المعالم المأثورة - ج6

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
459 /
103

في وقت كل صلاة فإذا رأت صفرة توضأت.

و تقريبها كما مرّ من ان الدم بمجرد عدم كونه حيضا يحكم بأنه استحاضة من غير فرق بين كون الخارج من قرح أو جرح داخل اى عدم الاعتناء به ففي مقام الشك يؤخذ بتلك الإطلاقات المقامية للحكم بأن كل دم شك في انه قرح أو جرح و لم يكن بحيض فهو استحاضة أو بإطلاق اللفظ في باب أمارية الصفات الشامل لصورة الشك أيضا.

و قد استدل أيضا بأنه مع الشك في كون الدم قرحا أو جرحا يستصحب عدم كونه كذلك باستصحاب العدم الأزلي و قد أشكل عليه بمعارضته باستصحاب عدم كون الدم استحاضة. و أجيب عن هذا بأن العدم يكون في لسان الدليل جزء الموضوع في الحكم بكون الدم استحاضة و اما عدم الاستحاضة فلا يكون مأخوذا في موضوع الحكم بكون الدم قرحة فلا اثر لاستصحاب عدمها فلا تصل النوبة إلى المعارضة.

و فيه ان إثبات أحد الضدين لا يثبت الضد الآخر فإثبات عدم كون الدم قرحة أو جرحة لا يثبت ان الدم الموجود استحاضة.

و قد استدل لذلك أيضا بالغلبة فإن الغالب كون الدم الذي غير محكوم بالحيضية ان يكون استحاضة. و فيه انها لا يوجب الاطمئنان و لا تكون بنفسها حجة.

و استدل بنصوص الاستظهار أيضا فإنه في أيام الاستظهار يحكم بأنه استحاضة و لا يعتنى باحتمال كون الدم من قرح أو جرح. هذا كله إذا كان الدم بصفة الاستحاضة و اما إذا لم يكن الدم بصفتها فعلى ما عليه المحقق الهمداني (قده) من أن كل دم لم يكن محكوما بالحيضية فهو استحاضة للسيرة ففي المقام أيضا يدّعيها، و اما نحن القائل بأن المدار على الصفة في الفرع السابق فهنا يشكل لنا القول بها (1) بدونها و اما بقية الأقوال فلا.

____________

(1) أقول يمكن ان يكون قولهم هنا بكون الدم استحاضة للسيرة أو الغلبة أو بناء العقلاء من باب ان العرف هو المرجع في إثبات الموضوعات و كون هذا الشي‌ء بولا و ذاك دما و هذا دم حيض و ذاك دم قرحة فهكذا في المقام يحكم العرف بكون هذا الدم دم الاستحاضة و لا إشكال في هذا التقريب لما قالوه و ان كان التعبير بالسيرة و بناء العقلاء فيه التأمل و هذا يكون في صورة تشخيص العرف اما مع شكه فيه فلا يتمسك به فلا بد من الرجوع الى الصفات أو الى الإطلاقات الداعي ان الدم الذي ليس بحيض فهو استحاضة و لكن هذا مشكل مع كون احتمال القرحة و الجرحة أيضا عقلائيا و جريان الاستصحاب اى استصحاب العدم الأزلي يمكن ادعائه فيهما حيث ان كل واحد منهما له اثر بحسبه فيتعارضان و يتساقطان و لكن احتياط المصنف قده لا ينبغي تركه.

104

في أقسام الاستحاضة

[مسألة 1- الاستحاضة ثلاثة أقسام قليلة و متوسطة و كثيرة]

مسألة 1- الاستحاضة ثلاثة أقسام قليلة و متوسطة و كثيرة

[فالأولى ان تتلوث القطنة بالدم من غير غمس فيها]

فالأولى ان تتلوث القطنة بالدم من غير غمس فيها و حكمها وجوب الوضوء لكل صلاة.

أقول قال في الجواهر في مقام بيان العناوين الثلاثة. و كيف كان فلا إشكال في ثبوت ما ذكرناه من المراتب الثلاثة لأن دم الاستحاضة اما ان لا يثقب الكرسف أو يثقبه و لا يسيل أو يسيل كما في الفقيه و الخلاف و السرائر و الدروس و غيرها.

و التعبير في كلماتهم بالرشح و الثقب و الغمس و غيره بالنسبة الى ما يسيل يكون بمعنى واحد كما نقل عن مفتاح الكرامة القطع به.

و قال المحقق الخراساني (قده) في رسالة الدماء بما لا يوافق فتوى المشهور و حاصله أن الجمع بين الروايات عرفيا يقتضي ان يقال أن الدم ان كان حمرة ثاقبة فعليها أغسال ثلاثة و ان لم يجز الدم الكرسف و ان كانت غير ثاقبة فعليها غسل واحد و الصفرة ان كانت قليلة عرفا فعليها الوضوء لكل صلاة و ان كانت كثيرة عرفا فعليها الأغسال الثلاثة و لا يكون الفرق بين الصفرة و الحمرة مشروحا في كلمات القدماء نعم في‌

105

الجواهر ما يشير الى أن بحثه كان فيهم بقوله لا فرق بين الصفرة و الحمرة.

و كيف كان فالروايات هي المرجع في تقسيمها الى العناوين الثلاثة و قد ذكرت الثلاثة في الرضوي في المستدرك (1) باب 1 من الاستحاضة ح 1 و حيث نقله الصدوق (قده) ينجبر ضعفه لأن نقله (قده) رواية في الأحكام يكون من باب فتواه به كما صرح بذلك في الفقيه (2).

و اما بقية الروايات فيقول صاحب الجواهر استفدنا منها التقسيم بالثلاث و لكن بعد الدقة و ضم بعضها الى بعض يستفاد منها ذلك فلعله (قده) أراد انه لا يكون الثلاث مجموعا في رواية.

فمن الأحاديث ما (ورد في الوسائل باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 8) عن عبد الرحمن ابن ابى عبد اللّه قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) الى قوله ان كان فيه (اى في قرئها) خلاف، فلتحتط بيوم أو يومين لتغتسل و تستدخل كرسفا فأن ظهر عن (على) الكرسف فلتغسل ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلي فإذا كان دما سائلا فلتؤخر الصلاة الى الصلاة ثم تصلى صلوتين بغسل واحد و كل شي‌ء استحلت به الصلاة فليأتها زوجها و لتطف بالبيت. و هذه الرواية يكون فيها بيان قسمين و هو صورة نفوذ الدم في الكرسف و هي المتوسطة و صورة التجاوز عنه و هي الكثيرة و قد تعرض لحكم القليلة ما ورد (في هذا الباب ح 9) عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) الى قوله ثم هي مستحاضة فلتغتسل و تستوثق من نفسها و تصلى كل صلاة بوضوء ما لم ينفذ (يثقب) الدم فإذا نفذت اغتسلت وصلت ففي صورة عدم النفوذ يجب إتيان كل صلاة بوضوء‌

____________

(1) أقول و ما في باب 1 من الجنابة ح 3 أيضا يكون فيه العناوين الثلاثة و لكن البحث عن إثبات التثليث أولا ثم البحث عن الروايات غير مناسب فإنه بعد ذكر مجموع الروايات يفهم ان العناوين ثلاثة أولا، من جهة اختلاف الحكم.

(2) جبر ضعف الرواية بهذا ممنوع كما حرر في محله في بعض كتب الرجال و كون فتواه مطابقا لما نقله فيه أيضا منقوض فارجع.

106

بلا غسل و هذا حكم القليلة فقد اجتمع العناوين الثلاثة في الروايتين و لكن لا يكون إثبات العنوان له كثير أهمية بل المدار على حكم كل مورد سواء سمى قليلة أو غيرها.

اما حكم صورة كونها قليلة فقال المصنف حكمها هو وجوب الوضوء لكل صلاة و لم ينقل الخلاف فيه الّا عن بعض المخالفين و عن جماعة نسبته الى المشهور و عن الناصريات و الخلاف و ظاهر الغنية و التذكرة الإجماع عليه، و في جامع المقاصد نسبة الخلاف الى ابن عقيل في وجوب الوضوء، و في نفى الغسل الى ابن جنيد و ادعى إجماع الأصحاب بعدهما على خلافهما، و القوم و ان ذكروا أحكام الثلاثة مجتمعا في نقل الروايات و لكنا نفرق و ننقل الروايات في كل عنوان على حدة فنقول اما روايات وجوب الوضوء لكل صلاة في القليلة فهي على سبعة طوائف و يمكن إرجاعها إلى ثلاثة طوائف:

الطائفة الأولى: ما دلّ على وجوب الوضوء إذا لم يثقب الدم الكرسف فمنها ح 1 في باب 1 من الاستحاضة بقوله (عليه السلام) و ان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت و دخلت المسجد و صلت كل صلاة بوضوء و هذه يأتيها بعلها إلّا في أيام حيضها.

و منها في الباب أيضا ح 9 عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن الطامث تقعد بعدد أيامها كيف تصنع قال تستظهر بيوم أو يومين ثم هي مستحاضة فلتغتسل و تستوثق من نفسها و تصلى كل صلاة بوضوء ما لم ينفذ و منها الرضوي و قد مرّ آنفا و هذه الطائفة واضحة الدلالة لما ذكر.

الطائفة الثانية: ما كان معارضا لهذه و لكن بحيث يمكن الجمع بالإطلاق و التقييد و هي ما ورد في الباب ح 7 و موضع الاستدلال هو قوله (عليه السلام) فأن كان الدم فيها بينها (اى الظهر و العصر) و بين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتوضأ و لتصلّ عند وقت كل صلاة ما لم تطرح الكرسف عنها الحديث.

وجه المعارضة ان الدم إذا لم يسل سواء ثقب الكرسف أو لم يثقب يكفيه‌

107

الوضوء فقط فأن عدم السيلان (1) له فردان الثقب و عدمه و لكن حيث كان الإطلاق يقتضي ذلك يقيد بما مرّ من أن الدم إذا لم يثقب الكرسف يكون حكمه الوضوء لا ما إذا ثقبه.

و منها ح 13 في الباب عن أبي أبي يعفور عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا مضت أيام أقرائها اغتسلت و احتشت كرسفها و تنظر فأن ظهر على الكرسف زادت كرسفها و توضأت وصلت.

فإن هذه أيضا يقيد بما دل على أن الوضوء في صورة عدم الثقب.

الطائفة الثالثة ما كان معارضا و يكون الجمع فيها خفيف المؤنة و لكن يكون المفاد هو وجوب الغسل مطلقا سواء ثقب الدم أو لم يثقب فمنها عن الحلبي باب 1 ح 2 عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن المرأة تستحاض فقال: قال أبو جعفر (عليه السلام) سئل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن المرأة تستحاض (الى ان قال) و تغتسل المرأة الدميّة بين كل صلاتين، و الاستذفار هو ان تتطيب و تستجمر بالدخنة الحديث.

فإنها مطلقة من حيث ان المرأة يجب عليها الغسل سواء ثقب الدم الكرسف أم لا، و لا ذكر فيها من الوضوء.

و منها ح 5 عن زرارة قوله: (عليه السلام) فأن انقطع عنها الدم و الا اغتسلت و احتشت و استثفرت (و استند فرت و صلت فان جاز الدم الكرسف تعصبت و اغتسلت ثم صلت الغداة بغسل و الظهر و العصر بغسل و المغرب و العشاء بغسل و ان لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد قلت و الحائض قال مثل ذلك سواء فأن انقطع عنها الدم و الّا فهي مستحاضة الحدث.

و هذه الرواية و ان كانت في النفساء إذا لم ينقطع عنها الدم و لكن الحائض‌

____________

(1) أقول: ان التعبير بالسيلان يكون ظاهرا في صورة النفوذ ثم التجاوز و عدمه حسب هذا الظاهر واحد و هو عدم السيلان الذي يوافق مع ثقب الدم الكرسف أيضا ففي صورة الثقب أيضا يكون الظاهر هو الاكتفاء بالوضوء فتقيد بما مرّ.

108

أيضا كما ذكر فيها مثل النفساء، إذا لم ينقطع عنها الدم، و هي متعرضة للغسل فقط لا للوضوء، و هكذا ح 4 في الباب و لكن الجمع يقتضي هو التقييد بما مرّ من أنه إذا لم يثقب الدم الكرسف يجب الوضوء فقط عند كل صلاة و اما قضية الجمع بين الصلاتين فيمكن أن يكون من باب عدم الاحتياج الى الوضوء من باب أن الغسل أنقى منه و ما نص فيه على وجوب الوضوء يقدم عليها بالإطلاق و التقييد و اما الدلالة على ثلاثة أغسال في الحدث الرابع مطلقا فيقيد بذيل ح 5 و ان لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد و بذيل ح 9 (1).

الطائفة الرابعة (2) ما يكون معارضة للأولى و لكن الجمع بينهما مشكل جدا و لذا يحدث أقوال في مقابل المشهور و منها قول المحقق الخراساني (قده) الذي أشرنا إليه فيما مرّ و هي (في باب 4 من أبواب الحيض ح 1) عن محمد بن مسلم قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة ترى الصفرة فقال لا تصلى حتى تنقضي أيامها و أن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت و صلت.

فإنها في خصوص الصفرة يكون الأمر بالوضوء فقط لا الغسل و بإطلاقها يشمل صورة نفوذ الدم و عدمه.

و في ح 8 في الباب قال (عليه السلام) «ما دامت ترى الصفرة فلنتوضأ من الصفرة و تصلى و لا غسل عليها من صفرة تراها إلّا في أيام طمثها» الحديث. و هي ناصة في عدم وجوب الغسل بواسطة الصفرة سواء نفذ الدم أو لم ينفذ.

____________

(1) أقول ان ذيلها لا يكون صريحا في الوحدة الّا ان يقال صرف الوجود من الغسل هو المراد و هذه القاعدة في الأوامر يتمسك بها إذا لم يكن لنا دليل على التفصيل بين تجاوز الدم عن الكرسف و عدمه كما في الروايات.

(2) لم يذكر مد ظله السبعة و لكن حيث ان الروايات في الصفرة بعضها في وجوب الغسل و بعضها في وجوب الوضوء تحدث طائفة خامسة و بضميمة رواية محمد بن مسلم الذي يتمسك به المحقق الخراساني (قده) للتفصيل بين الصفرة القليلة و الكثيرة تحدث طائفة سادسة و لم نجد السابعة.

109

و في ح 7 في الباب قوله فإن رأت صفرة بعد غسلها (اى بعد غسلها من الحيض) فلا غسل عليها يجزيها الوضوء عند كل صلاة و تصلى و كذلك ما في باب من الاستحاضة ح 6 موثقة عن سماعة قال المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة و الوضوء لكل صلاة الى ان قال هذا ان كان دما عبيطا و ان كان صفرة فعليها الوضوء.

لا يقال الروايات التي في الصفرة تكون متعارضة في نفسها من جهة وجوب الغسل و عدمه كما ورد الأمر في رواية إسحاق بن عمار باب 30 من أبواب الحيض ح 6 قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم و اليومين قال: ان كان دما عبيطا فلا تصلى ذينك اليومين و ان كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين.

و مثله ما عن عبد الرحمن بن الحجاج (باب 5 من أبواب النفاس ح 2) قوله ان كانت صفرة فلتغتسل و لتصل و لا تمسك عن الصلاة.

