المعالم المأثورة - ج6

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
459 /
353

فنقول انه لا يكون مقبولا لإمكان الوضوء الصحيح بهما أيضا، بيانه أنه يتوضأ بأول الإنائين ثم يطهر الموضع بالإناء الثاني و يتوضأ. فإن كان الطاهر هو الأول فيكون الوضوء صحيحا به، و ان كان الثاني فقد حصل الطهارة عن الخبث به و كذلك الطهارة عن الحدث أيضا، غاية الأمر على فرض كون الطاهر هو الأول، يكون الابتلاء بالنجاسة الخبثية و حيث لا علم به فيحتمل الابتلاء بها، و حيث يكون هذا من الشبهة البدوية فالأصل (1) يقتضي البراءة، فيكون له الإتيان بالوضوء الصحيح، فكيف يقال بالإهراق فهكذا نقول في المقام. لأنا نقول الرواية الواردة في الإنائين تعبد من الشرع في خصوصهما مع إمكان الوضوء كما ذكر و هذا التعبد لا يكون في التيمم و حيث يمكن التيمم الصحيح لا يكون وجه لترك الترابين مع عدم التعبد فالفارق هو التعبد لا إمكان تحصيل الطهارة في أحدهما دون الآخر.

قوله و اما إذا اشتبه المباح بالمغصوب اجتنب عنهما، و مع الانحصار انتقل إلى المرتبة اللاحقة. و مع فقدها يكون فاقد الطهورين كما إذا انحصر في المغصوب المعين.

أقول الفرق بينه و بين ما تقدم من اشتباه أحدهما بالآخر من حيث النجاسة يكون من جهة أن التصرف في الغصب يكون له حرمة ذاتية و لا يمكن الخلاص منه الّا بالاجتناب عنهما للعلم الإجمالي، و اما التصرف في النجس فلا يكون له حرمة ذاتية و لو كان هو أيضا فيه الحرمة الذاتية فيصير النجس كالمغصوب في عدم جواز التيمم بأحدهما و لكن التحقيق خلافه فأن التصرف في النجس جائز.

[مسألة 3- إذا كان عنده ماء و تراب و علم بغصبية أحدهما لا يجوز الوضوء و لا التيمم]

مسألة 3- إذا كان عنده ماء و تراب و علم بغصبية أحدهما لا يجوز

____________

(1) أقول هذا متوقف على مبنى من يقول بأن الاجتناب عن ملاقي الشبهة المحصورة غير لازم و المقام منه، لأنه على اى تقدير لاقى احد الإنائين و اما على مسلك القائل بأنه أيضا من الأطراف فلا يجرى البراءة و يخرج الأمر بالإهراق عن التعبد المحض.

354

الوضوء و لا التيمم و مع الانحصار يكون فاقد الطهورين.

أقول البحث في هذه المسألة يكون من جهة العلم الإجمالي في التدريجيات مثل المرأة التي تعلم بحيضية احد الدمين في طول الزمان أما الثلاثة في الأول أو الثلاثة في الوسط، فإنه و أن لم يكن زمان الوسط فعلا موردا للابتلاء و لكن يجب ترتيب اثر العلم الإجمالي فإنه يكون مثل كون الأطراف فعلا موردا للابتلاء كما حرر في محله ففي المقام أيضا يكون العلم الإجمالي كذلك فإنه إما يجب عليه الوضوء على فرض اباحة الماء، و في طوله يجب التيمم على فرض غصبية الماء و اباحة التراب، و لكن يلزم أن يكون الأطراف موردا للابتلاء، بمعنى كونه في معرض الابتلاء لا الابتلاء فعلا، مثل من يعلم بنجاسة أحد من الأزر في الحمام فإنه يجب عليه الاجتناب عن الجميع و لو لم يكن مورد ابتلائه فعلا الّا الواحد و أيضا يكفي في المقام كون التراب موردا للابتلاء و لو من ناحية غير التيمم، لأنه على فرض اباحة الماء لا يكون له ابتلاء من جهة التيمم بالتراب، و لكن حيث يكون في معرض ابتلائه و لو من جهة مسّه أو المشي عليه أو جلوسه كذلك يكون موردا لابتلائه، فيجب الاجتناب عن الماء و التراب لغصبيتهما و كونهما موردا للابتلاء.

فما قيل من أنه يتوضأ بالماء لجريان أصالة الإباحة فيه و لا يعارض بأصالة الإباحة في التراب لخروجه عن الابتلاء، يكون على فرض عدم كون التراب موردا للابتلاء من غير ناحية التيمم أيضا و ليس كذلك فتتعارض الإباحة في أحدهما الإباحة في الآخر و على فرض الخروج عن الابتلاء من ناحية التيمم أيضا، فأصالة الإباحة فيه حيث لا اثر لها عملا لا تجرى لتعارض الأصل في الماء.

قوله: و اما لو علم نجاسة أحدهما أو كون أحدهما مضافا يجب عليه مع الانحصار الجمع بين الوضوء و التيمم (1) و صحت صلاته.

____________

(1) و ليقدم التيمم حينئذ.

355

أقول المقام يكون شبيها بالغصب من وجه، و هو أنه لو كان طولية الوضوء و التيمم موجبا لخروج التراب عن مورد الابتلاء يكون اللازم في المقام أيضا هو القول بتعيين الوضوء فقط لعدم الأمر بالتيمم قبله و لذا قال سيدنا الأصفهاني القول بوجوب الوضوء فقط له وجه و لو قلنا بأن معرضية التراب من ناحية غير التيمم يكون كافيا للابتلاء، لكان المقام مثله من جهة عدم جواز التطهير بهما، و لكن حيث لا يكون استعمال النجس محرما ذاتيا، و التشريع لا يكون في صورة الجهل بأحدهما المعين يجوز (1) الجمع، و الابتلاء بالنجاسة الخبثية ليس الّا من جهة الشبهة البدوية و لو لا ذلك، لكان المقدم مراعاة جانب الحدث و تقديمه أيضا، لأن النجاسة الخبثية و ان كانت مراعاتها أقدم في صورة الدوران، و لكن المقام حيث يصير فاقدا بواسطة الترك يكون المقدم هو الطهارة عن الحدث.

ثم أنه حيث قلنا بالجمع بين الوضوء و التيمم قيل بتقديم التيمم على الوضوء كما عن سيدنا الأصفهاني (قده) لأنه على فرض تقديم الوضوء يبتلى بنجاسة الأعضاء على فرض كون النجس هو الماء، و لا يصح التيمم مع نجاسة الأعضاء بخلاف صورة تقديم التراب، فإنه يتيمم و ينفض اليد لئلا يبقى ذرات التراب فيكون على فرض كونه النجس سببا لنجاسة الماء لو كان طاهرا في الواقع ثم يتوضأ ففي هذا الفرض يتيقن بتحصيل طهارة مائية أو الترابية و هذا متين جدا.

[مسألة 4- التراب المشكوك كونه نجسا يجوز التيمم به]

مسألة 4- التراب المشكوك كونه نجسا يجوز التيمم به الا مع كون حالته السابقة النجاسة.

____________

(1) أقول فالقول بدوران الأمر بين المحذورين كما عن بعض أعاظم المحشين في عصرنا مد ظله لا وجه له لأن الحرمة الذاتية لو كانت ففي كل واحد منهما نعلم اما بوجوب الوضوء به أو بحرمة التصرف فيه، الّا أن يكون مبناه حرمة التصرف في النجس ذاتا و هي ممنوعة.

356

[مسألة 5- لا يجوز التيمم بما يشك في كونه ترابا و غيره]

مسألة 5- لا يجوز التيمم بما يشك (1) في كونه ترابا و غيره مما لا يتيمم به كما مر فينتقل إلى المرتبة اللاحقة ان كانت و الا فالأحوط الجمع بين التيمم به و الصلاة ثم القضاء خارج الوقت أيضا.

أقول (2) ان الشبهة في ما يتيمم به اما أن تكون مصداقية أو مفهومية فلو كانت الشبهة مصداقية و لم يكن لها حالة سابقه ليستصحب فلا يجوز التيمم به كذلك إذا كانت الشبهة مفهومية مثل الشك في معدن أنه من الأرض أم لا، من باب الشك في تطبيق مفهوم الأرض عليه و عدمه، فإنه حيث يؤل الى الفرد المردد، لا تجرى فيه الأصل كما مر في نظير المقام في المسائل السابقة، فلا بد من عدم التمسك بالعام فيها، و الكلام هنا في احتياط المصنف (قده) بالجمع مع عدم المرتبة اللاحقة و استدل عليه بالعلم الإجمالي بوجوب الصلاة، اما أداء أو قضاء، و لا يستصحب عدم الترابية ليحرز أن الواجب هو القضاء فقط لأن العدم النعتي لا حالة سابقه له لعدم العلم‌

____________

(1) إذا كان الشك من الشك في المصداق يجب الفحص في خصوص المقام أن أمكن لأنه من مقدمات الواجب المطلق كما أن الفحص عن أصل الماء و التراب لازم.

(2) أقول ان الشبهة المفهومية لا شبهة في عدم التمسك بالعام فيها، و الشبهة المصداقية أيضا كذلك و لكن في المقام ان أمكن رفع الشبهة يجب الفحص لأنه من مقدمات الواجب المطلق ليعلم وجود ما تيمم به و عدمه، و مع الإمكان فيكون فاقد الطهورين، و هكذا مع الفحص و عدم الوضوح، و كلما قيل في فاقد الطهورين يقال هنا من الجمع بين الأداء استحبابا و القضاء وجوبا أو القول بكليهما وجوبا، أو الأداء فقط، أو بالعكس و لا تصل النوبة إلى البحث عن العلم الإجمالي، و ان كان كلامهم هذا أيضا له نحو طريقية لإثبات المطلوب.

و على اى حال فالقول بالجمع وجوبا غير وجيه حسب ما مر من المصنف (قده) من وجوب القضاء فقط و أن الاحتياط المستحب عنده بالجمع و الاحتياط الوجوبي عندنا بالجمع.

357

بعدم الترابية قبل، و امّا العدم الأزلي على فرض جريانه (1) و عدم الإشكال في استصحاب العدم الأزلي فيفيد فقد الطهور، لكنه لا يجرى و مع عدم المرتبة اللاحقة تصل النوبة إلى الاحتياط، لأن الموضوع لوجوب القضاء هو عدم التراب و هو غير ثابت.

و الجواب عن هذا الاستدلال، أولا- أن الموضوع هو عدم القدرة على الطهور لا عدم التراب و عدم القدرة معلوم و على فرض التسليم يكون الموضوع عدم الوجود. و ثانيا- أن الظاهر من الدليل هو العدم النعتي لا العدم الأزلي. و ثالثا- أن التكليف بالتيمم احتياطا مثبت للأداء و ينحل العلم الإجمالي بالقضاء أو بالأداء.

ثم ان في القضاء مبنيين الأول كونه بالأمر القديم و الثاني كونه بالأمر الجديد فعلى فرض كونه بالأمر القديم فالاشتغال بالتكليف مع التيمم احتياطا يحكم بوجوب القضاء أيضا، فإذا ثبت وجوب القضاء بالاشتغال ينحل العلم الإجمالي و لا يجب الأداء، فلا وجه للجمع (2).

و اما على فرض كون القضاء بالأمر الجديد فالمسالك فيه أيضا ثلاثة: الأول أن يكون الأمر الجديد متوقفا على إثبات أمر وجودي و هو الفوت. و الثاني- على فرض عدم كونه امرا وجوديا يكون من باب عدم الملكة لا العدم المطلق فأن عدم إتيان الصلاة التي تكون لها الشأن للإتيان بها في الوقت يسمى فوتا، لا عدم الإتيان المطلق. و الثالث- أن يكون الفوت هو عدم الإتيان المطلق، فعلى الأول حيث يكون‌

____________

(1) لا يكون هذا الاستدلال و الجواب خاليا عن الإجمال و عدم الاستقامة على ما نفهم الا ان يكون مراده (مد ظله) غير ظاهره.

(2) أقول ان الاشتغال بالقضاء لا يثبت عدم وجوب الأداء أيضا لأنه يكون من لوازمه العقلية و بعبارة أخرى العلم الإجمالي ينحل في صورة قيام الأمارة على أن المشتبه هو هذا المعين لا قيام الأمارة أو الأصل على شي‌ء فقط، كما هو رأي الأستاذ (مد ظله) في بابه أيضا.

358

أصالة عدم الإتيان مثبتة بالنسبة إلى إثبات الفوت الذي هو أمر وجودي، و لا يكون جريان الأصول بالنسبة إلى اللوازم العقلية ممكنا، يكون للاحتياط وجه، فيجمع بين الأداء و القضاء، و كذلك على الثاني أيضا لأنه أيضا لا يثبت باستصحاب عدم الإتيان المطلق.

و اما على الثالث (1) فالأصل حيث يكون جاريا فيفيد وجوب القضاء فقط و لا تصل النوبة إلى الجمع، لانحلال العلم الإجمالي و حيث أنه من البعيد أن يكون مرادهم صورة كون القضاء بالأمر الجديد مع كون الفوت امرا وجوديا أو عدم ملكة، لأن من المتحقق عند الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) أن القضاء بالأمر القديم و عدم الإتيان المطلق هو موضوعه على فرضه كونه بالأمر الجديد فينحل العلم الإجمالي عليهذا المسلك و لا تصل النوبة إلى الجمع أيضا.

[مسألة 6- المحبوس في مكان مغصوب يجوز أن يتيمم فيه على اشكال]

مسألة 6- المحبوس في مكان مغصوب يجوز أن يتيمم فيه على اشكال لأنه لا يعد تصرفا زائدا بل لو توضأ بالماء الذي فيه و كان مما لا قيمة له يمكن أن يقال بجوازه (2) و الاشكال فيه أشد و الأحوط (3) الجمع بين الوضوء و التيمم و الصلاة ثم إعادتها أو قضائها بعد ذلك.

أقول تعليل (4) المصنف (قده) على فرض وجود تراب مباح له في الأرض‌

____________

(1) أقول ان الكلام فيه كما مر أنه لا يثبت عدم وجوب الأداء.

(2) في صورة عدم إحراز رضا المالك و لو من باب انه لا قيمة له لا يجوز الوضوء به.

