الصوم في الشريعة الإسلامية الغراء - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
457 /
305

..........

____________

لزمته الكفارة، و خالف جميع الفقهاء في ذلك. (1) و المراد، كفارة شهر رمضان لا مطلق الكفّارة، كيف؟ و قد رووا عن النبي: كفارة النذر، كفارة اليمين. (2)

إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الروايات على طوائف:

الأولى: ما يدل على أنّ كفّارة حنث النذر مطلقا هو كفّارة شهر رمضان سواء كان المنذور هو الصوم أو غيره، و هو رواية واحدة صحيحة السند إلّا الراوي الأخير عن الإمام.

خبر عبد الملك بن عمر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): من جعل للّه عليه أن لا يركب محرّما فركبه، قال: لا، و لا أعلمه إلّا قال: فليعتق رقبة أو ليصم شهرين، أو ليطعم ستين مسكينا (3).

و الرواية غير صالحة للاحتجاج لا في كفارة مطلق خلف النذر، و لا في خصوص المورد، أمّا الثاني. فواضح إذ لم يتعلق النذر بالصوم، و إنّما تعلق بترك المحرمات في الكتاب، و أمّا الأوّل، فلوجهين:

أ. تردد الراوي في نقل المضمون حيث قال: و لا أعلمه إلّا قال.

ب. انّ عبد الملك بن عمرو لم يوثّق، فقد عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق، و قال: عربي كوفي، روى عنهما.

و روى الكشي عنه قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّي لأدعو لك. (4) و دعاء الصادق (عليه السلام) منقول عن طريقه فلا يكون حجّة في حقّه، و عمل المرتضى في الانتصار، و ابن زهرة لا يكون جابرا للسند، مع تردّد المحقّق فيه في الشرائع،

____________

(1). الخلاف: 2/ 221، كتاب الصوم، المسألة 84.

(2). مسند أحمد: 4/ 144، و غيره.

(3). الوسائل: الجزء 22، الباب 23 من أبواب الكفّارات، الحديث 7.

(4). قاموس الرجال: الجزء 7، برقم 6432.

306

..........

____________

و إفتائه بالخلاف في النافع.

نعم ذهب المحقّق في خصوص هذه المسألة إلى أنّ كفارته، كفارة كبرى مخيرة، أفتى بها في كتاب الصوم في كتاب النذر، و إنّما تردد، أو أفتى بالخلاف في غير هذا المورد، و هو أمر عجيب، كما ذهب إلى هذا التفصيل ابن إدريس في السرائر و العلّامة في غير المختلف كما مر. (1)

و الحاصل: الذي يدل على أنّ كفّارته، كفارة كبرى مخيرة هو هذه الرواية و هي ضعيفة السند، و المتن غير خال عن الإشكال.

الثانية: ما يدل على أنّ كفارته تحرير رقبة، و تدل عليه مكاتبات ثلاث:

أ. مكاتبة ابن مهزيار: انّه كتب إليه يسأله: يا سيدي، رجل نذر أن يصوم يوما بعينه، فوقع ذلك اليوم على أهله، ما عليه من الكفّارة؟ فأجابه: «يصوم يوما بدل يوم و تحرير رقبة مؤمنة». (2)

نقله صاحب الوسائل في كتاب الصوم بالسند التالي: محمد بن يعقوب، عن محمد بن جعفر الرزاز (شيخ الكليني الثقة) عن ابن عيسى (محمد بن عيسى بن عبيد) عن ابن مهزيار و كلّهم ثقات.

و نقله في باب كفارة خلف النذر بسند آخر، و هو: عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن علي بن مهزيار (3) و كلا الاسنادين صحيحان.

ب. مكاتبة الحسين بن عبيدة. (4)

ج. مكاتبة القاسم بن الصيقل. 5

____________

(1). المسالك: 10/ 18.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 1.

(3). الوسائل: الجزء 15، الباب 23 من أبواب الكفّارات، الحديث: 1، 2.

(4) 4 و 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 2، 3.

307

..........

____________

و الجميع ظاهر في تعيّن تحرير الرقبة، و لو حملوا على بيان أحد الأعدال، فهو مشترك بين الكفارة الكبرى المخيرة، و كفارة اليمين، حيث إنّ الواجب فيه: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، و من لم يستطع فإطعام ثلاثة أيّام، و مثل ذلك لا يكون دليلا على أحد القولين.

الثالثة: ما يدل على أنّ كفارته، كفارة حنث اليمين، و هي روايات ثلاث:

1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن قلت: للّه عليّ فكفّارة يمين». و السند صحيح لا غبار عليه. (1)

2. معتبرة حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن كفّارة النذر؟ فقال: «كفّارة النذر، كفّارة اليمين». 2 و السند معتبر رواه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد الجوهري الثقة، عن سليمان بن داود المنقري الثقة، عن حفص بن غياث الذي عمل الأصحاب برواياته، و إن كان عامي المذهب.

3. ما رواه علي بن مهزيار قال: كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي، نذرت أن أصوم كلّ يوم سبت، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفّارة؟ فكتب إليه و قرأته: «لا تتركه إلّا من علّة، و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض إلّا أن تكون نويت ذلك، و إن كنت أفطرت فيه من غير علّة فتصدق بعدد كلّ يوم على سبعة مساكين، نسأل اللّه التوفيق لما يحب و يرضى». 3

بناء على أنّ سبعة مصحّف «عشرة» كما عبّر بها في المقنع على ما عرفت حيث إنّ الظاهر ان التعبير، عبارة النص و قال في المسالك: إنّه كذلك بخط الصدوق الذي عندي.

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 15، الباب 23 من أبواب الكفّارات، الحديث 1، 4.

(2) 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 4.

308

..........

____________

و قد رواه صاحب الوسائل عن تهذيب الشيخ (1)، نعم رواه الكافي بسند آخر، و بذلك يظهر النظر فيما ذكره المحقّق الخوئي من أنّ هذه الرواية بسندها المذكور في الوسائل غير موجودة في الكافي، و إنّما هي موجودة فيه بسند آخر و هو:

عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن علي بن مهزيار. و ذلك لأنّ صاحب الوسائل أخذ الرواية من التهذيب، و السند فيهما واحد، و لم ينقل من الكافي.

هذه هي الروايات الواردة في المقام و خلاصتها:

1. أنّ خبر عبد الملك يدل على أنّ كفّارته كفارة شهر رمضان، و مورد الرواية نذر ترك مطلق المحرمات.

2. انّ ظاهر المكاتبات الثلاث هو تعيّن تحرير الرقبة، و موردها نذر الصوم، دون غيره.

3. ما يدل على أنّ كفّارته كفّارة اليمين، و هو بين مطلق، يعم مطلق حنث النذر، كما هو الحال في صحيحة الحلبي، و معتبرة حفص، و خاص بالصوم، كما هو الحال في مكاتبة بندار، و الطائفة الثالثة ظاهرة في تعين الرقبة، و لو أغمض عن دلالتها على التعيّن فهي صالحة للحمل على بيان إحدى الأعدال الموجودة في كفارة رمضان، أو كفّارة اليمين.

فالمعارضة بين خبر عبد الملك، و صحيحة الحلبي و معتبرة غياث، و مكاتبة بندار، و الترجيح مع الثانية، نعم هي موافقة للعامة الذين اتّفقت كلمتهم على أنّ كفّارة النذر، هي كفّارة اليمين، و العجب أنّ الشهيد في المسالك جعلها من المؤيدات و المرجحات لهذه الطائفة، مع أنّ المنصوص أنّها مرجحة للمخالف قال:

اتّفاق روايات العامة التي صحّحوها عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هي و إن لم تكن حجّة إلّا أنّها‌

____________

(1). التهذيب: 4/ 286، باب قضاء شهر رمضان، الحديث 40.

309

[الرابع: صوم الاعتكاف]

الرابع: صوم الاعتكاف و كفّارته مثل كفّارة شهر رمضان مخيّرة بين الخصال، و لكن الأحوط الترتيب المذكور هذا، و كفّارة الاعتكاف مختصّة بالجماع فلا تعمّ سائر المفطرات، و الظاهر أنّها لأجل الاعتكاف لا للصوم و لذا تجب في الجماع ليلا أيضا. (1)

____________

لا تقصر عن أن تكون مرجّحة. (1)

اللّهمّ إلّا أن يقال: لم يثبت حجية خبر «عبد الملك» فلا تكون المخالفة مرجحة، و لم يثبت عمل المشهور لما عرفت من الاختلاف في الفتوى، فالقول بأنّ كفّارة النذر هو كفّارة اليمين، هو الأقوى، و إن كان القول الآخر هو الأحوط.

(1) هنا فروع:

1. إذا اعتكف في غير شهر رمضان فأفطر بالجماع.

2. إذا اعتكف في غير شهر رمضان، لكن أفطر بسائر المفطرات.

3. إذا اعتكف في غير شهر رمضان، و جامع في الليل.

4. إذا اعتكف في شهر رمضان، فأفطر بالجماع.

5. تلك الصورة، لكنّه أفطر بسائر المفطرات.

6. إذا اعتكف في شهر رمضان، و جامع بالليل.

7. إذا اعتكف في غير شهر رمضان، لكن كان الصوم واجبا بالنذر، أو دخل في اعتكافه اليوم الثالث حيث يجب اعتكافه فيجب صومه أيضا، فهو بمنزلة شهر رمضان بصورة الثلاث فتكون الصور تسع. و يأتي حكم الفرع السابع بصوره الثلاث في المسألة الآتية فلاحظ.

____________

(1). المسالك: 10/ 20.

310

..........

____________

و إليك دراسة الفروع:

1. إذا أفطر المعتكف في غير شهر رمضان بالجماع.

إذا كان صومه ممحضا للاعتكاف، و لم يكن واجبا بأحد العناوين كصوم رمضان أو قضائه أو النذر المعين، فكفارته كفارة شهر رمضان مخيرا.

قال أبو الصلاح: إن أفطر نهارا أو جامع ليلا فسخ اعتكافه، و وجب عليه استئنافه و كفارة رمضان.

و قال سلّار: من أفطر في أيام الاعتكاف أو جامع نهارا أو ليلا، فعليه كفّارة افطار يوم من شهر رمضان. (1)

و الحكم مورد اتّفاق كما سيوافيك، إنّما الكلام في كونها مخيرة أو مرتبة، حيث دلّت موثقة سماعة على التخيير، روى الشيخ باسناده، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن معتكف واقع أهله؟ قال: «هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان». (2)

و مثلها موثقته الأخرى التي هي صريحة في التخيير: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سألته عن معتكف واقع أهله؟ قال: «عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا». (3)

و بإزائهما صحيحتان:

1. روى زرارة قال: سألت عن المعتكف يجامع أهله؟ قال: «إذا فعل ذلك فعليه ما على المظاهر». (4)

____________

(1). المختلف: 3/ 593- 594، و قد نقل عبارات الأصحاب في المقام.

(2) 2، 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2، 5.

(3) 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.

311

..........

____________

2. روى أبو ولاد الحناط: قال سألت أبا عبد اللّه عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم و هي معتكفة بإذن زوجها، فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد إلى بيتها فتهيأت لزوجها حتى واقعها؟ فقال: «إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تنقضي ثلاثة أيام و لم تكن اشترطت في اعتكافها فانّ عليها ما على المظاهر». (1)

و بما انّ الموثقة الثانية صريحة في التخيير، و الصحيحتان ظاهرتان في الترتيب يجمع بينهما، بحمل الترتيب على الأفضلية، فترفع اليد عن الظاهر بالنص.

و يمكن أن يقال: إنّ كفارة شهر رمضان هي نفس كفّارة الظهار، غير أنّ الترتيب في الأوّل مستحب دون الآخر لما مرّ من رواية علي بن جعفر (عليه السلام). (2)

و على ذلك فلا مانع من حمل قوله: «عليه ما على المظاهر» على إرادة الفرد الأفضل من كفّارة شهر رمضان.

