الصوم في الشريعة الإسلامية الغراء - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
457 /
355

..........

____________

الحديثين.

نعم قد تضافرت الروايات (1) على أنّ الواجب في كفارة اليمين هو المدّ، و بما انّ الموضوع في الموردين هو إطعام المسكين فتحديده بالمدّ في أحدهما يكون حجّة على الآخر أيضا.

و مع ذلك فقال الشيخ في الخلاف باعتبار مدّين قال: إذا أطعم فليطعم لكلّ مسكين نصف صاع، و روي مد.

و نقل عن أبي حنيفة انّه قال: إن كفّر بالتمر و الشعير فعليه لكلّ مسكين صاع، و إن كان من البر نصف صاع. (2) نعم ورد الأمر بالمدين في باب الظهار، (3) لكنّها محمولة على الاستحباب لعدم القائل به.

و أمّا الصاع فقد اختلفت الروايات في مقدار الواجب منه.

فهل الواجب خمسة عشر صاعا، أو الواجب عشرون صاعا؟

أما ما يدل على وجوب خمسة عشر صاعا:

1. صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا؟ قال: «عليه خمسة عشر صاعا، لكلّ مسكين مدّ». (4)

2. خبر القاسم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام) في قضية الأعرابي قال:

«... فأتى النبي بعذق في مكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر». 5 و العذق هو النخلة، و يطلق على التمر أيضا كما في المقام، و المكتل بكسر الميم، هو الزنبيل‌

____________

(1). لاحظ الوسائل: الجزء 15، الباب 12 و 14 من أبواب الكفارات.

(2). الخلاف: 2/ 188، كتاب الصوم، المسألة 36.

(3). الوسائل: الجزء 15، الباب 14 من أبواب الكفارات، الحديث 6.

(4) 4 و 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 10 و 5.

356

..........

____________

المعمول من الخوص، كما في المصباح المنير.

و أمّا ما يدل على وجوب عشرين صاعا فهو عبارة عمّا يلي:

1. رواية جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «... فدخل رجل من الناس بمكتل من تمر فيه عشرون صاعا يكون عشرة أصوع بصاعنا ...» (1) رواه الكليني.

2. روايته الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «انّ المكتل الذي أتى به النبي كان فيه عشرون صاعا من تمر». 2

3. رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا؟ قال: قال: «يتصدق بعشرين صاعا و يقضي مكانه». 3

4. خبر إدريس بن هلال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل أتى أهله في شهر رمضان؟ قال: «عليه عشرون صاعا من تمر». 4

و على ذلك فلعبد الرحمن البصريّ روايتان تارة تحدّده بخمسة عشر و أخرى بعشرين، و لجميل أيضا روايتان تحدّدان بعشرين، و لكن في الأولى منهما قوله: «الذي يكون عشرة أصوع بصاعنا».

و طريق الجمع الحمل على اختلاف البلدان في مقدار الصاع، و أن يكون له إطلاقات، كما هو الحال في لفظ «الرطل» فالمكي غير المدني و هما غير العراقي؛ و قد روى ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه قال: «الكرّ من الماء الذي لا ينجسه شي‌ء ألف و مائتا رطل».

و روى محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «الكرّ ستمائة رطل».

و الأولى محمولة على الرطل العراقي، و الثاني على الرطل المكّيّ الذي هو‌

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2 و 7.

(2) 3 و 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4، 8.

357

..........

____________

ضعف العراقي.

فالكر كان مقدارا معينا، و الاختلاف إنّما في الطريق إليه، فتارة يكال برطل صغير فيزداد عدد الرطل، و أخرى برطل كبير فيقلّ عدده.

و أمّا التمثيل بالمنّ و اختلافه، فهو غير منطبق للمقام، لأنّ المنّ ليس وزنا محددا معينا حتى يكون الاختلاف في الطريق إليه، بل نفسه مختلف فالشاهي منه، ضعف التبريزي.

و يحتمل زيادة قوله: «يكون عشرة أصوع بصاعنا» بشهادة انّه لم ينقله في الاستبصار، كما ذكره المعلّق على الوسائل، فيدور الأمر بين العشرين و خمسة عشرة، و لعلّ الصاع المقدر بخمسة عشر يعادل صاعا و ربع الأوّل و لا غرو في ذلك لاختلاف الأوزان حسب اختلاف البلدان.

و في بعض روايات باب كفارة الظهار: «تصدق على ستين مسكينا ثلاثين صاعا، لكلّ مسكين مدين مدين». (1)

و هو يوافق كون الصاع هو أربعة أمداد غير انّه لو قلنا بكفاية المد الواحد، يكفي كونه خمسة عشر صاعا، و لو قلنا بمدين يلزم أن يكون ثلاثين صاعا.

4. جنس الطعام الطعام عبارة عن ما يتغذى و الطعم بضم الطاء الأكل، و الطعم يدرك بحاسة الذوق، و الطعام من قبيل الأجسام. (2)

في المصباح المنير: إذا أطلق أهل الحجاز الطعام يعنون البرّ خاصة و في‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 15، الباب 14 من أبواب الكفارات، الحديث 6.

(2). مجمع البيان: 1/ 122، تفسير قوله سبحانه: لَنْ نَصْبِرَ عَلىٰ طَعٰامٍ وٰاحِدٍ يريد انّ الطعام جوهر و الطعم عرض.

358

..........

____________

العرف اسم لما يؤكل، مثل الشراب اسم لما يشرب، و ما نسبه إلى أهل الحجاز لا يصدقه قوله سبحانه: وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعٰامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ (1) حيث فسر الطعام بمطلق الحبوب. (2) و مثله قوله سبحانه حاكيا عن بني إسرائيل، انّهم قالوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلىٰ طَعٰامٍ وٰاحِدٍ فَادْعُ لَنٰا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنٰا مِمّٰا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهٰا وَ قِثّٰائِهٰا وَ فُومِهٰا وَ عَدَسِهٰا وَ بَصَلِهٰا (3)، فقد عدّ الجميع من أقسام الطعام، و كان طعامهم يوم ذاك المنّ و السلوى، حيث طلبوا منه أن يدعو اللّه لكي ينزّل عليهم، سائر الأطعمة الواردة في الآية و هي غير الحنطة.

و في اللسان: اسم جامع لكلّ ما يؤكل، و أهل الحجاز إذا أطلقوا لفظ الطعام يعنون البر. و في حديث أبي سعيد: كنّا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صاعا من طعام، أو صاعا من شعير. قيل أراد به البر، و قيل: التمر و هو أشبه، لأنّ البر كان عندهم قليلا لا يتسع لإخراج زكاة الفطر. و قال ابن الأثير:

الطعام عام في كلّ ما يقتات من الحنطة و الشعير و التمر و غير ذلك. (4) و ما ذكره أخيرا هو الأقوى.

5. حكم إشباع أو إعطاء شخص مرّتين لا يكفي في كفارة واحدة إشباع شخص واحد مرّتين أو أزيد أو اعطاؤه مدّين أو أزيد، بل لا بدّ من إشباع أو إعطاء ستين مسكينا، لورود النصّ به الظاهر في التعدّد مضافا إلى مصحح إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن إطعام عشرة مساكين أو إطعام ستين مسكينا أ يجمع ذلك لإنسان واحد يعطاه؟

____________

(1). المائدة: 5.

(2). مجمع البيان: 2/ 162.

(3). البقرة: 61.

(4). اللسان: مادة طعم.

359

..........

____________

فقال (عليه السلام): «لا، و لكن يعطي إنسانا، إنسانا كما قال اللّه تعالى». (1)

ثمّ إنّ عدم الاكتفاء بإعطاء الواحد مرّتين في كفارة واحدة إنّما هو مع التمكّن من ستين مستحقا، و أمّا مع التعذّر، فيجوز إشباع أو إعطاء الواحد أزيد، عملا بقاعدة الميسور. و يشهد له خبر السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن لم يجد في الكفارة إلّا الرجل و الرجلين فليكرّر عليهم حتى يستكمل العشرة، يعطيهم اليوم ثمّ يعطيهم غدا». (2) و كون المورد، كفارة اليمين لا يخلّ بعموم الحكم بعد مساعدة العرف إلغاء الخصوصية.

6. محاسبة الأطفال من الستين أمّا إذا كان بنحو التمليك، فهو مقتضى الإطلاق لصدق المسكين عليهما كصدقه على الكبير. مضافا إلى صحيح يونس بن عبد الرحمن، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل عليه كفّارة إطعام عشرة مساكين، أ يعطي الصغار و الكبار سواء، و النساء و الرجال، أو يفضّل الكبار على الصغار، و الرجال على النساء؟

فقال: «كلّهم سواء». (3)

و الرواية ناظرة إلى صورة التمليك، دون الإشباع و أمّا في صورة الإشباع فلا شكّ انّ الصغير لا يعادل الكبير في المقدار إذا كان دون العشرة، فالاكتفاء به غير تام. نعم إذا كان مراهقا، يأكل كما يأكل ابن الثلاثين، فيكفي لعدم الدليل على اعتبار البلوغ.

هذا حسب القاعدة؛ و أمّا حسب النصوص، ففي موثقة غياث بن إبراهيم‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 15، الباب 16 من أبواب الكفارات، الحديث 2.

(2). الوسائل: الجزء 15، الباب 16 من أبواب الكفارات، الحديث 1.

(3). الوسائل: الجزء 15، الباب 17 من أبواب الكفارات، الحديث 3.

360

[المسألة 25: يجوز السفر في شهر رمضان لا لعذر و حاجة]

المسألة 25: يجوز السفر في شهر رمضان لا لعذر و حاجة، بل و لو كان للفرار من الصوم لكنّه مكروه. (1)

____________

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يجزئ طعام الصغير في كفارة اليمين و لكن صغيرين بكبير». (1)

و في موثقة السكوني عن جعفر (عليه السلام)، عن أبيه انّ عليا (عليه السلام) قال: «من أطعم في كفارة اليمين صغارا و كبارا، فليزود الصغير بقدر ما أكل الكبير». 2 و مقتضى إطلاق الأولى كفاية احتساب الاثنين واحدا سواء كانوا متفردين أو منضمين.

و منه يظهر ضعف ما في الشرائع حيث قال: و لا يجزى إطعام الصغار، منفردين، و يجوز منضمّين و لو انفردوا احتسب الاثنان واحدا، 3 حيث إنّ الظاهر منه هو محاسبة كلّ صغير، مسكينا إذا انضمّوا، دون ما إذا انفردوا فيحسب الاثنان مسكينا، و لم يعلم وجهه مع إطلاق لزوم محاسبة الاثنين واحدا، بل مورد موثقة السكوني هو صورة الانضمام و هي تأمر بتزويد الصغير.

نعم ذكر في الجواهر له وجها، فلاحظ. 4 و على كلّ تقدير، فالأحوط ترك محاسبة الصغار، لعدم تنقيح مناط الصغر و الكبر.

(1) قال العلّامة: قال أبو الصلاح: إذا دخل الشهر على حاضر لم يحل له السفر مختارا. و المشهور انّه مكروه إلى أن يمضي ثلاثة و عشرون يوما فتزول الكراهة. 5

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 15، الباب 17 من أبواب الكفارات، الحديث 1 و 2.

(2) 3. الشرائع: 3/ 639، كتاب الكفارات.

(3) 4. الجواهر: 33/ 269.

(4) 5. المختلف: 3/ 460؛ الكافي في الفقه: 182.

