الصوم في الشريعة الإسلامية الغراء - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
457 /
255

..........

____________

من صحّة صوم الناسي إذا تناول المفطر أو جامع ناسيا (1) و في بعضها: «إنّما هو شي‌ء رزقه اللّه فليتم صومه أو شي‌ء أطعمه اللّه إياه».

و ربّما يستدل بما دلّ على القضاء فيمن أفطر متعمدا. و قد استشكل عليه:

بأنّ القيد ورد في أربعة مواضع (2) في سؤال الرواة، و مورد واحد في جواب الإمام (3).

فالأوّل: لا يحتج به، لأنّ اختصاص سؤاله بالعمد لا يدل على اختصاص الجواب به. و أمّا الثاني: فقد جاء في الجواب: «من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة و يصوم يوما بدل يوم» فالجزاء فيها مجموع الحكمين: القضاء و الكفارة، فلا تدل على تقييد القضاء به.

يلاحظ عليه: أنّ ورود القيد في كلام الرواة غير مرة يدل على وجود ارتكاز عندهم على صحّة صوم غير العامد، و إلّا فلا معنى لوروده مرة بعد أخرى، مضافا إلى عدم تعرض الإمام إلى سعة الحكم و انّ العمد لا مدخلية له في الحكم.

أمّا الثاني: أي عدم الفرق بين أقسام الصوم، فيدل عليه إطلاق رواية الحلبي، (4) و عمار بن موسى، 5 و الزهري، 6 و محمد بن قيس، 7 و عمار الساباطي، 8 و خصوص رواية أبي بصير في النافلة، 9 و التعميم في مرسلة الفقيه، 10 مضافا إلى الاتّفاق المحكي و عدم الخلاف.

أمّا الثالث: أي عدم الفرق بين العالم و الجاهل مقصرا أو قاصرا، فهذا ما سنطرحه تاليا.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، جميع أحاديثه.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، 1، 2، 4، 13.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 11.

(4) 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10. الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 7، 9، 11، 10، 3.

256

..........

____________

عموم الحكم للعالم و الجاهل قد تقدمت شرطية العمد و الاختيار في مفطرية الأمور الماضية، بقي الكلام في شرطية العلم بالحكم و عدمها، فالمشهور على عدم اشتراطه، و انّ العالم و الجاهل في الوضع و التكليف سيّان، و استدلوا على ذلك بالأمور التالية:

1. عموم أدلّة المفطرات و شمولها للعالم و الجاهل.

2. انّ تخصيص الأحكام بالعالم، أمر مشكل حتى قيل انّه يستلزم الدور.

يلاحظ عليه: أنّه غير صحيح لإمكان تخصيصه به بدليل ثان غير الدليل الأوّل المتضمن لتشريع الحكم.

3. انّ تعلّق العلم و الجهل بالأحكام، دليل ارتكازي على عمومه لهما، و إلّا يكون التقسيم غير صحيح.

ثمّ إنّ البحث في المقام، يرجع إلى الجاهل المقصر التارك للفحص، و أمّا القائم بالفحص و عدم العثور على دليل و مع استقلال عقله بالبراءة أو حكم الشرع عليه بالرفع فهو خارج عن مصبّ الحكم داخل في مبحث الإجزاء و التعبد بالأحكام الظاهرية.

نعم خرج عن تحت القاعدة الموارد التالية:

1. من جهر في موضع المخافتة و خافت في موضع الجهر.

2. من أتم في موضع القصر، و لا عكس.

3. من تزوّج في العدة بلا دخول و كان جاهلا بالتحريم. (1)

و أمّا ما عدا ذلك، فالجاهل و العالم سيان عملا بالإطلاقات إلّا ما خرج‌

____________

(1). دلت عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، راجع الوسائل: الجزء 14، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 4.

257

..........

____________

بالدليل.

و ذهب صاحب الحدائق في المقام (و تبعه السيد الحكيم في خصوص الجاهل المقصر غير المردّد) إلى اختصاص البطلان بالعالم بالحكم مستدلين بالروايتين التاليتين:

1. موثقة زرارة و أبي بصير قالا جميعا: سألنا أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أتى أهله في شهر رمضان و أتى أهله و هو محرم و هو لا يرى إلّا أنّ ذلك حلال له؟

قال: «ليس عليه شي‌ء». (1)

وجه الاستدلال: انّ بين مفاد الإطلاقات و الموثقة عموما و خصوصا من وجه؛ فالأولى عامة من حيث شمولها العالم و الجاهل، و خاصة باختصاصها بالقضاء؛ و الثانية عامة لشمول النفي، القضاء و الكفارة، و خاصة باختصاصها بالجاهل، فيتعارضان في الجاهل في مورد القضاء و يتساقطان، و يكون المرجع الأصل العملي، و هو البراءة من وجوبه.

و أجيب عن الاستدلال: بأنّ المنفيّ في ظرف الجهل إنّما هو الأثر المترتب على الفعل و انّه ليس عليه شي‌ء من ناحية الفعل الصادر عن جهل لا ما يترتب على الترك، و من المعلوم أنّ الأثر المترتب على الفعل، أعني: الإفطار، إنّما هو الكفّارة فقط، فهي المنفي؛ و أمّا القضاء، فليس هو من آثار الفعل، و إنّما هو من آثار ترك الصوم، و عدم الإتيان به في ظرفه على وجهه، فهو أثر للعدم لا للوجود.

نعم لأجل الملازمة بين الأمرين، أعني: الإفطار و ترك الصوم، صحّ اسناد أثر أحدهما إلى الآخر مجازا و بنحو من العناية فيقال: الإفطار موجب للقضاء مع أنّ الموجب لازمه و هو ترك الصوم. (2)

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 12.

(2). مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم: 1/ 254.

258

..........

____________

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره دقة فلسفية لا يلتفت إليه العرف، و لذلك نرى أنّ القضاء في بعض الروايات، رتب على نفس الإفطار، بدون تجوّز و عناية. (1)

و الأولى أن يقال انّ المدّعى صحيح، و لكن وجه اختصاص الموثقة بالكفارة هو انّ المرتكز في ذهن الرواة في هذه الموارد، هو ترتب الكفارة و عدمها، (لا القضاء) و كأنّ القضاء كان أمرا مسلّما، و يدل على ذلك رواية الصدوق عن أبي جعفر (عليه السلام): انّ رجل أتى النبي فقال: هلكت و أهلكت فقال: ما أهلكك؟ فقال:

أتيت امرأتي في شهر رمضان و أنا صائم فقال النبي: «اعتق رقبة». (2)

و بما انّ السؤال كان عن كيفية الخروج عن المهلكة أشار النبي إلى الكفارة دون القضاء و كأنّه كان أمرا مسلما، و عليه فالرواية ناظرة لمثل هذه الحادثة.

2. ما رواه عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: جاء رجل يلبّي حتى دخل المسجد و هو يلبّي و عليه قميصه، فوثب إليه ناس من أصحاب أبي حنيفة، فقالوا: شقّ قميصك و أخرجه من رجليك، فانّ عليك بدنة و عليك الحجّ من قابل، و حجّك فاسد. فطلع أبو عبد اللّه (عليه السلام) على باب المسجد فكبّر و استقبل الكعبة، فدنا الرجل من أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو ينتف شعره و يضرب وجهه، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): «اسكن يا عبد اللّه» فلمّا كلمه- و كان الرجل أعجميا- فقال: ما تقول؟ قال: كنت رجلا أعمل بيدي، فاجتمعت لي نفقة فجئت أحج لم أسأل أحدا عن شي‌ء، فأفتوني هؤلاء أن أشقّ قميصي و أنزعه من قبل رجلي و انّ حجّي فاسد و انّ عليّ بدنة فقال له: «متى لبست قميصك أبعد ما لبيّت أم قبل؟» قال:

قبل أن ألبّي، قال: «فاخرجه من رأسك، فانّه ليس عليك بدنة و ليس عليك حجّ من قابل. أيّ رجل ركب أمرا بجهالة فلا شي‌ء عليه. طف بالبيت سبعا و صلّ‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.

259

..........

____________

ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) واسع بين الصفا و المروة، و قصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل و أهلّ بالحج، و اصنع كما يصنع الناس». (1)

يلاحظ عليه: أنّ لبس ثوبي الإحرام واجب و لكن لا يبطل الإحرام بتركه، و في المدارك: و لو أخل باللّبس ابتداء، فقد ذكر جمع من الأصحاب انّه لا يبطل إحرامه و إن أثم، و هو حسن، لإطلاق ما دلّ على حصول الإحرام بالنية و التلبية. (2)

و على فرض شرطية الثوب في صحّة الإحرام، فالرجل قد كان واجدا لهذا الشرط، و إن كان مقرونا بالمانع و هو لبس المخيط تحته، فعلى هذا فلم يفته شي‌ء من الفريضة، أمّا الإحرام فقد أحرم، و أمّا سائر الأعمال فقد أمر الإمام بالإتيان بها و لم يفته شي‌ء، و لذلك أمر الإمام بالاستمرار على العمل.

فقوله: أي رجل ركب أمرا لجهالة فلا شي‌ء عليه، يريد مثل هذا الرجل الذي لم يفته من الفريضة شي‌ء، غير انّه يحتمل لزوم الكفّارة عليه فنفاها الإمام بحجّة انّها للعالم لا للجاهل، و ليس لقوله: «أي رجل ركب ...» مطلق الجاهل الذي ترك الفريضة و أبطلها، كما لا يخفى.

و أمّا الفرع الرابع فهو ما يلي ضمن أمرين:

1. لا فرق بين المكره و غيره لو أكره على الإفطار فأفطر مباشرة فرارا عن الضرر المترتب على ترك ما أكره عليه، بطل صومه، و ذلك لإطلاق أدلّة المفطرات، و لا وجه لانصرافها عن الإفطار عن إكراه بعد كونه فعلا اختياريا و إن لم يكن بطيب النفس عليه.

و يؤيده ما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) بطرق متعددة: «إفطاري يوما و قضاؤه‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 10، الباب 45 من أبواب تروك الاحرام من كتاب الحج، الحديث 3.

(2). الجواهر: 18/ 234.

260

..........

____________

أيسر عليّ من أن يضرب عنقي و لا يعبد اللّه». (1)

يلاحظ عليه: بما ذكرنا سابقا من نظائر المقام، و هو انّه إذا قلنا بالإجزاء في مورد امتثال أمر المولى بالأمر الظاهري أو الواقعي الثانوي، كالتقية و الإكراه و الاضطرار، أو أصل البراءة عند الجهل، يكون الإجزاء موافقا للقاعدة، فإذا أفطر في جزء من الزمان و أمسك الباقي، يكون أشبه بمن ترك جزء الصلاة، جهلا أو نسيانا أو اضطرارا و قد امتثل أمر المولى في عامة الزمان، إلّا في جزء خاص، فإذا كان الإفطار مرفوعا، و كان الإفطار كلا إفطار، صحّ صومه، و لو لا ظهور الاتفاق على القضاء و ما عرفت من المرسلة لكان القول بعدم القضاء أوجه.

و الظاهر من الشيخ الطوسي صحّة الصوم و عدم وجوب القضاء و الكفارة قال: من أكره على الإفطار لم يفطر، و لم يلزمه شي‌ء، سواء كان إكراه قهر، أو إكراه على أن يفعل باختياره.

و قال الشافعي: إن أكره إكراه قهر مثل أن يصبّ الماء في حلقه لم يفطر، و إن أكره حتى أكل بنفسه فعلى قولين.