فإن كلتا الروايتين يكون الأمر فيها بالغسل فيتعارض مع ما دل على وجوب الوضوء فقط عند الصفرة فعلى هذا يجب تقديم ما دل على وجوب الغسل لضعف ما دلّ على الوضوء فقط لانه منقول عن قرب الاسناد (1) لأنا نقول يمكن ان يقال ما دل على وجوب الغسل يكون في صورة كون الصفرة كثيرة و ما دل على الوضوء فقط يكون في صورة كونها قليلة بشهادة رواية محمد بن مسلم عنه عن أبيه عن بعض رجاله (باب 30 من الحيض ح 16) عن أحدهما في الحبلى و ان كان قليلا اصفر فليس عليها الا الوضوء. و يكون هذا سند الخراساني (قده) في قوله بوجوب الغسل في الصفرة الكثيرة سواء ثقب الدم الكرسف و جاز أم لا و وجوب الوضوء فقط إذا كانت الصفرة قليلة سواء ثقب أم لا. و سنده في التفصيل بالنسبة إلى صورة كون الدم‌

____________

(1) أقول ما هو المنقول عنه يكون ح 7 في باب 4 من الحيض فقط و البقية لا تكون منقولة عنه منها جمع فعلى هذا لا بد من حمل ما دل على وجوب الغسل على الكثيرة و ما دل على الوضوء فقط على القليلة.

110

أحمر موثقة سماعة (باب 1 من الاستحاضة ح 6) قال المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين و للفجر غسلا و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة و الوضوء لكل صلاة (إلى قوله) هذا ان كان دمها عبيطا و هو (قده) جعل الصدر قرينة للذيل فيقول كما ان الصدر يكون المراد بالثقب هو عدم تجاوز الدم عن الكرسف بل صرف النفوذ فيه فيكون المراد بالذيل أيضا بقوله «و ان لم يجز الدم» هو عدم الثقب لا عدم السيلان، فيقول الحمرة ان ثقبت سواء جاوزت أم لا، يجب فيها ثلاثة أغسال و هي ان لم يثقب فيها غسل واحد فلا فرق بين القليلة و المتوسطة عنده في وجوب الغسل. فتحصل مما ذكرناه ما هو سند الخراساني (قده) لقوله بخلاف المشهور.

و الجواب عنه هو انه كما أن الصدر قرينة للذيل يمكن ان يكون الذيل قرينة للصدر بان يكون المراد بثقب الدم هو صورة التجاوز عن الكرسف، فالمراد بعدم التجاوز هو الصادق في صورة عدم السيلان و عدم النفوذ أصلا، فيقيّد بما دلّ على أن ما لم يثقب، فيه الوضوء فقط، و ما ثقب و لم يتجاوز فيه الغسل الواحد، كما هو مفاد هذا الذيل كما في رواية 1 باب 1 من الاستحاضة و في رواية 8 منه فتكون هذه الرواية بهذا البيان موافقة للمشهور و لا يكون سندا له في الحمرة.

و اما تفصيله في الصفرة فأيضا غير تام لان المراد بالصفرة حسب ما هو الواقع من الدم القليل الذي لا يثقب لان الدم في اوله و آخره يكون قلته سببا لئلا يكون له لون الاحمرار كما ان التعبير بالحمرة يكون لكونها كاشفة عن الكثرة فإن الدم إذا كان كثيرا يكون له هذه الصفة إما بحيث يثقب فقط أو يسيل أيضا و يمكن الجواب أيضا بأن الموضوع في الحكم يكون هو الدم في الروايات و النفوذ و عدمه يكون بالنسبة اليه و كونه أصفر و أحمر يكون من صفاته فالفرق فيه بالصفرة و الحمرة لا وجه له.

و اما ما ذكره من رواية محمد بن مسلم (باب 30 من الحيض ح 16) شاهدا‌

111

للتفصيل فيكون ضعيف (1) السند لأن في سنده ثلاثة (2) مجاهيل.

ثم انه ينتصر بان المدار على الصدر فيكون المراد من الذيل من قوله (3) (عليه السلام) «ان لم يجز» ان لم يثقب و الّا فيلزم الحمل على الفرد النادر إذا كان المراد به عدم السيلان فالعنوان هو الثقب. و فيه انه لو كان المدار على عدم الثقب فلم لا يقول بهذا التعبير الامام (عليه السلام)؟ و اما الحمل على الفرد النادر أيضا فغير صحيح لعدم الندرة.

قوله: فريضة كانت أو نافلة.

أقول صرح بوجوب الوضوء لكل صلاة و لو كانت نافلة غير واحد من الأصحاب كما في كشف اللثام لا فرق بين الفرائض و النوافل فلا تجمع بين فريضة و نافلة بوضوء و دل عليه ما في باب 1 من الاستحاضة ح 1 و ح 9 فان الوضوء لكل صلاة يكون شاملا لصلاة النافلة أيضا فإن لفظة كل صريح في العموم.

و ادعاء الانصراف إلى اليومية، مندفع لان المسلمين من صدر الإسلام كانوا يتنفّلون متصلا بفرائضهم فلا يكون وجها للقول بالانصراف مع شيوع النافلة كالفريضة‌

____________

(1) أقول و مع قطع النظر عنه فقوله «ان كان قليلا اصفر» يمكن ان يقال ان الاصفرار فيه قيد توضيحي للقلة أي القليل يكون أصفر كما ان الكثير أيضا قيد توضيحي لقوله ان كان دما أحمر كثيرا فله مد ظله هذا الحمل كما ذكره آنفا.

و لكن يبقى اشكال و هو انه لو كان المراد من الصفرة القلة فلما ذا في بعض الروايات التي ذكرت يكون الأمر بالغسل مع الصفرة؟

(2) أقول انه ما وجدنا الثلاثة إلّا قوله عن بعض رجاله في السند و هو مجهول.

(3) أقول الظاهر ان الصدر و الذيل كليهما عبارتان مستقلتان و لا داعي لنا لحمل أحدهما على الآخر و لكن حيث لا يوافق المشهور و لا مذهب الخراساني (قده) فلا بد من رفع اليد عن ظهور أحدهما و حينئذ فرفع اليد عن ظهور الثقب بقرينة سائر الروايات أسهل من رفع اليد عن ظهور التجاوز.

112

و اما القول بان الوضوء لكل صلاة حرجي، ففيه ان الحرج (1) لا يكون رافعا للحكم الّا ان يكون في لسان دليل حكمة للرفع مثل ما يكون الحرج حكمة لرفع الحكم عن الحديد من حيث النجاسة فالحرج الشخصي يختص بمورده و لا فرق بعد حصوله بين ان يكون رافعا للشرط أو المشروط و هو الصلاة لأن الصلاة لا تتحقق بدون الطهور لقوله (عليه السلام) «لا صلاة الّا بطهور» فتسقط الصلاة مضافا بان دليل الحرج يرفع الحكم الإلزامي لا الحكم الاستحبابي فيمكن ان يتقبل احد الحرج لرفع الدرجة عند اللّه و يمكن ان لا يتقبل فان شاء فعل، و ان لم يشأ لم يفعل، فالوضوء واجب للنوافل أيضا.

قوله: و تبديل القطنة أو تطهيرها.

أقول: قال في الجواهر فقد نص على وجوب تغيير القطنة في الناصريات و الغنية و المنتهى، و التذكرة، و الإرشاد، و المعتبر، و النافع، و الجامع، و السرائر، و التحرير و الذكرى، و اللمعة، و الدروس، و جامع المقاصد، و الروض، و غيرها و هو المشهور نقلا و تحصيلا، و في صدر عبارة الأول الإجماع مع نقل عباراتهم، و الحق انه لا دليل عليه في المقام إلّا لإجماع و هو معتبر هنا لأن هؤلاء الكملين بعد وجود الإطلاقات التي دلت على عدم الوجوب لفظيا أو مقاميا، لان المقام مقام البيان و لم يذكر الّا الوضوء، إذا أفتوا بذلك يطمئن النفس بوجود دليل معتبر عندهم.

و اما الاستدلال بأنه من الدماء الغير المعفوّ في الصلاة كدم الحيض فلا يتم لعدم الدليل على وحدة دم الحيض و الاستحاضة. و ثانيا يكون هذا الدم في الباطن و ما هو غير معفوّ يكون في الظاهر و كذلك الاستدلال بأنه يكون من المحمول النجس لانه لا يكون له دليل من أصله و ثانيا يكون هذا محمول في الباطن و لا يشمله الدليل لو كان‌

____________

(1) أقول انه لو فرض حرجية الوضوء فلا حرج في التيمم غالبا بدلا عنه في كل مورد كان الوضوء حرجيا.

113

لانصرافه عنه فالسند هو الإجماع الكشفى على وجوب التغيير، و اما وجوب تبديل الخرقة فهو بالأولوية فإنه إذا كان الواجب تغيير ما في الباطن للنجاسة يكون تغيير ما في الظاهر بالأولوية.

[الثانية: ان يغمس الدم في القطنة]

قوله: الثانية: ان يغمس الدم في القطنة و لا يسيل الى خارجها من الخرقة و يكفى الغمس في بعض أطرافها و حكمها مضافا الى ما ذكر غسل قبل الصلاة الغداة.

أقول المستحاضة المتوسطة لها أحكام أربعة: الأول وجوب الوضوء لكل صلاة و لا خلاف فيه في غير صلاة الغداة و اما فيها فيكون المشهور أيضا وجوب الوضوء و يخالفه عدة من الكملين كالمبسوط و الخلاف و غيرهما ظنا منهم ان الغسل يكفى عن الوضوء لانه ورد «اى وضوء انقى من الغسل» و الدليل عليه ما ورد (في باب 1 من الجنابة ح 3) قوله (عليه السلام): «غسل المستحاضة (الاستحاضة خ ل) واجب إذا احتشت بالكرسف و جاز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين و للفجر غسل، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة و الوضوء لكل صلاة الحديث.

و تقريبها ان لفظ كل عام يشمل حتى صلاة الصبح.

و في باب 1 من الاستحاضة ح 6 قوله (عليه السلام) «و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة و الوضوء لكل صلاة» و تقريبها كما مر. و في ح 7 أيضا قوله (عليه السلام) «و ان طرحت الكرسف عنها و لم يغسل الدم فلتوضأ و لتصل و لا غسل عليها الحديث. و تقريبها ان إطلاق «فلتوضأ» يظهر منه انه لا فرق بين الصلوات و ليست الدلالة فيها بقوة ما سبقها.

و اما ما توهم لعدم وجوب الوضوء مع الغسل مستندا بما ورد من انه اى وضوء انقى من الغسل. ففيه أولا على فرض تسليم هذا السند فمختص بصورة كون الغسل بعد تمامية الحدث كما في صورة انقطاع الدم في الحيض و اما الغسل في الوسط‌

114

فلا يشمله ذاك الدليل، و اما الوضوء فلا يضر بصحته استمرار حدث الاستحاضة فإن له الأثر على حدة.

و ثانيا ان الرواية يكون لها معارض في بابه و لا يكتفى بغير غسل الجنابة عن الوضوء كما هو مذهب القدماء، و لا يتم مذهب من قال بكفاية كل غسل عن الوضوء كما مر في الحيض فعلى هذا الغسل بعد انقطاع دم الاستحاضة أيضا لا يكفى فضلا عما كان في وسطه.

و ثالثا لو كان لنا قاعدة عامة للكفاية في كل غسل فتخصص بما ورد من الروايات بوجوب الوضوء مع الاستحاضة كما مرّ.

و اما تغيير القطنة في المقام، فعن مفتاح الكرامة كأنه مما لا خلاف فيه عندهم، و عن شرح الدروس لفخر الإسلام إجماع المسلمين عليه، و يشهد له ما (في رواية 8 من باب 1 من الاستحاضة) عن عبد الرحمن ابن ابى عبد اللّه قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المستحاضة الى ان قال فأن ظهر عن الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلّي فإن كان دما سائلا إلى الصلاة ثم تصلّى صلاتين بغسل واحد.

و الذيل فيها قرينة على أن الصدر يكون المراد به المتوسطة بقوله (عليه السلام) «و ان كان دما سائلا» و المراد بوضع كرسف آخر يكون لمانعية الدم للصلاة، فيكون التغيير لها لا أن يكون من باب انه ممّا هو دخيل في الغسل و لكن المانعية حيثية بمعنى أنه بقدر الإمكان يجب منع الدم، لا دائما. لا يقال لنا شاهد على انه يكون للغسل فأن من اغتسل غالبا يطرح القطنة عنها فيجب ان تضع اخرى مكانها لا أنه يجب التبديل عند كل صلاة. لأنا نقول ان القطنة لا تطرح غالبا الّا ان تخرجها بوسيلة فهو اى التبديل اما يكون له وجوب نفسي و هو بعيد أو وجوب شرطي للغسل و هو أيضا بعيد فيكون له وجوب شرطي للصلاة.

و يمكن الاستدلال له بالأولوية فإن الإجماع القطعي إذا كان في صورة كون الاستحاضة قليلة على التبديل يمكن ادعاء الأولوية في المقام. لا يقال في المقام أيضا‌

115

يكون الإجماع على وجوب التبديل، لأنا نقول حيث كان هنا الرواية التي يمكن الاستدلال بها، يحتمل ان تكون سندا له بخلاف ذلك المقام فأن الدليل على خلافه و هو الإطلاقات في وجوب الوضوء و عدم ذكر التبديل كان موجودا و مع ذلك أفتوا على خلافها، فهو إجماع قطعي يستفاد منه الأولوية و خالفنا المحقق الهمداني (قده) في المقام فراجع الى طهارته.

و اما وجوب الغسل فعن جماعة الإجماع عليه، انّما الخلاف في الاكتفاء به، أو الاحتياج الى غسلين آخرين فتكون المتوسطة مثل الكثيرة و المشهور هو الاكتفاء بالغسل في الصبح فقط، و عن العماني و الإسكافي و المعتبر و المنتهى، الثاني أي وجوب ثلاثة أغسال قال في المعتبر «و الذي ظهر لي انه ان ظهر الدم على الكرسف وجب ثلاثة أغسال و ان لم يظهر لم يكن عليها غسل و كان عليها الوضوء لكل صلاة» و في المنتهى بعد ما روى صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) (باب 1 من الاستحاضة ح 1) في المستحاضة فإذا جازت أيامها و رأت الدم يثقب الكرسف، اغتسلت للظهر و العصر، تؤخر هذه و تعجل هذه، و للمغرب و العشاء غسلا، تؤخر هذه و تعجل هذه، و تغتسل للصبح. قال (ره) «و هذا رواية صحيحة عليها اعمل» و تبعهم جماعة من متأخري المتأخرين كالأردبيلي و تلميذيه و الشيخ البهائي في الحبل المتين.

و تقريب الاستدلال أن في هذه الرواية جعل المدار على ثقب الدم و عدمه و لا يكون فيها ذكر عن ثلاثة أغسال و في كلمات المشهور شبه دور، لقولهم بأن إطلاق كل يقيد بالآخر اى ما دلّ على وجوب الوضوء فقط للمستحاضة يقيد بما دلّ على وجوب الغسل في المتوسطة و الكثيرة و ما دل على وجوب الغسل مطلقا يقيد بما دل على وجوب الوضوء في صورة كونها قليلة و يكون لنا روايات يمكن ان تكون هي المرجع.

