الصوم في الشريعة الإسلامية الغراء - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
457 /
405

[الخامس: أن لا يكون مسافرا سفرا يوجب قصر الصلاة مع العلم بالحكم في الصوم الواجب إلّا في ثلاثة مواضع]

الخامس: أن لا يكون مسافرا سفرا يوجب قصر الصلاة مع العلم بالحكم في الصوم الواجب إلّا في ثلاثة مواضع: أحدها: صوم ثلاثة أيّام بدل هدي التمتّع. الثاني: صوم بدل البدنة ممّن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا و هو ثمانية عشر يوما. الثالث: صوم النذر المشترط فيه سفرا خاصّة أو سفرا و حضرا. (1)

____________

«تفطر حين تطمث». (1)

و في موثقة منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أي ساعة رأت الدم فهي تفطر الصائمة إذا طمثت، و إذا رأت الطهر في ساعة من النهار قضت صلاة اليوم و الليل مثل ذلك». 2

و أمّا خبر أبي بصير الدال على التفصيل بين الطمث قبل الزوال فلا تعتدّ، و الطمث بعده فلتعتدّ بصوم ذلك اليوم ما لم تأكل و تشرب؛ فهو مما أعرض عنه الأصحاب، و حمله الشيخ الطوسي على وهم الراوي حيث قال الإمام «و لا تعتد» فزعم انّه قال: «لتعتد». 3

و لا يخفى ضعف الحمل لمنافاته مع قوله: «ما لم يأكل و يشرب».

و أمّا صحّة صوم المستحاضة إذا أتت بما عليها من الأغسال النهارية فقد مضى الكلام فيها في مبحث المفطرات.

(1) اتفقت كلمة الفقهاء على مشروعية الإفطار في السفر تبعا للذكر الحكيم و السنّة المتواترة، إلّا أنّهم اختلفوا في كونه عزيمة أو رخصة نظير الخلاف في كون‌

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2، 4.

(2) 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 28 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 4.

406

..........

____________

القصر فيه جائزا أو واجبا، فالامامية تبعا لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، و الظاهرية إلى كون الإفطار عزيمة. قال ابن حزم: اختاره من الصحابة: عبد الرحمن بن عوف، و عمرو بن عبد اللّه، و أبو هريرة، و غالب، و ابن عباس؛ و من التابعين: علي بن الحسين، و ابنه محمد الباقر، و سعيد بن المسيب، و عطاء، و عروة بن الزبير، و شعبة، و الزهري، و القاسم بن محمد بن أبي بكر، و يونس بن عبيد و أصحابه. (1)

و نسب الشيخ الطوسي في الخلاف القول بالعزيمة إلى ستّة من الصحابة، غير انّ قاطبة الفقهاء على الخيار بين أن يصوم و لا يقضي و بين أن يفطر و يقضي. (2)

و كونه شرط الصحة من ضروريات فقه الشيعة، و يدل عليه الإمعان في الآيات الثلاث المباركة:

قال سبحانه: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. (3)

أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. (4)

شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّٰاسِ وَ بَيِّنٰاتٍ مِنَ الْهُدىٰ وَ الْفُرْقٰانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ. (5)

____________

(1). المحلى: 6/ 258.

(2). الخلاف: 2/ 201، كتاب الصوم، المسألة 53.

(3). البقرة: 183.

(4). البقرة: 184.

(5). البقرة: 185.

407

..........

____________

توضيح الاستدلال: أنّ هذه الآيات الثلاث تتضمن أحكاما ثلاثة لطوائف ثلاث:

الأولى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ و معنى ذلك انّه كتب عليه الصوم في ذلك الشهر.

الثانية: من كان مريضا أو على سفر فقد كتب عليه صيام عدة من أيام أخر، و معنى ذلك انّه مكلف بالصيام في غير أيام شهر رمضان.

و إن شئت قلت: إنّ الواجب عليه من أوّل الأمر هو القضاء لا الأداء و إطلاق القضاء عليه من باب التوسع باعتبار انّه لو كان مصحّا و حاضرا كان عليه أن يصوم.

و بذلك يعلم انّ من قدّر جملة «فافطر» قبل قوله «فعدّة» و قال: إنّ تقدير الآية: فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ «فأفطر» فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ حاول تفسير الآية على وفق المذهب حيث إنّ جواز الإفطار عنده رخصة لا عزيمة، و لذلك قدر هذه الجملة ليكون معنى الآية انّه من أفطر فعليه صيام أيام أخر. و أمّا من لم يفطر فعليه صيام شهر رمضان. و هذا تأويل لم يدل عليه أي قرينة، فالمتبادر من الآية هو انّ في المقام صنفين: شاهدا للشهر مع الصحة، فهو يصوم، و غير شاهد صحيحا سواء أ كان شاهدا مع المرض أم لم يكن شاهدا أصلا كالمسافر فالواجب عليهما صيام أيام أخر.

الثالثة: الشيخ و الشيخة، اللّذان يعبّر عنهما القرآن بقوله: وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ.

ثمّ يعود القرآن و يخاطب المؤمنين بقوله: وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ و معناه أن تصوموا على النحو الذي بيّنت خير لكم إن كنتم تعلمون فالشاهد يصوم في شهر رمضان، و غيره في أيام أخر، و المطيق يكفّر.

408

..........

____________

بذلك يعلم أنّ قوله: وَ أَنْ تَصُومُوا غير راجع إلى المسافر، لأنّه رجوع بلا دليل، و الّا فلو رجع إلى المسافر يجب أن يرجع إلى قرينه أيضا أي المريض، لأنّهما ذكرا معا، و قال سبحانه: فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ، و من الواضح انّ الصوم للمريض ليس خيرا غالبا.

و بالجملة، قوله: وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ راجع إلى أصل التشريع، و أنّ في تشريع الصيام فوائد في عاجلكم و آجلكم فلا تغفلوا عنه، كما ذكره مرّة أخرى في ثنايا الآيات الثلاث بقوله: أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ للإشعار بأنّه لا يتجاوز عن أيام معدودات قليلة منقضية بسرعة، و ليس لقوله وَ أَنْ تَصُومُوا ...

أيّ صلة بدعوة المسافر إلى الصوم.

فالإمعان في الآية يثبت أنّ الإفطار للمسافر عزيمة لا رخصة، مضافا إلى الروايات التي نقلها الحر العاملي في مورده و قد عقد بابا خاصا له. (1)

ثمّ إنّ عدم الصحة يختص بما إذا كان عالما بالحكم، فلو كان جاهلا به يصحّ، كما يصحّ الإتمام في موضع الجهل بالحكم، و سيوافيك بيانه عند تعرّض المصنّف إليه في القريب العاجل.

صحّة الصوم الواجب في السفر في مواضع ثلاثة نعم يصحّ الصوم الواجب عن المسافر في ثلاثة مواضع:

1. من لا يجد هدي التمتع و لا ثمنه، صام بدله عشرة أيام، ثلاثة في سفر الحج و سبعة إذا رجع إلى أهله، قال سبحانه: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كٰامِلَةٌ و قد وردت فيه روايات. (2) و أمّا‌

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم.

(2). الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.

409

..........

____________

تخصيص أي يوم من أيام الحج له، فقد ورد النص بتخصيص السابع و الثامن و التاسع منها. (1)

2. من أفاض من عرفات إلى المشعر قبل الغروب عمدا، كان عليه كفارة بدنة، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما، و يدل عليه صحيح ضريس الكناسي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس؟ قال: «عليه بدنة ينحرها يوم النحر فإن لم يقدر، صام ثمانية عشر يوما بمكة، أو في الطريق، أو في أهله». (2) و دلالة الحديث على جواز الصوم في السفر لا شبهة فيها، و حمل الرواية على الصوم في مكة أو في الطريق إذا نوى الإقامة ثم الصوم، كما ترى، و قد عمل به المشهور، و على ذلك فيخصّص ما دلّ على عدم جواز الصوم في السفر نظير «من لم يجد الهدي و لا ثمنه».

3. من نذر الصوم في السفر على وجه يكون السفر قيدا للنذر، أو نذر على الوجه الأعم من السفر و الحضر على وجه يكون السفر ملحوظا حال النذر، أمّا بخصوصه و متقيدا به، أو الأعم منه و من الحضر، و قد تلقّاه الأصحاب بالقبول الّا المحقق في الشرائع حيث توقف.

و مستند المسألة، صحيحة علي بن مهزيار: قال: كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كلّ يوم سبت، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟

فكتب إليه و قرأته: «لا تتركه إلّا من علّة، و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض إلّا أن تكون نويت ذلك، و إن كنت أفطرت من غير علّة فتصدّق بعدد كل يوم على سبعة مساكين، نسأل اللّه التوفيق لما يحب و يرضى». (3)

____________

(1). الوسائل: الجزء 10، باب 46 من أبواب الذبح، الحديث 4.

(2). الوسائل: الجزء 10، باب 23 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفات، الحديث 3.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب: الحديث 4.

410

..........

____________

و الرواية صحيحة، لأنّ الشيخ رواها بالسند التالي:

محمد بن الحسن الصفار: القمي الثقة المتوفّى عام 290 ه‍.

عن أحمد بن محمد، و عبد اللّه بن محمد: أي أحمد بن محمد بن عيسى (المتوفى عام 280 ه‍) و أخيه عبد اللّه بن محمد بن عيسى المشتهر ببنان، و كلاهما ثقة.

عن علي بن مهزيار (الذي كان حيا عام 229 ه‍) الثقة، و على ذلك فلا غبار في الرواية من جهة السند.

و أمّا بندار الذي كتب إلى الإمام (عليه السلام) فلعله هو بندار بن محمد بن عبد اللّه، يقول النجاشي: إمامي متقدم له كتب، منها: كتاب الطهارة، و كتاب الصلاة، و كتاب الصوم، و كتاب الحج، و كتاب الزكاة، ذكر ذلك أبو الفرج محمد بن إسحاق أبي يعقوب النديم في كتاب الفهرست. (1)

و عدم ورود التوثيق في حقّه لا يخل بالرواية، لأنّ العبرة بعلي بن مهزيار الذي قرأ الكتاب و هو ممن كان يكاتب كثيرا أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) و يعرف خطوطهم.

هذا هو سند الحديث، و أمّا الإضمار فغير مضر لجلالة علي بن مهزيار من أن يعتمد على كلام غير إمامه المعصوم.

نعم، بقي في المتن شذوذان:

أحدهما: انّه قال: «و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض إلّا أن تكون نويت ذلك» فإن رجع اسم الإشارة «ذلك» إلى السفر فهو، و إلّا فلو رجع إلى السفر و المرض أو خصوص المرض يتوجه الإشكال، لأنّ جواز الصوم في المرض لا يدور‌

____________

(1). رجال النجاشي: 1/ 285 برقم 292. و لاحظ فهرست ابن النديم: 327.

411

..........

____________

مدار النيّة بل يناط بالضرر و عدمه، و لا يصححه النذر، و لعل وضوح هذا قرينة على رجوع اسم الإشارة إلى السفر دون المرض.