ثمّ استدل بحديث الرفع. (2)

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي استقرب البطلان بالبيان التالي: إنّ الأمر بالصوم قد تعلّق بمجموع التروك من أوّل الفجر إلى الغروب، و ليس كلّ واحد من هذه التروك متعلّقا لأمر استقلالي، بل الجميع تابع للأمر النفسي الوجداني المتعلّق بالمركب، فإذا تعلّق الإكراه بواحد من تلك الأجزاء، فمعنى رفع الأمر به، رفع الأمر النفسي المتعلّق بالمجموع المركب، لعدم تمكنه حينئذ من امتثال الأمر بالاجتناب عن‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.

(2). الخلاف: 2/ 195، كتاب الصوم، المسألة 46.

261

..........

____________

مجموع هذه الأمور، فإذا سقط ذلك الأمر، بحديث الرفع، فتعلّق الأمر حينئذ بغيره يحتاج إلى الدليل. (1)

و من المعلوم أنّ حديث الرفع شأنه الرفع لا الوضع. فهو لا يتكفّل لنفي المفطرية عن الفعل الصادر عن إكراه لينتج كون الباقي مأمورا به و مجزيا.

يلاحظ عليه: أنّه ليس للأوامر الضمنية واقعية سوى انبساط الأمر الوحداني على الأجزاء من خلال تعلّقه بالعنوان الذي هو نفس الأجزاء في ثوب الوحدة، كما أنّ الأجزاء عبارة عن نفس العنوان في مرآة الكثرة. و على ذلك فليس تعلّق الأمر النفسي بكلّ جزء رهن تعلّقه بالجزء الآخر و إلّا يكون من قبيل الواجب بشرط شي‌ء، و هو خلاف المفروض، بل الواجب كلّ جزء من الأجزاء في حال وجوب الجزء الآخر.

فلو دلّ الدليل على سقوط الأمر عن جزء خاص، فلا يكون دليلا على سقوطه عن الجزء الآخر.

و يظهر ذلك بما ذكرناه في محلّه من أنّ دعوة الأمر إلى كلّ جزء بنفس دعوته إلى الكل، لا بدعوة خاصة و انّ الإتيان بكلّ جزء، امتثال للأمر النفسي، لا للأمر الضمني الموهوم، و بما انّ ماهية المأمور به أمر تدريجي، يكون امتثاله أيضا تدريجيا.

2. الإيجار في حلقه لو أجر في حلقه من غير مباشرة لم يبطل لعدم صدق الإفطار عن اختيار.

____________

(1). مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم: 1/ 258.

262

[المسألة 1: إذا أكل ناسيا فظنّ فساد صومه فأفطر عامدا بطل صومه]

المسألة 1: إذا أكل ناسيا فظنّ فساد صومه فأفطر عامدا بطل صومه، و كذا لو أكل بتخيّل أنّ صومه مندوب يجوز إبطاله فذكر أنّه واجب. (1)

____________

(1) قال الشيخ: إذا أكل ناسيا فاعتقد انّه أفطر، فجامع، وجب عليه الكفارة.

و قال الشافعي في الأمّ: لا كفارة عليه.

دليلنا: انّه وطء في صوم صحيح في شهر رمضان يجب أن تلزمه الكفارة لدخوله تحت عموم الأخبار الواردة في هذا المعنى. (1)

أقول: المسألة مزيجة من النسيان و الجهل، و قد تقدم انّ الإفطار في صورة النسيان، لا يبطل كما أنّه في صورة الجهل بالحكم يبطل، فيقع الكلام فيما إذا اجتمع النسيان مع الجهل، كما إذا أكل ناسيا، فظن فساد صومه- جهلا- فأفطر عامدا. فهو ملحق بالجاهل، لأنّ الإفطار الأوّل و إن كان مستندا إلى النسيان، لكن الثاني مستند إلى الجهل بالحكم حيث زعم فساد صومه، فأفطر مع أنّ صومه كان صحيحا و كان عليه الإمساك إلى الليل، فيشمله حكم الجاهل من لزوم القضاء.

نعم هنا فرق بين المقام و ما تقدم من الجاهل بالحكم، حيث إنّ الثاني يعتقد بكونه صائما و يجهل بكون الارتماس مثلا مفطّرا، بخلاف المقام حيث يعتقد فيه بأنّه غير صائم، و يعلم أنّ ما يتناوله- لو كان صائما- مفطر.

و لكن هذا المقدار من التفاوت لا يؤثر في الحكم، فكلّ واحد تناول المفطر بزعم انّه حلال، غير انّ المبدأ لارتكابه يكون تارة الجهل بكونه مفطرا، و أخرى الجهل بحكم صومه الذي أفطره نسيانا، فمقتضى إطلاقات أدلة المفطرات هو بطلان صومه و عليه القضاء.

ثمّ إنّ السيد الحكيم (قدّس سرّه) حاول إبداء الفرق بين الصورتين، و قال بأنّه لو قلنا‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 190، كتاب الصوم، المسألة 39.

263

[المسألة 2: إذا أفطر تقيّة من ظالم بطل صومه]

المسألة 2: إذا أفطر تقيّة من ظالم بطل صومه. (1)

____________

بدخول الصورة الأولى تحت موثقة زرارة أو صحيحة عبد الصمد، فلا وجه لإدخال الثانية تحتهما، و حاول السيد الخوئي مساواتهما أمامهما و انّ الفرق غير فارق.

و نحن في غنى عن الأمرين لما عرفت من أنّهما غير ناظرين إلى سقوط القضاء عن الجاهل بالحكم، بل تدلّان على نفي الكفارة عنه.

ثمّ إنّ لفظة «فظن» في عبارة المصنّف بمعنى الاطمئنان و العلم العرفي، و إن شئت قلت: بمعنى «اعتقد»، و إلّا فلو كان بمعنى الظن المقابل لليقين يكون البطلان واضحا غير محتاج إلى البحث لصدق التعمد بخلاف صورة القطع، إذ يكون للبحث فيه مجال.

(1) التقيّة من ظالم في شهر رمضان يتصور على وجهين:

1. التقيّة في كيفية الصيام بإتيان ما لا يرونه مفطرا كالإفطار قبل ذهاب الحمرة و الارتماس في الماء، كلّ ذلك تقية.

2. التقية في ترك الصوم كالإفطار يوم العيد.

هل يبطل الصوم في كلتا الصورتين اعتمادا على أدلّة القضاء، أو يصحّ مطلقا اعتمادا على نصوص مشروعية التقية، أو يفصل بينهما بالصحّة في الأولى و البطلان في الثانية، كما هو المحكيّ عن نجاة العباد من الإجزاء إذا تناول ما ليس مفطرا عندهم، أو أفطر قبل الغروب تقية، و وجوب القضاء فيما لو أفطر بما هو مفطر عندهم، وجوه ثلاثة:

و المهم دراسة أدلّة التقية، و مقدار دلالتها على الإجزاء.

264

..........

____________

و حاصل الفرق انّه لو صام على طريقتهم كما إذا اجتنب عن الأكل و الشرب و الجماع و لم يجتنب عن الارتماس، فهو جدير بالبحث، و انّ أدلّة التقية هل تتكفل بإضفاء الصحّة على العمل؟ و أمّا لو أفطر بشي‌ء اتّفق الفريقان على كونه مفطّرا كالأكل في آخر شهر رمضان و قد حكم حاكم الجور بكونه يوم الفطر و كانت المخالفة مظنة الضرر، فلا موضوع للبحث عن الإجزاء، لأنّه لم يصم و لم يأت بعمل عبادي، حتى يقوم الناقص مكان الكامل، نظير ما إذا لم يصلّ تقية من الكافر.

أقول: قد تقدم الكلام في المكره من أنّه إذا صام طول النهار و أكره على الأكل في فترة منه، فقد قلنا بقيام العمل الناقص مكان الكامل، و ليس هذا مثل ما إذا لم يأت بعمل بتاتا و في المقام، لو أفطر بمقدار ارتفعت به التقية، و صام إلى الليل، فيقع البحث في إقامة العمل الناقص مكان الكامل.

و على كلّ تقدير فسواء أ كان البحث مركزا على القسم الأوّل أو عامّا يعم القسمين، يقع الكلام في مفاد أحاديث التقية.

أمّا صحّة العمل الجاري على وفق التقية، كما إذا فقد الشرط أو الجزاء و اقترن بالمانع فيدل عليه الروايات في الأبواب التالية، و نقتصر في كلّ باب برواية واحدة.

1. وجوب غسل الرجلين تقية عن داود بن زربي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الوضوء؟ فقال لي:

«توضأ ثلاثا، ثلاثا»، قال: ثمّ قال لي: «أ ليس تشهد بغداد و عساكرهم؟» قلت:

بلى، قال: فكنت يوما أتوضأ في دار المهدي، فرآني بعضهم و أنا لا أعلم به.

فقال: كذب من زعم أنّك فلاني و أنت تتوضأ هذا الوضوء قال: فقلت: لهذا و اللّه أمرني. (1)

____________

(1). الوسائل: الجزء 1، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث 1. و لاحظ الحديث 2 و 3 و 4.

265

..........

____________

2. جواز الصلاة خلف المخالف تقية روى حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه قال: «من صلّى معهم في الصفّ الأوّل، كان كمن صلّى خلف رسول اللّه في الصفّ الأوّل». (1)

روى عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: إنّي أدخل المسجد و قد صلّيت، فأصلّي معهم فلا احتسب بتلك الصلاة؟ قال: «لا بأس، و أمّا أنا فأصلّي معهم و أريهم أنّي أسجد و ما أسجد». (2)

عن سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الإمام و قد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: «إن كان إماما عدلا فليصلّ أخرى، و ينصرف، و يجعلهما تطوّعا، و ليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، و إن لم يكن إمام عدل، فليبن على صلاته كما هو، و يصلّي ركعة أخرى و يجلس قدر ما يقول: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، ثمّ ليتمّ صلاته معه على ما استطاع، فانّ التقية واسعة». (3)

3. الاتّباع في الفطر و الأضحى روى أبو الجارود قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) انّا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى، فلمّا دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) و كان بعض أصحابنا يضحّي فقال: «الفطر يوم يفطر الناس، و الأضحى يوم يضحّي الناس، و الصوم‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1. و لاحظ: الحديث: 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10.

(2). الوسائل: الجزء 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 8 و غيره.

(3). الوسائل: الجزء 5، الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.

266

..........

____________

يوم يصوم الناس». (1)

نعم القدر المتيقن من الرواية هو عدم تبيين الخلاف بقرينة قوله: إنّا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى، و لا يعمّ العلم بالخلاف، لكن في سائر الروايات و ما يأتي غنى و كفاية.

هذا بعض ما ورد من الروايات الواردة في أبواب خاصة.

ثمّ إنّ هنا روايات، يستفاد منها مضيّ كلّ عمل أتى به المكلّف عن تقية:

1. روى الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر انّه يقول: «التقية في كلّ شي‌ء يضطر إليه ابن آدم، فقد أحلّه اللّه له». (2) و السند ينتهي إلى الأكابر من أصحاب الإمام أبي جعفر (عليه السلام)، كإسماعيل بن جابر الجعفي الذي وثّقه الشيخ و العلّامة، و معمر بن يحيى بن سالم- كما في نسخة الوسائل، أو ابن سام كما في نسخة رجال النجاشي، أو مسافر كما في رجال ابن داود و قال: كذا رأيته بخط الشيخ أبي جعفر (رحمه اللّه) عرّفه النجاشي بقوله: كوفي عربي، صميم، ثقة متقدم- و محمد بن مسلم و زرارة.

