المعالم المأثورة - ج6

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
459 /
253

الإعادة كما سيجي‌ء و لا فرق في ذلك بين ترك الطلب في القافلة و في الرحل، و بين تركه بالنسبة إلى الضرب في الأرض، و اما في الثالث فالمانع عن الطلب يكون هو ضيق الوقت من دون فرق بينهما أيضا، فإن العصيان يكون متحققا فلو قلنا بالأجزاء نقول في جميع الصور و لو قلنا بعدمه نقول في الجميع كذلك.

[مسألة 10- إذا ترك الطلب في سعة الوقت و صلى بطلت صلوته]

مسألة 10- إذا ترك الطلب في سعة الوقت و صلى بطلت صلوته و ان تبين عدم وجود الماء نعم لو حصل منه قصد القربة مع تبين عدم الماء فالأقوى صحتها.

أقول حكم بالبطلان في الجواهر بالإجماع المنقول لو لا المحصل من دون النظر الى حصول قصد القربة و عدمه، سواء تبين وجود الماء فيما بعده أو تبين عدمه مستدلا بأن الشرطية قاضية بذلك، فأن ترك الشرط و هو الفحص يكون موجبا لبطلان المشروط.

و الجواب عنه هو أن هذا متوقف على كون الشرط شرطا تعبديا و اما على فرض كونه احرازيا فلا يكون تاما في صورة عدم وجود الماء في الواقع فلو حصل منه قصد القربة فالحق مع المصنف في صورة عدم وجود الماء في الواقع من قوله بأن الأقوى صحة صلوته، على ان الشرط لو كان تعبديا أيضا يكون ما هو الموصل الى الواقع لا ما لا يكون كذلك، و اما مع وجود الماء في الواقع فحيث يكون موصلا يكون الصلاة باطلة و اما صورة ضيق الوقت فسيجي‌ء.

[مسألة 11- إذا طلب الماء بمقتضى وظيفته فلم يجد فتيمم و صلى]

مسألة 11- إذا طلب الماء بمقتضى وظيفته فلم يجد فتيمم و صلى ثم تبين وجوده في محل الطلب من الغلوة أو الغلوتين أو الرحل أو القافلة صحت صلاته و لا يجب القضاء أو الإعادة (1).

أقول ان الدليل عليه هو ان الموضوع لجواز التيمم هو عدم الوجدان‌

____________

(1) لا يترك الاحتياط فيها لعدم كون العذر مستوعبا.

254

بنحو الإحراز فإنه إن أحرز عدم الوجدان يكون له التيمم و الصلاة و وجود الماء في الواقع لا يكون مربوطا بوظيفته بعد ما عمل بوظيفته كما هو حقه بحسب المتعارف و يمكن الاشكال فيه بأن العذر المستوعب على ما هو التحقيق يكون موجبا لصحة الصلاة معه، و اما إذا لم يكن كذلك فلا وجه للصحة عندنا، و على فرض التسليم للمبنى عند القوم و هو عدم وجوب كون العذر مستوعبا ففي المقام يكون وجدان الماء في العمل كاشفا عن نقص في الطلب فتجب الإعادة، نعم لو كان وجوده بواسطة حدوث حادثة مثل المطر أو وجود عين دفعة لا يكون النقص من حيث الطلب، و لذا يكون سيدنا الأستاذ الأصفهاني (قده) أيضا مخالفا لما في المتن و لا يقاس المقام بصورة وجود الماء دفعة بعد ما لم يكن حين الفحص، فإنه يصدق عدم الوجدان واقعا في ظرفه بخلاف المقام فيبطل تيممه.

و لكن الإنصاف ان الحق مع المصنف (قده) لأن الإحراز هو شرط التيمم، و لا يكون فحصه خلاف المتعارف، و وجوده الواقعي لا يضر الا أن الشرط في صحة الصلاة هو الاضطرار المستوعب و هو غير محقق في المقام إلا في خارج الوقت بالنسبة إلى القضاء فإنه يكون ظهور الحال فيه كاشفا عن كون العذر مستوعبا، فلا يجب القضاء بخلاف الإعادة و لا يكون المقام مثل علية ضيق الوقت لصحة التيمم كما توهم لكشف الخلاف هنا في الوقت فكلام الأستاذين العراقي و الأصفهاني غير تام في المقام.

[مسألة 12- إذا اعتقد ضيق الوقت عن الطلب فتركه و تيمم و صلى ثم تبين سعة الوقت لا يبعد صحة صلاته]

مسألة 12- إذا اعتقد ضيق الوقت عن الطلب فتركه و تيمم و صلى ثم تبين سعة الوقت لا يبعد صحة صلاته و ان كان الأحوط الإعادة و القضاء بل لا يترك الاحتياط بالإعادة.

أقول الأقوال هنا ثلاثة: الأول عدم وجوب الإعادة و القضاء في الفرض مطلقا الثاني وجوبه مطلقا و الثالث التفصيل بين الإعادة و بين القضاء فيجب الأولى دون الثانية سند الأول أولا أن محرز عدم الوجدان يكون جملة من الاعتقادات فتارة يكون اعتقاد عدم وجود الماء بعد الفحص و تارة اعتقاد ضيق الوقت فلا فرق‌

255

بين الصور في عدم وجوب الإعادة و القضاء لإحراز الشرط مع عدم دخل الواقع.

و فيه أولا ان الاضطرار المستوعب بالنسبة إلى الإعادة غير متحقق، و ثانيا فرق بين الاعتقاد بالعدم بعد الفحص، و بين الاعتقاد المحض، و لا دليل لنا لتوسعة الشارع الأمر في المقام بخلافه في صورة الفحص فيكون فرق بين المقامين و سنده و ثانيا مصحح زرارة (باب 14 من التيمم ح 3) و في باب 1- منه ح 1 قوله فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتمم و ليصل فإنه بالأولوية يستفاد منه حكم المقام فأن الحكم بالتيمم و الصلاة عند خوف فوت الوقت يفهم منه صحته عند القطع بالفوت.

و الجواب عنه انه ناظر إلى جهة التشريع اى تشريع التيمم فقط في هذه الصورة و ليس معناه أن التيمم صحيح و لو لم يكن ضيق الوقت فاعتقاد الضيق لا يكفى للقول بالصحة، و اما التفصيل بين الإعادة و القضاء فلأن الاضطرار المستوعب هو شرط صحة التيمم و الصلاة، و اما بدونه فعلى التحقيق تجب الإعادة لأن البدار على فرض جوازه ظاهري.

و اما القضاء في خارج الوقت فلا يجب لأن دليله يكون منطبقا في صورة صدق الفوت و في المقام لا يصدق الفوت حتى يقال يشمله كبرى «اقض ما فات كما فات». و فيه أن القضاء يكون بالأمر الجديد، لا الأمر السابق، حتى يقال انه سقط و من هنا ظهر عدم الوجه لقول القائل بعدم الوجوب مطلقا بل الوجه للقائل بوجوبه مطلقا.

قوله: اما إذا ترك (1) الطلب باعتقاد عدم الماء فتبين وجوده و أنه لو طلب لعثر فالظاهر وجوب الإعادة و القضاء.

أقول وجهه ان الاعتقاد الخيالي لا يكفى لصدق عدم الوجدان، فأن الفحص يكون منصرفا إلى العادي و هو غير متحقق هنا، و هذا هو الحق هنا، و لكن المهم الفرق بين هذا الفرع و الفرع السابق من القول بوجوب الإعادة و القضاء هنا، و‌

____________

(1) لا فرق بين الاعتقادين.

256

عدم القول به جزما هناك.

و قد يقال في الفرق أن الاضطرار الى التيمم يكون بحكم العقل هناك، لأنه بعد رؤية أهمية الوقت و اعتقاد ضيقه لو تفحص، لا بد ان يرجح الوقت، و لكن في هذا الفرع لا يكون هذا الدوران العقلي فإن نفس الاعتقاد بالعدم لا يكفى و لا يسقط التكليف به. و فيه أن الاعتقاد في كليهما خيالي، و لا يكون وجود الدوران في أحدهما دون الآخر فارقا، فاما أن يكون عدم الوجدان صادقا فيكون فيها و اما ان لا يكون صادقا لانصرافه عن العدم الخيالي ففيها أيضا.

عدم جواز اراقة الماء بعد دخول الوقت

[مسألة 13- لا يجوز اراقة الماء الكافي للوضوء و الغسل]

مسألة 13- لا يجوز اراقة الماء الكافي للوضوء و الغسل بعد دخول الوقت إذا علم بعدم وجدان ماء آخر.

أقول ان الدليل عليه أولا الإجماع على عدم جواز الإهراق و الإجماع على صحة التيمم لو أهرق، حتى يقال أن جميع الآثار مترتب على تيممه هذا، سواء كان اختياريا أو اضطراريا فيجوز له ان يصير أجيرا للصلاة بهذا التيمم، أو يأتي بقضاء صلواتها و يدخل المسجد لو كان بدل الغسل من الجنابة أو غيرها، و يجوز له البدار و لو مع بقاء الوقت.

و الدليل عليه قبل الإجماع هو ما مر منا من كيفية الحكومة بين دليل الوضوء و التيمم، و حاصله أن حكومة دليل التيمم على الوضوء يكون في الوضع فقط، بأن يقال أن دليله و ان كان يستفاد منه أن المصلحة المنحصرة يكون للوضوء فقط و لا يقوم مقامه شي‌ء و لكن دليل التيمم يدل على أن الصلاة مع التيمم أيضا يمكن إتيانها بعد فقدان الماء، اى يكون هذا مقام ذاك الشرط في الشرطية، و اما الحكومة في التكليف فلا، بأن يقال أن دليله يدل على أن المصلحة التي كانت في الوضوء تكون في التيمم أيضا، فكما انه كان الأمر بالوضوء و الغسل بشرط الوجدان يكون‌

257

الأمر بالتيمم بشرط الفقدان كما أن المسافر إذا صار حاضرا يكون وظيفته التمام كما انه إذا صار الحاضر مسافرا يكون وظيفته القصر لاختلاف الموضوع و لا معصية في تغيير الموضوع فعلى هذا يمكن أن يريق الماء فيصير فاقدا و موضوعا للتيمم، و هذا غير صحيح، لأن دليل الوضوء مطلق (1) من حيث انحصار المصلحة التامة فيه و يكون حتى في صورة الفقدان و عدم القدرة من ناحية المكلف لا يمنع عن فعلية المصلحة و كفاية التيمم في مقام الشرطية لا ينافي بقاء المصلحة الوضوئية فيكون اراقة الماء معصية.

و نحن لا نتمسك ببدلية التيمم للوضوء أو الغسل للقول بعدم جواز الإراقة لأنه إذا كان التيمم واف ببعض المصلحة فمن اين يستفاد وجوب إحراز بقية المصلحة فإن قلت هذا متوقف على القول بأن دليل الوضوء مطلق من جهة قيد الوجدان و دليل التيمم مقيد بعدمه، و هذا خلاف ما تقول من شرطيته لهما، فعلى هذا يجب ان يكون التيمم هو المشروع في ظرف عدم الوجدان كما أن الوضوء كذلك في ظرف‌

____________

(1) أقول نحن في صدد القول بعدم جواز اهراق الماء، و إطلاق الدليل لصورة الفقدان غير محتاج إليه، لأن المصلحة إذا كانت طولية فنفس دليل الوضوء و الغسل يدعوا الى مقدمته، فأهراق الماء معصية لوجود الأمر، و فيما بعده لا إطلاق للدليل فإنه في ظرف الفقدان لا بد من التيمم و المصلحة قد فاتت من قبل و المعصية قد حصلت من قبل و اما بقاء المصلحة من حين الفقدان أيضا لو قلنا به مع سقوط الأمر و لو من باب أن عدم قدرة المكلف، لا يمنع عن فعلية المصلحة فهو غير مربوط بالمعصية بالنسبة إلى الماء الذي قد أهريق قبل، بل حصلت المعصية بواسطة مخالفة الأمر.

ثم ان القول بأن الوجدان من شرائط الواجب لا من شرائط الوجوب، فيه التأمل و هو ناش من التأمل في الفرق بين الواجب المشروط و الوجوب المشروط بنفس أخذ الشرط في لسان الدليل، فلو كان هذا هو السرّ فأي فرق بين الحج بشرط الاستطاعة و الوضوء يشترط الوجدان، الّا ان يدل دليل من خارج على ذلك و البحث عنه في محله.

258

الوجدان بلا فرق بينهما في ذلك فلا ينتج عدم جواز اراقة الماء. قلت هذا نشأ من توهم كون الوجدان و عدمه شرط الوجوب، و لهما الدخل في المصلحة، و اما إذا كانا شرط الواجب كما هو الحق فلا يأتي الأشكال، فكما أن الوضوء و الغسل و التيمم بالنسبة إلى الصلاة يكون شرط الواجب يجب تحصيله، كذلك الوجدان شرط الواجب في مقام الامتثال.

و الحاصل عدم قدرة العبد على الامتثال في صورة فقدان الماء لفقدانه، لا يكون موجبا لعدم المصلحة في الوضوء و الغسل، فإن المصلحة بحالها فيكون الشرط و هو الوجدان شرط الواجب مثل الدلوك لا شرط الوجوب مثل الاستطاعة للحج، و الحاصل و فذلكة البحث انّ في المقام طريقين لإثبات أن الطهارة المائية مقدمة على الطهارة الترابية و عدم جواز اهراق الماء الذي يكون شرطها الأول (1) ان يقال أن العرف عند تلقى الخطاب يفهم أن الخطاب بالتيمم يكون في طول الخطاب بالوضوء و الغسل و يكون بدليته للاضطرار و لا يكون وافيا بالمصلحة الوضوئية و الغسلية اختيارا فليس مثل السفر و الحضر اللذان يكون اختيارهما بيد المكلف، و عليه فمع وجود الخطاب بالطهارة المائية يجب حفظ ما هو شرط له لأن الدعوة بالشي‌ء دعوة بمقدماته، و التوسعة في دليل التيمم يكون بالنسبة إلى الوضع فقط، بمعنى انه إذا كان فاقدا للماء عصيانا أو واقعا لا يترك الصلاة لعدم الطهور بل يأتي لها بالتيمم.

الطريق الثاني (2) ما ذكرناه، و هو ان دليل الوضوء و الغسل يكون ناطقا بأن المصلحة التامة المنحصرة تكون في الطهارة المائية فقط، و دليل التيمم يكون حاكما عليه في الوضع فقط لا بالنسبة إلى المصلحة أيضا، ليقال انه واقع بمصلحته لأن الطهارة المائية شرط للواجب فيجب تحصيله، فلا يجوز اهراق الماء لأنه من شرطه‌

____________

(1) أقول ان ما يقوى في النظر هو اختيار هذا الطريق و هو أقرب بالذهن و العرف.

(2) هذا الطريق مر فيه التأمل.

259

و لا دليل على إضاعة الماء و القول بان التيمم يكون بدلا عنه في ذلك.