ثانيهما: أنّه جعل الكفارة، هو التصدّق بعدد كلّ يوم على سبعة مساكين مع أنّ الصحيح عشرة مساكين، بناء على أنّ كفارة النذر هي كفارة اليمين، قال سبحانه: لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمٰانَ فَكَفّٰارَتُهُ إِطْعٰامُ عَشَرَةِ مَسٰاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ. (1)

و الظاهر أنّ نسخة الشيخ كانت مغلوطة، و الصحيح عشرة مساكين بشهادة نقل الصدوق حيث قال في «المقنع» ناقلا مضمون الرواية: فإن نذر رجل أن يصوم كلّ سبت أو أحد أو سائر الأيام فليس له أن يتركه إلّا من علّة، و ليس عليه صومه في سفر و لا مرض، إلّا أن يكون نوى ذلك، فإن أفطر من غير علة تصدّق مكان كل يوم على عشرة مساكين. (2)

ثمّ إنّه يظهر من الصدوق جواز الصيام في السفر في موارد أخرى:

1. صوم كفارة صيد المحرم، قال سبحانه: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّٰارَةٌ طَعٰامُ مَسٰاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً لِيَذُوقَ وَبٰالَ أَمْرِهِ (3) و قد روي عن علي بن الحسين (عليهما السلام) انّه قال للزهري: «يا زهري أ تدري كيف يكون عدل ذلك صياما؟» قال: لا أدري، قال (عليه السلام): «يقوّم الصيد قيمة ثم تفضّ تلك القيمة على البرّ ثم يكال البرّ أصواعا فيصوم لكل نصف‌

____________

(1). المائدة: 89.

(2). المقنع: 410، باب الإيمان. و تقدم انّ الشهيد الثاني رأى خط الصدوق و فيه: عشرة مساكين.

(3). المائدة: 95.

412

دون النذر المطلق بل الأقوى عدم جواز الصوم المندوب في السفر أيضا. (1)

____________

صاع، يوما». (1)

2. صوم كفارة الإحلال من الإحرام ان كان به أذى من رأسه (2) توضيحه أنّه سبحانه قال: فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (3) فصاحبها فيها بالخيار، فإن صام، صام ثلاثة أيام. (4) فيحرم للمحرم أن يحلق رأسه، حتى يبلغ الهدي محله، و قد استثنى من كان مريضا أو به أذى من رأسه فيحتاج إلى الحلق للمداواة، فأبيح له الحلق بشرط الفدية.

3. صوم الاعتكاف في المسجد الحرام، أو في مسجد الرسول، أو مسجد الكوفة، أو مسجد المدائن، و نسب العلّامة في المختلف جواز الصوم في السفر فيها إلى الصدوق و والده. (5) و لم يذهب غيرهما إلى الجواز في هذه الموارد. و لم يعلم وجه الجواز إلّا التمسك بإطلاق الآية، و من المعلوم انّها ليست بصدد بيان الحكم من هذه الجهة.

(1) قد تبيّن ممّا ذكرناه كون السفر مانعا من صحة الصيام الواجب إلّا في الموارد التالية:

1. إذا كان جاهلا بالحكم.

____________

(1). المقنع: 180.

(2). المقنع: 199.

(3). البقرة: 196.

(4). المقنع: 180.

(5). مختلف الشيعة: 3/ 462، و لاحظ المقنع أيضا: 199.

413

..........

____________

2. صيام ثلاثة أيام بدل الهدي.

3. صيام ثمانية عشر يوما بدل البدنة لمن أفاض من عرفات قبل الغروب.

4. صوم النذر المشترط فيه سفرا خاصة أو سفرا و حضرا.

بقي الكلام في الموردين التاليين:

أ: النذر المطلق غير المقيّد بالسفر، و لا بالأعم منه و من الحضر.

ب: الصوم المندوب في السفر.

و إليك البحث فيهما واحدا تلو الآخر.

1. الصيام في السفر مع النذر المطلق إذا علّق الصيام بوقت معيّن فاتفق أنّه صار مسافرا، فذهب المشهور إلى أنّه لا يجوز صيامه و إن كان النذر معينا. و يدل عليه مضافا إلى ما عرفت من صحيح علي بن مهزيار:

صحيح ابن أبي عمير، عن كرّام- و هو «كرّام بن عمرو»- و لعلّ في نقل ابن أبي عمير عنه، كفاية في وثاقته، و قد وقع اسمه في 12 موردا في الكافي و التهذيبين، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم، فقال:

«صم و لا تصم في السفر». (1)

و موثق زرارة، قال: قلت لأبي جعفر: إنّ أمّي كانت جعلت عليها نذرا إن يردّ اللّه عليها بعض ولدها من شي‌ء، كانت تخاف عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت، فخرجت معنا مسافرة إلى مكّة فأشكل علينا لمكان النذر تصوم أو تفطر؟ فقال: «لا تصوم قد وضع اللّه عنها حقه ...» 2 إلى غير ذلك من الروايات، كموثق عمار. 3

____________

(1) 1 و 2 و 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 9 و 3 و 8.

414

..........

____________

نعم جوزه المفيد في المقنعة. (1) و نسب الجواز إلى المرتضى و سلار. (2) لتقديم عموم الوفاء بالنذر على حرمة الصوم في السفر، و لرواية إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يجعل للّه عليه صوم يوم مسمّى؟

قال: «يصوم أبدا في السفر و الحضر». (3)

يلاحظ عليه: أنّ العناوين الثانوية الاختيارية كالنذر و العهد، لا تغيّر أحكام العناوين الأوّلية، إلّا ما خرج بالدليل- كما مرّ- فلا يجوز التوضّؤ بماء مضاف إذا نذر التوضّؤ به، فلا تقدّم على أدلة المحرمات و لا على أدلة الشرائط و الاجزاء.

و أمّا رواية إبراهيم بن عبد الحميد، فهو واقفي ثقة، غاية الأمر يقيّد إطلاقه بما دل على اختصاص الجواز إذا نوى الصيام في السفر أو عمّمه إلى السفر و الحضر.

2. التطوع بالصيام في السفر اختلف علماؤنا في حكم صيام التطوع في السفر على أقوال ثلاثة:

1. عدم الجواز: اختاره ابن بابويه و المفيد، و سلار، فقال الأوّلان: لا يصوم في السفر تطوعا و لا فرضا، و استثنى من التطوّع صوم ثلاثة أيام للحاجة في مسجد النبي، و صوم الاعتكاف في المساجد الأربعة. (4)

و قال المفيد: لا يجوز ذلك، إلّا ثلاثة أيام للحاجة: الأربعاء و الخميس‌

____________

(1). المقنعة: 362.

(2). قال: و صوم النذر إذا علق بوقت حضر في السفر. المراسم: 95.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.

(4). المقنع: 63.

415

..........

____________

و الجمعة عند قبر النبي، أو مشهد من مشاهد الأئمة (عليهم السلام)، ثمّ إنّ فقهاء العصابة عملوا باخبار المنع (1).

و قال سلّار: و لا يصوم المسافر تطوعا و لا فرضا، إلّا ثلاثة أيام بدل المتعة- إلى أن قال:- و صوم الثلاثة أيام للحاجة. (2)

2. الكراهة: و هو خيرة الشيخ في نهايته (3) و ابن البراج في مهذبه (4) و ابن إدريس في سرائره (5) بل نسب في الأخير القول بالكراهة إلى المفيد أيضا، لكن المتبادر من كلامه في المقنعة أنّ المختار عنده عدم الجواز، أو لعلّ مراد ابن إدريس من الكراهة هو الحرمة، للاستدلال عليها بقوله: «ليس من البر الصيام في السفر».

3. الجواز بلا كراهة: و هو الظاهر من ابن حمزة، قال: صيام النفل في السفر ضربان: مستحب: و هو ثلاثة أيام للحاجة عند قبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و جائز: و هو ما عدا ذلك، و روي كراهة صوم النافلة في السفر، و الأوّل أثبت. (6)

و اختار المحقق في الشرائع القول بالكراهة، و هو خيرة الجواهر تبعا للمحقق. (7) كما اختار السيد في المدارك و المحدث البحراني عدم الجواز. و اختلاف الأقوال يستند إلى اختلاف الروايات و كيفية علاج تعارضهما. و إليك دراسة الروايات.

____________

(1). المقنعة: 350.

(2). المراسم العلوية: 97- 98.

(3). النهاية و نكتها: 45.

(4). المهذب: 1/ 194.

(5). السرائر: 1/ 392.

(6). الوسيلة: 148.

(7). الجواهر: 16/ 338.

416

..........

____________

الأخبار الدالة على المنع 1. ما دلّ على حرمة الصوم في السفر مطلقا نظير قول الصادق (عليه السلام): «ليس من البر الصيام في السفر» (1) و قوله (عليه السلام): «لو أنّ رجلا مات صائما في السفر، ما صليت عليه». 2 إلى غير ذلك مما أورده الحرّ العاملي في الباب الأوّل من أبواب من يصحّ منه الصوم من كتاب الوسائل.

ما دلّ على المنع في خصوص المورد 2. صحيح زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لم يكن رسول اللّه يصوم في السفر في شهر رمضان و لا في غيره، و كان يوم بدر في شهر رمضان، و كان الفتح في شهر رمضان. 3 و لعلّ مراده من الصوم في غيره هو الصوم المندوب.

3. مرسل العياشي، عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لم يكن رسول اللّه يصوم في السفر تطوعا و لا فريضة». 4

إنّ في دلالتهما على الحرمة قصورا، لأنّهما يحكيان فعل المعصوم و هو أعم من الحرمة و الكراهة و الجواز، فلا يصلحان للاحتجاج، إلّا أن يقال: إنّ الروايتين ناظرتان إلى عمل الناس يوم ذلك، فهما بصدد نفي عملهم و ذم فعلهم، فيكون ظاهرا في التحريم.

4. صحيح البزنطي: سألت أبا الحسن عن الصيام بمكة و المدينة و نحن في سفر؟ قال: «أ فريضة؟» فقلت: لا، و لكنّه تطوع كما يتطوع بالصلاة، فقال: «تقول اليوم و غدا؟» قلت نعم: فقال: «لا تصم». 5

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 11 و 9.

(2) 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 11 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4.

(3) 4 و 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6 و 2.

417

..........

____________

و النهي ظاهر في عدم الجواز و لا يحمل على الكراهة إلّا بدليل.

5. موثقة عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقول: للّه علي أن أصوم شهرا أو أكثر من ذلك أو أقل، فيعرض له أمر لا بدّ له من أن يسافر، أ يصوم و هو مسافر؟ قال: «إذا سافر فليفطر، لأنّه لا يحل له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره، و الصوم في السفر معصية». (1)

و السند لا غبار عليه سوى انّ الجميع فطحيون، و المراد من أحمد بن الحسن الذي به صدّر السند هو أحمد بن الحسن بن علي بن فضال الثقة.

ما يدل على الجواز و يدل على الجواز خبران مرسلان و رواية صحيحة.

1. مرسل إسماعيل بن سهل، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) من المدينة في أيام بقين من شهر شعبان، فكان يصوم، ثمّ دخل عليه شهر رمضان و هو في السفر فأفطر، فقيل له: تصوم شعبان، و تفطر شهر رمضان؟! فقال: «نعم، شعبان إليّ إن شئت صمت و إن شئت لا، و شهر رمضان عزم من اللّه عزّ و جلّ عليّ الإفطار». (2)

و في السند: منصور بن العباس الذي وصفه النجاشي بقوله: مضطرب الأمر، و محمد بن عبد اللّه بن واسع، الذي لم يرد في حقّه شي‌ء كما أنّ المرسل، أعني:

إسماعيل بن سهل: قال النجاشي فيه: ضعّفه أصحابنا، فلا يحتج بمثل هذه‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 8.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4.

418

..........

____________

الرواية.

2. مرسل الحسن بن بسام الجمال، عن رجل قال: كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيما بين مكة و المدينة في شعبان و هو صائم، ثمّ رأينا هلال شهر رمضان فأفطر، فقلت له: جعلت فداك، أمس كان من شعبان و أنت صائم، و اليوم من شهر رمضان و أنت مفطر؟! فقال: «إنّ ذلك تطوّع و لنا أن نفعل ما شئنا و هذا فرض فليس لنا أن نفعل إلّا ما أمرنا». (1)

و الظاهر وحدة المرسلتين لتقارب مضمونهما.