2. إذا أفطر المعتكف بغير الجماع إذا كان معتكفا في غير شهر رمضان، و لم يكن صومه واجبا معيّنا، و أفطر بغير الجماع، فذهب المفيد و أبو الصلاح إلى وجوب الكفارة أيضا، و قد مرّت عبارتهما، و هو خيرة المرتضى قال: فإن أفطر بغير الجماع في نهار الاعتكاف- من غير عذر- كان عليه ما على المفطر في نهار شهر رمضان. (3)

و قال سلّار: من أفطر في أيّام الاعتكاف أو جامع نهارا أو ليلا فعليه كفّارة إفطار يوم من شهر رمضان. 4

و لكن المساعدة مع هذا القول مشكلة لاختصاص الأدلة بالجماع، و كون‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 6، من أبواب الاعتكاف، الحديث 6.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 8، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 9.

(3) 3 و 4. المختلف: 3/ 593- 594.

312

..........

____________

الإفطار محرّما لا يلازم الكفّارة، و هل يلحق الاستمناء بالجماع؟ فالظاهر من عبارة الشيخ في الخلاف هو وحدة الحكم. (1) و لعلّه لقوله في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: «عليهما جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع»، (2) و هو غير تام، لاختصاص موردها بشهر رمضان، فلا يدل على وجوب الكفّارة في غيره.

3. إذا اعتكف و جامع في الليل إذا اعتكف في غير شهر رمضان و جامع في الليل تجب عليه كفارة الاعتكاف، لخبر عبد الأعلى بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل وطئ امرأته و هو معتكف ليلا في شهر رمضان؟ قال: «عليه الكفارة»، قال: قلت: فإن وطأها نهارا؟ قال: «عليه كفارتان». (3) و نظيره مرسلة الصدوق غير انّه أسقط قيد شهر رمضان. 4

و الظاهر صلاحيته للاستدلال و إن اشتمل على لفظ «شهر رمضان» إذ لو كان له دخل في الحكم فانّما هو في نهاره لا في ليله، فليله و ليل غيره في الاعتكاف سواء.

ثمّ إنّ الظاهر وجوب الكفّارة لمطلق الاعتكاف سواء كان مستحبا أو واجبا بنذر و شبهه، كما هو إطلاق الروايات، و عليه السيد الأستاذ في تحريره بشرط عدم الرفع عن اعتكافه قال: و كذا في المندوب على الأحوط إذا جامع مع عدم رفع اليد عن الاعتكاف، و أمّا معه فالأقوى عدم الكفارة، غير أنّ الظاهر من ابن أبي عقيل و تبعه العلّامة في المختلف عدم وجوبه للمندوب منه قال في المختلف: و قال ابن‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 238، كتاب الاعتكاف، المسألة 113.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

(3) 3 و 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث 4، 5.

313

..........

____________

أبي عقيل- و نعم ما قال:- و من أفطر في اعتكافه أو جامع عامدا فقد أفسد عليه اعتكافه و عليه القضاء إذا كان اعتكافه نذرا. و قال العلّامة- بعد نقل كلامه-:

و الوجه أنّ الاعتكاف إن كان في شهر رمضان متعينا بنذر و شبهه وجب بالإفطار فيه و الجماع نهارا، كفارتان: أحدهما لرمضان و الأخرى للاعتكاف، و بالجماع ليلا كفارة واحدة.

و إن كان في غير رمضان و كان متعيّنا فكذلك.

و إن لم يكن متعيّنا فلا كفارة فيه بالإفطار، و يجب فيه بالإجماع كفارة واحدة، إن كان (الصوم) واجبا و إلّا فلا- إلى أن قال:- و لأنّه أبطل اعتكافا لم يتعين وقته فلا كفارة فيه، و مع الندبيّة أولى. (1)

4. إذا اعتكف في شهر رمضان و أفطر بالجماع قال الشيخ: لا يجوز للمعتكف المواقعة ليلا و نهارا، فإن واقع ليلا فعليه كفارة رمضان: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا؛ و إن كانت مواقعته بالنهار في شهر رمضان كان عليه كفارتان. و جرى عليه في المبسوط، و الخلاف و الاقتصاد، و به قال ابن الجنيد، و السيد المرتضى في الانتصار، و ابن البراج في المهذب، و ابن إدريس في السرائر، و ابن حمزة في الوسيلة، و نسبه الصدوق في الفقيه إلى الرواية. (2)

قال العلّامة: الوجه انّ الاعتكاف إن كان في شهر رمضان متعينا بنذر و شبهه وجب بالإفطار فيه، و الجماع نهارا، كفّارتان: إحداهما لرمضان، و الأخرى للاعتكاف. و بالجماع ليلا كفارة واحدة، و إن كان في غير رمضان و كان متعينا‌

____________

(1). المختلف: 3/ 594.

(2). المختلف: 3/ 592- 594.

314

..........

____________

فكذلك. (1)

حاصله: أنّ الموضوع للكفارة هو الاعتكاف، و هو سبب مستقل، و صوم رمضان سبب آخر، فلا يتداخلان.

و يؤيده ما رواه الصدوق، و الشيخ، عن محمد بن سنان، عن عبد الأعلى بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل وطئ امرأته و هو معتكف ليلا في شهر رمضان؟ قال: «عليه الكفّارة». قال: قلت: فإن وطأها نهارا؟ قال: «عليه كفّارتان». (2) و لعلّه نفس مرسلة الصدوق. 3

و الرواية ضعيفة لمحمد بن سنان- على القول بضعفه-، و أمّا عبد الأعلى بن أعين، فقد قال المفيد في حقّه في الرسالة العددية: من فقهاء أصحاب الصادقين (عليهما السلام) و الاعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال و الحرام و الفتيا و الأحكام الذي لا يطعن عليهم، و لا طريق إلى ذم واحد منهم، و هم أصحاب الأصول المدوّنة و المصنفات المشهورة. 4 و الرواية صالحة للتأييد.

5. إذا اعتكف في رمضان و أفطر بسائر المفطرات فلا يجب عليه إلّا كفارة واحدة، و هي لأجل الإفطار في شهر رمضان، لا للاعتكاف لما عرفت من أنّ اختصاص الكفّارة فيه بالجماع.

6. إذا اعتكف في شهر رمضان لكنّه جامع بالليل: فعليه كفّارة واحدة.

هذا حكم الفروع التي أشرنا إليها، و هناك فروع أخرى نشير إلى حكمها في المسألة الآتية.

____________

(1). المختلف: 3/ 594.

(2) 2 و 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 4، 3.

(3) 4. قاموس الرجال: 6/ 42.

315

و أمّا ما عدا ذلك من أقسام الصوم فلا كفّارة في إفطاره واجبا كان كالنذر المطلق و الكفّارة، أو مندوبا فإنّه لا كفّارة فيها، و إن أفطر بعد الزوال. (1)

[المسألة 2: تتكرّر الكفّارة بتكرّر الموجب في يومين أو أزيد من صوم له كفّارة]

المسألة 2: تتكرّر الكفّارة بتكرّر الموجب في يومين أو أزيد من صوم له كفّارة، و لا تتكرّر بتكرّره في يوم واحد في غير الجماع و إن تخلّل التكفير بين الموجبين أو اختلف جنس الموجب على الأقوى، و إن كان الأحوط التكرار مع أحد الأمرين، بل الأحوط التكرار مطلقا، و أمّا الجماع فالأحوط بل الأقوى تكريرها بتكرّره. (2)

____________

(1) 1. إذا اعتكف في غير رمضان لكن كان الصوم واجبا معينا بالنذر أو وجب الاعتكاف بدخوله في اليوم الثالث أو السادس و معه وجب صومه، فأفطر، فحكمه حكم رمضان في الكفارة، فلو جامع نهارا فعليه كفارتان: إحداهما للاعتكاف، و الأخرى للصوم الواجب بالنذر.

2. و لو جامع ليلا، فله كفارة واحدة للاعتكاف.

3. و لو أفطر نهارا بسائر المفطرات، فعليه كفارة واحدة للإفطار، دون الاعتكاف لما عرفت من اختصاص كفارته بالجماع و اللّه العالم.

(2) أقول: الكلام في إفطار الصوم الذي له كفارة و لا خلاف نصا و فتوى في أنّ الكفارة تتكرر بتكرر الموجب إذا كان في يومين.

إنّما الخلاف في تكرّرها بتكرار الموجب في اليوم الواحد، و هنا صور:

لأنّ الموجب المتكرّر، إمّا هو الجماع، أو غيره؛ و على الثاني، إمّا يختلفان جنسا، أو يتحدان؛ و على فرض الاتحاد إمّا يتخلّل التكفير بين الموجبين، أو لا، فقد‌

316

..........

____________

قوّى الماتن التعدّد فيما إذا كان الموجب هو الجماع، و نسب التكرر في المختلف جنسا أو المتخلل بينها التكفير إلى الاحتياط، ثمّ احتاط في جميع الصور.

هذه صور المسألة، و أمّا الأقوال:

1. لا يتكرّر بتعدّد الموجب مطلقا. و هو خيرة الشيخ في المبسوط، و ابن حمزة في الوسيلة.

2. تتكرّر مطلقا. نقله الشيخ في المبسوط عن بعض أصحابنا.

3. التفصيل بين الجماع فتتكرّر، و غيره فلا. و هو خيرة المرتضى، و أبي الحسن زكريا بن يحيى صاحب كتاب شمس الذهب.

4. التفصيل بين التكفير عن الموجب الأوّل فتتكرّر، دون ما إذا لم يكفّر فواحدة. و هو خيرة ابن الجنيد.

5. التفصيل بين تغاير جنس المفطر فتتعدد سواء اتحد الزمان أو لا، كفّر عن الأوّل أو لا و اتحاد جنس المفطر في يوم واحد، فإن كفر عن الأوّل تتعدد الكفارة و إلّا فلا. و هو خيرة العلّامة في المختلف. (1)

و هذه الفتاوى مبنية على كون تعدد الأسباب موجبا لتعدد المسببات و عدمه، أو يفصل بين التكفير و غيره، أو بين وحدة الجنس و عدمه.

و أمّا أهل السنة، فقد حكى الشيخ في الخلاف عدم الخلاف بينهم في عدم تعدّد الكفارة و انّهم نصوا بذلك، ثمّ نقل عن السيد المرتضى التفصيل المتقدم. (2)

أمّا ابتناء التعدّد و عدمه على المسألة الأصولية من تداخل الأسباب و عدمه، فالظاهر انّه لا موضوع له كما نصّ به غير واحد من الأعلام، لأنّه مبني على أحد‌

____________

(1). المختلف: 3/ 450، أخذت الأقوال منه.

(2). الخلاف: 2/ 189- 190، كتاب الصوم، المسألة 38.

317

..........

____________

أمرين غير ثابتين.

1. انّ السبب نفس استعمال ذات المفطر من الأكل و الشرب.

2. السبب هو إفطار الصوم، أو مخالفة وجوب الإمساك التأدبي. و لكنّهما غير ثابتين.

فلأنّ المتبادر من قوله: «من أفطر من شهر رمضان متعمدا يوما واحدا» هو كفارة من نقض صومه، و أبطل فريضته، و هو يتحقق بالموجب الأوّل و لا يبقى للموجب موضوع.

أقول: إنّ هنا احتمالين:

أ. انّ التكفير مترتب على عنوان الإفطار و هو غير صادق في مورد السبب الثاني أو على استعمال المفطر فيعمّ الموجب الثاني كالأوّل، و لكن الاحتمال الأوّل أظهر، لأنّ المتبادر من الروايات انّها جريمة على نقض الصوم و إبطاله، و هو يتحقّق بالأوّل دون الثاني.

و منه يعلم حكم الجماع أيضا، فانّ العنوان فيه و إن كان قوله: «في رجل واقع أهله في شهر رمضان» و هو يصدق على الموجب الثاني و الثالث، و لكن الاعتماد على هذا الظهور كالاعتماد على عنوان الإفطار، يعدّ دقة عقلية، بعد كون المتبادر في هذه الموارد، كون الكفّارة لأجل إبطال الصوم و قد بطل فلا موضوع للتكفير.

و أبعد منه كون المخالفة للإمساك تأدّبا هي موضوع للحكم، فيجب التعدّد مطلقا حسب الواجبات، فالقول بعدم التعدّد هو الأقوى.

و أمّا الاعتماد في تعدّده بالجماع على الروايات المروية في المقام، فكلّها ضعاف كما لا يخفى. (1)

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 3.