ثم أنه لا دليل لنا على جواز ترتيب جميع الآثار من الاختيارية و الاضطرارية على التيمم بصرف كونه بدلا عن الطهارة المائية في الوضع، فلا يجوز إتيان الصلوات القضائية و صيرورته أجيرا و استيجاره و أمثال ذلك لأن العذر المستوعب شرط لجواز إتيان العمل مع التيمم، و ما ذكر ليس كذلك، و لا يكون لنا إجماع أو نص على ترتيب جميع الآثار حتى لا يمكن مخالفته، و لو كان يكون كاشفا عن قصور المصلحة في الطهارة المائية في أمثال هذه المقامات، هذا آخر ما يمكن ان يقال بالنسبة إلى طولية دليل الوضوء و الغسل بالنسبة إلى دليل التيمم.

ثم انه قال المخالف في المقام بأن المستفاد من الأدلة في مشروعية التيمم هو انه طهور مثل الوضوء و الغسل، و يكون مساقه مساق السفر و الحضر و لا يكون من الطهارة الاضطرارية في شي‌ء مستدلا بما في الرواية من قوله (عليه السلام) (باب 23 من التيمم ح 1) «ان اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا» فيكون التراب مثل الماء أو قوله (عليه السلام) (باب 23 من التيمم ح 4) «يكفيك عشر سنين» فأن هذا دليل على دوام أثره و كذلك قوله التيمم احد الطهورين (باب 23 من التيمم ح 1).

و الجواب عنه ان القول بالطهورية لا اشكال فيه، و لكن لا يستفاد منه انه طهور و لو في حال الاختيار بل يكون طهورا للمضطر، و اما الكفاية عشر سنين فقد نقل بعض الفقهاء فيه ان تشريع التيمم كان لإرغام أنف الأعراب و كسر سورة تكبرهم فلذا قيل بهذه العبارة ليضعوا على أنفسهم هذا التكليف الشاق عندهم من باب كونه مؤثرا في الطهارة نظير الماء، لا من باب انه واف بمصلحته.

و ربما يتمسك بدليل وجوب الطلب لإثبات أن المصلحة المائية أقوى، فلو لا ذلك لا يكون وجه له و فيه انه يكون كاشفا عن العدم أو الوجود و لا يكون له شأن الّا الإحراز يعني يكون الفحص لإحراز عدم الوجدان الذي يكون هو موضوع التيمم لا اقوائية‌

260

مصلحته، و لا يستفاد منه أن التفويت لا يجوز، فالحق ما قدمناه في ذلك (1).

قوله: و لو كان على وضوء لا يجوز له إبطاله إذا علم بعدم وجود الماء.

أقول انه قال بعضهم بأن إراقة الماء لا يجوز و لكن ابطال الوضوء قبل الوقت يجوز و هذا غير تام فإنه كيف يمكن ان يقال بأن الوضوء الحاصل يجوز إبطاله و الماء الذي يكون مقدمة لحصوله لا يجوز إراقته، و احتمل بعضهم ذلك قال به شيخنا النائيني (قده) جزما و يلزم التماس دليل لهم لما ذكروه مع علوّ شأنهم، فيمكن ان يقال أن إسقاط خطاب «اغسلوا» في بدو الأمر غير جائز لوجوب العمل عليه حدوثا، و اما إبقاء ما هو حاصل فلا يكون لنا دليل عليه.

قوله: بل الأحوط عدم الإراقة و عدم الابطال قبل الوقت أيضا مع العلم لعدم وجدانه بعد الوقت و لو عصى فأراق أو أبطل يصح تيممه و صلاته و ان كان الأحوط القضاء.

أقول ان تفكيك هذا الفرع عن السابق مع اتحاد حكمهما بنظر المصنف (قده) يكون لوجهين: الأول- احتمال خصيصة في المقام و هو ان وجوب الطهارة يكون لوجوب الصلاة، أو غاية أخرى، فيكون وجوبها مقدميا، و الخطاب بذي المقدمة‌

____________

(1) أقول ان إنكار ما ذكروه مشكل، فأن المدار لو كان على كشف الماء يلزم ان يقال ان كان له تراب فيتيمم، و إنشاء تفحص ليجد الماء، و لا معنى للتحديد أيضا فإنه إذا كان بالاختيار يدور الفحص وحده مدار ارادته، فأخبار وجوب الطلب أيضا يمكن ان يكون دليلا على طولية الوضوء و الغسل بالنسبة إلى التيمم و مصلحتهما أقوى منه.

و الحاصل في الذهن يحتاج هذا المعنى و هو انه كيف جعل عدم الماء موضوعا للتيمم و لم يجعل عدم التراب و وجدان الماء موضوعا للوضوء، و بعبارة أخرى لا يستفاد من الروايات الّا ما تكون الآية بصدده و فيها يكون التيمم في طول الوضوء.

261

ما لم يصر فعليا لا يكون الخطاب بمقدمته فعليا كذلك، فعليه لا يكون له تكليف قبل الوقت حتى يجب عليه حفظ الوضوء له، و هذا يكون على مبنى القائلين بأن الوجوب قبل الوقت لا يصير فعليا، و اما على التحقيق من كونه فعليا قبله و ان جميع أقسام الواجب من المشروط و المطلق و المعلق يرجع الى شي‌ء واحد في إحراز الفعلية، فلا يكون هذا هو الفارق لفعلية التكليف قبل الوقت فيكون الخطاب بمقدمته أيضا فعليا.

لا يقال قبل دخول الوقت و أن لم يكن خطاب كما هو المشهور و لكن للمشهور أن يقول حفظ أغراض الموالي لازم، فأن العقل بعد ما يرى أن التكليف سيصير فعليا في الوقت يكون حفظ ما هو مقدمة له واجبا كما ترى في من يقول لعبده أن الضيف العزيز يجي‌ء غدا فأكرمه، فإن حفظ مقدمات الإكرام من قبل مجيئه لازم، فلا فرق بين المسلكين من هذه الجهة.

لأنا نقول لا حكم للعقل كذلك لأن الدخيل في ذي المقدمة يمكن ان يكون ما هو طبيعي الشرط بمعنى حصوله بطبعه لا ما يكون بدخل من العقل بأن هذا مقدمة فيجب حفظها بعد ما جعل الشارع هذا مقدمة لذلك، فلا حكم للعقل بعد احتمال دخل ما هو حاصل طبعا، لا ما هو حاصل بواسطة التعمّل و المحافظة عليه، فلا يمكن تشبيه المقام من حيث الحكم بما كان قبل الوقت، فالحق ما هو التحقيق عندنا من ان الواجبات المشروطة قبل الوقت تكون فعلية مثل الواجب المطلق لأن الحكم ليس عندنا إلّا الإرادات المبرزة و نتيجة هذا النحو من الفعلية هو وجوب تحصيل الشرط قبل الوقت و قال السيد محمد الفشاركى و شيخنا الحائري (قدس سرهم)ا) بأن الواجب المشروط قبل حصول الشرط لا يكون فعليا و لكن البعث بالمقدمة قبل الوقت يكون من آثار الواجب المشروط و هذا لا يستقيم عندنا. (1)

____________

(1) أقول قد حررنا في الأصول عدم فعلية الواجبات المشروطة قبل شرطها و لكن يمكن ان يقال بان الواجبات المشروطة في أمثال المقام يكون للوجوب الإنشائي الذي يكون مسلما فيها، أمثال هذا الأثر و العرف يتلقى الخطاب هكذا فما قال به العلمان هنا جيّد مستقيم على التحقيق.

262

الوجه الثاني احتمال خصيصة في المقام من جهة ما يتوهم من النص الوارد و هو قوله (عليه السلام) (في باب 4 من أبواب الوضوء ح 1) إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة». بتقريب ان يقال أن المستفاد من هذا الحديث الشريف هو أن الطهور يجب مع الصلاة إذا دخل الوقت لا قبله، فلو كان للواجب بعث الى المقدمات مثل الستر مثلا قبل الوقت لا يكون بعث له بالنسبة إلى خصوص الطهور بهذا النص و لذلك يفتون بعدم جواز الوضوء قبل الوقت لأنه غير مشروع. و ادعى الإجماع عليه أيضا.

و الجواب عنه أن الإجماع معلوم السند مع عدم حصوله في نفسه و الرواية لو دلت على أن الوضوء قبل الوقت غير واجب لا تدل على أن الماء إذا كان موجودا يجوز إهراقه و لو علمنا بأنا لم نجده بعده، فيكون معنى الرواية هو الإرشاد الى عدم إمكان تحصيل الطهور قبل الوقت لا دليلا على جواز اضمحلال مقدماته.

[مسألة 14- يسقط الطلب إذا خاف على نفسه أو ماله من لص أو سبع أو نحو ذلك]

مسألة 14- يسقط الطلب إذا خاف على نفسه أو ماله من لص أو سبع أو نحو ذلك كالتأخر عن القافلة و كذا إذا كان فيه حرج و مشقة لا تتحمل.

أقول انه قد مر بعض البحث عن ذلك فيما مر، و الآن نتكلم فيه تارة بمقتضى القواعد، و اخرى بمقتضى النص، امّا القاعدة فمقتضاها في ذلك هو أن المقام يحصل التزاحم بين دليل وجوب الطلب و حفظ المال و النفس فلا بد من ترجيح أحدهما على الآخر بمرجح، و لا يكون المرجح ما يقال و هو المعروف عن شيخنا النائيني من أن الأمر إذا دار بين ما لا بدل له و ماله البدل يكون التقديم مع ما لا بدل له، فيقال في المقام الطهارة المائية لها بدل و هو التيمم و النفس و المال لا بدل لهما فيقدم دليلهما، لأنه يمكن ان يقال الباقي من مصلحة الطهارة المائية يمكن أن يكون أقوى من مصلحة حفظ النفس و المال، لو لا دليل آخر، فنحتاج الى مرجح آخر‌

263

و قال بعض الظرفاء هنا بأن الذي يكون محل البحث هنا يكون هو الخوف على النفس و المال، و القطع به لا يكون الّا بعد حصوله، فلا يكون المدار عليه، و فيه ما لا يخفى فأن الخوف له مرتبة، و القطع بتلف النفس و المال يكون له مرتبة اخرى، و يحصل قبل الوقوع أيضا في النفس مثل من يقطع بأن الدخول في البستان موجب للهلاك لوجود السبع فيه، و الخوف و القطع و ان كانا من حيث الحكم واحدا على التحقيق، و لكن يمكن ان يقول قائل بالفرق بينهما من جهة ضعف الاحتمال و شدته.

و اما الضرر المالى فلا يمكن دفعه في المقام تمسكا بلا ضرر، إلّا إذا كان حرجيا كما مرّ في الطلب من أنه يلزم ان يشترى المال بأضعاف قيمته على فرض عدم الحرج و العسر. لا يقال إذا كان مقتضى النص أهمية الوضوء بحيث يجب بذل مال كثير فأي فرق بين أن يأخذ اللص ماله، أو يشترى الماء، فإنه يمكن ان يعرض نفسه للص و يعطيه ماله و يجد الماء. لأنا نقول تعريض النفس على اللص غير تعريضه على بذل المال فإنه ربما يكون خوف قتله أيضا أو فعله ما يكون عسرا على الشخص.

و اما الدليل الخاص في المقام فالروايات التي مرّت في باب 2 من التيمم ح 1- عن داود الرقى قوله (عليه السلام) «لا تطلب الماء و لكن تيمم فإني أخاف عليك التخلف عن أصحابك، فتضلّ و يأكلك السبع» و ضعف السند بداود منجبر بعمل الأصحاب و هكذا ح 2 عن يعقوب بن سالم قوله (عليه السلام) «لا آمره ان يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع» فأن التعرض للص مطلق من حيث احتمال القتل و الماء، فيمكن أن يقال ان الخوف عن اللص مطلقا يكون من الموانع، و اما إذا قلنا بأن اللص يطلب المال و لا يكون بصدد النفس و التعريض له فلا يكون لنا سند لعدم التعرض له في صورة احتمال أخذ المال فقط و هو يدور مدار إثباته من الخارج.

[مسألة 15- إذا كانت في بعض الجوانب حزنة و في بعضها سهلة]

مسألة 15- إذا كانت في بعض الجوانب حزنة و في بعضها سهلة يلحق كلا حكمه من الغلوة و الغلوتين.

264

الثاني من موارد التيمم عدم الوصلة إلى الماء لعجز كالخوف من السبع

الثاني: عدم الوصلة إلى الماء الموجود لعجز من كبر أو خوف من سبع أو لص أو لكونه في بئر مع عدم ما يستقى به من الدلو و الحبل و عدم إمكان إخراجه بوجه آخر و لو بإدخال ثوب و إخراجه بعد جذبه الماء و عصره.

أقول المانع من الوصول الى الماء على ثلاثة أقسام عقلي أو شرعي أو أخلاقي لا شبهة في مانعية الأول، و اما الثاني فيكون داخلا في باب التزاحم، و المدار في تقديم احد الدليلين على الآخر هو أهمية مدلوله، مثل الخوف على النفس فأن حفظ النفس مقدم على وجوب طلب الماء لإحراز الأهمية من الأدلة الخاصة هذا مضافا بأن قاعدة «اللاحرج» «و اللاضرر» منطبقة بالنسبة إلى الحرج النفسي و الضرر كذلك، فأي حرج أقوى من الخوف على النفس و اما الضرر فيكون دليل اللاضرر بالنسبة إلى الضرر البدني و النفسي مقدما بالحكومة على دليل وجوب الطلب، و لو لم نقل بانطباقه في الضرر المالى فالضرر المتوجه الى النفس و العرض يكون مرفوعا ففي المقام لا إشكال في تقديم القاعدتين.

و اما الخوف عن اللص الذي ذكره المصنف من الموانع فالكلام فيه ما مرّ، و هو انه ان كان الخوف على النفس أو على العرض يكون مانعا عن الطلب و اما إذا كان خصوص الضرر المالي الذي لا يصل الى الحرج فلا إشكال في تقديم المال الى اللص و طلب الماء، كما في صورة الاشتراء.

لا يقال لا يلزم إحراز الأهمية في اللص بل كبرى اللاضرر و اللاحرج منطبقة، بلا إشكال لأنا نقول كما مرّ لا يجي‌ء كبرى اللاضرر في المقام إذا كان في خصوص المال و الحرج إذا لم يتحقق لا يكون كبراه منطبقة.

265

لا يقال لا يكون هذا المقام مقام كبرى اللاضرر، لما مرّ من الروايات بأن الإمام (عليه السلام) اشترى الماء بمأة أو ألف دينار، فالضرر المالى لا يمنع عن الطلب لأنا نقول فرق بين تعريض النفس على اللص و الضرر المالى فقط، فيمكن شموله بالنسبة إلى اللص ببعض الأنحاء و في غيره يلزم ملاحظة الأهمية.

و اما الثالث و هو المنع الأخلاقى فيكون مثل تزاحم وجوب الطلب الطهارة المائية مع مستحب من المستحبات، أو مع راجح عرفي.

