في المسألة فرعان:

1. إذا كان معذورا في استعمال الماء لأجل المرض، أو كان فاقدا للماء و يعلم بعدم تمكنه منه إلى دخول الفجر، فهل يجوز له إجناب نفسه، و التيمّم مكان الغسل؟

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

208

..........

____________

2. لو أجنب نفسه و كان متمكنا من استعمال الماء لكن أخّر الاغتسال على نحو لا يبقى الوقت إلّا للتيمم.

أقول: قد أشرنا إلى هذا الفرع عند كلام الماتن في مقدمة المفطّر الثامن، أعني قوله: «و أمّا لو وسع للتيمم خاصة فتيمم صحّ صومه» و قلنا: إنّ كلامه راجع إلى من يتمكن من استعمال الماء، لكنّه أجنب نفسه في زمان لا يسع لاستعمال الماء و إنّما يسع للتيمم فقط، و لكن هنا صورة أخرى و هي ما إذا كان الوقت وسيعا لكن لم يكن متمكنا من استعمال الماء، إمّا لعدمه، أو لكون استعماله مضرا، فهل يجوز إجناب نفسه و التيمّم لدرك الفجر متطهرا بالطهارة الترابية أو لا؟ و قد عنونه البحراني في حدائقه و ذكر لكلّ قول وجها. (1)

أقول: قد ذكرنا هناك انّ قوله سبحانه: فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً* (2) مختص بالعجز الاضطراري و لا يعمّ التعجيز الاختياري، فما في الحدائق من الاستدلال بعموم قوله: فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا غير تام، لكن في الروايات الواردة في الطهارة الترابية غنى و كفاية، و ذلك لأنّ المتبادر ممّا ورد في التيمم انّه بمنزلة الغسل فيترتب على فعله و تركه، ما يترتب على فعل الغسل و تركه. فكما انّه لو اغتسل صحّ صومه فهكذا إذا تيمم صحّ صومه و إطلاق أدلته يعم العجز الاضطراري و التعجيز الاختياري.

و تصور انّ تصحيح الصوم إنّما يتمّ لو كان المانع هو حدث الجنابة، لا نفسها و إلّا لبطل لأجل انّها لا ترتفع بالتيمم و إلّا لما وجب الاغتسال بعد التمكن و إنّما يرتفع بها أثرها. غير تام، لأنّه مبنيّ على أنّ هنا أمورا ثلاثة:

1. الأمر التكويني، أعني: التقاء الختانين، أو خروج المني من الإنسان.

____________

(1). الحدائق: 13/ 124.

(2). النساء: 47.

209

..........

____________

2. عنوان الجنابة الاعتبارية الشرعية.

3. أثرها المانع عن صحة الصلاة و الصوم.

بل هنا أمران: الأوّل و الثالث، و أمّا الثاني فهو عنوان مشير إلى الأوّل لا شي‌ء ثالث، و من المعلوم انّ الأمر التكويني غير قابل للرفع. و إنّما القابل له أثره الاعتباري، أعني: كونها مانعة عن صحّة الصلاة و الصوم فكما يرتفع المنع بالغسل، فهكذا يرتفع بالتيمم، غاية الأمر انّ الرفع بالغسل قطعي و جذري، و بالتيمم، محدد و مؤقت، فإذا انتهى الأمد بالتمكن من استعمال الماء عاد المنع الاعتباري الشرعي.

و على ذلك فالواجب على من أجنب و هو معذور من استعمال الماء هو التيمم، فلو ترك بطل صومه. و مثله من كان متمكنا من الوقت و ترك حتى ضاق الوقت و انحصرت الحيلة بالتيمم، لكنّه تركه أيضا، بطل صومه.

و أمّا ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم: فإن انتظر ماء يسخن أو يستقي، فطلع الفجر فلا يقضي صومه. (1) أو رواية إسماعيل بن عيسى: «أنّه سأل الرضا عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان- إلى أن قال:- قلت: رجل أصابته جنابة في آخر الليل فقام ليغتسل و لم يصب ماء، فذهب ليطلبه أو بعث من يأتيه بالماء فعسر عليه حتى أصبح، كيف يصنع؟ قال: «يغتسل إذا جاءه ثمّ يصلّي». 2

فعدم الأمر بالتيمم، لأجل انّ الراوي زعم سعة الوقت فانتظر تسخّن الماء أو تحصيله بالاستقاء فطلع الفجر بغتة.

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 7، الباب 14 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و 2.

210

[المسألة 52: لا يجب على من تيمّم بدلا عن الغسل أن يبقى مستيقظا حتّى يطلع الفجر]

المسألة 52: لا يجب على من تيمّم بدلا عن الغسل أن يبقى مستيقظا حتّى يطلع الفجر، فيجوز له النوم بعد التيمّم قبل الفجر على الأقوى، و إن كان الأحوط البقاء مستيقظا لاحتمال بطلان تيمّمه بالنوم كما على القول بأنّ التيمّم بدلا عن الغسل يبطل بالحدث الأصغر. (1)

____________

(1) ذهب صاحب المدارك إلى عدم وجوبه قائلا: إنّ انتقاض التيمم بالنوم لا يحصل إلّا بعد تحقّقه، و بعده يسقط التكليف لاستحالة تكليف الغافل. (1)

يلاحظ عليه: بأنّ النوم مانع من التكليف لا الوضع، و يظهر أثره في وجوب التيمم ثانيا بعد النوم. إذا أراد إقامة الصلاة.

و الظاهر انّ المسألة مبنية على أمر آخر، و هو عدم بطلان التيمم الذي هو بدل عن الغسل من جنابة أو غيرها بالحدث الأصغر، فما دام عذره باقيا، فالتيمم بمنزلته و إن بال و نام، غاية الأمر إذا كان عنده ماء يتوضّأ و إلّا يتيمّم بدلا عن الوضوء، لا عن الغسل لبقاء التيمم الأوّل.

و على ذلك، فلا يجب البقاء مستيقظا، حتى يطلع الفجر لما عرفت من عدم بطلان التيمم الذي هو بدل الغسل بالحدث الأصغر، فهو من جانب الحدث الأكبر متطهر ما دام العذر باقيا، و لو صدر منه الحدث الأصغر، فله حكمه فإن وجد ماء يتوضأ و إلّا يتيمّم.

و أمّا على القول الآخر، أعني: انتقاض التيمم بالحدث الأصغر ففيه تفصيل:

1. لو كان عنده ماء يتيمم أوّلا بدلا عن الغسل، ثمّ يتوضّأ.

2. إن لم يكن عنده ماء فإن كان الموجب، هو الجنابة يكفيه تيمّم واحد، و إلّا وجب عليه تيمّمان. (2)

____________

(1). مدارك الأحكام: 6/ 58.

(2). لاحظ العروة، فصل أحكام التيمم، المسألة 24.

211

[المسألة 53: لا يجب على من أجنب في النهار بالاحتلام أو نحوه من الأعذار أن يبادر إلى الغسل فورا]

المسألة 53: لا يجب على من أجنب في النهار بالاحتلام أو نحوه من الأعذار أن يبادر إلى الغسل فورا، و إن كان هو الأحوط. (1)

[المسألة 54: لو تيقّظ بعد الفجر من نومه فرأى نفسه محتلما لم يبطل صومه]

المسألة 54: لو تيقّظ بعد الفجر من نومه فرأى نفسه محتلما لم يبطل صومه، سواء علم سبقه على الفجر أو علم تأخّره أو بقي على الشكّ، لأنّه لو كان سابقا كان من البقاء على الجنابة غير متعمّد، و لو كان بعد الفجر كان من الاحتلام في النهار، نعم إذا علم سبقه على الفجر لم يصحّ منه صوم قضاء رمضان مع كونه موسّعا، و أمّا مع ضيق وقته فالأحوط الإتيان به و بعوضه. (2)

____________

(1) قد تضافرت الروايات على أنّ الاحتلام نهارا لا ينقض الصوم، و أمّا المبادرة إلى الاغتسال، فيدل على عدمها صحيح العيص بن القاسم أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ ثمّ ينام قبل أن يغتسل؟

قال: «لا بأس». (1)

و ما في مرسل إبراهيم بن عبد الحميد من قوله: «فلا ينام حتى يغتسل» 2 محمول على الكراهة.

(2) قد عرفت أنّ البقاء على الجنابة عمدا مبطل مطلقا أداء و قضاء. و أمّا البقاء عليها من غير عمد فهو غير مبطل لصوم رمضان، مبطل لقضائه و مرت رواياته:

إنّما الكلام فيما إذا كان الوقت للقضاء مضيقا، فهل يبطل أيضا أو لا. ربما يقال باختصاص الحكم بالموسّع لما في صحيح ابن سنان: «لا تصم هذا اليوم و صم غدا». 3

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 7، الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3 و 5.

(2) 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

212

[المسألة 55: من كان جنبا في شهر رمضان في اللّيل لا يجوز له أن ينام قبل الاغتسال إذا علم أنّه لا يستيقظ قبل الفجر للاغتسال]

المسألة 55: من كان جنبا في شهر رمضان في اللّيل لا يجوز له أن ينام قبل الاغتسال إذا علم أنّه لا يستيقظ قبل الفجر للاغتسال، و لو نام و استمرّ إلى الفجر لحقه حكم البقاء متعمّدا فيجب عليه القضاء و الكفّارة، و أمّا إن احتمل الاستيقاظ جاز له النوم و إن كان من النوم الثاني أو الثالث أو الأزيد، فلا يكون نومه حراما، و إن كان الأحوط ترك النوم الثاني فما زاد، و إن اتّفق استمراره إلى الفجر، غاية الأمر وجوب القضاء أو مع الكفّارة في بعض الصور كما سيتبيّن. (1)

____________

و يمكن أن يقال: انّ القيد وارد في مورد الغالب، أعني: سعة الوقت، و المراد اليوم الآخر و إن كان بعد شهر رمضان بشهادة روايته الأخرى و لا يصوم ذلك اليوم و يصوم غيره. (1) مضافا إلى عموم التعليل الوارد في موثقة «سماعة» حيث قال:

«فانّه لا يشبه رمضان شي‌ء من الشهور» 2 الدال على أنّ عدم إخلال البقاء على الجنابة نسيانا من خصائص رمضان فقط. فيبطل في غيره مطلقا موسعا كان الوقت أو مضيقا.

(1) يقع الكلام تارة فيما يعلم أنّه لا يستيقظ، و أخرى فيمن يحتمله.

أمّا الأوّل فهو من مصاديق البقاء على الجنابة الذي مرّ انّه موجب للقضاء و الكفارة، و قد مرّ انّ مورد بعضها هو النوم متعمّدا كما هو كذلك في رواية الحلبي 3 و غيره.

و أمّا الثاني فالكلام في حكمه الوضعي يأتي في المسألة الآتية إنّما الكلام في حكمه التكليفي، و هو جواز نومه و عدمه، فلو كان مطمئنا للاستيقاظ فالظاهر‌

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 3.

(2) 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

213

..........