(3) لا وجه للاحتياط بالنسبة إلى الغاصب لاحتمال حرمة التصرف له لم نقل جزما بها فلا بد من التيمم لو لم يعد تصرفا زائدا كما هو الغالب أو يكون مثل فاقد الطهورين فيحتاط بالجمع بين الأداء و القضاء.

(4) أقول و حاصل الكلام في ذلك أن التصرفات في المغصوب من الجلوس و النوم و النظافة بالنسبة إلى البدن و اللباس و من لوازمه صبّ الماء على الأرض، و ربما يضر أيضا يسيرا أو كثيرا، أو التصرف في التراب يكون غير المعمول منه موجبا للحرج غالبا، و اما التصرفات التي يكون مثل الوضوء أو التيمم و ان كان مثل التصرف في صورة من يريد غسل وجهه و لكن لا يكون مضطرا إليه، إذا رفع الشارع اليد عن التكليف فيكون من باب الدوران و حيث ان حق الناس مقدم على حق اللّه يقدم جانب الغصب و حيث أن الصلاة لا تترك بحال، لا بد من التصرف بحيث يصدق العمل بالصلاة مع الطهارة المائية أو الترابية.

نعم في صورة الاحتياج الى غسل الصورة و اليدين و الوضوء أيضا لا يزيد على ذلك يجوز التصرف و هكذا لو كشف الرضاء عن صاحب المال بالنسبة الى هذه الموارد، كما انه يمكن أن يقال ان بعض الأمكنة الغصبية يكون كالجادة في زماننا هذا بحيث يحسب تالفا بالنسبة الى صاحبه الأول و لو لم يكن تالفا أيضا يكشف الرضا من مالكه.

359

الغصبى يكون متينا، و على فرض عدمه فيكون فيه الكلام، لأن الضرب على الأرض يكون نوع تصرف فيها، فلا يجوّزه الاضطرار الى الكون في المكان الغصبى بل هذا تصرف زائد الّا أن يقال أن هذا النحو من التصرف لا يكون عند العرف معدّا من التصرفات الزائدة كما هو كذلك عندنا أيضا و اما الوضوء بالمباح فيه أيضا كذلك إذا كان اهراق الماء فيه معدّا من التصرفات الزائدة و الّا فلا اشكال فيه، و حاصل الدليل أن النهي لا يكون في حقه فعليا لاضطراره الى الكون في هذا المكان فيصح كل تصرف لم يكن زائدا على مقدار الاضطرار.

[مسألة 7- إذا لم يكن عنده من التراب أو غيره مما تيمم به ما يكفى لكفيه معا يكرر الضرب]

مسألة 7- إذا لم يكن عنده من التراب أو غيره مما تيمم به ما يكفى لكفيه معا يكرر الضرب حتى يتحقق الضرب بتمام الكفين عليه و ان لم يمكن (1) يكتفى بما يمكن و يأتي بالمرتبة المتأخرة أيضا ان كانت و يصلى و ان لم تكن فيكتفى به و يحتاط بالإعادة أو القضاء أيضا.

أقول هذا يكون متوقفا على وجوب الضرب على الأرض بالكفين معا و اما‌

____________

(1) سيجي‌ء أن الواجب هو ضربهما دفعة.

360

على فرض عدم وجوبه فلا إشكال أصلا فلا يترك الاحتياط فيما قاله المصنف (قده) ثم ان بقية المسائل إلى آخر الفصل لا تحتاج الى الشرح لوضوح المطلب فيها (1).

[فصل في كيفية التيمم]

فصل في كيفية التيمم

قوله: و يجب فيه أمور

[الأول: ضرب باطن اليدين معا دفعة على الأرض]

الأول: ضرب باطن اليدين معا دفعة على الأرض فلا يكفى الوضع بدون الضرب و لا الضرب بإحداها.

أقول البحث في هذا الأمر من وجوه: الأول- انه قد اختلف الأصحاب في أن الواجب في التيمم هل يكون الضرب على الأرض أو الوضع أيضا يكفي و ما في المتن يكون منسوبا الى المشهور كما عن كشف اللثام و في الذكرى نسبته الى معظم الأصحاب، و حكى عن الشهيد في الذكرى و الدروس كفاية الوضع فقط، و ما في ظاهر الشرائع و القواعد كذلك و اختاره المحقق الثاني، و تبعه الأردبيلي أيضا، و الاختلاف بينهم نشأ من الاختلاف في الروايات، ففي بعضها التعبير بالضرب و في الأخرى بالوضع.

ففي مقام الجمع قيل النسبة بينهما هي المطلق و المقيد، لأن الضرب أخص من الوضع لأنه يكون مع شدة دونه، فالمشهور القائل بحمل المطلق على المقيد، قال بتعيين الضرب، و المحقق الخراساني «قده» بعد عدم إحراز وحدة المطلوب لكونهما مثبتين، قال بالتخيير بين الوضع و الضرب، و الحمل على المقيد يكون بعد إحراز أن المراد بالوضع هو الضرب أيضا و غيره (قده) يحتاج إلى إحراز وحدة المطلوب.

و لكن يرد عليه أن الوضع و الضرب لا يكون بينهما التباين في المفهوم، حتى‌

____________

(1) أقول ان ما في مسألة 8- و ما بعدها الى آخر الفصل لا بأس بالعمل بها رجاء في الاستحباب و الكراهة و لا دليل جزما لإثبات الكراهة و الاستحباب في بعض الفروع.

361

يقال بالتخيير، لأن الضرب و أن أخذ في مفهومه الشدة، و لكن لم يؤخذ (1) عدم الشدة في مفهوم الوضع، بل الوضع أيضا يصدق بالنسبة الى ما يكون فيه درجة من الشدة و عليهذا فيمكن إحراز وحدة المطلوب، و يقال أن الملاك على الضرب فيكون الترجيح بالمآل مع روايات الضرب.

هذا أولا و ثانيا على فرض التباين في المفهوم يكون روايات الضرب أظهر دلالة، لوروده في الروايات البيانية لتيمم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كما في ح 9 في باب 11 من التيمم.

و ثالثا أن الروايات التي فيها التعرض للوضع يكون الغالب فيها هو كون هذا التعبير في لسان الراوي و السائل، و ما يكون فيه التعبير بالضرب يكون في لسان الشارع، و هذا يوجب اطمينان الفقيه على أن المدار على كون الضرب هو المتعين فالمقدم هو الضرب.

لا يقال أن الضرب إذا لم يكن جزء التيمم يكون من المقدمات و تحصيل المقدمة بأي وجه كان يكون كافيا فأن الملاك أن يكون التيمم على الأرض سواء كان بالوضع أو بالضرب، لأنا نقول لو لم يكن جزءا لا يكون خارجا عن الشرطية العبادية كما سيجي‌ء و انه المشهور، فيجب مراعاة قاعدة التعبد فيه بأن يقال اللازم هو الضرب أو الوضع.

و رابعا لان الأشهر بين الأصحاب أيضا هو وجوب الضرب لا الوضع، و هو موجب لترجيح بعض الروايات على بعض.

ثم لا يخفى أن الاعتماد المحض لا يكون من الضرب و ان كان في كلمات بعضهم‌

____________

(1) أقول ان الوضع في العرف يكون غير الضرب و لو كان فيه الشدة التي تكون في الضرب يكون خارجا عن مفهومه و ان كان فيه شدة بحسب ما يكون في الوضع الذي لا يخرجه عن مفهومه، فلا كلام فيه و يكون مع ذلك مباينا و تسامح العرف في بعض المورد لا يكون ملاكا عند الدقة.

362

لأن الضرب هو غير الاعتماد على حسب ما هو الدارج من مفهومه.

الوجه الثاني في المقام هو الضرب باليدين معا دفعة، لا على التعاقب و قيل أن الضرب معا و باليدين حيث يكون مقتضى الفطرة و أنه أسهل من ضرب كل واحد على التعاقب أو واحدة فقط و مسحها على تمام الوجه يقال بأنه يكون في الضرب معية اليدين و لا موضوعية لها في ماهية التيمم و الضرب، فلو كان الضرب بواحدة ثم مسح بها الوجه يكفى، كما عن البهائي و الكاشاني (قدس سرهم)ا)، و هذا الاختلاف أيضا يكون لاختلاف الروايات.

و لكن الحق هو وجوب كون الضرب باليدين و ادعى عليه الإجماع محصلا و منقولا كما في الجواهر (ج 5 ص 182) و في النصوص أيضا كما في باب 11 من أبواب التيمم ففي ح 5 «فوضع أبو جعفر (عليه السلام) كفيه على الأرض» الحديث و في ح 6 قوله (عليه السلام) «فضرب بيديه على الأرض الحديث» و في ح 7 عن ابى جعفر (عليه السلام) قال «تضرب بكفّيك الأرض» الحديث و دلالة الكل على المطلوب واضحة للأمر بضرب الكفين.

و المعارض لهذه أيضا يكون، و لكن لا يتم دلالته و هو أيضا في باب 11 من التيمم ففي ح 3- سألت من ابى جعفر (عليه السلام) عن التيمم فضرب بيده الى الأرض ثم رفعها فنقضها ثم مسح بها جبينه و كفيه مرة واحدة.

و تقريب الاستدلال بذكر اليد فقط، فلو كان الملاك على اليدين لذكره (عليه السلام) و لكن لا يتم من جهة أن المراد باليد هو جنس اليد، و لا يكون المراد اليد الواحدة كما يقال ضرب بيده الأرض فيمن ضرب بيديه على الأرض و الضمير المؤنث في قوله «ثم رفعها» أيضا يرجع الى جنس اليد، فلا يشكل بالجواب بأن يقال أنه مفرد فيكون دليلا على وحدة مرجعه.

و في ح 9 «فضرب بيده على الأرض» و هذه الرواية في الكتب الفقهية كذلك و لكن في كتب الرواية كما في الوسائل «فضرب بيديه الأرض» فلا يكون لها دلالة‌

363

على مطلوبهم أصلا، و كتب الرواية أضبط و على فرض اختلاف النسخة تسقط عن الاعتبار.

و في ح 2- عن الخزاز «فوضع يده على المسح». و هذه أيضا محمولة على طبيعة اليد و جنسها، فإنه يقال ضرب بيده الأرض على من يضرب بهما على الأرض و حمل الطائفة الأولى على أنه حيث يكون مسح الوجه باليدين و الضرب بهما أسهل و مطابق الفطرة خلاف ظاهر الأمر بهما من باب التعبد مضافا بأن في ذيل الروايتين الأولتين من المعارض قرينة على أن المراد بالضرب الضرب بهما للتعبير بالنفض و المسح بالكفين و عليهذا تحمل الأخيرة أيضا فالحاصل يجب أن يكون الضرب بهما و لا يكفى اليد الواحدة.

الوجه الثالث من البحث في المتن هو قوله:

و لا بهما على التعاقب.

فأن الضرب مطابق العقد الإثباتي في أول كلام المصنف، بقوله معا دفعة يكون لازمه عدم كفاية ذلك على التعاقب كما عن الحدائق (قده) نسبته الى ظاهر الأصحاب و الاخبار فإن قوله (عليه السلام) «اضرب بكفيك» ظاهر عندهم في الضرب معا دفعة، و لكن يمكن الإشكال في هذا الظاهر لأن الضرب بالكفين مطلق شامل لصورة كون الضرب على التعاقب أو معا و على فرض عدم الصدق فيكون الضرب كذلك محمولا على العادة لأنه أسهل فلا يستفاد القيديّة.

و لكن يمكن الجواب عنه بأنا إذا لاحظنا الروايات نرى أن الجميع يكون متعرضا للضرب بالكفين و لو لا دخالة المعية لم يكن هذا التعبير متكررا فالفقيه (1) يفهم ان الملاك على المعية، و الّا لكان التعبير مختلفا و قيل بأنه يؤيد هذا المطلب ما ورد في الروايات من أن «التيمم ضربتان ضربة للوجه و ضربة لليدين» و لو كان التعاقب أيضا كافيا يكون التيمم ثلاث ضربات أو أربعة، على فرض كفاية التعاقب‌

____________

(1) أقول ان هذا هو الذوق الفقهي بعد أن الإطلاق لا كلام فيه و نعم الذوق هذا بعد كون السيرة كذلك مع قول جل العلماء (رضوان اللّه عليهم) به.

364

في الوجه أيضا مع كون اللازم المسح بهما عليه، و لكن في هذا التأييد تأمل، لأن المراد بذلك هو المقابلة بين الوجه و اليدين و لا يكون النظر الى عدم كفاية التعاقب فالسر في القول بعدم كفايته و وجوب كونه دفعة هو تكرار هذه الكيفية في لسان الروايات مع السيرة القطعية المتصلة إلى المعصوم (عليه السلام).

قوله و لا الضرب بظاهرهما حال الاختيار نعم حال الاضطرار يكفى الوضع و مع تعذر ضرب إحداهما يضعها و يضرب بالأخرى.

أقول اما وجوب كونه بباطن الكفين فهو المشهور و عن جماعة التصريح به، منهم المفيد و المرتضى و الحلي، و في المدارك أنه المعهود من الضرب و الوضع، و عن بعضهم، انه وفاقي و عليه عمل المسلمين في الأعصار و الأمصار، و عليه فالنصوص و ان كان مطلقا من حيث الباطن و الظاهر و لكن يمكن ادعاء الانصراف الى الباطن و لا يكون بدويّا بل يمكن ادعاء كونه من تحت اللفظ لعدم مجي‌ء غير هذا المفهوم في الذهن من الضرب في حال الاختيار.

قوله: و مع تعذر الباطن فيهما أو في إحداهما ينتقل الى الظاهر فيهما أو في إحداهما.

أقول الدليل عليه ربما قيل انه قاعدة الميسور، و الإجماع على الباطن مختص بصورة الاختيار، و لكن ما هو التحقيق هو أن المقام لا يكون مورد جريان قاعدة الميسور لا للإشكال المعروف عن شيخنا النائيني، من أن العبادات توقيفية و ميسورها لا يكون بحسب فهم العرف، لأنه مر منّا انه حيث لم يبين ميسورها أو كل امره الى العرف بل المقام يكون من باب صدق الطبيعي على المصداق فأن قيام الشيخ الهرم يكون مثل ركوع الشاب النشيط، و لكن يصدق عليه القيام بالنسبة اليه و ان لم يصدق بالنسبة إلى غيره و في المقام الضرب بظاهر الكف في حال الاضطرار يكون احد مصاديق لضرب بالكفين، فلذا لا إشكال في وجوبه كذلك، فلا احتياج الى تطبيق الميسور في المقام.