و اما الإطلاقات فمنها ما ورد في باب 1 من الجنابة ح 3 قوله (عليه السلام) «و ان لم يجز‌

116

الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرّة و الوضوء لكل صلاة» و تقريبها (1) انه (عليه السلام) في صورة تجاوز الدم حكم بثلاثة أغسال و في صورة عدم التجاوز حكم بغسل واحد، و عدمه يكون له فردان، عدم الثقب أصلا أو الثقب فقط، فتقيد بما دل على أن الثقب إذا لم يكن لا يكون الّا الوضوء، كما في باب 1 من الاستحاضة ح 9 قوله (عليه السلام) «و تصلى كل صلاة بوضوء ما لم ينفذ». و كذلك ما ورد في باب 4 من من الحيض في ح 7 قوله (عليه السلام): «فإن رأت صفرة بعد غسلها اى بعد غسل الحيض فلا غسل عليها يجزيها الوضوء عند كل صلاة تصلى» بعد حمل الصفرة على القليلة كما مرّ، و كذلك ح 8 في الباب.

و من الإطلاقات (ما في باب 1 من الاستحاضة ح 6) موثقة سماعة قوله (عليه السلام) «و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرّة و الوضوء لكل صلاة».

و تقريبها كما مرّ من ان عدم الجواز يشمل عدم الثقب أيضا و في مورده يحكم بوجوب الغسل و قد مرّ في حكم القليلة ان الذيل قرينة على الصدر، و المراد بالصدر، الكثيرة، و المراد بالذيل المتوسطة بتقييد إطلاقه بما مرّ من عدم وجوب الّا الوضوء في صورة عدم النفوذ. و كذلك يقيد ما في ح 5 في الباب قوله (عليه السلام): «و ان لم يجز الدم صلت بغسل واحد» و إضماره لا يضر لأنه يكون من تقطيع (2) الرواية لأن الشيخ ذكره مسندا‌

____________

(1) أقول لم يجز يكون ظاهرا في ما ثقب لا فيما لم يثقب أيضا كما مرّ فانّ الجواز فرع الثقب، فتكون في حكم المتوسطة فقط، و لا معارضة.

(2) أقول ان ما ذكره صاحب الجواهر عن الشيخ هو انه أسنده في أثناء الاستدلال الى ابى جعفر (عليه السلام) و لعله استظهر ان يكون الإمام الذي نقل الراوي بالإضمار عنه هو الباقر (عليه السلام)، لا أن يكون مسندا و على فرض التسليم فتعبيره (مد ظله) انه من تقطيع الرواية لا يتم لأن معنى التقطيع هو قطع قسمة من الرواية من صدرها لا عدم ذكر السند تاما، و هذه الرواية ليست كذلك و لكنه من المسامحة في التعبير و ليس بشي‌ء.

117

الى ابى جعفر (عليه السلام) مع انه لا يضر الإضمار إذا كان عن أمثال زرارة الذين لا يروون الّا عن الامام (عليه السلام).

و من الإطلاقات أيضا ما في باب 1 من الاستحاضة ح 7 قوله (عليه السلام) «فأن طرحت الكرسف فسال الدم وجب عليها الغسل» و تقريبها بإطلاقها و في الباب ح 8 قوله (عليه السلام) «فأن ظهر على (عن) الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر الحديث و منها الرضوي و قد مرّ.

اما سند المخالف للمطلقات فموثق معاوية بن عمار (في باب 1 من الاستحاضة ح 1) قوله (عليه السلام) «فإذا جازت أيامها و رأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر و العصر (الى قوله (عليه السلام) «و ان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت و دخلت المسجد و صلت كل صلاة بوضوء» الحديث و حاصلها ان في صورة ثقب الدم وجب الغسل للصبح و الظهر و العصر و المغرب و العشاء، فإنها دالة على وجوب الأغسال الثلاثة في المتوسطة و هكذا مصحح ابن سنان في باب 1 من الاستحاضة ح 4، فإنها بإطلاقها دلت على وجوب ثلاثة أغسال.

و الجواب هو ان المرجع هو الروايات المفصلة لبيان حكم القليلة و المتوسطة و الكثيرة و هذه الإطلاقات تحمل عليها. و اما ما في المنتهى في مقام بيان ضعف سند المشهور بأن في رواياتها الضعف لأن في طريق بعضها من هو واقفي و في طريق بعضها من هو فطحي و في طريق بعضها من هو مجهول الحال و بعضها يكون المروي عنه مجهولا و من الممكن ان لا يكون هو الإمام (عليه السلام)، فلا يتم بالتأمل فيما ذكرناه بعد كونها متلقّاة بالقبول عند الأصحاب و الإضمار أيضا كما مرّ لا يضر فالحق مع المشهور في وجوب الغسل للصبح.

ثم انه هل يكون وجوبه وجوبا نفسيا أو شرطيا فيه بحث و قد ذكر الشيخ الأعظم (قده) في الطهارة ص 231 احتمالاته: الأول- ان يكون الوجوب نفسيا في كل يوم كما انه يستحب الغسل للجمعة بالاستحباب النفسي و سائر الأغسال الزمانية فيكون‌

118

المستحاضة أيضا كذلك في وجوب الغسل كل يوم. الثاني ان يكون وجوبه شرطيا لصلاة الصبح و غيره بمعنى انه لو لم تأت به لا يكون صلوته في الصبح صحيحا و يجب إتيانه للظهر و العصر، و على فرض الترك فللمغرب و العشاء، لأن تحصيل الشرط لازم ما أمكن، و نقل الشيخ الأنصاري (قده) الإجماع على هذا الاحتمال و أن المراد من الروايات هو هذا و لو ترك في الصبح و لم يأت به لبقية الصلوات تبطل الكل الثالث الوجوب الشرطي لكل صلاة ان ظهر الدم قبل الصبح فصارت متوسطة قبله بحيث لو تركته يجب لسائر الصلوات و أما أن لم يظهر الدم قبله فلا يجب للبقية أيضا و ان احتمل ان يكون واجبا لصلاة الصبح إذا قضت فتكون بالنسبة إلى البقية كالحدث الأصغر و هو مختارها (قده) الرابع ان يكون واجبا شرطيا لكن لا بنحو الشرط المتقدم فقط بل من باب الشرط المتأخر أو المتقدم فلو اغتسلت للظهر يكفي لصحة الصبح أيضا و هكذا لو اغتسلت للمغرب و العشاء بنحو الشرط المتأخر يكفى للصبح و الظهر و العصر فكل يوم يكفى غسل واحد فيه في أي وقت كان من أوقات الصلوات.

و السند لعدم الخصوصية لصلاة الغداة هو ان بعض الروايات يكون لسانها ان الغسل كل يوم مرّة (كما في باب 1 من الاستحاضة ح 7) و الظاهر من اليوم هو أن هذا الغسل لليوم لا للصلاة و الشاهد عليه أن الروايات في الكثيرة تدل على ان الغسل للظهر و العصر و لصلاة الغداة و المغرب و العشاء فلو كان في المقام أيضا شرطا للصلاة يجب التصريح بهذا كما صرّح به هناك.

و يمكن الجواب عنه بأن تناسب الحكم و الموضوع يقتضي ان يكون المراد منه الغسل للصلاة لكون الاستحاضة حدثا مانعا من الصلاة كما هو مختار الشهيد في البيان بأن الدم إذا لم يكن في وقت الصبح يكون كالحدث الأصغر فيما بعده للظهرين و العشائين فلا يوجب الغسل أيضا كما مرّ نقله عن الشيخ الأنصاري في الطهارة و على فرض كون الشرطية مطلقة من حيث التقدم و التأخر، يلزم ان يكون الغسل للظهر‌

119

و العصر شرطا لصلاة الصبح المتقدم و لو لم يكن الدم وقت الصبح موجودا نظير الشرط المتأخر في البيع الفضولي فعلى فرض كون الكشف حقيقيا يلزم ان يكون المتأخر دخيلا في المتقدم و حيث لا يتصور تأثير المتأخر في المتقدم لا يصح هذا القسم من الكشف و على فرض الكشف الانقلابي بمعنى انه في المتأخر يعتبر الصحة من الزمان المتقدم كما انه يعتبر صحة البيع الفضولي من زمان وقوعه لترتيب الأثر من وقته مثل الحكم بكون النماء للمشترى، و هذا القسم من الكشف يتصور و لكن هذا يكون في المقام مجرد تصوير محض، فإنه لا معنى للقول ببطلان صلاة من لا تكون مستحاضة في الصبح فأن الظاهر انه شرط للصلاة بنحو الشرط المتقدم.

لا يقال الغسل حيث لا يكون رافعا للحدث ضرورة استمراره حيث لم ينقطع الدم أصلا، فلا فرق ان يكون متقدما أو متأخرا، نعم لو كان رافعا يصح ان يقال رفع الحدث شرط للصلاة لأنا نقول هذا يكون في حكم الرفع و يوجب إباحتها و تناسب الحكم و الموضوع يحكم بأن المبيح يجب ان يكون قبل الصلاة أيضا لا بنحو الشرط المتأخر، و الشاهد ما ورد في باب 1 من الاستحاضة ح 5 فأن الصدر متعرض لحكم الكثيرة و الذيل متعرض لحكم المتوسطة و المراد بقوله (عليه السلام) فيها «صلت بغسل واحد» هو انه كما ان الصلوات الخمس في الكثيرة تحتاج إلى أغسال ثلاثة يحتاج جميع صلوات المستحاضة في المتوسطة إلى غسل واحد بنحو الشرطية فيجب ان يكون للصبح حتى يكون شرط الجميع حاصلا، هكذا استفاد الشيخ الأعظم (قده) من الروايات ثم حمل كلام المخالفين القائلين بأن هذا الغسل يكون لخصوص الصلاة في الغداة لا لسائر الصلوات. أن المراد بأنه للغداة هو عدم وجوب الغسل بالنسبة إلى غيره مستقلا بل يجب الوضوء فقط فعدم وجوب الغسل لبقية الصلوات و نفيه لا ينافي ان يكون الغسل للغداة شرطا للجميع.

و فيه ان هذا خلاف ظاهر الكلمات، و قال أيضا: لم يثبت إجماع على مخالفة‌

120

ما ذكرناه من كونه شرطا للجميع فيكون المتيقن ما ذكرنا انتهى كلامه الحق معه (1).

في حكم المستحاضة الكثيرة من الغسل و الوضوء

[و الثالثة أن يغمس الدم في القطنة]

و الثالثة أن يغمس الدم في القطنة و لا يسيل الى خارجها من الخرقة و يجب مضافا الى ما ذكر و الى تبديل الخرقة أو تطهيرها غسل آخر للظهرين تجمع بينهما و الاولى كونه في آخر وقت فضيلة الأولى حتى يكون كل من الصلاتين في وقت الفضيلة و يجوز تفريق الصلوات و الإتيان بخمس أغسال و لا يجوز الجمع بين أزيد من صلاتين بغسل واحد.

أقول (2) حيث أن وجوب الوضوء يكون الاختلاف هنا فيه أكثر من المتوسطة فلا بد للتعرض له في المقام أيضا مستقلا و ما هو المستفاد من الكلمات هو أقوال ثلاثة: الأول عدم الوجوب مطلقا و الثاني الوجوب مطلقا و الثالث التفصيل بأن يقال لا يجب خمس وضوئات لخمس صلوات كما هو المشهور بل كل صلاة يكون معها الغسل يكون معها الوضوء أيضا، فحيث أن الواجب هو خمس صلوات بثلاثة أغسال غسل للصبح و غسل للظهرين و غسل للعشائين فيكفي ثلاث وضوئات للصبح و الظهر و المغرب.

اما سند القائلين بالوجوب مطلقا فالآية الكريمة «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ.» فكل وقت تجب الصلاة يجب الوضوء و قوله (عليه السلام) في الرواية «لا صلاة الّا بطهور» و أولوية المقام بالنسبة إلى المتوسطة فحيث يكون الحكم فيها بوجوب الوضوء لكل صلاة مع قلة الدم يجب ان يقال في المقام أيضا بوجوبه لانه‌

____________

(1) أقول ان وجهه ان سائر الاحتمالات خلاف الظاهر من الروايات لاستفادة الشرطية للصورة من قوله (عليه السلام) «صلت بغسل واحد» و انه ليس بزماني و يستفاد من قوله (عليه السلام) «كل يوم مرّة» انه لو لم يكن للصبح لم يسقط بالنسبة الى ما بعده.

(2) أقول محل هذا البحث في الجواهر ص 330

121

أكثر فالمقتضي للوجوب تام، و اما المانع فهو أن الوضوء مع الغسل لا معنى له لقوله (عليه السلام) «اى وضوء انقى من الغسل». و فيه ان الرواية لها معارض و قد مر البحث فيها من باب الحيض و في المقام ذكرنا الفارق أيضا من انه يكون الغسل في وسط الحدث لا بعد انقطاعه على فرض تسليمها في ما بعد الانقطاع هذا هو المانع الأول و جوابه.

و المانع الثاني هو ان الروايات في المقام بعد كونها في مقام البيان حيث بيّن وجوب الغسل و لم يبين وجوب الوصف نفهم منها عدم وجوبه مع ان المتوسطة يكون وجوب الوضوء مذكورا في رواياتها و هذا هو الفارق بين المقامين. و الجواب عنه هو أنا استفدنا من روايات المتوسطة ان دم الاستحاضة نحو دم لا يغني الغسل لها عن الوضوء، و الّا لكفى في المتوسطة أيضا. و المقام اولى بعدم الكفاية أو يقال ان المتفاهم العرفي من موثقتي سماعة هو ذلك لا الأولوية.

مضافا الى ما في مرسلة يونس باب 5 من الحيض ح 1 و في الحديث قوله (عليه السلام) «في سنة التي تعرف أيامها فلتدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل و تتوضأ لكل صلاة قيل و ان سال قال: و ان سال مثل المثقب» و تقريبها انه (عليه السلام) في صورة السيلان حكم بوجوب الوضوء و إطلاقها و ان اقتضى عدم الاحتياج الى الغسل في جميع أفراد المستحاضة و لكن يقيد بما دل على وجوبه، لان الظاهر من قوله (عليه السلام) «تغتسل» هو وجوب الغسل للحيض. و لا يقال ان الظاهر من الاغتسال هو الاغتسال للاستحاضة لا الحيض، و الّا لزم إهماله مع أن بيانه أهم من بيان الوضوء لأهمية الغسل و عليهذا فيكون الظرف و هو قوله «لكل صلاة» متعلقا بالغسل و الوضوء كليهما اى يتوضأ لكل صلاة و يغتسل لكل صلاة و هو خلاف الإجماع لعدم القول بوجوب خمسة أغسال في الكثيرة. لأنا نقول ان الظاهر هو ان المراد من الغسل هو غسل الحيض و لا يلزم إهمال غسل الاستحاضة بعد ذكرها في روايات عديدة، و يمكن انقلاب المطلب عليه، و هو ان يقال لو كان الغسل للاستحاضة يلزم‌

122

إهمال بيان غسل الحيض، فلا إشكال في الإهمال هنا بعد إمكان تخصيصه بالإجماع على وجوب الغسل.

هذا كله بيان الدليل و اما إذا وصلت النوبة إلى الشك في وجوبه فالأصل ادعاه الشيخ الأنصاري (قده) على عدم إباحة الصلاة بدون الوضوء. و فيه ان هذا من استصحاب كلى القسم الثالث فأنا لا ندري هل أوجب الدم حدثا للوضوء أم لا؟

فان لم يحدث فلا يجب قطعا، و ان أحدث فيجب قطعا، و هو غير جار على التحقيق الّا ان يقال ان الاستحاضة تكون هنا كاللون في انها ذات مراتب فان كانت المرتبة القوية فهي باقية و لكن هذا لا يتم لان اختلاف أحكامها يؤذن بالاختلاف في الموضوعية فالأصل يقتضي البراءة عن وجوب الوضوء، و لكن لا تصل النوبة الى الأصل بعد ما مر من الدليل على وجوبه.