____________

جوازه، لأنّه علم عرفي. إنّما الكلام فيما إذا كان محتملا فقط، فهل يجوز له النوم أو لا؟ قولان:

1. الحرمة. اختاره الشهيد الثاني في المسالك حتى فيما إذا اعتاد الانتباه قال:

قد تقدم انّ النومة الأولى إنّما تصح مع العزم على الغسل و إمكان الانتباه أو اعتياده، فإذا نام بالشرط ثمّ انتبه ليلا حرم عليه النوم ثانيا، و إن عزم على الغسل و اعتاد الانتباه. لكن لو خالف و أثم، فأصبح نائما وجب عليه القضاء خاصة. (1)

و القول بالقضاء مع الاعتياد و الاطمئنان بعيد جدا إنّما الكلام إذا لم يطمئن، فاستدلّ على الحرمة بوجوه:

1. صحيح معاوية بن عمار، قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ... قلت: فانّه استيقظ ثمّ نام حتى أصبح؟ قال: «فليقض ذلك اليوم عقوبة». (2)

يلاحظ عليه: أنّ العقوبة الأخروية دليل الحرمة، لا العقوبة الدنيوية مثل إيجاب سجدتي السهو فانّهما عقوبة لما تركه من الواجب، و ليس دليلا على الحرمة.

و قد ورد في ناسي النجاسة: يعيد صلاته (3) كي يهتمّ بالصلاة.

2. و استدل في الجواهر بخبر إبراهيم بن عبد الحميد ... و إن أجنب ليلا في شهر رمضان فلا ينام إلّا ساعة حتى يغتسل. (4) و لكنّه مرسل لا يحتج به.

3. النوم المحتمل فيه عدم الاستيقاظ محكوم بالاستمرار إلى الفجر بمقتضى الاستصحاب (5) فهذا نوم مستمر إلى الصباح عمدا، قد صدر باختياره فهو عامد‌

____________

(1). المسالك: 2/ 18.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(3). الوسائل: الجزء 2، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(4). الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.

(5). و الاستصحاب بهذا المعنى لم نعثر عليه إلّا في كلام السيد الخوئي لاحظ المستند: 207.

214

[المسألة 56: نوم الجنب في شهر رمضان في اللّيل مع احتمال الاستيقاظ أو العلم به إذا اتّفق استمراره إلى طلوع الفجر على أقسام]

المسألة 56: نوم الجنب في شهر رمضان في اللّيل مع احتمال الاستيقاظ أو العلم به إذا اتّفق استمراره إلى طلوع الفجر على أقسام: فإنّه إمّا أن يكون مع العزم على ترك الغسل، و إمّا أن يكون مع التردّد في الغسل و عدمه، و إمّا أن يكون مع الذهول و الغفلة عن الغسل، و إمّا أن يكون مع البناء على الاغتسال حين الاستيقاظ مع اتّفاق الاستمرار، فإن كان مع العزم على ترك الغسل أو مع التردّد فيه لحقه حكم تعمّد البقاء جنبا، بل الأحوط ذلك إن كان مع الغفلة و الذهول أيضا و إن كان الأقوى لحوقه بالقسم الأخير. (1)

____________

إليه فيندرج تحت النصوص المتضمنة: انّ من تعمد النوم إلى الفجر و هو جنب قد أبطل صومه و عليه القضاء و الكفّارة. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الاستصحاب عبارة عن جرّ الحالة السابقة إلى الحالة الفعلية، و أمّا جرّها من الحالة الفعلية إلى الحالة المستقبلة، فليس منه عين و لا أثر في روايات الاستصحاب و لا السيرة العقلائية و لا في كلمات العلماء.

فلو صحّ ما ذكره لحرمت الصلاة و الصوم فيما إذا رأت المرأة الدم محتملة انقطاعها قبل الثلاثة، لكون الدم محكوم بالاستمرار إلى الثلاثة و بعدها كما أنّه تجب عليها العبادة فيما إذا تجاوز الدم عن أيّام العادة حيث يستصحب استمرار الدم إلى العشر و بعده إلى غير ذلك من الأمور التي لا يلتزم بها الفقيه.

و القول الثاني: الجواز و هو الأقوى أخذا بالأصل و عدم التصريح بالحرمة في الروايات مع أنّ المورد يكثر به الابتلاء.

(1) إذا أجنب في ليالي شهر رمضان، فأراد النوم و استمرّ نومه إلى ما بعد الفجر،

____________

(1). لاحظ الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

215

..........

____________

هل يجب عليه القضاء و الكفّارة، أو فيه تفصيل حسب الصور الأربع المذكورة في كلام الماتن.

فإذا كان عازما على ترك الغسل أو كان متردّدا في الغسل و عدمه فهو من مصاديق البقاء على الجنابة عمدا.

أمّا الأوّل فواضح، و لا يشترط في البقاء كونه مستيقظا، بل يصدق إذا كان نائما و لا يعدّ مثل هذا النوم عذرا (إذا نام مع العزم على ترك الغسل). و قد ورد في بعض الروايات قوله: «نام متعمدا في شهر رمضان». (1)

و مثله الثاني، لأنّ التردد في الغسل و عدمه يلازم عدم كونه ناويا للصوم، و هذا يكفي في البطلان و القضاء، بل و تتعلّق به الكفارة لصدق العمد، إذ لا يشترط في صدقه القصد إلى الترك، بل يكفي التواني و التساهل و التسويف.

إنّما الكلام في الصورة الثالثة: أعني: إذا كان ذاهلا عن الغسل ربما يقال بوجوب القضاء دون الكفارة. أمّا الثانية فواضحة لعدم كونه عامدا؛ و أمّا الأوّل، لأنّ الذهول لا ينفكان عن النسيان، لأنّه علم بالجنابة حينما جامع أو حينما انتبه من نومة الاحتلام ثمّ طرأ عليه الذهول و الغفلة فهو مسبوق بالعلم و لا نعني بالنسيان إلّا هذا فتشمله النصوص المتقدمة في الناسي المتضمنة وجوب القضاء على من نسي الجنابة حتى مضى عليه يوم أو أيّام. (2)

يلاحظ عليه: بالفرق بينه و بين الناسي إذ يتوسط في النسيان بين العلم بالموضوع و الذهول، ذكر الموضوع ثمّ طروء الغفلة عليه، بخلاف المقام، فانّه ليس وراء العلم إلّا الغفلة، اللّهمّ إلّا أن يقال بإلغاء الخصوصية أو عدم توجه العرف إلى هذا الفرق.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(2). مستند العروة، كتاب الصوم: 210.

216

و إن كان مع البناء على الاغتسال أو مع الذهول على ما قوّينا، فإن كان في النومة الأولى بعد العلم بالجنابة فلا شي‌ء عليه، و صحّ صومه، و إن كان في النومة الثانية- بأن نام بعد العلم بالجنابة، ثمّ انتبه و نام ثانيا- مع احتمال الانتباه فاتّفق الاستمرار وجب عليه القضاء فقط دون الكفّارة على الأقوى. (1)

____________

و أمّا الصورة الرابعة، أعني: إذا كان ناويا للغسل، ففيها تفصيل: فتارة لا يجب عليه شي‌ء، و أخرى يجب عليه القضاء دون الكفارة، و ثالثة يجب كلاهما، و هذا ما يأتي في كلام المصنف تاليا.

(1) الكلام مركز على الصورة الرابعة، أعني: ما إذا نام ناويا للغسل بعد العلم بالجنابة و استمرّ إلى ما بعد الفجر فلا قضاء و لا كفارة في النومة الأولى، و القضاء في النومة الثانية. و أمّا الثالثة فسيوافيك بيان حكمها بعد شرح قول الماتن.

حكم النومة الأولى قال الشيخ في الخلاف: إذا أجنب في أوّل الليل و نام عازما على أن يقوم في الليل و يغتسل فبقي نائما إلى طلوع الفجر لم يلزمه شي‌ء بلا خلاف. و إن انتبه دفعة ثمّ نام و بقي إلى طلوع الفجر كان عليه القضاء بلا كفارة. (1)

و تدل عليه صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يجنب من أوّل الليل ثمّ ينام حتى يصبح في شهر رمضان؟ قال: «ليس عليه‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 222، كتاب الصوم، المسألة 88.

217

..........

____________

شي‌ء». قلت: فانّه استيقظ ثمّ نام حتى أصبح؟ قال: «فليقض ذلك اليوم عقوبة». (1)

و الصحيحة صريحة في المقصود، فلا ينافيه ما دلّ بظاهره على وجوب القضاء في النومة الأولى، أعني: صحيحة محمد بن مسلم و موثقة سماعة التاليتين:

1. قال: سألته عن الرجل تصيبه الجنابة في شهر رمضان ثمّ ينام قبل أن يغتسل؟ قال: «يتم صومه و يقضي ذلك اليوم». 2

2. سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان، فنام و قد علم بها و لم يستيقظ حتى يدركه الفجر؟ فقال: «عليه أن يتم صومه و يقضي يوما آخر». 3

و ذلك لإمكان رفع المعارضة بوجوه:

أ. حملها على النومة الثانية بأن يقال: انّ المراد من قوله: «و لم يستيقظ حتى أدركه الفجر»، انّه لم يستيقظ في الوقت الذي يمكن فيه الغسل لا انّه لم يستيقظ أصلا حتى أدركه الفجر.

ب. حمله على ما إذا لم يكن ناويا للغسل و إن كان ضعيفا جدا.

ج. ردّ علمها إليهم لإعراض المشهور عن مفاده.

إلى هنا تمّ رفع المعارضة بين الصحيحة، و الروايتين الأخريين. بقي الكلام في رواية ابن أبي يعفور فقد نقله الفقيه بصورة، و الشيخ بصورة أخرى. و على ما ذكره الصدوق يدل ذيل الصحيحة على أنّه لا شي‌ء في النومة الأولى بعد النوم الذي احتلم فيه و الهدف من دراسته استفادة حكم النوم الأوّل من ذيلها. و إليك ما نقله الصدوق في الفقيه.

____________

(1) 1 و 2 و 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و 3 و 5.

218

..........

____________

رواية ابن أبي يعفور في الفقيه قلت لأبي عبد اللّه: الرجل يجنب في شهر رمضان ثمّ يستيقظ، ثمّ ينام ثمّ يستيقظ، ثمّ ينام حتى يصبح.

قال: «يتمّ صومه و يقضي يوما آخر، و إن لم يستيقظ حتى يصبح أتمّ صومه و جاز له».

و الحديث صريح في أنّ الجنابة كانت بالاحتلام، خلافا لصحيحة معاوية بن عمّار، فانّها كانت فيها بالجماع.

فلو قلنا بعدم احتساب نومة الاحتلام، تنطبق الرواية على صحيحة معاوية ابن عمار بشرط الإمعان في الفقرات الثلاث الواردة في كلام السائل.

1. «الرجل يجنب في شهر رمضان ثمّ يستيقظ».

هذه الفقرة راجعة إلى نومة الاحتلام التي لا تحسب.

2. ثمّ ينام ثمّ يستيقظ هذا هو النوم الأوّل سواء لحقه النوم الثاني أو لا.

3. ثمّ ينام حتى يصبح: هذا هو النوم الثاني.

إذا عرفت ذلك، فلندرس جواب الإمام و له شقّان:

أ. «يتم صومه و يقضي يوما آخر».

و الجواب يرجع إلى ما انتهى إليه سؤال السائل و المفروض انّه انتهى إلى النوم الثاني إنّما الكلام في الشقّ الثاني أعني قوله:

ب. «و إن لم يستيقظ حتى يصبح أتمّ صومه و جاز له».

ففيه احتمالات ثلاثة:

219

..........

____________

الاحتمال الأوّل انّه ورد لإكمال ما ورد في الفقرة الثانية المتعرضة للنوم الأوّل فانّه له حالات ثلاث:

1. أن ينام و يستيقظ، و لا ينام أصلا إلى الفجر و لم يذكر حكم هذا في الشقين لوضوح حكمه، لأنّه إذا اغتسل صحّ صومه و إلّا فلا.