و ربما يقال بأن الطهارة المائية حيث يكون لها البدل تنتقل إلى الترابية و ماله البدل يقدم عليه ما ليس له البدل. و فيه ما مرّ من إمكان أهمية باقي المصلحة من ما لا بدل له، و استدل بما ورد من قوله (عليه السلام) «لا تفسد على القوم مائهم» كما في صحيح ابن ابى يعفور (باب 3 من التيمم ح 2) فأن فساد ماء القوم يكون خلاف الأخلاق لأنهم يشربونه، فأقول أما ان يفرض هذا الكلام في الآبار المشتركة بين الأعراب التي كان ماء جمع منهم عنه، و اما في البئر الخاصّ لشخص يأذن لغيره أيضا أخذ الماء منه، فعلى الأول يكون الباب باب تزاحم الحقوق و لا يكون المانع اخلاقيا بل لا يجوز المزاحمة لحق الغير، كما أن الأقرب ان يقال أن المورد كان فيه فقط لأن الناس مسلطون على أموالهم بحيث لا يوجب الضرر على الغير، و اما إذا كان البئر اختصاصيا فيكون المانع اخلاقيا و لا يكون الرواية فيه.

اما الروايات التي استدل بها للأخلاقية و لا يتم عندنا، فمنها ما (في باب 3 من التيمم ح 1) عن الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يمر بالركية و ليس معه دلو قال: ليس عليه أن يدخل الركية لأن رب الماء هو رب الأرض فليتيمم، بتقريب ان يقال ان التوسعة التي يستفاد من قوله (عليه السلام) رب الماء هو رب الأرض دليل على أن الوضوء ينتقل الى التيمم بأدنى شي‌ء و لكن الجواب عنه هو أن قوله (عليه السلام) ليس عليه أن يدخل الركبة يكون للزوم الحرج عليه فيكون إرشادا إلى لزوم الحرج عليه فلذا يكون الإلزام بالوضوء مرفوعا عنده، فلا تكون هذه دليلا على أن المنع‌

266

الأخلاقى أيضا موجب لتبديل الطهارة المائية إلى الترابية.

و منها (ح 2 في الباب) عن منصور بن حازم عن عبد اللّه بن ابى يعفور و عنبسة بن مصعب جميعا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا أتيت البئر و أنت جنب فلم تجد دلوا و لا شيئا يغرف به فيتيمم بالصعيد فأن رب الماء هو رب الصعيد و لا تقع في البئر و لا تفسد على القوم مائهم. و قد مرّ بعض الكلام فيها فأن الفساد في بعض العبادات هو تنجيس الماء، و يفهم بعضهم منه، صيرورة الماء مخلوطا بالطين و على اى تقدير قلنا أن الباب حيث يكون باب تزاحم الحقوق لا يجوز التنجيس و لا التلويث فلا يكون له التصرف في الماء فلذا يجب عليه التيمم و اما صرف المنع الأخلاقى حتى في صورة كون البئر بئر نفسه، و يأذن للغير دخوله، فلا يكون مانعا عن الطهارة المائية.

و منها (ح 3 في الباب) عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن على (عليهما السلام) انه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من المسجد من كثرة الناس، قال: يتيمم و يصلى معهم و بعيد إذا انصرف.

و تقريب هذا بأن الزحام يكون مانعا عن الوضوء، فالانتقال الى التيمم بهذه المناسبة أيضا يدل على سهولة الانتقال منه اليه. و فيه أن كثرة الزحام ربما يكون موجبا للحرج و لو فرض في بعض الموارد المشقة دون الحرج فإطلاق دليل الوضوء يحكم بوجوبه. و اما إعادة الصلاة بعد ذلك فلا تكون لبطلان الصلاة كذلك مع التيمم بل من باب صلاته (1) مع الناس تقية.

و منها (ح 4 في الباب) عن الحسين بن ابى العلاء قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يمرّ بالركية و ليس معه دلو قال ليس عليه ان ينزل الركية أن رب الماء هو رب الأرض فليتيمم و تقريبها مثل الرواية الأولى و الجواب، الجواب، فالحاصل ان المنع الأخلاقى لا يوجب الانتقال من الوضوء أو الغسل الى التيمم.

____________

(1) أقول انه ليس المراد بالناس هو العامة و ان كان في بعض الروايات مع القرينة يستعمل الناس فيهم، و لا يكون في هذه الرواية قرينة للتقية أصلا.

267

ثم انه في نجاة العباد و كذا في الجواهر (1) عبارة نقلا عن جامع المقاصد، بأنه لو وهبه شخص المال ليشترى به الماء لا يجب عليه القبول لما فيه من الغضاضة و الاستهانة للنفس و عبارته بعينها هذه: قال: «لأن هبة المال مما يمتنّ به في العادة، و يحصل به للنفس غضاضة و استهانة، و ذلك من أشد أنواع الضرر على نفوس الأحرار. و فيه أن المال لو وصل قبوله الى حدّ الحرج كان لما ذكره وجه، و اما إذا لم يصل اليه فلا دليل على عدم الوجوب بل يجب قبولها لحفظ مصلحة الطهارة المائية.

[مسألة 16- إذا توقف تحصيل الماء على شراء الدلو أو الحبل أو نحوهما]

مسألة 16- إذا توقف تحصيل الماء على شراء الدلو أو الحبل أو نحوهما أو استيجارهما أو على شراء الماء أو اقتراضه وجب، و لو بأضعاف العوض ما لم يضر بحاله و اما إذا كان مضرا بحاله فلا كما انه لو أمكنه اقتراض نفس الماء أو عوضه مع العلم أو الظن بعدم إمكان الوفاء لم يجب ذلك.

أقول من فروع وجوب تحصيل الماء شراء ما ذكره في المتن، فهنا أيضا مقتضى القواعد هو ملاحظة الأهم و المهم فإذا وهبه شخص ما ذكر يجب عليه القبول إذا لم يكن قبول منته حرجيا، و اما إذا كان طلبه بالشراء و صرف المال ممكنا فتارة يبيعون الماء بثمن المثل، و تارة بأضعافه، و هنا يمكن ان لا يكون نفس الشراء ضرريا مثل ان يكون الحبل ذا فائدة، و اما صرف الماء في الوضوء فيكون ضرريا فعلى القاعدة يشمله قاعدة اللاضرر.

لا يقال القاعدة لا تشمل ما يكون بطبعه ضرريا مثل الزكاة و الخمس مثلا فأن اللازم هو صرف المال و هو ضرري و المقام أيضا كذلك فأن شراء الماء يكون ضرريا بطبعه لأنا نقول ما يكون ضرريا بطبعه يكون هذا فيه صحيح، و لكن المقام يكون له فردان فرد يكون ضرره طبعيا مثل شراء الماء بثمن المثل و فرد يكون ضرره غير طبعى و هو الشراء بأزيد منه.

____________

(1) أقول ما حضرنا نجاة العباد فنقلنا العبارة عن الجواهر ج 5 ص 101.

268

نعم لا ضرر يكون محكوما للتكاليف مثل ان يضطر أحد اما الى شرب الخمر أو إعطاء ألف درهم، فإنه يجب عليه إعطاء الدراهم و لا يرفع الحرمة التكليفية، و اما بالنسبة إلى الضرر المالى فلا يكون محكوما بل هو حاكم.

ثم ان الشراء إذا كان بأكثر من ثمن المثل تكون المعاملة ضررية و هي باطلة من أصلها و لكن يمكن أن يدعى ان إطلاق دليل الوضوء في المقام يكون حاكما بتحمل الضرر إلّا إذا كان حرجيا، و في غير المقام أيضا يوجب الخيار لا بطلان أصل المعاملة هذا بحسب القاعدة.

و اما الروايات الخاصة في المقام فهي ما ورد في باب 26 من التيمم ففي ح 1 عن صفوان قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل احتاج الى الوضوء للصلاة و هو لا يقدر على الماء فوجد بقدر ما يتوضأ به بمأة درهم أو بألف درهم و هو واجد لها، أ يشترى و يتوضأ أو يتيمم، قال لا بل يشتري إلخ.

فإن إطلاق هذه الرواية يدل على أن الشراء لازم و لو كان بحدّ الحرج كما أن إعطاء الألف يكون كذلك غالبا، لكن يقيد بغير الحرج بمقتضى ح 2 عن أبي طلحة قوله قال: «فأن لم تجدوا بشراء و بغير شراء، قلت أن وجد قدر وضوء بمأة ألف أو بألف و كم بلغ؟ قال: ذلك على قدر جدته فأن قدر الجدة هو الذي لا يلزم منه الحرج ثم أن (1) في بعض العبائر انه لم يجب شراء الماء لو كان مضرا بحاله، كما انه لعله يكون في بعض الإجماعات المنقولة فصاروا في صدد معنى المضرية بالحال فقال بعضهم معناه المضر الفعلي الذي يتدارك في ما بعد هذا الزمان، بعضهم قال:

معناه المضر بحاله في الزمان الفعلي و بجدته، و الحق هو أن المضر لا يكون فيه الزمان دخيلا بل المدار على الجدة فلو كان مضرا بحاله و لم يصل الى حدّ الحرج يجب تحمله، و ليس ما قالوا رواية بل سنده ما ذكر من الأدلة و ضابطته ما ذكر.

____________

(1) العبارة في الجواهر ج 5 ص 99 و 100

269

اما شراء الآلات أيضا فهو لازم أيضا لأنه من مقدمات الطهارة المائية الواجبة و اما الاقتراض ففصل المصنف (قده) كما في المتن بأنه ان كان له قدرة الأداء فيجب و ان لم يكن له القدرة لا يجب، و لكن في باب القرض يكون مسلكان: الأول هو أن لا يصح لمن لا يكون لذمته اعتبار عند العقلاء، كما عن المحقق الميرزا محمد تقي الشيرازي (قده) فلا يصح اقتراض مأة ألف درهم لمن لا يكون لذمته هذا النحو من الاعتبار عند العقلاء كبعض الطلاب فعليه لا يصح القرض أصلا. و الثاني مسلك من قال بصحة الاقتراض مطلقا من دون اعتبار للذمة، فعليه من لا يقدر على الأداء أيضا يجب عليه الاقتراض الّا ان يقال بأنه يصل الى حدّ الحرج و هو غالبا حاصل و لذا لا يجب القرض في صورة عدم القدرة على الأداء.

[مسألة 17- لو أمكنه حفر البئر بلا حرج وجب]

مسألة 17- لو أمكنه حفر البئر بلا حرج وجب كما انه لو وهبه غيره بلا منة و لا ذلة وجب القول.

أقول الأمر بالطلب يكون للوجدان لا الإيجاد أي لا يلزم إيجاد الماء بأي وسيلة كانت مثل أن التقوية لمن هو ضعيف لا يقدر على الصوم ليقدر عليه بها غير لازم فأن تصير النفس موضوعا للدليل و هو خطاب الصوم غير لازم و هكذا في المقام، و لكن ما يحسب من المقدمات العادية فهو لازم فلو كان حفر البئر مما لا مؤنة له زائدا على المتعارف فهو لازم، كما أنه يكون غالبا كذلك فإنه من الأسباب العادية و اما مثل أخذ الماء الخالص من الدابوقة مثلا بحيث يطلق عليه اسم الماء المطلق فهو من قبيل إيجاد الماء و هو غير لازم و الحاصل أن المدار على كون هذا العمل مما يعد من الوجدان عرفا.

270

الثالث من موارد التيمم الخوف من استعمال الماء لمرض و نحوه

قوله: الثالث الخوف من استعماله على نفسه أو عضو من أعضائه بتلف أو عيب أو حدوث مرض أو شدته أو طول مدته أو بطؤ برئه أو صعوبة علاجه أو نحو ذلك مما يعسر تحمله عادة.

أقول هذا الفرع من مشكلات المقام، لأن كلام الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) يكون في مانعية مطلق الخوف للانتقال الى التيمم، و يكون له الموضوعية عندهم، لا الخوف الذي يصل الى حدّ الضرر و الحرج الذي يكون طريقيا، و الأشكال في أنه إذا كان الماء نافعا بحاله مثل رفع الحمى بواسطة الماء البارد لا يكون صرف الاحتمال مانعا عن الطهارة المائية، فإنه مع العلم بالضرر يكون بابه باب التزاحم بين حفظ النفس و تحصيل مصلحة الطهارة المائية، و يكون المنع من باب تقديم حفظ النفس عليه بالدليل القطعي، و مع الاحتمال فهو لا يؤثر شيئا.

و استندوا للموضوعية بوجوه الأول الإجماع و فيه انه سندي لأن سنده اما يكون حكم العقل فيلزمه ملاحظة ان حكمه بحفظ النفس يكون في صورة الاحتمال أم لا و اما ان يكون الروايات الخاصة فيجب ملاحظة مقدار دلالتها.

الثاني الآية بقوله تعالى «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ» فأن المرض علة للانتقال الى التيمم و اى مرض أقوى من الخوف على النفس. و فيه أن المرض الذي يكون الوضوء مضرا به يكون موضوع الآية لا ما لا ضرر فيه.

الثالث قاعدة اللاضرر و اللاحرج، فإن الإقدام على ما يخاف منه يلزمه ذلك، و فيه انه تارة يكون تحمل الخوف موجبا للضرر أو الحرج بمعنى انه يوجب ضعف القلب بحيث يكون تحمله حرجيا أو ضرريا، فهذا النحو يمكن ان يتمسك له بالقاعدتين‌

271

و لكن لا يقولون بذلك بل يقولون ان الخوف له الموضوعية و لو لم يصل الى هذا الحدّ و إثبات كونه بنفسه ضرريا أو حرجيا كذلك مشكل، هذا كله ما كان منوطا بالواقع، و ما يمكن الاستدلال به على فرض وجود الواقع للخوف.

و اما الروايات التي استدل بها لموضوعية الخوف فعلى طوائف: الأولى- ما ورد في باب 5 من التيمم ففي ح 1 عن محمد بن مسكين و غيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قيل له أن فلانا أصابته جنابة و هو مجدور فغسلوه فمات فقال: قتلوه ألّا سألوا ألا يمّموه؟ ان شفاء العي السؤال و تقريب الاستدلال بحيث يفيد المقام، هو ان يقال ان في المقام لا يكون لهم العلم بأنه يموت بذلك لأنه بعيد، فيكون فعلهم ذلك اما من باب احتمال الضرر أو القطع بعدمه، فيكون إطلاقها شاملا للمقام بأنه سواء كان الاحتمال أو غيره، كان وظيفتهم التيمم، و لكن لا يستفاد منها ان الخوف الذي يكون مجوز التيمم هل يكون له الموضوعية أو طريق الى الواقع بحيث لو ظهر خلافه لم يكن فعله مع التيمم كذلك مجزيا.

و في ح 2 قال: «و روى ذلك في الكسير و المبطون يتيمم و لا يغتسل» و في ح 5 عن محمد بن مسلم قال: سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون به القرح و الجراحة يجنب، قال لا بأن لا يغتسل يتيمم. و قوله (عليه السلام) «لا بأس» إشارة الى ان المرفوع هو الإلزام، بمعنى انه لو تحمل المشتقة و اغتسل يكون غسله صحيحا و تقريبها مثل ما مرّ يكون في صورة احتمال الخوف و لا يستفاد منها الطريقية أو الموضوعية.

و في ح 6 عن جعفر بن إبراهيم الجعفري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) ، ذكر له ان رجلا أصابته جنابة على جرح كان به، فأمر بالغسل فاغتسل فكز فمات، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قتلوه قتلهم اللّه، انما كان دواء العي السؤال.