318

[المسألة 3: لا فرق في الإفطار بالمحرّم الموجب لكفّارة الجمع بين أن تكون الحرمة أصليّة كالزناء و شرب الخمر، أو عارضيّة كالوطء حال الحيض]

المسألة 3: لا فرق في الإفطار بالمحرّم الموجب لكفّارة الجمع بين أن تكون الحرمة أصليّة كالزناء و شرب الخمر، أو عارضيّة كالوطء حال الحيض أو تناول ما يضرّه. (1)

[المسألة 4: من الإفطار بالمحرّم الكذب على اللّه و على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)]

المسألة 4: من الإفطار بالمحرّم الكذب على اللّه و على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بل ابتلاع النخامة إذا قلنا بحرمتها من حيث دخولها في الخبائث لكنّه مشكل. (2)

[المسألة 5: إذا تعذّر بعض الخصال في كفّارة الجمع وجب عليه الباقي]

المسألة 5: إذا تعذّر بعض الخصال في كفّارة الجمع وجب عليه الباقي. (3)

____________

(1) قد عرفت أنّ وجوب كفارة الجمع من باب الاحتياط، و عليه لا فرق بين الذاتي و العرضي لإطلاق لفظ الحرام الوارد في النصوص. (1)

(2) تقدم الكلام في معنى «الخبائث» و انّ المراد منها، هي الميتة و الدم و لحم الخنزير التي كانت العرب تتناولها، مضافا إلى تعارف بلعه بلا اكتراث.

(3) و ذلك لأنّ الوارد في لسان النصوص «فعليه ثلاث كفارات»، الظاهر في وجوب كل على وجه الاستقلال، فلا يضرّ سقوط البعض لأجل التعذّر كالعتق في هذه الأيّام، بوجوب الباقي فما استظهره السيد الحكيم (قدّس سرّه) في كون التكليف بالجمع ارتباطيا و انّ مقتضى القاعدة الأوّلية سقوط وجوب الممكن منها بالعجز عن بعض أجزائه لا يخلو من تأمّل.

أضف إلى ذلك انّه يلزم أن يكون المفطر بالمحرّم أهون أمرا من غيره، إذ يتعين على الثاني غير المتعذر من الأمور الثلاثة، بخلاف المقام، فإذا تعذر إحدى الخصال يسقط الباقي و هو كما ترى.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

319

[المسألة 6: إذا جامع في يوم واحد مرّات وجب عليه كفّارات بعددها]

المسألة 6: إذا جامع في يوم واحد مرّات وجب عليه كفّارات بعددها و إن كان على الوجه المحرّم تعدّدت كفّارة الجمع بعددها. (1)

[المسألة 7: الظاهر أنّ الأكل في مجلس واحد يعدّ إفطارا واحدا و إن تعدّدت اللقم]

المسألة 7: الظاهر أنّ الأكل في مجلس واحد يعدّ إفطارا واحدا و إن تعدّدت اللقم، فلو قلنا بالتكرار مع التكرّر في يوم واحد لا تتكرّر بتعدّدها، و كذا الشرب إذا كان جرعة فجرعة. (2)

[المسألة 8: في الجماع الواحد إذا أدخل و أخرج مرّات لا تتكرّر الكفّارة]

المسألة 8: في الجماع الواحد إذا أدخل و أخرج مرّات لا تتكرّر الكفّارة و إن كان أحوط. (3)

[المسألة 9: إذا أفطر بغير الجماع ثمّ جامع بعد ذلك يكفيه التكفير مرّة]

المسألة 9: إذا أفطر بغير الجماع ثمّ جامع بعد ذلك يكفيه التكفير مرّة، و كذا إذا أفطر أوّلا بالحلال ثمّ أفطر بالحرام تكفيه كفّارة الجمع. (4)

____________

(1) على القول بتعدّد الكفّارات في الجماع و القول بكفّارة الجمع في الإفطار بالمحرم.

(2) لأنّ المجموع يعدّ إفطارا واحدا.

(3) لأنّ المجموع يعدّ جماعا واحدا، لأنّ لوحدة المجلس مدخلية في إضفاء وصف الوحدة على العمل المتكرر.

(4) ذكر فيها فرعان:

1. إذا أفطر بغير الجماع ثمّ جامع، فقال المصنّف: يكفيه التكفير الواحد.

320

..........

____________

2. إذا أفطر بحلال ثمّ أفطر بحرام فقال (قدّس سرّه): تكفيه كفارة الجمع.

أمّا الأوّل، فكان ما دلّ على وجوب الكفارة بالجماع منصرف إلى ما إذا لم يسبقه استعمال مفطّر قبله.

لكنّه إنّما يتم لو كان المعتمد في تكرّر الكفارة بالجماع، النصوص الضعيفة الماضية. (1) و أمّا إذا كان الدليل لوجوب الكفارة في الجماع هو عنوان: «المواقعة» فهو موجب للكفارة سبقه مفطّر آخر، أو لا، بخلاف سائر المفطرات، فانّ الموضوع فيها هو الإفطار فلا يصدق فيما إذا سبقه مفطر آخر، فما ذكره صحيح فيما إذا عكس، أي جامع ثمّ تناول مفطرا.

أمّا الثاني فله صور:

1. إذا أفطر بحلال ثمّ بحرام و كانا بغير الجماع، كما إذا أكل حلالا ثمّ شرب الخمر.

2. إذا أفطر بحلال بغير الجماع ثمّ جامع بالجماع الحرام.

3. أن يكون على العكس.

ففي الصورة الأولى، تكفيه إحدى الخصال، لما عرفت من أنّه لا تأثير للمفطر الثاني، لأنّه ليس بصائم.

و في الصورة الثانية منها، يجب الجمع بين إحدى الخصال للأوّل و كفارة الجمع للثانية، أمّا الأولى فلكونه مفطرا، و أمّا الثانية فلأنّ العنوان هو المواقعة الصادقة على ما إذا تقدّمها مفطر آخر.

و في الصورة الثالثة تكفي كفارة الجمع، إذ ليس للمفطر الآخر تأثير.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 و 2 و 3.

321

[المسألة 10: لو علم أنّه أتى بما يوجب فساد الصوم و تردّد بين ما يوجب القضاء فقط أو يوجب الكفّارة أيضا]

المسألة 10:

1. لو علم أنّه أتى بما يوجب فساد الصوم و تردّد بين ما يوجب القضاء فقط أو يوجب الكفّارة أيضا لم تجب عليه.

2. و إذا علم أنّه أفطر أيّاما و لم يدر عددها يجوز له الاقتصار على القدر المعلوم.

3. و إذا شكّ في أنّه أفطر بالمحلّل أو المحرّم كفاه إحدى الخصال.

4. و إذا شكّ في أنّ اليوم الّذي أفطره كان من شهر رمضان أو كان من قضائه و قد أفطر قبل الزوال لم تجب عليه الكفّارة.

5. و إن كان قد أفطر بعد الزوال كفاه إطعام ستين مسكينا، بل له الاكتفاء بعشرة مساكين. (1)

____________

(1) تتضمن المسألة فروعا خمسة، و أساس الأحكام المذكورة هو انّه إذا دار الأمر بين الأقل و الأكثر فهو مجرى للبراءة دون ما إذا دار الأمر بين المتباينين، فالمحكّم هو الاحتياط و إليك التطبيق:

أمّا الصورة الأولى، فلدوران الأمر بين الأقل و الأكثر، فوجوب القضاء معلوم على كلّ حال، و الكفارة مشكوكة الوجوب تجري فيها البراءة.

أمّا الصورة الثانية، فكذلك: فإذا تردّد الفائت بين عشرة أو عشرين، فوجوب الأقل معلوم و وجوب الأكثر مشكوك يقع مجرى للبراءة.

و ربما يقال بالاحتياط، و ذلك بوجهين:

1. انّ التكليف بصوم شهر رمضان قد تنجّز في ظرفه و شكّ في الخروج عن‌

322

..........

____________

عهدة التكليف المعلوم بإتيان الأقل، فلا تحصل البراءة اليقينية إلّا بالإتيان بالأكثر.

يلاحظ عليه: أنّ التكليف بشهر رمضان لمّا سقط بالعصيان، في المقام، فحدث تكليف جديد باسم القضاء مردّد بين الأقل و الأكثر، فتجري البراءة في الأكثر المحتمل.

2. المفروض انّه كان ذاكرا المقدار الفائت من الصوم و تنجز الواقع عند ذاك ثمّ طرأ النسيان، ففي مثله يجب الخروج عن عهدة التكليف على وجه اليقين.

و لا يحصل البراءة إلّا بالاحتياط.

يلاحظ عليه: أنّ العلم السابق إنّما ينجز إذا كان موجودا، فإذا انعدم بطروء النسيان فقد زال تنجزه.

فإن قلت: ربما يزول العلم و يبقى أثره، كما إذا أراق أحد الإناءين المشتبهين، فليس عندئذ علم إجمالي بنجاسة الإناء الباقي أثره.

قلت: الفرق بين المقامين واضح، لأنّ العلم في مورد الاناءين بكمّه و كيفه موجود في ظرفه حتى بعد الإراقة، أي يعلم أنّ أحد الإناءين كان نجسا قبل الإراقة، و هذا بخلاف المقام، إذ ليس في المقام بعد النسيان إلّا العلم بأصل الفوت، و أمّا مقداره فهو مجهول.

و منه يعلم عدم وجوب الكفّارة إلّا بالمقدار المتيقن قضاؤه، و أمّا المشكوك، فلا يجب قضاؤه و لا كفّارته.

و أمّا الصورة الثالثة، فلجريان البراءة عن وجوب جميع الخصال، و تصور تردّد الواجب بين عنوانين متباينين: إحدى الخصال أو جميعها، فيجب الاحتياط، مدفوع بأنّ العنوانين يشيران إلى الخارج، و هو تردّد الواجب في نظر العقل مردّد بين واحد أو كثير.

323

..........

____________

أمّا الصورة الرابعة، أعني: ما إذا أفطر قبل الزوال و دار الأمر بين كونه من رمضان فتتعلّق به الكفارة، أو من قضائه فلا تتعلّق، فيدور الأمر بين وجوب الكفّارة و عدمه فيكون مجرى للبراءة.

و أمّا الصورة الخامسة، و هي نفس الصورة لكن أفطر بعد الزوال، فتردد بين كونه من قضاء شهر رمضان، فيكفي في كفارته إطعام عشرة مساكين- على ما مرّ- أو من رمضان، فلا تكفي إلّا إطعام ستين مسكينا، و قد أفتى الماتن بكفاية الأقلّ.

فاستدل السيد الحكيم عليه بقوله: إنّ الشكّ المذكور يوجب العلم إجمالا بوجوب التصدّق على عشرة مساكين تعيينا، أو بوجوب الصدقة على ستين مسكينا تخييرا بينه و بين العتق و صوم شهرين متتابعين، فالتصدق على عشرة مساكين مما يعلم بتعلّق الطلب به المردّد بين التعيين و التخيير، و لأجل ذلك يعلم بتحقّق الامتثال به و يشك في وجوب الزائد عليه، فيرجع فيه إلى أصل البراءة. (1)

و أورد عليه المحقّق الخوئي بالمنع عن كون المقام من قبيل الدوران بين التعيين و التخيير، ليؤخذ بالمتيقن في مقام الجعل و يدفع الزائد بالأصل، و ذلك لما ذكرناه في محلّه من الأصول من أنّ متعلّق الوجوب إنّما هو الجامع الانتزاعي المنطبق على كلّ من الطرفين أو الأطراف، و ليس الطرف بنفسه متعلقا للتكليف بوجه، و إنّما هو محقّق للامتثال، و عليه ففي المقام نعلم إجمالا بتعلّق الطلب إمّا بالعنوان الجامع، أعني: إحدى الخصال من إطعام الستين و أخويه، أو بإطعام عشرة مساكين. و من الضروري انّ العشرة مباينة مع الجامع المزبور و ليس أحدهما متيقنا بالإضافة إلى الآخر ليؤخذ به و يدفع الزائد بالأصل. نعم العشرة متيقنة بالإضافة إلى الستين، و لكن الستين ليس متعلّقا للتكليف جزما، فكما أنّ مقتضى‌

____________

(1). المستمسك: 8/ 358.

324

..........