361

..........

____________

قال البحراني: المشهور بين الأصحاب- (رضوان اللّه عليهم)- جواز السفر في شهر رمضان و إن كان على كراهة إلى أن يمضي من الشهر ثلاثة و عشرون يوما.

ثمّ نقل كلام أبي الصلاح، و قال: و المعتمد القول المشهور للأخبار الكثيرة إلّا أنّ ظاهرها الاختلاف في الأفضلية في بعض المواضع و انّ السفر في بعضها أفضل من الصيام فإطلاق القول بأفضلية الصيام و كراهة السفر مما لا وجه له. (1)

هذا ما لدى الشيعة، و أمّا السنّة فقد ذكر ابن قدامة بأنّ عبيدة السلماني، و أبو مجلز، و سويد بن أبي غفلة قالوا: لا يفطر من سافر بعد دخول الشهر لقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (2) و يظهر منه انّ الجمهور قائلون بجواز الإفطار إلّا هؤلاء. (3)

و على كلّ حال فالمحكّم في المقام هو الآية المباركة، قال سبحانه: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فعلّق وجوب الصوم على شهود الشهر، و المسافر بسفره هذا يعدم الموضوع فلا يشمله الأمر.

و بعبارة أخرى: انّ الصوم مشروط بشهود الشهر و لا يجب تحصيل شرط الوجوب، و إن كان شرط الواجب ربما يجب تحصيله. و تصور انّ المراد أنّ من شهد الشهر و لو يوما واحدا فعليه صيام الشهر مطلقا و عدم السفر غير تام، لأنّ لكلّ يوم حكمه الخاص.

و أمّا الروايات فهي على طوائف خمس:

الطائفة الأولى: ما تركّز على جواز السفر مطلقا من دون نظر إلى أفضلية أحد الأمرين: الإقامة أو السفر و هي صحيحة واحدة روى محمد بن مسلم عن‌

____________

(1). الحدائق: 13/ 408.

(2). البقرة: 185.

(3). المغني: 3/ 18.

362

..........

____________

أبي جعفر (عليه السلام) انّه سئل عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان و هو مقيم و قد مضى منه أيام؟ فقال: «لا بأس بأن يسافر و يفطر و لا يصوم». (1)

و الرواية صريحة في الجواز بلا قيد و شرط.

الطائفة الثانية: ما يركز على أنّ الإقامة أفضل إلّا إذا كانت هناك حاجة شرعية أو عقلائية، فلو رجع الاستثناء إلى الأفضل (لا إلى عدم جواز السفر المتوهّم)، ينقلب الأمر و يكون السفر القداسة الغاية أفضل، و هذه الطائفة تسلم جواز السفر لكن تركز على الأفضلية.

ففي صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يدخل شهر رمضان و هو مقيم لا يريد براحا، ثمّ يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان أن يسافر؟ فسكت، فسألته غير مرة، فقال: «يقيم أفضل إلّا أن تكون له حاجة لا بدّ له من الخروج فيها أو يتخوف على ماله». 2

و بذلك يعلم وجه فضل الإقامة و كراهية السفر، لأنّ السفر مفوّت فضيلة شهر رمضان.

روى الصدوق في المقنع، قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشيّع أخاه مسيرة يومين أو ثلاثة؟ فقال: «إن كان في شهر رمضان فليفطر» قلت: أيّهما أفضل، يصوم أو يشيعه؟ قال: «يشيّعه، إنّ اللّه قد وضع عنه الصوم إذا شيّعه». 3

و قد تضافرت الروايات على أفضلية السفر لغاية تشييع الأخ المؤمن نقلها‌

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2، 1.

(2) 3. الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.

363

..........

____________

صاحب الوسائل في كتاب صلاة المسافر. (1)

الطائفة الثالثة: ما يدل على أنّ الإقامة أفضل و إن كانت الغاية من السفر زيارة قبر الإمام (عليه السلام).

روى الشيخ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له: جعلت فداك يدخل علي شهر رمضان، فأصوم بعضه فتحضرني نيّة زيارة قبر أبي عبد اللّه (عليه السلام) أزوره و أفطر ذاهبا و جائيا؟ أو أقيم حتى أفطر و أزوره بعد ما أفطر بيوم أو يومين؟ فقال: «أقم حتى تفطر» قلت له: جعلت فداك فهو أفضل؟ قال: «نعم، أ ما تقرأ في كتاب اللّه عزّ و جلّ: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (2)

أمّا فقه الحديث فالمراد من قوله: «و اقيم حتى أفطر» هو إدراك عيد الفطر، و يدل على ذلك الاستشهاد بالآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ كما هو المراد من قول الإمام: «أقم حتى تفطر»، غير أنّ في الحديث إشكالين:

الأوّل: كيف يكون السفر لتشييع الأخ المؤمن أفضل من الاقامة و لا يكون كذلك لزيارة قبر الإمام أبي الشهداء (عليه السلام) الذي في زيارته ثواب عظيم.

الثاني: الاستدلال بالآية، فانّ الظاهر منها أنّ الشهود قيد الوجوب لا قيد الواجب، فكيف لا يجوز تركها؟!

و يمكن دفع الإشكال الأوّل بوجود الفرق بين التشييع، فهو واجب مؤقت ليس له بدل، بخلاف زيارة الإمام فانّها واجب موسع له بدل، فلو سافر بعد عيد‌

____________

(1). الوسائل: 5، الباب 10 من أبواب صلاة المسافر.

(2). الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.

364

..........

____________

الفطر يجمع بين الفضيلتين.

و في مكاتبة محمد بن الفضل البغدادي إلى أبي الحسن العسكري (عليه السلام):

«لشهر رمضان من الفضل و الأجر ما ليس لغيره من الشهور، فإذا دخل فهو المأثور». (1)

و نظيره في مسائل داود الصرمي، حيث سأل علي بن محمد (عليه السلام) عن زيارة الحسين (عليه السلام) في شهر رمضان، و أجاب الإمام بما ورد في الرواية السابقة. 2

و على أي تقدير فهذه الطوائف مع اختلاف فيما تركز عليه، متفقة على جواز السفر.

و هنا طائفة ربما يستشم منها الخلاف و تعد معارضة للطوائف الثلاث و إليك بيانها:

الطائفة الرابعة: ما يدل على عدم الجواز إلّا لأمر ضروري.

1. روى الصدوق، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخروج إذا دخل شهر رمضان؟ فقال: «لا، إلّا فيما أخبرك به: خروج إلى مكة، أو غزو في سبيل اللّه، أو مال تخاف هلاكه، أو أخ تخاف هلاكه، و انّه ليس أخا من الأب و الأم». 3

2. ما رواه الشيخ، عن الحسين بن المختار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تخرج في رمضان إلّا للحج أو العمرة، أو مال تخاف عليه الفوت، أو لزرع يحين حصاده». 4

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: 10، الباب 91 من أبواب المزار، الحديث 1، 2.

(2) 3 و 4. الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3 و 8.

365

..........

____________

3. مرسلة علي بن أسباط، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا دخل شهر رمضان فللّه فيه شرط، قال اللّه تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج الّا في حج، أو في عمرة، أو مال يخاف تلفه، أو أخ يخاف هلاكه، و ليس له أن يخرج في إتلاف مال أخيه، فإذا مضت ليلة ثلاث و عشرين فليخرج حيث شاء». (1)

و هذه الروايات ضعيفة الأسانيد، فالأولى لأجل علي بن حمزة البطائني، و الثانية لأجل علي بن السندي إذ لم ينقل توثيقه إلّا عن نصر بن الصباح الذي هو أيضا لم يوثق، و الثالثة لإرسالها.

و على فرض الصحة، فتحمل على الكراهة، و تزول الكراهة حسب فضيلة الغاية التي يسافر إليها.

و منه يعلم ما في حديث الأربعمائة حيث قال: «ليس للعبد أن يخرج إلى سفر إذا حضر شهر رمضان، لقول اللّه عزّ و جلّ: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ». (2)

فقد عرفت عدم دلالة الآية على وجوب الإقامة، مضافا إلى أنّ في سند حديث الأربعمائة من الضعف و الوهن حيث ورد في طريقه:

أ. الحسن بن راشد، و لم يوثق.

ب. القاسم بن يحيى، حفيد الحسن، و لم يوثق.

و على كلّ حال فالناظر في تلك الآيات يقف على كراهة السفر بمراتبها و أنّها تتضاءل حسب أهمية الغاية المنشودة.

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.

(2). المصدر السابق: الحديث 4.

366

[المسألة 26: المدّ ربع الصاع]

المسألة 26: المدّ ربع الصاع و هو ستّمائة مثقال و أربعة عشر مثقالا و ربع مثقال و على هذا فالمدّ مائة و خمسون مثقالا و ثلاثة مثاقيل و نصف مثقال و ربع ربع المثقال، و إذا أعطى ثلاثة أرباع الوقيّة من حقّة النجف فقد زاد أزيد من واحد و عشرين مثقالا إذ ثلاثة أرباع الوقيّة مائة و خمسة و سبعون مثقالا. (1)

____________

(1) ما ذكره من الأوزان متروكة أو على وشك الاضمحلال، فالأولى تقدير الصاع و المد بالأوزان الدارجة في العصر الحاضر.

367

[الفصل السابع فيما يجب القضاء دون الكفّارة]

الفصل السابع فيما يجب القضاء دون الكفّارة يجب القضاء دون الكفّارة في موارد

[أحدها: ما مرّ من النوم الثاني بل الثالث]

أحدها: ما مرّ من النوم الثاني بل الثالث و إن كان الأحوط فيهما الكفّارة أيضا خصوصا الثالث.

[الثاني: إذا أبطل صومه بالإخلال بالنيّة مع عدم الإتيان بشي‌ء من المفطرات]

الثاني: إذا أبطل صومه بالإخلال بالنيّة مع عدم الإتيان بشي‌ء من المفطرات أو بالرياء أو بنيّة القطع أو القاطع كذلك.

[الثالث: إذا نسي غسل الجنابة و مضى عليه يوم أو أيّام]

الثالث: إذا نسي غسل الجنابة و مضى عليه يوم أو أيّام كما مرّ. (1)

____________

(1) كان البحث في الفصل السابق منصبّا على ما يجب فيه القضاء مع الكفارة، و ثمة أسباب توجب القضاء دون الكفارة، و قد أشار إليها المصنف، و هي أمور:

الأمر الأوّل: إذا أجنب ليلة شهر رمضان ثمّ نام و استيقظ ثمّ نام حتى طلع الفجر، فقد تقدّم أنّ عليه القضاء، كما أنّه إذا نام بعد ذينك حتى طلع الفجر فعليه القضاء و الكفّارة. (1)

الأمر الثاني: إذا أبطل صومه بالإخلال بالنية مع عدم الإتيان بشي‌ء من المفطرات، أو بالرياء، أو بنيّة القطع أو القاطع، فصومه فاسد لفقد قصد القربة، و هو روح العبادة فيجب عليه القضاء لأجل فوت اليوم الصحيح، و أمّا الكفارة فقد مضى أنّها مترتبة على الإفطار العمدي. (2)

____________

(1). انظر الصفحة 222.

(2). لاحظ الوسائل: 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، أحاديث الباب.