و في السند سهل بن زياد رواه عن علي بن بلال، و الظاهر انّه البغدادي الثقة الذي يروي عن الهادي و العسكري (عليهما السلام)، و هو عن الحسن بن بسّام الجمّال، الذي لم يرد في حقّه شي‌ء مدح و لا ذمّ.

3. روى الحسين بن سعيد الأهوازي، عن سليمان الجعفري الثقة، قال:

سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: «كان أبي يصوم يوم عرفة في اليوم الحار في الموقف، و يأمر بظل مرتفع فيضرب له ...». (2)

رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد، عن سليمان الجعفري و هو سليمان بن جعفر الطالبي الجعفري، و لو صحّ الاحتجاج بهذا الحديث- و غضّ النظر عن عدم إفتاء الأصحاب بمضمونه-، أقتصر على مورده.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

419

إلّا ثلاثة أيّام للحاجة في المدينة و الأفضل إتيانها في الأربعاء و الخميس و الجمعة، و أمّا المسافر الجاهل بالحكم لو صام فيصحّ صومه و يجزيه حسبما عرفته في جاهل حكم الصلاة إذ الإفطار كالقصر، و الصيام كالتمام في الصلاة لكن يشترط أن يبقى على جهله إلى آخر النهار، و أمّا لو علم بالحكم في الأثناء فلا يصحّ صومه، و أمّا الناسي فلا يلحق بالجاهل في الصحّة. (1)

____________

(1) هنا فروع ثلاثة:

الأوّل: اتفقت كلمة الأصحاب على أنّه يجوز للمسافر أن يصوم ثلاثة أيام في المدينة للحاجة، و وردت عليه نصوص خصّت الجواز بالأيام الثلاثة: الأربعاء و الخميس و الجمعة.

روى الشيخ بسند صحيح عن معاوية بن عمار قال: إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت أوّل يوم الأربعاء، و تصلّي ليلة الأربعاء عند اسطوانة أبي لبابة، و هي اسطوانة التوبة التي كان ربط نفسه إليها حتى نزل عذره من السماء و تقعد عندها يوم الأربعاء، ثم تأتي ليلة الخميس التي تليها مما يلي مقام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليلتك و يومك و تصوم يوم الخميس، ثم تأتي الاسطوانة التي تلي مقام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و مصلّاه ليلة الجمعة فتصلّي عندها ليلتك و يومك و تصوم يوم الجمعة. (1)

و ربما يتصور انّ التقييد بالأيام الثلاثة من قبيل تعدد المطلوب، كما هو الحال في باب المستحبات، فلا يحمل فيه المطلق على المقيد كما إذا ورد دليل على استحباب زيارة الحسين (عليه السلام) تحت السماء فيحمل على تعدد المطلوب و يزار أيضا تحت السقف.

يلاحظ عليه: بوجود الفرق بينه و بين المقام، لأنّ القاعدة الأوّلية في المقام‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 10، الباب 11 من أبواب المزار، الحديث 1، و لاحظ بقية الأحاديث.

420

..........

____________

هي الحرمة، فلا يصحّ رفع اليد عنها إلّا في المورد المتيقن، و هو الأيام الثلاثة، و المرجع فيما سواها هو عمومات الحرمة، على أنّ العمل المذكور إنّما يصحّ إذا كان هناك مطلق، و مقيد، فيؤخذ بالأوّل دون الثاني لما ذكره، و ليس المقام كذلك لورود القيد في عامة روايات الباب.

نعم عطف المفيد في المقنعة (1) سائر المشاهد المشرّفة على مسجد النبي، و لم نجد ما يدل عليه و إلغاء الخصوصية و القطع بالمناط، فرع حصول العلم به.

2. اختصاص الصحة بالجاهل بالحكم اتّفقت كلمتهم على أنّ الجاهل بالحكم غير معذور إلّا في موارد:

1. الإتمام في مكان القصر.

2. و الصيام مكان الإفطار.

3. الجهر مكان المخافتة و بالعكس.

و قد أشبعنا الكلام في الأوّل في كتابنا «ضياء الناظر في أحكام صلاة المسافر»، و يدل على الثاني، صحيحة العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من صام في السفر بجهالة لم يقضه». (2) و صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (البصري) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر؟ فقال: «إن كان لم يبلغه انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نهى عن ذلك فليس عليه القضاء قد أجزأ عنه الصوم». 3

و تقيد بهما ما دل على بطلان صوم المسافر مطلقا، عالما كان أو جاهلا، و قد نقل رواياته صاحب الوسائل في الباب الأوّل من أبواب من يصحّ منه الصوم.

____________

(1). المقنعة: 350، قال: عند قبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو مشهد من مشاهد الأئمة (عليهم السلام).

(2) 2 و 3. الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5 و 2.

421

..........

____________

نعم ورد في مورد الإتمام مكان التقصير قوله: «إن كان قرئت عليه آية التقصير و فسرت له، فصلّى أربعا أعاد، و إن لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا إعادة عليه». (1) دون المقام و إنّما ورد فيه قوله: «إن كان لم يبلغه انّ رسول اللّه نهى عن ذلك» و الوجه في ذاك، هو انّ التقصير وجب بالذكر الحكيم و هو قوله:

فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ (2) و هو بحاجة إلى التفسير، لظهور قوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ في الرخصة لا في العزيمة، و حمله على الثانية يحتاج إلى التفسير و لكن الإفطار وجب بالسنّة حيث إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سمّى قوما صاموا في السفر عصاة، و قوله صريح في العزيمة. (3)

فتلخص انّ التفصيل بين الجاهل بالحكم و عالمه في الإتمام و الصيام مقتضى الأدلة الواردة فيه.

و إنّما يحكم بالصحة إذا بقى على جهله إلى آخر النهار، و أمّا لو علم بالحكم في الأثناء فلا يصح صومه، لأنّ الخارج من تحت الإطلاقات إنّما هو الجاهل في تمام النهار دون البعض، على أنّه كيف يمكن أن يتقرب بالمبغوض بعد العلم به.

3. الناسي ملحق بالعالم إنّ مقتضى الإطلاقات الواردة هو حرمة الصيام في السفر على المكلّف بأقسامه الثلاثة: العالم و الناسي و الجاهل كموثقة عمار: «إذا صام الرجل رمضان، في السفر لم يجزه و عليه الإعادة». (4) خرج عنه الثالث بقي الباقي تحت العام، و مثله‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

(2). النساء: 101.

(3). الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

(4). الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.

422

..........

____________

ناسي حكم التقصير، فصلى تماما ناسيا، فيلحق بالعالم في بطلان صلاته، و لزوم إعادته.

ثمّ إنّ الروايات دلّت على وجود الملازمة بين القصر و الإفطار؛ ففي صحيح الفقيه عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «هذا واحد، إذا قصّرت أفطرت، و إذا أفطرت، قصّرت». (1)

و في موثقة سماعة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: «و ليس يفترق التقصير و الإفطار فمن قصّر فليفطر». 2 إلى غير ذلك من الروايات الحاكية عن الملازمة بين الأمرين، و هي الضابطة في الموارد المشكوكة إلّا أن يدل دليل على التفكيك بينهما، و لعلّ المورد التالي منه، أعني: إذا سافر الصائم بعد الزوال، فيقصر و لا يفطر، و قد اختلفت كلماتهم في شروط الإفطار و الإمساك نأتي بمهم التفاصيل.

الف. الملاك: الخروج قبل الزوال و بعده ذهب كثير من الفقهاء إلى أنّ الملاك في الإفطار و عدمه هو انّه لو خرج قبل الزوال يقصّر و يفطر، و إذا خرج بعده يقصر و لا يفطر. و هذا هو المشهور بين المتأخرين، و عليه الصدوق في المقنع، و المفيد في المقنعة، و الشيخ في الخلاف في الشق الثاني، و اختاره العلّامة في المختلف.

1. قال الصدوق: و إذا سافر قبل الزوال فليفطر. و إن خرج بعد الزوال فليصم. و روي ان خرج بعد الزوال فليفطر و ليقض ذلك اليوم. 3 و ما ذكره أوّلا هو مختاره، و ما نسبه إلى الرواية إنّما ذكره استطرادا.

____________

(1) 1 و 2. الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 2.

(2) 3. المقنع: 198.

423

..........

____________

2. قال المفيد: و من خرج عن منزله إلى سفر يجب فيه التقصير قبل زوال الشمس فانّه يجب عليه التقصير في الصلاة و الإفطار، فان خرج بعد الزوال فعليه التمام في صيام ذلك اليوم و عليه التقصير في الصلاة على كلّ حال. (1)

3. و قال الشيخ: إذا تلبس بالصوم في أوّل النهار، ثمّ سافر آخر النهار، لم يكن له الإفطار. و به قال جميع الفقهاء إلّا أحمد فانّه قال: يجوز له أن يفطر. (2)

قال العلّامة: و المعتمد عندي قول المفيد (رحمه اللّه). (3)

ب: الملاك تبييت النية و الخروج قبل الزوال و يظهر من الشيخ في المبسوط انّ السبب المجوّز للإفطار هو اجتماع أمرين: تبييت النية ليلا مع كون الخروج قبل الزوال، و لو خرج بعد الزوال فهو يصوم مطلقا، فخص التفصيل بين تبييت النية و عدمه بما قبل الزوال. و أمّا بعده فقد أفتى فيه بالصوم مطلقا بيّت النيّة أو لا.

قال: و من سافر من بلده في شهر رمضان و كان خروجه قبل الزوال، فإن كان بيّت نية السفر، أفطر و عليه القضاء و إن كان بعد الزوال لم يفطر. (4)

هذا هو المستفاد من نهايته بعد الإمعان في أطراف كلامه، و انّه يقول فيها بنفس ما اختاره في الخلاف قال فيه:

«إذا خرج إلى السفر بعد طلوع الفجر أيّ وقت كان من النهار و كان قد بيّت نيّته من الليل للسفر وجب عليه الإفطار، و إن لم يكن قد بيّت نيّته من الليل ثم‌

____________

(1). المقنعة: 354.

(2). الخلاف: 2/ 219، كتاب الصوم، المسألة 80.

(3). مختلف الشيعة: 3/ 470.

(4). المراد: أيّ جزء من أجزاء قبل الزوال من النهار كما سيظهر من ذيل كلامه فانتظر.

424

..........

____________

خرج بعد طلوع الفجر كان عليه إتمام ذلك اليوم و ليس عليه قضاؤه، و إن خرج قبل طلوع الفجر وجب عليه الإفطار على كلّ حال و كان عليه القضاء. (1)

و متى بيت نيّته للسفر من الليل و لم يتّفق له الخروج إلّا بعد الزوال كان عليه أن يمسك بقيّة النهار و كان عليه القضاء». (2)

و إذا ضمّ هذا الشق الأخير إلى صدر كلامه يظهر أنّ مختاره في النهاية و الخلاف واحد، و انّه يشترط في الإفطار شرطين: 1. تبييت النية، 2. الخروج قبل الزوال، و لذلك حكم بعدم كفاية التبييت في الشق الثاني (تبييت النية ليلا و الخروج بعد الزوال)، غير انّه حكم في النهاية- مع وجوب الإمساك- بالقضاء دون الخلاف حيث اكتفى بنفس الإمساك.

و القول بلزوم اجتماع الشرطين هو مختار المحقّق الخوئي، قال في تعليقته على قول المصنف: فإن كان قبل الزوال وجب عليه الإفطار»، هذا إذا كان ناويا للسفر من الليل و إلّا فالأحوط إتمام الصوم و القضاء.

كما تبع الشيخ- في السفر بعد الزوال- في نهايته بعض المشايخ حيث علّق على قول الماتن: «و كذا يصحّ الصوم من المسافر إذا سافر بعد الزوال» بقوله:

«لكن الأحوط القضاء أيضا إذا نوى السفر من الليل».