و المراد من قوله: «أحلّه اللّه» هو الحلية الوضعية مثل قوله سبحانه: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا. (3) فإذا كان نافذا، وضعا يكون حلالا شرعا و معنى تنفيذه انّه يترتب عليه آثار الصحة و سقوط القضاء و الإعادة.

و ليس المراد مجرّد الحلية التكليفية، فقط إذ لم تكن الحلية به بهذا المعنى أمرا خفيا على شيعتهم إذا عملوا بالتقية و أعادوا العمل في الوقت أو خارجه، و إنّما‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 7.

(2). الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، الحديث 2.

(3). البقرة: 275.

267

..........

____________

الخفي هو قيام ذلك العمل الموافق لمذهب المخالف، مكان العمل الموافق للمذهب الحقّ.

و قد روى الكليني عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): «التقية في كلّ ضرورة و صاحبها أعلم بها حين تنزل به». (1)

و روى البرقي في المحاسن عن معمر (2) بن يحيى بن سالم، عن أبي جعفر (عليه السلام): «التقية في كلّ ضرورة». (3) و المجموع رواية واحدة لاتحاد المروي عنه راويا و إماما، و قد نقلت الأخيرتان غير كاملتين و إذا دار الأمر بين النقيصة و الزيادة السهويين، فالنقيصة أولى، لكثرة النقيصة السهوية و ندرة الزيادة كذلك.

2. روى الكليني بسند صحيح عن هارون بن مسلم السرمن‌رائي الثقة، عن مسعدة بن صدقة- الزيدي البتريّ الذي يقول في حقّه العلّامة المامقاني: و الإنصاف انّ الرجل ثقة- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث طويل: «فكلّ شي‌ء يعمل المؤمن، بينهم لمكان التقية مما لا يؤدّي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز». 4

و طريق الاستدلال واحد.

ثمّ إنّ هناك طريقا آخر لإثبات إجزاء العمل الصادر عن تقية، و هو انّ الروايات الكثيرة الهائلة الباعثة إلى العمل بالتقية في كلّ شئون الدين على نحو يقول الإمام: «لا دين لمن لا تقيه له». 5 تدل بالملازمة العادية على أنّ الشارع اكتفى في امتثال أوامره و نواهيه في ظروف الاضطرار و الخوف على النفس و العرض‌

____________

(1) 1 و 3 و 4. الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 1، 8، 6.

(2). و في الوسائل المطبوع عمر مكان معمر و هو تصحيف.

(3) 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

268

..........

____________

و المال، بأداء العمل على النهج المألوف بين أهل الخلاف، إذ لو كان العمل غير مجز كان عليه التصريح بلزوم الإعادة و القضاء و لو مرّة واحدة مع أنّك لا تجد بين هذه الروايات الكثيرة التي يبلغ عددها إلى أربع و خمسين رواية (1) ما يدلّ على لزوم الإعادة و القضاء، و قد قلنا في مبحث الإجزاء من علم الأصول انّ في الأمر بالعمل بالأمارة في الأجزاء و الشرائط و الموانع، دلالة واضحة على أنّ الشارع اكتفى في امتثال سننه و فرائضه و مكروهاته و محظوراته على ما يصل إلى المكلّف من خلال الأمارة و سائر الحجج الشرعية، و القول بعدم الإجزاء في مورد التقية مطلقا أو الاقتصار في القول بالاجتزاء بباب الطهارة و الصلاة، كما عليه السيد المحقّق الخوئي في مستند العروة، كأنّه في غير محلّه.

ثمّ إنّ السيد الحكيم (قدّس سرّه) استدل برواية لا دلالة لها على الإجزاء قال: ظاهر جملة من النصوص الواردة في الأمر بالتقية: صحّة العمل الجاري على طبق التقية و إن وجد مانعا أو فقد شرطا أو جزءا، مثل المصحح عن أبي عمر الأعجمي: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): «يا أبا عمر انّ تسعة أعشار الدين التقية. و لا دين لمن لا تقية له. و التقية في كلّ شي‌ء، إلّا في النبيذ، و المسح على الخفين». (2) فانّ استثناء المسح على الخفين يقتضي شمول المستثنى منه للحكم الوضعي، و مصحح زرارة: «قلت له: في مسح الخفين تقية؟ فقال (عليه السلام): «ثلاثة لا أتّقي فيهن أحدا: شرب المسكر، و مسح الخفين، و متعة الحجّ» (3). (4)

و أورد عليه السيد الخوئي (قدّس سرّه) بأنّ الرواية قاصرة الدلالة، فإنّ الاستثناء في‌

____________

(1). جامع أحاديث الشيعة، الجزء 14، الباب 1 من أبواب وجوب التقية، و لاحظ سائر الأبواب.

(2). الوسائل: الجزء 11، الباب 24 من أبواب الأمر و النهي، الحديث 3؛ و الباب 25 من هذه الأبواب، الحديث 3.

(3). الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب الأمر و النهي، الحديث 5.

(4). مستمسك العروة الوثقى: 8/ 320.

269

[المسألة 3: إذا كانت اللقمة في فمه و أراد بلعها لنسيان الصوم فتذكّر]

المسألة 3: إذا كانت اللقمة في فمه و أراد بلعها لنسيان الصوم فتذكّر وجب إخراجها، و إن بلعها مع إمكان إلقائها بطل صومه، بل تجب الكفّارة

____________

قوله: «التقية في كلّ شي‌ء إلا ...» استثناء عما ثبت، و الذي ثبت، هو الوجوب بقرينة: «انّ من لا تقية له لا دين له» و يكون معنى الرواية انّ التقية واجبة إلّا في هذه الثلاثة و أين هذا من الدلالة على الاجزاء. (1)

و الظاهر انّ الرواية قاصرة الدلالة من جهة أخرى، و هي انّها بصدد حدّ التقيّة في الإفتاء، و انّه يجب الإفتاء بالتقية في عامة المسائل إلّا في هذه المسائل الثلاث، و لذلك قال الإمام في الرواية الثانية: «ثلاثة لا اتّقي فيهن أحدا» و ليست في مقام بيان حدّ التقية في العمل في مقام العمل، و لعلّ عدم اتقائه فيها في مقام الإفتاء هو كونها من المسائل المختلف فيها و ليس للمخالفين فيها رأي واحد.

و بذلك تعلم صحّة العمل الجاري على وجه التقية من غير فرق بين الأجزاء و الشرائط، و غيرهما كما إذا أفطر يوم فطرهم عن تقية و أمسك عنه إلى المغرب، فهو محكوم بالصحّة و الإجزاء، لأنّ الصوم عمل مستمر من الفجر إلى المغرب و قد ابتلى بالتقية في جزء من النهار و اقتصر بالمقدار الذي يرتفع به التقية، و لكنّه صام تمام النهار فهو من مصاديق قوله: كلّما اضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه له و أنفده.

و أمّا ما ورد من قوله: «إفطاري يوما و قضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي و لا يعبد اللّه». (2) فقد تقدّم انّه ورد في رواية واحدة و هي مرسلة لا يحتج بها و لم يرد في سائر الروايات.

____________

(1). مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم: 1/ 265.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.

270

أيضا، و كذا لو كان مشغولا بالأكل فتبيّن طلوع الفجر. (1)

[المسألة 4: إذا دخل الذباب أو البقّ أو الدخان الغليظ أو الغبار في حلقه من غير اختياره لم يبطل صومه]

المسألة 4: إذا دخل الذباب أو البقّ أو الدخان الغليظ أو الغبار في حلقه من غير اختياره لم يبطل صومه، و إن أمكن إخراجه وجب و لو وصل إلى مخرج الخاء. (2)

[المسألة 5: إذا غلب على الصائم العطش بحيث خاف من الهلاك يجوز له أن يشرب الماء مقتصرا على مقدار الضرورة]

المسألة 5: إذا غلب على الصائم العطش بحيث خاف من الهلاك يجوز له أن يشرب الماء مقتصرا على مقدار الضرورة، و لكن يفسد صومه بذلك، و يجب عليه الإمساك بقيّة النهار إذا كان في شهر رمضان، و أمّا في غيره من الواجب الموسّع و المعيّن فلا يجب الإمساك، و إن كان أحوط في الواجب المعيّن. (3)

____________

(1) قد تبين ممّا سبق حكم هذه المسألة، و قد مضى الفرق بين الأكل بعد الفحص عن طلوع الفجر و الأكل بدونه و انّ القضاء يختص بالأوّل دون الثاني.

(2) تقدم الكلام فيه و انّه لو دخل الجوف و إن أمكن إخراجه، فلا دليل على وجوب إخراجه لعدم صدق الأكل عندئذ كما لا دليل على حرمة بلعه مع قطع النظر عن الصوم.

(3) فيه فروع:

1. إذا غلب على الصائم العطش بحيث خاف من الهلاك، قال المصنّف:

يجوز له أن يشرب، بل يجب للزوم صيانة النفس عن الهلاك، و لعلّ التعبير بالجواز، لدفع توهم الحظر، و مثله إذا كان حرجا أو خاف ضررا فيجوز الشرب لدليل نفي الحرج، و الضرر على القول بأنّ المراد منهما عدم جعل حكم ضرري أو حرجيّ، كما‌

271

..........

____________

هو الظاهر في الثاني دون الأوّل.

2. يقتصر على مقدار الضرورة، لأنّها تتقدّر بقدرها، و هو مقتضى موثقة عمار، (1) و خبر المفضّل. 2

ففي الأوّل في الرجل يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه؟ قال (عليه السلام):

«يشرب بقدر ما يمسك رمقه، و لا يشرب حتى يروي». و في نسخه الوسائل:

«العطاش» و لكنّه تصحيف، سواء أ كان بكسر الفاء فهو جمع العطشان، و لا يصحّ اسناد الإصابة إليه أو بضمها، فهو داء يصيب الإنسان فيشرب الماء و لا يروى و المفروض انّه يروي، و هذا يكشف عن كون النسخة غلطا، و الصحيح: العطش كما في التهذيب، 3 و عليه عنوان الباب في الوسائل.

3. يفسد صومه بذلك قيل لاستعمال المفطّر اختيارا و أدلّة رفع الاضطرار لا تدل على صحة الصوم، لأنّها إنّما ترفع الحكم التكليفي، فغايته جواز الشرب الذي كان محرما في نفسه، و أمّا صحّة الصوم ليجزي بالإمساك عن الباقي، فلا دليل عليها.

يلاحظ عليه بأمرين: أ. الملازمة العرفية بين تجويز الإفطار بمقدار الضرورة، و صحّة صومه و قد مرّ نظيره.

ب. انّ الصحّة مقتضى إطلاق دليل الفريضة، حيث ينطبق عليه عنوان الصوم، نظير الإفطار عن نسيان أو تقيّة كما مرّ، و يؤيّد ذلك سكوت الإمام عن‌

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 2.

(2) 3. التهذيب: 4/ 240، باب العاجز عن الصيام، الحديث 9.