368

[الرابع: من فعل المفطر قبل مراعاة الفجر ثمّ ظهر سبق طلوعه و أنّه كان في النهار]

الرابع: من فعل المفطر قبل مراعاة الفجر ثمّ ظهر سبق طلوعه و أنّه كان في النهار سواء كان قادرا على المراعاة أو عاجزا عنها لعمى أو حبس أو نحو ذلك أو كان غير عارف بالفجر و كذا مع المراعاة و عدم اعتقاد بقاء الليل بأن شكّ في الطلوع أو ظنّ فأكل ثمّ تبيّن سبقه بل الأحوط القضاء حتّى مع اعتقاد بقاء الليل و لا فرق في بطلان الصوم بذلك بين صوم رمضان و غيره من الصوم الواجب و المندوب بل الأقوى فيها ذلك حتّى مع المراعاة و اعتقاد بقاء الليل. (1)

____________

و قد مرّ أنّ الافطار عبارة عن تناول المفطرات المعهودة، بل قد عرفت أنّ الإفطار مختص بالأكل و الشرب فلا يجب إلّا فيهما، و ما دلّ على وجوب الكفارة فيه خصوصا كإيصال الغبار الغليظ إلى الحلق، و المفروض في المقام عدم تناول المفطر و عدم الدليل على الكفارة.

الأمر الثالث: إذا نسي الجنابة و مضى عليه يوم أو أيّام، و قد مرّت المسألة في المسألة الخمسين من الفصل الثاني (فصل المفطرات).

(1) في المسألة فروع:

أ. من فعل المفطر قبل مراعاة الفجر ثمّ ظهر سبق طلوعه، يجب عليه القضاء.

ب. لو فعل هذا و كان عاجزا عن المراعاة لعمى أو حبس، أو كان غير عارف بالفجر.

ج. إذا راعى، و لكن شكّ في الطلوع، أو ظن فأكل ثمّ تبين سبقه.

د. إذا اعتقد بقاء الليل و أكل ثمّ تبين سبق طلوع الفجر.

369

..........

____________

ه‍. لا فرق في هذا الحكم بين الصوم الواجب و المندوب.

و قبل الخوض في بيان أحكام الفروع نقدم أمورا‌

لا إشكال في جواز تناول المفطر إذا كان قاطعا بعدم طلوع الفجر أو ظانّا أو شاكا فيه، استنادا إلى الحجة العقلية، أعني العلم، أو الشرعية كالاستصحاب.

إنّما الكلام في الحكم الوضعي، فربما يقال: انّ مقتضى القاعدة الأوّلي هو القضاء، لأنّه مترتب على فوت الفريضة في وقتها و هو صادق على المقام، لأنّ حقيقة الصوم هو الإمساك عن المفطرات في مجموع الوقت- أي فيما بين الحدين- و المفروض انّه لم يتحقق، ففي كلّ مورد دل الدليل على الإجزاء نأخذ به، و إلّا فالمرجع هو مقتضى القاعدة، أعني: لزوم القضاء.

و يمكن أن يقال: إنّ مقتضى القاعدة الأوّلي هو الإجزاء في كلّ مورد اعتمد في تناول المفطر على الحجّة، فانّ تسويغ تناول المفطر يلازم عرفا بأنّ الشارع اقتصر في امتثال أمره بما أدّى إليه الحجّة فانّ الأمر بعدم نقض اليقين بالشك، بمعنى ترتيب أثر الليل على الزمان المشكوك، فلو كان موافقا للواقع، و إلّا فقد اكتفى في امتثال الأمر بالصوم بما أدّى إليه الحجّة، فتكون النتيجة أنّ الواجب هو الإمساك بين الحدين اللّذين أعم من الحدّ الواقعي أو الحدّ التنزيلي، و على ذلك يكون مقتضى القاعدة، هو الإجزاء، إلّا إذا دلّ الدليل على خلافه.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تبيين حال الفروع.

1. من فعل المفطر قبل مراعاة الفجر ثمّ تبين سبق الطلوع على الفعل.

مقتضى القاعدة- حسب المختار- و إن كان عدم القضاء، لكن الظاهر لزوم القضاء حتى على تلك القاعدة، لما قلنا في محله من اشتراط الفحص الميسور في جريان البراءة، و هو مفقود في المقام.

370

..........

____________

و يؤيد ذلك موثقة سماعة قال: سألته عن رجل أكل أو شرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان؟ فقال: «إن كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل ثمّ عاد فرأى الفجر، فليتمّ صومه و لا إعادة عليه، و إن كان قام فأكل و شرب ثمّ نظر إلى الفجر، فرأى أنّه قد طلع الفجر فليتمّ صومه و يقضي يوما آخر، لأنّه بدأ بالأكل قبل النظر فعليه الإعادة». (1) و في السند عثمان بن عيسى، واقفي ثقة، و أحد أصحاب الإجماع، و عدّه الشيخ في العدة ممّن عملت الطائفة برواياته.

و بذلك يقيّد إطلاق صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه سئل عن رجل تسحّر ثمّ خرج من بيته و قد طلع الفجر و تبيّن؟ فقال: «يتم صومه ذلك ثمّ ليقضه». 2

و إطلاق صحيح الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن رجل شرب بعد ما طلع الفجر و هو لا يعلم في شهر رمضان؟ قال: «يصوم يومه ذلك و يقضي يوما آخر». 3 و المراد من القاسم بن محمد، هو الجوهري، لا الاصفهاني، بقرينة كون الراوي عنه الحسين بن سعيد، الراوي كتابه عنه.

و على ذاك فيختص القضاء بمن تناول و لم يراع الفجر و لم يفحص عنه.

2. هل يختص الحكم بالقادر أو يعم العاجز أو غير العارف أيضا؟ مقتضى القاعدة هو عدم القضاء، لكون المورد مجرى البراءة و لا يضرّ عدم الفحص لعدم إمكانه لأجل وجود غيم في السماء أو عمى في الصائم، أو غير ذلك، إنّما الكلام في شمول ما ورد من الروايات لهذا المورد.

أمّا الموثقة، فموردها التمكّن، فهو يفصل فيه بين من قام و نظر إلى الفجر‌

____________

(1) 1، 2، 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 44، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3، 1، 4.

371

..........

____________

و لم ير شيئا و أكل، و من أكل و شرب ثم نظر إلى الفجر فرآه طالعا، فلا تعرّض لها إلى غيرهما، و أمّا صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل تسحّر ثمّ خرج من بيته و قد طلع الفجر و تبيّن فقال: «يتم صومه ذلك ثمّ ليقضه». و لو كان معذورا لما غفل الراوي عن ذكره، إذ له مدخلية في الحكم عند عامة الناس. على أنّ ظاهر قوله: ثمّ خرج من بيته و قد طلع، أنّ المانع من رؤية الفجر هو كونه في البيت، و لما ترك البيت تبيّن الفجر، و هو يلازم كونه متمكنا، فتكون النتيجة عدم القضاء كالمراعي.

3. حكم الشاك و الظان بالطلوع بعد النظر قال الشيخ: إذا شكّ في طلوع الفجر، وجب عليه الامتناع من الأكل، فإن أكل ثمّ تبيّن له أنّه كان طالعا، كان عليه القضاء، و كذلك إن شكّ في دخول الليل فأكل ثمّ تبيّن أنّه ما كان غابت الشمس كان عليه القضاء. و به قال جميع الفقهاء، و قال الحسن و عطاء: لا قضاء عليه. (1) و الموضوع هو الشاك، و مثله الظان إذا كان غير حجّة.

إنّما الكلام في وجوب القضاء، امّا مقتضى القاعدة عدم وجوب القضاء و كفايته عن الواقع، لأنّه صام بين الحدين بأمر من الشارع، أعني: الاستصحاب الملازم عرفا لاقتصار الشارع بما أدّى إليه الدليل. إنّما الكلام في شمول موثقة سماعة لهاتين الصورتين؟ قال: «إن كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل ثمّ عاد فرأى الفجر فليتم صومه و لا إعادة عليه» فهل المراد، مجرد النظر و عدم رؤية الفجر سواء كان شاكا أو ظانا أو قاطعا، أو المراد حصول الاعتقاد و الاطمئنان بعدم دخول الفجر و الموضوع لسقوط القضاء، النظر الذي يترتب عليه الاطمئنان‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 174، المسألة 14 من كتاب الصوم.

372

..........

____________

بالعدم؟

و الظاهر هو الأوّل، و المراد انّه إذا عمل بالاحتياط و قام و نظر و لم ير شيئا يدل على طلوع الفجر، فيكفي ذلك في عدم القضاء، و أمّا حصول الاطمئنان فهو أمر لا يدل شي‌ء في الحديث عليه.

نعم لو كان الحديث غير واضح الدلالة على حكم صورتي الشك و الظن، فالمرجع هو إطلاقات القضاء الذي دلّ عليه صحيح الحلبي، و خبر علي بن إبراهيم، فالأقوى الكفاية، و إن كان الأحوط القضاء.

4. فعل المفطر مع اعتقاد بقاء الليل قد عرفت حكم الشك و الظن في بقاء الليل، بقي الكلام في حكم الاعتقاد ببقاء الليل بعد النظر إلى الأفق، فالإجزاء و عدم القضاء هو القدر المتيقن من موثقة سماعة، و لو قلنا بعدم الإجزاء في هذه الصورة أيضا، يلزم طرح الموثقة، و بذلك يعلم أن حكم المصنف بالقضاء احتياطا في هذه الصورة ممّا لا وجه له، و لا بدّ من تأويل كلامه بحمله على ما إذا حصل اليقين بالبقاء من غير طريق النظر، كما إذا أذعن عن طريق المحاسبة بوسائل علمية تقيس الزمان كالساعة.

و يدل على الاجزاء صحيح معاوية بن عمار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) آمر الجارية أن تنظر طلع الفجر أم لا، فتقول: لم يطلع بعد، فآكل ثمّ أنظر فأجد قد كان طلع حين نظرت، قال: «اقضه، أما إنّك لو كنت أنت الذي نظرت لم يكن عليك شي‌ء». (1)

و هي صريحة في أنّه لو كان هو الناظر لم يكن عليه وجه، و إن كان الفجر طالعا، لأنّ قطع الناظر حجّة عليه دون الغير.

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

373

..........

____________

اختصاص الحكم بشهر رمضان قد عرفت أنّ الصائم إذا نظر إلى الأفق و لم ير شيئا و تناول المفطر، فصومه صحيح و إن كان الفجر في الواقع طالعا، لكن يقع الكلام في اختصاص هذا الحكم بشهر رمضان أو عمومه لغيره، فهنا وجوه:

أ. اختصاص الحكم بالصحة برمضان دون غيره.

ب. عموم الحكم لكلّ واجب معيّن و إن كان غير رمضان كالنذر المعين و عدم شموله لغيره سواء أ كان واجبا أم مندوبا.

ج. عموم الحكم للواجب و المندوب، و من الواجب، للمعين و غيره.

أمّا الأوّل فوجهه اختصاص الموثقة الدالة على الإجزاء بشرط المراعاة، بشهر رمضان بشهادة قوله: «سألته عن رجل أكل و شرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان»، و يكون المرجع في غير شهر رمضان هو القاعدة، و قد عرفت أنّها القضاء عند القوم و الإجزاء عندنا.

و أمّا الثاني، أي عموم الحكم لكلّ واجب معين، فلإطلاق صحيحة معاوية ابن عمار، أعني قوله: «أما إنّك لو كنت أنت الذي نظرت لم يكن عليك شي‌ء».

و المراد من شي‌ء هو القضاء، فتختص الرواية بالواجب المعين الذي له القضاء، و لا يعم غير المعين إذا ليس له القضاء.