و بذلك يعلم انّه ليس هنا قائل يقول بأنّ العبرة بتبييت النية ليلا من غير فرق بين قبل الزوال و ما بعده، فإن بيّت نيّة السفر أفطر و لو خرج بعد الزوال و إلّا صام و إن خرج قبله. (3)

____________

(1). ليس هذا شقا مستقلا لأنّ الخروج قبل الفجر مقرون مع تبييت النية و الخروج قبل الزوال.

(2). النهاية: 162 و هذا الشق دليل على أنّ المراد من قوله: «أي وقت كان من النهار»، هو أي جزء من النهار قبل الزوال.

(3). مستند العروة: كتاب الصوم: 1/ 446.

425

..........

____________

لما عرفت من أنّ القائل هو الشيخ في كتابيه و هو إنّما يشترط تبييت النية في الخروج قبل الزوال، و أمّا بعده ففي الخلاف حكم عليه بالإمساك و كفايته، و في النهاية حكم عليه بالإمساك مع القضاء أيضا. نعم وردت على وفق هذا الملاك روايات أصحها، رواية علي بن يقطين كما سيوافيك.

و اختاره أبو الصلاح في الكافي و قال: «و إذا عزم على السفر قبل طلوع الفجر و أصبح حاضرا فإن خرج قبل الزوال أفطر، و إن تأخر إلى أن تزول الشمس أمسك بقية يومه و قضاه. (1) و لم يذكر الخروج قبل طلوع الفجر لوضوح حكمه.

كما اختاره القاضي ابن البراج في مهذبه. (2) و هو الظاهر من عبارة ابن حمزة في الوسيلة حيث قسم المسافر إلى أربعة.

1. إن خرج قبل الفجر من منزله: يفطر.

2. إن خرج بعده قبل الزوال ناويا للسفر من الليل يفطر.

3. تلك الصورة و لكن غير ناو للسفر من الليل لا يفطر و يقضي.

4. إذا خرج بعد الزوال (ناويا للسفر من الليل) يصوم و يقضي. (3)

فصارت النتيجة انّه تبع الشيخ الأعلام الثلاثة: أبو الصلاح، و ابن البراج، و ابن حمزة.

ج. الصوم كالصلاة يفطر إذا سافر في جزء من النهار ذهب جماعة إلى أنّ الصوم كالصلاة، يفطر الصائم إذا سافر أي جزء من النهار، فلا يشترط فيه الخروج قبل الزوال و لا تبييت النية من الليل. و عليه علي بن‌

____________

(1). الكافي في الفقه: 182.

(2). المهذب: 1/ 194.

(3). الوسيلة: 149.

426

..........

____________

بابويه في رسالته، و ابن أبي عقيل، و السيد المرتضى، و وصفه ابن إدريس في السرائر بأنّه أوضح من جميع ما تقدمه من الأقوال. (1)

و هذا القول مخالف للقولين السابقين حيث لا يعتبر شيئا من القيدين اللّذين اعتبرهما أو أحدهما أكثر الفقهاء، و يخالف النصوص الواردة في المسألة، فلنترك هذا القول لأصحابه، و لندرس الروايات حتى يتبين مفادها.

الروايات الواردة على صنفين:

ألف: الملاك الخروج قبل الزوال و بعده دلّت الروايات الصحيحة على أنّ الملاك للصوم و الإفطار هو الخروج قبل الزوال و بعده، فلو خرج قبله يفطر و إلّا فيمسك بلا قضاء عليه.

1. صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا سافر الرجل في شهر رمضان، فخرج بعد نصف النهار، فعليه صيام ذلك اليوم، و يعتدّ به من شهر رمضان». (2)

2. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه سئل عن الرجل يخرج من بيته يريد السفر و هو صائم، قال: فقال: «إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر و ليقض ذلك اليوم، و إن خرج بعد الزوال فليتمّ صومه». 3

3. صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يسافر في شهر رمضان يصوم أو يفطر؟ قال: «إن خرج قبل الزوال فليفطر، و إن خرج بعد الزوال فليصم». 4

4. موثق عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا خرج الرجل في شهر رمضان بعد الزوال أتمّ الصيام، فإذا خرج قبل الزوال أفطر». 5

____________

(1). لاحظ المختلف: 3/ 469- 470.

(2) 2 و 3 و 4 و 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 2، 3، 4.

427

..........

____________

و ليس فيها ما يدل على شرطيّة تبييت النية، و تصوّر انّ الإمام لم يكن في مقام بيان تمام شرائط الإفطار و الإمساك من جميع الجهات بعيد جدا.

ب: الملاك هو تبييت النية ليلا و هناك روايات تعلّق الإفطار على تبييت النية في الليل و مقتضى إطلاقها انّه ان بيّتها ليلا، يفطر و إن خرج بعد الزوال، و إن لم يبيتها فلا يفطر و إن خرج قبله، و يدلّ عليه من الروايات ما يلي:

1. موثق علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في الرجل يسافر شهر رمضان أ يفطر في منزله؟ قال: «إذا حدّث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله، و إن لم يحدّث نفسه من الليل ثمّ بدا له في السفر من يومه أتم صومه». (1)

و هذه الرواية هي المعتبرة من هذا الصنف، و غيرها كلها مراسيل ضعاف.

2. رواية صفوان بن يحيى، عمّن رواه، عن أبي بصير.

3. رواية إبراهيم بن هاشم، عن رجل، عن صفوان، عن الرضا (عليه السلام).

4. رواية سماعة هو و ابن مسكان، عن رجل، عن أبي بصير.

و معه كيف يمكن أن يحتج بها؟

و أمّا رواية علي بن يقطين، فرواها الشيخ عن كتاب علي بن الحسن بن فضال، و ابن فضال لا غبار عليه إنّما الكلام في سند الشيخ إلى كتابه الذي أخذ الحديث عنه و في سنده إليه أبو الحسن علي بن محمد بن لزبير القرشي الكوفي.

و قد حاول بعض الرجاليين أن يثبت وثاقة الحسن بن محمد القرشي المعروف ب‍ «ابن الزبير» مما ذكره النجاشي في ترجمة استاذه «ابن عبدون» فقد قال في حقّه: قد‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 10.

428

..........

____________

قرأ كتب الأدب على شيوخ أهل الأدب، و كان قد لقى أبا الحسن علي بن محمد القرشي المعروف ب‍ «ابن الزبير»، و كان علوا في الوقت. (1)

و في استدلاله نظر صغرى و كبرى.

أمّا الأولى فالظاهر انّ الضمير «في كان» الثانية، يرجع إلى ما رجع إليه «كان» الأولى، و هو نفس ابن عبدون لا ابن الزبير.

أمّا الثانية فلأنّ المراد هو علو سنده (لا علو مقامه) فانّ علو الاسناد مما يتنافس به أصحاب الحديث و يتحملون المشاقّ لأجله. (2)

إذا وقفت على مقدار اعتبار السند، فلندرس دلالة الحديث، فنقول:

إنّ الصنف الأوّل جعل المعيار الخروج قبل الزوال و بعده، و الصنف الثاني جعل المعيار، تبييت النية في الليل و عدمه، فيقع التعارض بينهما في موردين:

1. إذا خرج قبل الزوال بلا تبييت النية. فيفطر على الأوّل، و يصوم على الثاني.

2. إذا خرج بعد الزوال مع التبييت. فيصوم على الأوّل، و يفطر على الثاني.

فما هو المرجع؟ فهل هو الرجوع إلى المرجحات، أو الجمع الدلالي بتقييد إطلاق الصنف الأوّل بالثاني في خصوص الخروج قبل الزوال و إبقاء إطلاق النصف الأوّل بحاله في الخروج بعد الزوال؟ وجهان:

الرجوع إلى المرجحات إنّ الاختلاف بين الصنفين و إن لم يكن على نحو التباين، بل الاختلاف‌

____________

(1). رجال النجاشي: برقم 209.

(2). منتهى المطلب: 2/ 599، الطبعة الحجريّة.

429

..........

____________

بينهما على وجه الإطلاق و التقييد لكن يصار إلى الطرح للوجوه التالية:

1. انّ الإطلاقات المتضافرة، لا تقيّد إلّا بدليل مفيد للاطمئنان، و قد عرفت أنّ الصنف الأوّل، أخبار صحاح، تضافرت على اعتبار قيد واحد، و هو كون الخروج قبل الظهر و بعده، و من البعيد أن لا يكون الإمام فيها بصدد بيان تمام المراد، فلا ترفع اليد عنه إلّا بدليل معتبر يفيد الاطمئنان، و الوارد في الصنف الثاني إمّا مراسيل و إما خبر واحد لا يفيد الاطمئنان في مقابل الإطلاقات الكثيرة، و ليس هذا بمعنى إنكار تقييد المطلق بالخبر الواحد، بل بمعنى إنكار تقييد المطلقات المتضافرة بخبر الواحد الذي يتضاءل عندها، و لذا لم نقل بحق المارّة الذي ورد في خبر واحد، في مقابل الإطلاقات المتضافرة الدالة على عدم حلية مال أحد لأحد إلّا بطيب نفسه.

2. انّ المعتبر منها إنّما هو رواية علي بن يقطين، و كان الرجل مبتلى بالمخالف، فلعلّ الإمام أفتى بالتقية، و يؤيد ذلك وجود هذا القيد في فتاواهم قال العلّامة في المنتهى: إذا نوى المقيم الصوم قبل الفجر، ثم خرج بعد الفجر مسافرا لم يفطر يومه و به قال أبو حنيفة و مالك و الأوزاعي و أبو ثور و اختاره النخعي و مكحول و الزهري» و هو صريح في أنّ الإفطار مشروط بشرط تبييت النية ليلا و لو لم يبيّت فلا يفطر.

3. انّ هذا الصنف من الروايات الذي تعتبر الملاك تبييت النية في الليل فقط لم يعمل بها أحد من الفقهاء، و قد عرفت أنّ الشيخ يعتبر وراء ذلك، الخروج قبل الزوال، و معه كيف يكون حجة صالحة لتقييد إطلاق الصحاح المتضافرة.

المرجع هو الجمع الدلالي ذهب السيد الخوئي (قدّس سرّه) إلى أنّ المرجع هو الجمع الدلالي، و ذلك بفضل‌

430

..........

____________

صحيح رفاعة قال: سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يصبح قال: «يتم صومه». (1) و ذلك بالتقريب التالي:

إنّ قوله: «يعرض» ظاهر في عروض السفر و حدوث العزم عليه من غير سبق النية، فدلّت على أنّ من لم تسبق منه النية لو سافر قبل الزوال يصوم، فتكون قرينة على أنّ الطائفة الثانية المتضمنة للتفصيل بين التبييت و عدمه ناظرة إلى هذا المورد، أعني: ما قبل الزوال، فيكون الحكم بالصيام إذا سافر بعد الزوال الذي تضمنته الطائفة الأولى سليما عن المعارض. (2)

و حاصله انّ إطلاق الصنف الأوّل يقتضي لزوم الإفطار إذا خرج قبل الزوال مطلقا، نوى السفر ليلا أو لا، كما أنّ إطلاقه يقتضي لزوم الإمساك إذا خرج بعد الزوال، نوى السفر ليلا أو لا، فبما انّ صحيح رفاعة المتضمن لشرطية التبييت وارد في خصوص الشق الأوّل، يقيد إطلاق هذه الروايات في خصوص الشق الأوّل و يؤخذ بإطلاق الشق الثاني‌

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتم إذ ورد القيد «حين يصبح» في كلام الإمام، دون ما إذا كان واردا في كلام الراوي فيحتمل أن لا يكون له دخل في الحكم و انّ الملاك للإفطار و عدمه، هو نية السفر ليلا و عدمه، فعلى الثاني يصوم مطلقا، و على الأوّل يفطر مطلقا، و بذلك ظهر انّ ما أتعب السيد الجليل في الجمع بين الصنفين من الروايات أمر لا تطمئن به النفس، و ما ذكرناه أولى و أوفق بالقواعد الموروثة عن أئمة أهل البيت.