272

[المسألة 6: لا يجوز للصائم أن يذهب إلى المكان الذي يعلم اضطراره فيه إلى الإفطار بإكراه أو إيجار في حلقه أو نحو ذلك]

المسألة 6: لا يجوز للصائم أن يذهب إلى المكان الذي يعلم اضطراره فيه إلى الإفطار بإكراه أو إيجار في حلقه أو نحو ذلك، و يبطل صومه لو ذهب و صار مضطرّا، و لو كان بنحو الإيجار بل لا يبعد بطلانه بمجرّد القصد إلى ذلك فإنّه كالقصد للإفطار. (1)

____________

القضاء، و احتمال أنّ سكوته لأجل كون المخاطب عارفا به، أوّلا، لأنّه لم يكن في مقام البيان، كما ترى.

4. يجب عليه الإمساك بقية النهار: تدل عليه الموثقة الماضية، و من المعلوم عدم الفرق بين النهي عن الارتواء و سائر المفطرات، و قد مرّ الإمساك التأدبي فيمن أفطر يوم الشك من رمضان ثمّ تبين انّه من رمضان.

5. هل يختص الإمساك بشهر رمضان كما هو المتبادر من الموثقة، أو يعمّ الواجب المعيّن؟ فعلى ما سلكناه من الصحّة لا كلام في وجوب الإمساك في الصيام المعيّن، و على القول ببطلانه فلا دليل على وجوبه في غير رمضان، لأنّ الموثقة و خبر مفضل منصرفة إلى شهر رمضان، بشهادة أنّه يقول: إنّ لنا فتيات و شبّان لا يقدرون على الصيام. و مثله الموثقة، فهي إمّا منصرفة، أو مهملة من هذه الجهة، فلا يمكن التمسك بإطلاقها.

(1) لا يجوز للصائم أن يذهب إلى المكان الذي يعلم أنّه يكره على الإفطار بإيعاد فيختار الإفطار دفعا للضرر، لصدق الاختيار و الإفطار عن عمد، لما عرفت من أنّ الفعل الصادر عن إكراه من مصاديق الاختيار.

و مثله ما لو اضطر إلى الإفطار، مثلا يعلم أنّه إن يذهب إلى مكان يغلب عليه العطش على نحو لو لم يشرب الماء لهلك.

273

..........

____________

بل يمكن أن يقال إنّه بمجرد القصد إلى الذهاب يبطل صومه، لكونه ناويا للقاطع، هذا مما لا سترة عليه.

إنّما الكلام فيما إذا ذهب إلى مكان يعلم أنّه يضطر إلى الإفطار بنحو الايجار، فلا شكّ أنّه لو ذهب و أوجر، يكون صومه باطلا، لأنّ الايجار و إن كان فعلا غير اختياري لكنّه بالنسبة إلى مقدماته اختياري بوسعه أن لا يذهب.

هل يبطل صومه هذا بمجرّد القصد إلى ذلك، أو لا؟ مال السيد الحكيم إلى الوجه الثاني، قائلا بأنّه غير مفطّر نظير الاحتلام، لأنّه مفعول به، فالعمد إليه ليس عمدا إلى المفطّر حتى يكون حراما، فالعمد إليه بالذهاب ليس عمدا إلى الحرام كما إذا علم أنّه إذا نام يحتلم، أو إذا أكل في الليل شيئا احتلم. (1)

يلاحظ عليه أوّلا: لا نسلّم أنّ الإيجار على وجه الإطلاق غير مفطر و إنّما هو كذلك إذا لم يكن اختياريا و لو باختيار ما ينتهي إليه من المقدمة، و أمّا معه فهو فعل اختياري تسبيبيّ و مفطّر قطعا.

و ثانيا: وجود الفرق بين الاحتلام و الايجار، بأنّ الاحتلام ليس من المفطرات، و إنّما المفطر هو الجماع، أو الاستمناء أو البقاء على الجنابة، فلا يكون شرب الدواء حراما و إن انتهى إلى الاحتلام، و هذا بخلاف الأكل و الشرب فانّهما من المفطرات إذا صدرا عن اختيار، و مناطه كون الفعل أعمّ من أن يكون بنفسه أو مقدماته اختياريا.

____________

(1). المستمسك: 8/ 325.

274

[المسألة 7: إذا نسي فجامع لم يبطل صومه، و إن تذكّر في الأثناء وجب المبادرة إلى الإخراج]

المسألة 7: إذا نسي فجامع لم يبطل صومه، و إن تذكّر في الأثناء وجب المبادرة إلى الإخراج، و إلّا وجب عليه القضاء و الكفّارة. (1)

____________

(1) مرّ الكلام فيها في الفصل الثاني، من كتابنا هذا في المسألة 12 فلاحظ.

275

[الفصل الرابع فيما لا يفسد الصوم]

الفصل الرابع فيما لا يفسد الصوم لا بأس للصائم بمصّ الخاتم أو الحصى، و لا بمضع الطعام للصبيّ، و لا بزقّ الطائر، و لا بذوق المرق و نحو ذلك ممّا لا يتعدّى إلى الحلق، و لا يبطل صومه إذا اتّفق التعدّي إذا كان من غير قصد و لا علم بأنّه يتعدّى قهرا أو نسيانا أمّا مع العلم بذلك من الأوّل فيدخل في الإفطار العمديّ. (1)

____________

(1) ذكر في هذا الفصل أمورا ربما يتوهم كونها ممنوعة على الصائم و ليس بممنوع، لعدم كونها من المفطّرات التي أهمّها الأكل و الشرب، فليس مصّ الخاتم أو الحصى، و لا مضغ الطعام للصبي، و لا زقّ الطائر، أو ذوق المرق، مضافا إلى ورود روايات خاصة في الموضوع. (1)

كما تضافرت الروايات على ذوق المرق. (2) لكن في رواية سعيد الأعرج (3) النهي عنه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصائم أ يذوق الشي‌ء و لا يبلعه قال:

«لا» و هو محمول على الكراهة، بقرينة ما دلّ على الجواز.

و إنّما يجوز إذا لم يعلم بأنّه يتعدّى إلى الحلق، سواء علم بالعدم أو احتمل، و أمّا مع العلم به، فيبطل لدخوله في الإفطار العمدي.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 38 و 40 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 3، 5، 6.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

276

و كذا لا بأس بمضغ العلك و لا ببلع ريقه بعده و إن وجد له طعما فيه ما لم يكن ذلك بتفتّت أجزاء منه بل كان لأجل المجاورة، و كذا لا بأس بجلوسه في الماء ما لم يرتمس رجلا كان أو امرأة و إن كان يكره لها ذلك، و لا ببلّ الثوب و وضعه على الجسد و لا بالسواك باليابس بل بالرطب أيضا، لكن إذا أخرج المسواك من فمه لا يردّه و عليه رطوبة و إلّا كانت كالرطوبة الخارجيّة لا يجوز بلعها إلّا بعد الاستهلاك في الريق، و كذا لا بأس بمصّ لسان الصبيّ أو الزوجة إذا لم يكن عليه رطوبة، و لا بتقبيلها أو ضمّها أو نحو ذلك. (1)

____________

(1) ذكر فيه فروعا لا بأس للصائم بها:

1. مضع العلك و بلع ريقه.

العلك- بكسر العين و سكون اللام- كلّ صمغ يعلك و يمضغ و يلاك، و هي ثمرة الشجرة، أمّا مضغها بلا بلع ريقها فجوازه مقتضى القاعدة، إنّما الكلام في مضغها مع بلع ريقه و تفتّت أجزائه.

ففي صحيحة ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «إيّاك أن تمضغ علكا، فإنّي مضغت اليوم علكا و أنا صائم فوجدت في نفسي منه شيئا». (1)

و في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: الصائم يمضغ العلك؟ قال: «لا». 2

و في خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الصائم يمضغ العلك؟ قال: «نعم إن شاء». 3

و على كلّ تقدير: عمل الإمام دليل على الجواز، و انّ تحذير ابن مسلم لغاية خاصة، و هي أحد أمرين:

____________

(1) 1، 2، 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و 2 و 3.

277

..........

____________

1. بلع الريق الممتزج بطعمه لأجل المجاورة.

2. بلع الريق بتفتت أجزائه و استهلاكه فيه.

و هل النهي لغاية الاحتراز عن كلا الأمرين، أو لخصوص الأمر الثاني؟ و بما أنّ النهي لأجل الأمرين يلازم غالبا النهي عن مضغه بتاتا، يتعين الثاني و لا يمكن أن يحمل النهي في صحيحة ابن مسلم على الكراهة، لمنافاة وروده بصيغة التحذر يقول ابن مالك:

إيّاك و الشر و نحوه نصب * * *محذّر، بما استتاره وجب

أي بعّد نفسك عن مصغ العلك.

و أمّا العلك الرائج اليوم باسم «ادامس» فبما انّ تركيبه غير متبيّن لنا، فالحكم بالجواز يحتاج إلى دراسة تركيبه، و لعلّ أجزاؤه تتفتّت شيئا فشيئا في أوائل المضغ و يورث البطلان.

2. الجلوس في الماء لا بأس بجلوس الرجل في الماء ما لم يرتمس. إنّما الكلام في المرأة، فقد ورد النهي عن جلوسها في رواية حنّان بن سدير (1)، و لأجله اختلفت كلمة الفقهاء.

قال الشيخ: يكره للمرأة الجلوس في الماء إلى وسطها. و قال المفيد: و لا تقعد المرأة إذا كانت صائمة في الماء، فإنّها تحمله بقبلها. و قال أبو الصلاح: يجب به القضاء خاصّة. و قال ابن البراج: يجب به القضاء و الكفارة معا، إذا تعمّدت.

و المعتمد الأوّل. (2)

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6.

(2). مختلف الشيعة: 3/ 420.

278

..........

____________

و حنان بن سدير واقفي ثقة، و لكن الرواية محمولة على الكراهة، و لو كان جلوسها فيه من المفطرات لبان حكمها لكثرة الابتلاء.

و أمّا حملها الماء فليس فيه بعد، بعد ضغط الماء، و ربما تحمل المرأة النطفة عن طريق جذبها، و لو شدّت فرجها بشي‌ء مانعة عن حمل الماء، ربّما ارتفعت الكراهة.

3. بلّ الثوب و وضعه على الجسد لا بأس ببلّ الثوب و وضعه على الجسد. و يدل عليه صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الصائم يستنقع في الماء، و يصبّ على رأسه، و يتبرّد بالثوب». (1) و المقصود بلّ الثوب بالماء، و ما دلّ على المنع يحمل على الكراهة، نظير خبر عبد اللّه بن سنان، 2 و الحسن الصيقل، 3 و الحسن بن راشد، 4 لما ذكرنا من أنّه لو كان مفسدا لبان بين الأصحاب، و عموم الحصر في صحيحة محمد بن مسلم: «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال، الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس». 5

4. السواك باليابس و الرطب قال الشيخ: لا بأس بالسواك في أوّل النهار و آخره، بالرطب و اليابس. و هو قول الصدوق ابن بابويه، و الشيخ المفيد، و قال ابن أبي عقيل: لا بأس بالسواك للصائم في أوّل النهار و آخره و لا يستاك بالعود الرطب. و الأقرب الأوّل. 6

____________

(1) 1، 2، 3، 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2، 3، 4، 5 و لاحظ 10.

(2) 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(3) 6. مختلف الشيعة: 3/ 426.

279

..........

____________

و قال في الخلاف: لا يكره السواك للصائم على كلّ حال. و به قال أبو حنيفة.

