المعالم المأثورة - ج6

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
459 /
453

مشروعية الوضوء مع غسل الجنابة فإن كان التيمم هنا مثل الغسل لا يكون الوضوء معه مشروعا، فالقول بعدم وجوب الوضوء يكون خلاف الضرورة مع القول بعدم وجوب التيمم أيضا على فرض كفايته فلا بدّ من القول بوجوب التيمم بدل الغسل ثانيا، و القول بانتقاض الأول، و فيه أن الدليل الدال على إغناء غسل الجنابة عن الوضوء، لا يكون شاملا لصورة حدوث الحدث بعده، فأن دليل اقتضاء كل سبب من الحدث الأصغر وضوئا جديدا يكون حاكما على دليل الإغناء كما أنه يقال بوجوب الوضوء فيمن اغتسل بعد الحدث فضلا عن التيمم، فلا يكون الاستصحاب معارضا بمثله ثم أنه على فرض عدم تمامية الدليل على طرف واحد، فالعلم الإجمالي يقتضي وجوب التيمم بدل الغسل و الوضوء و على فرض عدم الماء للوضوء أيضا يأتي بتيممين أحدهما بدل الغسل و الآخر بدل الوضوء لأنه يعلم بوجوبه اما للحدث الأصغر أو الأكبر.

لا يقال أن العلم الإجمالي لنا حاصل بأن التيمم اما لا يكون باطلا فيكون مغنيا عن الوضوء و أن كان باطلا أيضا فلا يفيد الوضوء شيئا فالقول بوجوب الوضوء لا وجه له، فالعلم الإجمالي بأنه إما يجب الوضوء فقط أو التيمم منحل بوجوب التيمم فقط دون الوضوء.

لأنا نقول ما ثبت إغناء التيمم عن الوضوء في المقام، بل الذي ثبت بالدليل هو التيمم ابتداء يكون مغنيا، و اما بعد حدوث الحدث لو تيمم فلا يكون كذلك، فالعلم الإجمالي يقتضي أن يقال بوجوب الوضوء و التيمم بدل الغسل و على فرض عدم الماء للوضوء أيضا يأتي بتيممين أحدهما بدل الغسل و الآخر بدل الوضوء.

نعم قال السيد (قده) بكفاية التيمم الواحد للوضوء و الغسل في هذه الصورة بقصد ما في الذمة، لأنه اما يكون وظيفته التيمم بدل الغسل فيكون مغنيا عن التيمم بدل الوضوء، و اما يكون الواجب عليه التيمم بدل الوضوء فقط لعدم بطلان التيمم بدل الغسل، فلا يكون في ذمته الّا واحدا.

و فيه أن إغناء التيمم بدل الغسل بعد حدوث الحدث في الفرض عن التيمم‌

454

بدل الوضوء لم يثبت و انما الثابت كفاية التيمم الواحد قبل حدوث الحدث.

[مسألة 25- حكم التداخل الذي مر سابقا في الأغسال يجري في التيمم أيضا]

مسألة 25- حكم التداخل الذي مر سابقا في الأغسال يجري في التيمم أيضا فلو كان هناك أسباب عديدة للغسل يكفى تيمم واحد عن الجميع و حينئذ فإن كان من جملتها الجنابة لم يحتج الى الوضوء أو التيمم بدلا عنه و الا وجب الوضوء أو تيمم آخر بدلا عنه.

أقول قد مرّ البحث في ذلك فيما سبق في مباحث التيمم عند القول بكفاية تيمم واحد لغايات متعددة، و لا نطيل البحث هنا و حاصل دليل القائل بالتداخل في الأسباب في التيمم، هو عموم المنزلة فإن التيمم احد الطهورين فيكون حكمه حكم الطهارة المائية.

و لكن قد أشكل في المقام جامع المقاصد على ما حكى ما لفظه «لأن التيمم طهارة ضعيفة مع انتفاء النصّ و عدم تصريح الأصحاب في العمل به» فأن كلامه هذا يكون ظاهرا في منعه عن التداخل، و بيّن ذلك بنحو الاحتمال و لقد أجاد فيما أفاد (1).