365

ثم أنه إذا أمكن الضرب ببعض الكف أو بالظهر فهل المقدم هو الضرب ببعض الباطن أو الضرب بالظهر فيه إشكال فإن كان السند الميسور فحيث لا يمكن الضرب بتمام الكف (1) ينتقل الى الظاهر، و على فرض كون السند للضرب بالكفين هو الإطلاق، فحيث يكون القول بوجوب ضرب الباطن و انصرافه إليه في حال الاختيار ففي حال الاضطرار يؤخذ بالإطلاق فيكون الظهر مقدما و لكن حيث لا وجه لاختصاص انصراف الإطلاق إلى الباطن بحال الاختيار بحيث يطمئن به النفس، فلا يترك الاحتياط بالجمع بين الضرب بالكف (2) و الظاهر كليهما.

قوله: و نجاسة الباطن لا تعد عذرا فلا ينتقل (3) معها الى الظاهر.

أقول أن من المسلم في الفقه هو أن شرط الماء في الطهارة المائية و شرط التراب في الطهارة الترابية هو الطهارة عن الخبث، و لكن لا يكون سند طهارة العضو في الطهارة الترابية معلوما، و ان كان شرطية طهارة الأعضاء في المائية أيضا مسلمة و لكن طهارة الأعضاء في الترابية غير معلومة، و المشهور هو الشرطية، فعلى فرض عدم الشرطية فما في المتن لا اشكال فيه و على فرض الشرطية فلا وجه للاختصاص‌

____________

(1) أقول ان الضرب ببعض الكف أيضا ميسور الضرب بالباطن، الا أن الدليل إذا كان قاصرا عن وجوب الضرب بالباطن في حال عدم الإمكان بالجميع يمكن أن يقال ينتقل الى الظاهر، و لكن إثباته دونه خرط القتاد فالجمع كما قال (مد ظله) أحسن بل هو المتعين.

(2) أقول ان الفرض يكون هو تعذر الضرب بالباطن و الاحتياط لا يتصور في صورة كون احد الكفين بلا مانع، و اما في صورة عدم الإمكان فلا، و مقتضى ما ذكره (مد ظله) من أن الضرب بالظاهر أيضا ضرب باليد أيضا الكفاية، كما مرّ منه.

و مع تعذر الباطن و ان قيل بعدم اختصاص الانصراف بحال الاختيار و لكن تصل النوبة إلى الميسور بعد عدم إمكان الضرب بالباطن، نعم في صورة إمكان الضرب ببعض الباطن يكون الجمع هو موافق الاحتياط كما مرّ.

(3) بل هو مخير بين الضرب بالباطن أو الظاهر.

366

بحال الاختيار كما سيجي‌ء.

[الثاني مسح الجبهة بتمامها]

قوله: الثاني مسح الجبهة بتمامها.

أقول مسح الجبهة قيل أنه لا دليل عليه الّا الإجماعات المحصلة و المنقولة و المستفيضة بل المتواترة كما في الجواهر و في المستند «هو محل وفاق المسلمين بل هو ضروري الدين» و نحوه ما عن المصابيح، و في كشف اللثام، ادعى الحسن التواتر في الأخبار أيضا بأنه (صلى اللّه عليه و آله) حين علّم عمارا مسح بهما جبهته، و لكن الأمر ليس كما ذكر (قده) لأن الأخبار لا نجد منها الّا واحدا كما اعترف به جملة من الفقهاء فضلا عن ان يصل الى حد التواتر و هو موثق زرارة المروي في التهذيب عن المفيد عن ابى جعفر (عليه السلام) و هو في الوسائل باب 11 من التيمم «فضرب بيده الأرض ثم رفعها فنفضها ثم مسح بها جبهته» و بهذا الطريق في الوسائل عن الكافي في باب 11 ح 3 يكون النسخة «ثم مسح بها جبينه» فإذا دار الأمر بين نقل الكافي و التهذيب فالمشهور بين العلماء هو أن الكافي أضبط فأصبحت الجبهة بلا رواية على هذا الفرض، و على فرض تقديم ما في التهذيب لا يكون إلّا رواية واحدة، و اتحاد الرواة دليل على انهما ليسا خبرين بل خبر واحد و يكون المدار على واحد من النسختين، فلا وجه لادعاء الحسن و هو العماني و لا غيره، مثل ما عن جامع المقاصد من ادعاء تواتر الأخبار، و الإجماع الذي يكون في المقام يمكن أن يكون سنده هذه الرواية، و لكن من البعيد غاية البعد أن لا يكون لهذا الفرع المعروف المشهور الذي يكون عليه السيرة العملية من المسلمين بحيث يكون ضروريا إلّا الإجماع و ادعائهم تواتر الأخبار مع عدم وجود رواية إلّا واحدة أيضا من البعيد فلعل مرادهم شيئا آخر، و استفادتهم ذلك كان من مجموع الروايات الواردة في الجبين أو الجبينين، مثل موثق زرارة «في باب 11 من التيمم ح 9» و غيره و كذا ما ورد في مسح الوجه ففي مقام الجمع حيث يكون الجبين أخص من الوجه، اما أن يحمل الوجه على الجبين و يقال أن الواجب‌

367

هو مسح الجبينين فقط، و هو خلاف المرتكز و الذوق العرفي، و اما ان يقال (1) أن المراد بالوجه هو الجبهة و ذكر الجبينين في الروايات يكون لخفائهما في تعبير الوجه فإنه إذا قيل امسح وجهك لا يفهم منه مسحهما أيضا كما إذا قيل اغسل وجهك، و عليه فيكون الروايات في الدلالة على مسح الجبهة كثيرة بواسطة التعبير بالوجه (2) أو يقال كما في الجواهر أن مسح الجبينين يكون لازمه مسح الجبهة أيضا و لكن ما ذكرناه أحسن، و القول بأن مسحهما يكون من باب المقدمة العلمية خلاف الظاهر فالمتعين الحمل كما ذكرناه.

قوله: و الجبينين بهما.

أقول قد مرّ أن الوجه لا بدّ من مسحه كما هو صريح الروايات و المتيقن منه هو الجبهة فلا يكفى مسح غير الوجه مثل الجبينين، و اما هما فالأقوال فيهما ثلاثة، وجوب مسحهما كما في جامع المقاصد و المدارك و شرح المفاتيح و غيرها. و عدم الوجوب كما عن ظاهر الفاضلين و الشهيدين و غيرهم. و وجوب المسح مقدمة لا استقلالا و السند للأول هو الروايات الكثيرة الواردة في باب 11 من أبواب التيمم، و فيها بيان غسل الجبين و الجبينين بنحو المفرد و المثنى حتى أن رواية زرارة في نسخة الكافي و التهذيب يكون فيها وجوب مسح الجبين و في نسخة التهذيب يكون فيها بيان مسح الجبهة.

و الأشكال عليها بأنها تكون في مقام بيان فعل الإمام (عليه السلام) و الفعل لا لسان له في الوجوب لأنه يمكن أن يكون من جهة الاستحباب مرّ جوابه فيما مرّ من أن كونه (عليه السلام)

____________

(1) أقول لا شاهد لهذا الجمع إلّا الإجماع، و الّا فالفنّ يقتضي أن يقال مسح الوجه مع الجبين لازم، و حمل الوجه على الجبهة يمكن ان يقال ان يكون من جهة الباء في قوله تعالى «بِوُجُوهِكُمْ»* الذي هو للتبعيض، و تعيين هذا البعض يكون في الجبهة بقرينة عمل المتشرعين في الدين كذلك.

(2) اما كفاية مسح الجبهة و هي بعض الوجه فلمكان الباء في الآية بقوله تعالى «بِوُجُوهِكُمْ»* كما في الشروح و منه المستمسك للحكيم (قده).

368

في مقام البيان يمنع عن هذا الاحتمال مع عدم قرينة للاستحباب.

و اما بيان الوجه في بعض الروايات كما في ح 4 و 7 و 2 في الباب المتقدم و بيان الجبين في الآخر فيجب علاجه بأن يقال مقتضى التحديد هو أن الواجب هو مسح الوجه لا غير، أو هو مسح الجبين لا غير، و لا يقال انّهما مثبتان فيعمل بهما بأن يجمع بين المسحين، و حمل الوجه على الجبين أيضا خلاف الظاهر لأن الوجه لا يكون مصداق الجبين بوجه، و القول بالتخيير أيضا خلاف الإجماع.

فعلى هذا اما أن يقال بأن مسح الجبين مستحب لأن مفهوم روايات الوجه عدم وجوبه و عدم الوجوب لا ينافي الاستحباب و عدم القول باستحباب غسل الوجه لعله من بان أنه نصّ الآية، و لعل هذا هو مراد صاحب الحدائق من القول بعدم الوجوب لا أصالة عدم الوجوب كما عن بعض المعاصرين (قده).

أو يقال أن مسح الجبين يكون واجبا و لكن حيث أن بيان وجوب مسح الوجه ما كان كافيا في وجوب مسح الجبين لأن الوجه ما يواجه به مع أن الجبين أيضا مما يجاور الوجه و كأنه من الوجه، فلخفائه بيّن ببيان مستقل وجوبه، و عدم ذكر الوجه في هذا البيان يكون من جهة وضوحه من الآية و غيرها و هذا هو المتعين لقربه إلى النظر العرفي و جمعه.

أو يقال أن الوجوب يكون من باب المقدمة التعبديّة، لأن المقدمة العلمية تكون في صورة عدم معلومية الحدّ و حدّ الوجه معلوم، فلا تكون المقدمة علمية و ليست مقدمة لوجوده الخارجي كنصب السلّم للكون على السطح، فيكون المسح كذلك مقدمة تعبديّة. و اما إفراد الجبين في بعض الروايات و تثنيته في الآخر فيكون الجمع فيه سهلا، لأن المثنى صريح في وجوب التعدد و المفرد لا ينافيه لإمكان حمله على الجنس، فالمتعين وجوب مسح الجبينين مع عدم معنى محصّل للمقدمة التعبديّة.

قوله: من قصاص الشعر الى طرف الأنف الأعلى و الى الحاجبين.

369

أقول البحث هنا في ثلاثة أمور: الممسوح و الماسح و المسح، اما الأول فما في المتن يكون عليه الإجماع عن الانتصار و الغنية و الروض و الروضة و غيرها، و عن أمالي الصدوق، انه من دين الإمامية، و في بعضها لم يقيد طرف الأنف بالأعلى و هذا هو مقتضى تحديد الجبهة و الجبين الواجب مسحهما كما مر فأن الجبين يكون من قصاص الشعر الى طرف الأنف.

و المخالف في المسألة هو ما حكى عن رسالة على بن بابويه من وجوب استيعاب الوجه و يشهد له ظاهر كثير من النصوص المتضمنة لمسح الوجه.

و لكن قد أشكل عليه بعض المعاصرين أعلى اللّه مقامه بأنه يخصص بالروايات الدالة على مسح الجبهة و الجبين و الإجماع المقدم على كفاية ما ذكر، و لكن حيث عرفت انه لا يكون لنا رواية في خصوص الجبهة بحيث يعتمد عليها و ما كان من نقل التهذيب رواية الجبهة يكون معارضا بنقل الكافي تلك الرواية في نسخة الجبين و الحمل على الاستحباب كما قيل أيضا لا يكون وجهه معلوما، و أن قال بعض المعاصرين انه مقتضى الصناعة، و لكن لا نفهم (1) وجه الصنعة فيه.

____________

(1) أقول انه يمكن ان يقال ان وجهه هو أن ما دل على مسح الوجه يكون ظاهرا في وجوب التمام و شاملا للجبهة قطعا، و ما دل على الجبهة و الجبين يكون مقتضى التحديد هو نفى وجوب مسح غير هذا القدر، فهذا بمفهومه دل على عدم وجوب مسح البقية، و وجوب هذا القدر المعين بمنطوقه فيخصص ما دل على مسح الوجه مسح البقية، و وجوب هذا القدر المعين بمنطوقه فيخصص ما دل على مسح الوجه تماما بظاهره، بما دلّ على وجوب مسح الجبهة و الجبين في مدلوله الوجوبي.

و اما بالنسبة إلى مدلوله الاستحبابي، فلا، فإنه يدل عليه لأنه مأمور به و الخاص ينفى الوجوب و هو لا ينافي الاستحباب.

و لا يقال ان الأمر بسيط لا يصح فيه الأخذ بمدلوله الاستحبابي بعد سقوط قيد الوجوب. لأنا نقول في المقام حيث يكون أمر مسح الوجه منحلا بحسب الموضوع فيمكن تقسيمه بالوجوب و الاستحباب، كما في مورد غسل النجاسات فأن كل جزء يكون موجبا لانحلال الأمر عليه فهنا ينحل الأمر بالوجوب و الاستحباب و لا بأس باجتماعهما في الخطاب و اللّه العالم.

370

و القول بأنه حيث يكون في الوضوء الواجب هو غسل تمام الوجه فكذلك في التيمم الذي يكون بدله يكون الواجب فيه مسح تمام الوجه، فيه ما لا يخفى فإنه قياس مع انه لا بد عليهذا أن يكون التيمم بدل الغسل كتيمم العمار من التمعك في التراب بجميع الجسد، فالمتعين أذن هو الأخذ بالآية المباركة و هو قوله تعالى:

(فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ)* بناء على ظهور الباء في التبعيض، أو بعد ملاحظة تفسيرها في رواية زرارة كذلك في باب 13 من التيمم ح 1 قوله (عليه السلام) «فلما أن وضع الوضوء عمن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحا لأنه قال: (بوجوهكم).

ثم أن المسح هل يكون من الأعلى إلى الأدنى أو يختار حيثما اتفق، فيه وجهان فقيل بأنه يجب المسح كيفما اتفق، لإطلاق الأمر بالمسح و عدم الإجماع على وجوب كونه من الأعلى و الانصراف إليها يكون من جهة العادة و الغلبة، و هو بدوي لا اعتناء به، و القياس بالوضوء أيضا لا وجه له، لأنه في محله أيضا مشكل فضلا عما يقاس به، مضافا بأن الماء أسهل طرق جريانه هو ان يكون من الأعلى إلى الأدنى، فالقياس مع الفارق، نعم صرح في الفقه الرضوي بأنه يكون من الأعلى إلى الأدنى كما في مستدرك الوسائل، و على فرض الشك في دخالة هذه الكيفية الخاصة فالأصل يقتضي البراءة لو كان التيمم مبيحا لأن الأمر يرجع الى شرطية الزائد و هو خصوصية كونه من الأعلى، و الأصل يقتضي البراءة عنه، نعم على فرض كونه مطهرا و لم نقل أن الطهارة ذات مراتب يكون من الشك في المحصل و الأصل فيه الاشتغال و لكن الأحوط هو مراعاة كونه من الأعلى.