ثم انه لا بأس بالإشارة الى ما عن المحقق الهمداني (قده) (1) في المقام فإنه أيّد عدم وجوب الوضوء بان الروايات في الكثيرة حيث كانت في مقام البيان و لم يبيّن الوضوء فلا يجب و حمل ما مرّ من رواية سماعة (في باب الاستحاضة و الجنابة) على استحباب الوضوء بهذه القرينة، أهون من القول بوجوبه، على ان مورد الموثقتين في صورة عدم كون الدم كثيرة و لا متوسطة بل في مورد القليلة بقوله «و ان لم يجز الدم الكرسف الغسل لكل يوم مرة و الوضوء لكل صلاة». و لا بد في الدلالة على غيرها بالتمسك بإطلاق قوله (عليه السلام) «و الوضوء لكل صلاة» و هو مشكل مع وجود روايات البيان و اما المراد من مرسلة يونس من الغسل فهو الغسل للحيض مقدمة للصلاة لا أن الوضوء أيضا يجب في الكثيرة و اشتمالها على حكم الاستحاضة يكون بنحو الإهمال و في الجملة، مستندا الى غيرها من الروايات فلا تكون سندا للقول بوجوب الوضوء في الكثيرة.

و فيه ان الإطلاق في الموثقتين يقيد بالروايات الدالة على وجوب الغسل في‌

____________

(1) في ص 323 و 324 من كتاب الطهارة.

123

المتوسطة و الكثيرة لأن القليلة أيضا تحتاج الى الغسل فالقول بان الوضوء لازم في الكثيرة أيضا، أهون من القول بالاستحباب، مع ضم الارتكاز في صدر الإسلام بإتيان الصلوات الخمس في خمس أوقات، و منع هذا الارتكاز ممنوع. و اما المرسلة فنقول فيها يكون الوضوء لكل صلاة متعرضا لحكم المستحاضة في صورة سيلان الدم، و الغسل يكون المراد به غسل الحيض و وجوب الغسل هنا في الاستحاضة يكون بدليل آخر فليس الدليل مهملا من هذا الحيث.

و اما مستند القول الثالث و هو التفصيل بأن الوضوء واجب بقدر وجوب الغسل فأن كان واحدا، فواحد و ان كان ثلاثا، فثلاث وضوئات كما هو مختار الشيخ الأنصاري (قده) (1) و نقله عن المقنعة، و الجمل، و المعتبر، و ابن طاوس، و شارح المفاتيح، و سيد الرياض، فإنه (قده) قال في الطهارة بما هذه عبارته خيرها (اى خير الأقوال) أوسطها (و المراد بالأوسط ما ذكرناه فإنه ذكره وسطا فيما تقدم من عبارته) لما تقدم من عدم كفاية الغسل عن الوضوء الّا غسل الجنابة و عدم الدليل على الأخير (أي القول بالوضوء لكل صلاة) مع ورود الأخبار في مقام البيان (و لم يذكر الوضوء فيها) عدا ما ربما يقال من ان نقض القليل من هذا الدم للوضوء يوجب نقض الكثير منه له بطريق اولى.

و فيه ما لا يخفى لأنه لا قياس محض كما لا يخفى ما في التمسك بعموم آية الوضوء و الشارح في الروض قال ان الأخبار الصحيحة دلت على المشهور و لم نعثر على واحد منها كما اعترف به المحقق الأردبيلي و لمح اليه جمال الملة في حاشية الروضة نعم ربما يحتمل ذلك في قوله في مرسلة يونس «ثم تغتسل و تتوضأ لكل صلاة» لكن الظاهر ان المراد بالاغتسال غسل الاستحاضة لا الحيض، و الّا لزم السكوت عن غسل الاستحاضة، مع ان بيانه أهم من الوضوء فقوله «تغتسل و تتوضأ» الظاهر منه ان المراد به الوضوء الذي لا بد في الغسل بناء على جعل الظرف متعلقا‌

____________

(1) كلام الشيخ قده في طهارته ص 233.

124

بالمجموع فهو محمول على الاستحباب لا محالة لما سيأتي من عدم وجوب الاغتسال لكل صلاة إجماعا و انما الكلام في مشروعيته كما ستعرف نعم لو أريد من قوله (عليه السلام) «لكل صلاة» وقت الصلاة، تعين حمله على الوجوب لكنه يثبت المختار و احتمال اختصاص من الظرف بخصوص التوضي فقط خلاف الظاهر كما لا يخفى فالقول بلزوم الوضوء زيادة على الوضوء الجامع للغسل ضعيف انتهى كلامه رفع مقامه.

و فيه ان المراد بالغسل هو غسل الحيض و الّا لزم إهماله أيضا و المراد بالوضوء هو الوضوء للاستحاضة و بيان الغسل موكول إلى سائر الأدلة، و لذا قال المحقق الخراساني (قده) بأنه يقال يكون المراد بالاغتسال هو الاغتسال الجامع بين الحيض و الاستحاضة حتى لا يلزم إهمال أحد من الغسلين و الظرف على الظاهر متعلق بهما و يكون الحاصل منه الوضوء فيهما لكل صلاة و لكن حيث يكون الوضوء كذلك في الحيض خلاف الإجماع يخصص به و لا يضر سقوط بعض فقرات الروايات عن الحجية بواسطة دليل آخر انتهى فتحصل من جميع ما تقدم ان المشهور هو المنصور و الّا يلزم نفى الوضوء أصلا و لا وجه للتفصيل.

و اما تغيير القطنة و الخرقة في المقام ففي الجواهر قال من غير خلاف أجده فيها هنا لما تقدم سابقا مع الأولوية هنا، و لكن المرجع هي الروايات فمما دل عليه رواية عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه (في باب 1 من الاستحاضة ح 8) فان المراد في المتوسطة بقوله (عليه السلام) «فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر» هو ان هذا الدم يكون تقليله مطلوبا و لو بوضع القطنة و المتفاهم العرفي من هذا هو عدم الفرق بين المتوسطة و الكثيرة التي ذكر حكمها في ذيلها بقوله فإذا كان دما سائلا فلتؤخر الصلاة الى الصلاة.

و منها رواية صفوان بن يحيى (ح 3 في الباب المتقدم) قوله (عليه السلام) «و تستدخل قطنة بعد قطنة و تجمع بين صلاتين بغسل و يأتيها زوجها أن أراد». و هذه أصرح دلالة لأن موردها الكثيرة.

125

و توهم ان التغيير يكون اخلاقيا أو لمنع الدم من باب انه في الباطن لا يكون مانعا فإذا خرج يصير مانعا، و لعل هذا هو الذي كان في ذهن المحقق الهمداني (قده) من عدم وجوب التغيير، لا وجه له من باب انه اجتهاد في مقابل النص و على فرض عدم النص فمن الممكن ان لا يكون خروج الدم في الباطن مانعا و لا يكون المحمول المتنجس في الباطن أيضا مثل ما لا يكون في الباطن فالعمدة هي النص.

و اما تبديل الخرقة فهو أيضا مر عن الجواهر الإجماع عليه، و أولويته في المقام مع وجود تغيير القطنة في المتوسطة مع ان هذا محمول خارج فلو قلنا بتغيير القطنة مع انها محمولة في الباطن فبالأولوية يقال به هنا أيضا و لكن المتمسّك هو الفهم العرفي من الروايات التي مرت لا الأولوية، كما كان سيدنا الأستاذ الأصفهاني (قده) يستدل كذلك في غالب المقامات، و الّا فالإجماع هنا لا أساس له، و الأصل يقتضي البراءة عن الوجوب.

اما وجوب غسلين آخرين في المقام غير الغداة فللروايات المستفيضة و هكذا القول بالجمع بين صلاتين بغسل واحد كما في رواية 12 و 3 من باب 1 من الاستحاضة و المهم في المقام البحث عن ان الجمع بين الصلاتين هل كان عزيمة (1) أو رخصة و فيه قولان: الأول ان يكون الجمع بين الصلوتين رخصة لأن الأمر به يكون في مقام توهم وجوب خمسة أغسال لو حصلت الفاصلة لاستمرار الحدث و الأمر عقيب الحظر لا يفيد إلّا الإباحة، كما عن الشهيد و المحقق الثانيين مع دعوى الثاني كصاحب المدارك القطع بالجواز و هكذا عدة اخرى منهم، و قيل ان الإتيان بخمسة أغسال يكون مستحبا لعموم قوله (عليه السلام) «الطهر على الطهر عشر حسنات» و بان «الغسل انقى من الوضوء» و يمكن الجواب عن هذا بأنه لا يكون تجديد الغسل معهودا في الإسلام و هو مع استمرار الحدث غير رافع و لا مبيح، و يؤيده ما في مرسلة يونس من قوله «كانت تغتسل في وقت كل صلاة» و من قوله (عليه السلام) «ثم تغتسل و تتوضأ‌

____________

(1) محل هذا البحث في طهارة الشيخ ص 236 قوله الثالث. فارجع.

126

لكل صلاة» مع معهودية ان المسلمين في صدر الإسلام كانوا يصلون الصلوات الخمس في خمس أوقات، و غيرها مما دل ان الغسل لوقت الصلاة أو للصلاة و قد أشكل المحقق الخراساني (قده) من حيث ان الجمع بين الصلوتين واجب و ينافي الغسل ذلك لإيجاده الفاصلة فلا يصح خمسة أغسال. و جوابه ان الجمع يكون لاستمرار الحدث، لا أن يكون له خصوصية فقد ظهر أن مستند القول الثاني لجمود النص و لا وجه له و لا إشكال في مشروعية خمسة أغسال.

ثم المشهور (1) بين الأصحاب وجوب معاقبة الصلاة للغسل و عدم الفصل بينه و بين الصلاة، و قيل ان هذه المسألة و ما مرّ من واد واحد، و المخالف في المسألة كاشف اللثام و العلامة الطباطبائي نظرا إلى إطلاق بعض الأخبار و الدليل على عدم جواز الفصل هو ان المتيقن من جواز الدخول في الصلاة هو هذا الفرض لا فرض الفصل و أن تسويغ الحدث الواقع بعد الغسل بخروج الدم يكون مخصوصا بالضرورة و ما لا بد منه، فلا تصح الصلاة مع الحدث لو أخرتها عن الغسل و يسمون هذا بالاحتياط اللازم، و يستدل له برواية أبي المغراء (باب 3 من الحيض ح 5) قوله (عليه السلام) «فلتغتسل عند كل صلاتين» و برواية ابن سنان «فلتغتسل عند صلاة الظهر» (في باب 1 من الاستحاضة ح 4) بتقريب ان يقال ان الظاهر من لفظ «عند» هو ان يكون الغسل مقارنا للصلاة بلا فاصلة و قال الحلي حيث لا يكون لكلمة «عند» مصغر مثل قبيل و بعيد اللذان هما مصغرا قبل و بعد لم يصغر هنا و لكن يكون معناه معنى قبيل، و يؤيده الأخبار الدالة على وجوب الجمع بين الصلاتين لأنها ظاهرة في وجوب الفورية و عدم الفاصلة بين الغسل و الصلاة و الّا فلا وجه للتعجيل.

و قد أشكل المحقق الخراساني (قده) عليه بأن المطلقات في مقام البيان حيث لم تتعرض لقيد عدم الفصل لا يكون هو خلاف الأصل و المراد بكلمة «عند» أيضا يكون هو وقت كل صلاة و الوقت يكون وسيعا للصلوات فإن المقارنة الدقية‌

____________

(1) هذا البحث في الطهارة للشيخ الأنصاري ص 237 قوله الرابع.

127

حيث لا يمكن ان لا يمكن ان يقال عند قوله تكبيرة الإحرام يجب ان يكون تمام الغسل، و لا وجه للحمل على العرفية فلا بدّ من القول بالفصل و كلمة عند المغرب في رواية ابن سنان معناه وقت المغرب و وقت الصلاة أيضا يحمل عليه بقرينة الصدر و الذيل، مضافا بأن مقتضى استصحاب رفع الحدث المجوز للدخول في الصلاة عدم الإشكال في الفصل بينها و بين الغسل.

و الجواب عنه أن المقارنة الدقية إذا لم تكن ممكنة لا بدّ من الحمل على العرفية للمتفاهم العرفي من كلمة عند و لا وجه لمنعه و حمل «عند المغرب» على وقت المغرب بتقدير الوقت خلاف الظاهر، و هكذا القول بتقدير الإرادة، بأن يقال يجب الغسل عند ارادة المغرب أو الظهر فإذا صدر عن الشارع كلام ظاهره التضاد كما في المقام من عدم إمكان المقارنة الحقيقية فلا بد من حمله على معناه العرفي، و إطلاق الروايات البيانية ممنوع لانصرافها إلى صورة اتصال الصلاة بالغسل و لا يكون لها إطلاق مقامي و لا لفظي، و اما الأصل فجوابه أن أصالة جواز الدخول في الصلاة يكون أصلا في الحكم و مرجعه الى الأصل في الموضوع فأن الجواز يكون إذا لم يكن الدم حدثا (1) فأصالة بقاء الحدث حاكمة على أصالة الجواز لتقدم الأصل السببي على الأصل المسببي، الّا ان يقال ان الحدث له مراتب فالمرتبة التي ذهبت بواسطة الغسل كانت موجبة لجواز الصلاة و نشك في مرتبة اخرى و لا نحتاج اليه بل نستظهر من كلمة «عند» وجوب المعاقبة.

ثم ان المسألة هذه لا تكون مثل المسألة السابقة و هي البحث عن وجوب‌

____________

(1) أقول بعد الغسل اما أن يخرج الدم أولا، فإن خرج، لا شك في وجود حدث و لا تحتاج الى الاستصحاب و الحدث الأول ذهب مرتبة منه قطعا، و الحكم بجواز الصلاة مع الغسل الأول يتوقف على وجود الدليل على كفايته فإذا لم يكن دليل في البين و شككنا في الجواز يمكن استصحابه و لا يكون استصحاب موضوعي في البين و اما ان لم يخرج الدم فلا دليل على بطلان الغسل الأول و لا كلام فيه أيضا

128

الجمع بين صلاتين بغسل أو الرخصة فيه، و يمكن التفريق في الحكم و ليستا من واد واحد كما توهم، ضرورة انه يمكن ان يقال لا يجب الجمع بين الصلاتين و لكن يجب ان يكون الصلاة مع الغسل بدون الفصل، و لكن مع وجوب خمسة أغسال فكل غسل يجب الصلاة عنده، نعم مع القول بوجوب ثلاثة أغسال فقط و عدم جواز الخمسة يكون التلازم بين الجمع بين الصلاتين و القول بعدم الفصل بين الصلاة و الغسل.

قوله: نعم يكفى للنوافل أغسال الفرائض و لكن يجب لكل ركعتين منها وضوء.