و قال الشافعي: يكره بعد الزوال و لا يكره قبله. (1)

و يدل عليه مضافا إلى ما دلّ على جواز السواك للصائم على وجه الإطلاق من غير تقييده باليابس، خصوص ما ورد في جوازه، من صحيحة الحلبي: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): أ يستاك الصائم بالماء و بالعود الرطب يجد طعمه؟ فقال: «لا بأس». (2) و يؤيده خبر الرازي 3 و الحسين بن علوان. 4 و بهذا يحمل ما دلّ على النهي على الكراهة.

5. إذا أخرج المسواك من فمه إذا أخرج المسواك من فمه لا يردّه و عليه رطوبة، و إلّا كانت كالرطوبة الخارجية لا يجوز بلعها، إلّا بعد الاستهلاك في الريق. و قد مرّ الكلام فيه.

6. مصّ لسان الصبي أو الزوجة لا بأس بمصّ لسان الصبي أو الزوجة إذا لم تكن عليه رطوبة، و كان عليه أن يضيف: و لا حدثت عليه الرطوبة بمصّه. و قد دلت الروايات 5 على جوازه، و ما ذكر من القيد أمر فرضي، و لعلّ الرطوبة القليلة غير المحسوسة لا تبطل، و بذلك يعلم حكم التقبيل أو الضم، و قد ورد النصّ على جوازه. 6

____________

(1). الخلاف: 2/ 220، كتاب الصوم، المسألة 82.

(2) 2، 3، 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3، 4، 14.

(3) 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 34 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3.

(4) 6. الوسائل: الجزء 7، الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 12.

280

[المسألة 1: إذا امتزج بريقه دم و استهلك فيه يجوز بلعه على الأقوى]

المسألة 1: إذا امتزج بريقه دم و استهلك فيه يجوز بلعه على الأقوى، و كذا غير الدم من المحرّمات و المحلّلات، و الظاهر عدم جواز تعمّد المزج و الاستهلاك بالبلع، سواء كان مثل الدم و نحوه من المحرّمات أو الماء و نحوه من المحلّلات، فما ذكرنا من الجواز إنّما هو إذا كان ذلك على وجه الاتّفاق. (1)

____________

(1) فصّل (قدّس سرّه) بين الاستهلاك القهري فيجوز بلعه، و الاستهلاك العمدي فلا يجوز، و أورد عليه السيد الحكيم (قدّس سرّه): انّ وجهه غير ظاهر، لأنّه إذا فرض جواز البلع بعد الاستهلاك كان المنع عن الاستهلاك غير ظاهر الوجه، لأنّه محتاج إلى دليل، و هو مفقود، و الأصل يقتضي الجواز. (1)

و أورد عليه بأنّه و إن لم يصدق عليه الأكل أو الشرب لفرض الاستهلاك، إلّا أنّ التكليف غير مقصور على المنع عن الأكل و الشرب، بل الصائم مكلف بمقتضى قوله: «لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال: الطعام، و الشراب، و النساء، و الارتماس» (2) بالاجتناب عن الطعام و الشراب، و معنى الاجتناب أن يكون على جانب منه و بعيدا عنه، و من الواضح أنّ المتعمّد المزبور غير مجتنب عن ذلك، فانّ من جعل الماء في فيه قطرة فقطرة فمزجه بريقه حتى استهلك فبلع و كذا السكر و نحوه ... يصحّ أن يقال عرفا: إنّه لم يجتنب عن الشراب و الطعام. (3)

____________

(1). مستمسك العروة الوثقى: 8/ 330.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(3). مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم: 1/ 280- 281.

281

[الفصل الخامس فيما يكره للصائم]

الفصل الخامس فيما يكره للصائم يكره للصائم أمور:

أحدها: مباشرة النساء لمسا و تقبيلا و ملاعبة خصوصا لمن تتحرّك شهوته بذلك، بشرط أن لا يقصد الإنزال، و لا كان من عادته و إلّا حرم إذا كان في الصوم الواجب المعيّن.

الثاني: الاكتحال بما فيه صبر أو مسك أو نحوهما ممّا يصل طعمه أو رائحته إلى الحلق، و كذا ذرّ مثل ذلك في العين.

الثالث: دخول الحمّام إذا خشي منه الضعف.

الرابع: إخراج دم المضعف بحجامة أو غيرها، و إذا علم بأدائه إلى الإغماء المبطل للصوم حرم، بل لا يبعد كراهة كلّ فعل يورث الضعف أو هيجان المرّة.

الخامس: السعوط مع عدم العلم بوصوله إلى الحلق، و إلّا فلا يجوز على الأقوى.

السادس: شمّ الرياحين خصوصا النرجس، و المراد بها كلّ نبت طيّب الريح.

282

السابع: بلّ الثوب على الجسد.

الثامن: جلوس المرأة في الماء، بل الأحوط لها تركه.

التاسع: الحقنة بالجامد.

العاشر: قلع الضرس بل مطلق إدماء الفم.

الحادي عشر: السواك بالعود الرطب.

الثاني عشر: المضمضة عبثا، و كذا إدخال شي‌ء آخر في الفم لا لغرض صحيح.

الثالث عشر: إنشاد الشعر و لا يبعد اختصاصه بغير المراثي، أو المشتمل على المطالب الحقّة من دون إغراق أو مدح الأئمّة (عليهم السلام) و إن كان يظهر من بعض الأخبار التعميم.

الرابع عشر: الجدال و المراء و أذى الخادم و المسارعة إلى الحلف و نحو ذلك من المحرّمات و المكروهات في غير حال الصوم فإنّه تشتدّ حرمتها أو كراهتها حاله. (1)

____________

(1) لأجل وضوح حكم هذه الفروع تركنا التعليق عليها.

283

[الفصل السادس فيما يوجب الكفّارة]

الفصل السادس فيما يوجب الكفّارة المفطرات المذكورة كما أنّها موجبة للقضاء كذلك توجب الكفّارة إذا كانت مع العمد و الاختيار من غير كره و لا إجبار، من غير فرق بين الجميع حتّى الارتماس و الكذب على اللّه و على رسوله، بل و الحقنة و القي‌ء على الأقوى نعم الأقوى عدم وجوبها في النوم الثاني من الجنب بعد الانتباه، بل و الثالث، و إن كان الأحوط فيها أيضا ذلك، خصوصا الثالث. (1)

____________

(1) أشار في المتن إلى الفروع التالية:

1. تجب الكفارة مع العمد و الاختيار، فأخرج صور الإكراه و الإجبار.

2. تجب الكفارة في عامة المفطرات.

3. عدم وجوبها في النوم الثاني بعد الانتباه، و الثالث و إن كان أحوط.

و إليك دراستها واحدا بعد الآخر.

1. وجوب الكفارة في صورة العمد تجب الكفارة في صورة العمد، لوروده في غير واحد من الروايات، و قد ورد غالبا في سؤال الراوي لا في جواب الإمام، نظير صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في رجل أفطر من شهر رمضان متعمّدا يوما واحدا من غير عذر،

284

..........

____________

قال: «يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا». (1)

نعم ورد في رواية المشرقي في كلام الإمام فعن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أفطر من شهر رمضان أياما متعمّدا، ما عليه من الكفارة؟ فكتب «من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة و يصوم يوما بدل يوم». (2) و المشرقي- و هو هشام بن إبراهيم العباسي- و إن كان لم يوثق (3) إلّا انّ الراوي عنه هو البزنطي، و هو مما لا يروي إلّا عن ثقة- كما ذكرناه في الكليات- و في المجموع من حيث المجموع غنى و كفاية، و ذلك لأنّ ورود القيد في كلام السائل يعرب عن كون المغروس في أذهانهم انّ الكفارة، للمتعمّد، دون غيره.

أضف إلى ذلك انّ ما لم يذكر فيه القيد منصرف إلى العمد، لأنّ الكفارة جريمة الذنب و لا ذنب في غير تلك الصورة.

ثمّ إنّ المراد من العمد، هو الفعل المقصود الصادر عن إرادة و اختيار و هو يشمل المكره، لأنّه فعل إرادي و اختياري، و إنّما يفقد طيب النفس، فخروجه عن وجوب الكفارة لأجل حديث الرفع و غيره، و القول بانصراف العمد إلى غير المكره موضع تأمل، و قد قلنا إنّ حديث الرفع رافع للكفارة و القضاء، و قد استدل الإمام بحديث الرفع، في رفع الأثر الوضعي كما في رواية البزنطي، عن أبي الحسن الثاني (عليه السلام) و الرجل يستكره على اليمين، فيحلف بالطلاق، و العتاق، و صدقة ما يملك، أ يلزمه ذلك؟ فقال: «لا. قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): وضع عن أمّتي ما أكرهوا عليه و ما لم‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1. و لاحظ الحديث 2، 4، 10، 13.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 11.

(3). قال النجاشي: هاشم بن إبراهيم العباسي الذي يقال له المشرقي روى عن الرضا، له كتاب يرويه جماعة. (رجال النجاشي برقم 1169). و ربما يقال انّ العباسي المسمّى ب‍ «هاشم» غير المشرقي المسمّى ب‍ «هشام» و قد وثّقه الكشي، و قال: إنّه ثقة ثقة. (لاحظ الموسوعة الرجالية: 2/ 310).

285

..........

____________

يطيقوا و ما أخطئوا». (1) فقد دلّ الحديث على عدم اختصاص الرفع بالحكم التكليفي، بل يرفع الحكم الوضعي، أعني: صحّة الطلاق، و صيرورة المال صدقة.

2. لزوم الكفارة في عامة المفطرات هل تجب الكفارة في عامة المفطرات، كما هو ظاهر الماتن أو لا؟

قال المحقّق في الشرائع: يجب مع القضاء، الكفّارة بسبعة أشياء:

1. الأكل، 2. الشرب، 3. الجماع، 4. تعمد البقاء على الجنابة، 5. الإصباح جنبا عمدا، 6. الاستمناء، 7. إيصال الغبار الغليظ.

و في الحقيقة خصّ الكفارة بالأكل و الشرب و الجنابة و بما انّه عمّم الأكل و الشرب للمعتاد و غيره فأدخل الغبار الغليظ تحت الأكل، و لم يوجبها من الارتماس، و لا من الكذب على اللّه و رسوله و الأئمّة (عليهم السلام)، و لا من الحقنة، و لا من القي‌ء، و لا من النومة الثالثة. (2)

و بما أنّه وردت الكفّارة في الموارد المذكورة في النصوص، اقتصر عليها، و أمّا من قال بهما في عامة المفطرات فقد استند إلى قاعدة مضروبة للكفارة في بعض الروايات (رواية المشرقي) و هو «انّ من أفطر في شهر رمضان متعمّدا فعليه عتق رقبة مؤمنة، و يصوم يوما بدل يوم». (3) و هذه القاعدة إذا ضمّت إلى صدق الصغرى في عامة الموارد ينتج وجوبها في الجميع.

و تصور أنّ الإفطار منصرف إلى الإفطار بالأكل و الشرب و الجماع، محجوج بوروده في القي‌ء و الكذب على اللّه في الأحاديث التالية:

____________

(1). الوسائل: الجزء 16، الباب 12 من أبواب الأيمان، الحديث 12.

(2). الجواهر: 16/ 264؛ مصباح الفقيه: 471.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 11.

286

..........

____________

1. «إذا تقيّأ الصائم فقد أفطر». (1)

2. «إن كان شي‌ء يكره نفسه عليه فقد أفطر». 2

3. «من تقيّأ متعمدا، و هو صائم فقد أفطر». 3

كما أنّه ورد في الكذب على اللّه و على رسوله و الأئمّة (عليهم السلام).