و في ح 7 عن محمد بن ابى نصر عن الرضا (عليه السلام) قوله «أو يكون يخاف‌

272

على نفسه من البرد فقال لا يغتسل و يتيمم». و تقريب الجميع هو أن في صورة احتمال الضرر و حصول الخوف يكون الوظيفة التيمم. و لا يستفاد منها طريقية الخوف أو موضوعيته.

الطائفة الثانية- ما ورد في باب 2 من التيمم (باب عدم وجوب طلب الماء مع الخوف و لو على المال و جواز التيمم و ان علم وجود الماء في محل الخطر) ففي ح 1 قوله (عليه السلام) «فإني أخاف عليك التخلف عن أصحابك فتضل و يأكلك السبع». فإذا كان خوف الإمام (عليه السلام) عن الضرر سببا للانتقال الى التيمم يشمل صورة احتماله من الطالب للماء، و اما الطريقية أو الموضوعية للخوف فلا يستفاد منها أيضا.

الطائفة الثالثة الروايات الواردة في خوف العطش و لا يكاد ينقضي تعجبي عنهم حيث لم يستندوا الى هذه الروايات مع دلالتها على مطلوبهم بدلالة أقوى مما استدلوا به، في باب 25 من التيمم و هي متضافرة ففي ح 1 عن أبا عبد اللّه (عليه السلام) انه قال: في رجل أصابته جنابة في السفر، و ليس معه الّا ماء قليل، و يخاف ان هو اغتسل ان يعطش قال ان خاف عطشا، فلا يهريق منه قطرة و ليتيمم بالصعيد فأن الصعيد أحبّ الىّ.

و هكذا ح 2 و 3 في الباب فأن خوف العطش يكون ذكره بالصراحة في تلك الروايات، و بتنقيح الملاك يشمل كل خوف، و يمكن استفادة الموضوعية منها لأن كل عطش لا يكون موجبا للضرر، و الروايات بإطلاقها دلت على ان الخوف موجب للانتقال الى التيمم، و لو في صورة عدم الضرر و هذا الخوف ذكره المصنف (قده) في الخامس من الموانع مع انه ليس شي‌ء على حدة.

ثم انه ربما يستدل لموضوعية الخوف أن موضوع التيمم عدم الوجدان العرفي و هو صادق مع الخوف على النفس، و فيه انه ناش عن تزاحم دليل الوضوء و الغسل و دليل التيمم و مع وجود الماء واقعا ليس المورد مورده.

273

و ربما يستدل بأن الخوف يكون عند العقلاء مؤثرا في عدم الأقدام على المخوف منه في مهام أمورهم، و لا ردع عنه من الشرع و الدين أيضا من مهام الأمور فيمكن ان يكون خوف استعمال الماء مجوزا للتيمم.

و فيه أن هذا صحيح و يستفاد منه الطريقية لا الموضوعية فإنهم من حيث انه طريق الى الواقع يرونه مجوزا بحيث لو انكشف خلافه لا يترتب عليه الأثر فلا موضوعية للخوف بهذا الدليل.

ثم أن رواياتنا في المقام ما كان فيه لفظ الخوف فيما استدل به المشهور إلا رواية واحدة، و هي رواية أبي نصر التي مرت آنفا و روايات خوف العطش كما ذكرناها مع تنقيح المناط للمورد، و في خصوص خوف البرد روايات معارضة مع هذه و هي في باب 17 من التيمم ح 3 و 4 عن حسين بن عثمان عن ابن مسكان عن عبد اللّه بن سليمان جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه سئل عن رجل كان في أرض باردة تتخوف ان هو اغتسل ان يصيبه عنت من الغسل كيف يصنع؟ قال يغتسل، و ان اصابه ما اصابه، و ذكر انه كان وجعا شديد الوجع فأصابته جنابة و هو في مكان بارد و كانت ليلة شديدة الريح باردة، فدعوت الغلمة فقلت لهم احملوني فاغسلوني فقالوا انا نخاف عليك فقلت لهم ليس بدّ فحملوني و وضعوني على خشبات ثم صبوا علىّ الماء فغسلوني. و نظيره ح 4 عن محمد بن مسلم. و دلالتها على المطلوب من جهة انه يجب الغسل و لو عند الخوف واضحة.

و الأشكال على رواية ابن سليمان بأن أصابه الجنابة للإمام (عليه السلام) غير صحيح لأنه لا يحتلم كما ورد به الرواية مندفع بأنه لا اشكال من جهة كون الغسل واجبا عند البرد فهو غير ساقط من هذه الجهة. و لكن الجواب عنها ان موردها الحرج و هو مرفوع قطعا و يكون إعراض الأصحاب عنها سببا لضعفها، فمع ضم روايات خوف العطش بتنقيح المناط، و السيرة العقلائية، يمنع الخوف عن الأقدام بالطهارة المائية و اما الموضوعية أو الطريقية فسيجي‌ء بحثه.

274

قوله: بل لو خاف من الشين الذي يكون تحمله شاقا تيمم و المراد ما يعلو البشرة من الخشونة المشوهة للخلقة أو الموجبة لتشقق الجلد و خروج الدم.

أقول الشين الذي يكون معناه في المتن تارة يكون بحيث يحصل منه الحرج أو الضرر و لو كان مثل الخجلة عن الناس فيكون مرفوعا بدليل الحرج و الضرر و اما إذا لم يصل بهذا الحد لا يكون لنا دليل على رفعه و مراد المصنف (قده) هو الأول فيمكن ان يكون شخص في الجبال يكون قليل المراودة مع الناس و لا يكون تشويه الخلقة مثل خروج أصابعه عن النظم المخصوص موقتا عليه جرحا و هكذا ما يعلوا البشرة فالمدار على الضرر و الحرج و يمكن ان يستفاد ذلك من ملاك الخوف من الرد فإنه حيث يكون لازمه ما ذكر من الشين فيكون الشين مرفوعا بتنقيح المناط.

قوله: و يكفى الظن بالمذكورات أو الاحتمال الموجب للخوف سواء حصل له من نفسه أو قول طبيب أو غيره و ان كان فاسقا أو كافرا و لا يكفى الاحتمال المجرد من الخوف كما انه لا يكفى الضرر الذي لا يعتنى به العقلاء و اما إذا أمكن علاج المذكورات بتسخين الماء وجب و لم ينتقل الى التيمم.

أقول ان كان سندنا في مانعية الخوف الروايات، فهي مطلقة من حيث كونه من قول الخبراء أولا، فإنه إذا حصل الخوف و يكون له عند العقلاء وجه يمنع عن الوضوء و اما إذا كان السند بناء العقلاء فلا بد من أخذ المتيقن لأنه دليل لبى و هو صورة إخبار الخبراء به، مثلا من يخاف المرض يجب ان يصدقه الطبيب في ذلك و لا يكفى احتمال نفسه.

ثم ان الخبرة لا فرق بين ان يكون كافرا أو مؤمنا لأن الخبراء في كل فن يقبل قولهم مطلقا، نعم لو كان متهما مثل من يعلم ان هذا الطبيب اليهودي مثلا يريد هلاك المسلم بهذا النحو لا يقبل قوله.

275

ثم مع الشك في الضرر و الحرج فحيث يكون من الشبهة المصداقية لدليل الوضوء و الغسل و التيمم، لا يمكن ان يتمسك بعمومات الوضوء و الغسل لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و هو غير جائز و ما توهمه بعض الفقهاء من التمسك بدليل الوضوء يكون غفلة عن هذا الأشكال.

[مسألة 18- إذا تحمل الضرر و توضأ أو اغتسل]

مسألة 18- إذا تحمل الضرر و توضأ أو اغتسل فإن كان الضرر في المقدمات من تحصيل الماء و نحوه وجب الوضوء أو الغسل و صح و ان كان في استعمال الماء في أحدهما بطل (1) و اما إذا لم يكن استعمال الماء مضرا بل كان موجبا للحرج و المشقة كتحمل الم البرد أو الشين مثلا فلا يبعد الصحة و ان كان يجوز معه التيمم لان نفى الحرج من باب الرخصة لا العزيمة و لكن الأحوط ترك الاستعمال (2) و عدم الاكتفاء به على فرضه فتيمم أيضا.

أقول هذه مسألة مشكلة فنقول مستعينا باللّه تعالى انه ربما يترائى من كلمات الفقهاء أن الضرر و الحرج بينهما فرق بأن الضرر ينفى الإلزام و الملاك و الحرج ينفى الإلزام دون الملاك.

فأشكل عليه بأنهما دليلان امتنانيان و لا فرق بينهما من هذه الجهة، و لكن هذا غفلة عن المستشكل فأن مورد النص الضرر المحرم يكون من اجتماع الأمر و النهي و مورد الحرج لا يكون كذلك، و بيانه أن الضرر تارة يكون حراما مثل قتل نفسه أو اعماء عينه أو قطع يده و أمثال ذلك، و اما إذا لم يكن محرما مثل خدش يده مثلا أو ضرب القمة في عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) أرواحنا (فداه) (3) فإنه لا دليل لنا‌

____________

(1) على الأقوى إذا كان الضرر محرما في غيره على الأحوط لو لم يكن الأقوى أيضا.

(2) لا يترك الاحتياط بعدم الإكتفاء.

(3) مر الكلام في ضرب القمة في تذييلات المجلد الرابع من هذا الكتاب ص 284 فارجع.

276

على حرمة كل ضرر و البحث في المقام يكون في الضرر الذي يكون حراما فإنه منهي عنه فلا يجتمع الأمر و النهي في وضوء أو غسل و لا يخفى أن الضرر، تارة يكون في تحصيل المقدمات مثل طلب الماء و تارة في نفس الوضوء و الغسل.

اما الأول فلو تحمله و لو كان حراما فصار واجد الماء يجب الوضوء و الغسل بلا شبهة لأنه وظيفة الواجد، و هذا يكون واجدا فيكون موضوعه متحققا، و لا بأس يكون المقدمة مستلزمة للحرام إذا لم يكن هذا حراما، كما انه إذا عصى فأهرق الماء الذي كان له فصار غير واجد، لا شبهة في صحة تيممه، و لا يضر عصيانه في المقدمة، و اما إذا كان الضرر في التطهير لا في المقدمة فحيث يكون عند الشرع غير واجد و ممنوعا من استعمال الماء لإطلاق دليل النهي عن الإضرار فلا موضوع للطهارة المائية فمع كون القدرة قيدا للوضوء و التيمم فهو غير قادر شرعا و مع عدم قيدية القدرة للوضوء يكون غير واجد شرعا لما مر من إطلاق دليل النهي، فإذا صار المورد مورد اجتماع الأمر و النهي فعلى التحقيق من عدم جواز الاجتماع في مقام الامتثال لعدم حصول قصد القربة في حال العلم بالنهي فلا إشكال في البطلان.

و هكذا على مسلك القائل بعدم الجواز حتى في مقام الجعل فإنه يبطل في مقام الجهل أيضا الّا من قال بمقالة القمي (ره) من ان الاجتماع جعلا و امتثالا لا اشكال فيه لأن صفحة النهي غير صفحة الأمر، و هو خلاف التحقيق كما حرر في موضعه.

و قد أشكل على هذا التقريب للبطلان بأن ما هو الحرام يكون الضرر الذي يترتب على استعمال الماء في الوضوء و الغسل فيكون استعماله من باب مقدمة الحرام لا أن يكون نفسه حراما ضرورة أن الضرر يتحقق بعده و مقدمة الحرام لا تكون محرمة و لا يكون لنفس المقدمة مقربية و لا مبعدية، بل العصيان و الإطاعة يكونان بالنسبة إلى ذي المقدمة و الثواب و العقاب أيضا كذلك.

و الجواب عنه أن ما هو الضار يكون هو استعمال الماء و يكون هو الفعل المستند الى المكلف القابل للتجويز و التحريم و لا معنى للقول بأن الضرر حرام‌

277

فأن هذا يكون مثل أن يقال الجدار حرام، و هو كما ترى، فأن ما ليس مستندا الى المكلف بأن يكون فعلا له لا يكون متعلقا للحرمة و الوجوب، و لو سلم نقول هذا من المقدمات التوليدية مثل إلقاء الحطب في النار و ما يكون كذلك يكون نفسه حراما، فنهيه يكون مبعدا و لا يمكن قصد التقرب معه، و اما العصيان في تحصيل الماء و لو كان من باب المقدمة و لا يضر بالطهارة فيكون من باب أنه ليس مصداق الوضوء و الغسل، بل هو خارج عنه، و هنا يكون مصداقا له.

لا يقال الوضوء ليس مصداقا للضرر بل استعمال الماء يكون ضرريا و الوضوء يكون هو الجري لا أصل الاستعمال فما هو الوضوء ليس بضرري فلا يبطل. و فيه أن الاستعمال يكون من الأفعال التوليدية كما مر، و يكون حرمة المولد بكسر اللام و المولد بفتحه متلازمين ضرورة عدم انفكاكهما في الوجود هذا كله حكم الضرر المحرم.

و اما الضرر الغير المحرم و الحرج فما هو المرفوع فيه يكون هو الإلزام و هو يكون ثقلا على المكلف فرفع امتنانا و هما متساويان من حيث الحكم فيكون الملاك باقيا فيصح الوضوء بداعي الملاك.

أن قلت ان الخطاب إذا لم يكن، فمن اين يستفاد بقاء المصلحة كما مر مرارا و هو رأى صاحب الجواهر. قلت أجبنا عنه مرارا (1) بأن سقوط الخطاب في الدلالة‌

____________

(1) أقول قد مرّ منا في أمثال المقام أيضا عدم كشف الملاك بعد سقوط الخطاب، و ما يدعى ثبوته بعد سقوطه مثل إنقاذ الغريقين الذين أحدهما ابن و الآخر أب لا نقدر على إنقاذهما مع وجود المصلحة يكون من باب إحراز الملاك من طريق آخر و ليس لنا علم بمصالح الأحكام كذلك، و المثال بالخبرين المتعارضين في نفى الثالث أيضا لا يقنع، لأن الفرض في الفقه هو التخيير و ثبوت الخطاب بالنسبة إلى أحدهما و لا يبقى مجال للثالث.

و مع التمسك بالسقوط عند التكاذب بمقتضى الأصل الأولى أيضا لا يفيد لأن نفى الثالث ليس بالدلالة الالتزامية بل يكون من باب أنا نعلم من الخارج بالعلم الإجمالي، أن الحكم لا يكون الا بين هذين لا غير فلو فرض عدم العلم كذلك كما هو الغالب ليس لنا الجزم بنفي الثالث، و لذا لو وجدنا ثالثا لقام في صف المعارضة فلا ينفى الثالث فعلا. و هذا شأن كل حكم من الأحكام بعد فرض التضاد بينها فلو فرض عدم التعارض أيضا ينفي كل حكم بالدلالة الالتزامية الثاني، و سقوط الخطابين على فرض قبوله يكون لعدم إمكان الجمع لا لعدم إحراز الخطاب في البين إجماعا و لو فرض صيرورتهما كالعدم بذلك لا ينفى الثالث أصلا، بل يكون مثل صورة عدم وجدان شي‌ء.