ج: كفاية السفر قبل الزوال و بعده في وجوب الإفطار قد عرفت القائلين بهذا القول و يدل عليه ما رواه عبد الأعلى مولى آل سام‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.

(2). مستند العروة: كتاب الصوم: 1/ 451.

431

..........

____________

في الرجل يريد السفر في شهر رمضان، قال: «يفطر و إن خرج قبل أن تغيب الشمس بقليل». (1)

و في السند موسى بن جعفر البغدادي الذي لم يرد في حقّه التوثيق، مضافا إلى أنّ الرواية غير مسندة إلى المعصوم، فلا يحتج بمثلها.

و لعلّه فتوى نفس عبد الأعلى.

و يؤيده مرسلة المقنع: و روي ان خرج بعد الزوال فليفطر و ليقض ذلك اليوم كما مر. و كما يؤيد بما في الفقه الرضوي. (2)

و المرسلة لا يحتج بها في مقابل الصحاح مثل الفقه الرضوي، لأنّها مأخوذة من رواية عبد الأعلى و نحوها على أنّ هذا القول مخالف لكلتا الطائفتين من الروايات الدالة على شرطية أحد الأمرين أو كليهما فالقول بكفاية مطلق السفر في الإفطار يضادّ مع هذه الروايات التي توجد بينها الصحاح. و هذا القول يترك إلى أصحابه.

ثمّ إنّ هنا روايات لم يعمل بمضمونها أحد من الفقهاء.

1. اشتراط الخروج قبل الفجر إذا نوى السفر في الليل كرواية سليمان بن جعفر الجعفري (3) و سماعة 4.

2. هو بالخيار في تلك الصورة كصحيح رفاعة بن موسى. 5

فيرجع علم هذه الروايات إليهم (عليهم السلام).

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 14.

(2). الفقه الرضوي: 25. رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضال الفطحي الثقة الجليل، عن أيوب بن نوح الثقة عن محمد بن أبي حمزة (ابن أبي حمزة الثمالي المعروف الذي وثقه الكشي) عن علي بن يقطين.

(3) 3 و 4 و 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6، 8، 7.

432

و كذا يصحّ الصوم من المسافر إذا سافر بعد الزوال كما أنّه يصحّ صومه إذا لم يقصر في صلاته كناوي الإقامة عشرة أيّام و المتردّد ثلاثين يوما و كثير السفر و العاصي بسفره و غيرهم ممّن تقدّم تفصيلا في كتاب الصلاة. (1)

[السادس: عدم المرض أو الرمد الّذي يضرّه الصوم]

السادس: عدم المرض أو الرمد الّذي يضرّه الصوم لإيجابه شدّته أو طول برئه أو شدّة ألمه أو نحو ذلك سواء حصل اليقين بذلك أو الظنّ، بل أو الاحتمال الموجب للخوف، بل لو خاف الصحيح من حدوث المرض لم يصحّ منه، و كذا إذا خاف من الضرر في نفسه أو غيره أو عرضه أو عرض غيره أو في مال يجب حفظه و كان وجوبه أهمّ في نظر الشارع من وجوب الصوم، و كذا إذا زاحمه واجب آخر أهمّ منه، و لا يكفي الضعف و إن كان مفرطا ما دام يتحمّل عادة. نعم لو كان ممّا لا يتحمّل عادة جاز الإفطار. و لو صام بزعم عدم الضرر فبان الخلاف بعد الفراغ من الصوم ففي الصحّة إشكال فلا يترك الاحتياط بالقضاء. و إذا حكم الطبيب بأنّ الصوم مضر و علم المكلّف من نفسه عدم الضرر يصحّ صومه، و إذا حكم بعدم ضرره و علم المكلّف أو ظنّ كونه مضرا وجب عليه تركه و لا يصحّ منه. (2)

____________

(1) ما ذكره مقتضى الملازمة بين القصر و الإفطار و الإتمام و الإمساك التي دلت عليها الروايات المتقدمة فلاحظ.

(2) هنا فروع ثمانية ندرسها حسب الترتيب المذكور في كلام المصنّف.

1. المرض الذي يضرّ به الصوم من شروط صحة الصوم عدم المرض الذي يضرّ به الصوم، و هو من‌

433

..........

____________

ضروريات الفقه الإسلامي قال سبحانه: فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ (1) أي ليصم أيّاما أخر، هو الواجب عليهما فيجب عليهما الإفطار، و ليس المراد مطلق المرض و إن لم يضرّ به الصوم، بل ربما كان مفيدا، بل المرض الذي يضرّ به الصوم، و هذا مقتضى مناسبة الحكم و الموضوع أوّلا.

و التصريح به في رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ثانيا، قال: سألته عن حدّ ما يجب على المريض ترك الصوم؟ قال: «كلّ شي‌ء من المرض أضرّ به الصوم فهو يسعه ترك الصوم». (2)

و يدل عليه أيضا تفويض حدّ المرض إلى المكلف، الكاشف عن كون الملاك، المرض الخاص الذي يضرّ به الصوم ففي صحيح يونس عن شعيب (3) عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما حدّ المرض إذا نقه في الصيام؟ فقال: «ذلك إليه هو أعلم بنفسه إذا قوي فليصم». (4)

و نظيره غيره، و لو كان المانع عن الصحة مطلق المرض، فلا وجه لتفويض تشخيصه إلى المكلف، فظهر انّ الملاك المرض الذي يضر به الصوم و المكلف عارف بنفسه: بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. (5)

و بذلك يعلم أنّ الموضوع في الواقع هو الصوم المضر، و أخذ المريض موضوعا في الآية لكون الصوم غالبا، مضرّا به، و بما أنّ بين المرض و الإضرار من النسبة عموم و خصوص من وجه، فلو كان الصوم غير ضارّ بالمرض، أو كان ضارا، و إن لم يصدق عليه المرض كرمد العين فلا يفطر في الأوّل، و يفطر في‌

____________

(1). البقرة: 184.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 9.

(3). المراد شعيب بن أعين الحدّاد، كوفي ثقة.

(4). الوسائل: الجزء 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

(5). القيامة: 14.

434

..........

____________

الثاني، كما يفطر فيما إذا اجتمعا.

2. ما هو الطريق إلى إحراز الموضوع؟ إذا كان الموضوع للإفطار، هو الصوم المضرّ بالمرض، يقع الكلام فيما هو الطريق إلى إحرازه، فهناك وجوه:

1. تحصيل اليقين أو الاطمئنان الذي هو العلم العرفي.

2. كفاية الظن بالضرر.

3. احتمال الضرر المورث للخوف.

مقتضى القاعدة هو الاقتصار على العلم العرفي و الرجوع في غيره إلى العمومات و الإطلاق، لكن ورود النصّ بكفاية الخوف على عينه من الرمد، أو على نفسه من العطاش، صار سببا للاقتصار على احتمال الضرر.

فقد ورد في الأوّل عن حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر». (1)

كما ورد في الثاني عن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في الرجل يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه؟ قال: «يشرب بقدر ما يمسك رمقه و لا يشرب حتى يروى». (2)

و الأوّل صحيح و الثاني موثق.

و يؤيد ذلك، انّه الملاك في أبواب التيمم.

1. روى داود الرقي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أكون في السفر فتحضر‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 16، من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.

435

..........

____________

الصلاة و ليس معي ماء ... قال: «لا تطلب الماء و لكن تيمّم، فإنّي أخاف عليك التخلّف عن أصحابك فتضلّ و يأكلك السبع». (1)

2. روى البزنطي عن الرضا (عليه السلام) في الرجل تصيبه الجنابة و به قروح أو جروح، أو يكون يخاف على نفسه البرد؟ فقال: «لا يغتسل، يتيمم». 2

3. روى داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل تصيبه الجنابة و به جروح و قروح أو يخاف على نفسه من البرد؟ فقال: «لا يغتسل و يتيمّم». 3

على أنّ تحصيل الجزم و الاطمئنان بل الظن أمر مشكل إلّا إذا كان هناك تجربة و لما كان الخوف في مظان الخطر، طريقا عقلائيا يبعث الإنسان إلى الأخذ بجانب الاحتياط، أمضاه الشارع فاكتفى في إحراز الموضوع بصورة الخوف الذي له مصدر عقلائي، و لذلك قال المصنّف: بل أو الاحتمال الموجب للخوف.

3. إذا خاف من حدوث المرض لا كلام فيما إذا خاف من إضرار الصوم بالمرض الفعلي، و أمّا إذا احتمل إحداث المرض مع كونه مصحّا فهو أيضا كذلك، إذا كان له منشأ عقلائي.

و ذلك لأنّ المتبادر من قوله سبحانه: فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً و قوله (عليه السلام): «كل شي‌ء من المرض أضرّ به الصوم فهو يسعه ترك الصوم» و إن كان هو المرض الفعلي لكن الفقيه يقطع بأنّه لا فرق بين كونه سببا لبقاء المرض و شدّته، أو سببا لحدوثه و طروئه، فالصيانة على صحّة مزاج الصائم، صارت سببا لتجويز الإفطار، و معه لا فرق بين الحال و الاستقبال.

أضف إليه: أنّ الموضوع في صحيح حريز هو المرض غير الفعلي، عن أبي‌

____________

(1) 1 و 2 و 3. الوسائل: الجزء 2، الباب 2 من أبواب التيمم، الحديث 1؛ و الباب 5، الحديث 7 و 8.

436

..........

____________

عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الصائم إذا خاف على عينه من الرمد أفطر». (1)

و في موثق سماعة: «فإن وجد ضعفا فليفطر، و إن وجد قوة فليصمه كان المرض ما كان». (2) فانّ إيجاد الضعف، أشبه بإحداث مرض لم يكن موجودا.

4. إذا زاحمه ضرر آخر إذا لم يكن الصوم مضرّا في حدّ نفسه لكن توقف حفظ نفسه أو نفس غيره على الإفطار.

و بعبارة أخرى: إذا دار الأمر بين الصوم و تحمل ضرر نفسي أو عرضي أو مالي، كما إذا هدّده الظالم بقتله أو قتل غيره إذا صام، أو توقف حفظ عرضه أو عرض غيره أو مال يجب حفظه كالوديعة و العارية أو مال كثير، نعلم بأنّ الشارع لا يرضى بتلفه، على الإفطار، ففي هذه الموارد يؤخذ بما هو الأهم عند الشارع، و من المعلوم انّ حفظ النفس و العرض أو الأموال المذكورة أكثر أهمية من الصوم الذي يفطر ثم يقضيه، و هذا بخلاف ما إذا دار الأمر بين الصوم، و تلف مال قليل أو الصوم و ذمّ الناس و النيل منهم، ففي هذه الموارد، يقدّم الصوم على غيره.

و الحاصل: انّ هنا فرقا بين الصوم المورث للضرر في النفس و العضو، فهو موجب للإفطار من دون لحاظ الأهم و المهم، لأنّ وجوده مانع من صحّة الصوم، و هذا بخلاف ما إذا دار الأمر بين الصوم و بين الضرر الآخر، فيدخل مثله في باب المتزاحمين فيقدّم الأهم على المهم، و من ذلك يعلم حال الفرع الثاني.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.

(2). الوسائل: الجزء 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4.

437

..........