4. سألته عن رجل كذب في رمضان؟ فقال: «قد أفطر». 4

5. «الكذبة تنقض الوضوء و تفطر الصائم». 5

6. سأله عن رجل كذب في شهر رمضان؟ فقال: «فقد أفطر». 6

7. «انّ الكذب على اللّه و رسوله و على الأئمة يفطر الصائم». 7

8. «خمسة أشياء تفطر الصائم ... الارتماس في الماء، و الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمّة (عليهم السلام)». 8

9. «إنّ الكذبة لتفطر الصائم». 9

و يحتمل اختصاص الكفّارة بما ورد فيها التصريح بالكفّارة، و ذلك للوجوه التالية:

أ. انّ الضابطة وردت في رواية المشرقي الذي ترجمه النجاشي في رجاله و لم يذكر في حقّه شيئا و إن استظهرنا وثاقته من وجه آخر.

فإن قلت: قد ورد في أسئلة الرواة قولهم: رجل أفطر من شهر رمضان متعمدا؟

فأجيبوا بوجوب الكفارة عليهم، و هذه الروايات مبثوثة في الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم، و قد مرّ ذكرها عند البحث في شرطية التعمّد في وجوب‌

____________

(1) 1، 2، 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 5، 6.

(2) 4، 5، 6، 7. الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3، 4.

(3) 8، 9. الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6، 9.

287

..........

____________

القضاء؟

قلت: إنّ السائلين لم يكونوا في مقام البيان من هذه الجهة حتى يؤخذ بإطلاق كلامهم، و إنّما كانوا بصدد استفهام ما يجب على الإفطار العمدي، و أمّا ما هو المراد من الإفطار، فلعلّه كان منصرفا في ألسنتهم إلى الأكل و الشرب و الجماع، لما سيوافيك من أنّ الإفطار مأخوذ من الفطر و هو الشق، و هو كناية عن شق الفم الملازم للأكل و الشرب.

ب. لو افترضنا صحّة حديثه، لكنّه منصرف إلى الأكل و الشرب، و إنّما عطف عليهما، الجماع لأجل تضافر الروايات على الكفارة فيه- و ذلك لأنّه من «فطر» بمعنى شق، قال سبحانه: إِذَا السَّمٰاءُ انْفَطَرَتْ أي شقت.

قال في المقاييس: أصل صحيح يدل على فتح شي‌ء و إبرازه، و من ذلك الفطر من الصوم.

و قال في اللسان: الفطر: الشق، إلى أن قال: أخذ فطر الصائم لأنّه يفتح فاه.

و هذا يدل على أنّ إطلاق الفطر على الصائم يناسبه فتح فيه، فلا إطلاق للحديث، و تصور أنّ ملاك الإطلاق، شقّ نيته، بعيد عن الأذهان العرفية.

ج. انّ الإمام علل فساد الصوم بإيصال الغبار و لزوم الكفارة فيه، بقوله:

«فانّ ذلك له مفطر مثل الأكل و الشرب و النكاح» (1) و هذا يعرب عن كون الأصل هو الثلاثة.

د. علل عدم بطلان الصوم بالكحل في رواية محمد بن مسلم بقوله: «لا بأس به، لأنّه ليس بطعام و لا شراب». (2) و في رواية ابن أبي يعفور 3: «لا بأس به،

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(2) 2 و 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و 6.

288

و لا فرق أيضا في وجوبها بين العالم و الجاهل المقصّر و القاصر على الأحوط و إن كان الأقوى عدم وجوبها على الجاهل خصوصا القاصر و المقصّر غير الملتفت حين الإفطار، نعم إذا كان جاهلا بكون الشي‌ء مفطرا مع علمه بحرمته كما إذا لم يعلم أنّ الكذب على اللّه و رسوله من المفطرات فارتكبه حال الصوم فالظاهر لحوقه بالعالم في وجوب الكفّارة. (1)

____________

إنّه ليس بطعام و لا شراب».

و هذا يدل على أنّ الملاك، الطعام و الشراب مضافا إلى الجماع.

ه‍. عدم ورودها في لسان الصادقين، و لو كانت واجبة لما ترك التنصيص بها، مع كثرة الابتلاء، و الاعتماد فيها على مثل رواية المشرقي، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، مشكل.

و الأقوى عدم لزومها، إلّا فيما ورد النص فيه على لزوم الكفّارة.

3. عدم وجوب الكفّارة في النومة الثانية و الثالثة قد مضى الكلام فيه عند البحث عن المفطّرات.

(1) لا فرق بين العالم و الجاهل مقتضى الإطلاقات عدم الفرق بين العالم و الجاهل إلّا إذا كانت هناك قرينة على الانصراف، و هو ليس ببعيد في القاصر، لأنّ الكفارة تكفير للذنب المكتسب، و الجاهل القاصر معذور عقلا و شرعا، فلا ذنب له حتى يكفّر، نعم يجب عليه القضاء، لأنّه لجبر المصلحة الفائتة، و هو أمر مشترك بين العالم و الجاهل.

289

..........

____________

ثمّ إنّ الماتن احتمل خروج المقصر غير الملتفت حين الإفطار اعتمادا على موثق أبي بصير، و زرارة، قالا- جميعا- و سألنا أبا جعفر عن رجل أتى أهله في شهر رمضان و أتى أهله و هو محرم، و هو لا يرى إلّا انّ ذلك حلال له؟ قال: «ليس عليه شي‌ء». (1) و مراده من غير الملتفت هو الجاهل المركب.

يلاحظ عليه: أنّ الجهل بعدم مفطرية الجماع في شهر رمضان لا يتصور إلّا في حقّ الجاهل القاصر كالجهل بعدم مفطرية الأكل و الشرب، حتى أنّ الأعرابي الذي جاء إلى النبي و قال: هلكت و أهلكت و جامعت أهلي في شهر رمضان. كان عالما به، و الرواية ناظرة إلى الجاهل القاصر، دون المقصر، و المنفي هو الكفارة دون القضاء.

ثمّ لو قلنا بخروج المقصّر، و لكنّه مختص بما إذا كان معتقدا بحلّيته عليه حين الصوم، و أمّا إذا كان عالما بحرمته و إن كان جاهلا بمفطّريته كالكذب على اللّه و رسوله فارتكبه حال الصوم فهو ملحق بالعالم.

و يمكن أن يقال: إنّه لا وجه للاختصاص لاحتمال أن يكون المراد من قوله:

و هو لا يرى إلّا أنّ ذلك حلال له كونه غير مخلّ بالصوم، و هو موجود في هذا المورد أيضا، و ليس المراد كونه حلالا في نفسه كما لا يخفى كي يخرج هذا القسم من تحت الرواية.

نعم خروج المقصر، مورد تأمل و نظر، فكيف خروج هذا القسم عنه؟!

و قد مرّ عدم وجوب الكفارة في غير ما ورد الدليل فيه من غير فرق بين العالم و الجاهل، فالكذب على اللّه ليس فيه كفارة مطلقا.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 12.

290

[المسألة 1: تجب الكفّارة في أربعة أقسام من الصوم]

المسألة 1: تجب الكفّارة في أربعة أقسام من الصوم:

[الأوّل: صوم شهر رمضان]

الأوّل: صوم شهر رمضان و كفّارته مخيّرة بين العتق و صيام شهرين متتابعين و إطعام ستّين مسكينا على الأقوى، و إن كان الأحوط الترتيب فيختار العتق مع الإمكان، و مع العجز عنه فالصيام، و مع العجز عنه فالإطعام، و يجب الجمع بين الخصال إن كان الإفطار على محرّم كأكل المغصوب و شرب الخمر و الجماع المحرّم و نحو ذلك. (1)

____________

(1) فيها فرعان:

أ. كفارة صوم رمضان بالتخيير بين الأمور الثلاثة، و إن كان الأحوط الترتيب.

ب. يجب الجمع بين الخصال عند الإفطار بالحرام.

أ. كفارة صوم رمضان بالتخيير هل الكفّارة فيه مخيّرة أو مرتّبة؟ الأقوال مختلفة، لاختلاف الروايات.

قال الشيخ في الخلاف: كفارة من أفطر في شهر رمضان لأصحابنا فيه روايتان:

إحداهما: انّها على الترتيب، مثل كفارة الظهار. العتق أوّلا، ثمّ الصوم ثمّ الإطعام. و به قال أبو حنيفة و أصحابه، و الشافعي و الأوزاعى و الليث ابن سعد.

و الأخرى: انّه مخيّر فيها. و به قال مالك. (1)

و المشهور بين الأصحاب هو التخيير، ذهب إليه الشيخان، و ابن الجنيد و ابنا‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 186- 187، كتاب الصوم، المسألة 32.

291

..........

____________

بابويه، و السيد المرتضى، و أبو الصلاح، و سلّار، و ابن البراج، و ابن إدريس. و قال ابن أبي عقيل بالترتيب.

و في المبسوط اختار التخيير، ثمّ قال: و قد روي أنّها مرتّبة مثل كفارة الظهار.

و قال في الاقتصاد: و في أصحابنا من قال إنّها مرتبة كالظهار. و نقل السيد المرتضى في الجمل كلا القولين.

و اختار العلّامة التخيير (1) كما عليه المحقّق في الشرائع.

و يدل على قول المشهور لفيف من الروايات:

1. صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أفطر من شهر رمضان متعمّدا يوما واحدا من غير عذر قال: «يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر تصدّق بما يطيق». (2)

2. موثق سماعة قال: سألته عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمدا؟

قال: «عليه عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينا، أو صوم شهرين متتابعين، و قضاء ذلك اليوم، و من أين له مثل ذلك اليوم». 3

3. موثقه الآخر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن معتكف واقع أهله؟

قال: «عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا». 4

4. خبر أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل وضع يده على شي‌ء من جسد امرأته فأدفق؟ فقال: «كفارته أن يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم‌

____________

(1). المختلف: 3/ 438- 439.

(2) 2 و 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 13.

(3) 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 5.

292

..........

____________

ستين مسكينا، أو يعتق رقبة». (1)

و يؤيده ما في الفقه الرضوي: «و من جامع في شهر رمضان أو أفطر، فعليه عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، لكلّ مسكين مدّ طعام، و عليه قضاء ذلك اليوم، و أنى له بمثله». (2) و ما ذكره نفس ما رواه سماعة كما عرفت، و منه يعلم أنّه ليس تأليف الإمام، و إنّما هو تأليف عالم فقيه شيعي واقف بالأخبار و الروايات.

بقيت هنا روايات ربما يتصوّر تعارضها مع ما سبق.

الأولى: ما يدل على أنّ العتق واجب تعييني، و ليس له بدل، روى البزنطي عن المشرقي، عن أبي الحسن (عليه السلام) انّه قال: «فعليه عتق رقبة مؤمنة، و يصوم يوما بدل يوم» (3).

يلاحظ عليه: أنّها تخالف كلا القولين، فانّ مفاد الاقتصار على العتق يعرب عن كون الكفّارة شيئا واحدا و هو العتق فلا ترتيب و لا تخيير، فعلى كلا القولين فهي بحاجة إلى التقييد، إمّا بما دلّ على الترتيب، أو بما دلّ على التخيير، فليست الصحيحة دليلا على أحد القولين، فعلى القول بالترتيب ذكر ما هو الواجب أوّلا، و على القول بالتخيير ذكر أحد الأعدال الأفضل.