____________

الأصل عدم تعليق التكليف بالجامع كذلك مقتضاه عدم تعلّقه بالعشرة، فيسقطان بالمعارضة، فلا بدّ من الاحتياط، و يتحقّق: إمّا بالجمع بين العشرة و بين العتق أو الصيام، و إمّا باختيار الستين للقطع بتحقّق الامتثال في ضمنه، إمّا لكونه عدلا للواجب التخييري، أو لأجل اشتماله على العشرة و زيادة. (1)

يلاحظ عليه: أنّه مبني على أنّ الواجب في الواجب التخييري هو العنوان الانتزاعيّ المنطبق على كلّ واحد من الأطراف، و لكنّه أحد الآراء و ليس على تعيّنه دليل، لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه، فانّ الظاهر انّ الواجب هو كلّ واحد من الأطراف لكن على وجه لو أتى بواحد منها سقط التكليف عن غيره بخلاف الواجب التعييني بالنسبة إلى تعييني آخر، فانّ الإتيان به لا يسقط التكليف عن الآخر، و ذلك لأجل تعدّد الملاك في الأخير و وحدته في الأوّل و حصوله بكلّ واحد منهما.

و يؤيد ذلك ظهور الآية فيما ذكرنا، أعني: قوله سبحانه في كفارة اليمين:

فَكَفّٰارَتُهُ إِطْعٰامُ عَشَرَةِ مَسٰاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ ذٰلِكَ كَفّٰارَةُ أَيْمٰانِكُمْ إِذٰا حَلَفْتُمْ. (2)

فانّ الآية ظاهرة في تعلّق التكليف بنفس العناوين لا بالأمر الانتزاعي الجامع بينها و كلّ واحد من الأمور الثلاثة واجب تعلق به الطلب لكن على وجه لو أتى بواحد منها، يسقط الطلب عمّا عداه.

و على ذلك فنحن نعلم بوجوب إطعام العشرة: إمّا تعيينا إذا أفطر قضاء شهر رمضان، أو في ضمن ستين مسكينا تخييرا بينه و بين أخويه، فينتج العلم بوجوب العشرة و الشكّ في تعلّقه بالزائد عنه.

____________

(1). مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم: 1/ 325- 326 بتلخيص.

(2). المائدة: 89.

325

[المسألة 11: إذا أفطر متعمّدا ثمّ سافر بعد الزوال لم تسقط عنه الكفّارة]

المسألة 11: إذا أفطر متعمّدا ثمّ سافر بعد الزوال لم تسقط عنه الكفّارة بلا إشكال، و كذا إذا سافر قبل الزوال للفرار عنها، بل و كذا لو بدا له السفر لا بقصد الفرار على الأقوى، و كذا لو سافر فأفطر قبل الوصول إلى حدّ الترخّص، و أمّا لو أفطر متعمّدا ثمّ عرض له عارض قهريّ من حيض أو نفاس أو مرض أو جنون أو نحو ذلك من الأعذار ففي السقوط و عدمه وجهان، بل قولان، أحوطهما الثاني و أقواهما الأوّل. (1)

____________

و مع هذا فنحن لا نؤمن بالانحلال و حصول العلم التفصيلي بوجوب العشرة، و ذلك لأنّ العلم التفصيلي بوجوب الأقل على كلّ تقدير، معلول العلم إجمالي إمّا بوجوب العشرة بنفسها أو في ضمن إطعام ستين مسكينا مع أخويه، و هذا العلم الإجمالي هو العلّة لحصول العلم التفصيلي، و مع ذلك كيف يكون العلم التفصيلي سببا هادما للعلم الإجمالي بإجراء الأصل عن وجوب إطعام ستين مسكينا مع أخويه، و هذا أشبه بكون المعلول هادما لعلته.

و هذا نفس الإشكال الذي أورده المحقّق الخراساني على القائلين بالانحلال في الواجب المردّد بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، و نحن و إن أجبنا عن إشكاله في الأصول لكن الجواب المذكور غير ناجع في المقام، كما هو الظاهر لمن أمعن النظر في جوابنا. (1)

(1) موضوع المسألة من أفطر صوما تتعلّق الكفارة بإفطاره، و لكنّه طرأ عليه عنوان مسوغ للإفطار، فهل يكون ذلك كاشفا عن عدم وجوب الصوم عليه في الواقع، و بالتالي عدم كونه مفطرا للصوم.

____________

(1). لاحظ المحصول: 3/ 548.

326

..........

____________

ثمّ إنّ للمسألة فروعا:

الأوّل: إذا أفطر بلا مسوّغ و طرأ عليه عنوان لم يكن مسوّغا له، كما إذا أفطر قبل الزوال و سافر بعده، فانّ السفر بعد الزوال لا يؤثر في جواز الإفطار عندنا و عند عامة الفقهاء إلّا أحمد. (1)

و هذه الصورة خارجة عن المقسم، أعني: طروء عنوان يرخّص الإفطار.

الثاني: إذا أفطر ثمّ سافر قبل الزوال للفرار عن الكفارة.

الثالث: إذا أفطر ثمّ سافر قبل الزوال لقضاء الحاجة.

الرابع: إذا أفطر و طرأ عليه عنوان مسوغ للإفطار خارج عن الاختيار، كما إذا حاضت أو نفست أو مرض أو جنّ و غير ذلك.

هذه هي صور المسألة.

و أما الأقوال، فهي ثلاثة: فمن قائل بوجوب الكفارة مطلقا، إلى آخر بعدمه مطلقا، إلى ثالث قائل بالتفصيل.

أمّا الأوّل، فهو خيرة الشيخ في الخلاف، فقال بعدم سقوط الكفّارة و أضاف:

و للشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه و هو أقيسهما؛ و الثاني: لا كفارة عليه، و به قال أبو حنيفة. (2)

و أمّا الثاني، فلم نجد من الأصحاب قائلا به، و حكاه الشيخ في الخلاف عن أبي حنيفة، و وجهه كون السفر كاشفا عن عدم وجوب الصوم عليه، فلا تتعلّق الكفارة بالإفطار المجاز واقعا.

و أمّا الثالث، فهو خيرة العلّامة في المختلف قال: الأقرب عندي السقوط إن‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 219، كتاب الصوم، المسألة 80.

(2). الخلاف: 2/ 219، كتاب الصوم، المسألة 79.

327

..........

____________

كان المسقط من قبل اللّه تعالى كالحيض و المرض و الإغماء و الجنون، أو من قبله و إن كان باختياره لا لذلك كالسفر، أمّا لو كان غرضه من فعل المسقط إسقاط الكفّارة فلا، كما لو أفطر ثمّ خرج إلى السفر لإسقاطها، فان الكفارة لا تسقط عنه. (1)

و هناك تفصيل آخر اختاره السيد الحكيم (قدّس سرّه) و هو التفريق بين الناقض الاختياري و عدمه مطلقا، فلا يسقط في الأوّل و يسقط في الثاني. (2)

و إليك دراسة الأقوال.

أمّا الأوّل فله وجهان:

1. ما ذكره المحقّق الخوئي (قدّس سرّه) و حاصله: انّ الإفطار الموضوع لوجوب الكفّارة عبارة عن نقض العدم، و قلبه إلى الوجود، لأنّه في مقابل الإمساك الذي هو صوم لغويّ، و لا يتوقف صدقه على تحقّق الصوم الشرعي بل كان مأمورا بالإمساك سواء أ كان ذلك مصداقا للصوم الشرعي أيضا أم لا.

و حاصله: انّ المكلّف في هذه الفترة ليس مأمورا بالصوم بل مأمور بالإمساك إلى أن يسافر، أو يطرأ عليه طارئ، فلو تناول المفطر لصدق عليه انّه أفطر.

يلاحظ عليه: أنّ القدر المتيقن من الأدلة هو المفطر لصومه، فالموضوع للكفارة هو إفطار الصائم بلا مسوغ لا إفطار الممسك بلا مسوغ.

2. انّ المكلّف في هذه الفترة صائم ظاهرا و واقعا، فلو أفطر، فقد أفطر صائما فتعمّه أدلة الكفّارة.

____________

(1). المختلف: 3/ 452.

(2). مستمسك العروة الوثقى: 8/ 360.

328

..........

____________

توضيحه: أ. انّ عدم السفر ليس شرطا للصوم و لا قيدا للواجب و إنّما هو ناقض له، فإذا تحقق، ينقض الصوم شأن كلّ مانع و قاطع و ناقض، و قد ذكرنا في محله انّ كون الشي‌ء مانعا، ليس بمعنى أخذ عدمه في جانب المأمور، بل وجوده، مانع عن تحقّق الواجب، فلو كان حين الفجر حاضرا يكون مأمورا بالصوم غاية الأمر لو سافر، يكون السفر ناقضا و مانعا عن استدامته، لا انّ وجوب الصوم مقيد بعدم السفر في ذلك اليوم، نعم لو كان حين الفجر مسافرا فهو غير مكلّف بالصوم لوجود المانع من أوّل الأمر، و لذلك قال سبحانه: وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ.

ب. ليس الصوم علما، للإمساك مع النية من مطلع الفجر إلى المغرب، بل هو يصدق على القليل و الكثير، كالصلاة و الماء، فهو بين الحدين صائم، فلو أفطر فقد أفطر صائما.

ج. انّه مكلف بالإمساك مع النّية بين الحدين، و لذلك لا يجوز له الإفطار قبل الوصول إلى حدّ الترخص، و لا يجوز على المرأة الإفطار حتى تطمث. (1)

و على ضوء ذلك، تجب عليه الكفّارة مطلقا من غير فرق بين الاختيار و الاضطرار.

و أمّا القول الثاني، أعني: السقوط مطلقا، فهو مبني على أنّه غير مكلف بالصوم في علم اللّه، فلو أفطر، فقد أفطر و هو غير صائم، فلا تترتب عليه الكفّارة.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 2 و 4.

329

..........

____________

يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّه ليس قيدا للوجوب و لا للواجب، غير انّ بينه و بين الصوم منافرة و تمانع، و معه لا دليل على أنّه غير مكلّف بالصوم بالمقدار الممكن.

و أمّا التفصيل بين الاختياري و الاضطراري فهو خيرة السيد الحكيم و حاصل ما أفاده: انّ موضوع الكفارة: الصوم الصحيح الواجب على المكلّف صحّة تأهلية، و هذا المعنى لا يختل بوجود السفر باختياره.

نعم لو كان السفر غير اختياري كان موجبا للمنع عن التكليف بالصوم، لأنّه مع الاضطرار إلى السفر لا يقدر على إتمامه فلا يكون مكلّفا به فينتفي موضوع الكفارة، لأنّه الصوم الواجب. و أمّا السفر الاختياري فلا يمنع عن القدرة على الصوم التامّ، و لا عن التكليف به من غير جهة السفر. (1)

يلاحظ عليه: بأنّه مبني على تقييد الواجب بعدم طروء الطوارئ إلى نهاية اليوم، فعندئذ لا يكون الصوم أمرا مقدورا في الواقع و مكلّفا به. و لكنّك عرفت انّ مرجع المانع أو الناقض إلى وجود التباين و التنافي بين الأمرين على نحو يزاحم الآخر، لا إلى وجوب الواجب مشروط بعدمه، فعندئذ لا مانع من تعلّق خطاب الصوم به في مطلع الفجر غاية الأمر إذا طرأ المانع يكون الاستمرار أمرا غير مقدور.

ثمّ إنّه يمكن أن يستدل على عدم سقوط الكفّارة بما رواه زرارة و محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«أيّما رجل كان له مال حال عليه الحول، فإنّه يزكّيه»، قلت له: فإن وهبه قبل حلّه بشهر أو بيوم؟ قال (عليه السلام): «ليس عليه شي‌ء أبدا».

____________

(1). المستمسك: 8/ 360.

330

..........

____________

و قال زرارة عنه (عليه السلام): «إنّما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في إقامته، ثمّ يخرج في آخر النهار في سفر، فأراد بسفره إبطال الكفارة التي وجبت عليه».