278

المطابقية لا يستلزم سقوطه في الدلالة الالتزامية، فإن الخطاب كاشف عن الملاك حدوثا و لا يكون بقائه متوقفا على وجوده بل يبقى مع سقوطه عن الحجية و هو لا يلازم السقوط عن الظهور الالتزامي، كما يقال في الخبرين المتعارضين بالنسبة إلى نفى الثالث بعد سقوطهما عن الحجية، أو يقال بأن دليل الوضوء مطلق يشمل حتى حال الحرج و الضرر الغير المحرم و المتيقن من التخصيص هو الإلزام فقط.

لا يقال حقيقة ما ذكرت هو التخيير بين الوضوء و التيمم، و لا يمكن ذلك لأن شرط أحدهما الوجدان، و شرط الآخر الفقدان، و لا معنى للتخيير بين الوجدان و الفقدان لأنهما متناقضين، و بعبارة أخرى بعد ما حررنا فيما سبق ان الشرط في كليهما عرفي شرعي و يكون دخيلا في الملاك، حيث يكون مأخوذا في لسان الدليل، لا يجوز أن تبقى المصلحة و أن تنفى في آن واحد و ان يكون واجدا و فاقدا كذلك كما عن شيخنا النائيني (قده) لأنا نقول: الرجوع الى التيمم يكون لأجل الترخيص لا لأجل عدم الوجدان فمع صدق الوجدان يكون الترخيص، فلا يكون الجمع بين الفقدان و الوجدان و مع إطلاق دليل الوضوء، حتى في حال الحرج يكون هذا الترخيص مع أصل التشريع صحيحا.

لا يقال: أن دليل الحرج يكون شأنه الرفع لا الوضع، فكيف يقال بأن وجوب الوضوء مرفوع به، فيكون الواجب هو التيمم فأن وجوبه يكون من باب أن يكون‌

279

نتيجته وضع التكليف و ليس في وسعه، فمن اين يقال بوجوب التيمم بعد رفع الوضوء.

لأنا نقول نحن لا نريد وضع التيمم به بل مقتضى قوله (عليه السلام) «لا صلاة الّا بطهور» هو وجوبه، اما بالمصداق المائي أو الترابي، فإذا لم يكن أحدهما يتعين الآخر فعليه فرفع الوضوء، لازمه التعيين في التيمم، كما في جميع موارد التخيير بين الأمرين برفع أحد شقي التخيير.

هذا كله ما هو التحقيق من أن صحة الوضوء و الغسل عند الحرج تكون للملاك بعد سقوط الأمر خلافا لصاحب الجواهر القائل بأن الخطاب في كل عبادة لازم، و يجب أن يكون قصدها بداعي أمرها فإذا لم يكن أمر، لا يكون للامتثال معنى.

و هنا مسلك آخر أرادوا به تصحيح الوضوء الحرجي بواسطة وجود الأمر في المقام أيضا، و هو أن الوجوب و الاستحباب يكون الفرق بينهما شدة الخطاب و ضعفه و حقيقة الحكم هي الإرادة و البعث و التحريك، فلو لم يكن للخطاب الترخيص في الترك يكون هذا هو البعث الشديد و ينتزع منه الوجوب، و ان كان الترخيص في الترك يكون هذا بعث ضعيف، و ينتزع منه الاستحباب و لا يمكن أن لا يكون البعث و التحريك في الخطاب الاستحبابي أيضا كما عن سيدنا الأستاذ الأصفهاني (قده) فعليه إذا رفع الإلزام و هو شدة الخطاب يبقى الأمر مع الترخيص في الترك، فسقط قيد عدم جواز الترخيص لا أصل الأمر فيكون الوضوء و الغسل الحرجي صحيحين بالأمر مع مشروعية التيمم أيضا.

و لكن نحن حررنا في الأصول بأن الوجوب و الاستحباب مرتبتان من الحكم متباينان ممتازان بالهوية، و ليس للحكم الوجوبي مراتب يرتفع بعضها و يبقى بعضها الآخر لأنه بسيط، و لو فرض أن يكون البسيط ذا مراتب يكون احتمال ارتباطية (1)

____________

(1) أقول ارتباطية الخطاب يكون لارتباطية المصلحة، فلا ادرى كيف تمسك (مد ظله) فيما سبق ببقاء الملاك بعد سقوط الخطاب الإلزامي فإنه بعد سقوط المصلحة عن مرتبة الإلزام من أين اثبت أن المصلحة بدون الإلزام باقية و هذا شاهد لأقربية قول صاحب الجواهر (قده).

280

جميع المراتب مانعا عن القول بأن المصلحة باقية في المرتبة الأدنى أيضا، فمع سقوط هذه المرتبة الشديدة يمكن أن لا يكون للمولى حب لهذا العمل فلا وجه لهذا القول في تصحيح العمل بالأمر.

[مسألة 19- إذا تيمم باعتقاد الضرر أو خوفه]

مسألة 19- إذا تيمم باعتقاد الضرر أو خوفه إلخ صح تيممه و صلوته (1).

أقول انه قد مرّ بعض الكلام في الخوف و ثبت أن الطهارة المائية تنقلب إلى الترابية عنده و لكن ما ثبت انه على وجه الطريقية حتى لو ظهر خلاف الواقع يجب القضاء و الإعادة، أو يكون له الموضوعية حتى لا يجب ذلك، فنقول (2) في المقام أن مقتضى ظهور دليل الحرج و الضرر، و ما ورد في القرح و الجرح، أن ذلك بوجوده الواقعي مانع عن الطهارة المائية، لا بوجوده الزعمى، فلو فهمنا من الروايات موضوعية الخوف يتعارض مع هذه الأدلة، و مقتضى الجمع بينهما هو حمل ما ظاهره الموضوعية على ما يكون ظاهره المناط على الواقع.

و ربما يقال انهما متباينان مع تباين النتيجة لأن نتيجة الموضوعية الصحة مطلقا و نتيجة الطريقية الصحة في صورة إصابة الواقع فقط فلا يجب القضاء و الإعادة على الأول دون الثاني، و الحاصل ان المحتملات في المقام ثلاثة: الأول الموضوعية للخوف. الثاني- الطريقية. الثالث- الطريقية، بنحو أن يكون للواقع الانحصار في العلية و الموضوعية بأن يكون للخوف الانحصار في العلية و هو الحق عندنا لأن ظاهر دليل الخوف و الضرر و الحرج هو انحصار كل في العلية‌

____________

(1) بل لا يصح في الضرر المحرم على الأقوى و في غيره على الأحوط.

(2) اما في المحرم فلما ذهب اليه مد ظله من اجتماع الأمر و النهي و اما في غيره فلتأمل في كفاية الملاك بعد سقوط الخطاب بلا ضرر.

281

بمقتضى العنوان و اما في صورة الاجتماع فيكون كل واحد منهما جزء العلة و هكذا القول في كل علة منحصرة اجتمعت عدة منها في مورد مثل خفاء الأذان و خفاء الجدران بالنسبة إلى قصر الصلاة و الصوم، ففي كل مورد يكون الخوف و عمل عليه، يكون العمل صحيحا و لو ظهر أن الواقع لم يكن فيه الخوف، و لو عمل باعتقاد عدم الواقع ثم ظهر الواقع أيضا يكون العمل صحيحا و لو صادف الخوف الواقع يكون من اجتماع العلتين بنحو الجزئية على معلول واحد و هو التيمم.

و لا يأتي عليهذا ما قيل من ان اجتماع المثلين مثل اجتماع الضدين محال، لأنه يكون على فرض كون الخوف طريقا للواقع علة منحصرة للتيمم و من باب موضوعيته علة منحصرة، و قلنا باستقلال كل في العلية حتى عند الاجتماع، و اما إذا قلنا بأن الواقع و طريقه يكونان عند الاجتماع جزء العلة لا يأتي هذا الأشكال، و لا يحصل التهافت في النتيجة لأن العلتين لا يكون في إحداهما اقتضاء عدم الآخر فمع اعتقاد الضرر و الخوف منه يصح العمل، و عدم وجود الواقع في البين لا يضر، لأن هذا يكون علة منحصرة و مع اعتقاد عدم الضرر و وجود الضرر في الواقع أيضا كذلك، فالحق هو انه في صورة الاجتماع رفع الانحصار في العلية.

و اما سند الاحتمال الآخر و هو أن يكون الخوف تمام الموضوع فيكون من باب الاستظهار من الروايات الواردة في الخوف عن الضرر و روايات الحرج و الضرر حيث يكون الغالب فيه أيضا هو الخوف يكون المراد منها خوف الضرر و الحرج لا أن يكون نفسهما علة، فينحصر أن يكون الخوف هو العلة و يدور الصحة و الفساد مداره.

و اما القائل بالطريقية مطلقا، فيكون قوله من باب أن الارتكاز يكون في صورة وجود الواقع، فأن هذه الأدلة للتسهيل فإذا لم يكن للخوف واقع لا اثر له و يكون تمام الأثر للواقع.

فإذا عرفت ما ذكرناه فنذكر فروع المسألة: الأول- إذا تيمم باعتقاد الضرر‌

282

أو خوفه فتبين عدمه، صح تيممه و صلاته بعد الدخول في الصلاة، فعلى ما ذكرنا من القاعدة يكون الحق مع المصنف لأن للخوف موضوعية و هو حاصل، و هكذا على مذهب القائل بأن للخوف موضوعية فقط، و لا يقول بموضوعية الواقع أيضا و اما على مسلك القائل بالطريقية فالتيمم و الصلاة باطلان لظهور خلافه.

و اما على مسلك القائل بأن للخوف موضوعية و لكن بحكم العقل و العقلاء لا من باب الروايات بمعنى أن العقلاء يذمون من يخاف من شي‌ء ثم يقدم عليه فضلا عن العلم بالضرر لأنه مصداق الهلاك عندهم و يحرم وقوع النفس في التهلكة، فأيضا كذلك اى يكون صحيحا كما في المتن، و لكن نفس هذا المسلك غير تام، لأن هذا يتوقف ان يقال بأن الإقدام في صورة الخوف، يكون إذا وصل الى الواقع قبيحا عقليا و إذا لم يصل اليه يكون تجريا بالنسبة إلى حكم العقل، و يتوقف على تمامية الملازمة بين حكم العقل و الشرع كما هو المعروف بينهم من أن كلما حكم به العقل حكم به الشرع، و لكن لا يتم الملازمة كما حرر في الأصول فإن حكم العقل يكون في صورة عدم احتمال منع من الشرع، من حيث المصلحة و اما مع احتمال أن يكون مانع عنده عن الحكم بالحرمة كما هو كذلك لا يكون للعقل الحكم به ليكون العمل باطلا من باب الأقدام على التهلكة.

و الحاصل حرمة الأقدام تكون هنا من باب حرمة المقدمة، و الحرام منها هو الذي يكون موصلا الى الواقع لا مطلقا، بمعنى انه لو كان في الواقع الضرر يكون هذا حراما، لا ما إذا يكون في الخيال فقط، مع عدم تمامية قانون الملازمة لإثبات أصل الحرمة الشرعية، فهذا الدليل غير تام للقول بموضوعية الخوف.

الفرع الثاني قوله: نعم لو تبين قبل الدخول في الصلاة وجب الوضوء أو الغسل.

أقول ان ذلك لأن ما هو شرط الصلاة هو الطهور بقوله (عليه السلام) لا صلاة الّا بطهور و إحرازه قبل المشروط لازم ففي صورة إمكان تحصيل الطهور المائي مع رفع المانع يكون هو المتعين و لا يجزى التيمم، لأنه ينقلب موضوعه، و استبعاد انه لو كان التيمم‌

283

باطلا لكان اللازم القول ببطلان الصلاة أيضا كما في الفرع الأول مع القول بصحتها كما مرّ فلا فرق بين الفرعين فكما أنه في تلك الصورة لم ينقلب عما هو عليه، كذلك في هذه الصورة لا وجه له، لأن الوظيفة هي التيمم قبل العلم بالحال فإذا تيمم و صلى يكون مجزيا و لا اعادة لها لأنه أحرز وظيفته الفعلية و جرى عليها بخلاف هذه الصورة فإن قبل الصلاة إذا كشف الحال، أن صلى مع التيمم لم يكن محرزا للوظيفة فانقلب التكليف بعد انكشاف الحال لا قبله.

الفرع الثالث قوله: إذا توضأ أو اغتسل باعتقاد عدم الضرر ثم تبين وجوده صح (1) لكن الأحوط مراعاة الاحتياط في الصورتين.

أقول انه قد مرّ أن الضرر تارة يكون محرما و تارة لا يكون كذلك فالثاني مثل الحرج ففي صورة العلم به لا يضر بالطهارة المائية فضلا عن صورة اعتقاد عدمه و اما الضرر المحرم ففي صورة العلم به و ان كان مانعا عن التقرب و اما في صورة الجهل به يكون التقرب حاصلا فيصح الصلاة، لأن إشكال اجتماع الأمر و النهي عندنا في مقام الامتثال لا في مقام الجعل، و اما على مسلك القائل بأن الإشكال في مقام الجعل فحيث يكون التقييد واقعيا و لا يكون الأمر و لا الملائل للعبادة كذلك فلا وجه للقول بصحة العبادة لعدم الأمر في الظاهر و الملاك في الواقع فاعتقاد عدم الضرر لا اثر له في صحة العبادة.

و اما مع القول بأن تمام الموضوع هو الخوف و لا أثر للواقع فالصحة واضحة لعدم الخوف فعلا و عدم دخل الواقع أصلا، و لكن التحقيق هو موضوعية الخوف و الضرر الواقعي كلاهما، و في المقام حيث يكون واقع الضرر موجودا لا بد من القول (2) بصحة العمل من باب وجود الملاك و لم يكن مانع من التقرب لعدم العلم‌

____________

(1) لا يصح على الأحوط بل الأقوى و دليله سيأتي.

(2) أقول حيث أن اشكال اجتماع الأمر و النهي القول باختصاصه بمقام الامتثال فقط فيه التأمل و تصحيح العبادة بالملاك كذلك كما حرر في محله و للواقع موضوعية كما ذكره (مد ظله) فلا يترك الاحتياط بالإعادة بل هي الأقوى.

284

به و هكذا على فرض طريقية الخوف و كون المدار على الواقع فإنه لا بدّ من تصحيحه بالملاك و مع عدم قبول الملاك بعد عدم الأمر لا وجه للصحة.

الفرع الرابع قوله: و اما إذا توضأ أو اغتسل مع اعتقاد الضرر أو خوفه لم يصح و ان تبين عدمه.

أقول ان في هذه الصورة اما أن يكون الضرر محرما أولا، فمع الثاني لا إشكال في صحة الطهارة لعدم النهي عنه لعدم كونه حراما فلا يكون مانع عن صحة التقرب بهذا العمل، و اما إذا كان الضرر محرّما ففيه قسمان: الأول ما كان محرّما و يكون للخوف موضوعية فلا تصح العبادة، لأن القرب مع اعتقاد المعصية لا يجتمع و الثاني- ما إذا كان الخوف طريقا و المدار على الواقع فأيضا كذلك لأنه و أن لم يكن له الواقع و لكن يكون بطلان العمل من باب التجري و قبحه يسرى الى العمل فلا يحصل القرب و هكذا لو كان للواقع موضوعية أيضا، لأن الخوف إذا كان موضوعا مثله يكون موضوع البطلان حاصلا فلا اشكال على التحقيق في هذا الفرع على المصنف (قده).