يلاحظ عليه أوّلا: أنّ الرواية مختصة بشهر رمضان على ما نقله الكليني حيث قال: إنّه قال: «تتمّم يومك ثمّ تقضيه» و الإمساك التأديبي آية كونه من شهر رمضان، إذ غيره لا يجب فيه الإمساك.

و ثانيا: أنّ غير شهر رمضان داخل في ذيل صحيح الحلبي الذي نقله الشيخ الحر العاملي في الباب الخامس و الأربعين حيث قال: «فإن تسحر في غير شهر‌

374

[الخامس: الأكل تعويلا على من أخبر ببقاء الليل و عدم طلوع الفجر]

الخامس: الأكل تعويلا على من أخبر ببقاء الليل و عدم طلوع الفجر مع كونه طالعا. (1)

____________

رمضان بعد الفجر أفطر». (1)

فإن قلت: مقتضى تقدم موثقة سماعة على صدر صحيحة الحلبي تقديمها على ذيلها أيضا فكما أنّ قوله في الصدر «يتمّ صومه ذلك، ثمّ يقضيه» مقيد بعدم المراعاة، فهكذا قوله في الذيل: أفطر، مقيد بعدم المراعاة.

قلت: إنّ الموثقة- كما تقدم- مختصة بشهر رمضان حيث قال: «بعد ما طلع في شهر رمضان» فعليه فيقيّد صدر صحيحة الحلبي لكونه أيضا في شهر رمضان، و لا تقيد ذيل صحيحة الحلبي لأنّ الذيل وارد في غير شهر رمضان.

و الحاصل: انّ الموثقة المفصّلة بين المراعاة و غيرها مختصة بشهر رمضان، و صدر صحيحة الحلبي الحاكم بالقضاء مطلقا وارد في شهر رمضان، فيقيد الصدر بالتفصيل الوارد في الموثقة، و أمّا الذيل الحاكم بالبطلان مطلقا سواء نظر أم لم ينظر فهو وارد في غير شهر رمضان، فكيف يمكن أن يقيد الذيل بالموثقة؟! فتلخّص من ذلك اختصار الصحة بالمراعاة بشهر رمضان، و أمّا غيره فهو داخل في إطلاق ذيل صحيحة الحلبي.

إلى هنا تبيّن انّ القاعدة الأولى هو عدم القضاء إذا استند في فعل المفطرات إلى الحجّة الشرعية، غير انّها محكومة في شهر رمضان بالموثقة، و في غيره بذيل صحيح الحلبي الدال على عدم الإجزاء مطلقا.

(1) أمّا عدم الكفارة فلعدم صدق العمد، لأنّه أكل مع الاطمئنان بعدم‌

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

375

[السادس: الأكل إذا أخبره مخبر بطلوع الفجر لزعمه سخريّة المخبر أو لعدم العلم بصدقه]

السادس: الأكل إذا أخبره مخبر بطلوع الفجر لزعمه سخريّة المخبر أو لعدم العلم بصدقه. (1)

____________

طلوعه، و أمّا القضاء فلصحيحة معاوية بن عمار الآمرة بالقضاء لدى إخبار الجارية.

و لكن القدر المتيقن منه هو إخبار من ليس قوله حجّة.

و أمّا إذا كان المخبر حجّة، كالبيّنة، أو قول الرجل الثقة، فالقول بالإجزاء هو الموافق للقاعدة وفاقا لصاحب المدارك، لما عرفت من الملازمة بين الأمر بتطبيق العمل على قول الثقة و الاكتفاء في أداء الواجب بما أدى إليه، من غير فرق بين كون الصوم صوم شهر رمضان أو غيره.

(1) أمّا عدم الكفارة فلعدم العمد، لاعتقاده بأنّ المخبر بصدد السخرية، أو للعلم بعدم صدقه.

و أمّا القضاء فلا يخلو إمّا أن يكون من شهر رمضان، أو من غيره. أمّا الأوّل:

فلأنّ مقتضى صحيح الحلبي بعد تقييده بالموثقة، هو الإتمام و القضاء لعدم النظر إلى الفجر، و أمّا الثاني: فهو مقتضى ذيله الحاكم بالقضاء مطلقا أخبر مخبر أو لا.

مضافا إلى صحيح العيص، الثقة (الذي له مائة و خمسون رواية)، قال:

سألت أبا عبد اللّه عن رجل خرج في شهر رمضان و أصحابه يتسحّرون في بيت، فنظر إلى الفجر فناداهم أنّه قد طلع الفجر فكفّ بعض، و ظنّ بعض أنّه يسخر فأكل؟ فقال: «يتم صومه و يقضي». (1)

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 47 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

376

[السابع: الإفطار تقليدا لمن أخبر بدخول الليل و إن كان جائزا له لعمى أو نحوه، و كذا إذا أخبره عدل بل عدلان]

السابع: الإفطار تقليدا لمن أخبر بدخول الليل و إن كان جائزا له لعمى أو نحوه، و كذا إذا أخبره عدل بل عدلان بل الأقوى وجوب الكفّارة أيضا إذا لم يجز له التقليد. (1)

____________

(1) للمسألة صورتان:

1. تناول المفطر في صورة عدم جواز تقليد المخبر، لعدم جواز الأكل بعد استصحاب النهار و عدم دخول الليل، سواء كان عالما بعدم حجّية قوله أو جاهلا، بناء على عموم الكفارة للعالم و الجاهل.

إنّما الكلام إذا كان التقليد جائزا، فظاهر المصنف و كلّ من قال بعدم الإجزاء في مورد العمل بالأمارات هو وجوب القضاء و الكفارة، قائلين بأنّ الجواز الشرعي ظاهرا لا يلازم الصحّة الواقعية، فبعد تبيّن الخلاف ينكشف عدم الإتيان بالوظيفة.

و لكنّك عرفت أنّ مقتضى التعبّد بالأمارة، هو الملازمة بينه و بين الاقتصار بما أدّت إليه الأمارة في مقام تأمين مقاصد الشارع.

و يؤيد ذلك ما ورد في عدم وجوب القضاء على من غلب على ظنه دخول الليل فأفطر، ففي صحيح زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «وقت المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيته بعد ذلك و قد صلّيت أعدت الصلاة، و مضى صومك، و تكف عن الطعام إن كنت قد أصبت منه شيئا». (1) و المراد منه الظن بالغروب بقرينة سائر الروايات، فمقتضى القياس الأولوي كون الحكم كذلك في الحجج الشرعية.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

377

[الثامن: الإفطار لظلمة قطع بحصول الليل منها فبان خطأه]

الثامن: الإفطار لظلمة قطع بحصول الليل منها فبان خطأه و لم يكن في السماء علّة.

و كذا لو شكّ أو ظنّ بذلك منها بل المتّجه في الأخيرين الكفّارة أيضا لعدم جواز الإفطار حينئذ و لو كان جاهلا بعدم جواز الإفطار فالأقوى عدم الكفّارة، و إن كان الأحوط إعطاؤها.

نعم لو كانت في السماء علّة فظنّ دخول اللّيل فأفطر ثمّ بان له الخطاء لم يكن عليه قضاء فضلا عن الكفّارة، و محصّل المطلب أنّ من فعل المفطر بتخيّل عدم طلوع الفجر أو بتخيّل دخول اللّيل بطل صومه في جميع الصور إلّا في صورة ظنّ دخول اللّيل مع وجود علّة في السماء من غيم أو غبار أو بخار أو نحو ذلك من غير فرق بين شهر رمضان و غيره من الصوم الواجب و المندوب و في الصور الّتي ليس معذورا شرعا في الإفطار كما إذا قامت البيّنة على أنّ الفجر قد طلع و مع ذلك أتى بالمفطر أو شكّ في دخول الليل أو ظنّ ظنّا غير معتبر و مع ذلك أفطر يجب الكفّارة أيضا فيما فيه الكفّارة. (1)

____________

(1) الكلام في هذه المسألة فيما إذا تبين الخطأ- بخلاف المسألة الآتية فالكلام فيها فيما إذا لم يتبين- فقد ذكر المصنّف فروعا ثلاثة:

1. إذا قطع بالغروب و لم يكن في السماء علة، يجب القضاء.

2. إذا ظن بالغروب و لم يكن في السماء علّة، يجب القضاء و الكفّارة.

3. لو كان في السماء علّة فظنّ دخول الليل فأفطر ثمّ بان له الخطأ لم يكن عليه قضاء فضلا عن الكفّارة، هذا ما لدى المصنف.

ثمّ إنّه اختلفت عبارة فقهائنا:

378

..........

____________

ذهب الشيخ الطوسي في النهاية إلى وجوب القضاء على الشاك في دخول الليل لوجود عارض في السماء، و عدمه، على الظان بما هو هو سواء كان في السماء علّة أو لا. و هو خيرة الصدوق في الفقيه و ابن البراج في المهذب.

2. ذهب الشيخ في المبسوط إلى القضاء، إذا أفطر لعارض يعرض في السماء من ظلمة، و عدمه إذا أفطر عند أمارة قوية، و قريب منه قول ابن إدريس حيث قال بوجوب القضاء في الظن، و عدمه في خصوص الظنّ القوي.

و ذهب المفيد، و السيد المرتضى، و سلّار، و أبو الصلاح، إلى وجوب القضاء في صورة وجود عارض في السماء. قال المفيد: و من ظن أنّ الشمس قد غابت لعارض من الغيم أو غير ذلك فأفطر، ثمّ تبين انّها لم تكن غابت في تلك الحال وجب عليه القضاء. (1)

و فصّل المحقّق بين الوهم بدخول الليل، و بين الظن به، فقال بالقضاء في الأوّل دون الثاني، و قد اختلف الشراح في مقصوده من العبارة، مع وضوحها في نظري.

هذه كلمات فقهائنا، و أمّا أهل السنّة: قال الخرقي في متن المغني: و إن أكل بظنّ أنّ الفجر لم يطلع و قد كان قد طلع أو أفطر بظن أنّ الشمس قد غابت، و لم تغب، فعليه القضاء.

و قال ابن قدامة في شرحه: هذا قول أكثر أهل العلم من الفقهاء و غيرهم، و حكي عن عروة عن مجاهد و الحسن و إسحاق، أن لا قضاء عليهم .... (2)

و قال الشيخ في الخلاف: إذا شكّ في طلوع الفجر وجب عليه الامتناع من الأكل، فإن أكل ثمّ تبين له أنّه كان طالعا كان عليه القضاء، و كذلك إن شكّ في‌

____________

(1). المختلف: 3/ 430- 431.

(2). المغني: 3/ 123.

379

..........

____________

دخول الليل فأكل ثمّ تبين أنّه ما كان غابت الشمس كان عليه القضاء. و به قال جميع الفقهاء. و قال الحسن و عطاء: لا قضاء عليه. (1)

و لم يذكر الشيخ حكم الظان بل اقتصر على الشاك.

و الذي يدل على القضاء ما رواه الكليني تارة عن أبي بصير و سماعة، و أخرى عن سماعة عن أبي عبد اللّه، في قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس فرأوا أنّه الليل فأفطر بعضهم، ثمّ إنّ السحاب انجلى فإذا الشمس، فقال: «على الذي أفطر صيام ذلك اليوم، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول:

ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه لأنّه أكل متعمّدا». (2)

و جاء في الحديث الثاني مكان «فرأوا» فظنّوا، و في الاستدلال إشارة إلى أنّه لم يأت بالمأمور به و لم يعتمد في ذلك على حجّة شرعية ففاتته فريضة، و من فاتته فعليه القضاء كما فاتته.