و قال: «إنّه حين رأى الهلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة، و لكنّه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز و لم يكن عليه شي‌ء بمنزلة من خرج ثمّ أفطر». (1)

لقد شبه الإمام من وهب المال الذي تعلّقت الزكاة به بعد حلول الحول، بمن أفطر ثمّ خرج بعد الزوال كما شبّه من وهب قبل حلوله، بمن خرج ثمّ أفطر، فكما أنّ الهبة بعد التعلّق، لا يؤثر في وجوب الزكاة فهكذا الإفطار أوّلا، ثمّ السفر ثانيا، لا يؤثر في الحكم الشرعي، فعليه القضاء و الكفّارة.

و أورد عليه السيد الحكيم: بأنّ مورده السفر بعد الزوال في آخر النهار، و قد عرفت أنّه لا إشكال في عدم إسقاطه للكفّارة. (2)

و يمكن أن يقال: إنّ وجه التقييد به لأجل حفظ المشابهة بين الموردين، فانّ الزكاة لا تتعين إلّا بحلول الحول، فهكذا الصوم لا يتعين إلّا بدخول الزوال، فناسب التمثيل بمورد يتعين فيه الزمان للصوم، و ليس هو إلّا إدراك الإنسان الزوال صائما.

و بذلك يعلم تعلّق الكفارة بجميع الصور، لأنّه أفطر و كان مكلّفا بالصوم و تصور انّ المكلّف مع السفر الاضطراري لا يقدر على إتمامه فلا يكون مكلّفا به و مثله سائر الموانع الاضطرارية غير تام، لأنّه يكشف عن عدم وجوب الصوم التام، لا المقدار الذي وجب عليه الصوم ظاهرا و واقعا. و ليس للمرأة التعلل من غسل الجنابة بحكم علمه بأنّها تحيض أثناء النهار، لأنّها مأمورة بالصوم ما دام لم‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 58، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(2). المستمسك: 8/ 359.

331

[المسألة 12: لو أفطر يوم الشكّ في آخر الشهر ثمّ تبيّن أنّه من شوّال]

المسألة 12: لو أفطر يوم الشكّ في آخر الشهر ثمّ تبيّن أنّه من شوّال فالأقوى سقوط الكفّارة، و إن كان الأحوط عدمه، و كذا لو اعتقد أنّه من رمضان ثمّ أفطر متعمّدا فبان أنّه من شوّال أو اعتقد في يوم الشكّ في أوّل الشهر أنّه من رمضان فبان أنّه من شعبان. (1)

[المسألة 13: قد مرّ أنّ من أفطر في شهر رمضان عالما عامدا إن كان مستحلا فهو مرتدّ]

المسألة 13: قد مرّ أنّ من أفطر في شهر رمضان عالما عامدا إن كان مستحلا فهو مرتدّ، بل و كذا إن لم يفطر و لكن كان مستحلا له، و إن لم يكن مستحلا عزّر بخمسة و عشرين سوطا، فإن عاد بعد التعزير عزّر ثانيا، فإن عاد كذلك قتل في الثالثة، و الأحوط قتله في الرابعة. (2)

____________

تحض، فإذا حاضت انقطع الوجوب، لا انّه كشف عن عدم وجوب الصيام عليها رأسا.

و بالجملة فالمحكّم هو إطلاق الدليل، و هو شامل لهذه الأصناف و ليس الموضوع كونه عاريا عن المانع في علم اللّه إلى الغروب، إذ ليس علمه سبحانه موضوعا للتكليف.

(1) وجه هذه الفروع الثلاثة واضحة، لأنّ الحكم تابع لموضوعه واقعا، و المفروض انّه لم يكن من رمضان، بل كان إمّا من شعبان، أو من شوال، فلم يكن الصوم واجبا حتى تتعلق به الكفارة و ما احتاط به ليس له وجه.

نعم هو متجرّ و عليه ما على المتجرّي من الحكم.

(2) مرّ الكلام فيه في صدر الكتاب، و المسألة مطروحة في كتاب الحدود، و يطلب التفصيل من هناك.

332

[المسألة 14: إذا جامع زوجته في شهر رمضان و هما صائمان مكرها لها كان عليه كفّارتان و تعزيران]

المسألة 14: إذا جامع زوجته في شهر رمضان و هما صائمان مكرها لها كان عليه كفّارتان و تعزيران خمسون سوطا، فيتحمّل عنها الكفّارة و التعزير، و أمّا إذا طاوعته في الابتداء فعلى كلّ منهما كفّارته و تعزيره، و إن أكرهها في الابتداء ثمّ طاوعته في الأثناء فكذلك على الأقوى، و إن كان الأحوط كفّارة منها و كفّارتين منه، و لا فرق في الزوجة بين الدائمة و المنقطعة. (1)

____________

(1) في المسألة قولان، و المشهور انّه يجب عليه كفّارتان، و القول الآخر لابن أبي عقيل انّ عليه كفارة واحدة.

قال الشيخ في الخلاف: يجب بالجماع كفّارتان: إحداهما: على الرجل، و الثانية: على المرأة إن كانت مطاوعة له، فإن استكرهها كان عليه كفّارتان.

و قال الشافعي في القديم و الأم: كفّارة واحدة، و عليه أصحابه و به يفتون.

و هل عليه أم عليها، و يتحملها الزوج على وجهين. و قال في الإملاء: كفارتان: على كلّ واحد منهما كفارة كاملة من غير تحمل، و به قال مالك و أبو حنيفة. (1)

و قال ابن أبي عقيل: و لو انّ امرأة استكرهها زوجها فوطأها، فعليها القضاء وحده و على الزوج القضاء و الكفارة.

و قال ابن إدريس: إذا أكرهها لم يكن عليها قضاء و لا كفارة.

يقع الكلام تارة في مقتضى القاعدة الأوّلية، و أخرى في مقتضى النصوص الواردة في المسألة.

أمّا الأوّل: فلو كان الإكراه مستمرا، لم يتعلّق بالزوج إلّا كفارة واحدة؛ و أمّا الكفارة الثانية، فلا وجه لها، أمّا على القول بصحّة صوم الزوجة، كما هو الأقوى؛

____________

(1). الخلاف: 2/ 182، كتاب الصوم، المسألة 26، و لم يعلم مورد قوله: «و قال في الاملاء» فهل هو ناظر إلى صورة المطاوعة أو الاكراه؟

333

..........

____________

و عليه ابن إدريس في سرائره. (1) فواضح إذ الكفارة فرع فساد الصوم و المفروض صحّته و أمّا على القول الآخر، من بطلان صومها، فالكفارة مرفوعة بحكم حديث الإكراه، فليس هنا كفّارة حتى يتحمّلها الزوج، و على فرض عدم رفعها، فانتقال الكفّارة من شخص إلى شخص آخر يحتاج إلى الدليل.

أمّا الملفّق من الطاعة و الإكراه، فلو كانت مطاوعة في الابتداء فلكلّ كفارته، و ذلك لأنّها أفسدت صومها بالجماع عن طوع و رغبة، و لو رضيت في الآخر، بعد ان كانت مستكرهة في الابتداء، فعدم تعلّقها بها رهن شمول حديث الإكراه بهذا القسم، فهي مكرهة في بعض الوقت و مختارة في البعض الآخر، و لعلّ الحديث منصرف عن هذه الصورة.

فتبين انّ مقتضى القاعدة، وجوب كفّارة واحدة على الزوج في الأوّلين من الصورة و كفّارتين إحداهما للزوج و الأخرى للزوجة في ثالثها.

و أمّا حسب النص الوارد في المسألة فقد روى الكليني، عن علي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد اللّه بن حماد، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أتى امرأته و هو صائم و هي صائمة؟ فقال: إن كان استكرهها فعليه كفّارتان، و إن كانت طاوعته فعليه كفّارة و عليها كفّارة، و إن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد، و إن كانت طاوعته ضرب خمسة و عشرين سوطا و ضربت خمسة و عشرين سوطا». (2)

و الاستدلال رهن صحّة السند أو جبر ضعفه إذا كان ضعيفا.

أمّا علي بن محمد بن بندار فهو شيخ الكليني لم يوثق؛ و أمّا إبراهيم بن إسحاق الأحمر، فهو النهاوندي الذي قال في حقّه النجاشي: كان ضعيفا في حديثه (3)؛ و أمّا عبد اللّه بن حماد، فهو ثقة بلا ريب عرّفه النجاشي بقوله: من‌

____________

(1). السرائر: 1/ 386.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(3). رجال النجاشي: 1/ 94 برقم 20.

334

..........

____________

شيوخ أصحابنا، له كتابان (1)؛ و أمّا المفضل فقد اختلفت فيه كلمة الرجاليين، و إن كان الأقوى وثاقته.

فخرجنا بتلك النتيجة أنّ السند لا يحتج به، إلّا أنّ الظاهر عمل المشهور به، قال المحقّق: إنّ سندها ضعيف لكن علماءنا ادّعوا على ذلك إجماع الإمامية، و مع ظهور القول بها و نسبة الفتوى إلى الأئمّة (عليهم السلام) يجب العمل بها. (2) و مع شهادة فقيه كالمحقّق، يحصل الاطمئنان بصدور الرواية عنهم (عليهم السلام) و إن كان السند غير نقيّ لما عرفت من أنّ الحجّة هو الموثوق صدوره.

قد عرفت مقتضى القاعدة الأوّلية و أنّه لا يجب على الزوج مطلقا كفّارتان، و أمّا الزوجة فهي بينما لا تجب عليها الكفّارة مطلقا كما إذا كانت مستكرهة، أو تجب عليها كفّارة واحدة كما في الصورتين الملفّقتين.

و أمّا إذا عملنا بالرواية، فإن قلنا بأنّها ناظرة إلى صورة واحدة، أعني: ما إذا كان الإكراه مستمرا، فيرجع في غيرها إلى القواعد الأوّلية و قد عرفت مقتضاها.

و أمّا لو قلنا بعدم الاختصاص، ففيما إذا كانت مطيعة في بدء الأمر فلكلّ كفارته، و ليس للإكراه بعد الطاعة أثر، لبطلان صومها بالمطاوعة أوّلا. و أمّا إذا كانت مستكرهة في بدئه و مطيعة في الأثناء، فقد قوى الماتن وحدة حكم الصورتين، و انّه ليس عليه كفّارتان، و لعلّه لظهور الخبر في استمرار الإكراه إلى الفراغ، فليس لمثل هذا النوع من الإكراه أثر كما في الصورة الأولى أيضا.

و لكنّه على فرض الثبوت ظهور بدئي، لصدق أنّه أكرهها على الجماع و أفسدت صومها فعليها الكفّارة، و ما احتاط به هو الأقوى، حيث قال: و إن كان الأحوط كفارة منها و كفّارتين منه.

و أمّا أنّه لا فرق بين الدائمة و المنقطعة فهو مقتضى الإطلاق.

____________

(1). رجال النجاشي: 2/ 15 برقم 566.

(2). المعتبر: 2/ 681.

335

[المسألة 15: لو جامع زوجته الصائمة و هو صائم في النوم لا يتحمّل عنها الكفّارة و لا التعزير]

المسألة 15: لو جامع زوجته الصائمة و هو صائم في النوم لا يتحمّل عنها الكفّارة و لا التعزير كما أنّه ليس عليها شي‌ء و لا يبطل صومها بذلك، و كذا لا يتحمّل عنها إذا أكرهها على غير الجماع من المفطرات حتّى مقدّمات الجماع و إن أوجبت إنزالها. (1)

[المسألة 16: إذا أكرهت الزوجة زوجها لا تتحمّل عنه شيئا]

المسألة 16: إذا أكرهت الزوجة زوجها لا تتحمّل عنه شيئا. (2)

[المسألة 17: لا تلحق بالزوجة الأمة إذا أكرهها على الجماع و هما صائمان]

المسألة 17: لا تلحق بالزوجة الأمة إذا أكرهها على الجماع و هما صائمان، فليس عليه إلّا كفّارته و تعزيره و كذا لا تلحق بها الأجنبيّة إذا أكرهها عليه على الأقوى، و إن كان الأحوط التحمّل عنها خصوصا إذا تخيّل أنّها زوجته فأكرهها عليه. (3)

____________

(1) لخروج المورد عن النص، و قد عرفت أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية، مضافا إلى ما قيل من أنّ الكفارة لأجل فساد الصوم و المفروض عدم بطلان صومها، لعدم صدور عمل منه.