الفرع الخامس قوله: كما إذا تيمم مع اعتقاد عدم الضرر لم يصح و أن تبين وجوده.

أقول هذا أيضا يختلف حسب اختلاف المباني فعلى فرض كون الخوف موضوعا لم يصح العمل لعدمه في المقام، فيجب الوضوء على الظاهر لكونه عاصيا على فرض الموضوعية اما على فرض الطريقية فللقول بالصحة وجه (1) و القول بأن رفع الضرر يكون هنا لازمه صحة التيمم لأنه دليل امتنانى و يكون هنا الامتنان في‌

____________

(1) أقول قول المصنف بعدم الصحة ليس لما ذكر بل يكون الوجه عدم تمشي قصد القربة لمن يعلم أن وظيفته الوضوء لا التيمم باطلا و الحق معه، و الأستاذ (مد ظله) بعد الإلقاء عليه ملتزم بهذا الوجه و أن لم يذكره فيه بعد الدروس.

285

ان يكون التيمم صحيحا، قيل انه مندفع بأن الرفع يكون في صورة أن يكون التكليف من الشرع ضرريا و اما في صورة كون الموجب له هو جهل المكلف و اقدامه عليه (1)، فلا يكون مرفوعا، و هنا ان المكلّف لجهله وقع في الضرر.

و الحاصل في شمول اللاضرر في المقام قيل بورود إشكالين: الأول- أن الامتنان مع اعتقاد عدم الضرر لا معنى له. و الثاني- أن الوقوع في الضرر ليس سببه الحكم الشرع حتى يكون مرفوعا فأن الرفع يتوجه الى ما هو الثقل من جهة الشرع- و الجواب عنه هو أنه على فرض طريقية الخوف و كون المدار على الواقع يكون القول بصحة التيمم بشمول اللاضرر غاية الامتنان، فكيف يقال أنه ليس امتنانيا (2)، و هكذا الجهل بالواقع أيضا لا يمنع من شمول الحديث فأن رفع التكليف يكون متصورا في المقام، و هكذا على فرض كون الواقع له الموضوعية‌

____________

(1) لا يكون هذا من صور الأقدام على الضرر لأنه أقدم هنا و لو بسوء سريرته على ما ليس فيه الضرر و هو التيمم ففرض الأشكال هو انه لو توضأ لم يكن هذا الوضوء مجعولا من الشرع بل الضرر نشأ من جهله و فيه أوّلا انه خلاف الفرض و ثانيا على هذا الفرض عدم شموله له هو الامتنان كما سيأتي في الذيل.

(2) أقول ان الامتنان بهذا الوجه يكون من باب أن اللاضرار حكم واقعي غير مقيد بالعلم بالضرر فإذا لم يعلم أيضا يكون المورد مورده، و الفرض أن هذا الشخص تيمم و كان في الواقع مشمولا للدليل، و ما في المستمسك من بيان أن الوضوء ضرري من جهة فعل المكلف الوضوء، لا يخلو من غلق، لأن الفرض أن المكلف لم يتوضأ فارجع إليه في ج 5 ص 338.

و لا يخفى أنه لو توضأ لكان من الامتنان أن لا يكون مشمولا للدليل لأنه خلاف الامتنان فأن الامتنان في أن يكون وضوئه صحيحا، و الحاصل لو فرض أن وقوعه في الضرر يكون من جهة جهله، فلا يشمله الدليل في المقام، يكون خلاف الفرض، لأنه لم يقع في الضرر و منشأه هو تجرّيه على عدم الوضوء مع كون تكليفه هو الوضوء باعتقاده، و الذي يسهل الخطب هو أن البطلان كما مرّ يكون لعدم تمشي قصد القربة منه.

286

فيكون تيممه صحيحا على هذا الفرض و القول بعدم الصحة من هذا الوجه غير وجيه.

[مسألة 20- إذا أجنب عمدا مع العلم بكون استعمال الماء مضرا]

مسألة 20- إذا أجنب عمدا مع العلم بكون استعمال الماء مضرا وجب التيمم و صح عمله لكن لما ذكر بعض العلماء وجوب الغسل في الصور المفروضة و ان كان مضرا فالأولى الجمع بينه و بين التيمم بل الاولى مع ذلك اعادة الغسل و الصلاة بعد زوال العذر.

أقول تارة يكون البحث في هذه المسألة على مقتضى القواعد و أخرى مقتضى الروايات الخاصة في المقام، و ما في المتن من صحة التيمم يكون هو المشهور لعدم الفرق بينه و بين غير العام في دخوله تحت إطلاق الأدلة، فإن الواجد يجب له الطهارة المائية و الفاقد الشرعي أو العقلي يجب عليه التيمم، و اما مقتضى القاعدة فأيضا كذلك لأن دليل اللاحرج و اللاضرر يكون مطلقا يشمل كل ضرر و حرج سواء كان عن عمد أو غيره، حتى انه يشمل صورة إبطال الوضوء عمدا بعد كون استعمال الماء مضرّا بحاله و لا ربط لصحة التيمم و عدمه بعصيان المكلف في عمده و عدمه بل يقول المولى ابتداء لا تجعل نفسك في محذور الطهارة المائية، و لا تجعلها موضوعا للتيمم فأن عصيت و جعلتها كذلك فلا بدّ من التيمم و لا محيص عنه، فلا يستكشف من صحة التيمم على القول بها عدم العصيان بل هو متصور مع العصيان أيضا، فإن الجماع مثلا مع العلم بعدم وجدان الماء شرعا بمعنى كون استعماله مضرّا عليه، لو لم يكن دليل على جوازه أو فرض أنه مع غير الحليلة بالزناء، و كل فعل كذلك مع كونه معصية، يوجب صيرورة المكلّف موضوعا لدليل الضرر و الحرج.

لا يقال أن الدليلين امتنانيين و لا امتنان على من أقدم على الضرر كما يقال في في خيار الغبن فأن دليله اللاضرر، و لا يشمل من أقدم على المعاملة الغبنية مع العلم و العمد، فهكذا في المقام نقول بعدم شموله.

لأنا نقول حيث يكون الضرر محرما يكون نفس النواهي الواردة في المورد مثل «لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» و أمثاله موجبا لسلب القدرة فإن المكلف لا يكون‌

287

له قدرة على استعمال الماء إذا كان الضرر محرما فضلا عن شمول القاعدة العامة، هذا أولا و ثانيا أنه لم يكن مقدما على الضرر فأن الجماع مثلا ليس ضرريا بل هو موجب للنشاط خصوصا للشبان بل ما هو الضرر هو التكليف بالغسل فلم يكن هذا مقدما على الضرر لئلا يشمله دليله من باب انه امتنانى بل فعل ما ليس مضرا فللشارع ان يرفع التكليف عنه لئلا يقع في الضرر، فليس مثل المعاملة الغبنية التي يكون الأقدام على الضرر بواسطتها، مع أن دليل المعاملة الغبنية في الخيار ليس قاعدة اللاضرر، بل عدم تساوى طرفي المعاملة من العوض و المعوض كما حرر في محله الّا ان يقال في المقام أن الحديث يشمل الضرر الذي يكون حاصلا لطبعه لا ما يكون بواسطة اختيار مقدماته، و هو ممنوع فأن الحديث مطلق يشمل كل ضرر فعلى مقتضى القاعدة لا بد من القول بصحة التيمم.

و اما الروايات الخاصة فطائفة منها دلت بنحو العموم على وجوب الغسل و لو كان ضرريا أو حرجيا، و طائفة يكون في خصوص الأجناب العمدي، و لا يستفاد منها عدم جواز الجماع و لو استفدنا أن العامد يجب عليه الغسل و لو كان ضرريا أو حرجيا.

أما الطائفة الثانية فهي في باب 17 من التيمم ح 1 و 2 و هما مرفوعي على بن احمد و إبراهيم بن هاشم قوله سألته عن مجدور اصابة جنابة قال (عليه السلام) ان كان أجنب هو فليغتسل و ان كان احتلم فليتيمم. و مثله رواية إبراهيم بن هاشم. و روى الصدوق الأول مرسلة أيضا و قوله (عليه السلام) «أجنب» مطلق من حيث كون الغسل مضرا أولا، و كذلك قوله «فليتيمم» مطلق من هذا الحيث.

و اما العمومات فهي في الوسائل أيضا في باب 17 من التيمم ح 3 و 4 فارجع.

و تقريبها أن الغسل واجب و ان أصاب ما أصاب، سواء كانت الجنابة بالاحتلام أو عمديا، و ما في رواية 3- عن عبد اللّه بن سليمان من قوله «فأصابه جنابة» و ان كان المستفاد منه عدم الجنابة العمدية، و لكن لا يضر بكبرى الصدر الدالة على وجوب‌

288

الغسل مطلقا، و هذا يكون بيان قضية في واقعة، و كيف كان فهذه الروايات معارضة مع أدلة نفى الحرج و الضرر لأن موردها الضرر و الحرج الشديد و في الضرر المحرم.

لا يقال يخصص دليله في المقام فيكون المراد أن الحرج و الضرر مرفوعان في غير هذا المورد. لأنا نقول انه حاكم على الأدلة الأولية، و لا يلاحظ النسبة بين الحاكم و المحكوم بل الحاكم مقدم و لو كان عاما، و المحكوم ساقط و لو كان خاص.

لا يقال انه لا يشمل صورة كون الحكم في مورد الضرر فإنه لا يرفع الجهاد مع كونه حرجيا و ضرريا فكذلك في المقام يكون الحكم في مورد الضرر بوجوب الغسل لأنا نقول الضرر المحرم يكون منهيا عنه بدليله، و الضرر الغير المحرم يكون رفعه بهذا الدليل، من باب أن أفراد الغير الضرري أيضا يكون له، بخلاف الجهاد فأن الفرد الغير الضرري لا يكون له و لذا لا يرفع بواسطة هذا الدليل (1) و الحاصل بعد المعارضة لا بد من إسقاطها لإعراض المشهور عنها مع وجود المعارض لها في باب المجدور فإنه (عليه السلام) يقول قتلوه قتلهم اللّه و معناه عدم وجوب الغسل عند البرد كما مرّ البحث عن الروايات آنفا، أو يقال في المقام يمكن ان لا يكون الغسل موجبا للضرر المحرم في المقام و لكنه خلاف ظاهرها، فالحق أن التيمم صحيح في المسألة و اما احتياط المصنف (قده) فلا وجه له بعد عدم مشروعية الغسل، و سيأتي أن التيمم يكون مجزيا، سواء كان الأجناب عمديا أولا، و هنا يكون البحث في أصل وجوب الغسل مع حرمته للضرر، و اما عدم الأجزاء كما عن بعض بالنسبة إلى التيمم فلا يكون مربوطا بهذا، بل ينتج بالنسبة الى بعد رفع العذر،

____________

(1) أقول هذا في صورة عدم ورود حكم من الشرع في خصوص مورد الضرر مسلم و اما إذ ورد حكم في خصوص مورد الضرر و الفرد الضرري كما في المقام لا يمكن ان يتمسك بالقاعدة فلا بد من إسقاط الروايات باعراض المشهور و سائر الوجوه لا من هذه الجهة فيكون مفاد هذه مع قطع النظر عن سائر الإشكالات هو تخصيص القاعدة بغير هذه الصورة مثل تخصيصها بأمثال الجهاد.

289

و قلنا أن روايات وجوب الغسل تكون معرضة عنها. فلا يبقى وجه للاحتياط و وجوب الغسل لإرغام أنفه لا دليل عليه، و مع حمل الروايات على الضرر الغير المحرم و لو كان خلاف الظاهر، يكون لازمه وجوب الغسل فقط و لا يحتاج الى التيمم.

و اما قوله بأولوية الإعادة بعد رفع العذر فلا وجه له بعد هذا الاحتياط الّا من باب أن يقال أن الغسل الأول في حال الشدة كان لإرغام الأنف، و بقي مصلحة الغسل الذي ليس لذلك.

و لو كان السند ما ورد من الرواية عن عبد اللّه بن سنان في باب 14 من التيمم ح 2 لقوله (عليه السلام) «فإذا أمن البرد اغتسل و أعاد» فغير تام أيضا، لأنه يكون في مورد عدم الجمع بينهما بل في مورد التيمم فقط، مع انها غير مختصة بالإجناب العمدي و سيأتي اجزاء التيمم عن الغسل و عدم وجوب الإعادة لوجود المعارض لها، فلا يكون هذه قابلة للاستناد إليها للأولوية المذكورة في المتن فاحتياط المصنف (قده) و هذه الأولوية غير تامتين، فتحصل أن التيمم مع الأجناب العمدي أيضا صحيح و مجز.

[مسألة 21- لا يجوز للمتطهر بعد دخول الوقت ابطال وضوئه بالحدث الأصغر]

مسألة 21- لا يجوز للمتطهر بعد دخول الوقت ابطال وضوئه بالحدث الأصغر إذا لم يتمكن من الوضوء بعده كما مر لكن يجوز له الجماع مع عدم إمكان الغسل و الفارق وجود النص و مع ذلك الأحوط تركه أيضا.

أقول أصل عدم جواز الأبطال قد مر البحث عنه في ما سبق، و الآن يكون البحث في جواز الأجناب (1) بالجماع مع العلم بعدم إمكان الغسل من أنه أيضا من تفويت مصلحة الطهارة المائية، فنقول: الجماع اما ان يكون تركه حرجيا، أو يوجب الوقوع في الحرام أو يكون لطلب اللذة فقط، فالأول يكفى لرفعه دليل الحرج فأن الغسل غير واجب في كل مورد من موارد الحرج سواء كان جماعا أو غيره، و اما إذا كان لاحتمال الوقوع في الحرام فيكون مرفوعا أيضا، لأن احتمال الضرر‌

____________

(1) على كراهية في صورة عدم الشبق.

290

المحرم كان موجبا للرفع لمكان الحرمة، و المقام أيضا كذلك فإنه يكون موجبا للحرام مثله فيكون مرفوعا، و اما الثالث و هو طلب اللذة بذلك فيجب الرجوع الى الروايات الخاصة في المقام ليتضح، و اما الاستدلال بالإجماع لجواز الجماع فلا يخفى ما فيه لأنه يكون سنديا و سنده الروايات و القواعد المقررة.

و اما الروايات فمنها ما في باب 27 من التيمم ففي ح 1- عن إسحاق بن عمار قال سئلت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يكون مع أهله في السفر، فلا يجد الماء يأتي أهله؟ فقال ما أحب أن يفعل ذلك، الّا ان يكون شبقا أو يخاف على نفسه. و روى ابن إدريس في آخر السرائر نقلا من كتاب محمد بن على بن محبوب مثله و هذه الرواية كما ترى تكون في صورة خوف الشبق، و تكون في مورد الحرج أو الخوف على نفسه من الوقوع في الحرام.

و في ح 2- و زاد في مستطرفات السرائر قلت: يطلب بذلك اللذة، قال:

هو له حلال. و هذا نص في جوازه حتى إذا كان لطلب اللذة.