قوله: و الأحوط مسحهما أيضا (أي الأنف و الحاجبين) و يعتبر كون المسح بمجموع الكفين على المجموع فلا يكفى المسح ببعض كل من اليدين و لا مسح بعض الجبهة و الجبينين نعم يجزى التوزيع فلا يجب المسح بكل من اليدين على تمام اجزاء الممسوح.

أقول عن الصدوق وجوب مسح الأنف و الحاجبين و تبعه في الذكرى و جامع‌

371

المقاصد ناقلا في الثاني عن الصدوق بأنه فيه رواية، و يظهر من المنتهى من قوله:

«لا يجب مسح ما تحت الحاجبين» انه مسلم.

و قد أشكل عليه بأنه بعد اختصاص المسح بالجبينين و الجبهة يكون خروج ما ذكر عن حد الممسوح مسلما و الأخبار البيانية تنفيه و الرواية لم تثبت عن الصدوق.

و فيه انه مر عدم الدليل على مسح الجبهة بخصوصها كما مر و الوجه نص في الجبهة و الحاجبين أيضا، مع الملازمة الدائمية أو الغالبية بمسحهما حين مسح الجبهة فالأقوى (1) هو وجوب مسحهما لا الأحوط فقط.

و اما الأمر الثاني و هو حد الماسح، فأن الظاهر من الروايات الواردة في أن المسح يكون بالكفين كما مر في الروايات البيانية (في باب 12 من التيمم) هو كون المراد المسح بهما جميعا ففي ح- 1 «فمسح بهما وجهه» و في ح- 3 «ثم مسح بهما جبهته.

و ما ورد في ح 2 فوضع يده على المسح ثم رفعها فمسح وجهه، و كذلك في صدر ح 3 «ثم مسح بها جبينه، و كفيه مرة واحدة» فمحمول على الجنس و لا ينافي ما يكون ناصا في وجوب كون المسح بهما، انما الكلام في كيفية المسح بهذا المجموع فالظاهر عندنا هنا، و في مسح الكفين، إحداهما على الأخرى هو أن الماسح آلة لمسح الجميع، كما أن اليد في الوضوء آلة لإيصال الماء الى جميع الوجه سواء كان بالمباشرة أو بوسيلة شي‌ء آخر، فهنا يكون مسح تمام الوجه هو المراد بهذه الآلة، فإذا استوعب الوجه كذلك يكفى كما هو المتعارف و المعمول من المسح، فعليه يؤخذ بإطلاق المسح كذلك، سواء كان بمجموع اليد على مجموع‌

____________

(1) أقول انه كيف ما كان استفاد (مد ظله) من الإجماع، و ما مر منه أن الواجب هو مسح الجبهة و الجبينين، و لو لم تكن الرواية تامة في الجبهة وحدهما معلوم و لا دليل على وجوب مسح الزائد إلّا ما يتوهم من الملازمة و هي في أسفل الأنف غير مسلم فتعبير المصنف بالاحتياط أولى.

372

الأجزاء أو يكون المسح ببعض اليد بحيث يحصل مسح جميع الوجه بعضه بيد، و بعضه بيد اخرى.

و مما ذكر يظهر وجه ضعف سائر الوجوه الخمسة التي تصوروا في المقام (1) الأول- ان يمر كل جزء من الكفين على كل جزء من الممسوح بحيث لا يبقى جزء من الماسح الّا و قد مسح على جزء من الممسوح. و فيه أن هذا مع انه متعذر أو متعسر، يكون خلاف ظاهر الروايات فأن الظاهر هو المسح باليد لا المسح بكل جزء منها على كل جزء من الممسوح. الثاني- ان يمرّ تمام كل واحد منهما على تمام الممسوح، و فيه أن اللازم من ذلك هو المسح بكل واحد من اليدين مستقلا و الظاهر بل الصريح من الروايات هو المسح بهما دفعة و يلزم منه تكرار المسح تارة بهذه، و اخرى بأخرى، و هو خلاف نصّ الرواية بأن المسح مرة واحدة، و يكون خلاف المتعارف و المتفاهم بين أهل الشرع.

الثالث- أن يمر تمام إحداهما على بعضه و تمام الأخرى على البعض الآخر و فيه ان هذا خلاف الظاهر كما مر من أن المسح بهما دفعة لا متكررا لازم و يكون خلاف المتعارف و السيرة و الإطلاق.

و الرابع- ان يمر كلّا من الكفين في الجملة و لو بعض كل منهما على جميع اجزاء الممسوح. و فيه انه خلاف الظاهر لأنه يوجب التكرار مضافا بأنه أيضا خلاف السيرة من المتشرعة.

و الخامس- هو أن يمر كل اليدين على الممسوح دفعة واحدة و لو كان لازمه هو مسح البعض ببعض، و البعض الآخر بالأخرى فهو المتعين، و الحاصل أن نسبة المسح الى اليد ينافي نسبته الى جميع الأجزاء بحسب الظهور العرفي، فهي آلة للمسح على حسب المتعارف. و لا سند للاستيعاب بالوجوه التي ذكرت بالنسبة إلى الماسح.

____________

(1) كما في المستمسك ج 4 ص 9- 4 الطبع الثالث.

373

بقي في المقام شي‌ء و هو أن مسح ما هو خارج عن الحد في مسح الوجه و اليدين هل يكون من باب المقدمة العلمية أو الشرعية أو الخارجية، أو مقدمة في الامتثال، لا وجه للأول لأنه يكون في صورة عدم معلومية الحد مثل الصلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة و هنا يكون الحد معلوما، و الثاني لا وجه له لأنه ليس لنا دليل على أن هذا واجب في الشرع مثل الوضوء للصلاة، و الثالث لا وجه له لأنه لا يكون مسح هذا مثل نصب السلّم بالنسبة إلى مسح ما هو في الحد، فيبقى الرابع من أنه مقدمة للامتثال و تطبيق المأتي به للمأمور به هنا و في الوضوء فلو كان الامام المعصوم (عليه السلام) عالما بالغيب و يعلم الحد الحقيقي لا يكون الواجب عليه مسح ما هو خارج عن الحد مقدمة.

[الثالث مسح تمام ظاهر الكف اليمنى بباطن اليسرى]

قوله: الثالث مسح تمام ظاهر الكف اليمنى بباطن اليسرى ثم مسح تمام ظاهر اليسرى بباطن اليمنى من الزند إلى أطراف الأصابع و يجب من باب المقدمة إدخال شي‌ء من الأطراف و ليس ما بين الأصابع من الظاهر فلا يجب مسحها إذ المراد به ما يماسه ظاهر بشرة الماسح بل الظاهر عدم اعتبار التعميق و التدقيق فيه، بل المناط صدق مسح التمام عرفا.

أقول الأقوال في مسح الكف ثلاثة: الأول- ما هو المشهور و هو أن الواجب هو مسح ظهر الكف إلى أطراف الأصابع دون الزائد عليه. و الثاني- المسح من المرفق إلى أطراف الأصابع. و الثالث- المسح من أصول الأصابع و هو موضع القطع في السرقة.

و استدل على الأول بالإجماع و نسب الى الصدوق انه من دين الإماميّة، و لعل سنده الروايات لا الإجماع فقط، و بالأخبار البيانية الواردة في الوسائل في باب 11 من أبواب التيمم و يكون التصريح فيها بأن الواجب هو مسح الكفّ خصوصا ما في ح 4 في الباب بقوله (عليه السلام) «فوضع يديه على الأرض ثم رفعهما فمسح وجهه و‌

374

يديه و فوق الكف قليلا» فأن قوله (عليه السلام) «و فوق الكف قليلا» شاهد عدم لزوم الزائد و أن ما فوق الكف قليلا يكون من باب المقدميّة.

ثم أن تلك الروايات و ان كانت في مقام بيان العمل، و العمل لا لسان له لأنه يمكن الحمل على الاستحباب أو الوجوب و لكن حيث يكون (عليه السلام) في مقام البيان، و لم يأت بشاهد على الاستحباب يكون الظاهر هو الوجوب و أن التيمم ليس الّا هذا لا أزيد و لا أنقص، و الشاهد على عدم وجوب الزائد ما في قوله (عليه السلام) في ح 5 في الباب «و لم يمسح الذراعين بشي‌ء» فإنه صريح في عدم وجوب مسح الذراعين.

و اما السند للقول بوجوب مسح الذراعين هو أيضا ما ورد من الروايات المعارضة لما ذكرنا في سند المشهور و هي أيضا في باب 11 و 12 و 13 من التيمم ففي صحيح ليث في باب 13 «و تمسح بها وجهك و ذراعيك» و في موثق سماعة في باب 12 «فمسح بها وجهه و ذراعيه» و في صحيح ابن مسلم «فمسح بها مرفقه إلى أطراف الأصابع واحدة على ظهرها و واحدة على بطنها». و هي كما ترى ما بين صحيح و موثق فربما يقال حيث أن الطائفتين في مقام التحديد فمقتضى الصناعة أن يقال بالتخيير بين مسح الذراع أو الكفّ كما عن المبسوط.

و فيه انه لو لا إحراز وحدة المطلوب كان هذا صحيحا، و لكن الظاهر أن المطلوب واحد و لا يكون لنا تيمم بطريقين، مضافا بأنها موافقة للعامة و المشهور أيضا أعرضوا عنها مع صحتها، و عن بعضهم أن هذه لا تقاوم الطائفة الأولى و لم يبيّن وجهه و لعل الوجه هو الخدشة في السند لما ذكر، و الّا فالدلالة تامّة.

و اما السند للقول الثالث فهو مرسلة السرائر و فيها «فامسح كفيك من حيث موضع القطع» في باب 13 من التيمم ح 2- و هي مع الإرسال يكون مما أعرض الأصحاب عنها، فالمتعين هو قول المشهور في ذلك.

و الاستدلال بالأخبار الدالة على وجوب مسح اليد، (بتقريب أن يقال ان اليد في آية السرقة تحمل على الأصابع فكذلك هنا)، أضعف مما سبق، لأن الروايات‌

375

التي دلت على وجوب مسح الكف لا تبقى مجالا لهذا القول، فأن في كل مورد يكون اقتضاء الدليل معنى على حدة، و لا يقاس مورد بالآخر، هذا مضافا بأن القائل بكون المسح من أصول الأصابع لا يكون كلامه واضحا من جهة كونه بالنسبة إلى اليد الماسحة أو الممسوحة، و كيف كان فالدليل على هذا القول ضعيف غايته.

و اما الدليل على وجوب كون المسح بباطن احدى اليدين على ظاهر الأخرى فبالنسبة إلى كون الممسوح ظاهر الكف فحسنة الكاهلي (في باب 11 ح 1) قوله (عليه السلام) «ثم مسح كفيه إحداهما على ظهر الأخرى» فإنه نص في كون الممسوح هو الظهر و اما بالنسبة إلى كون الماسح هو الباطن من الكف فلا نص له صريحا بل يكون مستفادا من تناسب الحكم و الموضوع، لأنه حيث استفدنا فيما سبق أن الضرب على التراب يجب أن يكون بباطن الكفين و يكون التيمم من التراب، فالعرف و العادة يقتضي أن يكون المسح بذلك الباطن، فيمكن أن يقال أن الخطاب منصرف الى هذا النحو، و لا وجه للقول بأن الانصراف بدوي ناش من كثرة ما ذكر في الخارج لأنه يفهم من تحت اللفظ كما في الوضوء، فأن التيمم بدله، و كما أن الماء بباطن الكف يصل الى الوجه كذلك اثر التراب، و لذا اعتبر بعضهم العلوق و أن لم يكن واجبا عندنا.

و اما كيفية المسح بعد وجوب كونه بالباطن فيتصور على وجوه: الأول- مسح تمام كل جزء من اجزاء الماسح على تمام اجزاء الممسوح بحيث لا يبقى جزء من الماسح الّا و مس جزء من الممسوح. و الثاني استيعاب المسح لا بكل جزء منهما بل بحيث يضع الكف على الزند و يمسح بتمامه الى رؤس الأصابع، و الثالث- أن يضع الكف على الكف بحيث إذا كان يستوعب أحدهما على الآخر يمسح قليلا ليصدق المسح كما يقال في مسح الرأس في الوضوء.

أقول لا يخفى أن الاستيعاب يجب أن يؤخذ مفهومه العرفي من العرف، و اما التطبيق فلا يكون بيد العرف بل لا بد أن يكون بالدقة، و لو كانت عرفية لا فلسفية، فأن‌

376

التسامح لا يجوز و الدقة العرفية لا تكون بمثابة الفلسفية، و عليها فلا يجب على العملة الذين يكون أيديهم لشدة العمل بحيث لا ينطبق اجزائها على الأخرى بحيث ينطبق اجزاء الأيدي الناعمة، معالجة اليد لتكون كذلك فأن العرف يكتفى بمسح يده حيث كان و يمكن الدقة بحسبه.

ثم انه ربما يقال أن الدقة غير معتبرة لأن الدليل دل على وجوب المسح مرة و المرة لا تستوعب بالدقة جميع اليد، و فيه أن الوحدة الاتصالية مساوقة للوحدة الشخصية فإنه لا يرفع اليد عن اليد و يمسح بحيث يستوعب جميع الأجزاء.

و أضعف من ذلك دعوى مجمع البرهان، أنه لو بقي البعض كما يبقى الإبهام غالبا يكفى، فالمتعين اذن مسح التمام على التمام، و هو الوجه الثاني لا الأول لأنه خلاف المتعارف، و ان كان موافقا للاحتياط و الدقة في المسح كما عن الميرزا محمد تقي الشيرازي (قده)، و لو حصل استيعاب كف على الآخر بحيث لا يبقى منه شي‌ء يكفي مسمى المسح و لا دليل لنا على وجوب الزائد.

[فصل في شرائط التيمم و منها النية]

فصل في شرائط التيمم و منها النية قوله اما شرائطه فهي أيضا أمور:

[الأول النية]

الأول النية مقارنة لضرب اليدين على الوجه الذي مر في الوضوء.