أقول البحث هنا يكون اما في كفاية الأغسال للنوافل اليومية الراتبة و اما في غيرها من الصلوات النوافل، أو يكون البحث في كل نافلة و لو لم تكن هي الصلاة مثل الطواف المستحب الذي يكون شرطه الطهارة أو مسّ كتابة القرآن و لو لم يكن نافلة أصلا مع الاضطرار إليه أولا. أي سواء كان الاضطرار إلى الغاية التي شرطها الطهارة أولا فقال المصنف (قده) بكفاية الأغسال دون الوضوء، و السند القوى هنا الإجماع عن جملة من الأعلام كما حكى عن الغنية و المعتبر و المنتهى و التذكرة و شرح الجعفرية و كشف الالتباس و عن المدارك و غيرها نفى الخلاف فيه و المصرح به في الكلمات ان المستحاضة إذا فعلت ما ذكر يستبيح به كل غاية تتوقف على الطهارة من صلاة و طواف و غيرهما. و قال المحقق الهمداني (قده) (1) «ان تجويز الغايات المشروطة بالطهور مما لم يضطر إليها بالطهارة الاضطرارية الحكمية لا يخلوا عن اشكال» ففرق (قده) بين الاضطرار إلى الغاية و عدمه، و استدل أيضا برواية إسماعيل ابن عبد الخالق باب 1 من الاستحاضة ح 15 في حديث «فإذا كان صلاة الفجر فلتغتسل بعد طلوع الفجر ثم تصلى ركعتين قبل الغداة ثم تصلى الغداة» فإنها ظاهرة في الجمع بين الغداة و نافلتها بغسل واحد.

____________

(1) البحث منه في كتاب الطهارة طبع 2 ص 329 عند قوله الأمر الخامس.

129

و قد أشكل فيها بأنها تكون في خصوص الرواتب و إسماعيل في السند ضعيف و اما وجوب الوضوء لكل ركعتين فاستدل له بعموم قوله (عليه السلام) و الوضوء لكل صلاة فإن لفظة «كل» عام شامل للنوافل و الفرائض.

أقول: و لنا البحث هنا في مقامات: الأول في مشروعية النوافل فان شرطها الطهارة و هنا لا يمكن تحصيلها لاستمرار الحدث و الدليل في الفرائض دل على كفاية الغسل أو الوضوء في هذا الحال، لا يقال إطلاق ما دل على استحباب النوافل يشمل حتى هذه الصورة أعني كون المرأة مستحاضة و دليل الطهارة أيضا في المقام مطلق من حيث كونه مبيحا للصلاة. لأنا نقول يكون ما هو المستحب هو الغاية العبادية و هنا يكون الشك في محصلها من باب الشك في الشرط و هو تحصيل الطهارة و قال المحقق الخراساني يمكن إتيانها رجاء و احتياطا و له (قده) مشى أصولي ينطبق في المقام و لكن أصل الكلام لا يكون مقبولا عنده في البحث عن العام و الخاص و يكون مقبولا عنده في باب البحث عن الصحيح و الأعم، و هو انه (قده) يقول بان الشك في تحصيل العبادة هنا يكون من الشك في القدرة من باب الشك في تحصيل الطهارة بعد شمول الخطاب و من المحرر انه لا تجرى البراءة عند الشك في القدرة لأن التقييد هنا عقلي لا شرعي هذا أولا، و ثانيا في المقام نتمسك بعموم «إن الصلاة معراج المؤمن» و نفس العام هنا يكون متكفلا لبيان طرد الشك عن المصداق لو شك فيه كما إذا قال المولى أكرم جيراني و نعلم انه يريد إكرام أصدقائه فإذا شك في مصداق انه مع أصدقائه أم لا، يتمسك بعموم عام أكرم جيراني، فإن نفس العام متكفل لبيان مصداقه.

و فيه أن صورة الشك في القدرة لا تكون من التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية بل لأن الاحتياط واجب من باب أن كل شبهة أن أردنا جريان البراءة في موردها يجب ان يكون لنا مؤمّن شرعي في البين و حيث لا يكون في صورة الشك في القدرة فاللازم هو الاحتياط و الشاهد انه (قده) قال بأنه يأتي به رجاء و ليس‌

130

معناه الّا ما قلناه هذا أولا، و ثانيا ان التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية غير صحيح فلا يمكن ان يتمسك بعموم كون الصلاة معراج المؤمن في صورة الشك في صلوتية هذه الصلاة من باب الشك في عباديتها للشك في حصول شرطها و هو الطهارة فالأصل يقتضي عدم مشروعية النوافل في حق هذه المرأة المستحاضة.

و أجاب المشهور عن هذه الشبهة بالإجماع على مشروعية هذه الصلوات منها و نحن نجيب عنه بوجهين: الأول ان إطلاق أدلة وجوب الصلاة شامل لهذه أيضا فإنها لا تخرج عن كونها إنسانا بواسطة هذا الدم و أدلة شرطية الطهارة للصلاة أيضا و ان كانت مطلقة، و لكن يمكن ان يدعى ان الطهارة التي حصلت للصلوات اليومية تحصل بالنسبة الى هذه أيضا و اختصاص تلك بالذكر في روايات بيان وظيفة المستحاضة من وجوب الوضوء أو الغسل الواحد أو المتعدد يكون من باب أن الغالب هو ابتلاء المرأة بالصلوات اليومية و الّا فصلاة النافلة أيضا صلاة و لا يكون فرق بينها و بين اليومية في كونها عبادة و نفهم أن الملاك واحد.

و الوجه الثاني ان إطلاق قوله (عليه السلام) لا صلاة الا بطهور» يشمل الطهارة الواقعية الدائمية و الواقعية الموقتة فكما أن التيمم طهور واقعا و لكن ما دام العذر أو ما دام عدم وجدان الماء فكذلك ما تفعله المستحاضة أيضا طهارة واقعا، فلها تحصيل الطهارة الواقعية الموقتة التي مثلا يكون وقتها يوم و ليل فتقصد لسائر الصلوات أيضا التوصل إليها بغسلها و وضوئها، و الأشكال من ناحية الشك في القدرة، تندفع بإطلاق أدلة استحباب الصلاة الشامل للمستحاضة أيضا، و الحاصل بعد إمكان تحصيل الطهور الموقت في حقها لا شبهة في مشروعية عبادتها بدليلها، و اما ما ادعوه من الإجماع، فهو غير تام لاختلاف عباراتهم في نقله فبعضهم يدعيه بالنسبة إلى الصلاة فقط، و بعضهم بالنسبة إليها و الى الطواف، و بعضهم بالنسبة إلى صورة الاضطرار لما شرطه الطهارة كمس كتابة القرآن مع كونه محتمل السندية لو لم يكن الاطمئنان بكون سنده ما ذكروه من بيان الإطلاقات و غيره، فلو أخذنا الجامع من جميع العبارات المختلفة‌

131

بأن المرأة المستحاضة إذا فعلت ما عليها من الوظائف تكون بحكم الطاهر يكون سنديا لا اعتناء به.

و الشاهد لما ذكرناه هو قولهم بوجوب الوضوء لكل صلاة حتى النوافل و لا فرق بين الوضوء و الغسل في كونه طهورا فكما أنه يمكن الوضوء كذلك يمكن الغسل أيضا فتحصل انه يمكن ان يقال بمشروعية الصلاة و كل ما يكون شرطها الطهارة من الطواف و المس لكتابة القرآن.

و اما المقام الثاني بعد فرض المشروعية فالأقوال مع ما نقول يصير ثلاثة، الأول القول بوجوب الوضوء دون الغسل لكل صلاة كما عن المصنف (قده) و المشهور و الثاني القول بعدم وجوب الغسل و لا الوضوء بعد ما فعلت ما يكون وظيفتها للصلوات الواجبة و الثالث قولنا حسب القواعد و هو وجوب الغسل و الوضوء لكل صلاة و لا قائل به، دليلنا هو أن المتيقن (1) من المشروعية هو صورة إتيان كل نافلة بغسل‌

____________

(1) أقول انه بعد كون الطهارة طهارة حقيقية موقتة مع إلقاء خصوصية الصلوات اليومية حيث أن هذا النحو من الطهارة لو لا إلقاء الخصوصية يحتمل ان يكون لخصوص هذه الصلوات لا وجه للقول بأخذ المتيقن من الدليل اللفظي فإن مقتضى الدليل هو أن هذا الغسل أو الوضوء واحدا أو متكررا يوجب الطهارة الموقتة مثل التيمم و حيث أن التيمم لا يبطله ما دام العذر للحدث الموجود باقيا و انما يكون بطلانه بغيره من الحدث مثل النوم و البول كذلك المقام لا مبطل لهذه الطهارة من ناحية حدث الاستحاضة.

مضافا بأن إطلاقات بعض الروايات مثل ما ورد في المتوسطة صلت بغسل واحد أو لكل يوم مرة دالة على كفاية غسل واحد لليوم و للصلاة لا لخصوص اليومية و يمكن الاستظهار من الروايات الواردة في الكثيرة أيضا بقرينة المقابلة بينها و بين المتوسطة ا لا ترى انه لو كان وظيفة المرأة الاحتياط و احتاجت إلى أداء صلاة اليومية من أول الوقت الى آخره أو أرادت الصلاة الطويلة بحيث تستغرق الوقت لا يقول احد بوجوب أغسال متعددة، و لو قال يكون خلاف ظاهر هذه الروايات.

و اما رواية إسماعيل فضعفه منجبر بالشهرة لو لا الإجماع و لو كان لنا جبر سند في موضع يكون المقام من أعلى مصاديقه و اما الإشكال في دلالتها فيمكن الجواب عنه بتنقيح المناط بين نافلة الصبح و غيرها و عدم القول بالفصل فالحق مع المشهور و الشيخ الأنصاري (قده) في طهارته في بحث أن المستحاضة إذا فعلت ما عليها تكون بحكم الطاهر تعرض لرواية حمران عن ابى جعفر (عليه السلام) من قوله لأسماء بنت عميس في النفاس بما يقيد المقام و هكذا تمسك بلزوم الحرج فليرجع اليه، و ان كان الحرج مختصا بمورده و لا يرفع الحكم، و لا فرق فيما ذكرناه بين الصلاة و سائر الغايات مثل الطواف و غيره بعد كون غسل المستحاضة مما يوجب الطهارة الموقتة.

132

و وضوء فأن مقتضى ما مرّ من الدليل إثبات المشروعية و إمكان تحصيل الطهارة و لكن كفاية الطهارة التي للصلوات اليومية للنوافل و الطواف و غيرهما من الغايات فلا، نعم لو لم يخرج الدم بعد الغسل و الوضوء لليومية لا يجب ثانيا لغيرها لعدم حدوث الحدث.

لا يقال كما قال المحقق الخراساني بأنه بالطهارة لليومية يحصل مرتبة من من الطهارة فإذا شك في بقائها تستصحب و لا يخفى انه يقول به بمقتضى الصناعة لا بمقتضى الإجماع لأنا نقول ما حصل من الطهارة هو الطهارة الخاصة و الإباحة كذلك لليومية، لا طبيعي الطهارة حتى يمكن استصحابه لان الطبيعي لو كان حاصلا لما كان وجه للقول بكونها موقتة بيوم و ليل بالنسبة إلى الغسل، و بالنسبة إلى الوضوء موقتة بالفاصلة بين الصلاتين بمقدار إتيان إحداهما أولا ثم الإتيان بالأخرى مع وضوء و لو حصل الحدث لا يضر بهذه الطهارة.

و اما ما استندوا به للمشهور من رواية إسماعيل بن عبد الخالق فهو ضعيف بواسطة إسماعيل أولا بوجوه، و لا يتم الدلالة للمقام ثانيا لأن الكلام في أنه هل يمكن إتيان النافلة مع غسل الفريضة أم لا و ليس الكلام في إتيان الفريضة بواسطة غسل النافلة، و هذه الرواية تكون في صورة إتيان نافلة الصبح مقدما على الصبح، ثم إتيان الصبح بواسطة غسل نافلتها و هو غير ما نحن بصدده و اما الإجماع فهو سندي و تعرض الأصحاب له الّا الشيخ الأنصاري (قده) فإنه يكون بحثه على حسب القواعد‌

133

و امّا وجوب الوضوء لكل صلاة فسنده ما مرّ من الرواية بأن الوضوء لكل صلاة فالحق عندنا خلافا للمشهور هو وجوب الغسل لكل صلاة و عدم كفاية الأغسال لليومية لغيرها.

[مسألة 2- إذا حدثت المتوسطة بعد صلاة الفجر لا يجب الغسل لها]

مسألة 2- إذا حدثت المتوسطة بعد صلاة الفجر لا يجب الغسل لها و هل تجب الغسل للظهرين أم لا، الأقوى وجوبه.

أقول مرّ شطر من البحث فيما مرّ في الأقوال بأن الغسل في المتوسطة هل يكون لخصوص صلاة الغداة بنحو الشرط المتقدم أو لجميع الصلوات بنحو الشرط المتقدم أو المتأخر و لكن حيث لم يكن تاما نزيد هنا البحث فنقول أن المشهور على ان الغسل لخصوص صلاة الغداة فإذا كان الحدث قبلها فيجب، و اما إذا كان بعدها فلا يجب، و امّا مسلك الشيخ الأعظم (قده) القائل بأنه شرط متقدم لجميع الصلوات أولها الصبح فلازمه هو وجوب الغسل لسائر الصلوات لو صارت متوسطة بعد الغداة، و هو الحق و دليلنا موثقة سماعة باب 1 من الاستحاضة و ما في باب 1 من الجنابة ح 3 و رواية زرارة و جعفي في باب 1 من الاستحاضة و مفادها ان الغسل يكون لكل يوم مرة فالغسل لليوم و أوله الغداة و لا يكون ذكر لخصوص الغداة في الروايات و سند المشهور معاقد الإجماعات بقولهم يجب غسل واحد للغداة، و لكن حيث انه لا اعتبار به لوجود السند فلا اعتناء به فأصالة البراءة عن الوجوب تكون هي السند لهم، و مع الدليل لا تصل النوبة الى الأصل.

و قيل أن مقتضى الأصل هو الاشتغال لأن كل صلاة يكون شرطها الطهور و لا ندري أن هذا النحو من الطهور بدون الغسل هل يكفي أم لا؟ فاشتغال الذمة يوجب الفراغ اليقيني عنه و تحصيل الطهارة، فلو صارت متوسطة بعد الغداة أيضا يلزم الغسل، و هذا الأصل موافق للدليل الذي ذكرناه، فتحصل انه لا خصوصية لصلاة الغداة في وجوب الغسل بالنسبة إلى المتوسطة في غيرها.

ثم هنا ضابطة أخرى يجب بيانها و هو أن الموجب للغسل هل يكون صرف‌

134

وجود الدم في أي زمان كان سواء كان في وقت الصلاة قبلها أو بعدها أو كان خارجا عن وقتها بالكلية أو كان قبل وقت الصلاة و لكن انقطع بالكلية كما عن الشيخ الأنصاري (قده) (1) أو يكون الدم في خصوص وقت الصلاة موجبا للغسل، لا ما كان قبل وقتها لأن المستحاضة في أيام انقطاع الدم يكون بحكم الطاهر فرقا بينه و بين الحيض فأن الطهر في وسطه حيض على التحقيق خلافا لبعض كما عن عدة من العلماء بأن حدوث الحدث بعد الفجر لا اثر له و كذلك ان انقطع قبله.