و قد عرفت عدم بطلان صومها إذا كانت شاعرة وفاقا لابن إدريس.

(2) للأصل و عدم الدليل.

(3) و احتمل العلّامة شمول الحديث للأمة لقوله «إلى امرأته» و لم يقل زوجته.

لو أكره أجنبية على الفجور، قال الشيخ في المبسوط: ليس لأصحابنا فيه نص، و الذي يقتضيه الأصل أنّ عليه كفارة واحدة؛ لأنّ حملها على الزوجة قياس لا نقول به. قال: و لو قلنا: إنّ عليه كفارتين لعظم المأثم فيه كان أحوط. (1)

____________

(1). المختلف: 3/ 429؛ المبسوط: 1/ 275.

336

[المسألة 18: إذا كان الزوج مفطرا بسبب كونه مسافرا أو مريضا أو نحو ذلك و كانت زوجته صائمة]

المسألة 18: إذا كان الزوج مفطرا بسبب كونه مسافرا أو مريضا أو نحو ذلك و كانت زوجته صائمة لا يجوز له إكراهها على الجماع و إن فعل لا يتحمّل عنها الكفّارة و لا التعزير، و هل يجوز له مقاربتها و هي نائمة إشكال. (1)

____________

أقول: القياس الأولوي إنّما يصحّ إذا كان الحكم على وفق القاعدة، لا ما إذا كان على خلافها كما في المقام، و أيضا أنّ الكفّارة لتكفير الذنب فقد يكون الذنب كبيرا لا يؤثر في إسقاطه و لا في تخفيفه الكفّارة. (1)

(1) في المسألة فروع:

1. إذا كان الزوج غير صائم و الزوجة صائمة، فهل يجوز إكراهها على الجماع أو لا؟

ذهب صاحب المدارك إلى عدم الجواز، و قال: إنّ الأصح التحريم، لأصالة عدم إجبار المسلم على غير الحقّ الواجب عليه. و قال في الجواهر: و فيه بحث. (2)

أقول: يقع الكلام في موضعين:

1. إكراه الزوجة على الأمر المباح، الذي عبّر عنه صاحب المدارك بغير الحقّ الواجب.

2. إكراهها على الأمر المحرم.

أمّا الأمر الأوّل: فهو على قسمين: إمّا يكون فعل المباح مزاحما لحقّ الانتفاع بحقّه الشرعي، أو لا يكون.

____________

(1). المختلف: 3/ 430.

(2). الجواهر: 16/ 309- 310.

337

..........

____________

فعلى الأوّل، يجوز الإكراه، بل يحرم عليها الاشتغال بالأمر المباح المزاحم لحقّ الزوج، و على الثاني، لا يجوز الإكراه، لأنّه يتضمن الإيذاء و هو أمر محرم، مخصوصا إذا توصل إليه بالتوعد بأمر محرم كالضرب و الهتك و غيره.

نعم للزوج أن يتوصل إلى إكراهها إلى ترك أمر مباح بالتوعيد بأمر مشروع، كما إذا قال: لو اشتغلت بهذا الأمر لطلّقتك، أو تزوّجت عليك بزوجة أخرى، بل يجوز هذا النوع من الإكراه في حقّ غيرها كالأصدقاء و الجيران كمالا يخفى.

فتلخص انّه يجوز الإكراه على ترك المباح إذا كان مزاحما لحقوق الزوج، و إلّا فلا يجوز، خصوصا إذا توعدها بالضرب و الهتك، إلّا إذا هددها بالانتفاع بحقّ مشروع للمكره كما عرفت.

و أمّا الإكراه على أمر محرم: كما في المقام فلا يجوز، لأنّ المجامعة في هذه الحالة أمر مبغوض عند الشرع سواء أتوصل إليه مباشرة أو تسبيبا، فالإكراه من أدوات الأخير، من غير فرق بين إيعادها بأمر مباح كالطلاق و التزويج بثانية، أو بأمر محرم كالضرب.

و ذلك لأنّ مقتضى الجمع بين حقّه سبحانه، و حقّ الزوج و وجوب إطاعته، فانّ حقّ طاعته كحقّ إطاعة الوالدين محدد بغير المعصية، قال سبحانه: وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلٰا تُطِعْهُمٰا. (1)

و يظهر من السيد الخوئي (قدّس سرّه) انّه لو كانت المرأة مستطيعة و لكن الزوج لا تسمح له نفسه بذهابها إلى الحج، فيعدم موضوع الاستطاعة بالإكراه فيقول: إن‌

____________

(1). لقمان: 15.

338

..........

____________

ذهبت إلى الحجّ طلّقتك أو تزوجت عليك أخرى، و كلّ من الطلاق و التزويج حرج عليها و هو أمر سائغ في الشريعة الإسلامية حتى ابتداء و من غير إكراه، أ فهل هناك مانع من جواز هذا الإكراه؟! (1)

أقول: المانع موجود، و ذلك لأنّ الحجّ مطلوب للشارع لا يرضى بتركه فالتسبيب إليه و لو بالتوصل بالانتفاع بحقّ شرعي، مبغوض أيضا، كما أنّ إفساد الصوم أمر مبغوض، فالتسبب إليه- و لو بالتهديد بالانتفاع بحقّ مشروع- مبغوض مثله، و قد عرفت أنّ مقتضى الجمع بين الحقّين، هو تحديد الانتفاع بالحقّ بغير ما ينتهي إلى ترك المطلوب أو فعل المبغوض.

2. إذا أكرهها على الجماع- سواء أقلنا بجوازه أم بحرمته- فيقع الكلام في تعلّق الكفّارة في الزوجة و الزوج و عدمه.

أمّا على الزوجة فلا لكونها مكرهة، بل يصحّ صيامها على الأقوى؛ و أمّا على الزوج، لما عرفت من أنّه على خلاف القاعدة، و هو خارج عن مورد النصّ.

3. هل يجوز مقاربتها و هي نائمة؟

فيه إشكال، ناش من ثبوت الحقّ له في هذه الحالة، و عدم صدور الفعل على وصف المبغوضية، و من أنّ مقتضى الجمع بين وجوب التمكين، و وجوب الصوم، اختصاص حقّه بغير تلك الحالة، و عدم صدور مبغوض منها لا مباشرة و لا تسبيبا، غير كاف في جوازه، لعدم وجود الإطلاق في دليل التمكين.

____________

(1). مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم: 1/ 347- 348.

339

[المسألة 19: من عجز عن الخصال الثلاث في كفّارة مثل شهر رمضان]

المسألة 19: من عجز عن الخصال الثلاث في كفّارة مثل شهر رمضان تخيّر بين أن يصوم ثمانية عشر يوما أو يتصدّق بما يطيق و لو عجز أتى بالممكن منهما و إن لم يقدر على شي‌ء منهما استغفر اللّه تعالى و لو مرة بدلا عن الكفّارة و إن تمكّن بعد ذلك منها أتى بها. (1)

____________

(1) في المسألة فروع:

الفرع الأوّل: من عجز عن الخصال الثلاث تخيّر بين أمرين.

الفرع الثاني: لو عجز عنهما أتى بالممكن منهما.

الفرع الثالث: إن لم يقدر استغفر اللّه و لو مرّة.

الفرع الرابع: و لو تمكن بعد ذلك أتى بها.

أمّا الفرع الأوّل: فقد ذهب المفيد، و السيد المرتضى، و ابن إدريس إلى تعيّن صوم ثمانية عشر يوما.

و قال ابن الجنيد، و الصدوق في المقنع: بالتصدق بما يطيق.

و قال العلّامة في المختلف: الأقرب عندي التخيير. و هو مقتضى الجمع بين الروايات، حيث دلّ بعضها على الأوّل، و بعضها على الثاني، فالجمع بعد كون الأصل عدم الترتيب فوجب القول بالتخيير. (1)

أمّا الأوّل: فاستدل بخبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام، و لم يقدر على العتق، و لم يقدر على الصدقة؟ قال: «فليصم ثمانية عشر يوما، عن كلّ عشرة مساكين‌

____________

(1). مختلف الشيعة: 3/ 444- 445.

340

..........

____________

ثلاثة أيّام». (1)

يلاحظ على الاستدلال أوّلا: بضعف السند، حيث ورد فيه إسماعيل بن مرّار، و عبد الجبار بن المبارك و لم يوثّقا و إن كانت القرائن تدل على وثاقة الأوّل.

و ثانيا: أنّ الحديث محمول على الظهار، بقرينة أنّه جعل كلّ ثلاثة أيّام بدلا من عشرة مساكين، لا بدلا من غيرها، و هذا يدل على تعيّن الإطعام عليه فصار صيام ثمانية عشر بدلا عنه و لا يتعين الإطعام إلّا في الخصال المترتبة، لا المخيّرة فانّ الجميع في عرض واحد.

و هذا الاحتمال قريب، خصوصا على نقل الشيخ في الاستبصار حيث ترك فيه قوله: «و لم يقدر على العتق» الذي توسط في الحديث بين العجز عن الصيام و العجز عن الإطعام، و عندئذ اقتصر الراوي على العجز عن الأمرين المترتبين، فأجاب الإمام بالبدل.

و ثالثا: أنّ صحيح أبي بصير، عن أبي عبد اللّه، يصلح أن يكون مبينا للمقصود، أعني: الحديث التالي.

2. قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ظاهر امرأته فلم يجد ما يعتق، و لا ما يتصدق و لا يقوى على الصيام؟ قال: «يصوم ثمانية عشر يوما، لكلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام». (2)

و يحتمل اتحاد الحديثين، و هو صريح في الظهار، فيكون خارجا عن محلّ البحث، أعني: كفارة إفطار شهر رمضان، و لا مانع من العمل بهما في موردهما إذا‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 1.

(2). الوسائل: الجزء 15، الباب 8 من أبواب الكفارات، الحديث 1.

341

..........

____________

صحّ جبر الضعف بعمل المشهور، و إن كان المتن غير خال عن الشذوذ لتقديم العجز عن التصدق، على العجز عن الصيام، مع أنّ مقتضى الترتب هو العكس.

فتبيّن أنّ ما استدل به على القول الأوّل غير ظاهر فيه بل ظاهر في غيره.

و أمّا ما يدل على القول الثاني، فهو صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أفطر من شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر، قال:

«يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر تصدق بما يطيق». (1)

و مثله صحيحته الأخرى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل وقع على أهله في شهر رمضان فلم يجد ما يتصدّق به على ستين مسكينا؟ قال: «يتصدق بقدر ما يطيق». (2) و الحديث محمول على عجزه عن الأمرين أيضا، و إلّا لم تصل النوبة إلى الأمر الرابع.

و الظاهر وحدة الروايتين، إذ من البعيد أن يسأل ابن سنان أبا عبد اللّه عن مسألة واحدة مرتين.

و أمّا القول الثالث: فمبني على تعارض الروايتين، و الجمع بينهما بالتخيير.

لكنّه فرع التعارض، لما عرفت من اختلاف موردهما، فما دلّ على صوم ثمانية عشر يوما، فإنّما ورد في المظاهر العاجز، و أمّا ما دلّ على التصدّق بما يطيق فإنّما ورد فيمن أفطر شهر رمضان بلا عذر، و عجز عن التكفير، فيعمل بكلّ في مورده.

و بذلك ظهرت قوة القول الثاني، الذي هو خيرة الصدوق في المقنع، دون الأوّل و دون القول بالتخيير.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

342

..........

____________

و هناك احتمال رابع، و هو الجمع بين الأمرين، لاحتمال أن يكون العدل المجعول في ظرف العجز عن الخصال الثلاث هو صوم ثمانية عشر يوما، و التصدق بما يطيق.

و هو ضعيف لم يقل به أحد، مضافا إلى استلزامه عدم كون الروايات بصدد بيان ما هو الواجب.

و هنا احتمال خامس، و هو الواجب على من عجز عن الخصال الثلاث هو الصدقة بما يطيق، مع الاستغفار، و يدل عليه أمران:

1. ما عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام): قال: سألته عن رجل نكح امرأته و هو صائم في رمضان ما عليه؟ قال: «عليه القضاء و عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فإن لم يجد فليستغفر اللّه». (1)

و مقتضى الرواية كون الاستغفار في رتبة التصدق بما يطيق.