2. أن ينام و يستيقظ، ثمّ ينام حتى يصبح و هذا ما ورد جوابه في الشقّ الأوّل من كلام الإمام.

3. أن ينام و لا يستيقظ إلى الصبح فهذا هو الذي جاء حكمه في الشقّ الثاني من كلامه، أعني قوله: «و إن لم يستيقظ حتى يصبح أتم صومه و جاز له» أي إذا نام و لم يستيقظ.

الاحتمال الثاني إنّه ورد لإكمال الفقرة الأولى المتكفلة لبيان النوم المقرون بالاحتلام، أعني قوله: «الرجل يجنب في شهر رمضان ثمّ يستيقظ» و يكون معناه: أي و إن لم يستيقظ عن ذلك النوم لا شي‌ء عليه.

و هذا بعيد جدّا أوّلا لاستلزامه رجوع الشرط إلى أبعد الفروض في كلام الراوي و كون الجواب لتوضيح أمر واضح و هو انّ الاحتلام لا يبطل الصوم و إن استمرّ النوم إلى الصبح.

الاحتمال الثالث أن يرجع إلى الفقرة الثالثة، أعني قوله: «ثمّ ينام حتى يصبح» و هذا ممّا لا‌

220

..........

____________

يحتمل أصلا، لأنّه عندئذ يتحد مفاده مع تلك الفقرة و يكون تعبيرا ثانيا عنه، مع استلزامه التناقض في الحكم، لأنّ الفقرة الثالثة دلّت على وجوب القضاء، و هذا الشق دل على صحّة الصوم بلا قضاء.

و بذلك ظهر مفاد الصحيحة و انّه لا مناص عن تفسيرها بما ذكرناه و ينطبق مع مضمون رواية ابن عمار و بالتالي يدل الذيل على أنّه لا شي‌ء في النومة الأولى.

رواية ابن أبي يعفور في التهذيب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يجنب في شهر رمضان ثمّ يستيقظ، ثمّ ينام حتى يصبح؟ قال: «يتم صومه و يقضي يوما آخر و إن لم يستيقظ، حتى يصبح أتمّ صومه و جاز له». (1)

و على هذا، ليس بعد الاستيقاظ من النوم الذي احتلم فيه، سوى نوم واحد مستمرّ إلى أن يصبح فقد حكم فيه بالقضاء، مع أنّه حكم عليه حسب رواية الصدوق بعدم القضاء.

و الترجيح مع الفقيه لكونه أضبط من الشيخ، لكثرة ما في التهذيب من الخلل في السند و المتن مضافا إلى أنّه إذا دار الأمر بين الزيادة (من جانب الصدوق) و النقيصة (من جانب الشيخ) فالثانية أولى، لغلبة النقص في الكتابة على الزيادة السهوية.

على أنّه يمكن حملها- على فرض عدم ثبوت الزيادة- على صورة العمد و هو ليس ببعيد من قوله: «ثمّ ينام حتى يصبح» و بذلك علم أنّ في المقام أحاديث أربعة:

1. صحيحة معاوية بن عمار، و هي الرواية الصريحة التي عمل بها‌

____________

(1). التهذيب: 4/ 277، الحديث 19 من الباب 16 من أبواب كتاب الصوم.

221

..........

____________

الأصحاب.

2 و 3. صحيحة محمد بن مسلم و موثقة سماعة، و قد علمت أنّهما محمولتان على النومة الثانية بحمل قوله: «و لم يستيقظ حتى يدركه الفجر» على أنّه لم يغتسل في الوقت الذي يمكن فيه الغسل.

4. صحيحة ابن أبي يعفور، فعلى ثبوت الزيادة ينطبق على صحيحة معاوية ابن عمار، و على فرض عدمها، يحمل على العامد.

هذا كلّه حول النومة الأولى.

ما هو المراد من النومة الأولى؟ إذا أجنب بالجماع، فالنوم الأوّل هو المتحقّق بعدها، و أمّا إذا احتلم، فهل نومة الجنابة هي الأولى، أو المتحققة بعد الاستيقاظ منها؟

و الظاهر هو الثاني بشهادة ما سبق من رواية الفقيه حيث لم يترتب على النومة المتوسطة بين نومة الجنابة، و النومة المتأخرة أثر إنّما رتّب القضاء على النومة الأخيرة.

و يدل عليه أيضا صحيحة العيص بن القاسم انّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ، ثمّ ينام قبل أن يغتسل، قال: «لا بأس». (1) و المراد: «نام قبل أن يغتسل إلى الفجر» و إلّا فلا مورد للسؤال إذا انتبه قبل الفجر و اغتسل.

حكم النومة الثانية إذا نام بعد العلم بالجنابة ثمّ انتبه و نام ثانيا مع احتمال الانتباه فاتفق‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

222

و إن كان في النومة الثالثة فكذلك على الأقوى، و إن كان الأحوط ما هو المشهور من وجوب الكفّارة أيضا في هذه الصورة، بل الأحوط وجوبها في النومة الثانية أيضا، بل و كذا في النومة الأولى أيضا إذا لم يكن معتاد الانتباه و لا يعدّ النوم الّذي احتلم فيه من النوم الأوّل، بل المعتبر فيه النوم بعد تحقّق الجنابة، فلو استيقظ المحتلم من نومه ثمّ نام كان من النوم الأوّل لا الثاني. (1)

____________

الاستمرار وجب عليه القضاء فقط دون الكفّارة.

قد اتضح حكمها ممّا حررناه في الصورة الأولى فتدل عليه صحيحة معاوية بن عمار أوّلا، و صحيحة ابن أبي يعفور ثانيا على ما مرّ، أعني:

1. يتم صومه و يقضي يوما آخر.

2. و إن لم يستيقظ حتى يصبح أتم صومه و جاز له.

(1) النومة الثالثة لا شكّ في أنّه يجب عليه إتمام صومه و الإمساك تأدّبا و القضاء لكونه أولى بالعقوبة إنّما الكلام في وجوب الكفارة عليه و القدماء على وجوبها عليه.

قال الشيخ: و إن انتبه دفعتين كان عليه القضاء و الكفّارة على ما قلناه، و خالف جميع الفقهاء في ذلك. (1)

و قال القاضي في باب ما يفسد الصوم و يجب القضاء و الكفارة: النوم على حال الجنابة إلى أن يطلع الفجر بعد الانتباه مرّتين. (2)

و قال ابن حمزة في نفس ذلك الباب: و معاودة النوم بعد انتباهين إلى طلوع‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 222، كتاب الصوم، المسألة 88.

(2). المهذب: 3/ 192.

223

..........

____________

الفجر. (1)

و قال ابن سعيد في نفس ذلك الباب: و معاودة النوم جنبا بعد انتباهين حتى طلع الفجر. (2) إلى غير ذلك.

و قال المحقّق في الشرائع: و فيه تردد. و تبعه العلّامة، (3) و استدل له بإطلاق خبر المروزي، (4) و مرسل عبد الحميد، 5 بعد تقييدهما بما دلّ على القضاء فقط في النومة الثانية.

و ليس حملها على العامد بقرينة خبر أبي بصير، 6 أولى من حملها على من نام بعد انتباهين.

يلاحظ عليه: أنّ حملهما على العامد، أوضح من حملهما على من نام بعد انتباهتين، إذ لو كان هذا هو المراد لكان ترك القيد مستهجنا.

نعم ورود القضاء و الكفارة في الكتب الملتزمة بالإفتاء بلفظ النص، كما في فقه الرضا، 7 و المقنعة، 8 و النهاية، 9 و هذا يدل على ورود النص عليه و كون الحكم مشهورا بين القدماء، إذ من البعيد أن يكون الإفتاء لأجل هذين الخبرين القاصرين دلالة، أو من باب الاجتهاد و إن كان الظاهر من المفيد هو الثاني حيث علّل الكفارة بأنّه تعمّد الخلاف، و لكنّه لا يتنافي مع ورود النصّ، فالأحوط هو التكفير.

____________

(1). الوسيلة: 142.

(2). الجامع: 156.

(3). الجواهر: 16/ 275.

(4) 4 و 5 و 6. الوسائل: الجزء 7، الباب 16، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3، 4، 2.

(5) 7. فقه الرضا: 207.

(6) 8. المقنعة: 347.

(7) 9. النهاية: 154.

224

[المسألة 57: الأحوط إلحاق غير شهر رمضان من الصوم المعيّن به في حكم استمرار النوم الأوّل أو الثاني أو الثالث]

المسألة 57: الأحوط إلحاق غير شهر رمضان من الصوم المعيّن به في حكم استمرار النوم الأوّل أو الثاني أو الثالث حتّى في الكفّارة في الثاني و الثالث إذا كان الصوم ممّا له كفّارة كالنذر و نحوه. (1)

____________

و لا يشترط اعتياد الانتباه كما عليه صاحب المسالك، (1) بل يكفي احتمال الانتباه، و إلّا فلا وجه لكون القضاء عقوبة، كما مرّ إذا كان الانتباه عاديا.

(1) أقول: تقدّم عن المصنّف في مقدمة المفطر الثامن قوله: «البقاء على الجنابة عمدا إلى الفجر الصادق في صوم شهر رمضان أو قضائه دون غيرهما من الصيام الواجبة و المندوبة و إن كان الأحوط تركه في غيرهما أيضا خصوصا في الصيام الواجب موسعا كان أو مضيّقا».

فإذا كان الأصل مختصا برمضان، فكيف حال الفرع؟ أعني: أحكام النومات الثلاث التي وردت في خصوص شهر رمضان كما مرّ.

نعم يمكن تعميم الحكم إلى قضائه لما علمت اتحادهما في الأحكام و انّ الأصل يتسامح فيه، و لا يتسامح في الفرع، كما في الإصباح جنبا من غير عمد، إذ لا يوجب البطلان في شهر رمضان و يوجبه في قضائه، و على ذلك لا يبعد من عطف القضاء على الأداء.

فإن قلت: عطف القضاء على الأداء فرع وجود نص يتمسك بإطلاقه، و لم يكن في الأصل دليل سوى الشهرة الفتوائية بين القدماء و هي مختصة بالأصل أو المتيقن منه، هو صوم رمضان.

قلت: نعم و لكن الموجب لعطف القضاء على الأداء هو الأولوية المستفادة‌

____________

(1). المسالك: 2/ 18.

225

[المسألة 58: إذا استمرّ النوم الرابع أو الخامس، فالظاهر أنّ حكمه حكم النوم الثالث]

المسألة 58: إذا استمرّ النوم الرابع أو الخامس، فالظاهر أنّ حكمه حكم النوم الثالث. (1)

[المسألة 59: الجنابة المستصحبة كالمعلومة في الأحكام المذكورة]

المسألة 59: الجنابة المستصحبة كالمعلومة في الأحكام المذكورة. (2)

[المسألة 60: ألحق بعضهم الحائض و النفساء بالجنب في حكم النومات]

المسألة 60: ألحق بعضهم الحائض و النفساء بالجنب في حكم النومات، و الأقوى عدم الإلحاق و كون المناط فيهما صدق التواني في الاغتسال، فمعه يبطل و إن كان في النوم الأوّل، و مع عدمه لا يبطل و إن كان في النوم الثاني أو الثالث. (3)

____________

من الفرع السابق، و انّه لا يتسامح في القضاء مع جوازه في الأداء، مضافا إلى موثقة زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل صام قضاء من شهر رمضان فأتى النساء قال: «عليه من الكفارة ما على الذي أصاب في شهر رمضان، لأنّ ذلك اليوم عند اللّه من أيام رمضان». (1) و بما انّ الإفطار جائز قبل الزوال فالحديث محمول على ما بعده.