____________

5. إذا زاحمه واجب آخر غير الضرر كما إذا دار الأمر بين الصوم و الإنفاق على العائلة، أو بين الصوم و تجهيز الميّت إلى غير ذلك من الواجبات التي لا يمكن للمكلف أن يجمع بينهما، فيدخل كالمورد السابق في باب التزاحم فيقدّم الأهم منهما، غير انّ التزاحم في السابق كان بين الصوم و بين دفع ضرر آخر، و في المقام بين الصوم و بين القيام بواجب آخر كالإنفاق و تجهيز الميت.

و لكن هنا أمرين لم يتعرض لهما المصنّف.

الف: هل يكفي احتمال المزاحم أو يجب إحرازه بالحجة؟ قد مرّ انّه يكفي في المريض الذي يضرّ به الصوم، خوف الضرر و لا يجب تحصيل القطع أو الظن، فهل هو كذلك في مقام التزاحم، فيكفي احتمال مزاحمة الصوم، لضرر آخر أو بواجب آخر أو لا بدّ من إحراز المزاحم بالحجة العقلية أو الشرعية؟ قال السيد الحكيم (قدّس سرّه): هذا إنّما يتم لو أحرز وجود المزاحم بقيام العلم أو العلمي على وجوده، أمّا مع الشكّ فيه فلا وجه لرفع اليد عن التكليف المعلوم، اللّهم إلّا أن يستفاد من أدلة المقام، طريقية الاحتمال الموجب للخوف مطلقا، حتى في المقام، كما لعله ظاهر الأصحاب و هو غير بعيد. (1)

و فصّل السيد الخوئي (قدّس سرّه) بين ما كان الواجب ممّا اعتبر فيه عنوان الحفظ كحفظ النفس أو العرض أو المال، فيكفي فيه مجرد الخوف، لأنّ نفس هذا العنوان يقتضي المراعاة في موارد الاحتمال ضرورة انّ ارتكاب شي‌ء يحتمل معه التلف ينافي المحافظة، و بين غيره كالإنفاق على العائلة، فلا بدّ من إحراز وجود المزاحم بعلم‌

____________

(1). المستمسك: 8/ 419.

438

..........

____________

أو علمي، إذ الصوم واجب و لا يكاد يرتفع وجوبه إلّا بالتعجيز الحاصل من قبل المولى الذي لا يتحقق إلّا بالتكليف المنجز دون المحتمل.

الظاهر أن يقال: إنّ الواجب على قسمين: قسم يكون صرف الاحتمال فيه منجزا للتكليف و لا يتوقف التنجز على العلم و العلمي كأعراض الناس و دمائهم، فيكفي فيه مجرد الاحتمال المورث للخوف، الذي يعتني به العقلاء في حياتهم و معاشهم، و قسم لا يبلغ هذه المرتبة في الأهمية فلا يرفع اليد عن التكليف المنجّز كالصوم إلّا بتكليف منجّز مثله.

و بذلك يظهر الفرق بين المقامين:

إذا دار الأمر بين الصوم و ضرر نفسي أو عرضي أو مالي فيكفي فيه مجرّد الاحتمال، لأنّ التكليف بحفظ النفوس و الأعراض و أموال الناس، يكفي في تنجز حكمه مجرد الاحتمال و لأجل ذلك لا تجري البراءة في الشبهة البدوية منها فيكفي في مقام التزاحم ذلك، بخلاف الثاني أي إذا دار الأمر بين الصوم و أداء تكليف آخر، كالإنفاق على العائلة فلا يرفع اليد إلّا بالحجّة، و قد قلنا في باب التزاحم انّ ما ليس له البدل، كالإنفاق يقدم على ما له البدل كالصوم.

ب: إذا عصى و صام هل يصح أو لا؟ لو عصى بترك الواجب الأهم كحفظ الوديعة و العارية و صام، فهل يصحّ صومه أو لا؟ مقتضى القاعدة، الصحّة للفرق بين المريض إذا أضرّ به الصوم، و بين المقام، فانّ الأوّل من قبيل تخصيص أدلة وجوب الصيام، فهو مكتوب على كلّ مؤمن إلّا المريض و المسافر، فلم يكتب عليهما و لم يشرّع في حقّهما، و هذا بخلاف المقام فانّ رفع اليد عن حكم أحد المتزاحمين لا لعدم الجعل في الأوّل، بل لعدم القدرة على الامتثال بحيث لو قدر على الجمع، وجب عليه ففي مثل ذلك،

439

..........

____________

يكون المرفوع هو الوجوب، و أمّا الملاك فهو باق بحاله فيصح إذا عصى و صام بأحد الوجهين امّا الاقتصار بالملاك و امّا تعلّق الأمر بالمهم عن طريق الترتب الذي يكفي في صحته، صرف الإمكان على ما حرر في محلّه، فكأنّه قال: احفظ مال الودعي و إن عصيت فصم.

و بذلك يعلم أنّ عدم الابتلاء بمزاحم آخر، سواء كان المزاحم هو الضرر، أو واجب آخر، ليس من شرائط الصحّة التي عقد الفصل لبيانها، بل من شرائط الوجوب التي سيأتي بيانه في الفصل الآتي.

6. الضعف المجوّز للإفطار إنّ الصوم يكون مقرونا بالضعف غالبا، و هو إحدى الغايات المطلوبة من إيجاب الصوم، فقد شرع لأجل مسّ الجوع و الألم و كسر الشهوات الذي لا يفارق الضعف، و على ذلك لا يكون مطلق الضعف مجوزا للصيام و إن كان مفرطا إلّا إذا كان بلغ مرتبة الإطاقة الواردة في قوله سبحانه: وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فالضمير في الفعل يرجع إلى الصوم، و المراد من يصومون و لكن باعمال كلّ ما يمتلكون من القدرة، فيكون مساوقا للحرج الموجود في الشيخ و الشيخة أو من بلغ من الضعف مرتبتهما، و بما انّ الآية المباركة بصدد الحصر يختص جواز الإفطار بما إذا استلزم الإطاقة، و بذلك يفسر موثق سماعة قال سألته ما حدّ المرض الذي يجب على صاحبه فيه الإفطار ...؟ قال: «فإن وجد ضعفا فليفطر، و إن وجد قوة فليصمه كان المرض ما كان». (1)

7. إذا صام بزعم عدم الضرر إذا صام بزعم عدم الضرر فبان الخلاف بعد الفراغ عن الصوم، فقال‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4.

440

..........

____________

المصنّف: ففي الصحة إشكال.

وجه البطلان: انّ الموضوع لإيجاب الصوم، هو من شهد الشهر و لم يكن مريضا يضرّ به الصوم، و الواجب على الغائب و المريض الذي يضرّ به الصوم، هو الصيام في أيام أخر، و على ذلك فقد خرج ذلك الفرد عن تحت الأمر بالصوم بالتخصيص أو بالتقييد و لم يكتب عليه الصوم أبدا، و إلى ذلك يشير كلام الإمام زين العابدين (عليه السلام) في رواية الزهري: «فإن صام في حال السفر أو في حال المرض فعليه القضاء، فانّ اللّه عزّ و جلّ يقول: فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ». (1)

و من المعلوم أنّ الصحة رهن أحد الأمرين: إمّا الأمر و المفروض عدمه فانّ الآية قسّمت المكلف إلى من كتب عليه الصوم في شهر رمضان، و من كتب عليه الصيام في غير هذا الشهر، و هو المسافر و المريض، و من كتب عليه الفدية مكان الصيام. و أمّا الملاك فهو غير معلوم، إذ ليس المقام من باب التزاحم بل من باب التخصيص.

وجه الصحة: انّ استثناء المريض في الآية و الرواية من باب التزاحم بين وجوب الصوم و حفظ النفس و أهمية الثاني، لا لعدم الملاك في صوم المريض ليكون استثناؤه من باب التخصيص، و حينئذ فلو صام كان صومه واجدا لملاك الأمر فيصحّ. (2)

يلاحظ عليه: أنّه خلاف المتبادر من الآية من أنّ المكتوب عليهما هو الصيام في أيام أخر و مع ذلك فكيف يكون من قبيل التزاحم؟!

و بما ذكرنا تقف على الضابطة الكلية و هي:

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.

(2). المستمسك: 8/ 421.

441

..........

____________

انّ رفع التكليف لو كان مستندا إلى التخصيص أو تقييد الموضوع بعدم الإضرار، لا يصح صومه لعدم الأمر به، و عدم إحراز الملاك، و أمّا إذا كان مستندا لأجل مزاحمة الأهم، كمزاحمة الصوم مع ضرر آخر، أو واجب آخر، فلو عصى صحّ لأحد الوجهين الماضيين، إمّا الأمر عن طريق الترتب و إمّا الملاك.

و منه يظهر حال ما إذا توضأ أو اغتسل بزعم عدم الضرر، فبان خلافه فلو كان شرطية عدم الضرر مأخوذا في لسان دليلي الوضوء و الغسل، يكون خروج الوضوء أو الغسل الضرريين من باب التخصيص، فيكون باطلا، و أمّا إذا كان من حكومة العنوان الثانوي على العنوان الأوّلي، فيصحّ لأنّ أقصى ما تقتضيه الحكومة، هو رفع الحكم الفعلي، دون أن تمسّ بملاك الحكم. فيكون صحيحا إذا تمشّى منه القربة كما لا يخفى.

و ربما تعلّل الصحة بأنّ حديث «لا ضرر» و «لا حرج» دليل امتناني، و لا امتنان في الحكم بالبطلان فلا يكون مشمولا للقاعدة.

يلاحظ عليه: يكفي في جريان القاعدتين كونه امتنانيا في أغلب الموارد، لا في كلّ مورد إلّا أن يكون المناط الضرر و الحرج الشخصيين.

8. إذا حكم الطبيب بالضرر و علم بالخلاف إذا حكم الطبيب بأنّ الصوم مضرّ عليه و علم المكلف من نفسه عدم الضرر يصحّ صومه، لأنّ الخارج هو الصوم المضرّ واقعا، و المفروض عدمه، فكان باقيا تحت العموم و رأي الطبيب طريق قد علم خطؤه، و منه يعلم حكم العكس، فلو كان مضرا في الواقع و حكم الطبيب بعدمه، فلا يصحّ لكونه خارجا عن تحت العموم و داخلا تحت المخصص.

442

[مسائل في شرائط صحة الصوم]

[المسألة 1: يصحّ الصوم من النائم و لو في تمام النهار إذا سبقت منه النيّة في الليل]

المسألة 1: يصحّ الصوم من النائم و لو في تمام النهار إذا سبقت منه النيّة في الليل، و أمّا إذا لم تسبق منه النيّة فإن استمرّ نومه إلى الزوال بطل صومه و وجب عليه القضاء إذا كان واجبا و إن استيقظ قبله نوى و صحّ كما أنّه لو كان مندوبا و استيقظ قبل الغروب يصحّ إذا نوى. (1)

____________

(1) في المسألة فروع:

1. صحّة صوم النائم إذا سبقت منه النية.

2. إذا لم تسبق منه النية و استيقظ قبل الزوال نوى و إلّا بطل صومه.

3. لو كان الصوم مندوبا له أن ينوي قبيل الغروب.

فلنأخذ كلّ واحد بالدراسة:

1. إذا سبقت منه النية قبل الفجر و نام تمام النهار، صحّ الصوم للفرق بين النية المعتبرة في الأفعال، و المعتبرة في التروك، ففي الأوّل يشترط صدور كلّ عن شعور و مع قصد القربة، فلا يصح الوضوء و الغسل نائما و هكذا الصلاة و الطواف و السعي. و أمّا الثاني فيكفي وجود الداعي الإلهي، إلى الاجتناب لو تمكن من الفعل و هو موجود في نفسه سواء كان مستيقظا أو نائما، مضافا إلى أنّ النوم أمر طبيعي للإنسان طول النهار فلو كان مانعا عن الصحة، لوجب التنبيه عليه، بل ورد الأمر بصحّة الصوم معه، حيث عدّ في خطبة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في آخر جمعة من شهر شعبان، نوم الصائم عبادة و قال: «و نومكم فيه عبادة». (1)

روى الكليني بسنده عن الحسن بن صدقة قال: قال أبو الحسن (عليه السلام):

____________

(1). جامع أحاديث الشيعة: 10/ 157، باب فضل شهر رمضان، الحديث 39.