و السند لا غبار عليه، و الدلالة واضحة و لو كان كلام فإنّما هو في جهة الصدور.

و بإزائها روايات أربع:

1. صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «وقت المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيته بعد ذلك و قد صلّيت أعدت الصلاة و مضى صومك و تكفّ عن الطعام إن كنت قد أصبت منه شيئا». (3)

____________

(1). الخلاف: 2/ 174، كتاب الصوم، المسألة 14.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 50 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

380

..........

____________

و المفروض في كلام الإمام أنّ الصائم رأى غيبوبة القرص ثمّ رأى بعده، و لا يتفق ذلك إلّا إذا كان في السماء علة من غيم أو غبار، أو شي‌ء يوهم الغيبوبة، إذ من البعيد جدا أن يرى الإنسان غيبوبة القرص و ليس في السماء علّة ثمّ يراه بعده.

2. صحيحه الآخر عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال لرجل ظنّ أنّ الشمس قد غابت فأفطر ثمّ أبصر الشمس بعد ذلك، قال: «ليس عليه قضاء». (1)

و السند الثاني يشتمل على أبان، و المراد أبان بن عثمان البجلي الكوفي الذي قال النجاشي في حقّه: له كتاب حسن. و قال الطوسي: له كتب و أصل، و وقع في اسناد 700 رواية، و هو من أصحاب الإجماع فالروايتان معتبرتان.

و احتمال انّ الصحيحتين واحدة بعيد جدا بعد تعدّد مضمونهما.

3. ما رواه الحسين بن سعيد، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صام ثمّ ظنّ أنّ الشمس قد غابت و في السماء غيم فأفطر، ثمّ إنّ السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب؟ فقال: «قد تم صومه و لا يقضيه». 2

و في السند: محمد بن الفضيل، و هو ابن كثير الأزدي الكوفي الصيرفي، ضعفه الشيخ و قال: يرمى بالغلوّ: و ذكره النجاشي، مجردا عن وصفه بالغلوّ و قال:

روى عن موسى و الرضا (عليهما السلام) له كتاب و مسائل و هو يعرب عن عدم ثبوت كونه غاليا و تؤيد وثاقته انّ محمد بن الحسين بن أبي الخطاب و هو من أجلّاء الأصحاب راوي كتابه. 3

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 7، الباب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2، 3.

(2) 3. رجال النجاشي: 2/ 272 برقم 996.

381

..........

____________

و أمّا أبو الصباح الكناني، فهو إبراهيم بن نعيم العبدي، يروي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه، فهو ثقة بلا كلام و يسميه الإمام الصادق بالميزان.

ثمّ إنّه ربما يحتمل انّ محمد بن فضيل هو محمد بن القاسم بن فضيل الذي من أصحاب الرضا، و هو ثقة لكنّه بعيد جدّا، لأنّ النسبة إلى الجدّ- بحذف الأب- يختص بأسماء خاصة ك‍ «بابويه»، «قولويه».

و ربما يقال بأنّ محمّد بن فضيل مشترك بين الظبّي الثقة، و الأزدي الضعيف و كلاهما في عصر واحد.

يلاحظ عليه: أنّ الظبّي كما في رجال الشيخ: من أصحاب الصادق فقط و أمّا الأزدي فالشيخ و إن عدّه من أصحاب الصادق، لكن النجاشي عدّه من أصحاب الكاظم و الرضا (عليهما السلام)، و على كلّ تقدير فالمقصود في المقام هو الثاني بشهادة رواية الحسين بن سعيد عنه، الذي هو من أصحاب الرضا و الجواد، و أبي الحسن الثالث، و من البعيد أن يروي الحسين عن أصحاب الصادق (عليه السلام).

4. ما رواه زيد الشحام، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل صائم ظن أنّ الليل قد كان، و انّ الشمس قد غابت و كان في السماء سحاب فأفطر، ثمّ إنّ السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب، فقال: «تمّ صومه و لا يقضيه». (1)

و في السند: محمد بن عبد الحميد بن سالم الذي وثّقه النجاشي، و هذا نصّه: أبو جعفر، روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسى، و كان ثقة من أصحابنا الكوفيين، له كتاب النوادر و الضمير يرجع إلى الابن لا الأب لأنّ الكلام في الثاني استطرادي.

و أبو جميل: و هو المفضل بن صالح، ضعفه ابن الغضائري قال: ضعيف‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.

382

[المسألة 1: إذا أكل أو شرب مثلا مع الشكّ في طلوع الفجر و لم يتبيّن أحد الأمرين لم يكن عليه شي‌ء]

المسألة 1: إذا أكل أو شرب مثلا مع الشكّ في طلوع الفجر و لم يتبيّن أحد الأمرين لم يكن عليه شي‌ء. نعم لو شهد عدلان بالطلوع و مع ذلك تناول المفطر وجب عليه القضاء بل الكفّارة أيضا و إن لم يتبيّن له ذلك بعد ذلك و لو شهد عدل واحد بذلك فكذلك على الأحوط. (1)

____________

كذّاب يضع الحديث. و قال النجاشي في ترجمة جابر بن يزيد: روى عنه جماعة غمز فيهم و ضعّفوا، منهم: المفضل بن صالح. و كلام النجاشي حاك عن وجود المبالغة في كلام ابن الغضائري، و مع ذلك روى عنه أحمد بن أبي نصر البزنطي.

و على كلّ تقدير فهذه الروايات بين صحيح و معتبر و ضعيف يشدّ بعضها بعضا، فالعدول عنها بالإفتاء على وفق رواية زرارة الواحدة ممّا لا يوافق الضوابط، فلا محيص من حمل المخالف على التقيّة كما عرفت من المغني و الخلاف، من اتّفاق فقهائهم، إلّا الحسن و عطاء على لزوم القضاء أو حمله على الاستحباب.

نعم القدر المتيقن، ما إذا حصل الظن بالغروب لأجل اختلال جوّي، لا مطلق الظن و إن لم يكن في الأفق شي‌ء. نعم اقتصر السيد البروجردي على خصوص صورة الغيم في الجوّ لكن التعميم أقوى.

و بما انّ مقتضى القاعدة هو وجوب القضاء خرجت هذه الصورة (وجود اختلاف جوّي) عنها بدليل، و لذلك يجب القضاء بل الكفارة في غيرها.

(1) الفرق بين هذه المسألة و ما تقدم في الأمر الثامن واضح لا حاجة إلى البيان، لأنّ الكلام في الأمر الثامن في الإفطار مع الشكّ أو الظن بالغروب و في المقام، هو الأكل مع الشكّ في الطلوع، أضف إلى ذلك: انّ الكلام هناك فيما إذا تبين الخلاف دون المقام.

383

..........

____________

و أمّا الفرق بينها و بين الأمر الرابع بعد اشتراكهما في الأكل مع الشكّ في الطلوع هو تبين الخلاف في الرابع دون المقام.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ هنا فروعا ثلاثة:

1. إذا أكل مع الشكّ في الطلوع و لم يتبين أحد الأمرين.

2. إذا أكل مع شهادة عدلين بطلوع الفجر.

3. إذا أكل مع شهادة عدل واحد أمّا الصورة الأولى فلا كلام في جواز الأكل استصحابا لبقاء الليل و هو كاف في الحكم بجواز الأكل. و أمّا الاستدلال بالآية على جوازه قائلا بأنّ الموضوع هو التبين، فما لم يتبين لا مانع في الأكل، فلا يتم إلّا في حقّ من أكل و عينه على الأفق، حتى يصدق في حقّه انّه لم يتبين في السماء، و أمّا من أكل و هو في داخل البيت فلا يمكن أن يحتج بعدم التبين- و الحالة هذه- على عدم التبين واقعا كما هو واضح، و قد عرفت أنّ جريان الاستصحاب أيضا رهن فحص ممكن ميسور.

و يؤيّد ما ذكرنا انّ النبي أذن في الأكل عند أذان ابن أمّ مكتوم، لأنّه كان أعمى و أذانه يورث الشك في طلوع الفجر، دون أذان بلال حيث قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا سمعتم صوت بلال فدعوا الطعام و الشراب فقد أصبحتم». (1)

و منه يتبين أنّ عدم وجوب القضاء لعدم ثبوت الفوت بعد و الأصل البراءة من القضاء.

أمّا الصورة الثانية: فلا يجوز الأكل تكليفا لقيام الحجّة و لو أكل وجب القضاء و الكفّارة، لثبوت الأكل في النهار شرعا.

أمّا الصورة الثالثة، فعدم الجواز تكليفا أو وصفا مبني على حجّية قول الثقة‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 42 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

384

[المسألة 2: يجوز له فعل المفطر و لو قبل الفحص ما لم يعلم طلوع الفجر و لم يشهد به البيّنة]

المسألة 2: يجوز له فعل المفطر و لو قبل الفحص ما لم يعلم طلوع الفجر و لم يشهد به البيّنة و لا يجوز له ذلك إذا شكّ في الغروب عملا بالاستصحاب في الطرفين و لو شهد عدل واحد بالطلوع أو الغروب فالأحوط ترك المفطر عملا بالاحتياط للإشكال في حجّية خبر العدل الواحد و عدم حجّيته إلّا أنّ الاحتياط في الغروب إلزاميّ و في الطلوع استحبابيّ نظرا للاستصحاب. (1)

____________

في الموضوعات، و قد قلنا بحجّية قوله في الموضوعات و الأحكام معا إلّا ما خرج بالدليل، أعني: فصل الخصومات أو ما ورد النصّ فيه على التعدد، كالهلال و غيره، و ذلك لأنّ دليل الحجّية هو السيرة العقلائية و نسبته إلى الأحكام و الموضوعات سواء.

و ربما يؤيّد ذلك بصحيح العيص بن القاسم، قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام):

عن رجل خرج في شهر رمضان و أصحابه يتسحّرون في بيت، فنظر إلى الفجر، فناداهم انّه قد طلع الفجر فكفّ بعض و ظن بعض أنّه يسخر فأكل؟ فقال: «يتم صومه و يقضي» (1) حيث إنّ الظاهر لزوم القضاء مطلقا تبين أم لم يتبين.

و يحتمل كون القضاء لأجل التبيّن، لا لحجّية قول الثقة.

و ربما يستدل على حجّية قول الثقة في الأذان بأنّ النبي جعل أذان بلال حجّة.

هذا كلّه من حيث أوّل الوقت أمّا إذا أفطر في آخر الوقت و لم يتبيّن أحد الأمرين فقد طرحه الماتن في المسألة التالية.

(1) إذا فعل المفطر مع الشكّ في الغروب، فله صورتان:

1. أن يكون شاكا فيه.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 47 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

385

..........

____________

2. إذا أخبر مخبر بغروبه.

لا شكّ في عدم جواز تناول المفطر مع الشكّ و يترتّب عليه القضاء و الكفارة أخذا باستصحاب بقاء النهار أو عدم دخول الليل و ربما يقال:

انّ القضاء و الكفارة إنّما يترتّبان على الإفطار في النهار أي تناول المفطر المقيد بكونه في النهار، و المقيد بما هو هو ليست له حالة سابقة و استصحاب القيد أي بقاء النهار لا يثبت كون الإفطار فيه إلّا بالملازمة العقلية بين بقاء النهار و كون الفعل واقعا فيه.