و أمّا غير صوم رمضان و لا قضاءه، فالحقّ عدم الدليل على التعميم.

(1) لعدم احتمال انّ زيادة العدد، يهدم الحكم السابق.

(2) لأنّ العلم المأخوذ في البقاء على الجنابة تعمدا طريق و الاستصحاب يقوم مقام العلم المأخوذ طريقا.

(3) لا تلحق الحائض و النفساء بالجنب في حكم النومات، لأجل اختصاص النصوص بالجنب، و انّ الميزان فيها هو التواني و التساهل لكن مقتضى‌

____________

(1). التهذيب: 4، كتاب الصوم، الباب 26، باب قضاء شهر رمضان، الحديث 19.

226

[المسألة 61: إذا شكّ في عدد النومات بنى على الأقلّ]

المسألة 61: إذا شكّ في عدد النومات بنى على الأقلّ. (1)

[المسألة 62: إذا نسي غسل الجنابة و مضى عليه أيّام و شكّ في عددها]

المسألة 62: إذا نسي غسل الجنابة و مضى عليه أيّام و شكّ في عددها يجوز له الاقتصار في القضاء على القدر المتيقّن، و إن كان الأحوط تحصيل اليقين بالفراغ. (2)

[المسألة 63: يجوز قصد الوجوب في الغسل و إن أتى به في أوّل اللّيل]

المسألة 63: يجوز قصد الوجوب في الغسل و إن أتى به في أوّل اللّيل، لكن الأولى مع الإتيان به قبل آخر الوقت أن لا يقصد الوجوب بل يأتي به بقصد القربة. (3)

____________

ما ذكرنا من الأولوية، هو الإلحاق لما عرفت من أنّ الجنابة غير مانعة من وجوب الصوم و صحته في بعض الصور، لكن الحائض و النفساء لا يصح منهما الصوم، فالحدث الناجم منهما أقوى من حدث الجنابة، فلو كانت النومة الثانية موجبة للقضاء، في الجنابة ففيهما أولى، و لأجل ذلك فالأحوط الإلحاق، و عدم الاكتفاء بالتواني.

(1) للأصل الموضوعي و الحكمي، أمّا الأوّل فانّ القضاء مترتب في لسان الدليل على من علم بالجنابة ثمّ نام و استيقظ، ثمّ نام و استيقظ بعد الفجر، و المتيقن عنده هو الأوّل: «النوم و الاستيقاظ بعد الفجر، و أمّا الثاني فهو مشكوك فيه، و الأصل عدمه، و أمّا الثاني فلاستصحاب عدم وجوب القضاء.

(2) لجريان قاعدة الفراغ في القدر المشترك، مضافا إلى استصحاب كونه متطهرا إلى ذلك اليوم. و ليس مثله مثبتا كما أوضحنا حاله في محله.

(3) إذا كان الوجوب الغيري ناشئا من الوجوب النفسي على وجه يكون الوجوب الثاني من مبادئ وجوده، كيف يمكن أن يتحقق الوجوب الغيري مع‌

227

..........

____________

عدم وجود علّته، أعني: وجوب الصوم، لأنّه مشروط بطلوع الفجر، و المفروض أنّه يأتي به قبل الوقت، نعم لو أتت به بعده- كما سبق- فلا إشكال.

ثمّ إنّ القوم صاروا إلى تصحيح نية الوجوب إذا أتى الصائم به قبله بوجوه مذكورة عند البحث عن المقدّمات المفوّتة في الأصول، و قد أوضحنا حاله فيها، و نشير إلى إجمالها:

1. الالتزام بصحّة الواجب المعلّق، و هو ما يكون الوجوب حاليا و الواجب استقباليا و مقيّدا بقيد غير لازم التحصيل سواء كان تحصيله غير ممكن، كالزمان، أو ممكنا معتبرا حصوله لا تحصيله، كالاستطاعة على القول بكونها قيدا للواجب لا للوجوب. فعندئذ يجب الصوم قبل الفجر و بتبعه يكون الاغتسال واجبا شرعيا.

و ثمرة هذا الوجوب، لزوم الإتيان بمقدّمته، و لو اشترط في الوجوب الفعلي إمكان الإتيان بالواجب كذلك لزم امتناع الأمر بالمركب حاليّا، لأنّه لا يمكن الإتيان بعامة أجزائه مرة واحدة فالبعث إلى المركب حالي و الإتيان بالأجزاء استقبالي.

2. انّ الملازمة بين الوجوبين لا تعني أنّ وجوب المقدمة ناشئ و مترشح من وجوب ذيها حتى يعدّ وجوب الثاني من مبادئ وجوب الأولى. بل المراد منها، كون وجوبها لأجل وجوبه، و في الوقت لكلّ وجوب، ملاك خاص، فملاك وجوب الأوّلي كونها مما يتوقف عليها الواجب، و ملاك الثاني، قيام المصلحة به، و على ذلك فلا مانع من تقدم وجوب الأوّلي على وجوب ذيه، و ذلك لكون الملاك قائما بالمقدمة السابقة وجودا على وجوبه، دون المتأخرة وجودا.

و بعبارة أخرى: وجوب المقدمة مطلق و وجوب ذيها مشروط و لا مانع من إطلاق وجوبها، و اشتراط ذيها لما عرفت من إنكار حديث النشوء و معلولية وجوبها لوجوب ذيه.

3. ما نقل عن المحقّق الأردبيلي في مورد التعلّم إذا لم يتمكن بعد دخول‌

228

[المسألة 64: فاقد الطهورين يسقط عنه اشتراط رفع الحدث للصوم]

المسألة 64: فاقد الطهورين يسقط عنه اشتراط رفع الحدث للصوم فيصحّ صومه مع الجنابة، أو مع حدث الحيض أو النفاس. (1)

____________

الوجوب، من أنّه واجب نفسي تهيّئي و قد عمّمه المحقّق النائيني إلى المقام أيضا.

4. الالتزام بأنّ الزمان اللاحق شرط للوجوب النفسي على نحو الشرط المقدّم، أي بوجوده الخارجي و هو بعد غير متحقق فلا يكون واجبا، و لكنّه شرط للوجوب الغيري على نحو الشرط المتأخر، أي بوجوده اللحاظي المقارن مع وجوبها، و إن لم يدخل الوقت.

5. الالتزام بأنّ الشرط لكلا الوجوبين هو الزمان و طلوع الفجر بنحو الشرط المتأخر، أي المتقدم لحاظا و المتأخر وجودا، فيكون هذا الوجه في النتيجة موافقا للقول بالواجب المعلّق من كون الوجوب النفسي حاليا، كما أنّ الوجوب الغيري مثله.

كلّ هذه المحاولات لإضفاء الوجوب على الاغتسال وجوبا مقدميا، و لكن قد قلنا في محله بعدم وجوب المقدمة وجوبا شرعيا و أنّ إيجابها أمر لغو، لأنّ جعل الوجوب لها لأجل كونه باعثا نحوها، و هو إمّا غير باعث أو غير محتاج إليه، لأنّه لو كان معرضا عن الإتيان بذيها، فلا يكون إيجابها باعثا أصلا و لو كان قاصدا إليها، فهو يأتي بالمقدمة و إن لم تكن واجبة.

و أمّا قصد القربة فهو غير متوقف على وجود الأمر، بل يكفي إمكان الإتيان بالشي‌ء للّه سبحانه، و من غير فرق بين الواجب الغيري أو النفسي.

على أنّه هناك من يقول باستحباب الطهارات الثلاث استحبابا نفسيا، و عندئذ يصحّ قصد ذلك الأمر.

(1) إذا كان القيد، دخيلا في أصل الوجوب كالزوال في وجوب الظهر، و الشرائط‌

229

[المسألة 65: لا يشترط في صحّة الصوم، الغسل لمسّ الميّت]

المسألة 65: لا يشترط في صحّة الصوم، الغسل لمسّ الميّت كما لا يضرّ مسّه في أثناء النهار. (1)

[المسألة 66: لا يجوز إجناب نفسه في شهر رمضان إذا ضاق الوقت عن الاغتسال أو التيمّم]

المسألة 66: لا يجوز إجناب نفسه في شهر رمضان إذا ضاق الوقت عن الاغتسال أو التيمّم، بل إذا لم يسع للاغتسال و لكن وسع للتيمّم، و لو ظنّ سعة الوقت فتبيّن ضيقه، فإن كان بعد الفحص صحّ صومه، و إن كان مع ترك الفحص فعليه القضاء على الأحوط. (2)

____________

العامة كلّها، كالعقل و البلوغ، فلا وجوب مع عدمها. و أمّا إذا كان دخيلا في صحّة الواجب فلو كان شرطا مطلقا كالطهارة من الحدث بالنسبة إلى الصلاة فمثل ما سبق، و أمّا إذا كان دخيلا في الصحّة في صورة التمكن لا مطلقا، لا يسقط الواجب بتعذّره، و من هذا الباب رفع الحدث، فانّ المخلّ منه هو التعمد لا مطلقا، فلا يعم العاجز، فيسقط القيد دون المقيد.

(1) لعدم الدليل على كونه مفطرا حتى يكون البقاء عليه مفطّرا، و الدليل على مانعيته مختص بباب الصلاة.

(2) ففي المسألة فروع ثلاثة:

1. لا يجوز أن يجنب نفسه و الوقت لا يسع لواحد من الاغتسال و «التيمم» و لو فعل عصى و بطل صومه و عليه القضاء و الكفارة، و قد سبق.

2. إذا لم يسع للاغتسال، و لكن وسع للتيمّم قلنا انّه عصى و صحّ صومه و قد مضى.

3. لو ظن سعة الوقت فتبين ضيقه، فقد فصّل الماتن بين كون الظن بالسعة بعد الفحص فيصح صومه، و أمّا مع عدمه فعليه القضاء.

230

..........

____________

و علّله في المستمسك بعدم الدليل على المفطرية في الأوّل و احتمال صدق التعمد بترك الفحص في الثاني. (1)

أقول: لعلّ التفصيل هو مقتضى القاعدة لجريان استصحاب الليل أو عدم طلوع الفجر في الأوّل دون الثاني، و قد قلنا في محله: اشتراط جريان الأصول في الشبهات الموضوعية بالفحص إذا أمكن تحصيل الواقع بسهولة، فقد أفطر في الأوّل عن حجّة فلا قضاء فيه بخلاف الثاني.

و أمّا النصوص فهي بينما تدل على القضاء مطلقا من غير تفصيل بين الفحص و عدمه كصحيح حماد، (2) و خبر إبراهيم بن مهزيار، 3 و علي بن أبي حمزة. 4 و ما تدل على التفصيل و هي موثقة سماعة بن مهران قال سألته عن رجل أكل أو شرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان فقال: «إن كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل ثمّ عاد فرأى الفجر، فليتمّ صومه و لا إعادة عليه، و إن كان قام فأكل و شرب ثمّ نظر إلى الفجر فرأى انّه قد طلع الفجر فليتم صومه و يقضي يوما آخر، لأنّه بدأ بالأكل قبل النظر فعليه الإعادة». 5 و مورد الحديث و إن كان الأكل و الشرب لكن التعليل يعم جميع المفطّرات و احتمال الخصوصية لهما كما ترى.

و يدل عليه أيضا صحيح معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): آمر الجارية لتنظر إلى الفجر، فتقول: لم يطلع بعد فآكل ثمّ أنظر فأجده قد كان طلع حين نظرت قال: «اقضه امّا انّك لو كنت أنت الذي نظرت لم يكن عليك شي‌ء». 6

و منه يظهر حكم فرعين آخرين:

____________

(1). المستمسك: 8/ 306.