أقول اما الدليل على أصل وجوب النية في التيمم فليس إلّا ضرورة الدين و الإجماع الذي ادعاه جماعة بل عن المعتبر و التذكرة و جامع المقاصد و الروض دعوى إجماع علماء الإسلام عليه و الّا فمقتضى إطلاقات الأدلة هو توصلية كل ما شك في كونه تعبديا بعد الأمر به، لأن وجوب قصد الأمر يحتاج الى دليل زائد على الأمر بالمأمور به، و هكذا مقتضى الأصل البراءة عن هذا القيد في كل صورة شك فيه.

ثم ان وجوب النية مقارنا لضرب اليدين يكون هو المشهور، فلو كان الضرب جزء التيمم فلا إشكال في ذلك و لو كان مقدمة يجب إحراز كون المقدمة عبادية مثل‌

377

الوضوء للصلاة و على فرض كونها عبادية فيجب إثبات كونه هو التيمم ليكون قصده التيمم به و الّا فهو مقدمة عبادية يقصد نفسها و ان كانت للتيمم، و لو لم يكن لنا دليل على ذلك فيمكن أن يقال بأن الضرب يكون من المقدمات التوصلية، و لا دليل لنا على عباديته على فرض كونه مقدمة، و لكن الذي يسهل الخطب أن مقتضى الروايات البيانية هو الجزئية و عليها فلا بد من النية تعبدا.

ففي رواية إسماعيل الكندي عن الرضا (عليه السلام) قال: التيمم ضربة للوجه و ضربة للكفين.

و تقريب الاستدلال هو أن التيمم اما يكون الضرب أو يكون الجزء المهم الذي يمكن أن يستند اليه التيمم هو الضرب، و لا يمكن أن يقال أنه خارج عنه، فإنه يكون صريحا في كون التيمم هو هذا الضرب، فلا إشكال في تعبدية هذا الضرب و وجوب قصد القربة كما هو المشهور أو يستفاد هذا المعنى من سائر الروايات أيضا فارجع إليها.

قوله و لا يعتبر فيها قصد رفع الحدث بل و لا الاستباحة.

أقول لأن القصد لا يكون له دخل في ما يكون هو السبب واقعا لشي‌ء، فإن هذا العنوان يكون واقعيا لا قصديا فإنه ان كان مبيحا يحصل الإباحة و ان كان رافعا للحدث يحصل الرفع، كما ان النار حارّ سواء قصد حرارته أولا، و لا يكون قصد الحكم فيما نحن فيه مقوم الموضوع، فإن الإباحة و الطهارة من أحكام التيمم فلا يكون قصدهما مقوم الموضوع و هو التيمم، و هذا في جميع المقامات مما لا ينكر، و هذا مما لا اشكال فيه.

انما الكلام في أنه إذا كان مبيحا فقصد خلافه و هو رفع الحدث مع العلم بأنه يكون مبيحا فهل يوجب بطلان التيمم، أولا، وجهان و القائل بكلا الوجهين جملة من العلماء، اما وجه البطلان فلأنه تشريع محرم، و التيمم عبادة فإذا انطبق‌

378

عليه عنوان التشريع يصير هذا الفعل معنونا بعنوان محرم، فلا يمكن القرب به للنهى عنه.

و فيه أولا إنكار المبنى فإن التيمم رافع للحدث كما سيجي‌ء، و إشكالهم بأنه لو كان رافعا كيف يصير وجدان الماء مبطلا له، مندفع بأن الطهارة تكون موقتة و ما دام عدم الوجدان. و ثانيا أن التشريع لا ينطبق عنوانه على عنوان التيمم فإنه أمر قصدي و قصد أمر محرم لا يكون منوطا بالتيمم بل إذا كان عنوان التشريع منطبقا على العمل أيضا يكون فيه الكلام فضلا عن المورد.

[الثاني المباشرة حال الاختيار]

قوله: الثاني المباشرة حال الاختيار.

أقول و استدل عليه بالإجماع ظاهرا كما عليه الأصحاب و في المدارك من نفى الريب فيه، و المنتهى من نفى الخلاف فيه عندنا، كما في الجواهر (ج 5 ص 178) و قال بعض المعاصرين ان العمدة في ذلك الإجماع (1) و لكن العمدة على التحقيق في ذلك ظهور الخطابات، لأن ظاهر كل خطاب هو المباشرة فإذا قيل أكرم زيدا يكون معناه أن الإكرام بخصوصيته الخاصة دخيل لا الأعم منه و من الإنفاق مثلا، و زيد بخصوصيته كذلك لا الأعم منه و من عمرو، مع كون المكرم هو هذا المخاطب الخاص، لأن الخطاب متوجه اليه، و التوصلية و التعبدية يستفاد من دليل خارج، بل في التعبدي لا يمكن القرب إلّا بالمباشرة، و اما تصحيح العبادات الاستيجارية فلدليل خاص ذكر في محله، مع أن الصلاة بذاتها عبادة و يتصور فيها النيابة، و اما التيمم فليس كذلك، اى لا يستفاد من هذا العمل التعبد بخلافها فأن الركوع و السجود من أقوى مصاديق التعبد، ففي صورة الاختيار لا شبهة في وجوب المباشرة بمقتضى الخطاب.

____________

(1) أقول هذا البعض العظيم أيضا لم يجزم بأن هذه هي العمدة، بل جعل النزاع مبنائيا بقوله و يقتضيه ظاهر الأمر به، بناء على أصالة عدم جواز النيابة في العبادات، و أن جازت في غيرها، و اما بناء على أصالة الجواز، فالعمدة في وجوبها هي الإجماع (في المستمسك ص 416 ج 4).

379

[الثالث الموالاة]

قوله: و الثالث الموالاة، و ان كان بدلا عن الغسل و المناط فيها عدم الفصل المخل بهيئته عرفا بحيث تمحو صورته.

و استدل عليها بالإجماع صريحا و ظاهرا كما عن الغنية و المنتهى و جامع المقاصد و الروض و الحدائق و غيرها، و قيل هذا هو العمدة في وجوبها لا سائر الأدلة فإن منها النصوص البيانية فإنها سواء كانت بيانا للفعل أو القول لا تدل على هذا لأن الفعل مجمل لا لسان له و القول فيه الإطلاق من حيث الموالاة و عدمها.

و منها أدلة بدلية التيمم عن الوضوء فكما ان الشرط فيه الموالاة فكذلك في التيمم. و فيه أن هذا قياس مع وجوب التماس الدليل في المقيس (1) عليه، و الكلام فيه كالكلام في هذا، و سائر الأدلة أيضا مثل الآية غير تام.

أقول أن لنا طريقين لإثبات وجوب الموالاة: الأول- أن السيرة العملية و الارتكازية على أن الشارع إذا طلب مركبا اعتباريا يكون الاجتماع للأجزاء له دخل في المصلحة بحيث لا يكون التفرقة في الأجزاء كافيا عندهم و هو في التيمم متحقق. و الثاني- أن الخطاب بمركب اعتباري مع قطع النظر عن السيرة أيضا يتلقى منه أن المجموع من حيث المجموع هو المطلوب و يتوقف في كفاية غير هذا النحو منه عن المأمورية و التيمم مركب اعتباري، و يكون الكاشف لذلك التركيب هو الأثر الواحد الذي يكون له من الإباحة أو رافعية الحدث، فإن سلمت ما نقول فيكون هذا البيان رافعا لإجمال الأدلة البيانية، و يوجب الظهور في أن فعل المعصوم (عليه السلام) في مقام البيان، و قوله أيضا يكون المستفاد منه الموالاة، و لو لا ذلك يجب أن يبين، فحيث لا بيان، يكون المتبع هو السيرة و تلقى الخطاب، فبهذا البيان يمكن ان يقال أن هذا هو العمدة‌

____________

(1) أقول يكون دليله صريحا و الأشكال فيه مندفع فارجع في الوسائل الى باب 33 من الوضوء ح 2 و 3 و 6، و في باب 35- ح 9 (و البحث في المستمسك ج 2 ص 453) و كيفما كان و أن كان البحث في هذه الروايات، و لكن دلالتها تامة و أصرح مما في المقام بل ليس لنا في المقام دليل كذلك.

380

و الا فالإجماع يكون سنديا و سنده هذه الاحتمالات.

ثم انه على فرض شرطية الموالاة يجب البحث في أنها هل كان بنحو وجوب شرطي، بحيث إذا فقد، فقد المشروط، و يقال ببطلان التيمم بدون ملاحظتها، أو لا يكون الّا تعبديا بحيث يكون التارك لها عاصيا مع صحة التيمم، الظاهر مما ذكرنا من الدليل هو الأول، لأن العرف إذا لا حظ المركب اعتباريا، و أن اللازم فيه الموالاة يرى تركها مضرا بما هو الأثر فعليه لا يصح التيمم بدونها و هذا هو الحق.

ثم انه يجب البحث في معنى الموالاة و ينقل لها معان ثلاث على ما تفحصنا في كلماتهم، الأول- ما عن المصنف (قده) بقوله و المناط فيها عدم الفصل المخل بهيئته، عرفا بحيث تمحو صورته، فإن الصورة إذا محيت لا تصدق الموالاة.

و فيه أنه في صورة محو الصورة لا شبهة في عدم حصول الموالاة، و اما في صورة عدم محوها أيضا لا يكون بقاء الصورة موجبا للقول بها بل ربما تنفك عنه.

الثاني- هو القول بأن المناط فيها هو المناط في الوضوء فأن المناط فيه إتيان الغسل في العضو الآخر بحيث يكون الرطوبة في العضو السابق باقية و هنا أيضا يحسب كذلك.

و فيه أن هذا مع عدم الضابط له في الوضوء القول به في المقام أيضا مشكل، لأن الطبع الحار و البارد، و الهواء الحار و البارد، يكون له تأثير عميق في الجفاف و عدمه ففي المقام يكون التحديد كذلك أشكل من الوضوء فلا وجه لهذا المعنى.

الثالث أن يقال معناها يكون هو وحدة العمل عرفا، بحيث لا يفرق بين الأعمال بفاصلة معتدة بها في الوسط.

[الرابع الترتيب]

قوله: الرابع الترتيب على الوجه المذكور.

و استدل على وجوب الترتيب بالإجماع، كما عن الغنية، و المنتهى، و الإرشاد و المدارك، و المفاتيح و ظاهر التذكرة، و الذكرى، و غيرها، حتى حكى عن اثنى عشر كتابا ما بين صريح و ظاهر، و حكى عن جامع المقاصد أنه لو نكس استأنف‌

381

بحيث يحصل معه الترتيب و في جامع المقاصد يجب تقديم اليمنى على اليسرى بإجماعنا، و بالأخبار البيانية للفعل، للعطف ب‍- ثم أو الفاء بين الضرب أو المسح أو بين الوجه و اليدين الدالين على الترتيب.

و قد أشكل عليها بأن الفعل مجمل لا لسان له و الترتيب يكون من جهة أن الأفعال تدريجية لا يمكن حصولها دفعة.

و لكن الأشكال غير وارد لأنه قد مر، أن الفعل في مقام البيان يدل على اللزوم و القول بأن وقوع الترتيب بين الأفعال يكون من جهة كون الفعل مما لا يحصل دفعة ممنوع لأن الأخبار مع كثرتها لا يكون فيها كلام عن خلاف هذا الترتيب، فيطمئن الفقيه من ذلك بأن هذا هو الطريق لا غيره.

و استدل بأنه حيث يكون بدلا عن الوضوء و يجب فيه الترتيب فهكذا التيمم و هذا الدليل و أن كان قياسا محضا و لكن يمكن أن يقال أن الدليل على وجوب الترتيب (1) في الوضوء أيضا لا يكون إلّا أمثال هذه الأدلة في التيمم، فمن قال بوجوب الترتيب في الوضوء مع عدم التصريح به في دليل، يجب عليه أن يقول به في المقام أيضا، مضافا بأن في المقام ورد الترتيب في رواية مستطرفات السرائر في الوسائل في باب 11 من أبواب التيمم عن زرارة من قوله (عليه السلام) «فضرب بيده على الأرض ثم ضرب إحداهما على الأخرى ثم مسح بجبينه ثم مسح كفيه كل واحدة على الأخرى فمسح اليسرى على اليمنى و اليمنى على اليسرى» و الترتيب المشهور هو صريح هذه الرواية.

و يدل عليه ما في الفقه الرضوي في المستدرك باب 9 باب من التيمم ح 1 و عمل المشهور عليه يوجب انجبار ضعف الرواية من جهة كونها عن الفقه الرضوي الذي‌

____________

(1) أقول مصحح زرارة في الوسائل في باب 34 من أبواب الوضوء ح 1 في الوضوء، صريح في وجوب الترتيب، فلا يكون مثل المقام من جهة الدليل فارجع اليه.

382

لم يثبت انتسابه الى الإمام (عليه السلام).

و الحاصل أنا من مجموع الأدلة يحصل لنا الجزم، بأن الترتيب بين الوجه و اليدين و بين اليدين بتقديم مسح اليمنى على اليسرى لازم بعد ضرب اليد على ما يصح به التيمم و على فرض الشك في ذلك فالأصل هو الاشتغال، لأنه يكون من الشك في المحصل و ان قلنا بالبراءة في باب الوضوء من باب أنه محصل ذو مراتب لا نقول به في المقام، لعدم إثبات ذلك فيه مع العلم بأنه رافع للحدث و لا يكون مبيحا فقط عندنا و على الإباحة يمكن القول بالبراءة عن شرطية الترتيب.

[الخامس الابتداء بالأعلى]

قوله: الخامس الابتداء بالأعلى و منه الى الأسفل في الجبهة و اليدين.

أقول قد مر الكلام فيه.

[السادس عدم الحائل بين الماسح و الممسوح]

و السادس عدم الحائل بين الماسح و الممسوح.

[السابع طهارة الماسح و الممسوح حال الاختيار]

و السابع طهارة الماسح (1) و الممسوح حال الاختيار.

أقول هذا يكون من المصرح به عند جماعة، و عن شرح المفاتيح نسبته الى الفقهاء و عن حاشية الشهيد على القواعد الإجماع على اعتباره و عن جامع المقاصد القطع به، و لكن في الجواهر قال: لم أعثر على مصرح بشي‌ء منه من قدماء الأصحاب و عليه ففي ثبوت الإجماع على الاعتبار اشكال، و لذا اختار جمع عدم اشتراط ذلك عملا بإطلاق الأدلة و أدلة البدلية للوضوء أيضا غير تام في إثبات الاشتراط.