و الجواب انّ هذا النوع من الأصول المثبتة حجّة بالاتفاق لخفاء الواسطة و إلّا يلزم بطلان أكثر الأصول الجارية في الموضوعات:

1. استصحاب طهارة الماء الملازم لكون التوضّؤ بما هو طاهر.

2. استصحاب طهارة الثوب الملازم لكون الصلاة واقعا في ثوب طاهر.

3. استصحاب بقاء النهار الملازم لكون الصلاة واقعة فيه و بالتالي وقوعها أداء.

هذا و لا يتفاوت في ذلك كون الإمساك مقيدا بقيد وجودي كالنهارية أو بقيد عدمي، كعدم دخول الليل، فانّ المقيّد على كلا الوجهين ليست له حالة سابقة، و استصحاب نفس القيد: بقاء النهار، أو عدم دخول الليل لا يثبت كون الإفطار واقعا في هذا الظرف.

و ربما يتصور بأنّ الإشكال إنّما يرد إذا كان القيد أمرا وجوديا كالإفطار المقيد لوقوعه في النهار، دون ما إذا كان القيد عدميا كما إذا وجب الإمساك ما لم يدخل الليل فإذا شكّ في الدخول كان مقتضى الاستصحاب عدمه فيترتب عليه الحكم كما في موثقة سماعة حيث قال: فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه، لأنّه أكل متعمدا. (1)

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 50 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

386

[التاسع: إدخال الماء في الفم للتبرّد بمضمضة أو غيرها فسبقه و دخل الجوف]

التاسع: إدخال الماء في الفم للتبرّد بمضمضة أو غيرها فسبقه و دخل الجوف فإنّه يقضي و لا كفّارة عليه، و كذا لو أدخله عبثا فسبقه، و أمّا لو نسي فابتلعه فلا قضاء عليه أيضا و إن كان أحوط، و لا يلحق بالماء غيره على الأقوى و إن كان عبثا، كما لا يلحق بالإدخال في الفم الإدخال في الأنف للاستنشاق أو غيره و إن كان أحوط في الأمرين. (1)

____________

و بما انّ الليل أمر وجودي منتزع من غيبوبة القرص، فإذا شكّ فيه كان مقتضى الأصل عدمه، فيجب الإمساك إلى أن يحرز دخوله.

يلاحظ عليه: أنّه و إن كان يجب عليه الإمساك قبل أن يدخل الليل، لكن الكفارة مترتبة على من أفطر قبل أن يدخل الليل و المقيد بما هو مقيد ليس له حالة سابقة و استصحاب عدم دخول الليل لا يثبت كون الإفطار واقعا في هذا الظرف العدمي.

هذا كلّه إذا كان شاكا، و أمّا الصورة الثانية، أي إخبار الثقة بالغروب، فقد اختار المصنف حجّية قول الثقة عند الإخبار بالطلوع في المسألة الأولى، و لكن احتاط في هذه المسألة عند إخباره بالطلوع و الغروب بالكف عن الأكل في الموردين، لكن احتاط في الطلوع استحبابا و في الغروب وجوبا. و لكن لو قلنا بحجّيته فلا فرق بين الطلوع و الغروب.

(1) في المسألة فروع خمسة و الجامع هو إدخال الماء في الفم لا لغاية التمضمض للوضوء و أمّا الإدخال لذلك، فسيأتي حكمه في المسألة الثالثة، و إليك ما في هذه المسألة من الصور:

1. إذا أدخل الماء في الفم لغاية التبرد، أو عبثا، فسبقه الماء.

387

..........

____________

قال الشيخ: إذا تمضمض للصلاة نافلة كانت أو فرضا، فسبق الماء إلى حلقه لم يفطر. و إن تمضمض للتبرد أفطر. ثمّ نقل أقوال الآخرين بتفصيل. (1)

و جعله العلّامة في المنتهى قول علمائنا و قال: لو تمضمض فدخل الماء إلى حلقه فإن تعمّد بلع الماء وجب عليه القضاء و الكفارة و لو تمضمض للصلاة فلا قضاء عليه و لا كفارة و إن كان للتبرد أو العبث وجب عليه القضاء خاصة و هو قول علمائنا.

أقول: مقتضى القاعدة هو الجواز تكليفا و عدم القضاء وضعا، لأنّه سبقه إلى حلقه من غير اختيار، فهو معذور كالناسي الذي هو الفرع الثالث لكن الحكم عليه بالقضاء في المقام لأجل ورود النصّ.

و أمّا الأحاديث فهي بين نافية للقضاء مطلقا، و بين مفصل بين المضمضة للوضوء فلا قضاء و لغيره ففيه القضاء، أمّا الأوّل روى الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي: قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يتمضمض فيدخل في حلقه الماء و هو صائم؟ قال: «ليس عليه شي‌ء إذا لم يتعمّد ذلك»، قلت: فإن تمضمض الثانية فدخل في حلقه الماء؟ قال: «ليس عليه شي‌ء»، قلت: فإن تمضمض الثالثة؟ قال: فقال: «قد أساء و ليس عليه شي‌ء و لا قضاء» (2) و قوله: «قد أساء» يدل على الكراهة مطلقا، لكن إطلاقه يقيد بالتالي:

روى الشيخ عن سماعة في حديث قال: سألته عن رجل عبث بالماء يتمضمض به من عطش فدخل حلقه؟ قال: عليه قضاءه‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 215، كتاب الصوم، المسألة 76.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.

388

[المسألة 3: لو تمضمض لوضوء الصلاة فسبقه الماء لم يجب عليه القضاء]

المسألة 3: لو تمضمض لوضوء الصلاة فسبقه الماء لم يجب عليه القضاء سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة على الأقوى بل لمطلق الطهارة و إن كانت لغيرها من الغايات من غير فرق بين الوضوء و الغسل و إن كان الأحوط القضاء فيما عدا ما كان لصلاة الفريضة خصوصا فيما كان لغير الصلاة من الغايات. (1)

____________

و إن كان في وضوء فلا بأس به». (1) فيحمل موثق عمار، على المضمضة لأجل الوضوء. بل يمكن أن يقال بانصراف موثّق حماد إلى المضمضة للوضوء لغلبة استعمالها في المضمضة لتلك الغاية.

و يؤيد التفصيل ما رواه الكليني و الشيخ عن يونس. 2 فهو و إن لم يكن رواية مسندة و لا مضمرة، لكنّه فتوى بالرواية.

و مورد الرواية هو التمضمض بالماء للتبرد فيعمّ التمضمض لغاية غسل الاسنان أو العبث فيتعدى منه إليهما. نعم لا يعم التمضمض بالمائع المضاف إلّا أن يدعى عدم الخصوصية، و هو غير بعيد، و بذلك يعلم حكم الفرع الرابع في المتن، حيث قال: و لا يلحق بالماء غيره على الأقوى و إن كان عبثا.

و أمّا الاستنشاق بالماء فهل يلحق بالمضمضة، الظاهر لا، لبعد السبق فيه بخلاف المضمضة.

و أمّا إذا سبق ناسيا، فلا يبطل، لخروجه عن النصوص، فالمرجع ما دلّ على عدم قدح النسيان.

(1) في المسألة فروع مطوية قد مضى بعض النصوص الدالة على عدم البطلان عند التمضمض للوضوء إذا سبقه الماء، و يقع الكلام في الفروع التالية:

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4، 3.

389

..........

____________

1. هل يختص الحكم بالوضوء لغاية إقامة الفريضة، أو يعم إقامة النافلة أيضا؟

2. هل يختص الحكم بالتوضّؤ لغاية إقامة الصلاة، أو يعم غيره كقراءة القرآن و غيرها؟

3. هل يختص الحكم بالوضوء، أو يعم المضمضة للغسل أيضا؟

أمّا الأوّل: فالمفهوم من كلام الأصحاب هو عدم القضاء في الوضوء مطلقا لفريضة كان أو نافلة خصوصا بالنظر إلى تعليل العلّامة في «المنتهى» بأنّه فعل مشروعا، لكن الوارد في صحيح حماد (1) هو الفرق بين الفريضة و النافلة حيث روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الصائم يتوضأ للصلاة فيدخل الماء في حلقه فقال: «إن كان وضوئه لصلاة فريضة فليس عليه شي‌ء، و إن كان وضوؤه لصلاة نافلة فعليه القضاء». (2)

و لو ثبت الإعراض عن التفصيل نأخذ بما في المتن من عدم الفرق بين الوضوءين، و إلّا فلا مانع من الأخذ بالتفصيل الوارد في الصحيحة، و على هذا فقد دلّت موثقة عمار بالجواز مطلقا (3)، و دلت موثقة سماعة على القضاء إذا عبث بالماء، دون ما إذا تمضمض للوضوء فلا قضاء، و خصت صحيحة الحلبي، الحكم بوضوء الفريضة دون النافلة، فتكون النتيجة، هو عدم القضاء فيما إذا تمضمض لوضوء الفريضة فسيق إليه الماء.

____________

(1). كما في رواية الكليني، و أمّا على رواية الشيخ «حماد» عن الحلبي كما هو الغالب على رواياته.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

(3). على القول بإطلاقه و إلّا فلا يبعد انصرافه إلى التمضمض للوضوء بقرينة سؤاله عن التمضمض إلى ثلاث مرّات.

390

..........

____________

غير انّ المفهوم من كلام الأصحاب عدم الفرق بين الوضوءين كما في الحدائق. (1)

عموم الحكم للوضوء و لو لغير الصلاة هل الحكم يختص بما إذا توضأ لصلاة، أو يعم ما لو توضأ لغاية أخرى من الغايات؟ ذهب المصنّف إلى عدم الفرق قائلا: و إن كانت لغيرها من الغايات، و يؤيّده موثقة سماعة حيث قال: «و إن كان في وضوء فلا بأس»، فجعل الموضوع هو الوضوء من دون تقييد للصلاة، و لكن لو قلنا بما في صحيح «حماد»، من عدم العفو إذا كان الوضوء للصلاة النافلة يكون البطلان في الوضوء لغير غاية الصلاة بوجه أولى إلّا إذا قلنا بإعراض المشهور عن هذا التفصيل.

عمومية الحكم لمطلق الطهارة هل الحكم يختص بالوضوء، أو يعم المضمضة للغسل أيضا؟ قال المصنّف: «من غير فرق بين الوضوء و الغسل» و ذلك لحمل الوضوء على بيان الفرد الشائع، فلو تمضمض للغسل، فسبق الماء، صحّ بلا إشكال. و لا مانع منه بشرط أن يكون مما وردت فيه المضمضة، لأنّ القدر المتيقن هو القيام بها لأجل العمل بالسنة.

عموم الحكم للاستنشاق هل يعمّ الحكم للاستنشاق أيضا؟ ربما يقال بالشمول لإطلاق صحيح حماد، أعني قوله: «في الصائم يتوضأ للصلاة» من غير تقييد‌

____________

(1). الحدائق: 13/ 90.

391

[المسألة 4: يكره المبالغة في المضمضة مطلقا]

المسألة 4: يكره المبالغة في المضمضة مطلقا، و ينبغي له أن لا يبلع ريقه حتّى يبزق ثلاث مرّات. (1)

[المسألة 5: لا يجوز التمضمض مطلقا مع العلم بأنّه يسبقه الماء إلى الحلق أو ينسى فيبلعه]

المسألة 5: لا يجوز التمضمض مطلقا مع العلم بأنّه يسبقه الماء إلى الحلق أو ينسى فيبلعه. (2)

____________

بالمضمضة.