(2) 2، 3، 4، 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و 2 و 4 و 3.

(3) 6. الوسائل: الجزء 7، الباب 46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

231

..........

____________

1. اختصاص التفصيل بالقادر على الفحص فينتفي وجوب القضاء عند عدم القدرة، فلو ترك المراعاة لعجز عنها و تناول المفطر فصادف النهار، فلا يجب عليه القضاء للأصل و اختصاص الروايات بالقادر على المراعاة.

2. سقوط القضاء إذا تناول اعتمادا على خبر العدلين، لأنّهما حجّة شرعية على جواز الأكل، و معنى الحجية انّه اكتفى الشارع في امتثال أمره بهذا المقدار، كما أوضحناه في باب الإجزاء.

232

التاسع: الحقنة

التاسع من المفطرات: الحقنة بالمائع و لو مع الاضطرار إليها لرفع المرض، و لا بأس بالجامد و إن كان الأحوط اجتنابه أيضا. (1)

____________

(1) اختلفت كلمة الفقهاء في مفطّرية الحقنة فقال أبو حنيفة: يفطّر مطلقا و قال: الحسن بن صالح بن حيّ: لا يفطّر و فصل الشافعي بين الواصل فيفطّر دون غيره، كما فصل مالك بين القليل و الكثير. (1)

و أمّا أصحابنا فقد ذهب المفيد في المقنعة و السيّد في «الناصريات» و الشيخ في «الخلاف» و القاضي في «المهذب» و أبو الصلاح في «الكافي» إلى أنّ الحقنة بالمائعات تفطر.

و لم يذكره ابن أبي عقيل من المفطّرات، و قال ابن الجنيد: يستحب له الامتناع من الحقنة، و قال الشيخ في النهاية و ابن إدريس في السرائر بالحرمة التكليفية.

و استدل العلّامة على كونها مفطّرة بالقياس و قال: إنّه قد أوصل إلى جوفه المفطّر، فأشبه ما لو ابتلعه لاشتراكهما في الاغتذاء. (2) و هو كما ترى قياس لا نقول به، كما استدل الشيخ بأصالة البراءة من القضاء. و هو أيضا مثله لعدم وصول النوبة إلى الأصل مع وجود الدليل، ففي صحيح البزنطي عن أبي الحسن انّه سأله‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 213، كتاب الصوم، المسألة 73.

(2). المختلف: 2/ 412، كتاب الصوم.

233

..........

____________

عن الرجل يحتقن تكون به العلة من شهر رمضان؟ فقال: «الصائم لا يجوز له أن يحتقن». (1)

و الحقنة الاحتباس، و في الحديث «لا رأي لحاقن» سواء المحتبس بولا أو جائفة في البطن و إذا ذهبت إلى باب «الافتعال»، يكون معناه عالج الحقنة باستعمال دواء في المقعدة لتسهيل بطن المريض، و إطلاق الرواية تقتضي المنع عنها مطلقا مائعا كان أو جامدا و القول بالانصراف إلى الجامد، كما ترى. نعم يمكن تقييده بما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن، عن أبيه قال: كتبت إلى أبي الحسن ما تقول في التلطف يستدخله الإنسان و هو صائم؟ فكتب: «لا بأس بالجامد». (2)

قال المحقّق الخوئي: المراد من أحمد بن محمد، إمّا ابن عيسى أو ابن خالد و كلاهما ثقتان و المراد من علي بن الحسن، هو علي بن الحسن بن الفضّال، عن أبيه، الحسن بن فضال.

و فيه تأمّل، لأنّه لم يرو علي بن الحسن عن أبيه أصلا لصغره.

قال النجاشي: و لم يرو عن أبيه شيئا و قال علي بن الحسن: كنت أقابله و سنّي ثمان عشرة سنة بكتبه و لم أفهم إذ ذاك الروايات، و لا استحلّ ان أرويها عنه و روى عن أخويه عن أبيهما. (3)

و الظاهر انّ المراد منهما غيره بقرينة ما رواه نفس الشيخ في ذلك الباب قال:

محمد بن يعقوب، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن، عن أحمد بن الحسن، عن أبيه، عن علي بن رباط ....

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

(3). رجال النجاشي: 2/ 82، برقم 674.

234

..........

____________

فالمراد من أحمد، بقرينة رواية الكليني عنه، هو أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة المتوفّى سنة 333، لا الأحمدين، المعروفين، لأنّ الكليني لا يروي عنهما إلّا بواسطة. فقد توفيّ ابن خالد عام 274 أو 280، و ابن عيسى حوالي عام 280.

كما انّ المراد من علي بن الحسن، علي بن الحسن الميثمي الواقفي.

و هو يروي عن أخيه أحمد بن الحسن الميثمي.

و هو يروي عن أبيه الحسن الميثمي.

و على هذا فلو كان السند في الروايتين واحدا، فقد سقط من السند الأوّل لفظة «عن أخيه أحمد بن الحسن الميثمي».

و لعلّ الشيخ أخذ الحديث عن كتاب أحمد بن محمد بن عقدة، و قد ذكر سنده إليه في المشيخة.

ثمّ إنّ التفصيل بين الجامد و غيره رواه الكليني أيضا في الكافي بالسند التالي:

أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن، عن محمد بن الحسين، عن أبيه قال:

كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) ما تقول في التلطف يستدخله الإنسان و هو صائم؟

فكتب: «لا بأس بالجامد». (1)

و المراد من أحمد، هو ابن عقدة، و المراد من الراوي الثالث: هو محمد بن الحسين بن أبي الخطاب المتوفّى عام 262 و الراوي عنه ابنه، و الذي روى هو عنه أبوه. و الرواية ضعيفة لعدم ورود التوثيق على الابن و الأب.

فتلخص بذلك، انّ الاحتقان بالمائع مفسد للصوم دون الجامد.

فإن قلت: الظاهر من الصحيحة: «الصائم لا يجوز له أن يحقن به» هو‌

____________

(1). الكافي: 4/ 110، باب في الصائم يسعط، الحديث 6.

235

[المسألة 67: إذا احتقن بالمائع لكن لم يصعد إلى الجوف بل كان بمجرّد الدخول في الدبر]

المسألة 67: إذا احتقن بالمائع لكن لم يصعد إلى الجوف بل كان بمجرّد الدخول في الدبر، فلا يبعد عدم كونه مفطرا و إن كان الأحوط تركه. (1)

[المسألة 68: الظاهر جواز الاحتقان بما يشكّ في كونه جامدا أو مائعا]

المسألة 68: الظاهر جواز الاحتقان بما يشكّ في كونه جامدا أو مائعا و إن كان الأحوط تركه. (2)

____________

الحرمة التكليفية فقط، لا الوضعية فلا دليل على الإفساد.

قلت: المتبادر في هذه المقامات، هو الإرشاد إلى المانعية نظير قوله: «لا تجوز الصلاة في وبر ما لا يؤكل لحمه»، فإذا ثبت كونه مانعا و مفسدا، فتلازم الحرمة التكليفية، ضرورة حرمة إفطار صوم رمضان و غيره من الصوم الواجب.

فما عن الشيخ من كونه حراما تكليفيا فقط، أو عن ابن الجنيد من استحباب عدم الاحتقان، فكأنّهما في غير محلهما.

(1) الظاهر عدم صدق الاحتقان لما عرفت من أنّ الغاية منه، تسهيل خروج ما في البطن و هو لا يتم إلّا بورود المائع الجوف، دون أن يدخل في الدبر فيخرج.

(2) فلو قلنا بأنّ الاحتقان، لا يصدق إلّا على المائع دون الجامد، فالشكّ في كون شي‌ء مائعا أو جامدا، شكّ في كونه مصداقا للمفطر أو لا، و المرجع فيه البراءة.

و أمّا إذا قلنا ما عرفت من صدقه على المائع و الجامد، غير انّ الأخير خرج تخصيصا، فيكون مرجع الشكّ إلى كونه مصداقا للمخصص أو لا، و معه لا يصحّ التمسك بالعام و هو عدم جواز الاحتقان، لأنّه حجّة في غير ما صدق عليه عنوان الخاص و هو- عدم صدق عنوان الخاص- بعد غير محرز، لاحتمال كونه في الواقع جامدا.

236

..........

____________

فإن قلت: يمكن إحراز عدم صدق عنوان الخاص بالبيان التالي:

«انّ الباقي تحت العام في المقام بعد إخراج الجامد هو- كلّ احتقان لا يكون بجامد لا الاحتقان المنعوت بكونه بالمائع- فالموضوع للبطلان مركّب من جزءين:

1. الاحتقان و أن لا يكون جامدا، و الأوّل محرز بالوجدان، و الثاني بأصالة عدم كونه جامدا و لو بأصل العدم الأزلي فيلتئم الموضوع و يترتب الحكم من الحرمة و البطلان. و بما انّ القيد المأخوذ في جانب العام وجوديّ فلدى الشكّ مقتضى الأصل، عدمه و به يحرز انّ هذا احتقان بما ليس بجامد، فلا يجوز. (1)

يلاحظ عليه أوّلا:- بما ذكرناه في الأصول- أنّ استصحاب العدم الأزلي مصداق عقلي، لقوله: «لا تنقض اليقين بالشك» و ليس مصداقا عرفيا له، فلو خالف الإنسان لا يقال انّه نقض يقينه بالشك.

و ثانيا: أنّ الأصل مثبت، و ذلك لأنّ لموضوع- مركب من أجزاء ثلاثة- على خلاف ما ذكره من أنّه مركّب من جزءين:

1. الاحتقان، 2. لا يكون بجامد، 3. النسبة الحكمية بين الموضوع و المحمول، فليس الموضوع أمرين مختلفين لا صلة بينها، بشهادة جعلهما موضوعا واحدا، لحكم واحد و هو فرع وجود الصلة و الرابطة بينهما فعلى هذا فالموضوع بعد التخصيص في الرواية: «الصائم لا يجوز أن يحتقن بغير الجامد» فانّ الجزءين، أعني: الاحتقان محرز بالوجدان، و القيد المنقطع عن الموصوف، محرز بالاستصحاب، لكن كون هذا الاحتقان موصوفا بغير الجامد، ليست له حالة سابقة.

و بذلك ظهر، انّ الأقوى الجواز على كلا القولين.

____________

(1). مستند العروة الوثقى: 230.

237

العاشر: تعمّد القي‌ء

العاشر: تعمّد القي‌ء و إن كان للضرورة من رفع مرض أو نحوه، و لا بأس بما كان سهوا أو من غير اختيار، و المدار على الصدق العرفيّ، فخروج مثل النواة أو الدود لا يعدّ منه. (1)

____________

(1) قال الشيخ: إذا تقيّأ متعمدا وجب عليه القضاء بلا كفارة، فإن ذرعه (1) القي‌ء، فلا قضاء عليه أيضا، و هو المروي عن علي (عليه السلام) و عبد اللّه بن عمر. و به قال أبو حنيفة، و الشافعي، و مالك، و الثوري، و أحمد، و إسحاق.

و قال ابن مسعود و ابن عباس: لا يفطّره على حال و ان تعمّد. و قال عطاء و أبو ثور: ان تعمّد القي‌ء، أفطر و عليه القضاء و الكفارة. (2)

فالأقوال عندهم ثلاثة: 1. القضاء، 2. القضاء و الكفّارة، 3. عدم وجوب شي‌ء منهما.