يلاحظ عليه أوّلا: أنّ الرواية غير صالحة للاحتجاج، لأنّ السائل يسأل عن كفارة شهر رمضان، و الجواب جاء على وفق كفّارة الظهار.

و ثانيا: عدم ورود الأمر بالتصدق بما يطيق كاشف عن عدم كونها لبيان تمام الوظيفة.

و ثالثا: أنّ ما روي في كتاب المسائل لعلي بن جعفر لا يعادل ما جاء في الكتب الأربعة.

2. صحيح أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلّ من عجز عن الكفّارة التي تجب عليه من صوم، أو عتق، أو صدقة في يمين، أو نذر، أو قتل، أو غير‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 9.

343

..........

____________

ذلك ممّا يجب على صاحبه فيه الكفّارة، فالاستغفار له كفارة ما خلا يمين الظهار، فانّه إذا لم يجد ما يكفّر به، حرم عليه أن يجامعها، و فرّق بينهما إلّا أن ترضى المرأة أن يكون معها و لا يجامعها». (1)

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الرواية، هو العاجز عن مطلق الكفارة مبدلا و بدلا، كما يشير إليه في قوله: «أو غير ذلك ممّا يجب على صاحبه فيه الكفّارة» فلا يكون الاستغفار عندئذ في رتبة التصدق بما يطيق، بل في درجة متأخرة، كما يأتي في الفرع الثالث.

الفرع الثاني: ما أشار إليه بقوله: و لو عجز أتى بالممكن منهما.

و العبارة لا تخلو من مسامحة، فإنّ المفروض عجزه عن التصدق بما يطيق، و معه كيف يمكن أن يقال: و لو عجز أتى بالممكن منهما، و لعلّ الصحيح منها أي من ثمانية عشر، تمسكا بقاعدة الميسور.

و بما انّك عرفت أنّ مورد ما دلّ على صيام ثمانية عشر يوما، هو المظاهر العاجز، فلو صحّ التمسك بقاعدة الميسور لاختص بمورد الظهار، و لا يعمّ المفطر، فلو عجز المفطر عن التصدق بما يطيق، فلا شي‌ء عليه إلّا الاستغفار كما سيوافيك.

الفرع الثالث: إذا عجز عن كلّ شي‌ء فعليه الاستغفار: فيدلّ عليه مضافا إلى صحيح علي بن جعفر الماضي، صحيح أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلّ من عجز عن الكفارة التي تجب عليه، من صوم، أو عتق، أو صدقة في يمين، أو نذر، أو قتل، أو غير ذلك ممّا يجب على صاحبه فيه الكفارة، فالاستغفار له كفارة ما خلا يمين الظهار، فانّه إذا لم يجد ما يكفّر به حرم‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 15، الباب 6 من أبواب الكفارات، الحديث 1.

344

..........

____________

عليه أن يجامعها، و فرّق بينهما، إلّا أن ترضى المرأة أن يكون معها و لا يجامعها». (1)

الفرع الرابع: لو عجز عن الإتيان بإحدى الخصال، فانتقل إلى البدل، و هو إمّا ثمانية عشر، أو التصدّق بما يطيق، ثمّ تجددت القدرة على الإتيان بإحداها قال المصنف: «أتى بها». (2) و لعل الوجه: اختصاص البدلية بالعجز المستمر فإذا تمكن من ذلك، انكشف عدم البدلية، و ربما يفصل بين ما يجب فيه البدار إلى البدل، فيسقط المبدل منه بالإتيان بالبدل. و ما لا يجب فيه، فيكون إسقاط البدل مراعى باستمرار العجز.

كما ربما يفصل بين المؤقت و غيره، ففيما إذا كان المبدل منه من المؤقتات فلو كان له وقت معين و كان عاجزا عن الإتيان به في وقته و قد جعل له بدل، فمقتضى دليل البدلية بحسب الفهم العرفي وفاء البدل بكلّ ما يشمل عليه البدل معه في الملاك بخلاف ما إذا كان غير مؤقّت بزمان، بل يستمرّ ما دام العمر فلا ينتقل إلى البدل إلّا لدى العجز المستمرّ، فلو تجدّدت القدرة كشف ذلك عن عدم تحقق موضوع البدل و عدم تعلّق الأمر به.

و لكن الظاهر كفاية ما أتى، و ذلك لظهور الأمر بالبدل وفاؤه بكلّ ما يشمل المبدل منه من الملاك الذي نتيجته الاجزاء.

هذا من غير فرق بين كون المبدل منه من المؤقّتات، و قد عجز عن الإتيان به في وقته، أو كان غير مؤقت بزمان خاص، و سواء أ كان فوريا أو لم يكن، فانّ الأمر بالبدل في ظرف العجز دليل على أنّ المولى اقتصر في باب الامتثال بهذا المقدار،

____________

(1). الوسائل: الجزء 15، الباب 6 من أبواب الكفارات، الحديث 1.

(2). هذا هو المقصود من العبارة لا ما يظهر من المستمسك من أنّه إذا عجز عن الاستغفار، ثمّ تمكن منه، و أورد عليه انّ لازم عدم الاكتفاء، هو عدم اكتفاء بدلية الصوم ثمانية عشر، و الصدقة بما يطيق، فتدبر.

345

[المسألة 20: يجوز التبرّع بالكفّارة عن الميّت صوما كانت أو غيره]

المسألة 20: يجوز التبرّع بالكفّارة عن الميّت صوما كانت أو غيره و في جواز التبرّع بها عن الحيّ إشكال و الأحوط العدم خصوصا في الصوم. (1)

____________

و ذلك ممّا يفهمه العرف من الأمر بالبدل. فوجوب التدارك أو القضاء يحتاج إلى الدليل، فما نقلناه من الاعلام الفرق بين المؤقت و غيره، أو ما يجب فيه البداء و عدمه أمر يخالف ما هو المتبادر عند العرف من الأمر بالبدل.

نعم ورد الأمر في باب الظهار، كما في مصحح إسحاق بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الظهار إذا عجز صاحبه عن الكفّارة، فليستغفر ربّه، و ينوي أن لا يعود قبل أن يواقع ثمّ ليواقع، و قد أجزأ ذلك عنه من الكفارة، فإذا وجد السبيل إلى ما يكفّر يوما من الأيّام، فليكفّر». (1)

و قد احتمل السيد الحكيم احتمال إلقاء الخصوصية، و هو موضع تأمّل، لما دلّ عليه صحيح أبي بصير من تشديد الأمر في الظهار لأجل عدم كفاية الاستغفار في المجامعة و إن رضيت الزوجة و إنّما تكفي في جواز المعاشرة الاجتماعية لا في المجامعة، و معه لا يمكن إلغاء الخصوصية.

(1) أمّا التبرع عن الميت بالصوم و غيره فلا إشكال فيه، فانّه- مضافا إلى أنّه إحسان إليه وسعي في براءة ذمته عن دين اللّه- مقتضى الروايات الخاصة في غير واحد من الأبواب من جواز الصلاة و الصوم و الحجّ و الصدقة من غير فرق بين كون المتبرّع هو الولد، أو غيره، روى الصدوق بسند صحيح، عن عمر بن يزيد الثقة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): نصلّي عن الميت؟ فقال: «نعم حتى أنّه ليكون في ضيق فيوسّع اللّه عليه ذلك الضيق، ثمّ يؤتى فيقال له: خفّف عنك هذا الضيق‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 15، الباب 6 من أبواب الكفارات، الحديث 4.

346

..........

____________

بصلاة فلان أخيك عنك» قال: فقلت له: فأشرك بين رجلين في ركعتين؟ قال:

«نعم». (1)

و أرسله الصدوق إرسال المسلّم، و قال: قال (عليه السلام): «يدخل على الميت في قبره، الصلاة و الصوم و الحج و الصدقة و البرّ و الدعاء و يكتب أجره للذي يفعله و للميّت». 2

روى النسائي في سننه، عن ابن عباس قال: قال رجل يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّ أبي مات و لم يحج أ فأحج عنه؟ قال: «أ رأيت لو كان على أبيك دين، أكنت قاضيه؟» قال: نعم، قال: «فدين اللّه أحقّ». 3

و قوله في صحيح عمر بن يزيد الماضي: «بصلاة فلان أخيك عنك» يدل على جواز ذلك للولد و غيره، و هو حجّة على من ينفيه في غير الولد.

روى الشيخ في التهذيب، عن عمر بن يزيد قال: كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) يصلّي عن ولده كلّ ليلة ركعتين. 4

و قد نقل المحدّث البحراني ما يدل على جواز العبادة عن الأموات أحاديث تناهز أربعة و ثلاثين حديثا. و قد جمعها علي بن طاوس في كتابه «غياث سلطان الورى، لسكان الثرى». 5

ثمّ إنّ الصلاة أو الصوم عن الميت تارة بنحو إهداء الثواب إليه و هذا ما لا يشترط فيه سوى قابلية الميت للإهداء كالإيمان و أخرى بنحو النيابة عنه، و هذا لا يصحّ إلّا بعد العلم بالاشتغال، أو احتمال الاشتغال فيصلّي عندئذ رجاء، و أمّا الصلاة عنه و إن علم فراغ ذمته منها فهو مشكل، لأنّ فعل العبادات أمر توقيفي، فلا يجوز إلّا بدليل شرعي.

____________

(1) 1، 2. الوسائل: الجزء 2، الباب 28 من أبواب الاحتضار، الحديث 1 و 3.

(2) 3. سنن النسائي: 2/ 5. و قد نقل أصحاب السنن هذه الرواية باسناد مختلفة.

(3) 4. الوسائل: الجزء 2، الباب 28 من أبواب الاحتضار، الحديث 7.

(4) 5. الحدائق: 11/ 32- 38.

347

..........

____________

و ربما يستدل على الجواز بما رواه النجاشي في ترجمة صفوان: كان صفوان شريكا لعبد اللّه بن جندب و علي بن النعمان، و روى: أنّهم تعاقدوا في بيت اللّه الحرام، انّه من مات منهم، صلّى من بقي، صلاته و صام عنه صيامه، و زكّى عنه زكاته، فماتا و بقي صفوان، فكان يصلّي في كلّ يوم مائة و خمسين ركعة، و يصوم في السنة ثلاثة أشهر، و يزكّي زكاته ثلاث دفعات، و كلّ ما يتبرع به عن نفسه ممّا عدا ما ذكرناه، تبرع عنهما مثله. (1)

لكن المروي عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان، و ماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها؟ قال: «هل برئت من مرضها؟» قلت: لا، ماتت فيه، قال: «لا تقضي عنها، فانّ اللّه لم يجعله عليها قلت: فإنّي أشتهي أن أقضي عنها و قد أوصتني بذلك؟ قال: كيف تقضي شيئا لم يجعله اللّه عليها». (2)

هذا كلّه حول التبرع عن الميت.

التبرّع بالكفارة عن الحيّ و أمّا التبرّع بالكفارة عن الحيّ، فقد اختلفت كلمتهم في جوازه مطلقا، أو عدم جوازه كذلك، أو يفصل بين الصوم فلا يجوز، و غيره فيجوز.

قال العلّامة في المختلف: لو تبرّع بالتكفير عن الحيّ، قال الشيخ في المبسوط: أجزأ. و قال بعض أصحابنا: لا يجزئ. و الوجه عندي الأوّل. (3)

و لم يشر إلى التفصيل المحقّق في الشرائع حيث قال: يراعى في خصوص‌

____________

(1). رجال النجاشي: 1/ 439، ترجمة صفوان برقم 522.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أحكام شهر رمضان، الحديث 12.

(3). المختلف: 3/ 452.

348

..........

____________

الصوم الوفاة، و قال صاحب الجواهر: و الأقوى عندي عدم التبرّع عن الحي مطلقا، وفاقا لجماعة، بل لعله المشهور. للأصل، و قد تبعه المصنف فجعل عدم التبرع هو الأحوط مكان الأقوى لصاحب الجواهر، و الظاهر ما في الجواهر عن كونه الأقوى و ذلك:

انّ ظاهر الأمر، هو قيام المكلّف بالمأمور به مباشرة أو تسبيبا على وجه يسند الفعل إليه، و كفاية تبرّع الغير و سقوط المأمور به، بفعله يحتاج إلى الدليل.