و استدل عليه في الذكرى بأن التراب ينجس بواسطة الملاقاة مع اليد فلا يكون طيبا مع وجوب كونه كذلك، كما في الآية «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً»* و بأن أعضاء التيمم مثل أعضاء الطهارة المائية فكما يشترط طهارتها هناك يجب هنا أيضا.

و أجيب عنه بأن الدليل الأول أخص من المدعى لأن الفرض يكون في صورة عدم السراية أيضا، لا صورة كون اليد رطبة و مسرية و عن الثاني، بأن هذا قياس محض و مقتضى الأصل هو عدم الاشتراط.

____________

(1) على الأحوط.

383

أقول قد مر في اشتراط طهارة التراب أن تناسب الحكم و الموضوع و الارتكاز يحكم بأن المطهر يجب أن يكون طاهرا في نفسه فأن النجس لا يكون مطهرا، لأن ما هو فاقد لشي‌ء لا يكون معطية، فهكذا في المقام يرى العرف أن اليد التي تكون آلة و كذلك الوجه أيضا يجب أن تكونان طاهرين و ان يكون تحويل الطهارة في ظرف نظيف لا ينجس و على فرض الشك في الاشتراط أيضا يجب الاحتياط لأصالة الاشتغال لأنه من الشك في المحصل.

[مسألة 1- إذا بقي من الممسوح ما لم يمسح عليه]

مسألة 1- إذا بقي من الممسوح ما لم يمسح عليه و لو كان جزء يسيرا بطل عمدا كان أو سهوا أو جهلا لكن قد مر انه لا يلزم المداقة و التعميق.

[مسألة 2- إذا كان في محل المسح لحم زائد]

مسألة 2- إذا كان في محل المسح لحم زائد يجب مسحه أيضا و إذا كان اليد زائدة فالحكم فيها كما مر في الوضوء.

[مسألة 3- إذا كان على محل المسح شعر]

مسألة 3- إذا كان على محل المسح شعر يكفى المسح عليه و ان كان في الجبهة بأن يكون منبته فيها و اما إذا كان واقعا عليها من الرأس فيجب رفعه لانه من الحائل.

أقول الشعر على الماسح أو على الممسوح، اما ان يكون من الشعر الدقيق الذي يحسب جزءا من البشرة فلا شبهة في جواز المسح عليه فأن ظاهر الدليل من وجوب كون المسح على البشرة يشمله بلا اشكال، و اما ان يكون من الخارج كما إذا كان شعر الرأس طويلا و وقع على البشرة فلا شبهة في عدم جواز المسح عليه لأنه حائل، و تارة يكون الشعر على البشرة كثيرا بحيث لا يحسب جزءا منها فهل يكفى المسح عليه أو يجب حلقه و المسح على البشرة فيه خلاف.

فربما قيل كما في الجواهر، أن وجوب الحلق حيث يكون حرجيا لا يجب فيكفي المسح عليه، و فيه ان الحرج النوعي لا يكون هنا ملاكا لرفع الحكم كما في طهارة الحديد، و الشخصي منه يكون في مورده رافعا للحكم عن الشخص لا عن النوع فمن لا يكون هذا بالنسبة إليه حرجيا يجب عليه الحلق.

384

ثم انه على فرض القول بأن الحرج يرفع الحكم فالدليل على وجوب المسح على الشعر بعد تعذر البشرة، لا يكون إلّا قاعدة الميسور أو يقال أنه الإطلاق المقامى و بيانه أن الشارع بعد ما رأى أن بعض البشرة يكون كذلك و لم يبين عدم وجوب المسح عليه أو أطلق المسح يكشف منه الوجوب.

الّا أن يقال أن هذا الفرد من الأفراد النادرة و الناس و أن كان غالبهم يكون الشعر على بشرتهم و لكن يكون مما يحسب جزءا و لا يكون كذلك فالعمدة اذن هو قاعدة الميسور.

و هنا صورة رابعة، و هي أن يكون شعر البشرة بحيث خرج عن الحد و وقع على غيره، و في هذه الصورة لا يكون تقصيره حرجيا، و كفاية المسح على أصول الشعار أيضا مشكلة و لا يكون مثل الغسل، حتى يقال كما أنه يكفى إيصال الماء إلى الأصول يكفي هنا مع كونه في المسح متعذرا فلا بد من تقصيره و المسح عليه.

[مسألة 4- إذا كان على الماسح أو على الممسوح جبيرة]

مسألة 4- إذا كان على الماسح أو على الممسوح جبيرة يكفي المسح بها أو عليها.

أقول (1) اما أصل الدليل فيكون ظاهرا في وجوب مسح البشرة كما مرّ، فالقول بوجوبه على الجبيرة يكون لقاعدة الميسور و يستدل أيضا برواية عبد الأعلى مولى آل سام، في المسح على المرارة (في باب 39 من أبواب الوضوء ح 5) فقوله (عليه السلام) فيه «يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه قال اللّه تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ امسح عليه» يكون في مقام بيان قاعدة كلية و هي أن كلما كان حرجيا يرفع حكمه سواء كان في التيمم أو في الوضوء و رفع الجبيرة حرجي فلا يجب المسح على البشرة.

هذا في رفع الحكم و اما وجوب الباقي مع كون المركب ارتباطيا فيكون‌

____________

(1) البحث في الجواهر ج 5 ص 184.

385

من جهة أن لسان دليل الحرج تخصيص الأدلة واقعا فإذا رفع جزء بواسطته يكون مدلوله الالتزامي (1) هو وجوب الباقي و المدلول الالتزامي في الأمارات حجة بخلاف الأصول، اما وجوب المسح على الجبيرة بعد رفع حكم المباشرة فيكون من جهة قاعدة الميسور، أو يقال يفهم من العقد الإثباتي في الرواية و هو قوله (عليه السلام) «امسح عليه» و يمكن أن يكون هذا أيضا بيانا للميسور في المقام و في سائر الموارد أيضا يفهم ميسوره على حسبه.

[مسألة 5- إذا خالف الترتيب بطل]

مسألة 5- إذا خالف الترتيب بطل و ان كان لجهل أو نسيان.

[مسألة 6- يجوز الاستنابة عند عدم إمكان المباشرة]

مسألة 6- يجوز الاستنابة عند عدم إمكان المباشرة فيضرب النائب بيد المنوب عنه و يمسح بها وجهه و يديه و ان لم يمكن الضرب بيده فيضرب بيد نفسه.

أقول يجب البحث في المقام تارة عن أصل لزوم النيابة عند التعذر، و تارة عن كيفية التيمم بيد النائب اما وجوب النيابة فهو منقول عن جمع ففي المدارك نسبه الى علمائنا.

____________

(1) أقول مع كون لسان الدليل هو التخصيص يبقى الباقي بواسطة أصل الدليل العام لتمام الأجزاء، و لا نحتاج الى المدلول الالتزامي و احتمال الارتباطية مع عدم دليل على إثباتها لا يوجب رفع الحكم عن سائر الأجزاء، بل لو شككنا يستصحب الوجوب ثم ان لنا في باب 39 من الوضوء ح 8 خبر مطلق يشمل التيمم أيضا.

و هو عن كليب الأسدي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة، قال: أن كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره و ليصل. بتقريب ان يقال انه سئل عن حكم الصلاة من جهة تحصيل الطهارة على حسب ما هو وظيفة المكلف ففي صورة كون وظيفته التيمم يمسح على الجبائر و يكون المسح مستعملا في معناه الحقيقي و مع كون وظيفته الطهارة المائية فالمسح يكون بدل الغسل، و ح 9 أيضا مطلق فارجع اليه.

386

و الدليل عليه أولا هو قاعدة الميسور، فأن التيمم يجب أن يكون بيد الشخص نفسه مع القوة المنبثة فيها فإذا لم يكن ذلك ممكنا يرى العرف تيمم النائب بدلا عن تيمم المنوب عنه و ميسور التيمم له، و لا إشكال في تطبيق كبرى الميسور في العبادات أيضا، و لو كانت توقيفية فإن الشارع إذا لم يبين ميسور عبادة أوكل الى العرف، و المقام يكون كذلك.

و قد أشكل بعض المتأخرين منهم شيخنا النائيني (قده) صغرويا و كبرويا لما هو المعروف من توقيفية العبادات و عدم سبيل للعرف الى فهم ملاكات الاحكام ليحكم بأن هذا ميسور ذاك، و عدم صدق الميسور هنا بواسطة النائب.

و لكن قد مرّ هنا الإشارة و فيما سبق تفصيل البحث في أن العبادات يتصور فيها الميسور و لا اشكال فيه.

و استدل ثانيا بالروايات الواردة في المجدور، و هي على طائفتين: طائفة دلت على أن المجدور يجب عليه التيمم، و هي لا تستفاد منها النيابة، و طائفة، دلت على أن القوم كان عليهم الواجب أن يمموه، و هذه هي مورد الاستدلال هنا.

فمنها (1) مصحح ابن ابى عمير في باب 5 من أبواب التيمم ح 1- عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: قيل له، أن فلانا أصابته جنابة و هو مجدور، فغسلوه فمات، فقال قتلوه ألّا سألوا؟! ألّا يمموه؟ ان شفاء العي السؤال. و منها مرسل ابن عمير في الباب ح 10 عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال يؤمم المجدور و الكسير إذا أصابتهما الجنابة.

و تقريب الاستدلال للمقام بعد كونها صريحة في النيابة هو إلقاء الخصوصية عن الغسل فإنه لا فرق بين ما كان بدلا عن الغسل أو الوضوء ففي صورة عدم إمكان أحدهما يرجع الى بدله، هذا هو الكلام في أصل النيابة و اما البحث عن كيفيته‌

____________

(1) أقول مورد الاستدلال في الروايات يكون المجدور و أمثاله ممن يكون عذره اتفاقيا و اما من كان عذره دائميا كما في اقطع اليد أو اليدين فالإطلاق لوجوب النيابة فيه تأمل و الحكم به احتياطي.

387

فما في المتن من ضرب النائب بيد المنوب عنه على ما يصح عليه التيمم، و مسحه بها وجهه و يديه، يكون هو الموافق للاحتياط و هو الأقوى أيضا، لأن الضرورات تتقدر بقدرها فأن هذا الشخص إذا كان عاجزا عن الضرب لعدم القوة المنبثة في اليد لا يسقط أصل الضرب بالنسبة إليه بل ينتقل في ذلك الى النائب.

و اما أصل الضرب فيجب أن يكون بيده نفسه و في هذه الصورة لا وجه للقول بضرب يده على الأرض ثم الضرب بيد المنوب عنه و اما في صورة عدم إمكان الضرب كذلك، فلا بد من كون الضرب بيد النائب و هو يضرب يده بيد المنوب عنه. و يمسح بهما وجهه، و هذا في صورة كون السند قاعدة الميسور واضح لأن ما لا يكون القدرة عليه هو الضرب باليد على الأرض و اما المسح بهذا اليد، فهو ممكن فلا بد من أن يكون المسح بها مع كون النائب نائبا في أصل الضرب و انتقال أثره إلى يد المنوب عنه.

و اما لو كان السند احاديث المجدور فهي أيضا لا إطلاق لها بحيث يقال سواء كان المسح بيد النائب أو المنوب عنه يكفى، فيلزم أن يكون المسح و الضرب كذلك، و المصنف (قده) لم يتعرض لذلك فإنه بعد عدم إمكان ضرب يد المنوب عنه قال: بأن النائب يضرب يده و ما قال انه يضرب بيده على يد المنوب عنه أولا.

و يمكن أن يقال، أن المقام يكون من باب المصداق للطبيعى بأنحاء مختلفة مثل القيام فأن قيام الهرم يكون كركوع الشاب و لكن مع ذلك يصدق عليه القيام فيمكن أن يقال تيمم النائب يكون مصداق التيمم للعاجز، فإن شئت فاختر هذا حتى لا تحتاج إلى قاعدة الميسور في المقام.

[مسألة 7- إذا كان باطن اليدين نجسا وجب تطهيره]

مسألة 7- إذا كان باطن اليدين نجسا وجب تطهيره إن أمكن و إلا سقط اعتبار طهارته و لا ينتقل الى الظاهر إلا إذا كانت نجاسته مسرية الى ما يتيمم به و لم يمكن تجفيفه.

388

أقول قيل (1) في مقام الاستدلال على عدم الانتقال الى الظاهر بعد كون الباطن نجسا غير ممكن التطهير. أن السند لطهارة الأعضاء حيث يكون هو الإجماع يكون المتيقن منه هو صورة إمكان ذلك و اما إذا لم يمكن فيؤخذ بالدليل الدال على أن المسح يجب أن يكون بباطن اليدين، و فيه أن الدليل الدال على وجوب كون المسح بالباطن أيضا لا يكون إلّا الإجماع كما عرفت فيما سبق و ما كان لنا رواية ناصة أو ظاهرة في ذلك، حتى يؤخذ بإطلاقها في المقام، فلا وجه لترجيح احد الدليلين على الآخر في المقام فلا بد من التخيير في مقام العمل.

[مسألة 8- الأقطع بإحدى اليدين يكتفى بضرب الأخرى و مسح الجبهة بها]

مسألة 8- الأقطع بإحدى اليدين يكتفى بضرب الأخرى و مسح الجبهة بها ثم مسح ظهرها بالأرض و الأحوط الاستنابة لليد المقطوعة (2) فيضرب بيده الموجودة مع يد واحدة للنائب و يمسح بهما جبهته و يمسح النائب ظهر يده الموجودة و الأحوط مسح ظهرها على الأرض أيضا و اما اقطع اليدين فيمسح بجبهته على الأرض و الأحوط (3) مع الإمكان الجمع بينه و بين ضرب ذراعيه و المسح بهما و عليهما.

أقول (4) اما أصل وجوب التيمم عليه فيكون الدليل عليه الإجماع كما قيل و قاعدة الميسور، و ما ورد من أن الصلاة لا يترك بحال، و قد مرّ الإشكال عن بعضهم في القاعدة كما عن النائيني و قد أشكل على الرواية أيضا بأن الدليل الدال على أن الصلاة لا يترك بحال لا يكون معناه إسقاط الشرطية و الجزئية حتى يقال أن هذا ليس بجزء أو ذاك ليس بشرط بل المنساق منه أن الصلاة مع الشرائط لا يترك لا أنها بدون الشرط أيضا لا يترك.