الثانية: ما اقتصر فيه على التصدق، نظير صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا؟ قال: «عليه خمسة عشر صاعا لكلّ مسكين مدّ، مدّ النبي أفضل». 4 و بهذا المضمون وردت عدّة روايات. 5

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.

(2). فقه الرضا: 25.

(3) 3 و 4 و 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 11، 10. لاحظ الأحاديث 2، 3، 4، 6، 7، 8، 12 من هذا الباب.

293

..........

____________

و الكلام فيها نفس ما سبق في الصحيحة، حيث إنّ مقتضى إطلاقها، كون التصدّق واجبا تعيينيا لا بدل له، لا ترتيبا و لا تخييرا، فعلى كلا القولين يجب أن يتصرف فيها بنحو تنطبق امّا على الترتيب أو التخيير، و القائل بالترتيب يقول: ذكر ما هو الواجب ثانيا، و القائل بالتخيير يقول: ذكر أحد الأفراد.

الثالثة: ما يدل على كون الواجب تعيينيا ترتيبيا، فهذا الصنف يعارض ما يدل على كونه واجبا تخييريا بالدلالة المطابقية، و ما يدل عليه لا يتجاوز عن حديثين:

1. حديث الأعرابي الذي رواه الصدوق، تارة عن طريق عبد المؤمن بن الهيثم الأنصاري، عن أبي جعفر (عليه السلام)، و أخرى عن طريق عمرو بن شمر، و كلا السندين غير نقيّين. قال: إنّ رجلا أتى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: هلكت و أهلكت! فقال:

«و ما أهلكك؟» قال: أتيت امرأتي في شهر رمضان و أنا صائم، فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«اعتق رقبة» قال: لا أجد، قال: «فصم شهرين متتابعين» قال: لا أطيق، قال:

«تصدّق على ستين مسكينا ...». (1)

يلاحظ عليه أوّلا: الظاهر أنّ ما يحكيه من الواقعة هي نفس ما يحكيه جميل ابن دراج من الواقعة، و قد ذكر فيها الإمام التصدق و اقتصر عليه، و لعلّه (عليه السلام) كان بصدد بيان ما يتعلق بالصدقة و ما أجاب به النبي، و لكن جاء في آخر الرواية «فلما خرجنا قال أصحابنا: إنّه بدأ بالعتق فقال: اعتق، أو صم، أو تصدق» (2). و هذا يعرب عن أنّ النبي أمره بالثلاثة على وجه التخيير، لا على وجه الترتيب، و أنّ ظهوره فيه ظهور بدئي و إنّما بدأ النبي بالأفضل فالأفضل، و على هذا لا يعتدّ بمثل هذا الظهور، مضافا إلى ضعف السند.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

294

..........

____________

2. ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن رجل نكح امرأته و هو صائم في رمضان ما عليه؟ قال: «عليه القضاء و عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فإن لم يجد فليستغفر اللّه». (1)

و دلالته على اعتبار الترتيب أوضح من حديث الأعرابي، لأنّ التقييد بعدم التمكن جاء في كلام الإمام، بخلاف حديث الأعرابي، حيث جاء في كلامه عند ما اقترح عليه النبي العتق، أو الصوم. فقال: لا أطيق.

و أجاب السيد الخوئي عن الاستدلال: بأنّها لا تقاوم النصوص المتقدمة الصريحة في التخيير، فانّها إنّما تدل على الوجوب التعييني بالظهور الإطلاقي- كما في الأصول- و تلك قد دلّت على التخيير بالظهور الوضعي على ما تقتضيه كلمة «أو». (2)

يلاحظ عليه: أنّ دلالة الصحيحة على الترتيب أيضا بالظهور الوضعي، حيث يقيد كفاية الثاني، بعدم وجدان الأولى.

و الأولى أن يقال: لا بد من التصرف في هذا الظهور لأجل أظهرية الروايات الدالة على التخيير، لكثرتها و شهرتها، و قوّة دلالتها، و مخالفتها لما عليه أكثر فقهاء العامة، فتحمل الصحيحة على الأفضل فالأفضل.

ب: الإفطار بالحرام لو أفطر بجماع محرم عليه، أو طعام محرم، في نهار رمضان، فقد ذهب جماعة‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 9.

(2). مستند العروة الوثقى: 1/ 290، كتاب الصوم.

295

..........

____________

إلى أنّ كفّارته كفارة الجمع، و أفتى به الصدوق في الفقيه (1)، و ابن حمزة في الوسيلة (2)، و الشيخ في تهذيبه (3) و قال المحقّق: قيل يجب بالإفطار بالمحرم ثلاث كفارات، مشعرا بضعف القول به. و قال العلّامة: المشهور ايجاب كفارة واحدة. (4)

و مقتضى الإطلاقات السابقة عدم الفرق بين الإفطار بحلال أو حرام، و الأصل البراءة، إلّا أن يدل دليل على التقييد أو التخصيص، و قد استدل بما يلي:

1. روى الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة: قال: سألته: عن رجل أتى أهله في رمضان متعمّدا فقال: «عليه عتق رقبة، و إطعام ستين مسكينا، و صيام شهرين متتابعين». (5)

أقول: هذه الرواية، تصلح أن تكون معارضة لما سبق من أنّ الواجب إحدى الخصال مرتبة أو مخيرة، و لا تصلح أن تكون دليلا على وجوب الجمع في خصوص الإفطار بالحرام، إلّا أن يكون هناك قرينة على الحمل، و يكفي في رفع التعارض حمل الواو على التنويع مثل قولهم: الكلمة: فعل و حرف، أو على التخيير: مثل قوله تعالى: مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ* (6)، أو احتمال كون نسخة الشيخ غير صحيحة، و انّ الصحيح هو لفظة: «أو» مكان «الواو»، و يدل على ذلك أنّ الرواية نقلها أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره بتلك اللفظة، و رواها عنه صاحب الوسائل في الباب‌

____________

(1). من لا يحضره الفقيه: 2/ 118 ذ ح 1892.

(2). الوسيلة: 146.

(3). التهذيب: 4/ 208 ح 604.

(4). مختلف الشيعة: 3/ 447- 448.

(5). الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2 و رواه الشيخ في التهذيب: 4/ 208، الحديث 604.

(6). النساء: 3.

296

..........

____________

الثامن كما مرّ نقله في المسألة السابقة. (1) حيث قال: «و عنه» أي عن أحمد بن محمد ابن عيسى المذكور في سند الرواية المتقدمة عن سماعة الخ.

نعم حمل الشيخ الحديث على الإفطار بحرام و قال: و يحتمل أيضا أن يكون هذا الحكم مخصوصا بمن أتى أهله في حال تحرم الوطء فيها، مثل الوطء في الحيض، أو في حال الظهار قبل الكفارة، فانّه من فعل ذلك لزمه الجمع بين الكفّارات الثلاث، لأنّه وطأ في شهر رمضان، و قال: و يدل على هذا التأويل الرواية التالية. (2)

2. روى الصدوق، عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: قلت للرضا (عليه السلام): يا ابن رسول اللّه قد روي عن آبائك (عليهم السلام) فيمن جامع في شهر رمضان، أو أفطر فيه ثلاث كفّارات، و روي عنهم أيضا كفّارة واحدة، فبأي الحديثين نأخذ؟ قال: «بهما جميعا، متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة، و صيام شهرين متتابعين، و إطعام ستين مسكينا، و قضاء ذلك اليوم، و إن كان قد نكح حلالا أو أفطر على حلال، فعليه كفارة واحدة، و إن كان ناسيا فلا شي‌ء عليه». (3) و لندرس السند:

1. عبد الواحد، من مشايخ الصدوق و لم يرو عنه الصدوق، إلّا رواية أو روايتين، و ليست مثل هذه الشيخوخة أمارة الوثاقة، و إنّما تكون أمارة إذا أكثر النقل عنه. (4)

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 8، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 13.

(2). التهذيب: 4/ 209، الحديث 12، كتاب الصيام.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(4). معجم رجال الحديث: 11/ 37 برقم 7357.

297

..........

____________

2. علي بن محمد بن قتيبة: قال النجاشي: عليه اعتمد أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال. «أبو الحسن» صاحب الفضل بن شاذان. و راوية كتبه، له كتب، منها: كتاب يشتمل على ذكر مجالس «الفضل» مع أهل الخلاف، و مسائل أهل البلدان. (1)

لكن اعتماد الكشي لا يضفي عليه الوثاقة، لأنّه يروي عن الضعفاء كثيرا كما نصّ به النجاشي في ترجمته. (2)

3. حمدان بن سليمان أبو سعيد النيسابوري ثقة، من وجوه أصحابنا، كما ذكره النجاشي. (3)

4. عبد السلام بن صالح، أبو الصلت الهروي، ثقة، صحيح الحديث، كما ذكره النجاشي. (4)

و بذلك يعلم أنّ الإفتاء بمضمونها مشكل، لإعراض المشهور عنها أوّلا، و لم تثبت وثاقة الأوّلين ثانيا، إذ لم يرد في حقّ الأوّل إلّا كونه من مشايخ الصدوق، كما لم يرد في حقّ الثاني إلّا كونه من مشايخ الكشي، مع أنّه يروي عن الضعفاء كثيرا. (5)

3. ما رواه الصدوق في الفقيه: أمّا الخبر الذي روي فيمن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا أنّ عليه ثلاث كفارات، فإنّي أفتي به فيمن أفطر بجماع محرّم عليه، أو بطعام محرّم عليه، لوجود ذلك في روايات أبي الحسن الأسدي- رضي اللّه عنه-

____________

(1). رجال النجاشي: برقم 676.

(2). رجال النجاشي: برقم 1019.

(3). رجال النجاشي: برقم 355.

(4). رجال النجاشي: برقم 641.

(5). رجال النجاشي: برقم 1019.

298

[الثاني: صوم قضاء شهر رمضان إذا أفطر بعد الزوال]

الثاني: صوم قضاء شهر رمضان إذا أفطر بعد الزوال، و كفّارته إطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ، فإن لم يتمكّن فصوم ثلاثة أيّام، و الأحوط إطعام ستّين مسكينا. (1)

____________

فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (قدس اللّه روحه). (1)

و ليس فيه تصريح على أنّ الرواية من المهدي (عليه السلام)، و إن نسبه في الوسائل إلى المهدي (عجّل اللّه فرجه) و لعلّه استنبطه من قرينة خارجية، للعلم بأنّه لا يقول وردت إلّا إذا أخذه منه، و لكن الرواية مرسلة، لأنّ الأسدي و إن كان ثقة صحيح الحديث لكن لم يدركه الصدوق، لأنّه توفي عام 312 ه‍، و قد ولد الصدوق حوالي عام 306 فكيف يروي عنه؟!

فتلخص أنّ القول بوجوب كفارة الجمع لا يخلو من إشكال.

(1) أقول: يقع الكلام في هذه المسألة في مواضع:

الأوّل. إفطار قضاء رمضان قبل الزوال المشهور بين الأصحاب جواز الإفطار قبل الزوال، و أرسله المحقّق في المعتبر، (2) و العلّامة في المنتهى، (3) إرسال المسلّم و لم ينقلا خلافا.

و يظهر ممّا نقله العلّامة في المختلف أنّ ابن أبي عقيل و أبا الصلاح لم يفرّقا بين الوقتين فحرّما الإفطار مطلقا، قال الأوّل: و من أصبح صائما لقضاء كان عليه‌

____________

(1). الفقيه: 2/ 118، طبعة جامعة المدرسين.