443

..........

____________

«قيلوا، فانّ اللّه يطعم الصائم، و يسقيه في منامه». (1)

ثمّ إنّ هنا سؤالا:

ما الفرق بين الجنون و الإغماء حيث يبطل الصوم إذا عرضا أثناء النهار أو أوّله، و النوم مطلقا حيث لا يبطل به الصوم.

الجواب: انّ الأوّلين يخرج المكلف عن أهلية الخطاب أو التهيّؤ له، فيمنعان عن صحّة الصوم ابتداء أو استدامة، بخلاف النوم و السهو و النسيان مع بقاء التعقل و هذه المعاني و إن منعت من ابتداء التكليف لكن لا تمنع من استدامته.

و ما يظهر من صاحب المدارك من عطف النائم على المجنون و المغمى عليه، لاشتراك الجميع في تحقّق الغفلة المقتضية لقبح التكليف معها سواء في ذلك الابتداء أو الاستدامة (2)، غير تامّ للفرق بينهما، فانّ النوم، استراحة للإنسان، و سبات له، قال سبحانه: وَ جَعَلْنٰا نَوْمَكُمْ سُبٰاتاً (3)، فهو من نعم اللّه سبحانه على الإنسان لا من نقمه، بخلافهما.

و إن شئت قلت: النوم و السهو و النسيان تغطّي الحواس الظاهرة و تعطّلها و لكن العقل معها باق على حاله، فان عرضت في الابتداء (أي قبل النية) فلا إشكال في عدم الصحة، و إن عرضت بعد النية أو بعد انعقاد الفعل صحّ فلا وجه للبطلان بعد عدم زوال العقل.

فإن كان ما ذكرناه كافيا في رفع الإشكال، و إلّا فالفارق هو النص حيث لا يرى النوم منافيا للتكليف بالصوم و يقتصر على وجود النية في قرار ذهنه.

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب آداب الصائم، الحديث 1. لاحظ أحاديث الباب.

(2). مدارك الأحكام: 6/ 138- 139.

(3). النبأ: 9.

444

[المسألة 2: يصحّ الصوم و سائر العبادات من الصبيّ المميّز على الأقوى]

المسألة 2: يصحّ الصوم و سائر العبادات من الصبيّ المميّز على الأقوى من شرعيّة عباداته و يستحبّ تمرينه عليها بل التشديد عليه لسبع من غير فرق بين الذكر و الأنثى في ذلك كلّه. (1)

____________

2. إذا لم تسبق منه النية و استيقظ قبل الزوال صحّ صومه إذا نوى، دون ما إذا لم ينو، و استيقظ بعده. و قد تقدم الكلام فيه في فصل النية (1)، لكن الأحوط انّه إذا استيقظ بعد الزوال هو تجديد النية و الإمساك إلى المغرب و قضاءه.

3. جواز النية في المندوب قبيل المغرب، و قد تقدم الكلام فيه. 2

(1) تتضمن المسألة فرعين:

1. مشروعية عبادات الصبي المميز.

2. التشديد عليها بسبع بلا فرق بين الذكر و الأنثى.

المشهور بين الأصحاب انّ نية الصبي المميز صحيحة و صومه شرعي، و كذا جملة عباداته بمعنى انّها مستندة إلى أمر الشارع فيستحق عليها الثواب، لا تمرينيّة.

ذهب إليه الشيخ و جمع، منهم المحقق و غيره.

قال الشيخ: إذا نوى الصبي صحّ ذلك منه و كان صومه شرعيا. 3

و قال العلامة في المختلف: الأقرب انّه على سبيل التمرين، و أمّا انّه تكليف مندوب إليه، و الأقرب المنع.

أمّا القائل بأنّها تمرينية، فدليله واضح، لأنّ التكليف مشروط بالبلوغ و مع‌

____________

(1) 1 و 2. لاحظ الفصل الأوّل، المسألة 12.

(2) 3. المبسوط: 1/ 278.

445

..........

____________

انتفاء الشرط ينتفي المشروط. (1) مضافا إلى حديث رفع القلم، فلو أريد منه رفع قلم التكليف، فهو ليس بمكلف فكيف تكون عباداته شرعيّة؟!

و يمكن إثبات شرعية عباداته بوجهين تاليين:

1. انّ العقل لا يأبى توجيه الخطاب إلى المميز، فلا مانع من أن يكون مكلفا بالمستحبات و ترك المكروهات و ما دلّ على أنّ التكليف مشروط بالبلوغ، فهو شرط لقسم من التكليف، أعني: الوجوب و الحرمة اللّذين يترتب على ترك الأوّل و فعل الثاني، العقاب، و عليه يحمل ما دلّ على رفع القلم عن ثلاثة: «عن الصبي حتى يحتلم ...» (2)، فهو ناظر إلى هذا النوع من التكليف.

و يؤيد ذلك إمضاء بعض ما يصدر من الصبي المميز في باب العتق و التصدّق و الإيصاء على حدّ معروف، و قد ورد في كتاب الوصايا روايات (3) في ذلك المجال. بل يظهر من بعض الروايات صحّة أذانه و إمامته، (4) و تنفيذ الصدقة و الوقف و العتق و الإمامة موجب لدخول أعماله تحت المطلقات الواردة في هاتيك الأبواب، و ترتّب الثواب عليها فيكون عباداته صحيحة إذا طابق ما ورد في الشرع.

نعم حكى صاحب الحدائق عن الشهيد الثاني في المسالك بعد قول المحقق: «نية الصبي المميز صحيحة و صومه شرعي»، ما هذا صورته: امّا صحة نيته و صومه فلا إشكال فيه، لأنّها من باب خطاب الوضع و هو غير متوقف على التكليف، و أمّا كون صومه شرعيا ففيه نظر لاختصاص خطاب الشرع بالمكلّفين‌

____________

(1). مختلف الشيعة: 3/ 386.

(2). الوسائل: الجزء 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 11.

(3). الوسائل: الجزء 13، الباب 44 من أبواب الوصايا، الحديث 1، 2، 3، 4، 5.

(4). الوسائل: الجزء 5، الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3.

446

..........

____________

و الأصح انّه تمريني لا شرعي. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الحكم الوضعي الذي لا يتوقف على التكليف، هو الوضع الملازم للغرامة (على تأمل فيه) فلو أتلف مال الغير و أورد خسارة على مال الغير يكون سببا للضمان و أمّا تنفيذ الصدقة و الوقف و العتق و الإمامة فهو يلازم عرفا كونه مشمولا للخطاب التكليفي في هذا المورد حتى إذا قام بالعمل، وصف عمله بالصحة.

و يوضح ذلك ما ورد من الروايات حول حجهم إذا «اثغروا» حيث يأتون بعامة أجزاء الحجّ إمّا مباشرة، أو نيابة عنهم و مما جاء فيها: إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه و جرّدوه و غسلوه كما يجرد المحرم، وقفوا به المواقف فإذا كان يوم النحر فارموا عنه و احلقوا رأسه ثمّ زوروا البيت و مري الجارية ان تطوف به بالبيت و بين الصفاء و المروة (2) و في رواية أخرى: «إذا حجّ الرجل بابنه و هو صغير فانّه يأمره أن يلبّي و يفرض الحج، فإن لم يحسن أن يلبّي، لبّوا و يطاف به و يصلى عنه. 3

كلّ ذلك يعرب على أنّه لو أحسن، يحسب له عملا شرعيا و إن لم يكن مسقطا عن حجّة الإسلام.

2. انّ الأمر بالأمر، أمر بذلك الشي‌ء بمعنى انّ الظاهر من حال الآمر كونه مريدا لذلك الشي‌ء ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين، بما أطاقوا من صيام اليوم- إلى أن قال:

- فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم، فإذا غلبهم‌

____________

(1). الحدائق: 13/ 55.

(2) 2 و 3. الوسائل: الجزء 8، الباب 17 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1 و 5.

447

..........

____________

العطش أفطروا». (1) و لعل هذين الوجهين خصوصا الوجه الأوّل كاف في إثبات شرعية عبادات الصبي.

2. متى يؤخذ الصبي بالصيام هذا هو الفرع الثاني، و لا خلاف بين الأصحاب في أنّه يستحب تمرين الصبي على الصوم قبل البلوغ إلّا أنّهم اختلفوا في مبدئه لاختلاف الأخبار.

الف. بلوغ الحلم أو القدرة على صيام ثلاثة أيام متتابعات قال المفيد: يؤخذ بالصيام إذا بلغ الحلم أو قدر على صيام ثلاثة أيام متتابعات قبل أن يبلغ الحلم بذلك جاءت الأخبار. (2)

و قال ابن الجنيد: يستحب أن يعوّد الصبيان و إن لم يطيقوا الصيام و يؤخذوا إذا أطاقوا صيام ثلاثة أيام تباعا. (3)

ب. يشدد إذا بلغوا تسع سنين قال الشيخ: و يستحب أن يؤخذ الصبيان بالصيام إذا أطاقوه و بلغوا تسع سنين و إن لم يكن واجبا عليهم. (4)

و نقل العلامة في المختلف عن المبسوط: سبع سنين، و لكن في المطبوع تسع سنين قال: «و يستحب أخذه بذلك إذا أطاقه، و حدّ ذلك بتسع سنين فصاعدا، و ذلك بحسب حاله في الطاقة. (5)

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ عنه الصوم، الحديث 3.

(2). المقنعة: 367، باب وجوه الصيام، مع اختلاف في التعبير.

(3). المختلف: 3/ 486.

(4). النهاية: 149.

(5). المبسوط: 1/ 266.

448

..........

____________

3. يشدد عليهما لسبع مع الطاقة (1) و هذا هو المنسوب إلى الشيخ حسب نقل المختلف كما مرّ.

و عن المعتبر: يمرّن لست سنين. (2) و لعله خارج من موضوع البحث، لأنّ الكلام في التشديد و أمّا التمرين فليس له حدّ معين إلّا الطاقة و إن كان نصف يوم.

ثمّ إنّ اختلاف الآراء مستند إلى اختلاف الروايات.

و يشهد لما ذكره المفيد موثقة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا أطاق الغلام صوم ثلاثة أيام متتابعة، فقد وجب عليه صوم شهر رمضان». (3) و في دلالته على ما ذكره المفيد قصور واضح، لأنّها تحكم عليه بالوجوب، لا على المولى بالتشديد.

و يدل على ما ذكره الشيخ في النهاية و المبسوط- حسب المطبوع- صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم، فإن كان إلى نصف النهار أو أكثر من ذلك أو أقل، فإذا غلبهم العطش و الغرث أفطروا حتى يتعودوا الصوم و يطيقوه، فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم ما أطاقوا من صيام، فإذا غلبهم العطش أفطروا». 4 و يقرب منه مرسلة الصدوق. 5

و التفريق بين صبيان أهل البيت و صبيان غيرهم، يرجع إلى الاختلاف في الظروف حيث إنّ الأطفال في البيوت العامرة بالدين و التقوى يسهل لهم القيام بهذه الأمور بخلاف غيرهم، و لكن المروي في المختلف: «أبناء سبع سنين». 6

و أمّا ما يدل على السبع فليس له دليل صالح سوى ما ورد في نسخة‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 147.