أو يكون استمرار الدم الى آخر الوقت اى استمراره من أول الصبح الى الليل يكون موجبا لثلاثة أغسال في الكثير بحيث إذا انقطع قبله لا يجب الغسل الّا لما سبقه فلو كانت في الصبح كثيرة دون الظهر يكفى غسل واحد و لو كان الانقطاع بعد الظهرين يكفى الغسلان أو صرف وجود الكثيرة في الصبح يكفى لثلاثة أغسال لإطلاق الأخبار كما عن صاحب الجواهر (2) و يكون مختاره على فرض عدم الإجماع على خلافه هو كفاية صرف الوجود لها وجوه و أقوال: و الحق مع الشيخ (قده) و الدليل له هو أن المستفاد من مساق الروايات هو أن دم الاستحاضة يكون موجبا للحدث كالبول و المنى و تناسب الحكم و الموضوع أيضا يحكم بذلك من باب أن الوضوء و الغسل يجب حيث صار المكلف محدثا.

و لا يقال سندا للقول الثاني، ان الحدث في المستحاضة حيث يستمر لا يحصل رفع الحدث بحال، فيكون الأمر بالوضوء و الغسل في الوسط نظير الأمر في الحائض بالتوضي و الجلوس في مصلّاها تشريفيا، فان الحائض لا يرفع حدثها في هذه الصورة و حينئذ نقول يترتب على هذا العمل التشريفى جميع الآثار و الغايات سواء حصل في الوسط حدث أولا، فإن الوظيفة ما ذكر في الروايات من غسل واحد أو أغسال‌

____________

(1) البحث في الطهارة ص 236.

(2) في الجواهر طبع جديد ص 329 الى 330 عند البحث عن غسل المستحاضة الكثيرة.

135

و كذلك الوضوءات، لأنا نقول ان المقام يكون نظير أكل الثوم المنهي عنه ليلة الجمعة، فإنه يكون منهيا عنه لرائحته و إذا حصلت حصل ما يوجب تأذى الملائكة و تكراره لو لم يحدث شدة الرائحة لا يضر، بخلاف صورة قطع الرائحة ثم إحداثها فإنه يكون منهيا عنه في الدفعة الثانية أيضا و المقام أيضا كذلك، فإنه إذا كان الحدث مستمرا نقول صرف الشي‌ء لا يتكرر فان الوضوء أو الغسل يكون أثره باقيا في حال الاستمرار و اما إذا انقطع الدم بالكلية ثم حصل يوجب حدثا جديدا فلا يكون تشريفيا محضا، فغسل واحد في اليوم يرفع أثر المتوسطة و الثلاثة يرفع أثر الكثيرة و الانقطاع بالكلية أيضا يوجب الغسل.

لا يقال ان الاستحاضة تكون حدثا في وقت الصلاة فإن كان الدم في وقتها يجب الأعمال المذكورة و اما إذا لم يكن في وقتها فلا يجب، و هذا سند القول الثالث بان الاستمرار الى وقت الصلاة شرط لوجوب الغسل و لا وجه لوجوبه بعد الانقطاع إذا كان قبل وقت الصلاة و انقطع وقتها كما ان الظاهر من الروايات أيضا هكذا. لأنا نقول ذكر الصلاة يكون لأنها يكون ظرف التطبيق لعدم الوجوب النفسي للأغسال و الوضوءات بل الوجوب غيري يكون وقتها وقت الغير و هو الصلاة فيمكن ان يكون الموجب قبل وقتها كما في البول و المنى و أصل الوجوب بعد دخول الوقت.

و اما ما مر شرحه من قول صاحب الجواهر و هو انه (قده) يقول بأن الإجماع يكون على وجوب ثلاثة أغسال إذا كانت المرأة كثيرة الدم في جميع أوقات الصلوات الخمس و اما إذا لم يكن الدم مستمرا فصرف وجود الكثرة في الصبح لا يوجب ثلاثة أغسال بل بعد القطع في الصبح لا يوجب الّا غسلا واحدا و في ما بعد القطع في الظهرين يوجب غسلين، و لكن إطلاق الأخبار يقتضي ان يكون صرف الوجود كافيا في وجوب الثلاثة لو لا مخافة هذا الإجماع، و الجواب عنه أن ما يكون وجوده المستمر دخيلا في الحكم يوجب بحدوثه حدوث الحكم، و ببقائه بقائه، فإنه إذا‌

136

لم يكن له البقاء لا يكون له الحكم بقاء، مثل العدالة فان صرف وجودها في وقت لا يوجب جواز الاقتداء دائما بل إذا كانت يكون الجواز و إذا ارتفعت ارتفع الجواز فصرف الوجود في الكثيرة لا يوجب ثلاثة أغسال.

بقي في المقام ما استدل به من رواية الصحاف (في باب 1 من الاستحاضة ح 7) لوجوب الاستمرار الى آخر الوقت بقوله (عليه السلام) «فان كان الدم فيما بينها و بين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ و لتصل عند وقت كل صلاة، و مفهومها ان كان الدم فيما بينها و بين المغرب يسيل فلتتوضأ و لتغتسل عند وقت كل صلاة، فالسيلان الى آخر الوقت شرط لوجوب الغسل عند كل صلاة فيكون هذا دليلا للشيخ الأنصاري (قده) و قوله (عليه السلام) في فقرة: «فان كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقى فان عليها ان تغتسل في كل يوم و ليلة ثلاث مرات» يكون سند من قال بان الاستمرار لا يكون شرطا فان الدم إذا كان صبيبا يوجب الغسل سواء استمر أولا، و هذا التقريب يكون سندا للشهيد القائل بالقول الثاني في الأقوال.

و الجواب عنها ان هذه التعابير تكون لبيان المقدمية للصلاة و لا يفيد الاستدلال به على احد الأقوال و الحق مع الشيخ (قده) و مما ذكرنا يظهر ما في المتن اما قوله هل تجب الغسل للظهرين أم لا الأقوى وجوبه، فلأن حدوث الدم على التحقيق موجب للغسل و لا اختصاص بالصبح، و على هذا المسلك يتضح قوله، و إذا حدثت بعدهما فللعشائين و هكذا قوله، لو حدثت قبل صلاة الفجر و لم تغتسل لها عصيانا أو نسيانا وجب للظهرين لعدم امتثال أمر الغسل في الصبح و عدم رفع الحدث.

و هكذا قوله و ان انقطعت قبل وقتها لأن وقت الصلاة لا دخل له في أصل وجوب الغسل بعد وجود الحدث قبله. و قوله، و إذا حدثت الكثيرة بعد الفجر يجب في ذلك اليوم غسلان لعدم الموجب له في الصبح و قوله و ان حدثت بعد الظهرين إلخ أيضا كذلك فالكل يدور مدار وجوب الغسل بواسطة الحدث فإذا لم يكن حدث لا يكون‌

137

وجوب الغسل و إذا كان يجب مطلقا.

[مسألة 3- إذا حدثت الكثيرة أو المتوسطة قبل الفجر يجب ان يكون غسلهما لصلاة الفجر بعده]

مسألة 3- إذا حدثت الكثيرة أو المتوسطة قبل الفجر يجب ان يكون غسلهما لصلاة الفجر بعده فلا يجوز قبله. (1)

أقول: قوله بعده اى بعده الفجر و لا يخفى أن الاستحاضة مثل سائر الأحداث مما يوجب الغسل أو الوضوء و لا خصيصة لها في المقام في عدم جواز الغسل قبل الوقت الّا الدليل العام عندهم على عدم جواز الغسل قبل الوقت جنابة أو غيرها و لا رجحان ذاتي لخصوص الاستحاضة، و ان قلنا باستحباب غسل الجنابة نفسيا، و كذلك في الوضوء من باب انه نور على نور لعدم كون غسلها رافعا للحدث، و اما الدليل العام فهو ان الواجب المشروط عندهم لا يكون وجوبه فعليا قبل الوقت فغسل الاستحاضة قبل وقت الصلاة لا يكون له وجوب لعدم حصول شرطه و هو وجوب الصلاة لأن وجوبه يكون مقدميا.

و فيه ان الواجب المشروط عندنا خلافا لبعض و وفاقا لشيخنا الأستاذ العراقي (قده) يكون كالواجب المطلق في كون الوجوب فعليا و لكن الواجب يكون في المشروط استقباليا و يكون شرط الحكم لحاظ الشرط، و هو حاصل قبل الوقت أيضا، فيبرز المولى ارادته فعليا على فرض مجي‌ء الوقت، و ليس الحكم إلّا الإرادة المبرزة و يكون له البعث نحو العمل ببعض أنحائه، و هو البعث الى تحصيل المقدمات و لذا يحرم اهراق ماء الوضوء قبل الوقت لو لم يجد ماءا بعده، و مع تسليم عدم الفعلية نقول الواجب المشروط قبل الوقت أيضا يكون له الدعوة الى بعض المقدمات فلا إشكال في تحصيل الطهارة قبل الوقت من هذه الجهة، و ما ذكرنا من عدم جواز الإهراق يكون إجماعيا و لا يقول بجوازه حتى القائل بأن المشروط‌

____________

(1) إذا كان قبل الفجر، و لكن يكون قريبا منه بحيث لا ينافي تعاقب الغسل للصلاة عرفا لا اشكال فيه.

138

قبل الوقت ليس بفعلى فهذا القول اما يكون سنده ما ذكرناه من الفعلية أو يكون إجماعا محضا، و لو سلم عدم الجواز في غير المقام ففي المقام إطلاق دليل الغسل يشمل حتى قبل الوقت.

فان قلت ان الغسل هنا عبادة لكونه مقدمة أمر عبادي و هو الصلاة كما في سائر الأغسال و الوضوء و قبل تحقق الأمر بالنسبة إلى ذي المقدمة مع عدم كون امره نفسيا لا يكون عبادة فيكف يمكن إتيانه بداعي العبادية. و أجاب المحقق الخراساني (قده) عن هذا الإشكال بأن عباديته ذاتية كما حرر في الأصول في باب المقدمة. و فيه ان المقام لا يكون امره الّا أمرا غيريا و لا بد أن يأتي من قبل ذي المقدمة لعدم إثبات كونه مستحبا نفسيا و لكن الذي يوجب كونه عبادة هو ما ذكر من إطلاق دليله فإنه شامل لقبل الوقت و بعده.

و استدل ثانيا بأن مقتضى ما مر من وجوب مقارنة الصلاة له و عدم الفصل بينه و بينها هو عدم الصحة قبل الوقت. و فيه ان هذا مبنى على مسلك القائل بوجوب التقارن و اما من لا يشترطه فلا يكون هذا دليلا له، على انه لا ينافي التقارن لانه يمكن ان يكون الغسل آخر الوقت بحيث يكون الوقت داخلا بعد تمامه فيحصل التقارن العرفي مع تقديم الغسل على الوقت و لا يختص هذا بصورة الاضطرار بل يكون في صورة الاختيار أيضا لإطلاق الدليل و استدل أيضا برواية إسماعيل بن عبد الخالق (في باب 1 من الاستحاضة ح 15) و برواية يونس في (باب 1 من الاستحاضة ح 11) بقوله (عليه السلام) في الأولى «فإذا كان صلاة الفجر فلتغتسل بعد طلوع الفجر ثم تصلى ركعتين قبل الغداة ثم تصلى الغداة» فإن هذه العبارة صريحة في وجوب كون الغسل بعد طلوع الفجر، و في الثانية بقوله (عليه السلام) «فإن رأت الدم دما صبيبا فلتغتسل في وقت كل صلاة» فإنها أيضا صريحة في كون الغسل في وقت كل صلاة.

و الجواب عن الأولى انها ضعيفة بالطيالسى و لا ينجبر بعمل المشهور، لاحتمال اعتمادهم في فتواهم على القاعدة التي ذكرت من ان الغسل قبل الوقت لا يكون‌

139

واجبا فعليا، مضافا بأن المقارنة العرفية شرط و يكون نافلة الصبح فاصلة خصوصا إذا كان طويلا الّا ان يقال بأنه بعد العمل بوظيفة المستحاضة يصير كالطاهر في ترتيب الآثار سواء كان إتيان النافلة أو الفريضة.

و اما رواية يونس أيضا فلا معنى للقبل و البعد فيه فإنه يكون لمناسبة ان الغسل للصلاة يقال فلتغتسل في وقت كل صلاة، و الحاصل مع القول بوجوب معاقبة الصلاة للوضوء و الغسل يمكن ان يكون قبل الوقت بحيث يكون مقارنا و مع القول بعدمها ففي أي وقت اغتسلت صحت.

قوله: إذا أرادت صلاة الليل فيجوز لها ان تغتسل قبلها.

أقول هذا قول عدة من الأعلام كما عن الشيخين و الصدوقين و جماعة من المتأخرين بل عن الذخيرة لا اعلم فيه خلافا و في محكي الخلاف الإجماع عليه و هو العمدة و اما الاستدلال برواية إسماعيل فإنه غير تام لمنافاة إتيان النوافل لمعاقبة الغسل للصلاة خصوصا إذا كانت طويلة الّا ان يقال النوافل يكون مثل ما يحسب من شئون الصلاة مثل الأذان و الإقامة و غيره فيكون الغسل مبيحا لجميع الغايات و لكنه مشكل لأنها لا تكون من شئونها فالعمدة هنا هو الإجماع و القواعد عندنا.

في وجوب الاختبار على المستحاضة

[مسألة 4- يجب على المستحاضة اختبار حالها]

مسألة 4- يجب (1) على المستحاضة اختبار حالها و انها من اى قسم من الأقسام الثلاثة بإدخال قطنة و الصبر قليلا ثم إخراجها، و ملاحظتها لتعمل بمقتضى وظيفتها، و إذا صلت من غير اختبار بطلت الا مع مطابقة الواقع و حصول قصد القربة كما في حال الغفلة و إذا لم تتمكن من الاختبار يجب عليها الأخذ بالقدر المتيقن الا ان يكون لها حالة سابقه من القلة و التوسط فتأخذ بها.

____________

(1) بالوجوب الإرشادي لا التعبدي المحض و ثمرته ما ذكره من عدم بطلان الصلاة مع مطابقة الواقع و حصول قصد القربة.

140

أقول أصل وجوب الاختبار و بطلان الصلاة بواسطة تركه لا يكون له دليل متقن على حسب الصناعة و ما ذكر سندا لهما لا يتم عندنا.

و استدل له في جامع المقاصد أولا بأن المستحاضة حيث يكون أحوالها مختلفة و يمكن ان تأتي بالعمل ثم ترى بطلان عملها بواسطة عدم العمل بما هو وظيفته الفعلية فيجب ان تختبر حالها لئلا تقع في خلاف الواقع كثيرا. و فيه لو كان الدليل هذا فيمكن لها الاحتياط فتكون مخيرة بينه و بين الاحتياط و لا يتعين عليها الاختبار على ان كثرة وقوع الخلاف ممنوع، مضافا بأن لها استصحاب حالتها السابقة فإن كانت قليلة تستصحبها، الّا ان يقال ان جريان هذا الأصل يكون في صورة استقرار الشك و لا يكون الشك هنا مستقرا لأنها إن اختبرت يظهر حالها مع كون الاختيار قليل المؤنة فيكون حالها مثل حال من شك في زيادة الدين و يكون له الدفتر الذي يمكن رجوعه إليها فإنه لا يكون له إجراء أصالة عدم الزيادة.