____________

(1) البحث في الجواهر ج 5 ص 183 الى 187.

(2) و الأحوط منه ضرب الذراع أيضا و المسح به بالجبهة و ظهر اليد الأخرى

(3) بل الأحوط منه أخذ النائب أيضا.

(4) البحث في الجواهر ص 218 ج 5.

389

و ما قيل من ان مفاد هذا الدليل ليس الّا ما حكم به أدلة البدلية على ما قلتم فأن صلاة الغرقى مع الشرط يدل على وجوبها أدلة البدلية، و لا نحتاج الى كبرى الصلاة لا يترك، و الظاهر هو أن الكبرى في مقام بيان معنى أوسع من ذلك، مندفع لأن الكبرى يمكن أن يقال أنها تكون مؤيدة لأدلة البدلية، و لا يكون لها استقلال في التأسيس للحكم فمفادها مفاد أمثال ما دلّ على وجوب الصلاة على الغريق و سائر الأبدال.

و لكن الذي لا محيص عنه، هو أنه لم نجد أحدا يقول بأن من كان مقطوع اليد أو أو اليدين لا صلاة له، و يكون الإجماع على الوجوب هو الدليل الذي لا محيص عنه و لو كان السند قاعدة الميسور، فما قال من وجوب مسح الجبهة على الأرض لا يصدق عليه الميسور بالنسبة إلى المسح باليدين، و كيفما كان فما في المتن متين، فأن قلنا بأن الميسور صادق في مقطوع اليد فيكون الاحتياط بالجمع بينه و بين يد النائب مستحبا، و اما إذا شك في صدق الميسور فالعلم الإجمالي بوجوب التيمم مع عدم العلم بكيفية الامتثال يقتضي الجمع بين ما يحتمل أن يكون ميسورا و فعل النائب، و هكذا القول في مقطوع اليدين و لا وجه لإشكال بعض المعاصرين (1) في المقام على المصنف (قده) (2).

[مسألة 9- إذا كان على الباطن نجاسة لها جرم يعد حائلا]

مسألة 9- إذا كان على الباطن نجاسة لها جرم يعد حائلا و لم يمكن إزالتها فالأحوط الجمع بين الضرب به و المسح به و الضرب بالظاهر و المسح به.

أقول انه يكون في المقام التعارض بين أدلة ثلاثة، دليل وجوب المسح بالبشرة‌

____________

(1) في المستمسك ح 4 ص 424.

(2) أقول الظاهر ورود اشكال صاحب المستمسك (قده) على المصنف و لا وجه للفرق بين الصلاتين في قوله بالمسح بالذراعين في إحداهما دون الأخرى و القول بفعل النائب في إحداهما دون الأخرى أيضا، و لكن الاحتياط على اى نحو مستحب لأن ميسور تيمم هذا الشخص هو هذا المقدار و أدلة النيابة تختص بصورة عدم إمكان التيمم مطلقا.

390

و دليل وجوب كونه بباطن الكفّ، و شرطية طهارة الماسح، و الجمع يقتضي أن يكون المسح بالظاهر، لأن اللازم من المسح بالباطن إسقاط دليلين دليل شرطية الطهارة و دليل وجوب كونه بالبشرة لأنه نجس و حائل بخلاف المسح بالظاهر فأن لازمه إسقاط دليل كونه بالباطن.

الّا أن يقال لا فرق في مقام المعارضة بين الأدلة بين كون طرفه دليلين أو دليل واحد، فعليه يكون مخيرا بين المسح بالباطن أو الظاهر و لكن الحق هو القول بوجوب كونه بالظاهر لما ذكر و الاحتياط بالجمع أيضا حسن.

[مسألة 10- الخاتم حائل]

مسألة 10- الخاتم حائل فيجب نزعه حال التيمم.

[مسألة 11- لا يجب تعيين المبدل منه]

مسألة 11- لا يجب تعيين المبدل منه مع اتحاد ما عليه.

[مسألة 12- مع اتحاد الغاية لا يجب تعيينها]

مسألة 12- مع اتحاد الغاية لا يجب تعيينها و مع التعدد يجوز قصد الجميع و يجوز قصد ما في الذمة كما يجوز قصد واحدة منها فيجزي عن الجميع.

أقول البحث في المسئلتين يكون من واد واحد و هو اعتبار كون الإتيان بالتيمم من ناحية الغاية و من ناحية المبدل منه لتصحيح الأمر العبادي فيه لأنه عبادة تحتاج الى قصد الأمر، و ما في المتن يكون مختار سيدنا الأصفهاني (قده) في الدرس و في الحاشية على العروة و كذا في الجواهر (1) أيضا يكون مختاره ما في المتن لأن الماتن تابع له في أخذ المطلب.

فأقول ان حاصل البحث يرجع الى أن يقال هل التيمم يكون له الوجود المستقل و يكون مستحبا نفسيا حتى يكون إتيانه بداعي أمره الذي يتوجه اليه نفسيا، و لا يكون النظر الى غاياته و أسبابه بل المتعذر من الماء يتيمم، و اما على فرض عدم استقلاله بل يكون وجوده ربطيا، و لا بد من قصد المبدل لأنه يكون محقق عنوان التيمم‌

____________

(1) البحث في الجواهر ج 5 ص 216 و 217.

391

كالظهر و العصر الذين هما عنوانان للصلوتين فهنا أيضا يجب أن يقصد كون هذا التيمم بدلا عن الغسل، أو بدلا عن الوضوء، و يكون مقتضى عباديته قصد أمر المبدل، و عليه لا فرق بين كون المبدل واحدا أو متعددا، لأن ذلك لا فرق في كونه محقق العبادية و أنه لا بدّ منه، و كذلك إذا اختلف الأسباب مثل ما إذا كان عليه الوضوء و الغسل كلاهما، فإنه لا يكون لهما الجامع ليقصد و قصد أحدهما دون الآخر يحتاج الى مرجح فلا بدّ من قصد العنوانين أو أكثر و لا يكون لعنوان أحدهما الغير المعين ما بإزاء في الخارج، فلا بدّ من قصد جميع ما عليه من المبدل.

و اما قصد الغايات مثل كون هذا التيمم للصلاة أو لدخول المسجد فيكون أيضا من ما يتحقق به العبادية، لأنه لا أمر له بدون قصد الغاية، فإذا كانت الغاية واحدة فقصدها إجمالا يكفي، و إذا كانت متعددة فاللازم حينئذ أن يقال يجب قصد الجمع أو قصد غاية واحدة بعينها، و يكفى ذلك، و اما قصد احدى الغايات لا على التعيين بعنوان أحدها فلا يكون له ما بإزاء في الخارج، و هذا كما قلنا في الفرع السابق فأن قصد المردد يرجع الى قصد الأمر المردد و العبادة يجب أن تكون بقصد الأمر الجزمى ففي كلا المقامين يجب قصد ما يتحقق به الجزم بالأمر.

[مسألة 13- إذا قصد غاية فتبين عدمها بطل]

مسألة 13- إذا قصد غاية فتبين عدمها بطل و ان تبين غيرها صح له إذا كان الاشتباه في التطبيق و بطل ان كان على وجه التقييد.

[مسألة 14- إذا اعتقد كونه محدثا بالأصغر فقصد البدلية]

مسألة 14- إذا اعتقد كونه محدثا بالأصغر فقصد البدلية عن الوضوء فتبين كونه محدثا بالأكبر فإن كان على وجه التقييد بطل و ان كان من باب الاشتباه في التطبيق أو قصد ما في الذمة صح و كذا إذا اعتقد كونه جنبا فبان عدمه و أنه ماس للميت مثلا.

[مسألة 15- في مسح الجبهة و اليدين يجب إمرار الماسح على الممسوح]

مسألة 15- في مسح الجبهة و اليدين يجب إمرار الماسح على الممسوح فلا يكفى جر الممسوح تحت الماسح، نعم لا تضر الحركة اليسيرة في الممسوح إذا صدق كونه ممسوحا.

392

[مسألة 16- إذا رفع يده في أثناء المسح ثم وضعها بلا فصل]

مسألة 16- إذا رفع يده في أثناء المسح ثم وضعها بلا فصل و أتم، فالظاهر كفايته و ان كان الأحوط الإعادة.

[مسألة 17- إذا لم يعلم انه محدث بالأصغر أو الأكبر]

مسألة 17- إذا لم يعلم انه محدث بالأصغر أو الأكبر يكفيه تيمم واحد بقصد ما في الذمة.

[مسألة 18- المشهور على أنه يكفى فيما هو بدل عن الوضوء ضربة واحدة]

مسألة 18- المشهور على أنه يكفى فيما هو بدل عن الوضوء ضربة واحدة للوجه و اليدين و يجب التعدد فيما هو بدل عن الغسل و الأقوى كفاية الواحدة (1) فيما هو بدل عن الغسل أيضا و ان كان الأحوط ما ذكره و أحوط منه التعدد في بدل الوضوء أيضا و الاولى ان يضرب بيديه و يمسح بهما جهته و يديه ثم يضرب مرة أخرى فيمسح بها يديه و ربما يقال غاية الاحتياط ان يضرب مع ذلك مرة أخرى يده اليسرى و يمسح بها ظهر اليمنى ثم يضرب اليمنى و يمسح بها ظهر اليسرى.

أقول البحث عن هذه المسألة بحث يجب التفصيل فيه و لذا نذكره في جهات الجهة الأولى- في الأقوال التي يكون في المقام، الأول هو القول بكفاية الضربة الواحدة للوجه و اليدين سواء كان بدلا عن الوضوء أو الغسل كما نقل في الجواهر (ص 207 ج 5) عن الهداية و الغنية و صريح جمل المرتضى كما عن شرح الرسالة، و غرية المفيد و القديمين و المعتبر و الذكرى، و ظاهر المقنع، و الكليني في الكافي، و القاضي، و عن الأمالي أنه من دين الإمامية، و عن ظاهر التهذيب و التبيان و مجمع البيان انه من دين الإمامية.

الثاني- من الأقوال هو وجوب ضربة لليدين و ضربة للوجه، و يظهر هذا (2)

____________

(1) بل الأقوى هو وجوب مرة للوجه و مرة لليدين في بدل الغسل و الوضوء و الاحتياط في تكرار التيمم بضم ضربتين لليدين و ضربتين للوجه أيضا.

(2) أقول نسب في الجواهر (ج 5 ص 207) التفصيل الى من ذكره (مد ظله) هنا و لم ينسب هذا القول الى من ذكر بل الى ظاهر المفيد في الأركان و على بن بابويه و عن المنتقى انه مذهب جماعة من القدماء و كأنه سهو في النقل.

393

من التبيان انه مذهب قوم منّا و كذلك عن مجمع البيان و كما عن الأمالي نسبته الى دين الإمامية و في الذكرى الى عمل الأصحاب و نسب إلى المتأخرين أيضا.

الثالث- هو القول بالفرق بين الوضوء و الغسل كما في الجواهر فقال بأنه لا بدّ فيما هو بدل عن الغسل من ضربة لليدين و ضربة للوجه و فيما هو بدل عن الوضوء ضربة واحدة لهما و المخالف لهذا القول المحقق الهمداني.

الرابع (1)- وجوب ثلاث ضربات: ضربة للوجه و ضربتان لليدين بضرب إحداهما و يمسح ثم يضرب الأخرى و يمسح، كما في المعتبر انه عن قوم منّا، و هو المنقول عنه في الجواهر فلاحظ (ج 5 ص 208).

الجهة الثانية في الروايات الواردة في مقام بيان التيمم و نحن نذكرها مشروحا مع بيان فقه الحديث في كل واحدة منها، و هي على طوائف: الطائفة الأولى- ما دل على وجوب الضرب مطلقا من غير تعرض للوحدة و التكرار.

منها ما في باب 11 من التيمم ح 1 عن الكاهلي، قال: سئلته عن التيمم قال فضرب بيده على البساط فمسح بهما وجهه ثم مسح كفيه إحداهما على ظهر الأخرى، و منها ح 7 عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) في التيمم، قال: تضرب بكفيك الأرض ثم تنفضهما و تمسح بهما وجهك و يديك. و منها ح 9 في قضية عمار قوله (عليه السلام) «فضرب بيديه على الأرض ثم ضرب إحداهما على الأخرى ثم مسح إلخ». و هذه (2) مطلقة‌

____________

(1) و أقول ان هنا قولا خامسا و هو مختار الأستاذ (مد ظله) و شيخه العراقي (قده) و هو وجوب ضربتين للوجه و ضربتين لليدين، مستدلا برواية مرتين مرتين للوجه و اليدين في باب 12 من التيمم ح 1.

(2) أقول هذه الرواية من أصرح ما يدل على الوحدة من المطلقات لأن التيمم الذي يكون لتعليم العمار الذي تمعك في التراب، و فعل ما فعل، يجب ان يكون بيانه في غاية البيان و أتمّه لا التحويل الى قيد آخر و حيث لم يكن فيه قيد التعدد تدل على الوحدة و لكن يمكن ان يقال أن هذه الروايات قوية على الإطلاق و روايات الوحدة لا نزيد على المطلقات شيئا لعدم تمامية الدلالة فلا بد من التقييد بما دل على وجوب التعدد كما قال (مد ظله) .

و لكن لا يكون المتعين هو الأخذ بمرتين مرتين للوجه و اليدين كما احتاط في رسالته بالاحتياط الواجب بل يجب جمع آخر بين روايات التعدد لأن بعضها يكون التعرض فيه للمرة للوجه و مرة لليدين، و لا يمكن ان يقال هذه أيضا مطلقة من جهة العدد في كل دفعة، لأنها ناصة في أن هذا هو الحد و العدد فيعارض مع ما دل على المرتين مرتين.

ففي مقام الجمع أما أن يقال بترجيح مرة للوجه و مرة لليدين لوجود القائل بهذا القول كما مر في عدّ الأقوال، و لم يكن لنا قائل بالمرتين مرتين الّا ما نسب إلى العراقي (قده) فيقال بأن الأصحاب مع صحة هذه الرواية أعرضوا عنها و على فرض القول باستقرار التعارض يجب القول بالتخيير حسب القاعدة و حيث لم يقل به أحد أيضا، نقول ان المتعين هو ضربة للوجه و ضربة لليدين بل هو الأحوط لأن رواية عمار و ان كانت في مقام البيان دالة على الوحدة لكن الدال على التكرار أصرح و أظهر ثم لا بأس بالاحتياط بالمرتين مرتين و لا وجه للتفصيل أيضا.