(2). لم نعثر عليه في المعتبر، و الموجود: و يصحّ من الصبي المميز لقولهم مروهم بالصلاة بسبع: 2/ 683.

(3) 3 و 4 و 5. الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5، 3، 11.

(4) 6. المختلف: 3/ 486.

449

[المسألة 3: يشترط في صحّة الصوم المندوب مضافا إلى ما ذكر أن لا يكون عليه صوم واجب]

المسألة 3: يشترط في صحّة الصوم المندوب مضافا إلى ما ذكر أن لا يكون عليه صوم واجب من قضاء أو نذر أو كفارة أو نحوها مع التمكّن من أدائه، و أمّا مع عدم التمكّن منه كما إذا كان مسافرا و قلنا بجواز الصوم المندوب في السفر أو كان في المدينة و أراد صيام ثلاثة أيّام للحاجة فالأقوى صحّته، و كذا إذا نسي الواجب و أتى بالمندوب فانّ الأقوى صحّته إذا تذكّر بعد الفراغ، و أمّا إذا تذكّر في الأثناء قطع و يجوز تجديد النيّة حينئذ للواجب مع بقاء محلّها كما إذا كان قبل الزوال. (1)

____________

المختلف كما عرفت.

و الذي يمكن أن يقال: يبتدأ بالتمرين بالسنين النازلة كالست على ما ذكره المحقق في المعتبر، أو السبع لأنّه يفطر كلّما غلبه الغرث و العطش، و أمّا التشديد فهو يختلف حسب اختلاف الأطفال في القوة و الضعف و الإطاقة و عدمها و ينزل اختلاف الأخبار و الكلمات على اختلاف مراتب الأطفال في القوة و الضعف.

لا فرق بين الصبي و الصبية قد عرفت التصريح بعدم الفرق بين الصبي و الصبية و الوارد في الروايات هو الصبي، و هل أخذه في لسان الروايات كأخذ الرجل فيها في أكثر الأحكام حيث يتلقّاه العرف حكما على من لم يبلغ، و انّه من باب التمثيل لا التخصيص، أو أنّ للذكورية مدخليّة؟ وجهان، و لعل الأظهر هو التعميم.

(1) و في المسألة فروع:

1. صحّة الصوم المندوب موقوف على أن لا يكون عليه صوم واجب يتمكّن من أدائه.

450

..........

____________

2. لا فرق في الواجب بين القضاء و النذر و الكفّارة.

3. إذا لم يتمكن من أدائه، أو نسي، فصام صوما مندوبا يصح.

4. إذا نسى و صام صوما مندوبا و تذكر قبل الزوال يجدّد النية للواجب.

1. في صحة الصوم المندوب الظاهر أنّه لا خلاف في أنّ من عليه قضاء من شهر رمضان، لا يجوز له التطوّع بشي‌ء من الصيام حتى يؤدّي ما بذمّته من القضاء. و لم يخالف في ذلك إلّا السيد المرتضى قال: و يجوز لمن عليه صوم واجب أن يصوم تطوعا. و منع ذلك الشيخان، و ابن بابويه، و هو (رحمه اللّه) أيضا في الجمل، و أبو الصلاح. (1)

و يدل عليه صحاح الروايات:

1. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن ركعتي الفجر؟ قال:

«قبل الفجر»- إلى أن قال:- «أ تريد أن تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوّع إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة». (2)

2. صحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة أ يتطوع؟ فقال: «لا، حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان». 3

3. و معتبر أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل عليه من شهر رمضان أيام أ يتطوع؟ فقال: «لا، حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان». 4

و بذلك يعلم ضعف رأي السيد، و نقل في المختلف احتجاجه بالأصل‌

____________

(1). مختلف الشيعة: 3/ 508، كتاب الصوم.

(2) 2 و 3 و 4. الوسائل: الجزء 7، الباب 28 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 5، 6.

451

..........

____________

الدال على الإباحة. (1) و كان عليه أن يحتجّ بإطلاق ما دلّ على جواز الصوم المندوب لا بالأصل، لأنّ الأصل في العبادات عدم الجواز حتى يدل عليه دليل.

و لو احتجّ بالإطلاق فالصحاح مقيّدة له.

2. لا فرق في الواجب بين القضاء و النذر و الكفّارة و هو أنّ الحكم يعم قضاء رمضان و غيره من النذر و الكفارة أو يختص بقضاء رمضان؟ فقد قيل بالأوّل، و ليس له دليل صالح سوى ما جاء في الفقيه على النحو التالي:

باب الرجل يتطوع بالصيام و عليه شي‌ء من الفرض: وردت الأخبار و الآثار عن الأئمّة (عليهم السلام) أنّه لا يجوز أن يتطوع الرجل بالصيام و عليه شي‌ء من الفرض، و ممن روى ذلك الحلبي، و أبو الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). (2)

و قال في المقنع: و اعلم أنّه لا يجوز أن يتطوع الرجل و عليه شي‌ء من الفرض، كذلك وجدته في كل الأحاديث. (3)

وجه الاستدلال: واضح، حيث ينفي جواز التطوّع و على المتطوع شي‌ء من الفرض، لكن الاستدلال رهن أن تكون العبارة، متن الحديث دون استنباطه من الحديث، فلو كان الثاني كما يشهد عليه قوله بعده و ممن روى ذلك الحلبي و أبو الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، اللّذان نقل روايتهما الكليني فليس استنباطه بصحيح، لأنّ الوارد في الحديثين، عدم جواز التطوّع و عليه شي‌ء من قضاء رمضان، كما عرفت. فيبقى إطلاق أدلة التطوّع بحاله و لم يرد عليه تقييد إلّا في قضاء رمضان.

____________

(1). المختلف: 4/ 509.

(2). الفقيه: 2/ 136، طبع مؤسسة النشر الإسلامي.

(3). المقنع: 203.

452

..........

____________

و بذلك يعلم ما في الوسائل حيث جعل ما استفاده الصدوق من روايتي الحلبي و أبي الصباح الكناني، رواية له عنهما قال: «محمد بن الحسين باسناده عن الحلبي و باسناده عن أبي الصباح الكناني جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه لا يجوز أن يتطوّع الرجل بالصيام و عليه شي‌ء من الفرض». (1) ثمّ إنّه نقل صحيح الحلبي و معتبرة أبي الصباح في نفس الباب عن الكافي برقم 5- 6 معربا عن أنّ ما يرويه الكليني عنهما غير ما رواه الصدوق عنهما آنفا.

لكنّ احتمال ما ذكره الصدوق باسم الرواية، هو نفس ما رواه الكليني عن الحلبي و الكناني، يصدّنا عن الاعتماد على قول الصدوق، غير أنّ السيد المحقق الخوئي أجاب عن هذا الإشكال، و قال: و الذي يكشف كشفا قطعيا من عدم كونه ناظرا إلى هاتين الروايتين أنّ طريق الصدوق إلى الحلبي بجميع من في سلسلة السند مغاير، مغايرة تامة مع طريق الكليني إليه في تمام أفراد السند، بحيث لا يوجد شخص واحد مشترك بينهما، و معه كيف يمكن أن يريد به تلك الرواية المروية في الكافي عن الحلبي؟

يلاحظ عليه: أنّه لا مانع من أن يرويه الصدوق عن الحلبي بسندين:

أحدهما: سنده الخاص إلى كتاب الحلبي، و ثانيهما: أن يرويه عن طريق الكليني، و قد نقلهما في المقام عن ذاك الطريق.

و العجب انّه (قدّس سرّه) لا يعتمد على الشهرة الفتوائية، و مع ذلك اعتمد على نقل الصدوق في المقام، و هو لا يزيد عن كونه مرسلا.

3. مع عدم التمكن من أدائه إذا فرضنا أنّه غير متمكن من الفرض كما إذا كان مسافرا، و قلنا بجواز‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 7، الباب 28 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 2.

453

..........

____________

الصوم المندوب في السفر، أو كان في المدينة و أراد صيام ثلاثة أيام للحاجة، فقد قوّى الماتن صحته، و ذلك لانصراف المنع إلى فرض التمكن، و ذلك لأنّ حكمة المنع حسب فهم العرف أهمية الفرض، و انّ تفريغ الذمة منه أهم من الاشتغال بالندب، و هو لا يصدق إلّا إذا كان متمكنا، و مثله ما إذا كان عليه كفارة شهرين متتابعين و قد دخل شهر شعبان فلا مانع من التطوّع بالمستحب، و أوّل من نبّه بذلك هو الشهيد في الدروس و قال: و يشترط فيه (صوم النفل) خلو الذمة عن صوم واجب يمكن فعله، فيجوز حيث لا يمكن كشعبان لمن عليه كفارة كبيرة و لم يبق سواه، و جوّز المرتضى التنفّل مطلقا و الرواية بخلافه (1) و تبعه صاحب المدارك. (2)

و احتمل صاحب الجواهر أن يكون المانع نفس اشتغال الذمة بالواجب و إن كان غير متمكن لأنّه في سفر. (3)

يلاحظ عليه: بأنّه احتمال ضعيف لما عرفت ممّا يتبادر من العلة الارتكازية للمنع.

4. إذا نسي و أتى بالمندوب و تذكّر بعد الفراغ صحّ إذا نسي و أتى بالمندوب و تذكر بعد الفراغ، فقد قوّى المصنّف الصحة بنفس الدليل المذكور في غير المتمكن من انصراف الدليل إلى من كان الحكم في حقّه منجّزا.

وجه الانصراف: ما ذكرنا من أنّ المتبادر، انّ المنع عن التطوّع مع اشتغال الذمة بالواجب، لأجل تقديم تفريغها عنه، و هذا التعليل الارتكازي يكون سببا‌

____________

(1). الدروس: 1/ 282.

(2). المدارك: 6/ 210.

(3). الجواهر: 17/ 22.

454

و لو نذر التطوّع على الإطلاق صحّ و إن كان عليه واجب فيجوز أن يأتي بالمنذور قبله بعد ما صار واجبا، و كذا لو نذر أيّاما معيّنة يمكن إتيان الواجب قبلها و أمّا لو نذر أيّاما معيّنة لا يمكن إتيان الواجب قبلها، ففي صحّته إشكال من أنّه بعد النذر يصير واجبا و من أنّ التطوّع قبل الفريضة غير جائز فلا يصحّ نذره و لا يبعد أن يقال إنّه لا يجوز بوصف التطوّع و بالنذر يخرج عن الوصف و يكفي في رجحان متعلّق النذر رجحانه و لو بالنذر، و بعبارة أخرى المانع هو وصف الندب و بالنذر يرتفع المانع. (1)

____________

لانصراف الدليل إلى من كان الدليل في حقّه منجّزا، حتى يقوم بأداء الواجب مكان المستحب، و هو منفي في حقّ الناسي، كالجاهل أو غير المتمكن. و احتمل صاحب الجواهر في المقام أيضا أن يكون الخلو شرطا في الواقع. (1) و قد احتمل في البحث السابق كون الاشتغال مانعا.

و على أيّ تقدير فلا يترتب على صحّة الصوم المندوب في هذه الصور، ثمرة فقهية إلّا في النذر.

ثمّ إنّه إذا تذكر في الأثناء، قطع لصيرورة الحكم في حقّه منجزا فيشمله إطلاق النهي لهذه الصورة، و يجوز له تجديد النية للواجب مع بقاء محلها كما إذا كان قبل الزوال. كيف، و لو كان عازما على عدم الصوم فبدا له أن يصوم و لم يحدث شيئا، يجوز له التجديد كما مر في محله.

(1) 1. إذا تعلّق النذر بصوم يوم إذا نذر أن يصوم يوما من السنة أو الشهر على وجه يمكن تفريغ الذمة عن‌

____________

(1). الجواهر: 17/ 23.