و الظاهر عدم البطلان مطلقا، إمّا لدخوله تحت هذه الروايات، أو لكونه واقعا تحت القاعدة الأوّلية لما عرفت من انّ مقتضاها عدم البطلان لكونه فعلا خارجا عن الاختيار، خرج عنه المضمضة للتبريد أو العبث، و بقى الباقي و منه الاستنشاق للوضوء تحتها، و قد مرّ في المسألة السابقة عدم شمول دليل البطلان للاستنشاق للتبريد و العبث لبعد السبق فيه.

(1) يدل على الأوّل مرسل حماد عن الصادق (عليه السلام) في الصائم يتمضمض و يستنشق قال (عليه السلام): «نعم، و لكن لا يبالغ». (1)

و يدل على الثاني خبر زيد الشحام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الصائم يتمضمض؟ قال (عليه السلام): «لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات». (2)

(2) لكونه داخلا في الإفطار العمدي، و عندئذ لا يجوز مع الاحتمال المعتد به و يجوز إذا كان مأمونا منه.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 31 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

392

[العاشر: سبق المنيّ بالملاعبة أو الملامسة إذا لم يكن ذلك من قصده]

العاشر: سبق المنيّ بالملاعبة أو الملامسة إذا لم يكن ذلك من قصده و لا عادته على الأحوط و إن كان الأقوى عدم وجوب القضاء أيضا. (1)

____________

(1) مضى الكلام فيه في الفصل الثاني فيما يجب الإمساك عنه في المسألة 18، و قلنا: إنّ الميزان كما ورد في النص أن يثق أن لا يسبقه منيّه، و على ذلك فلو لم يكن من قصده و لا من عادته سبق المني و لم يكن يحتمل ذلك احتمالا يعتد به، فسبق المني فصومه صحيح، و إلّا فلو احتمل احتمالا يعتد به فهو محكوم بالقضاء، لأنّ الميزان هو الوثوق بعدم سبق الماء، فكان على الماتن أن يقول: إذا لم يكن من قصده و لا من عادته و لا يحتمل احتمالا معتدا.

393

[الفصل الثامن في الزمان الذي يصح فيه الصوم]

الفصل الثامن في الزمان الذي يصح فيه الصوم و هو النهار من غير العيدين، و مبدؤه طلوع الفجر الثاني، و وقت الإفطار ذهاب الحمرة من المشرق. (1)

____________

(1) ذكر فيه أمورا ثلاثة:

1. لا يصحّ الصوم إلّا في النهار.

2. لا يصحّ في العيدين.

3. مبدؤه طلوع الفجر و منتهاه ذهاب الحمرة من المشرق.

أمّا الأوّل، فهو من ضروريات الفقه، و اتّفاق المسلمين، و سيأتي أيضا في نهاية الفصل.

أمّا الثاني فهو أيضا كذلك، مضافا إلى تضافر الروايات بحرمته فيهما. (1)

و حرمة أيّام التشريق على من كان بمنى. (2)

و أمّا الثالث فمبدأ الصوم هو تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، و المراد تبيّن بياض اليوم من سواد الليل، و في صحيح أبي بصير قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقلت: متى يحرم الطعام و الشراب على الصائم و تحلّ‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب الصوم المحرم و المكروه.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب الصوم المحرم و المكروه.

394

..........

____________

الصلاة، صلاة الفجر؟ فقال: «إذا اعترض الفجر و كان كالقبطية البيضاء، فثم يحرم الطعام و يحلّ الصيام». (1)

القبطية واحدة «القباطي» و هي ثياب رقاق من كتّان تجلب من مصر نسبة إلى القبط، و هو جيل من النصارى.

و في رواية ابن أبي عمير، عن علي بن عطية، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «الفجر هو الذي إذا رأيته كان معترضا كأنّه بياض نهر سوار» (2) و سوار موضع بالعراق، و المراد النهر الجاري فيه و يحتمل أن يكون نهر الحلّة.

فدلتا على أنّ مبدأه هو الفجر.

و أمّا منتهاه، فهل هو سقوط القرص، أو ذهاب الحمرة من جانب المشرق، فانّ الشمس عند ما تغيب يظهر آنذاك سواد في ناحية الشرق، و عند ذلك ترتفع الحمرة من تلك الناحية، و هي نتيجة إشعاع الشمس بعد الغيبوبة في دائرة الأفق.

قولان: و المشهور هو الثاني، و على كلّ تقدير فالمراد ذهاب الحمرة من المشرق، لكن في كلمات بعض الفقهاء ذهابها من قمة الرأس تبعا للحديث. ففي مرسل ابن أبي عمير: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «وقت سقوط القرص و وجوب الإفطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة، و تتفقّد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فإذا جازت قمّة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار و سقط القرص». (3)

و المراد ظهور الحمرة في ناحية المغرب و بما انّ المتبادر إلى الأذهان انّ الحمرة الظاهرة في المغرب هي نفس الحمرة التي كانت في المشرق فكأنّها جاوزت قمة الرأس و ظهرت هناك، عبر عنه بالتجاوز، و على كلّ فهل زوال الحمرة طريق إلى‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 42 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

(2). الوسائل: الجزء 3، الباب 27 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

(3). الوسائل: الجزء 3، الباب 16 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

395

و يجب الإمساك من باب المقدّمة في جزء من الليل في كلّ من الطرفين، ليحصل العلم بإمساك تمام النهار، و يستحبّ تأخير الإفطار حتّى يصلّي العشاءين لتكتب صلاته صلاة الصائم، إلّا أن يكون هناك من ينتظره للإفطار، أو تنازعه نفسه على وجه يسلبه الخضوع و الإقبال، و لو كان لأجل القهوة و التتن و الترياك فإنّ الأفضل حينئذ الإفطار ثمّ الصلاة مع المحافظة على وقت الفضيلة بقدر الإمكان. (1)

____________

العلم بغيبوبة القرص، أو له موضوعية فتجب مراعاة زوالها و لو بعد العلم بسقوطه؟ وجهان، و الظاهر الأوّل.

و تدل عليه معتبرة بريد بن معاوية، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني من المشرق فقد غابت الشمس من شرق الأرض و غربها». (1) و في مرسلة ابن أبي عمير: «فإذا جازت قمّة الرأس إلى ناحية المغرب، فقد وجب الإفطار و سقط القرص». 2

و بذلك يمكن الجمع بين ما تضافرت عليه الروايات من أنّ منتهاه هو سقوط القرص، و قول المشهور من غيبوبة الشمس مع ذهاب الحمرة المشرقية، و كأنّه طريق إلى العلم به، فلو حصل العلم به، لسقط لزوم رعايته، و التفصيل في محلّه.

(1) هنا فرعان:

1. الإمساك في جزء من الليل من باب المقدمة إمساك جزء من طرفي الليل من باب المقدمة ليحصل العلم بإمساك تمام‌

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 3، الباب 16 من أبواب المواقيت، الحديث 1 و 4.

396

..........

____________

النهار، و ذلك لأنّه لمّا كان الواجب الإمساك من أوّل جزء من النهار إلى أوّل جزء من الليل، و كان العلم بالحدين بوجه دقيق أمرا غير ميسور، فلا محيص في تحصيل الامتثال القطعي من إدخال آخر الليل و أوّله، ليعلم انّه أمسك بينهما قطعا، كما هو الحال في الوضوء و التيمم حيث يدخل شيئا من الوجه و المرفق لتلك الغاية.

و قد أورد عليه بأنّه إنّما يتم في آخر النهار، (1) حيث إنّ مقتضى الاستصحاب هو بقاء النهار و عدم دخول الليل، فلا محيص له إلّا الإمساك حتى يتيقن بدخول الليل و لا يحصل إلّا بإدخال جزء من أوّله، و أمّا في أوّل النهار فمقتضى الدليل الاجتهادي جواز الأكل حتى يتبين لقوله سبحانه: كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. (2) فما لم يتبين فهو مرخص في جواز الأكل. و معه لا مجال لإيجاب الاحتياط، بل الجواز مقتضى الاستصحاب الموضوعي من عدم دخول النهار و بقاء الليل فيترتب عليه جواز الأكل.

يلاحظ عليه: بأنّ إيجاب العقل لو كان مولويا لحصلت المنافاة بينه و بين جواز الأكل، و أمّا إذا كان إرشاديا، لأجل الاحتراز عمّا ربما يترتب على عدم الرعاية من القضاء كما إذا تناول المفطر بلا مراعاة الفجر ثمّ ظهر سبق طلوعه و انّه أكل في النهار، فقد تقدم وجوب القضاء، فالإيجاب هنا إرشادي للاحتراز عمّا يترتّب عليه من القضاء.

2. تقديم الصلاة على الإفطار دلت الروايات على استحباب تقديم الصلاة على الإفطار لتكتب صلاته‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 7 من أبواب آداب الصائم، الحديث 1.

(2). البقرة: 187.

397

..........

____________

صلاة الصائم، فكأنّه ما لم يفطر فهو صائم كما في صحيح الحلبي (1) و موثقة زرارة 2 و لكن استثني فيها و في كلمات الفقهاء موردان:

1. أن يكون مع قوم ينتظرون الإفطار فيفطر و يصلّ.

2. إذا كان تنازعه نفسه للإفطار على وجه يسلب به الخضوع و الإقبال.

و يدل عليه مرسلة المقنعة 3 و هي و إن لم تكن حجة لكن الأدلة تؤيد ذلك، لأنّ روح الصلاة، هو الخشوع و الخضوع، و إقبال النفس إلى اللّه سبحانه و المفروض عدم حصوله إلّا بالتأخير.

و هل المستحب هو تقديم خصوص المغرب على الإفطار دون العشاء أو المستحب تقديم العشاءين كما عليه المصنف، الظاهر هو الأوّل لانصراف الصلاة إليه في الروايتين، لصدور الرواية في ظرف كانوا يؤخّرون العشاء عن صلاة المغرب إلى ذهاب الحمرة المغربية، فلو قيل في هذا الظرف، يصل ثمّ ليفطر، لا يتبادر منه إلّا صلاة المغرب.

و ما ربما يقال من استحباب تقديم العشاءين لاشتراكهما في الوقت بمقتضى قوله (عليه السلام) في بعض النصوص: و إذا غاب القرص فقد وجب الصلاتان، إلّا أنّ هذه قبل هذه، فنفس المناط الذي اقتضى تقديم المغرب يقتضي تقديم العشاء أيضا لتساويها في الوقت 4 غير تام، لأنّ المناط الذي صار سببا لتقديم الصلاة على الإفطار لا يخل بإقامته في وقت الفضيلة، بخلاف العشاء فإنّ على الإفطار تقديمه، يفوّت فضيلة إقامته بعد زوال الحمرة.

____________

(1) 1 و 2 و 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 7 من أبواب آداب الصائم، الحديث 1، 2، 4.

(2) 4. مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم: 1/ 421.

398

[المسألة 1: لا يشرع الصوم في الليل و لا صوم مجموع الليل و النهار]

المسألة 1: لا يشرع الصوم في الليل و لا صوم مجموع الليل و النهار بل و لا إدخال جزء من الليل فيه إلّا بقصد المقدّميّة. (1)

____________

(1) ما ذكره من ضروريات الفقه.