و ثانيا بالروايات ففي رواية صحاف (باب 1 من الاستحاضة ح 7) قوله (عليه السلام) «ثم تحتشي و تستذفر و تصلى الظهر و العصر ثم لتنظر فان كان الدم فيما بينها و بين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتوضأ، إلخ». و في الباب (ح 8) «و لتستدخل كرسفا فان ظهر على (عن خ ل) الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلى صلاتين، إلخ». بتقريب ان يقال ان المراد بوضع القطنة هو وجوب الاستظهار لا تعيين الوظيفة فقط. و فيه ان الوجوب يكون للعمل بالوظيفة لا لخصوصية في الاستظهار و الّا فلا معنى للأمر بوضع كرسف آخر كما في ح 8.

و استدل ثالثا بالعلم الإجمالي و هو انها تعلم اما ان يكون دمها قليلة أو متوسطه أو قليلة أو كثيرة فإن مقتضى تنجيز العلم هو العمل بالاحتياط بالجمع بين أحكام طرفي العلم أو الاستظهار لتعيين الحال و المقام و ان كان من دوران الأمر بين الأقل و الأكثر و لكن حيث يكون من المتبائنين لا الارتباطيين لا تجرى البراءة بالنسبة إلى الأكثر. و الجواب عنه ان الاستصحاب الذي قد مر البحث عنه يكون موجبا لانحلال‌

141

هذا العلم فإنه إذا استصحب القلة تحرز به إذا كان لها حالة سابقه و اما إذا لم تكن كذلك فيحتمل بدوا ان تكون مصداقا لذا أو ذاك فالأصل البراءة عن حكم زائد على القليلة، و ادعاء التباين بعد تسليمه لا يمنع من جريانها لرجوع الشك في زيادة التكليف.

و لا يقال يعارضه استصحاب بقاء الحدث للصلاة فإن إحراز الطهارة لما اشترط فيه الطهارة لازم. لأنا نقول ان شخص الحدث و هو ما كان في القليلة قد ارتفع بواسطة الوضوء و سائر الأعمال و كلى الحدث في ضمن القليل أو الكثير لا اثر حتى يستصحب و الحدث الزائد بشخصه يكون من أصله مشكوكا، و ما قال المحقق الهمداني (قده) من تقريب الاشتغال لا وجه له فإنه مع عدم إحراز الحدث لا تجب الطهارة عنه و ما أحرز فقد ارتفع و حصل الطهارة بالنسبة إليه فقد أحرزنا ما هو اللازم من شرط الصلاة فلا يكون المقام مجرى الاشتغال، و مع تسليمه يكون مقتضى الاشتغال الاحتياط لا وجوب الاستظهار، الّا ان يقال مع إمكان الامتثال التفصيلي لا يكفي الإجمالي و في المقام حيث يمكن إحراز حالها بالاستظهار فهو واجب و لا يكفى الاحتياط و لكنه عندنا غير لازم، فتحصل انه لا يجب الاستظهار بمقتضى الأصل، و الروايات لا تدل على أزيد من تعيين الوظيفة، و لا يكون لنا هنا ادعاء الإجماع أو الشهرة على وجوب الاختبار حتى نخاف منه.

ثم انه على فرض التمسك بالروايات لوجوب الاختبار يكون فيه احتمالات:

الأول ان يكون وجوبه نفسيا. و فيه انه باطل لأنه من البعيد أن يكون مثل رمى الجمرة و يكون تركه موجبا للإثم لا غير و الثاني وجوبه الشرطي على معنى كونه شرطا في صحة العبادة بحيث لو تركته بطلت عبادتها و لو كانت في الواقع عملها مطابقا لوظيفتها.

و فيه ان وضع القطنة يكون كوضع الخرقة فكما انه لا يكون وضعها بالوجوب الشرطي كذلك وضع القطنة. الثالث ان يكون الوجوب إرشاديا إلى طريق معرفة الدم، أو إرشادا إلى سقوط جريان الأصل المفرغ برأيه أو غيرها، أو المنع من الرجوع‌

142

الى الاستصحاب. و فيه ان هذا متوقف على القول بعدم صحة الاحتياط في المقام و اما على فرضه فلا يكون هذا القسم من الوجوب أيضا و كون الرواية في صدد المنع عن الاستصحاب و البراءة خلاف الظاهر.

و ما قال الشيخ الأنصاري (قده) من كونها في صدد طرد الاحتياط في المقام بقوله فلو لم تعتبره مع الإمكان فسدت عبادتها، لعدم علمها بما يجب عليها من الطهارة أيضا، خلاف الظاهر لان الاحتياط يوجب مطابقة العلم للواقع، الّا ان يقال بعدم الكفاية الامتثال الإجمالي مع إمكان الامتثال التفصيلي و هو ضعيف، و التحقيق في المقام ان يقال بأنه يكون مثل الشبهات الحكمية فإن الفحص فيها لازم و لا يجوز تبعية الأصل قبله و لكن ما يكون نافيا، و اما الأصول المثبتة فلا إشكال في جريانها، فإذا كان استصحاب وجوب شي‌ء و شك فيه يمكن التمسك به و عدم الفحص، و المقام أيضا كذلك، فإنه يكون من الشبهات الموضوعية و الفحص فيها مثل الفحص في الحكمية فجريان الاستصحاب لا اشكال فيه لأنه أصل مثبت و اما جريان البراءة حيث تكون أصلا نافيا فممنوع، و اما ادعاء انصراف أدلة الأصول عن المقام حيث لا يكون الشك فيه مستقرا فإنه مع تسليمه يكون في صورة موافقة الواقع اتفاقا غير مفيد، و اما ان كشف عدم الموافقة فالعمل باطل فلا موضوعية للفحص، و الحاصل أن المدار على الواقع و جريان الأصل يحكم بعدم وجوب الاستظهار و الامتثال الإجمالي كاف و لا يكون في الاخبار التعبد بوجوب الاختبار.

و قوله و لا يكفى الاختبار قبل الوقت إلا إذا علمت بعدم تغير حالها الى ما بعد الوقت.

أقول: المدار على معاقبة الصلاة للطهارة، و سائر الوظائف سواء كان قبل الوقت بحيث تحصل المعاقبة أو بعده، و لا خصوصية لما بعد الوقت لإمكان عدم المعاقبة بأن يفصل بين الطهارة و الصلاة.

[مسألة 5- إذا تبين بعد ذلك ان زمان الحيض غير ما اختارته وجب عليها قضاء ما فات منها من الصلوات]

مسألة 5- إذا تبين بعد ذلك ان زمان الحيض غير ما اختارته وجب

143

عليها قضاء ما فات منها من الصلوات و كذا إذا تبينت الزيادة و النقيصة.

[مسألة 6- صاحبة العادة الوقتية إذا تجاوز دمها للعشرة]

مسألة 6- صاحبة العادة الوقتية إذا تجاوز دمها للعشرة في العدد حالها حال المبتدئة في الرجوع الى الأقارب و الرجوع الى التخيير المذكور مع فقدهم أو اختلافهم و إذا علمت كونه أزيد من الثلاثة ليس لها أن تختارها كما انها لو علمت أنه أقل من السبعة ليس لها اختيارها.

[مسألة 7- صاحبة العادة العددية ترجع في العدد الى عادتها]

مسألة 7- صاحبة العادة العددية ترجع في العدد الى عادتها و اما في الزمان فتأخذ بما فيه الصفة، و مع فقد التمييز تجعل العدد في الأول على الأحوط، و ان كان الأقوى التخيير و ان كان هناك تميز لكن لم يكن موافقا للعدد فتأخذه و تزيد مع النقصان و تنقص مع الزيادة.

[مسألة 8- لا فرق في الوصف بين الأسود و الأحمر]

مسألة 8- لا فرق في الوصف بين الأسود و الأحمر، فلو رأت ثلاثة أيام أسود، و ثلاثة أحمر ثم بصفة الاستحاضة تتحيض بستة.

أقول شرحها يتضح مما مرّ.

[مسألة 9- يجب عليها بعد الوضوء و الغسل التحفظ من خروج الدم]

مسألة 9- يجب عليها بعد الوضوء و الغسل التحفظ من خروج الدم بحشو الفرج بقطنة أو غيرها و شدها بخرقة فان احتبس الدم و الا فبالاستثفار اى شد وسطها بتكة (1) مثلا و تأخذ خرقة أخرى مشقوقة الرأسين تجعل أحدهما قدامها و الأخرى خلفها و تشدهما بالتكة أو غير ذلك مما يحبس الدم.

أقول، قال: في الجواهر (2) كما هو صريح جماعة و ظاهر آخرين بل لم‌

____________

(1) اى تجعل خرقة في وسطها كالمنطقة لتشد بها الخرقة التي وضعتها على الفرج.

(2) ج 3 في ص 348 و 349 و البحث في طهارة الشيخ الأنصاري (قده) في ص 238 عند قوله الخامس.

144

أجد فيه خلافا بل لعله تقضى به بعض الإجماعات السابقة في تغيير الخرقة و نحوها و الواجب لنا هنا هو البحث عن أن التعرض لوضع القطنة يكون في ثلاثة مواضع الأول في مقام بيان الغسل و الوضوء قالوا به، الثاني في مقام الاختبار كما مرّ و الثالث في هذا المقام، لوجوب حفظ الدم عن الخروج فهل يكون المراد واحدا أو يكون لكل مقام خصيصة و يكون له الوجوب برأسه، و سند الجميع لا يكون الّا الروايات التي استدل بها في جميع المقامات، لا أن يكون في كل مقام رواية غير ما في المقام الآخر، فإنه بوضع القطنة يحصل ما ذكر في أحكامه من وضع الكرسف عند الغسل أو الوضوء و يحصل الاختبار أيضا و يكون مانعا كذلك فيكون العمل الواحد له آثار متعددة فيمكن ان يكون وضع القطنة و حشوها من باب انه يوجب الحفظ عن الخروج و بالعكس الاختبار يحصل بواسطة وضعه للحفظ.

نعم على مسلك التحقيق من ان الاختبار لا يكون واجبا كما مر يمكن ان يقال بوجوب حشو القطنة للحفظ لا للاختبار، و يمكن ان يكون تبديل القطنة في وقت الصلاة أيضا غير الحفظ عن الخروج لكون التبديل فيه خصيصة من باب ان المحمول النجس في الباطن أيضا يكون ممنوعا في الصلاة كما إذا كان في الظاهر، فيكون هذا خصيصة التبديل أو كان من جهة قيام الإجماع عليه، و الحق هو ان الوضع يكون للتحفظ و يلزمه الاختبار و لو كان المتنجس في الباطن ممنوع الحمل أيضا يجب التبديل لا مجرد الحفظ.

و كيف كان فالسند هنا وجوه من الأدلة: الأول الروايات (في باب 1 من الاستحاضة في ح 7 و 8 و 10) قوله (عليه السلام) «فان عليها ان تغتسل في كل يوم و ليلة ثلاث مرات و تحتشي و تصلى و تغتسل للفجر» إلخ. و قوله (عليه السلام) «و تستدخل كرسفا» و قوله (عليه السلام) «اغتسلت و احتشت و لا تزال تصلى بذلك إلخ». و الكل دالّة على وجوب الاحتشاء، و (ح 7) يدل على انه يكون بعد فرض ثقب الدم فيكون مورده غير مورد الاختبار و حيث ان الابتداء بالغسل ثم الاحتشاء غير متعارف في‌

145

النساء، فحمل غيره أيضا على صورة إحرازه بالاختبار اولى.

و منها مرسلة يونس (في باب 5 من الحيض ح 1) قوله: «فأمرها أن تغتسل بثوب و تستثفر بثوب و تصلى». و منها ما في باب 1 من الاستحاضة ح 3 قوله (عليه السلام) «و تغتسل و تستدخل قطنة بعد قطنة» و هما مهملتان من جهة ان إدخال القطنة للحفظ أو للاختبار. و الحق ان المطالب ليست ثلاثة بل واحدة و هي الحفظ و يلزمه غيره و حيث ان الملاك هو الحفظ يكفى كل شي‌ء القطن و غيره.

و استدل ثانيا بأن طهارة البدن شرط للصلاة فإذا لم يكن الحفظ يسيل الدم و ينجس البدن و هذا حكمة الحفظ لا علته و الّا فالخروج في أثناء الصلاة أيضا يلزم ان يكون مانعا و قد أشكل عليه الشيخ الأنصاري (قده) في الطهارة بقوله «لكنه لا يوجب الّا التحفظ عن الزائد عما لا يمكن و الّا فلا يتأثر المحل النجس بمثل نجاسته».

و استدل ثالثا بان دم الاستحاضة حدث يبطل الطهارة فاللازم منعه عن الخروج بقدر الإمكان. و قد أشكل عليه الشيخ (قده) بقوله في الطهارة أيضا «و أضعف من هذا الاستدلال (اى الاستدلال بالنجاسة) الاستدلال عليه بكونه حدثا لا بد من التحفظ منه بقدر الإمكان لأنه انما يتم إذا تمكنت من حبس الحدث بحيث لا يخرج بعد الشروع في الغسل الى تمام الصلاة و الّا فالتحفظ عنه بقدر الإمكان لا ينفع بعد خروج شي‌ء منه لا بالاختيار الّا ان يقال الخارج منه بغير الاختيار مسوغ للضرورة و يتفرع عليه لو خرج بعد الطهارة لتقصيرها في الشد فإنه يجب إعادة الطهارة بعد الغسل و الاستظهار».

قوله فلو قصرت و خرج الدم أعادت الصلاة بل الأحوط إعادة الغسل أيضا و الأحوط كون ذلك بعد الغسل و المحافظة عليه بقدر الإمكان تمام النهار إذا كانت صائمة.

أقول اما إعادة الصلاة فتكون بالاتفاق كما هو المشهور لظاهر الروايات في ان الحفظ يكون للصلاة و اما الغسل فإعادته يكون فيه الاختلاف من باب عدم كون‌

146

لسان الروايات ان ذلك له، فان الدم و لو كان خروجه حدثا و لكن بعد إطلاق دليل الأغسال بأنه سواء خرج الدم أو لم يخرج يكفى العمل بالوظيفة من غسل واحد أو الأغسال، فيكون هذا كاشفا عن العفو عن حدثيته و مع الشك في الانتقاض فالأصل عدمه.

و لكن لا يتم هذا الاستدلال لعدم وجوب اعادة الغسل لأن الحفظ يكون حكمته المنع عن الحدث و لا يكون من التعبد المحض و ما يكون معفوا عنه يكون ما يخرج بالاضطرار، و اما ذكر الصلاة في الروايات دون الغسل فلأنها هي الغاية المشروطة بالطهارة، و يمكن الجواب عن هذا الإشكال بأنه يكون الحفظ حكمة لمنع الحدث كما ذكر لا علة، فيمكن ان يكون معفوا عنه بعد إطلاق الدليل، و كيف كان فالاحتياط بوجوب الإعادة في محله كما عن المصنف (قده).

و اما وجوب كون الاستظهار بعد الغسل فيكون مختلفا فيه و قال كاشف الغطاء (قده) بالتفصيل بين الوضوء و الغسل بكون اللازم هو كونه بعد الغسل و قبل الوضوء، و عن نهاية العلامة و الذكرى، و الروض، وجوب ذلك على الصائمة، لبنائهم على قدحه في الغسل المعتبر في صحة صومها، و قال في الذكرى، و هذا الاستظهار يمتد الى فراغ الصلاة و لو كانت صائمة» فالظاهر وجوبه جميع النهار لأن توقف الصوم على الغسل يشعر بتأثره بالدم و به قطع الفاضل (ره) لكن إذا منع قدحه في الغسل لعدم الدليل على حدثية الخارج مع عدم الاستظهار لم يكن وجه لوجوب التحفظ عليها كذلك.