و أمّا أقوال فقهائنا:

فالمشهور بين علمائنا ان تعمّد القي‌ء يوجب القضاء خاصة، فإن ذرعه لم يجب به شي‌ء. ذهب إليه ابن أبي عقيل، و الشيخان، و أبو الصلاح، و ابن البراج.

و نقل السيد المرتضى عن بعض علمائنا انّه يوجب القضاء و الكفارة.

____________

(1). يقال ذرعه القي‌ء سبق إلى فيه.

(2). الخلاف: 2/ 178، كتاب الصوم، المسألة 19.

238

..........

____________

و قال ابن الجنيد بالقول المشهور إذا كان القي‌ء من محلّل، و أمّا إذا كان القي‌ء من محرم فيكون فيه إذا ذرعه القي‌ء، القضاء، و إذا استكره (تعمد) القضاء و الكفارة.

و قال السيد المرتضى: ينقض الصوم و لا يبطله.

و قال ابن إدريس: لا يجب به قضاء و لا كفارة بل يكون مخطئا. (1)

و تدل على وجوب القضاء روايات:

1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا تقيّأ الصائم فقد أفطر و إن ذرعه من غير أن يتقيّأ فليتمّ صومه». (2) و هو متحد مع ما رواه عن ابن مسكان عن الحلبي. 3 لوحدة المروي عنه و اللفظ.

2. موثقة سماعة قال: سألته عن القي‌ء في رمضان فقال: «إن كان شي‌ء يبدره فلا بأس، و إن كان شي‌ء يكره نفسه عليه فقد أفطر و عليه القضاء». 4

3. رواية علي بن جعفر في كتابه عن أخيه سألته عن الرجل يستاك و هو صائم فيقي‌ء، ما عليه؟! قال: «إن كان تقيّأ متعمدا فعليه قضاؤه، و إن لم يكن تعمّد ذلك فليس عليه شي‌ء» 5 إلى غير ذلك من الروايات البالغة عددها إلى سبع.

نعم تخالفه رواية عبد اللّه بن ميمون عن أبي عبد اللّه عن أبيه (عليهما السلام)، قال: «ثلاثة لا يفطرن الصائم: القي‌ء، و الاحتلام، و الحجامة». 6

و هو محمول على صورة النسيان بقرينة الاحتلام في الرواية و إن أبيت فهو‌

____________

(1). المختلف: 3/ 420، كتاب الصوم.

(2) 2، 3، 4، 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و 3 و 5 و 10.

(3) 6. الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 7.

239

..........

____________

خبر واحد، لا يقاوم ما مضى من الروايات المتضافرة فالترجيح معها.

و أمّا صحيحة ابن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء». (1) فالظاهر انّ الحصر إضافي و بما انّ الراوي نقل جواب الإمام و لم ينقل السؤال، يمكن الحدس بأنّه كان في المجلس من يقول بمفطرية أمور أخرى وراء هذه الأربعة فحصر الإمام المفطّر فيها ناظرا إلى نفي تلك الأمور، لا غيرها و إلّا لزم عدم مفطرية ما اتّفق الأصحاب عليه كالكذب على اللّه، و البقاء على الجنابة و إن كان عن احتلام، و الحقنة، فالقول بالقضاء هو المتعين.

إنّما الكلام في وجوب الكفارة و لم يذكرها الماتن في الحقنة و لا في المقام. نعم ذكرها في فصل خاص أعني فيما يوجب الكفارة.

و يمكن تقريب وجوبها، فانّ وجوب الكفارة مترتب في لسان الأدلة على عنوان الإفطار، فعن صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا قال: «يعتق نسمة». (2)

و مثلها صحيحة جميل بن دراج، 3 و خبر عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، 4 إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في بابها، هذا من جانب.

و من جانب آخر، حكم على من تقيّأ عن عمد بأنّه أفطر؛ كما هو الحال في صحيحة الحلبي، 5 و موثقة سماعة، 6 و خبر مسعدة بن صدقة. 7 فبضمّ الصغرى الواردة فيها إلى الكبرى الواردة فيما سبق، يحكم على من تقيّأ، بالكفارة.

نعم لا يجري ذلك البيان في الحقنة، لأنّ لسان الروايات هو النهي غاية الأمر إرشاد‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(2) 2 و 3 و 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و 2 و 4.

(3) 5 و 6 و 7. الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 5، 6.

240

..........

____________

إلى كون الصوم فاسدا، و هل الفساد يلازم الإفطار أو ربما يكون أعم، كما فيما إذا صام رياء و سمعة فصومه فاسد، و ليس هو بمفطر، و لكن التفصيل بين الحقنة و القي‌ء، إحداث قول ثالث.

هذا و يمكن القول بعدم وجوب الكفّارة بوجوه:

1. خلوّ هذه الروايات الدالّة على الفساد عن ذكر الكفّارة و لو كانت واجبة كان على الإمام، ذكرها و لو في بعضها.

و أجاب عنه المحقّق الخوئي بأنّ ما ذكره لا يتجاوز عن كونه ظهورا إطلاقيا، و يكفي في التقييد النصّ الوارد بصورة العموم من «أنّ من أفطر متعمدا فعليه الكفّارة».

يلاحظ عليه: أنّ التقييد فرع تسليم صدق الإفطار في مورد الحقنة و القي‌ء، لما سيوافيك من احتمال انصرافه إلى الأكل و الشرب و استخدامه في المقام لأجل بيان فساد الصوم و وجوب القضاء لا انّهما مثل الأكل و الشرب، و انّه يجب فيهما القضاء و الكفارة.

2. ما ذكره صاحب المصباح: إطلاق اسم الإفطار عليه في بعض الروايات لو سلم كونه حقيقيا، لا يجعله مندرجا في موضوع قوله: «من أفطر متعمدا فعليه كذا»، بعد انصراف هذا الإطلاق عرفا إلى الأكل و الشرب لو لم نقل بكونه حقيقة فيهما، و المراد بلفظ «الإفطار» في مثل هذه الموارد، هو مطلق الإفساد لا التشبيه بالأكل و الشرب حتى يدّعى أنّ مقتضى إطلاق التشبيه مساواتهما في الحكم لا في خصوص القضاء.

مع إمكان أن يقال: إنّه على تقدير إرادة التشبيه ينصرف إلى خصوص القضاء، لأنّه هو الوجه الظاهر الذي ينصرف إليه التشبيه. (1)

____________

(1). مصباح الفقيه: 14/ 516، كتاب الصوم.

241

[المسألة 69: لو خرج بالتجشّؤ شي‌ء ثمّ نزل من غير اختيار لم يكن مبطلا]

المسألة 69: لو خرج بالتجشّؤ شي‌ء ثمّ نزل من غير اختيار لم يكن مبطلا، و لو وصل إلى فضاء الفم فبلعه اختيارا بطل صومه و عليه القضاء و الكفّارة بل تجب كفّارة الجمع إذا كان حراما من جهة خباثته أو غيرها. (1)

____________

و أورد عليه السيد الخوئي: فانّه لا واسطة بين الصوم و الإفطار، فإذا فسد صومه فهو غير صائم، فيكون مفطرا، و لا وجه لاختصاصه بالأكل و الشرب.

يلاحظ عليه: بوجود الواسطة بين الصوم الصحيح و الإفطار، فربما يكون صومه فاسدا لكنّه غير مفطر كما في المرائي و غير الناوي، و على ضوء ذلك فمن تقيّأ عمدا صائم صوما فاسدا و ليس بمفطر.

و ممّا يؤيد عدم وجوب الكفارة قوله في رواية مسعدة بن صدقة: «و عليه الإعادة و إن شاء اللّه عذبه و إن شاء غفر له». (1) فلو كانت الكفارة واجبة، كان عليه أن يقول: عليه الكفارة حتى يكون معفوا قطعا.

و مع تضارب الأدلة و الشكّ في وجوبها، فالأصل عدمها في الحقنة و القي‌ء و إن كان الاحتياط حسنا. و سيوافيك تفصيل الكلام في الفصل السادس، فانتظر.

(1) التجشّؤ عبارة عن خروج الريح من فم الإنسان مع صوت عند الشبع و هو غير القي‌ء مفهوما و مصداقا، و قد عبر عنه في الروايات بالقلس. (2)

و الظاهر انّه غير التجشّؤ، و قد فسر بما خرج من البطن إلى الفم من الطعام و الشراب. و سببه عادة عسر الهضم ثمّ إنّ الخارج إذا كان قليلا فهو القلس و إن كان يملأ الفم فهو القي‌ء.

____________

(1). الوسائل: الجزء: 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 30 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و 2.

242

..........

____________

و على كلّ تقدير: فقد حكم الماتن في هذه المسألة بأمور:

1. لو خرج بالتجشّؤ شي‌ء ثمّ نزل من غير اختيار لم يكن مبطلا، و هو واضح لعدم صدق الأكل أوّلا و تضافر الروايات على أنّ القلس لا يبطل الصوم. (1)

2. لو وصل إلى فضاء الفم فبلعه اختيارا بطل صومه و عليه القضاء و الكفارة، لصدق الأكل المفطّر و لا ينقص ابتلاعه عن بلع ما يبقى في خلال الأسنان كما مرّ، و يشمله قولهم: «من أفطر متعمدا فعليه الكفّارة».

هذا مقتضى القاعدة و لكن روى الشيخ باسناده عن ابن سنان قال: سئل أبو عبد اللّه عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشي‌ء من الطعام أ يفطره ذلك؟

قال: «لا» قلت: فان ازدرده بعد أن صار على لسانه؟ قال: «لا يفطره ذلك». (2)

و الرواية محمولة على الازدراد، نسيانا لمخالفتها للقاعدة.

3. وجوب الكفارة و قد علم حاله ممّا سبق في الإفطار بالقي‌ء. و سيوافيك الضابطة فيما يوجب الكفارة في الفصل السادس.

4. كفّارة الجمع إذا كان حراما من جهة خباثته أو غيرها.

أقول: لقد دلّت الروايات على وجوب كفارة الجمع عند الإفطار بحرام، ففي رواية عبد السلام بن صالح الهروي عن الرضا (عليه السلام): «متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات». (3) و في مرسلة الفقيه:

«فيمن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا بجماع محرم عليه أو بطعام محرم عليه، انّ عليه ثلاث كفارات». 4

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 30 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3 و 4.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 9.

(3) 3 و 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و 3.

243

..........

____________

و قد دلت الآية على حرمة الخبائث قال سبحانه: في بيان أوصاف النبي:

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرٰاةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهٰاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبٰاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ (1) لكن الكلام في أنّ ما يخرج إلى فضاء الفم هل هو من الخبائث أو لا؟

قال الفيّومي: يطلق الخبيث على الحرام كالزنا و على الرديّ المستكره طعمه أو ريحه كالثوم و البصل، و منه الخبائث و هي التي كانت العرب تستخبثها مثل الحية و العقرب، قال تعالى: وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ أي لا تخرجوا الرديّ من الصدقة عن الجيّد، و الأخبثان: البول و الغائط. (2)

و على هذا فالشريعة الإسلامية تحلّ الطيبات و تحرّم الخبائث، و الموصوف بهما يكون الفعل، كالنكاح و الزنا و أخرى العين الخارجية أي الشي‌ء المستكره إلى حدّ يوصف الرديّ من الصدقة بالخبيث، و على ضوء هذا فالخارج من الداخل إلى ظاهر الفم خبيث بالنسبة إلى غير الإنسان و أمّا بالنسبة إليه فلا، كما أنّ ما يزدرده الإنسان، طيب بالنسبة إلى الآكل، دون غيره فصدقه عليه مشكوك جدا.