399

[الفصل التاسع في شرائط صحة الصوم]

الفصل التاسع في شرائط صحة الصوم

[هي أمور]

و هي أمور

[الأوّل: الإسلام و الإيمان]

الأوّل: الإسلام و الإيمان فلا يصحّ من غير المؤمن و لو في جزء من النهار فلو أسلم الكافر في أثناء النهار و لو قبل الزوال لم يصحّ صومه، و كذا لو ارتدّ ثمّ عاد إلى الإسلام بالتوبة و إن كان الصوم معيّنا و جدّد النيّة قبل الزوال على الأقوى. (1)

____________

(1) ذكر المصنّف في هذا الفصل لصحة الصوم شروطا ستة، و ذكر لصحة خصوص الصوم المندوب شرطا واحدا و هو أن لا يكون عليه صوم واجب من قضاء و نذر و كفارة، و إليك البحث في هذه الشروط.

الأوّل: الإسلام و الإيمان أمّا اشتراط الإسلام فعلى القول بأنّهم مكلّفون بالأصول دون الفروع فواضح، فليس هنا تكليف حتى يبحث عن شرائط صحته، و أمّا صحة عبادة الصبي، مع عدم كونه مكلفا، فسيأتي الكلام فيه و انّ المرفوع عنه في مجال التكليف هو الوجوب و الحرمة دون التكاليف الاستحبابية فانتظر، و أمّا على القول بتكليفهم بالأصول و الفروع فالكفر مانع عن صحّة العمل، و يدل على ذاك لفيف من الآيات و الروايات.

400

..........

____________

أمّا الآيات فقوله سبحانه: و لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ. (1) فاذا كان الشرك اللاحق موجبا لحبط العمل فالشرك المقارن أولى، و بذلك يعلم عدم تمامية ما ربما يقال: إنّ الآية انّما تدل على البطلان بالشرك عند الموت لا مطلقا.

و بما انّ المسألة من ضروريات الفقه فلا نطيل الكلام فيه.

و أمّا الروايات.

فمنها صحيحة العيص: في قوم أسلموا في شهر رمضان و قد مضى منه أيام، هل عليهم أن يصوموا ما مضى، أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ فقال: «ليس عليهم قضاء و لا يومهم الذي أسلموا فيه، إلّا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر». (2)

ثمّ إنّ هنا فرعين:

1. إذا أسلم قبل الزوال.

2. إذا ارتد و تاب قبل الزوال قبل أن يفعل ما يفطره.

فهل يجب عليهما تجديد النية و الإمساك، أو لا؟

أمّا الأول فقد نقل عن مبسوط الشيخ القول بوجوب تجديد النية في الأوّل لإطلاق الأمر بالصوم و بقاء وقت النية كالمريض و المسافر. (3)

يلاحظ عليه أوّلا: أنّه مخالف لما في صحيحة العيص حيث قال: إلّا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر.

و ثانيا: أنّ الحكم في المريض و المسافر على خلاف القاعدة، فلا يصحّ‌

____________

(1). الزمر: 65.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 22 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 2، 3، 4.

(3). لم نعثر عليه في المبسوط، لاحظ: 1/ 265 نعم طرح فيه مسألة المرتد.

401

..........

____________

القياس و إن قلنا بصحته، و على ذلك لا يجب عليه تجديد النية و لا الإمساك تأدّبا و لا القضاء.

و أمّا الثاني: فقال الشيخ: أمّا المرتدّ عن الإسلام اذا رجع فانّه يلزمه قضاء الصوم، و جميع ما فاته من العبادات في حال ارتداده، لأنّه كان بحكم الإسلام لالتزامه له أوّلا، فلأجل ذلك وجب عليه القضاء، فأمّا إذا ارتدّ ثمّ عاد إلى الإسلام قبل أن يفعل ما يفطره، فلا يبطل صومه بالارتداد، لأنّه لا دليل عليه. (1)

أقول: الظاهر بطلان صومه، لأنّ الإسلام شرط لصحّة جميع أجزاء العمل الواحد، و المفروض وقوع بعضه دون بعض.

و بعبارة أخرى: انّه محكوم بالكفر في فترة من اليوم، و الإسلام شرط لعامة أجزاء الصوم، فإيجاب الناقص أوّلا، و قبوله مكان الكامل على فرض وجوبه ثانيا يحتاج إلى الدليل، فيجب عليه قضاء ذلك اليوم و ما فاته من العبادات. نعم تجديد النية و الإمساك فيما بقي ثم القضاء هو الأحوط.

الإيمان شرط القبول لا شرط الصحّة لا شكّ أنّ الإسلام شرط الصحّة، إنّما الكلام في شرطية الإيمان لصحّة العمل، فهل هو كذلك أو شرط لترتب الثواب؟ فالمصنّف على الأوّل، و بعض المحقّقين ممن عاصرناه على الثاني و لا يترتب عليه ثمرة عملية في أعمال نفسه لتضافر الإخبار على عدم القضاء، إذا استبصر المخالف إلّا الزكاة، نعم تظهر الثمرة إذا قام بعمل واجب كفائي يشترط فيه قصد القربة كغسل الميت، فعلى القول ببطلان عمله لا يسقط عن ذمة الآخرين، و إلّا فيجزي، و للكلام موضع آخر.

____________

(1). المبسوط: 1/ 266.

402

[الثاني: العقل]

الثاني: العقل، فلا يصحّ من المجنون و لو ادوارا و إن كان جنونه في جزء من النهار، و لا من السكران، و لا من المغمى عليه و لو في بعض النهار و إن سبقت منه النيّة على الأصحّ. (1)

____________

(1) لا شكّ انّ العقل شرط التكليف- كما سيوافيك في الفصل الثاني- و شرط لصحته، لأنّ فاقد العقل يشبه الحيوان، ففي صحيح محمد بن مسلم: «و عزتي و جلالي ما خلقت خلقا هو أحب إليّ منك و لا أكملتك، إلّا في من أحبّ، أما إنّي إيّاك آمر، و إيّاك أنهى، و إيّاك أعاقب و إيّاك أثيب». (1)

هذا إذا كان الجنون مطلقا، و أمّا إذا كان أدواريا، فالحكم بوجوب الصوم فيه و في نظيره، أعني: الإغماء و السكر، موضع تأمل.

قال الشيخ المفيد: و إذا أغمي على المكلّف للصيام قبل استهلال الشهر، و مضى عليه أيام ثم أفاق، كان عليه قضاء ما فاته من الأيّام، فان استهل الشهر عليه و هو يعقل فنوى صيامه و عزم عليه ثم أغمي عليه و قد صام شيئا منه أو لم يصم ثم أفاق بعد ذلك فلا قضاء عليه، لأنّه في حكم الصائم بالنية و العزيمة على أداء فرض الصيام. (2)

و قال الشيخ في الخلاف: إذا نوى الصوم من الليل، فأصبح مغمى عليه يوما أو يومين أو ما زاد عليه كان صومه صحيحا، و كذلك ان بقي نائما يوما أو أياما، و كذلك إن أصبح صائما ثم جنّ في بعضه، أو مجنونا، فأفاق في بعضه و نوى فلا قضاء عليه. ثمّ نقل فتاوى الآخرين بتفصيل. (3)

____________

(1). مرآة العقول: 1/ 29، 84.

(2). المقنعة: 352، باب حكم المغمى عليه.

(3). الخلاف: 2/ 198، كتاب الصوم، المسألة 51.

403

..........

____________

إذا عرفت ذلك نقول: يقع الكلام فيما إذا جنّ من جزء من النهار أو أغمي عليه أو أسكر فيه، فهل يجب عليه تجديد النية إذا سبقت منه النية، أو لا؟ وجوه:

1. ألحقه المصنّف بالجنون فحكم بعدم الصحة و إن سبقت منه النية.

و ألحقها بعضهم بالنوم، فحكم بوجوب تجديد النية و الصحة و يحتمل التفصيل.

أمّا وجه الأوّل، فلأنّ الصوم من العبادات التي روحها قصد القربة في مجموع العمل و لا يتمشّى إلّا من العاقل الشاعر بعمله و إمساكه و هو شرط لجميع أجزاء العمل لا لبعضه و قبول صوم النائم إذا سبقت النية خرج بدليل. و قد عدّ نوم الصائم عبادة؛ كما في خطبة النبي في آخر جمعة شعبان.

أمّا وجه الثاني فلأنّ ما ذكر من الدليل على عدم الصحة وجيه في الأعمال الوجودية، فالاستشعار فرع صحة العمل، دون العمل الإمساكي الذي يقوم بالإمساك و الترك حيث استكشفنا من قبول صوم النائم، كفاية سبق النية فيكفي سبق النية و إن لم يكن شاعرا بإمساكه.

و أمّا التفصيل فيلحق الجنون الادواري بالأطباقي، و الآخران بالنوم.

و الظاهر هو الأوّل، و أمّا ما ذكره المحقق الخوئي (قدّس سرّه) في تقريب الوجه الثاني- من أنّه لم يرد اشتراط التكليف بعدم السكر و الإغماء و لا سيما إذا كان السكر و الإغماء اختياريا، فيكون التكليف مطلقا من هذه الناحية و لم يكن مشروطا بعدمهما فلا إشكال إلّا من ناحية النية، و لكن النية المعتبرة في الصوم تغاير ما هو المعتبر في العبادات الوجودية و انّها سنخ لا تنافي النوم- غير تام. إذ فيه مضافا إلى قوله سبحانه: لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ (1) انّ التكاليف التعبدية لا ينفك عن التقيد بالاستشعار و قصد القربة، فماهية العمل تنادي بعدم انفكاكها عن قيد الاستشعار و قياس الموارد الثلاثة بالنائم قياس مع الفارق، فانّ النوم أمر‌

____________

(1). النساء: 43.

404

[الثالث: عدم الاصباح جنبا أو على حدث الحيض و النفاس بعد النقاء من الدم]

الثالث: عدم الاصباح جنبا أو على حدث الحيض و النفاس بعد النقاء من الدم على التفصيل المتقدّم. (1)

[الرابع: الخلو من الحيض و النفاس في مجموع النهار]

الرابع: الخلو من الحيض و النفاس في مجموع النهار فلا يصح من الحائض و النفساء إذا فاجأهما الدم و لو قبل الغروب بلحظة أو انقطع عنهما بعد الفجر بلحظة و يصحّ من المستحاضة إذا أتت بما عليها من الأغسال النهارية. (2)

____________

طبيعي ليس فيه زوال العقل غاية الأمر أنّ فيه تعطيل الحواس، فهو قرينة على عدم اشتراطه بعدمه بخلاف الجنون و الإغماء و السكر. ففي الجميع زوال العقل على اختلاف مراتبه فقياسها على النوم مع هذا التفاوت قياس مع الفارق.

(1) تقدم الكلام فيه في مبحث المفطرات، و إنّما ورد النص في الأوّل، و الحق الثاني و الثالث بالجنابة بأقوائية الملاك و المانعية للصوم.

(2) لا يصحّ صوم الحائض و النفساء سواء حصل العذر قبل الغروب أو انقطع بعد مضي زمن قليل من الفجر قال في الجواهر: الإجماع بقسميه عليه و النصوص متواترة في الحائض المتحد حكم النفساء معها. (1)

و قال في الحدائق: هو موضع وفاق بين الأصحاب. 2

و لنذكر بعض ما يدل عليه:

روى الشيخ في الصحيح عن العيص بن القاسم (البجلي) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة تطمث في شهر رمضان قبل أن تغيب الشمس؟ قال:

____________

(1) 1 و 2. الجواهر: 16/ 322؛ الحدائق: 13/ 168.