[مسألة 26- إذا تيمم بدلا عن أغسال عديدة فتبين عدم بعضها]

مسألة 26- إذا تيمم بدلا عن أغسال عديدة فتبين عدم بعضها صح بالنسبة إلى الباقي و اما لو قصد معينا فتبين ان الواقع غيره فصحته مبنية على ان يكون من باب الاشتباه في التطبيق لا التقييد كما مر نظائره مرارا.

[مسألة 27- إذا اجتمع جنب و ميت و محدث بالأصغر]

مسألة 27- إذا اجتمع جنب و ميت و محدث بالأصغر و كان هناك ماء لا يكفي إلا لأحدهم فإن كان مملوكا لأحدهم تعين صرفه لنفسه و كذا ان كان للغير و اذن لواحد منهم و اما ان كان مباحا أو كان للغير و اذن للكل

____________

(1) أقول ان مقتضى عموم المنزلة التي شيّد أركانه الأستاذ (مد ظله) فيما سبق و أن التيمم احد الطهورين هو القول بالتداخل مضافا الى أن القول بتعدد التيمم للبول و الغائط و النوم و غيره خلاف ارتكاز المتشرعة و ما حكى عن المقاصد في التداخل بالصراحة أحسن من هذا الاحتمال.

455

فيتعين للجنب فيغتسل و تيمم الميت و يتيمم المحدث بالأصغر أيضا.

أقول ان الصور في هذه المسألة ثلاثة: كما في المتن الأول أن يكون الماء لأحدهم ملكا سابقا على الابتلاء فإنه لا شبهة في أن الواجد يكون هو المالك و غيره لا يكون واجدا، و لا يكون له البذل للغير لإطلاق أدلة الطهارة المائية، فإنه مانع عن جواز بذله لأنه يكون مكلفا بالمائية و غيره لا يكون كذلك و الروايات التي تأتي في تقديم الجنب لا تشمل هذه الصورة، و ما يكون بحكمها كالصورة الثانية هذا ما قيل و لكن فيه نظر، و هو أن بعض الفقهاء ذهب الى أن الواجد و الفاقد يكون كالمسافر و الحاضر فكما أنه يكون للمسافر أن يجعل نفسه حاضرا ليتيمم و يكون له أن يجعل نفسه مسافرا بعد كونه حاضرا، كذلك في المقام فيكون له هبة الماء للميّت و على فرض عدم تسليم ذلك أيضا يمكننا أن نقول العذر في الميت ربما يكون مستوعبا (1) بخلاف غيره، لأن تجهيزه فوري و قد استفدنا من الروايات أيضا تعظيم شعائر الميت فأيّ مانع من بذله الماء لغسله لتقدم ملاكه على ملاك طهارة الجنب بالغسل أو غيره بالوضوء و أنا و أن لم نقل بجواز اهراق الماء ليصير فاقدا، و لكن المقام يكون له الفرق فإنه يكون مثل إهداء الماء للعطشان الذي هو جائز، فيكون للمالك أن يهب الماء لتعظيم شعائر الميت.

الصورة الثانية هي صورة كون الماء مباحا و يكون حيازته لهم جميعا جائزة فإن سبق إليه أحدهم فيكون مثل الصورة الأولى لأنه يصير مالكا شخصيا، و اما أن حازوه جميعا، فيكون أهون من الصورة السابقة بالنسبة إلى هبة البقية سهمهم للميت، لأن هذا الماء لا يكفى للغسل و لا للوضوء بالنسبة الى كل واحد منهم، و لذا قال في الشرائع الأفضل تخصيص الجنب في هذه الصورة، لأنه لا يرى الأمر الوارد في‌

____________

(1) أقول ان الفرض يكون في استيعاب العذر بالنسبة إلى الجميع لا بالنسبة إلى الميت فقط.

456

الروايات التي سيأتي بتقديم الجنب إلزاميا لعدم الاختصاص لكل واحد بجميع ما يكون تحت أيدي الجميع، فلا يكون تطهير الميت، و لا الجنب، و الوضوء ممكنا.