على أنّه يحتمل في الآية وجه آخر، و هو تحريم الخبائث التي كانت العرب تتداولها و تمارسها، غافلة عن خبثها، كالزنا و القمار، و الميتة و الدم، و الخبيث و إن كان أعم، لكن المحرم منه، شي‌ء أخص، و ذلك لأنّ الآية بصدد التعريف بالنبي و مدحه، و تحريم ما يستكرهه الناس و يستقذره، ليس أمرا مهمّا، بعد افتراض انّ الناس بطباعهم ينزجرون عنها، بل المراد الأفعال القبيحة التي يمارسها الناس أو الأعيان التي يتغذى منها، بلا استكراه و لا تنفّر، غافلة عمّا فيها من المفاسد‌

____________

(1). الأعراف: 157.

(2). المصباح المنير: 197.

244

[المسألة 70: لو ابتلع في اللّيل ما يجب عليه قيئه في النهار فسد صومه]

المسألة 70: لو ابتلع في اللّيل ما يجب عليه قيئه في النهار فسد صومه إن كان الإخراج منحصرا في القي‌ء، و إن لم يكن منحصرا فيه لم يبطل إلّا إذا اختار القي‌ء مع إمكان الإخراج بغيره، و يشترط أن يكون ممّا يصدق القي‌ء على إخراجه، و أمّا لو كان مثل درّة أو بندقة أو درهم أو نحوها ممّا لا يصدق معه القي‌ء لم يكن مبطلا. (1)

____________

و المضار فالنبي حرّمها و منع عنها و أين هو من النخامة أو ما قاءه، أو ما خرج من الداخل إلى ظاهر الفم، التي لا يرغب إليها أحد، فلو افترضنا خبثها فالآية غير ناظرة إليها.

(1) إذا بلع مال الغير قبيل الفجر، و كان الصوم واجبا غير معين و بما انّ ردّ مال الغير واجب يكون المورد من قبيل المتزاحمين من وجوب ردّ مال الغير، و إتمام الصوم فيقدم ما ليس له بدل، أعني: ردّ مال الغير، على ما له بدل، أعني: الصوم، أو كان الصوم واجبا معينا كشهر رمضان لكن كان إبقاؤه في الداخل مضرا للصحّة، فيقدم ما هو الأقوى ملاكا، أعني صيانة النفس عن الضرر.

إذا عرفت موضوع المسألة، فاعلم أنّ له حالتين:

تارة يكون الطريق إلى العمل بالأهم منحصرا بالقي‌ء، و أخرى يكون له طريقان:

أمّا الصورة الأولى، فقد أفتى الماتن بأنّه يفسد صومه سواء تقيّأ أم لم يتقيّأ.

أمّا إذا تقيّأ فالحكم واضح. و أمّا إذا لم يتقيّأ ففي الحكم ببطلان الصوم وجهان نابعان، من أنّ ترك القي‌ء جزء للصوم أو القي‌ء ضد وجودي له. فعلى الثاني يصح و إن عصى و لم يتقيّأ.

245

..........

____________

توضيح ما أفاده: هو انّه إذا كان ترك القي‌ء جزءا للصوم، فالأمر به يكون أمرا بتركه، و المفروض انّه مأمور بالقي‌ء، لأجل ردّ مال الغير فلا يمكن الأمر بالصوم إذا يكون مآله إلى الأمر بالقي‌ء و تركه.

فينحصر الأمر في واحد منهما و هو التقيؤ الذي يعد مقدمة لرد مال الغير بخلاف ما إذا قلنا: القي‌ء ضد وجودي، و بما انّ الحقّ انّ الأمر بالشي‌ء لا يستلزم النهي عن ضدّه، أعني: الصوم، غايته عدم الأمر به في عرضه، فإذا يصحّ تعلّق الأمر به في ظرف عصيان الأمر بالأهم، فيكون الأمر الثاني في طول الأمر الأوّل بأن يقال: بأن يأمر بالقي‌ء و إن عصى فبالصوم، و قد أوضحنا في محله انّ الأمر الثاني على نحو الترتب ممكن و يكفي في وقوعه إمكانه.

فإن قلت: إنّ الأمر على نحو الترتب إنّما يصحّ في الضدين اللّذين لهما ثالث، على وجه لا يستلزم ترك أحدهما، فعل الآخر و بالعكس كما في الإزالة و الصلاة، حيث إنّ ترك الأوّل لا يلازم الصلاة بل يجتمع مع أفعال أخرى فيصحّ الأمر بالإزالة، و الأمر بالصلاة عند ترك الأولى، و أمّا الضدان اللّذان لا ثالث لهما كالحركة و السكون فلا يصحّ تعلق الأمر بالضد الآخر عند ترك الضد، لأنّه يكون من قبيل تحصيل الحاصل، فعند ترك الحركة يكون السكون حاصلا قهرا بلا حاجة إلى الأمر، و المقام من هذا القبيل، فبعصيان الأمر بالأهم، أعني: التقيّؤ، يكون الصوم متحقّقا قهرا من دون حاجة إلى الأمر.

قلت أوّلا: إنّ المخاطب بالأمر الترتبي ليس خصوص المخاطب الذي، يريد الإمساك و الصوم، حتى يكون الأمر به- عند ترك القي‌ء- تحصيلا للحاصل بل المخاطب مطلق المكلفين، و يكفي في صحّة الأمر الكلي بالمكلّفين وجود الملاك في الغالب و خطابات التكليف، خطابات قانونية لا شخصية، نعم لو قلنا بأنّ لكلّ مكلّف خطابا شخصيا كان لما ذكر وجه.

246

[المسألة 71: إذا أكل في اللّيل ما يعلم أنّه يوجب القي‌ء في النهار من غير اختيار]

المسألة 71: إذا أكل في اللّيل ما يعلم أنّه يوجب القي‌ء في النهار من غير اختيار فالأحوط القضاء. (1)

[المسألة 72: إذا ظهر أثر القي‌ء و أمكنه الحبس و المنع وجب إذا لم يكن حرج و ضرر.]

المسألة 72: إذا ظهر أثر القي‌ء و أمكنه الحبس و المنع وجب إذا لم يكن حرج و ضرر. (2)

____________

و ثانيا: ليس القي‌ء و الإمساك من قبيل الضدين اللّذين لا ثالث لهما، لإمكان أن يترك القى‌ء و لا يصوم أيضا، بل يأتي بسائر المفطرات.

و إذا لم يكن ردّ مال الغير، أو إخراج ما في الداخل منحصرا بالقي‌ء، فلا يبطل إلّا إذا اختار القي‌ء مع إمكان الإخراج بغيره و وجهه واضح.

ثمّ إنّه يشترط في مسألة الصوم أن يكون المخرج مما يصدق عليه القي‌ء أمّا خروج شي‌ء من الداخل كالدرهم، الّذي لا يصدق عليه القي‌ء، فلا يفسد.

(1) وجهان مبنيان على أنّ المفسد هل هو صدق تناول المفطر اختيارا فيفسد في المقام، لأنّ الفعل حين الصدور و إن كان خارجا عن الاختيار، إلّا أنّ مقدمته كانت اختيارية إذ كان في وسعه ترك ما يؤدّي إلى القي‌ء، أو أنّ المفسد عبارة عن تقيّؤ الصائم عامدا و هو غير متحقّق، و الظاهر هو الأوّل، و هذا نظير ما إذا ذهب بعد الفجر إلى مكان يعلم انّه يجبر فيه، بالإفطار، من دون ملزم للذهاب. و إن لم يكن حين الإفطار مختارا.

(2) وجهه انّه إذا تمكن من الحبس من غير ضرر و حرج يكون القي‌ء فعلا اختياريا له فيجري عليه حكم المتعمد. و لكن الأقوى عدم الإفساد، و ذلك لأنّ الموضوع هو القي‌ء الذي يكره نفسه عليه كما في موثقة سماعة: «إن كان شي‌ء يكره نفسه عليه فقد أفطر و عليه القضاء» و المفروض انّه لا يكره نفسه عليه هو بل يتقيّأ‌

247

[المسألة 73: إذا دخل الذباب في حلقه وجب إخراجه مع إمكانه]

المسألة 73: إذا دخل الذباب في حلقه وجب إخراجه مع إمكانه و لا يكون من القي‌ء، و لو توقّف إخراجه على القي‌ء سقط وجوبه و صحّ صومه. (1)

____________

باقتضاء الطبع، غاية الأمر انّه يتمكن من الحبس، و هذا لا ينافي كونه ليس بإكراه نفسه، بل بمقتضى طبعه، فإذا كان غير محكوم بالإفساد، فلا يكون الحبس محكوما بالوجوب التكليفي.

(1) المراد من دخولها في حلقه، هو وصوله إلى بداية الحلق دون منتهاه الذي يتحقّق معه البلع. و بعبارة أخرى: وصل إلى مخرج «الخاء» و لم يتجاوزه، فالناس- عند ذاك- حسب طباعهم على صنفين، فمنهم من يتمكن من إخراجه بسهولة بلا تقيّؤ، و منهم من يلازم إخراجه، التقيّؤ.

أمّا الأوّل فيجب إخراجه بوجهين:

1. حرمته التكليفيّة لكونه قذرا، و مضرا، أو خبيثا، و أمّا تعليل حرمة أكلها بكونها غير مذكّى فيدخل في المستثنى منه، من الآية: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ ... إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ. (1) فكما ترى لأنّ التقابل بين المذكّى و غير المذكّى تقابل العدم و الملكة، فلا يطلق غير المذكّى إلّا ما كان فيه ملكة التذكية و الذباب ليس كذلك و الأولى تعليلها بما ذكرنا.

2. حرمته الوضعية لصدق الأكل المبطل عليه.

و أمّا الثاني فإذا كان ملازما للقي‌ء، سقط وجوب إخراجه و صحّ صومه لدوران الأمر بين حرمة الابتلاع، و حرمة إبطال الصوم بالتقيّؤ، و بما انّ الصوم من‌

____________

(1). المائدة: 35.

248

[المسألة 74: يجوز للصائم التجشّؤ اختيارا و إن احتمل خروج شي‌ء من الطعام معه]

المسألة 74: يجوز للصائم التجشّؤ اختيارا و إن احتمل خروج شي‌ء من الطعام معه، و أمّا إذا علم بذلك فلا يجوز. (1)

[المسألة 75: إذا ابتلع شيئا سهوا فتذكّر قبل أن يصل إلى الحلق]

المسألة 75: إذا ابتلع شيئا سهوا فتذكّر قبل أن يصل إلى الحلق وجب إخراجه و صحّ صومه، و أمّا إن تذكّر بعد الوصول إليه فلا يجب بل لا يجوز إذا صدق عليه القي‌ء، و إن شكّ في ذلك فالظاهر وجوب إخراجه أيضا مع إمكانه عملا بأصالة عدم الدخول في الحلق. (2)

____________

الفرائض التي بني عليها الإسلام، فصيانته من البطلان أهمّ من ابتلاع الذباب الذي ليست حرمته في الأهمية كوجوب الصوم.

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان المفروض فيما إذا لم يبلغ منتهى الحلق الذي يتحقّق بعده البلع، فصومه باطل على كلّ تقدير، إمّا للبلع إذا لم يخرج، أو للقي‌ء إذا أخرجه. و بالجملة فأمره دائر بين أحد أمرين اختياريين و كلّ منهما مفطر للصوم، فلا يصحّ عدّ حفظ الصوم مرجحا، بل يمكن أن يقال انّ الإخراج مع القي‌ء أولى من تركه، إذ فيه إبطال للصوم عن عذر، و في الثاني إبطال له أوّلا كذلك، و مخالفة للتكليف بحرمة أكل الذباب ثانيا.