(2). المعتبر: 2/ 674.

(3). المنتهى: 2/ 576، الطبعة الحجرية تحت عنوان فروع الأوّل.

299

..........

____________

من شهر رمضان و قد نوى الصوم من الليل فأراد أن يفطر في بعض النهار لم يكن له ذلك. (1)

و قد تضافرت الروايات على الجواز قبل الزوال و عدمه بعده نذكر منها ما يلي:

1. صحيحة جميل بن دراج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه قال في الذي يقضي شهر رمضان: «إنّه بالخيار إلى زوال الشمس، فإن كان تطوعا فانّه إلى الليل بالخيار». (2)

2. صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك و بين الليل، متى ما شئت، و صوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فليس لك أن تفطر» 3 و بهذا المضمون غيرهما. 4

و هناك ما يدل على كراهة الإفطار بعد الزوال و هو: موثق أبي بصير قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة تقضي شهر رمضان فيكرهها زوجها على الإفطار فقال: «لا ينبغي له أن يكرهها بعد الزوال». 5 فانّه محمول على الحرمة بقرينة سائر الروايات، و قد استعمل اللفظة في التحريم في غير واحد من الروايات.

كما أنّ هناك ما يدل على المنع مطلقا حتى قبل الزوال، و هو: صحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألته عن الرجل يقضي رمضان، أله أن يفطر بعد ما يصبح قبل الزوال إذا بدا له؟ فقال: «إذا كان نوى ذلك من الليل و كان من قضاء‌

____________

(1). المختلف: 3/ 556.

(2) 2، 3، 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم و نيته، الحديث 4، 9، و لاحظ: 8، 10، و غيرهما.

(3) 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم و نيته، الحديث 2.

300

..........

____________

رمضان فلا يفطر و يتم صومه». (1) و يحمل على الكراهة، و مثل ما ورد من عدم جواز الإفطار في النوافل بعد الزوال. (2)

الثاني: لو أفطر بعد الزوال هل تجب الكفارة أو لا؟ اتّفقت كلمتهم على الوجوب- لما سيوافيك من الروايات في الموضع الثالث- و لم ينقل الخلاف إلّا من ابن أبي عقيل فتمسك بالأصل المدفوع بالدليل مضافا إلى أنّه زمان لم يتعين للصوم لا تجب به الكفارة كقبل الزوال، و كأنّه اجتهاد في مقابل النصّ.

نعم روى عمار بن موسى الساباطي: قال فإن نوى الصوم ثمّ أفطر بعد ما زالت الشمس؟ قال: قد أساء و ليس عليه شي‌ء إلّا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه» (3). و هو من متفردات عمار، و قال الشيخ في العدة: لا يعمل بمتفرّدات عمار. و يحتمل أن يكون المراد نفي القضاء بالنسبة إلى اليوم الذي أفطر فيه، لا نفي الكفارة و كونه من قبيل توضيح الواضح فإنّما هو بالنسبة إلى ظروفنا، لا إلى ظروف الراوي. و يؤيده ما في رواية بريد العجلي: «فلا شي‌ء عليه إلّا يوم مكان يوم». (4) فلا شبهة في وجوب الكفارة.

الثالث: في نوع الكفّارة فهل يجب عليه الكفّارة الكبرى، أي كفّارة شهر رمضان أو الكفارة الصغرى؟ فقد اختلفت كلمتهم فيه.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم و نيته، الحديث 6.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم و نيته، الحديث 5.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4.

(4). الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.

301

..........

____________

1. فذهب ابن الجنيد و المفيد، و الشيخ و ابن البراج و ابن إدريس إلى أنّ كفارته إطعام عشرة مساكين، فإن لم يتمكن صام ثلاثة أيام بدلا من الكفارة، و هذا القول هو المشهور بين الأصحاب.

2. التخيير بين الإطعام و الصيام: و هو خيرة الشيخ في الجمل و العقود، و في فصل أقسام الصوم من المبسوط، مع أنّه اختار الترتيب في فصل القضاء منه.

3. الإثم إن أفطر قبل الزوال، و الإثم و الكفارة إن أفطر بعده: و هو خيرة أبي الصلاح قال: إن أفطر يوما عزم على صومه قضاء قبل الزوال فهو «مأزور». (1) و إن كان بعد الزوال تعاظم وزره و لزمته الكفّارة: صيام ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين.

4. كفّارة شهر رمضان، إن أفطر استخفافا، و التخيير بين الأمرين إن أفطر لغير ذلك: و هو خيرة ابن حمزة قال: إن أفطر بعد الزوال استخفافا به فعليه كفارة مثل كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، و إن أفطر لغير ذلك فكفّارته صيام ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين و هو خيرة ابن حمزة.

5. عليه كفارة اليمين التي جاء في الذكر الحكيم. قال سبحانه: فَكَفّٰارَتُهُ إِطْعٰامُ عَشَرَةِ مَسٰاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ (2): و هو خيرة ابن البراج في المهذب، و ذكر أنّ الأحوط انّ كفارته كفارة شهر رمضان.

6. انّ كفّارته، كفارة شهر رمضان: و هو خيرة الصدوقين، و سيوافيك مقدار صحّة النسبة.

هذه هي الأقوال الموجودة في المسألة، التي أخذناها من مختلف الشيعة. (3)

____________

(1). كذا في المطبوع، و لعلّ الصحيح موزور كما في المنجد، و هو من الوزر بمعنى الإثم، أي فهو آثم تكليفا.

(2). المائدة: 89.

(3). مختلف الشيعة: 3/ 554- 558.

302

..........

____________

و قد ذكرت مصادر الأقوال في الهامش، و ستعرف أنّه لا دليل على أكثر هذه الأقوال.

دليل القول المشهور روايتان 1. رواية بريد العجلي: عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان؟ قال: «إن كان أتى أهله قبل زوال الشمس، فلا شي‌ء عليه إلّا يوم مكان يوم؛ و إن كان أتى أهله بعد زوال الشمس، فانّ عليه أن يتصدق على عشرة مساكين، فإن لم يقدر عليه صام يوما مكان يوم، و صام ثلاثة أيّام كفارة لما صنع». (1) و السند لا غبار عليه إلّا الحارث بن محمد الذي يروي عنه الحسن بن محبوب فانّه غير موثق، لكن الرواية معتبرة لعمل المشهور بها، و قد رواها الكليني في الكافي، و الصدوق في الفقيه، و أفتى الثاني بمضمونه في المقنع، غير انّه أسقط العدل الثاني، أعني: ما إذا لم يقدر فعليه صيام ثلاثة أيّام.

2. صحيحة هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل وقع على أهله و هو يقضي شهر رمضان؟ فقال: «إن كان وقع عليها قبل صلاة العصر، فلا شي‌ء عليه، يصوم يوما بدل يوم؛ و إن فعل بعد العصر صام ذلك اليوم، و أطعم عشرة مساكين، فإن لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك». (2) و السند لا غبار عليه غير انّها تضمنت التحديد بالعصر مكان الظهر، و لعلّه مصحّف الظهر لكن حمله الشيخ على ما يوافق الأوّل لدخول وقت الصلاتين عند الزوال.

دليل القول بأنّ كفّارته كفّارة رمضان و قد نسب إلى الصدوقين انّهما قالا بأنّ كفارته، كفارة إفطار شهر رمضان و يدل عليه:

____________

(1) 1، 2. الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1 و 2.

303

..........

____________

1. موثقة زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل صام قضاء من شهر رمضان فأتى النساء؟ قال: «عليه من الكفارة ما على الذي أصاب في شهر رمضان، لأنّ ذلك اليوم عند اللّه من أيام رمضان». (1)

2. مرسلة حفص بن سوقه، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه في الرجل يلاعب أهله أو جاريته و هو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل؟ قال: «عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع في شهر رمضان». (2)

و مقتضى الرواية الأولى عدم الفرق بين الزوال و بعده كما هو ظاهر عدم التفريق، و مقتضى التعليل و لكن لم يقل به أحد إذ التفريق قبل الزوال و بعده أمر متسالم فيه، و يمكن الحمل على التشبيه في وجوب الكفارة لا في قدرها، أو على الاستحباب و الرواية الثانية مرسلة، لا يحتج بها.

و قد نسب العمل بهما إلى الصدوق، و لكن عبارة الفقيه، لا تدل على ذلك، فإنّه (قدّس سرّه) نقل أوّلا رواية بريد العجلي الدالة على القول المشهور ثمّ قال: و روي أنّه إن أفطر قبل الزوال فلا شي‌ء عليه و إن أفطر بعد الزوال فعليه الكفّارة مثل ما على من أفطر يوما في شهر رمضان. (3) و لو لم نستظهر ميله إلى القول المشهور، فلا أقلّ من عدم دلالة فيه على انتخاب القول الثاني.

و أمّا سائر الأقوال فليس لها دليل يذكر و أصحابها أولى بها. و لكن الماتن احتاط و قال: و الأحوط إطعام ستين مسكينا. لأجل العمل بكلتا الطائفتين من الروايات، و الأولى كما في بعض التعاليق «أو ضمّ العتق أو صيام شهرين على إطعام العشرة» لأنّ الواجب من كفارة شهر رمضان، ليس الإطعام فقط بل أحد الأمور الثلاثة، فيكون الأولى الجمع بين إطعام عشرة مساكين و واحد من هذه الخصال.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 3.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

(3). الفقيه: 2/ 149، طبع مؤسسة النشر الإسلامي.

304

[الثالث: صوم النذر المعيّن]

الثالث: صوم النذر المعيّن و كفّارته كفّارة إفطار شهر رمضان. (1)

____________

(1) اختلفت آراؤهم في كفارة حنث النذر، سواء أتعلق النذر، بالصوم أم بغيره، فلهم أقوال:

1. إنّ كفارته، كفارة شهر رمضان، أي الخصال الكبرى مخيّرة. و هو خيرة المرتضى في الانتصار، و ابن زهرة في الغنية، كما في الجواهر، و نسبه إلى المشهور. (1)

2. كفارته، كفارة اليمين. و هو خيرة الصدوق في المقنع، (2) و خيرة المحقّق في النافع، (3) و هو خيرة العلمين، الحكيم و السيد الخوئي- (قدّس سرّهما)-.

3. كفّارته، كفارة شهر رمضان إذا كان المنذور صوما، و كفارة اليمين إذا كان غيره، نقله صاحب الوسائل، (4) و نسبه إلى جماعة و استحسنه. و نسبه في المسالك إلى المرتضى و ابن إدريس و العلّامة في غير المختلف. (5)

4. ذلك القول، لكن مع التردد في نذر غير الصوم. و هو خيرة المحقّق في الشرائع قال: و كفارة من أفطر يوما نذر صومه على أشهر الروايتين، و كذا كفارة الحنث في العهد، و في النذر على تردد. (6)

هذه هي الأقوال الموجودة في المسألة.

و يظهر من الخلاف اختصاص القول بكفّارة شهر رمضان- في خصوص ما إذا نذر صوم يوم معين- بالشيعة قال: من أفطر يوما نذر صومه من غير عذر‌

____________

(1). الجواهر: 16/ 271.

(2). المقنع: 409.

(3). كما في المسالك: 10/ 17.

(4). الوسائل: الجزء 15، الباب 23 من أبواب الكفّارات، ذيل الحديث 8.

(5). المسالك: 10/ 18.

(6). المصدر نفسه: 17، قسم المتن.