توضيح ذلك: ربما يكون الغرض قائما بنفس الفعل، كتطهير الثوب و دفن الميت، فلو غسل الثوب بإطارة الريح إياه إلى الماء الكر، ثمّ قذفه الموج إلى خارجه يحصل غرض المولى، و يصحّ إقامة الصلاة معه، و أخرى يكون الغرض قائما بصدور الفعل عن المكلّف الخاص لغاية التأديب و التربية كما في المقام، فانّ غرض المولى قائم بقيام المكلّف بالعتق أو الصوم أو الإطعام حتى تكون الجريمة رادعة عن العود إليه ثانيا، ففي مثله كيف يكون تبرّع الغير مسقطا للتكليف؟! و أقصى ما يمكن أن يقال: إنّ الأفعال على قسمين: قسم يكون المأمور به قابلا للتسبيب، أي يكفي في إسقاط الواجب صحة اسناد الفعل إليه، و لو بالتسبيب فيما تصح فيه النيابة كما في الموارد التالية:

1. أن يوكّل المكلف الغير في أن يعتق أو يطعم من ماله.

2. أن يملّك الغير شيئا من ماله للمكلّف، ليقوم بالعتق أو الإطعام.

3. أن يأذن الغير للمكلّف، أن يعتق أو يطعم ماله و إن لم يملكه بناء على جوازه.

و على أحد الوجهين الأخيرين يحمل قول رسول اللّه للأعرابي الذي قال:

هلكت يا رسول اللّه، فقال له الرسول: «تصدّق و استغفر ربك» فقال الرجل:

فو الذي عظّم حقّك ما تركت في البيت شيئا لا قليلا و لا كثيرا- إلى أن قال:- فقال‌

349

..........

____________

له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «خذ هذا التمر فتصدق به». (1)

روى الكليني بسند موثق، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «جاء رجل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقال: يا رسول اللّه ظاهرت من امرأتي؟ قال:

فاذهب فأعتق رقبة، قال: ليس عندي- إلى أن قال:- فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أنا أتصدّق عنك فأعطاه تمرا لإطعام ستين مسكينا، قال: اذهب فتصدّق بها». (2)

و هو أيضا محمول على أحد الأمرين، لا التبرع.

هذا كلّه إذا كان المأمور به قابلا للتسبيب كالعتق أو الإطعام، و أمّا ما تشترط فيه المباشرة كالصلاة و الصوم في الحي فلا يكفي التسبيب، إلّا إذا قام الدليل عليه فضلا عن التبرع.

استدل للقول بالجواز بوجهين:

1. انّ خصال الكفّارة دين اللّه، و كلّ دين يجوز التبرّع فيه. روى النسائي في سننه، عن ابن عباس قال: قال رجل يا رسول اللّه: إنّ أبي مات و لم يحج أ فأحج عنه؟ قال: «أ رأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟» قال: نعم، قال: «فدين اللّه أحق». (3)

2. قول النبي للأعرابي: «خذ هذا التمر و تصدّق به».

و الوجهان ضعيفان:

أمّا الأوّل: انّ مورده الميّت، و قد دلّ الدليل على جواز التبرع عنه، لعدم إمكان المباشرة و التسبيب، و إنّما الكلام في الحيّ الذي يستطيع أن يقوم بالواجب بأحد الوجهين، و أمّا جواز التبرع في وفاء دين الحي فهو من باب إبراء ذمة المديون،

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

(2). الوسائل: الجزء 15، الباب 2 من أبواب الكفارات، الحديث 1.

(3). سنن النسائي: 2/ 5.

350

[المسألة 21: من عليه الكفّارة إذا لم يؤدّها حتّى مضت عليه سنين]

المسألة 21: من عليه الكفّارة إذا لم يؤدّها حتّى مضت عليه سنين لم تتكرّر. (1)

[المسألة 22: الظاهر أنّ وجوب الكفّارة موسّع فلا تجب المبادرة إليها]

المسألة 22: الظاهر أنّ وجوب الكفّارة موسّع فلا تجب المبادرة إليها.

نعم لا يجوز التأخير إلى حدّ التهاون. (2)

____________

لغاية تملك ما تبرع به الغير و ذلك لأنّ المفروض أنّ الغير لا يتبرع و لا يملّكه إلّا بهذا الشرط، و إلّا فالسقوط يحتاج إلى دليل.

و أمّا الثاني: أعني: حديث الأعرابي، فقد عرفت أنّها من باب التمليك أو الإذن في أن يتصدق بمال النبي، و على كلا الوجهين فالفعل منسوب إلى الأعرابي.

أمّا التفصيل بين الصوم فلا يجوز، و غيره فيجوز، فوجهه انّ الصوم عن الغير لا يقبل الوكالة، فلا يكفي التبرّع بخلاف الأخيرين فيقبلان الوكالة، و كلما جازت فيه الوكالة تجوز فيه النيابة و التبرع.

يلاحظ عليه: أنّ الكبرى غير مسلمة، للفرق بين الوكالة و التبرّع، فانّ فعل الوكيل منسوب إلى الموكل، دون الآخر.

(1) و يكفي في ذلك، الأصل و عدم الدليل عليه، و ليس للسبب الواحد إلّا مسبب واحد.

(2) و ذلك لعدم دلالة الأمر على الفور، و ليست الكفّارة جزءا للاستغفار الذي تجب المبادرة إليها لقول النبي في قضية الأعرابي: «تصدّق و استغفر» فانّ مقتضى المقابلة هو التعدد، و حقيقة الكفارة هو ستر الذنب و تغطيته، و جبر ما فاته من المصلحة أو ارتكبه من المفسدة.

351

[المسألة 23: إذا أفطر الصائم بعد المغرب على حرام من زناء أو شرب الخمر أو نحو ذلك]

المسألة 23: إذا أفطر الصائم بعد المغرب على حرام من زناء أو شرب الخمر أو نحو ذلك لم يبطل صومه و إن كان في أثناء النهار قاصدا لذلك. (1)

____________

و هل جواز التأخير محدّد بعدم التهاون، أو بحدّ لا يطمئن معه بأداء الواجب؟ و الأوّل خيرة المصنّف، و الثاني خيرة السيد المحقّق الخوئي، و لكلّ وجه.

أمّا الأوّل: فيمكن الاستئناس له من حديث أبي بصير «و إن صح في ما بين الرمضانين، فإنّما عليه أن يقضي الصيام، فإن تهاون به، و قد صحّ فعليه الصدقة و الصيام جميعا لكلّ يوم مد إذا فرغ من ذلك الرمضان» (1) فيدل على أنّ حدّ التأخير هو عدم التهاون، و إلّا فعليه وراء القضاء، الكفارة لكل يوم مد، و مورد الرواية و ان كان الواجب المؤقت بخلاف المقام فانّه غير مؤقت لكن المورد مؤقت موسع قريب من المقام الذي هو غير مؤقت و موسع.

وجه الثاني: انّ الرواية ناظرة إلى الحكم الوضعي دون تعرض للحكم التكليفي، فيجوز التأخر إلى حدّ يعلم أو يطمئن بالخروج عن العهدة دون ما إذا احتمل العجز.

و يمكن إرجاعهما إلى معنى واحد، و هو أنّ معنى التهاون و التواني هو عدم العزم و الاهتمام، أمّا لو عزم عليه فلا يصدق عليه أنّه تهاون و توانى، فيجوز التأخير إلى الحدّ الذي يطمئن بالامتثال.

(1) لعدم الدليل، و انصراف الدليل إلى الإفطار بالحرام لا الإفطار الحلال بالحرام.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 6.

352

[المسألة 24: مصرف كفّارة الإطعام للفقراء إمّا بإشباعهم و إمّا بالتسليم إليهم كلّ واحد مدّا]

المسألة 24: مصرف كفّارة الإطعام للفقراء إمّا بإشباعهم و إمّا بالتسليم إليهم كلّ واحد مدّا، و الأحوط مدّان من حنطة أو شعير أو أرز أو خبز أو نحو ذلك، و لا يكفي في كفّارة واحدة إشباع شخص واحد مرّتين أو أزيد أو إعطاؤه مدّين أو أزيد بل لا بدّ من ستّين نفسا. نعم إذا كان للفقير عيال متعدّدون و لو كانوا أطفالا صغارا يجوز إعطاؤه بعدد الجميع لكلّ واحد مدّا. (1)

____________

(1) في المسألة فروع:

1. مصرف كفارة الإطعام.

2. كيفية الإطعام.

3. مقدار الطعام.

4. جنس الطعام.

5. اشباع أو إعطاء شخص مرتين.

6. تجوز محاسبة أولاد الفقير من الستين.

1. مصرف الكفارة أقول: ورد التكفير بالإطعام في الآيات و الروايات:

فتارة: يكون التكفير به منحصرا به كما في تكفير من يطيقون الصوم قال سبحانه: وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ (1). و أخرى: أحد مصاديقه المترتبة، كما في كفارة الظهار قال سبحانه: وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ

____________

(1). البقرة: 184.

353

..........

____________

يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ...* فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً (1). و ثالثة: أحد مصاديقه المخيرة، كما في كفارة اليمين، كقوله سبحانه: فَكَفّٰارَتُهُ إِطْعٰامُ عَشَرَةِ مَسٰاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ (2)، و كفّارة الصيد كما في قوله: أَوْ كَفّٰارَةٌ طَعٰامُ مَسٰاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً (3) و كفارة إفطار رمضان حيث تضافرت الروايات (4) على إطعام ستين مسكينا، و المتعلّق في الجميع هو المسكين المعروف هو الأسوأ حالا، بخلاف الفقير، أو هو الذي يسأل الناس دون الفقير، و لكن الظاهر انّ المقصود هو مطلق الفقير، لأنّ المسكين و الفقير إذا اجتمعا افترقا و إذا افترقا اجتمعا، مضافا إلى موثقة إسحاق بن عمار حيث فسرته بالمحتاج قال:

سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن إطعام عشرة مساكين، أو إطعام ستين مسكينا، أ يجمع ذلك لإنسان واحد يعطاه؟ قال: «لا و لكن يعطي إنسانا إنسانا، كما قال اللّه تعالى». قلت: فيعطيه الرجل قرابته إن كانوا محتاجين؟ قال: «نعم». (5)

2. كيفية الإطعام ذكر المصنف للإطعام طريقين:

1. إشباعه.

2. مجرّد التسليم و الإعطاء.

ثمّ إنّ الوارد في النصوص هو الإطعام، فإن أخذ من الطعم فهو بمعنى‌

____________

(1). المجادلة: 3- 4.

(2). المائدة: 89.

(3). المائدة: 95.

(4). الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، أحاديث الباب.

(5). الوسائل: الجزء 15، الباب 16 من أبواب الكفارات، الحديث 2.

354

..........

____________

الذوق، قال سبحانه: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي. (1)

و إن أخذ من الطعم فهو بمعنى الإشباع، قال سبحانه: وَ لٰكِنْ إِذٰا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذٰا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا. (2) و قوله: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ. (3)

و في صحيح أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قلت: ما أوسط ذلك؟ فقال:

«الخل، و الزيت و التمر و الخبز، يشبعهم به مرة واحدة». (4)

و لو لا النص على كفاية تسليم الطعام و إعطائه لقلنا باختصاصها بالأوّل، و لكن دلّت النصوص على كفاية الثاني، و هو تسليم مدّ أو مدين.

3. مقدار الطعام أمّا مقداره من المدّ، فالمعروف بين الأصحاب هو المد الواحد، و قد ورد به النص في حديثين:

1. صحيح عبد الرحمن بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا؟ قال: «عليه خمسة عشر صاعا، لكلّ مسكين مدّ بمدّ النبي أفضل» و في نقل آخر: «لكلّ مسكين مدّ مثل الذي صنع رسول اللّه». (5)

2. مضمرة سماعة قال: سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل؟ قال: «عليه إطعام ستين مسكينا، مدّ لكلّ مسكين» 6 و لم يرد في كفارة شهر رمضان غير هذين‌

____________

(1). البقرة: 249.

(2). الأحزاب: 53.

(3). قريش: 4.

(4). الوسائل: الجزء 15، الباب 14 من أبواب الكفارات، الحديث 5.

(5) 5 و 6. الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 10 و 12.