(1) الظاهر الجواز مطلقا، أمّا الاوّل، فلإطلاق ما دلّ على جوازه (1)؛ و أمّا الثاني، فلأنّ المبطل هو القي‌ء و ليس مثله قيئا.

(2) الظاهر انّ المراد من عدم الوصول إلى الحلق أو الوصول إليه هو ما يأتي منه (قدّس سرّه) في المسألة 76 من عدم الوصول إلى الحدّ من الحلق كمخرج الخاء أو وصوله إليه.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 30 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و 2.

249

[المسألة 76: إذا كان الصائم بالواجب المعيّن مشتغلا بالصلاة الواجبة]

المسألة 76: إذا كان الصائم بالواجب المعيّن مشتغلا بالصلاة الواجبة، فدخل في حلقه ذباب أو بقّ أو نحوهما أو شي‌ء من بقايا الطعام الذي بين أسنانه و توقّف إخراجه على إبطال الصلاة بالتكلّم بأخ أو بغير ذلك، فإن أمكن التحفّظ و الإمساك إلى الفراغ من الصلاة وجب، و إن لم يمكن ذلك و دار الأمر بين إبطال الصوم بالبلع أو الصلاة بالإخراج فإن لم

____________

و إن شئت قلت: المقصود وصوله إلى حدّ لم يبلغ مرتبة البلع و إلى حدّ يصدق عليه البلع، و على هذا لا يرد عليه ما ورد في بعض التعاليق من أنّ الميزان لجواز البلع ليس الوصول إلى الحلق، لأنّه لا تأثير له في جواز بلعه و عدم إبطاله للصوم، فيجب إخراجه ما لم ينزل إلى الجوف و لا يعد مثله قيئا. (1)

و إن شئت قلت: إنّ مراده من قبل الوصول إلى الحلق و هو عدم وصوله إلى منتهاه الذي لا يصدق عنده البلع و من بعد وصوله إليه الذي يصدق معه البلع.

و على ذلك فما ذكره وجيه لا إشكال فيه، إذ على الأوّل يجب إخراجه لعدم بلعه، و على الثاني لا يجب لتحقّق الأكل و البلع، فلا دليل على إخراج ما أكله سهوا، فربما يصدق عليه القي‌ء.

نعم لو شكّ في ذلك، فقد أفتى المصنف بوجوب إخراجه مع إمكانه عملا بأصالة عدم الدخول في الحلق.

و لكن الأصل لا أصل له، لأنّ الموضوع هو الأكل و الشرب، و الأصل المزبور لا يثبت كون ابتلاعه أكلا و شربا.

نعم يمكن أن يقال بأنّ الأصل وجوب إخراجه سابقا قبل أن يصل إلى هذا الحدّ، و الأصل بقاؤه لعدم العلم بتجاوزه عن الحدّ الذي لا يجب إخراجه.

____________

(1). تعليقة السيد البروجردي على العروة الوثقى.

250

يصل إلى الحدّ من الحلق كمخرج الخاء و كان ممّا يحرم بلعه في حدّ نفسه كالذباب و نحوه، وجب قطع الصلاة بإخراجه، و لو في ضيق وقت الصلاة، و إن كان مما يحل بلعه في ذاته كبقايا الطعام، ففي سعة الوقت للصلاة و لو بإدراك ركعة منه يجب القطع و الإخراج، و في الضيق يجب البلع و إبطال الصوم تقديما لجانب الصلاة لأهميّتها، و إن وصل إلى الحدّ فمع كونه ممّا يحرم بلعه وجب إخراجه بقطع الصلاة و إبطالها على إشكال، و إن كان مثل بقايا الطعام لم يجب و صحّت صلاته و صحّ صومه على التقديرين لعدم عدّ إخراج مثله قيئا في العرف. (1)

____________

(1) مجموع الصور الأصليّة لا يتجاوز عن خمس.

إذا دخل في حلقه شي‌ء فتوقف إخراجه على إبطال الصلاة بالتكلّم ب‍ «أخ» أو لغير ذلك.

إمّا يمكن له التحفظ إلى الفراغ عن الصلاة، أو لا يمكن؛ و على التقدير الثاني: فإمّا أن لا يصل إلى حدّ الخاء أو يصل، و على التقديرين إمّا أن يحرم بلعه كالذباب، أو لا كبقايا الطعام. و إليك بيان الصور:

الأولى: إذا أمكن التحفظ وجب، لحرمة قطع الصلاة الواجبة.

الثانية: أعني: ما إذا لم يمكن التحفظ إلى الفراغ عن الصلاة و لم يصل إلى حد الخاء من الحلق، و كان ممّا يحرم بلعه في حدّ نفسه كالذباب، فقد أفتى الماتن بقطع الصلاة كان الوقت وسيعا أم ضيقا، أدرك ركعة منها أو لا.

أمّا إذا كان الوقت وسيعا، أو أمكن إتيان ركعة منها في الوقت فلا إشكال فيه، و أمّا إذا استلزم فوات الصلاة بالمرة فجواز القطع غير ظاهر إذ كيف يجوز تركها لأجل امتثال النهي عن أكل الحرام.

251

[المسألة 77: قيل: يجوز للصائم أن يدخل إصبعه في حلقه و يخرجه عمدا]

المسألة 77: قيل: يجوز للصائم أن يدخل إصبعه في حلقه و يخرجه عمدا، و هو مشكل مع الوصول إلى الحدّ، فالأحوط الترك. (1)

____________

و الظاهر انّ حكم تلك الصورة حكم الصورة الآتية من لزوم إبطال الصلاة، إلّا إذا لم يبق شي‌ء من الوقت.

الثالثة: تلك الصورة و لكن كان ممّا يحل بلعه في ذاته ففي سعة الوقت- و لو بإدراك ركعة منه- يجب القطع و الإخراج، و في الضيق يجب البلع و إبطال الصوم تقديما لجانب الصلاة لأهميتها.

الرابعة: تلك الصورة و كان ممّا يحرم بلعه. فقال الماتن: وجب إخراجه بقطع الصلاة و إبطالها، على إشكال، و على ضوء ما ذكرنا يجب أن يقول وجب القطع إلّا أن يستلزم فوت الصلاة بالمرة، فيقدم على امتثال النهي عن أكل الحرام.

و يمكن أن يقال: يختلف حكم هذه الصورة مع حكم الصورة الثانية، فانّ الأمر فيها دائر بين الحرمتين: التكليفية و الوضعية و بين قطع الصلاة، و أمّا المقام فلا دليل على حرمة بلعه إذا دخل الجوف و تمّ الأكل كما لا دليل على إبطالها الصوم. فالظاهر انّه يقدم الصلاة في جميع الأوقات في سعة الوقت و ضيقه.

الخامسة: تلك الصورة و كان بلعها أمرا حلالا، فيظهر حالها ممّا ذكرنا في الصورة الرابعة، بل أولى منها لعدم الشبهة التكليفية فيه و يبقى احتمال الحرمة الوضعية و إبطاله الصوم، و قد عرفت عدم كونه مبطلا لتحقق الأكل بلا اختيار.

(1) الظاهر الجواز لعدم صدق القي‌ء، و قد تقدم من الماتن في المسألة الخامسة من ذلك الفصل انّه لا يبطل الصوم بإنفاذ الرمح أو السكين أو نحوهما بحيث يصل إلى الجوف و إن كان متعمدا.

252

[المسألة 78: لا بأس بالتجشّؤ القهريّ]

المسألة 78: لا بأس بالتجشّؤ القهريّ و إن وصل معه الطعام إلى فضاء الفم و رجع بل لا بأس بتعمّد التجشّؤ ما لم يعلم أنّه يخرج معه شي‌ء من الطعام و إن خرج بعد ذلك وجب إلقاؤه و لو سبقه الرجوع إلى الحلق لم يبطل صومه و إن كان الأحوط القضاء. (1)

____________

(1) أمّا إذا كان خارجا عن الاختيار فواضح و إن رجع إلى الداخل، و أمّا إذا كان عن عمد، فقد خصّ المصنف الجواز بما إذا لم يعلم انّه يخرج معه شي‌ء من الطعام، و قد عرفت جوازه حتى مع العلم بالخروج ما لم يصدق عليه التقيّؤ.

كما أنّه إذا سبقه الرجوع إلى الحلق، لا يبطل ما لم يصدق عليه الأكل تعمّدا و اختيارا، كما سيوافيك في الفصل التالي.

253

[الفصل الثالث في شرطية العمد و الاختيار]

الفصل الثالث في شرطية العمد و الاختيار المفطرات المذكورة ما عدا البقاء على الجنابة الّذي مرّ الكلام فيه تفصيلا إنّما توجب بطلان الصوم إذا وقعت على وجه العمد و الاختيار، و أمّا مع السهو و عدم القصد فلا توجبه من غير فرق بين أقسام الصوم من الواجب المعيّن و الموسّع و المندوب، و لا فرق في البطلان مع العمد بين الجاهل بقسميه و العالم، و لا بين المكره و غيره، فلو أكره على الإفطار فأفطر مباشرة فرارا عن الضرر المترتّب على تركه بطل صومه على الأقوى، نعم لو وجر في حلقه من غير مباشرة منه لم يبطل. (1)

____________

(1) في هذه المسألة فروع أربعة:

1. يعتبر في غير البقاء على الجنابة- على التفصيل المذكور- العمد و الاختيار في الإفطار، فلو صدر بدونهما سواء صدر بلا قصد إلى فعل المبطل، كما إذا قاء بلا اختيار، أو احتلم، أو سبق ماء المضمضة، أو صدر مع القصد إليه، لكن ناسيا صومه.

2. لا فرق في ذلك الحكم بين أقسام الصوم من الواجب المعيّن و الموسع و المندوب.

3. لا فرق في البطلان بين الجاهل بالحكم تقصيرا أو قصورا و العالم.

254

..........

____________

4. لا فرق بين المكره و غيره، إلّا إذا لم يصدق العمد كما إذا وجر في حلقه.

و إليك دراسة الفروع واحدا تلو الآخر.

أمّا الأوّل: أي إذا صدر عنه الفعل بلا قصد. فيدلّ على عدم كونه مفطرا، الأمور التالية:

1. تقييد القي‌ء بالعمد مثل قوله: «إن ذرعه من غير أن يتقيّأ» و «أو تقيأ من غير عمد». (1)

2. ما جاء في تعليل عدم مفطرية الاحتلام من أنّ «النكاح فعله، و الاحتلام مفعول به». (2)

3. ما ورد في سبق ماء المضمضة انّه: «إن تمضمض في وقت فريضة فدخل الماء حلقه فليس عليه شي‌ء، و قد تمّ صومه». (3)

4. ما دلّ على أنّه لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال. (4) و هو ظاهر في الاجتناب عن اختيار.

5. ما دلّ على صحّة صوم الناسي، مع كونه متعمدا و قاصدا إلى ذات الفعل. ففيما لا قصد فيه إلى الفعل يكون صحيحا بطريق أولى.

و المجموع يشرف الفقيه على القطع بالحكم مضافا إلى كونه أمرا متسالما عليه.

و أمّا إذا قصد الفعل، و لكن نسي كونه صائما، فيدل عليه ما مضى في محله‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و 2 و غيرهما.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

(4). الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.