و منها ما في باب 14 من التيمم ح 12 عن السكوني عن جعفر (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه عن ابى ذر رضى اللّه عنه انه اتى النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقال:

يا رسول اللّه، هلكت جامعت على غير ماء؟ قال فأمر النبي (صلى اللّه عليه و آله) بمحمل فاستترت به، و بماء فاغتسلت أنا و هي، ثم قال يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين.

فأن المستفاد من هذه الروايات عدم الهلاك بواسطة الجماع مع عدم الماء، و عدم العلم بالحكم بعيد عن ابى ذر اى حكم وجوب التيمم بدلا عن الغسل. و قد أشكل عليها بأن الروايات تكون في صورة عدم الماء أصلا و تبديل حدث الأصغر بالأكبر لا في مورد من يكون طاهرا حتى من الحدث الأصغر فيريد التبديل إلى الأكبر أو يكون له الماء بمقدار الوضوء. و اما رواية أبي ذر فمطلقة من حيث عدم الماء بمقدار الغسل أو بمقدار الوضوء أيضا. و لكن الغالب حيث يكون وجود الماء بمقدار الوضوء يمكن حملها على صورة فقدان الماء للغسل فقط، فيكون الجماع‌

291

في صورة عدم الوجدان له حلالا، و لا تحمل على ما ذكر ليكون غير مربوط بالمقام (1).

الرابع من مسوغات التيمم الحرج

قوله: الرابع الحرج في تحصيل الماء أو في استعماله و ان لم يكن ضرر أو خوفه.

أقول مر في مطاوي، ما مر بيان الحرج و انه رافع للحكم في مرتبة الإلزام و لا فرق في رفعه الحكم بين كون الحرج في تحصيل الماء أو في استعماله للوضوء كما قال المصنف (قده) و انما الكلام في أنه بعد رفع الطهارة المائية، فلأيّ دليل يقال بوجوب التيمم، مع أن شأن القاعدة رفع الحكم لا وضعه، و قد مر الجواب عنه أيضا و حاصله أن القول بوجوب التيمم يكون لوجهين: الأول- أن الطهارة الترابية و المائية كلتيهما تكونان تحت طبيعي الطهور، و لو فرض العرضية بين الفردين، فإذا سقط بعض الأفراد و هو الطهارة المائية بواسطة رفع الحرج، يبقى الفرد الآخر تحت الطبيعي و هو الطهارة الترابية، و الصلاة لا تترك بحال فيجب تحصيل الطهور لها كذلك، فلا يكون القول بوجوبه من باب التمسك بالحرج بل يكون بالعنوان‌

____________

(1) أقول ان الظاهر من الروايات ما ذكر من عدم الماء للغسل خصوصا في السفر في الزمن السابق الذي يكون الماء قليلا و كان تهيئة وسائل الغسل عسيرة، و على فرض عدم الدلالة أصلا للمقام فالإجماع هو الدليل.

و يمكن الجمع بين الروايات بأن يقال الجماع لطلب اللذة مكروه، و في حال الشبق غير مكروه، كما انه يشعر به قوله (عليه السلام) ما أحب إلخ في حديث إسحاق بن عمار، و اما ما ذكر من صرف الإطلاقات إلى صورة عدم الماء للغسل فلا يكون بحيث يوجب الانصراف، و هكذا ما ادعيناه من غلبة ذلك في السفر فيمكن الأخذ بإطلاق الروايات و الجمع بالكراهة في صورة عدم الشبق.

292

الأولى، و الوجه الثاني هو انه بعد سقوط المبدل عن الاعتبار مع فرض كون التيمم بدلا عن الوضوء و الغسل فلا محالة تصل التوبة إلى البدل اقتضاء لشأن البدلية و الطولية في الرتبة فيجب التيمم بهذا الدليل لا دليل رفع الحرج.

[الخامس الخوف من استعمال الماء على نفسه أو أولاده]

قوله الخامس الخوف (1) من استعمال الماء على نفسه أو أولاده و عياله أو بعض متعلقيه أو صديقه فعلا أو بعد ذلك من التلف بالعطش أو حدوث مرض بل أو حرج أو مشقة لا تتحمل، و لا يعتبر العلم بذلك و لا الظن بل يكفى احتمال يوجب الخوف حتى إذا كان موهوما فإنه قد يحصل الخوف مع الوهم إذا كان المطلب عظيما فيتيمم حينئذ و كذا إذا خاف على دوابه أو على نفس محترمة و ان لم تكن مرتبطة به و اما الخوف على غير المحترم كالحربي و المرتد الفطري و من وجب قتله في الشرع و لا يسوغ التيمم كما ان غير المحترم الذي لا يجب قتله بل يجوز كالكلب العقور و الخنزير و الذئب و نحوها لا يوجبه و ان كان الظاهر جوازه ففي بعض صور خوف العطش يجب حفظ الماء و عدم استعماله كخوف تلف النفس أو الغير ممن يجب عليه حفظه و كخوف حدوث مرض و نحوه و في بعضها يجوز حفظه و لا يجب مثل تلف النفس المحترمة التي لا يجب حفظها و ان كان لا يجوز قتلها أيضا و في بعضها يحرم حفظه بل يجب استعماله في الوضوء أو الغسل كما في النفوس التي يجب إتلافها ففي الصورة الثالثة لا يجوز التيمم و في الثانية يجوز، و يجوز الوضوء و الغسل أيضا و في الأولى يجب و لا يجوز الوضوء أو الغسل.

____________

(1) الضابط هو الخوف على نفسه من تلف أو مرض و على كل محترم، و لزوم الحرج و الضرر من صرف الماء في الوضوء أو الغسل سواء كان من جهة عياله أو غيره و هكذا خوف ذلك بالنسبة الى من يهم شأنه عليه بحيث يكون ترك إروائه حرجا عليه و فيما عدا ذلك يجب الوضوء أو الغسل.

293

أقول ينبغي الكلام (1) هنا مقدمة في أمرين: الأول- انه هل يكون اختصاص خوف العطش بالبحث عنه مستقلا في كلماتهم، من دون اندراجه تحت قاعدة الحرج و الضرر لخصيصة في الخوف عنه بحيث انه لو لم يكن حرج و لا ضرر يكفى لكونه من مسوغات التيمم، كما هو الظاهر من استقلاله في العنوان و تحصل الثمرة في صورة الانفكاك عنهما و اما صورة الاجتماع مع الضرر و الحرج فلا فائدة فيه؟ أو يكون هذا أيضا من صغريات القاعدة و اختصاص الذكر في الروايات يكون لبيان بعض المصاديق منها كما انه يقال لا يجب الصوم على الشيخ و الشيخة و لا على المرضعة فإنه لا يكون خصيصة للعناوين، فرب شيخ و شيخة اقدر على الصوم من الشبّان و رب مرضعة كثيرة اللبن لا يضرها الصوم، فإنه يجب عليهم في صورة عدم الضرر و الحرج.

الأمر الثاني في أن نفس الخوف هل يكون موجبا لحفظ الماء و لو لم يكن موجبا للضرر و الحرج، بأن يكون رئيس القافلة مثلا في السفر ممن له شأن يأبى عن طلب الماء عن غيره لصغاره و عياله و لمن يكون تحت ظلّه بأن يكون تحمل هذا الخوف في نفسه حرجا و لو لم يصل الى الضرر و الحرج، فيمكن ان يكون جميع الأقسام من الخوف على نفسه و على عائلته و على غيره، و لو لم يكن عائلته داخلا تحت هذا العنوان و هذا يدور مدار كيفية الشرف سعة و ضيقا، فربما لا يكون شرفه الّا بقدر حفظه الماء لنفسه لا لعائلته لكونه قسى القلب مثلا بالنسبة إليهم، و ربّما‌

____________

(1) أقول لا شبهة في أن المقام مقام التزاحم بين مصلحة الطهارة المائية و بين سائر المصالح، و الضابط المستفاد من الأدلة هو أن كل مورد أوجب الضرر على نفسه أو عياله أو غيره ممن يهم شأنه عليه يجب عليه حفظ الماء، و اما في صورة عدم كونه كذلك فلا ينتقل الى التيمم، للخوف الذي يكون ناشيا من الوهم و يزول بأدنى تأمل، و لا موضوعية للخوف في المقام لئلا يلاحظ المخوف منه أصلا، فإذا كان الضرر أو الحرج على نفسه أو خوف التلف على نفسه و على غيره ممن هو محترم ينتقل الى التيمم، و كذلك إذا كان ممن يهم شأنه عليه و لو لم يصل الى حد الحرج لذلك الغير بل لهذا الشخص لعلوّ شأنه.

294

لا يكون شرفه الّا بقدر يجب حفظه الماء لنفسه أو لعائلته لا غير، و ربما يكون أزيد من ذلك فليشمل الجميع.

إذا عرفت ذلك فيجب البحث في الروايات لاستنتاج المطلب منها، و هي في باب 25 من التيمم ففي ح 1 عن ابن سنان يعنى عبد اللّه انه قال في رجل أصابته جنابة في السفر و ليس معه الّا ماء قليل، و يخاف ان هو اغتسل أن يعطش، قال:

أن خاف عطشا فلا يهريق منه قطرة و ليتيمم بالصعيد فأن الصعيد أحب الى و هذه الرواية يكون في عطش نفسه فأن ضمير يعطش يرجع الى نفسه، و لكن يمكن ان يقال أن عائلة الإنسان أيضا يحسب من نفسه، فهي شاملة لها أيضا خصوصا مع تنكير عطشا في قوله (عليه السلام) «أن خاف عطشا» فإنه شاهد على عدم الاختصاص بنفسه و ان لم يمكن الاستدلال به، و لكنها لا تشمل غير العائلة فإن الإنسان ليس عليه كفاية مؤنة عموم الناس (1) حتى يجب عليه التفحص عن الفقراء مثلا ليطعمهم و عن العطشان ليرويهم و ليجب عليه حفظ الماء لئلا يبقى عطشان بلا ماء.

و في ح 2 عن محمد الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الجنب يكون معه الماء القليل فأن هو اغتسل به خاف العطش أ يغتسل به أو يتيمم، فقال بل يتيمم و كذلك إذا أراد الوضوء. و هذا مثل السابق عليه في عدم الدلالة على وجوب حفظه الماء للغير بل هو أسوء حالا لعدم الكبرى فيها و كانت في الرواية الأولى قوله (عليه السلام) «أن خاف عطشا» كبرى كلية استشهدنا بها، و العائلة تحسب من نفسه أيضا كما مر لا غيرها.

____________

(1) أقول لا يخفى انه فرق بين أن يتفحص ليرى انه من العطشان و من الجائع و بين ان يعرف الجائع و العطشان بين يديه فربما يكون من كان من رفقائه أو من يكون معه في سفر أيضا ممن يأبى نفسه ان يكون عطشانا، و له الماء فيصرف في وضوئه و يبقى الغير عطشانا فإن أهل المروة في بعض الموارد يكون دأبهم على الإيثار على أنفسهم فضلا عن أصل إرواء العطشان.

295

و في ح 3 «عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته، قال يتيمم بالصعيد و يستبقي الماء الحديث و هذه موثقة عن سماعة و عامة تشمل جميع الأقسام فإنه مع خوف القلة سواء كان على نفسه أو غيره من العائلة و غيرها يجب عليه استبقاء الماء، و لو كان الغير هو الحيوان الذي يكون قابلا للذبح مثل الغنم (1) أو نفس غير محترمة غير مهدور الدم مثل الكافر الذميّ.

و قد يتمسك الفقهاء بما ورد من أن لكل كبد حرّى (2) أجر (في الوسائل باب 19 و باب 49 من أبواب الصدقة) فإن إرواء كل عطشان، يكون له الأجر و لو كان كافرا.

و في ح 4 عن ابن ابى يعفور قال: سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجنب و معه من الماء قدر ما يكفيه لشربه، أ يتيمم أو يتوضأ به؟ قال يتيمم أفضل. الحديث و هذا يكون في خصوص شرب نفسه أيضا.

ثم انى لا استفيد من تلك الروايات الموضوعية للعطش، بل يكون مفادها هو صورة حصول الضرر و الحرج و لا استفيد أيضا على فرض استقلالية العنوان الّا حفظ الماء لنفسه أو عائلته لا غير ذلك.

[مسألة 22- إذا كان معه ماء طاهر يكفى لطهارته]

مسألة 22- إذا كان معه ماء طاهر يكفى لطهارته و ماء نجس بقدر

____________

(1) أقول انه يتفاوت الحال بالنسبة إلى موارد الأموال فربما يعد ذبح الغنم ضررا عليه أو حرجا أو خلاف شأنه، و ربّما يحتاج الى اللحم قريبا و يريد ذبح الحيوان كذلك قريبا مثلا كمن يكون منتظرا لوصول المقصد في السفر و ذبح الغنم فان في هذه الصورة يجب حفظ الماء دون الحيوان بخلاف الأول.

(2) الروايات كما يظهر لمن رجع إليها لا تكون في صورة التزاحم بين مصلحة الطهارة المائية، و مصلحة إرواء العطشان حتى يكون مفيدا للمقام و لا شبهة في وجود الأجر لهذا العمل، و الكلام في صورة المزاحمة و أن كان من الممكن استفادة ترجيح مصلحته على مصلحة الطهارة المائية من مذاق الشرع، و من هذه الروايات.

296

حاجته الى شربه لا يكفي في عدم الانتقال الى التيمم لان وجود الماء النجس حيث انه يحرم شربه كالعدم فيجب التيمم و حفظ الماء الطاهر لشربه نعم لو كان الخوف على دابته لا على نفسه يجب عليه الوضوء أو الغسل و صرف الماء النجس في حفظ دابته و كذا إذا خاف على الطفل من العطش (1) فإنه لا دليل على حرمة اشرابه الماء النجس و اما لو فرض شرب الطفل بنفسه فالأمر أسهل (2) فيستعمل الماء الطاهر في الوضوء مثلا و يحفظ الماء النجس ليشربه الطفل بل يمكن ان يقال إذا خاف على (3) رفيقه أيضا يجوز التوضي و إبقاء الماء النجس لشربه فإنه لا دليل على وجوب رفع اضطرار (4) الغير من شرب النجس نعم لو كان رفيقه عطشانا فعلا لا يجوز إعطائه الماء النجس ليشرب مع وجود الماء الطاهر كما انه لو باشر الشرب (5) بنفسه لا يجب منعه.

____________

(1) أقول لا يجوز للمولى إشراب الطفل المتنجس و النجس و كذا غيره لأن النهي عن شرب النجس و المتنجس كاشف عن ملاك و هو الضرر فيه على ما هو التحقيق في باب النجاسات تبعا للأنصاري (قده) و على فرض عدم التسليم فإطلاق النهي شامل للطفل أيضا فلا يجوز التسبيب لشرب الغير مطلقا، فحفظ الماء الطاهر له لازم كما مر منا في مسألة 32 من أحكام النجاسات.

(2) بالنسبة إلى الولي أي إشرابه إياه يكون مثل السابق لأن السيرة على حفظ الأولياء أطفالهم من كل ضرر.

(3) أقول التسبيب لشربه النجس أيضا حرام و لا فرق بين ان يكون عطشانا فعلا أولا لما ورد في باب الدهن النجس من وجوب الأعلام كما مر في مسألة 31 من أحكام النجاسات.