و هذه الصورة هي الصورة الثالثة، و الروايات الخاصة في المقام قيل هي تختصّ بهذه الصورة فيجب عليهم تقديم الجنب و هي في باب 18 من التيمم ففي ح 1 صحيح ابى نجران المحكي عن الفقيه، قوله (عليه السلام) لا يغتسل الجنب و يدفن الميت بتيمم، و يتيمم الذي هو على غير وضوء لأن الغسل من الجنابة فريضة، و غسل الميت سنة و التيمم للآخر جائز. و مثلها ح 4 و 3 و 5.

أقول ان القوم و أن استفادوا من الروايات اختصاص تقديم الجنب بصورة اشتراك القوم في الماء و لكن إطلاق الروايات يشمل حتى الصورة الأولى و هي كون الماء لأحدهم بالملك الشخصي أيضا.

و قد يعارض هذه ما ورد في الباب ح 5 أيضا، بأن المقدم هو الميت كمرسل محمد بن على عن بعض أصحابنا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قوله (عليه السلام) «يتيمم الجنب و يغسل الميت بالماء». و الحق عدم معارضة ما ذكر لروايات الطائفة الأولى، لضعف السند و عدم اعتماد الأصحاب عليها مع وجود التعليل في تقديم الجنب بأن غسله فريضة و غيره سنة، و على فرض استقرار التعارض يكون المتعين هو القول بالتخيير لأن الروايات الدالة على تقديم الجنب لازمها إسقاط قاعدة «الناس مسلطون على أموالهم» في حق البعض فيكون الشخص مخيّرا بين إعطاء الماء لغسل الجنب، أولا يعطيه، فأن الإعطاء يكون هو أفضل فردي التخيير كما قال في المعتبر، و الأمر بالإعطاء لا يخفى أنه لا يوجب إسقاط الضمان فيمكن القول بوجوب الإعطاء أو استحبابه مع أخذ العوض من الجنب.

هذا كله إذا كان الجنب غير ولىّ الميت و اما إذا كان الجنب هو ولى الميّت فيكون مأمورا بالغسل من حيث نفسه و بتغسيل الميت لأنه وليه فيكون أيضا غسله‌

457

من الجنابة مقدّما، و لا يبعد حمل الروايات على هذه الصورة فالحق (1) في هذه المسألة مع المصنف (قده) و إطلاق الروايات بالنسبة إلى الملك الشخصي مشكل.

[مسألة 28- إذا نذر نافلة مطلقة أو موقتة في زمان معين و لم يتمكن من الوضوء في ذلك الزمان]

مسألة 28- إذا نذر نافلة مطلقة أو موقتة في زمان معين و لم يتمكن من الوضوء في ذلك الزمان تيمم بدلا (2) عنه و صلى و اما إذا نذر مطلقا لا مقيدا بزمان معين فالظاهر وجوب الصبر الى زمان إمكان الوضوء.

أقول تمسك المصنف (قده) في ذلك بدليل البدلية و أحد موارده هذه الصورة أي صورة كون النذر معينا، و لكن لا يخفى ما فيه فأن النذر تابع لقصد الناذر فأن في قصده الإتيان بالعمل الكذائي بالطهارة، الأعم من المائية و الترابية يكون له التيمم في صورة عدم إمكان تحصيل الماء و اما أن نذر المائية فقط فيسقط لعدم إمكان إتيانها، فنذره على تعدد المطلوب بحاله و يأتي بالتيمم و على وحدة المطلوب يسقط لعدم إمكان إتيانه.

[مسألة 29- لا يجوز الاستيجار لصلاة الميت]

مسألة 29- لا يجوز الاستيجار لصلاة الميت ممن وظيفته التيمم.