و الدليل على كونه بعد الغسل كما هو المشهور ما ورد في باب 1 من الاستحاضة ح 7 من قوله (عليه السلام) «فلتغتسل ثم تحتشي» و ما في ح 8 من قوله (عليه السلام) «و لتغتسل و لتستدخل كرسفا» فأن كلمة «ثم» صريحة في الترتيب و كذلك يستظهر من كلمة واو، و يمكن ان يقال أن القول بوجوب كونه قبلا يكون من باب ان اللازم معاقبة الصلاة للوضوء للغسل و الاستظهار ينافيها، و يمكن ان يكون سند القائل بالتفصيل هو أن الوضوء يجب ان يكون قبل الصلاة بدون الفصل و لو بالاستظهار و حكمته انه‌

147

مانع من زيادة الحدث و لكن الغسل ورد للدليل بأنه يكون الاستظهار بعده مثل ما مر من الرواية، و قال صاحب الجواهر في نجاة العباد «انه أحوط» و قال في الجواهر (1) بأن القول يكون الاستظهار بعد الغسل يكون من باب انه في الوسط و القبل يكون له مشقة و اما عند الغسل فيكون خلاف الأنس فلا يستفاد الوجوب من الرواية بل مخير بينه و بين القبل، و الواو يستفاد منه الجمع كما في غالب الأخبار و العطف ب‍ «ثم» لا يضر في بعضها الآخر لما ذكر فالغسل و الاستظهار معا واجبان.

أقول: اما ما قيل من عدم إمكان الغسل مع الاستظهار قبله أو في الوسط فلا وجه له لأن الغسل لا يلزم ان يكون بسيلان الماء حتى لا يمكن مع وضع الخرقة بل يكفى بنحو التدهين فتدخل يدها تحتها و تغتسل، و اما منع ما دل عليه كلمة «ثم» فهو خلاف الظاهر و المراد بالواو على فرض كونه للجمع لا يكون الجمع في الوجود و الفعل الواحد بل الجمع في الوجود و لازمه التخيير في تقديم أيهما شائت فيمكن منع وجوب كونه بعد الغسل، و الحق أن مانعية الحدث في هذا المقام مشكلة و كذلك وجوب التأخير، و اما وجوب الاستظهار تمام النهار للصائمة كما قال المصنف (قده) فيكون منوطا بكون خروج الدم ضارا بصومها من باب الضرر بالطهارة و لكن سيجي‌ء حد الطهارة للصائمة و ان وظيفتها ما هو، و ما في المتن غير مستقيم و اتباعه مشكل.

[مسألة 10- إذا قدمت غسل الفجر عليه لصلاة الليل فالأحوط تأخيرها إلى قريب الفجر]

مسألة 10- إذا قدمت غسل الفجر عليه لصلاة الليل فالأحوط تأخيرها إلى قريب الفجر فتصلي بلا فاصلة.

[مسألة 11- إذا اغتسلت قبل الفجر لغاية أخرى]

مسألة 11- إذا اغتسلت قبل الفجر لغاية أخرى ثم دخل الوقت من غير فصل يجوز لها الاكتفاء به للصلاة.

أقول يجب التنبه لمقامين في المسئلتين: الأول أصل مشروعية الغسل قبل الوقت، و الثاني على فرض المشروعية كفايته للصلوات الفرائض، اما الأول، فقد مر مفصلا انه مشروع و لا وجه للاختصاص باليومية فإن الحدث كيفما اتفق يكون‌

____________

(1) البحث في ج 3 ص 347، فارجع اليه.

148

رافعة الطهارة غسلا كان أو وضوئا كيفما اتفقا، و انك ترى في مسألة 11 قوله، بجواز الطهارة لغاية أخرى غير الصلاة، و قال المحقق الخراساني (قده) لا دليل على مانعية الاستحاضة للصلوات اليومية أيضا بل يكون الغسل و الوضوء تعبدا محضا. و الجواب عنه هو ان الاستحاضة أيضا يكون كسائر الأحداث حسب المستفاد من الروايات و لا نحتاج إلى الإجماع على وجوب الغسل و الوضوء على فرض عدم كونها حدثا بل هو حدث و كل حدث يحتاج الى المطهر.

إنما الإشكال في المقام الثاني و لكن من جهتين: الأولى انه لا معنى للقول بالغسل قبل الوقت لمن كانت مستحاضة قبل وقت الظهرين مثلا، فإنها إذا فعلت ما عليها يكون غسل المرأة قبل الظهر أيضا في الوقت الّا ان يقال ان القبل يكون بالنسبة الى من لم تعمل بوظيفتها قبله أو لم تكن مستحاضة فلا يكون لها الوظيفة أو على فرض مسلكنا من وجوب غسل لكل صلاة فريضة أو نافلة فيجي‌ء البحث عن أنه هل يكون مشروعا قبل الوقت أم لا. الجهة الثانية: في انه مع المشروعية هل يختص بالغايات الواجبة المضيقة الاضطرارية أو يعمها، و الحق انه طهارة مطلقا لجميع الغايات اضطرارية أو اختيارية لأنه فرق بين الطهارة لغاية اضطرارية و الطهارة التي نفسها اضطرارية و المقام يكون نفس الطهارة اضطرارية مثل التيمم فإن المستحاضة لا يمكنها طهارة من لا يكون كذلك فهذه الطهارة طهارة بالنسبة إليها مطلقا. ثم الغسل للغاية التي تكون مثل النافلة لا يكفي للفريضة و ان كان رواية إسماعيل بن عبد الخالق في خصوص صلاة الفجر ظاهرها الكفاية و على ما مر فإنه طهارة مشروعة، لكن كل غاية تحتاج إليها على حدة و رواية إسماعيل ضعيفة.

149

[مسألة 12- يشترط في صحة صوم المستحاضة على الأحوط إتيانها للأغسال النهارية]

مسألة 12- يشترط في صحة صوم المستحاضة على الأحوط إتيانها للأغسال النهارية (1) فلو تركتها فكما تبطل صلاتها يبطل صومها أيضا على الأحوط و اما غسل العشائين فلا يكون شرطا في الصوم و ان كان الأحوط مراعاته أيضا، و اما الوضوءات فلا دخل لها بالصوم.

أقول ما قال المصنف (قده) يكون أحد الأقوال في المقام و هنا أقوال أخر و الجميع خمسة أقوال: الأول ما عن الماتن و الثاني اشتراط الصوم بالأغسال الليلية لليلة اللاحقة أو بالنهارية. و الثالث اشتراط الليلية المتقدمة و المتأخرة و النهارية.

و الرابع اشتراطه بغسل الفجر فقط و الخامس اشتراط الأغسال النهارية مع غسل العشائين لليلة الماضية.

و قد ادعى الإجماع في الجملة على انها لو تركت الأغسال الواجبة عليها في حال كونها متوسطة أو كثيرة لا يصح صومها و في الروض انه مما لا خلاف فيه و عن المدارك و الذخيرة و شرح المفاتيح انه مذهب الأصحاب، و الدليل في المسألة صحيح ابن مهزيار و الشيخ في المبسوط و ان قال بأن لنا الروايات، و لكن ليس لنا إلّا رواية واحدة و هي ما ذكرناها و هي في الوسائل في باب 41 من أبواب الحيض ح 7 قال: كتبت امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ثم استحاضت فصلت و صامت شهر رمضان كله من غير ان تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين هل يجوز صومها و صلاتها أم لا؟ فكتب (عليه السلام)، تقضى صومها و لا تقضى صلاتها، لأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان يأمر المؤمنات من من نسائه بذلك. و روى الكليني عن احمد بن إدريس مثله، الّا أن في رواية الكليني‌

____________

(1) و لو كانت مستحاضة قبل الفجر يجب غسله أيضا على ما هو التحقيق من ان الشرط غسل الفجر قبله و غسل الظهرين.

150

عن الشيخ كان يأمر فاطمة (عليها السلام) و المؤمنات.

و تقريبها ان المستحاضة إذا لم تفعل وظيفتها لا يصح صومها، و قد أشكل عليه أولا بالإضمار، و ثانيا، بأنها مكاتبة، و يكون فيها ما لا يكون في سماع الحديث بالمشافهة من الاحتمال. و ثالثا بأن رواية الشيخ يتضمن استحاضة فاطمة (سلام اللّه عليها) و مقتضى الروايات المستفيضة أنها (عليها السلام) لم تر حمرة قط. و رابعا يكون فيها التفصيل بين الصلاة و الصوم و لم يقل به أحد، فإن الإجماع البتي قد قام على بطلان صلاة المستحاضة إذا لم تعمل بوظيفتها.

و الجواب اما عن الأول فبأن الإضمار لا يضر في جميع المقامات ففي المقام مثل على بن مهزيار لا ينقل الرواية عن غير الإمام (عليه السلام)، و كذلك الثاني أيضا لا يضر بعد ما فهم الراوي أن المراد ما هو، و اما الثالث، فلاحتمال ان يكون المراد بفاطمة بنت ابى حبيش لا بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هي كانت كثيرة الاستحاضة أو كان الأمر بها (عليها السلام) من باب التعليم لا بيان وظيفتها لابتلائها (عليها السلام) بها، و اما الرابع فجوابه ان التفكيك بين فقرات الأحاديث غير عزيز، فلا اشكال فيها من هذه الجهات، و اما فقه الحديث فربما يقال ان الظاهر منها هو القول الأول أعني اشتراط صحة الصوم بالأغسال النهارية فقط، و الجمود على ظاهر الحديث و ان كان يقتضي الإناطة بغسل الظهرين و العشائين، لظهور جملة «من الغسل لكل صلاتين» في ذلك فان الصلاتين يكونان الظهرين و العشائين و لا يكون لغسل الفجر قبله دخل في الصحة، و لكن تناسب الحكم و الموضوع يقتضي ان يكون المراد شرطية الطهارة للصوم كما انه شرط للصلاة، و لكن الصوم يكون هو بياض النهار و لا يكون لليل دخل فيه فالقول بدخل غسل العشائين من الليل لا يكون وجيها، و اما غسل الفجر فلازم من باب أن الشرط يجب ان يكون حاصلا قبل الفجر ليكون الصوم عن طهارة، و من هنا لا يضر عدم ذكر غسل الفجر، فهو دخيل فيكون الدخيل غسله و غسل الظهرين.

لا يقال أنيط بطلان الصوم في الرواية بترك جميع الأغسال فمن تركت جميعها‌

151

يبطل صومها و ترك الترك يصدق بإتيان غسل واحد فمن اغتسلت غسلا واحدا ما ترك جميع الوظائف، فأذن يدور الأمر بين الأغسال الثلاثة و نعلم إجمالا ان أحدها شرط للصوم اما الليلية أو النهارية، فعلى هذا بمقتضى هذا العلم يجب إتيان جميع الأغسال من الليلية و النهارية فيكون غسل العشائين أيضا دخيلا في صحة صوم اليوم الماضي.

لأنه يقال قد ذكرنا ان تناسب الحكم و الموضوع يحكم بأنه حيث كانت الاستحاضة حدثا يمنع عن الصوم فغسل الفجر وحده أو هو مع غسل الظهرين يكون شرطا و لا يكون لليل دخل فيه، فلا ارتباط للأغسال الليلية الماضية و المستقبلة في صحة الصوم فلا يكون في الحديث إبهام و إجمال، على انه لو كان المراد الجمود على ظاهر الحديث لا يكون غسل الفجر داخلا تحت مفهوم الحديث لقوله (عليه السلام) «لكل صلاتين» و صلاة الفجر واحدة فيكون غسلها خارجا عن دائرة العلم الإجمالي، و لو سلم تحقق هذا العلم بالنسبة إلى الأغسال النهارية و الليلية المستقبلة فحيث يكون غسل الظهرين متيقنا و وجوب غسل العشائين مشكوكا تجرى البراءة بالنسبة إليه لأنه من باب الأقل و الأكثر فينحصر الوجوب بالغسل النهارى فتحصل ان المتعين هو وجوب غسل الفجر و الظهرين و لا وجه لاحتياط المصنف (قده).

ثم انه قد اتضح مما ذكرناه بطلان سائر الأقوال و لكن نشير إليه إجمالا، و نقول: استدل للقول الثاني أعني للاشتراط بالأغسال الليلية المتأخرة و النهارية بأن المنصرف من الحديث هو ذلك لقوله (عليه السلام) «لكل صلاتين» و يكون غسل العشائين من الشرط المتأخر و هو لا يضر. و فيه ان وجوب الأغسال يكون من باب ان الحدث مضر و الشرط المتأخر أيضا خلاف الظاهر و خلاف الفهم العرفي.

و استدل للقول الثالث اعنى اشترط الأغسال الليلية المتقدمة و المتأخرة و النهارية بأن عنوان عدم العمل بالوظيفة شامل لها فإنها إذا لم تعمل بوظيفة الليلة الماضية و اللاحقة أيضا، لم تعمل بوظيفتها، فلا يصح صومها، مضافا بأن لزوم الدخول في النهار بلا حدث مع عدم لزوم كون غسل الفجر قبله يقتضي ان يقال بوجوب‌

152

غسل الليلة الماضية ليكون ورودها في الفجر متطهرا.

و فيه ما تقدم من أن المناط على كون الاستحاضة حدثا مانعا عن الصوم، و مانعيته ترتفع بواسطة الأغسال النهارية فقط، إذ ما هو مانع للصلاة في اليوم هو مانع للصوم، و لا دخل للأغسال الليلية في صحة الصلاة في اليوم بل هي دخيلة في صحة الصلاة الليلية فكذلك في الصوم.

و يمكن ان يستدل للقول الرابع أعني كفاية غسل الفجر فقط كما احتمله كاشف اللثام و العلامة في النهاية و ان لم يذكروا دليلا له يكون الرواية ساقطة عن الاعتبار و الدليل على وجوبه للصوم الإجماع، و المتيقن منه عدم جواز الدخول في الصوم محدثا كما في الجنابة، و إذا اغتسلت للفجر يرتفع هذا المانع.

و استدل للقول الخامس اعنى شرطية الأغسال النهارية مع غسل العشائين في الليلة الماضية بأن النهارية من الأغسال هي المتيقن من الرواية الصحيحة و امّا غسل الليلة الماضية، فبمقتضى ان دم الاستحاضة حدث لا يجوز الدخول معه في النهار. و فيه انه من اين يستكشف أن دم الاستحاضة حدث مانع من الدخول في الصوم الّا بالقياس إلى الجنابة و هو قياس باطل مضافا بأنه يمكن تقديم غسل الفجر عليه ليحصل الغرض على فرض إثبات الحدثية بتناسب الحكم و الموضوع فالمتعين من الأقوال ما ذكرناه.

بقي في المقام أمور: الأول ان هذا الحكم هل يكون في المتوسطة و الكثيرة أو يختص بالكثيرة فقط ربما يقال بالاختصاص بالكثيرة من باب ان الصحيحة ظاهرة فيها بقوله (عليه السلام) «من الغسل لكل صلاتين» و لا مجال لتنقيح المناط، لأن المستحاضة إذا كانت قليلة لا يجب عليها الغسل أصلا فلا يقال بأنها أيضا يجب عليها الغسل لعدم الفرق بين الكثيرة و المتوسطة.

و الحق عدم الاختصاص من باب ان الاستحاضة حدث و رافعه الغسل كما مر و لا يختص حدثيتها بالكثيرة و المستفاد من الصحيحة أيضا رفع الحدث و لا فرق بينهما.