(4) فيه انه لو كان ممن يجب إعطاء الماء له بالدليل الدال على وجوب حفظ الرفيق أيضا عن العطش فأي فرق بينه و بين نفسه في ذلك.

(5) في صورة عدم صدق التسبيب و اما إذا كان في العرف يصدق تسبيب هذا الشرب النجس يجب عليه منعه. و الحاصل منصرف روايات الخوف من العطش و استبقاء الماء هو حفظ الماء الذي يكون معدا للشرب و هو غير الماء النجس و فهمنا تقديم حفظ النفس من الضرر مطلقا بالنسبة إلى سائر التكاليف، و لا يكون المنصرف منها ان حفظ الماء لحفظ النفس حتى يقال لو كان حفظ النفس ممكنا و لو بشرب البول يجب صرف الماء في الوضوء و الغسل، و لو قيل بذلك لا فرق بين نفسه و رفيقه و طفله في ذلك، و لا بين أن يكون الرفيق عطشانا فعلا أو فيما سيجي‌ء و هذا مما لا أجد منه سبيلا، و ان كان مخالفا لأكثر المحشين المعاصرين من أساتيدنا دام ظلهم فلعل اللّه يحدث بعد ذلك امرا.

هذا كله مع ان الغالب في ما فرض حصول الحرج لنفسه أو لغيره الذي يرجع اليه من شرب النجس من استفادة القوم كما في الدليل الثالث في ذيل المسوغ السادس أن كل محذور شرعي يزاحم الطهارة المائية مع احتمال الأهمية و هو كاف في التقديم.

297

أقول هذه المسألة يظهر حكمها من بيان السادس من مسوغات التيمم، و بعدها يكون المصنف متعرضا له و حاصل الكلام هو ان البحث في المقامين يكون في صورة تعارض مصلحة الطهارة المائية مع واجب أهم فيكون من باب المزاحمة و لا فرق في ذلك بين ان يكون المزاحم هو حرمة شرب الماء النجس أو غيرها من الأحكام، فكل مورد يكون التكليف بالوضوء أو الغسل مزاحما بواجب أهم أو حرام أهم يجب ملاحظة الأهمية فلا خصيصة لذكر هذه المسألة مستقلا.

و استدل له في المقام بما مرّ منا نقلا عن الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) هو أن كل مورد يكون للتكليف بدل و لم يكن ذلك للآخر يكون التقديم بالنسبة الى ما لا بدل له، و ما له البدل يرجع و ينتقل الى بدله و كأن هذا عندهم جمع عرفي بين الدليلين ففي المقام نقول شرب الماء النجس حرام و ليس له بدل و الوضوء أو الغسل واجب و له البدل و هو التيمم، فيجب اختياره لإمكان إحراز مصلحته ببدله، و لا يكون طريق إلى حلية شرب الماء النجس.

و قد مرّ الجواب عنه بأن هذا لا يتم لأنه من اين نحرز أن الباقي من مصلحة‌

298

ما له البدل لا يكون أقوى من مصلحة ما ليس له البدل فربما يكون الأقوى هو الباقي فلا بد من تقديم ماله البدل فليس هذا القول تاما، و لا يكون جمعا عرفيا.

و اما حرمة شرب النجس يكون هو المشهور و أن قال صاحب المدارك في المقام هو جيد (اى الرجوع الى التيمم) ان ثبت حرمة شرب النجس فكأنه كان متأملا فيه و قد أشار الى ذلك في المعتبر على ما حكى عنه من أن الماء الذي يحرم شربه بمنزلة العدم لأن حرمة شربه تقتضي وجوب حفظ الماء الطاهر و المنع من استعماله في الوضوء و مع هذا المنع يكون المكلف عاجزا عن استعماله في الوضوء فيشرع له التيمم انتهى. فكأنه (قده) رأى أن النهي الشرعي يكون معجزا و يكون المناط في مشروعية التيمم هو عدم القدرة على الماء أو استعماله.

و الجواب عنه هو أن هذا يدور مدار أهمية حرمة الشرب بالنسبة إلى مصلحة الوضوء فيجب إثباتها و قبله لا وجه للتقديم فيكون هذا من كبرى الدوران بين الأهم و المهم، و يمكن أن يقال الاختصاص بالذكر هنا يكون من باب الإجماع الذي توهموه في المقام مع قطع النظر عن الكبرى و هو غير ثابت عندنا، هذا كله في الشرب المحرّم و امّا إذا لم يكن حراما كما إذا قلنا بأن إشراب الصغير النجس لا يكون فيه بأس، و كذلك الكبير الذي يكون غير نفسه مثل عائلته فإنه إذا لم يعلم بأن هذا الماء نجس، لا يجب علينا اعلامه، و لا يحرم عليه شربه لعدم علمه بالنجاسة فيسقط الدوران و يتعين الوضوء خصوصا في المورد الذي شربه نفسه من دون التعريض عليه سيجي‌ء إشكال حرمة إشراب النجس الغير، فتحصل أن هذه المسألة تكون تحت كبرى الدوران و التزاحم فيجب الكلام فيها.

[السادس إذا عارض استعمال الماء في الوضوء أو الغسل واجب أهم]

قوله: السادس إذا عارض استعمال الماء في الوضوء أو الغسل واجب أهم (1) كما إذا كان بدنه أو ثوبه نجسا و لم يكن عنده من الماء الا بقدر احد

____________

(1) بل الواجب مطلقا و هكذا حكم غيره من الحكم التحريمي أيضا مع إحراز الأهمية أو احتمالها أو عدمها و لكن في الأخير على وجه التخيير.

299

الأمرين من رفع الحدث و الخبث ففي هذه الصورة يجب استعماله في رفع الخبث و يتيمم لان الوضوء له بدل و هو التيمم (1) بخلاف رفع الخبث مع انه منصوص في بعض صوره و الاولى ان يرفع الخبث أولا ثم يتيمم ليتحقق كونه فاقدا للماء حال التيمم.

أقول مر أن هذا داخل في كبرى المتزاحمين و لا وجه للقول بالترتب في المقام كما عن المحقق الهمداني و استدلوا له، أولا بأن موضوع التيمم هو عدم الوجدان العرفي و هو صادق في صورة مصادفة الإنسان مع محذور شرعي و لو كان قليلا و هذا يكون عن الأعلام. و الجواب عنه انا لا ننكر عرفية عدم الوجدان و عدم لزوم كون العدم عقليا، و لكن ندعي أن عدم الوجدان عرفي بالنسبة إلى المانع التكويني لا بملاحظة أمر شرعي، كما انه يكفى لعدم الوجدان العرفي كون الطالب من النفوس الأبيّة التي يكون سؤال الغير لبعض خصائصه حرجا عليه، و اما في المقام فيجب ملاحظة ما هو أهم من التكليف، فأن التكليف بالوضوء تكليف من الشرع و النهي عن شي‌ء أو الأمر به أيضا تكليف فإحراز الأهمية لازم.

و استدلوا ثانيا، بأنا اما أن نحرز الأهمية فالأهم هو المقدم و اما ان نحتمل الأهمية فأن محتمل الأهمية أيضا مقدم بحكم العقل، و إذا لم يكن أحدهما فنكون مخيرا في أخذ أحد التكليفين ففي المقام نكون مخيرا بين التيمم و تقديم المزاحم أو بالعكس، فثبت لنا مشروعية التيمم في الحال و لو من باب التخيير ظاهرا و يكفينا إثبات المشروعية بالنسبة اليه و ان لم نحرز أهمية المزاحم أو أهمية الوضوء.

و استدلوا ثالثا، كما في الجواهر و المستند و طهارة الهمداني، بأنّا استفدنا من مجموع الأخبار الواردة في التيمم أن المصلحة الوضوئية لا تزاحم النهي الشرعي ففي كل مورد يكون النهي من الشرع نعلم أن التيمم مشروع و الشاهد على ما ذكر‌

____________

(1) في هذا الدليل تأمل و يمكن الاستفادة من مجموع ما ورد في التيمم.

300

ما (ورد في باب 28 من التيمم ح 2) عن محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أجنب في أرض و لم تجد الّا الثلج أو ماء جامدا فقال هو بمنزلة الضرورة يتيمم، و لا أرى أن يعود الى هذه الأرض التي توبق دينه.

بتقريب أن يقال أن المسوغ للتيمم هو كل ضرورة و لا خصيصة للمقام و عند العرف يصدق الاضطرار عند الابتلاء بالمحرم أو المزاحم مطلقا سواء كان حراما أو واجبا، و يشهد له أيضا ما ورد من انه لا تفسد على القوم مائهم و قد سبق الحديث فيما مر عن ابن ابى يعفور، بتقريب أن يقال انه مع المزاحمة مع محذور قليل أخلاقي ينتقل الى التيمم، و لا خصيصة في المقام ففي كل محذور شرعي ينتقل الى التيمم، و ما ذكروه يكون مستفادا من الأدلة التي قدمناها على دليلهم.

و الجواب ان المورد كما مر يكون مورد التزاحم و يكون ما ذكر من الشاهد في مورد المزاحمة أو عدم الوجدان العرفي التكويني لا الشرعي فإن رواية محمد بن مسلم يكون في صورة خوف البرد و هو يكون محذور عرفي يصدق معه الاضطرار و لا يكون شرعيا ليستدل (1) به للمقام، و اما رواية ابن ابى يعفور، فهي تكون في مورد تزاحم التكليف بالوضوء مع واجب أهم و هو حفظ النظام و لا شك ان حفظه أهم من مصالح الشخصية أو المفاسد كذلك فكل مورد يكون كذلك نقول بالتقديم و اما في صورة عدم إحراز الأهمية فلا شهادة لهذه الرواية.

و قد استدل رابعا كما في الجواهر بالكبريات الواردة في التيمم من أن التراب احد الطهورين و أن رب الماء و الصعيد واحد أمثالها بتقريب ان يقال بعد كون التيمم أيضا مثل الماء طهورا فلا وجه لارتكاب الحرام أو ترك الواجب للوضوء فإنه ينتقل إليه لأنه أيضا أحد أفراد الطهور.

____________

(1) انه محذور شرعي لأن حفظ النفس أيضا واجب مع كونه عرفيا أيضا و يمكن مساعدة القوم بأنا من مجموع الأخبار في التيمم استفدنا ان المحذور الشرعي لا يزاحم الوضوء و الغسل و مع احتمال الأهمية أيضا يكفي و الاحتمال في كل مورد حاصل.

301

و الجواب عنه هو أنه على مسلك من قال بأن التيمم يكون في طول الطهارة المائية من حيث الموضوع فقط لا من حيث المصلحة كما عن شيخنا النائيني (قده) يتوجه ما ذكروه فإنه يكون مثل المسافر و الحاضر فأن صلاة الحاضر تمام و صلاة المسافر قصر في الموضوع المخصوص و للمكلف أن يصير مسافرا بعد كونه حاضرا و بالعكس، فإنه على هذا المسلك يجوز اهراق الماء أيضا ليصير مصداق عدم الواجد الذي يجب عليه التيمم.

و لكن هذا المسلك غير تام كما مر فيما سبق، فإن طولية التيمم بالنسبة إلى المصلحة و انه فرد اضطراري للطهور لا الاختياري فلا يجوز اهراق الماء قبل الوقت و لا بعده، و اما الكبريات في المقام فتكون في مقام بيان أن الصلاة لا تترك بواسطة عدم وجود الماء فان التراب أيضا يكون في نظر الشرع مثل الماء عند عدمه فلا يتوهم سقوط المشروط بالطهارة لعدم إمكان تحصيل الطهور المائي، و الانتقال الى التيمم في صورة خوف العطش و المصالح الانتظامية مثل عدم فساد الماء على القوم يكون لإحراز الأهمية بالنسبة إلى النص و النظام.

و الحاصل ما استدلوا به يكون على وجوه: الأول- تقديم ما لا بدل له على ماله البدل و قد مرّ الجواب عنه بأنه يمكن أن يكون أهمية باقي المصلحة من الطهور المائي أهم في نظر الشرع، و الثاني- القول بأن النهي معجز شرعي عرفا، و الجواب عنه ما مر من أن العجز العرفي و ان كان شرطا، و لكونه شرطا بالنسبة إلى المحذور التكويني. و الثالث مع عدم إحراز الأهمية و لا احتمالها يكفى مشروعية التيمم للانتقال إليه في مورد الدوران. و الجواب (1) عنه أن لازم هذا ان يقول القوم بأنه مخير بين الطهارة المائية و الترابية مع انهم يقولون بتعيين التيمم لا التخيير، و نحن نقول بأن لازمه التخيير و لا نخاف من شهرتهم. و الرابع الكبريات في المقام‌

____________

(1) أقول يمكن احتمال الأهمية مما ذكروه وجها للتقديم، و ان لم يتم الاستدلال به كما سيجي‌ء في الرواية التي استندوا بها فيكون الحق مع المصنف (قده)

302

و قد مرّ الجواب عنه آنفا، ففي كل مورد أحرزنا الأهمية فالمدار على الأهم تعيينا و في كل مورد ما احرزناه يكون التخيير بين التيمم و الوضوء.

ثم انه قد فرق بعض المعاصرين أعلى اللّه مقامه في المقام بين أن يكون دليل الوضوء مقيدا بالوجدان كما ان دليل التيمم أيضا مقيد بعدمه و بين أن يقال بأن دليل الوضوء مطلق و دليل التيمم مقيد، فعلى الأول يكون عدم الوجدان هو الأعم من الشرعي و التكويني لأن الوجدان غير صادق عند المحذور الشرعي، و اما على فرض الإطلاق فلا يكون المحذور الشرعي موجبا للانتقال الى التيمم فيجب ملاحظة الأهمية.

و فيه أن الأول خلاف مبناه أولا، لأنه يقول بإطلاق دليل الوضوء. و ثانيا يكفي مقيدية دليل التيمم بعدم الوجدان لما هو في صدده، لأن العدم الشرعي ثابت عند المحذور الشرعي فيكون موضوع التيمم صادقا فيكفي في سقوط الوضوء بالملازمة. و ثالثا- ان المراد بالقدرة و الوجدان هو التكويني لا ما كانت بحسب حكم الشرع فعلى فرض التقييد أيضا لا يفيد في المقام شيئا من باب ان الكلام في المعجز الشرعي فالدليل على ما ذكر في المتن عليل و لا بد من ملاحظة الدوران بين الحكمين الشرعيين، نعم يكون تقديم رفع الخبث على الحدث من جهة ادعاء الإجماع في المقام بخصوصه و لكنه أيضا مدركى كما هو ظاهر.

و قد استدل برواية ابى عبيدة (في باب 21 من الحيض ح 1) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة الحائض ترى الطهر و هي في السفر، و ليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها و قد حضرت الصلاة، قال: إذا كان معها ما تغسل به فرجها فتغسله ثم يتيمم و تصلى، قلت فيأتيها زوجها في تلك الحال قال نعم إذا غسلت فرجها و يتيمم فلا بأس.

و تقريب الاستدلال يكون مع فرض وجوب الوضوء للحائض مع الغسل و عدم كفاية الغسل فقط، فعليه يؤخذ بإطلاق قوله (عليه السلام) «فتغسله» من جهة أنه‌