أقول ان الواجب لا يخرج عن حاله بتبدل نوعه، فأن الواجب العيني إذا صار كفائيا يكون مثل حاله السابق، ففي المثال إذا كان الصلاة واجبة عينا على شخص ثم مات و صار واجبا كفائيا، يمكن الاستيجار عليها يكون مثل حالها السابق فكما أن الفرد الاضطراري لا يساوى الاختياري بالنسبة إلى شخص المكلف لا يساوى بالنسبة إلى غيره و معلوم أن الصلاة مع التيمم لا يساوى ما تكون مع الوضوء، فلا يجوز استيجار المتيمم لها، إلّا إذا كان جميع الناس وظيفتهم التيمم إلى مدة مديدة أو لا يوجد الأجير‌

____________

(1) أقول ان اللازم من هذا الطريق من الاستدلال أن يكون الحق في خلاف المصنف لفرض الإطلاق فيما سبق و لم يجب عنه، و المصنف لا يكون الإطلاق بالنسبة إلى الملك الشخصي عنده مقبولا، و لعلّ سرّ قبول قوله، هو انصراف الروايات إلى صورة الاشتراك حيث كانوا في السفر، و الجماعة في السفر مشتركون في الماء الذي يكون معهم.

(2) ان كان نذره على نحو تعدد المطلوب و الّا فيسقط.

458

الذي يكون قرائته صحيحة أو الذي يكون موردا للوثوق الا المتيمم بحيث يدور الأمر بين تركها رأسا أو مع التيمم.

هذا كله إذا كان الصلاة الفائتة مع وظيفة الطهارة المائية، و اما إذا كانت مع وظيفة التيمم، ففيه بحث، و الحق عدم الجواز أيضا (1).

هذا تمام ما ألقاه شيخنا الأستاذ المحقق الآملي (رضوان اللّه تعالى عليه) في درسه في كتاب الطهارة مع ما بلغ اليه النظر في التذييلات حسب ما يقتضيه التقرير و التذييل و الحمد للّه تعالى على ما أنعم علينا من التفقه في الدين و صلى اللّه على محمد و آله‌

____________

(1) أقول ان بقية المسائل إلى مسألة 37- لم يشرحها مد ظله و لعله لم ير بحثها بمهم بعد ما مرّ في المسائل السابقة و نحن نتعرض للتعاليق التي رأيناها في بعضها فنقول:

قوله في مسألة 35- أو الظن بالعدم. أقول لا يكفى الظن بل الاطمئنان بالعدم لازم.

و قوله في مسألة 36- و الأحوط تيمم ثالث. أقول- لا يلزم مراعاة هذا الاحتياط لأنه اما ان يكون القول بالتداخل صحيحا فيأتي بالتيمم متداخلا، و اما ان لا يكون صحيحا فيأتي لكل تيمما، و احتمال وجوب التداخل لا يدل عليه دليل.

و قوله في مسألة 37- قوله الظاهر سقوط حرمة المس. أقول سقوط الحرمة مع كون الباب باب التزاحم مع إمكان التيمم مشكل، فعليه يمكن أن يتيمم للعذر من استعمال الماء لأن المسّ مانع شرعي و هو كالمانع العقلي، ثم بعد صيرورته متطهرا بالتيمم، يرفع عذره فيتوضأ، لأنه متطهر، و لكن مع ذلك حيث يشكل القول بصحة هذا التيمم و ان كان نظير تيمم الجنب للدخول في المسجد و الغسل فيه لانه هناك يكون النصّ دالا عليه، و في المقام لا يكون لنا نصّ كذلك، فلا بد من الاستنابة أيضا و لكن الإشكال في هذا التيمم حسب القاعدة غير وارد فالاستنابة أيضا لا يلزم فيتيمم لغاية ثم يتوضأ.

459

الطاهرين سيّما قائمهم صاحب الزمان عجل اللّه تعالى له الفرج و روحي له الفداء، و عليهم الصلاة و السلام و نرجو من اللّه تعالى ان يوفقنا لطبع سائر الآثار من معالم الدين و الفقه و نرجو من إخواننا المحصلين و المحققين العفو و طلب المغفرة لي ليوم لٰا يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لٰا بَنُونَ و الحمد للّه أولا و آخرا.

و انا العبد المحتاج الى ربه الغفور محمد على الاسماعيل پور الأصفهاني القمشه‌اى مولدا و وطنا و القمي وطنا أيضا تاريخ الطبع 13 رجب المكرم 1415 من الهجرة القمرية.

26- 9- 1373 من الهجرة الشمسية