394

كما ترى، و لكن المحقق الهمداني (قده) قال بأن الروايات حيث تكون في مقام البيان، و لم يكن فيها قيد التكرار تكون كاشفة عن كفاية المرة، فتكون من الروايات الدالة على المرّة لظهورها في الوحدة و فيه أن الرواية الأولى مشتملة على ضربه على البساط مع انه غير جائز قطعا و هذا يكون شاهد عدم كونه (عليه السلام) في مقام البيان، أغمضنا عن ذلك و لكن لم يكن فيه ذكر الضرب لليدين مع أنه يقول بوجوبه.

الطائفة الثانية- ما دلت على وجوب الضرب واحدا، فمنها ما في باب 11 من التيمم ح 3- عن زرارة قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن التيمم فضرب بيده على الأرض ثم رفعها فنفضها ثم مسح بها جبينه و كفيه مرة واحدة.

فقيل في تقريبها أن قوله (عليه السلام) مرة واحدة يرجع الى الضرب. و فيه‌

395

أن الظاهر أن الوحدة قيد للمسح.

و منها ما عمرو بن ابى المقدام عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قوله (عليه السلام):

«فضرب بيديه على الأرض ثم رفعهما فنفضهما ثم مسح على جبينيه و كفيه مرة واحدة» و التقريب هو التقريب السابق و الجواب الجواب.

و منها ح 8 في الباب في قضية عمار قوله (عليه السلام): «ثم أهوى بيديه إلى الأرض فوضعهما على الصعيد ثم مسح جبينه (جبينيه) بأصابعه و كفيه إحداهما بالأخرى ثم لم يعد ذلك. و تقريب الاستدلال يكون على فرض كون كلمة لم يعد من مادة الإعادة و يرجع الى الضرب اى لم يعد الضرب فيدل على وحدته و فيه انه مع احتمال أن يرجع القيد الى المسح اى لم يعد المسح، و لم يتكرر يمكن ان يقرء هذه الكلمة من مادة التعدية بتشديد الدال و ضم الياء و فتح العين فيكون معناها أن مسح الكفين كان كل واحد منهما على الأخرى، و اما ما فوق الكف الى المرفق فلا يجب مسحه خلافا للعامة القائلين به، و كيف كان لا يدل هذه على وحدة الضرب مضافا الى اشتمالها على الوضع مكان الضرب و هو خلاف المشهور.

و منها ما في الفقه الرضوي (ص 157) باب 9 من التيمم ح 1 و صفة التيمم للوضوء و الجنابة و سائر أبواب الغسل واحد و هو أن تضرب بيديك ضربة واحدة ثم تمسح و هذا الصدر ليس موردا للاستدلال هنا بل سيأتي دلالته على المرتين بل قوله في هذه الرواية و أروى إذا أردت التيمم، اضرب بكفيك على الأرض ضربة واحدة.

و فيه أن الدلالة و ان كانت واضحة و لكن السند ضعيف خصوصا ما في هذه الرواية من قوله «و أروى» يكون شاهد كونه كلام فقيه لا كلام الإمام (عليه السلام) على حسب أنسنا بالروايات، و لو دلت على المطلوب تدل على منع التفصيل بين الوضوء و الغسل أيضا كما هو الصريح منها.

396

و منها ما هو المحكي (1) عن السرائر من انه نسب القول بالوحدة إلى الرواية و أشكل عليه بأن هذا يكون مقتضى اجتهاده من الروايات. و فيه ان التطبيق كذلك يكون الظاهر منه وجود رواية فيه و لا يكون مجرد اجتهاد (2)، فإن قضية عمار أيضا تكون كذلك و يستفاد منها الحكم.

الطائفة الثالثة من الروايات هي ما دل على وجوب الضربتين، فمنها صحيح الكندي (في باب 12 من التيمم ح 3) عن الرضا (عليه السلام) قال التيمم ضربة للوجه و ضربة للكفين. و دلالة هذه على التعدد واضحة و لا وجه لما عن المحقق الهمداني (قده) من ان المراد هو الضربتان دفعة واحدة ثم المسح بل الظاهر هو الفاصلة بين ضربة و ضربة بالمسح، فيكون ضربة ثم مسح الوجه، و ضربة ثم مسح اليدين، بل هي ناصة بذلك كما ترى.

و منها ح 1 في الباب عن العلاء عن محمد (اى محمد بن مسلم كما في كتب الفقهاء) عن أحدهما (عليهما السلام) سألته عن التيمم فقال مرتين مرتين للوجه و اليدين فقيل في تقريب الاستدلال به أن القول بوجوب اربع ضربات لا قائل به و لكن مال اليه شيخنا العراقي، فلا بد من أن يكون تكرار مرتين من باب التأكيد، و لكن لا يتم مع ذلك الاستدلال بحيث يفرق بين الضربتين بالمسح، بل المستفاد هو الضرب مرتين ثم المسح للوجه و اليدين.

و منها ح 2 في الباب عن ليث المرادي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال تضرب بكفيك مرتين ثم تنفضها و تمسح بهما وجهك و ذراعيك و فيه أن هذه و أن دلت على المرتين و لكن لا تدل على التوزيع بأن يكون ضربة للوجه و ضربة أخرى لليدين بل ظاهرة في كونهما جميعا قبل المسح.

____________

(1) كما في الجواهر ج 5 ص 210.

(2) و أقول مع ذلك لا يكون الّا مثل مرسلة بل أضعف منها مع إمكان أن يكون نسبته إلى الرواية ما ذكره من الروايات التي استدلوا بها.

397

و منها النبوي «ضربة للوجه و ضربة لليدين» و الدلالة تامّة و لا يكون السند معتبرا، و لو تم لا يكون فيه التفصيل بين الوضوء و الغسل. و منها ما في المستدرك باب 9 من التيمم ح 1 قوله (عليه السلام) «تضرب بيديك مرة واحدة ثم تمسح» (الى قوله (عليه السلام) «ثم تضرب بهما اخرى فتمسح بهما الى حد الزند». و الدلالة تامة و لكن لا سند له.

الطائفة الرابعة، ما دلّ على التفصيل بين الوضوء و الغسل بوجوب ضربة للوضوء و ضربتين للغسل، فمنها ما (في باب 12 من التيمم ح 4) عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: قلت له كيف التيمم؟ قال هو ضرب واحد للوضوء و الغسل من الجنابة تضرب بيديك مرتين ثم تنفضهما نفضة للوجه و مرة لليدين، و متى أصبت الماء فعليك الغسل الحديث.

و تقريب الاستدلال أن يؤخذ الواو في قوله (عليه السلام) «و الغسل من الجنابة» استينافيا فيقال التيمم ضربة واحدة للوضوء و ضربتان للغسل، و لكن الأظهر هو أن يكون الواو عاطفة فالمعنى على ما في الوسائل أن التيمم ضرب واحد للوضوء و الغسل اى نوع واحد، و هو الضرب مرتين فيهما، و نسب القول بأن الواو عاطفة إلى التكلف، و لا أقل من الاحتمال فلا يتم الاستدلال للتفصيل.

و منها ح 8 في الباب و قد استدل العلامة في المنتهى و تبعه الشهيدان على التفصيل بحديث محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) «ان التيمم من الوضوء مرة واحدة و من الجنابة مرتان» و قال صاحب الوسائل و هذا و هم عجيب لأن الحديث الذي ادعى في المقام لا وجود له بل هو حديث محمد بن مسلم السابق هنا عن ابن أذينة و لكن الشيخ أشار الى مضمونه على احد الاحتمالين في أثناء كلامه في التهذيب فحصل الوهم من تأدية معناه، و ظن العلامة و غيره أنه حديث آخر صريح و ليس كذلك و قد حققه صاحب المنتقى و من راجع كلام الشيخ يحقق له ذلك انتهى.

و ما في المقنع أيضا نص في التفصيل و ليس في كتب أخبارنا و الحاصل ليس‌

398

ما استدل به للتفصيل تاما عندنا، ثم انه بعد ذلك يلزم حساب معارضة كل طائفة من الروايات مع الأخرى و الجمع بينها و قد جمع المحققان الخراساني و الهمداني بينها، و أخذ القول بكفاية وحدة الضرب بوجوه:

الأول- أن المطلقات كما مر مع كونها في مقام البيان لم يكن فيها الذكر عن التعدد، بل منصرفها كفاية الوحدة، و فيه ان الانصراف كما مر بدوي و شاهد عدم كونه (عليه السلام) في مقام تمام البيان هو الضرب على البساط مع أنه يجب أن يكون الضرب على ما يصح به التيمم، فلا بد من الرجوع الى المقيدات و قال شيخنا العراقي (قده) أن تلك الروايات قوية الإطلاق و لا انصراف لها في الوحدة.

الثاني- الروايات الدالة على الوحدة بالصراحة كما مرت في باب 11 ح 3 و 8 و غيره. و فيه قد مر عدم دلالة الروايات على مطلوبهم، و ما قال صاحب الرياض أنه من البعيد احتمال تعدد المسح، من مثل زرارة حتى يشكل على الروايات بأن المراد هو وحدة المسح لا الضرب غير وجيه، لأن عمار أيضا كان عظيم الشأن، فكيف ما علم كيفية التيمم، حتى فعل ما فعل في التراب و الحق انه في صدر الإسلام لم يكن كثير من الأحكام واضحا على الأصحاب حتى على مثل زرارة و عمار و غيرهما.

و الثالث- هو الأخذ بما في الفقه الرضوي من التصريح بالوحدة مع انجبار ضعفه باستناد مثل صاحب الرياض الذي يكون دقيقا في ملاحظة الروايات مع الشهرة و فيه أن الشهرة في خصوص الوضوء و ان كانت في الوحدة و لكن في الغسل لا يكون شهرة في الوحدة. و لو سلم الدلالة و السند لكان معارضا بما في باب 12 من التيمم ح 3- قوله (عليه السلام) «التيمم ضربة للوجه و ضربة للكفين» و في ح 2 «تضرب بكفيك على الأرض مرتين» و المراد توزيع الضربتين للوجه و اليدين لأن الضرب متعاقبا خلاف الارتكاز.

ففي مقام العلاج نقول هذه الروايات أظهر مما دلّ على الوحدة و الشهرة لا تكون في طرف واحد فأن المشهور في الغسل الضرب مرتين و المشهور في الوضوء‌

399

مرّة واحدة، لا يقال لنا رواية مفصلة فلا بد من القول بالتفصيل بين الوضوء و الغسل و هي ما في باب 12 من التيمم ح 4 و قد مرّت آنفا قوله (عليه السلام) «هو ضرب واحد للوضوء و الغسل من الجنابة، تضرب بيديك مرتين».

لأنا نقول، مر عدم الدلالة على التفصيل لأنها متوقفة على أن يكون الواو بين الوضوء و الغسل استينافية. و هو خلاف الظاهر بل الظاهر هو القول بأن الوضوء و الغسل ضرب واحد اى نوع واحد و هو الضرب مرتين.

ثم على فرض استقرار تعارض الدال على الوحدة و الدال على التكرار يتساقطان فتحصل أنه لا وجه للقول بكفاية الوحدة تمسكا بانصراف الإطلاق إليها، و الروايات الخاصة لعدم تمامية الانصراف و أظهرية ما دل على التكرار على ما دل على الوحدة فالأقوى هو القول بوجوب تعدد الضرب.

و اما على فرض القول بكفاية الوحدة فلا بد في مقام الجمع من أن يقال بأن الدال على التعدد يكون ناظرا الى مراتب الفضل فالتعدد أفضل، و على فرض استقرار التعارض في الجميع مع العلم بوجوب التيمم بأحد هذه الكيفيات إجمالا يجب الجمع بين الأنحاء و الكيفيات، و لو ادعى الإجماع قطعا بكفاية الوحدة في خصوص بدل الوضوء فيجب الاحتياط فيما هو بدل عن الغسل، فاما أن يكون الاحتياط في الضربتين للوجه و الضربتين لليدين كما هو في أخصّ الروايات و مال اليه شيخنا الأستاذ العراقي (قده) أو يكون الاحتياط في تكرار التيمم لاحتمال أن يكون الضربة الثانية مضرة في الواقع بالكيفية فيتيمم تارة بضربة واحدة و اخرى بالضربتين.

و قال المصنف و الأولى أن يضرب بيديه و يمسح بهما جبهته و يديه ثم يضرب مرة أخرى و يمسح بها يديه، و قال العلامة البروجردي (قده) بأن هذا هو الأحوط وجوبا و قال: و غاية الاحتياط أن يضرب مع ذلك مرة أخرى يده اليسرى و يمسح بها ظهر اليمنى ثم يضرب اليمنى و يمسح بها ظهر اليسرى و فيه أن هذا احتياط و لكن ليس غايته بل غاية الاحتياط هو ما عن شيخنا العراقي (قده) من وجوب الضربتين‌

400

للوجه و الضربتين لليدين و سند الاحتياط الأخير للمصنف (قده) هو صحيح محمد بن مسلم (5/ 12 من التيمم) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التيمم فضرب بكفيه الأرض ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب بشماله لأرض، فمسح بها مرفقه إلى أطراف الأصابع واحدة على ظهرها و واحدة على بطنها ثم ضرب بيمينه الأرض ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه الحديث.

و قد أشكل عليها بإعراض الأصحاب عنها لاشتمالها على مسح المرفقين و فيه ان الأعراض يكون من هذه الجهة أي المسح على المرفقين يكون من جهة صدورها تقية، و اما أصل الرواية في كيفيته الضرب فلا يكون الأعراض عنها ثابتا، هذا مضافا بأن المراد هو الحكم الاحتياطي و لا يكون الاستدلال بتعيين هذه الرواية في الكيفية و لكن تحصل مما تقدم أن الاحتياط غير لازم و المختار هو التعدد كما عن شيخنا العراقي (قده) من الضرب مرتين للوجه و مرتين لليدين.

ثم لا فرق بين الأغسال في كيفية التيمم و السند الإجماع و اللاخلاف، و أنه من دين الإمامية كما في الجواهر و لولاه يجب النظر فيما استدل لذلك من الرواية و هي ما في باب 12 من التيمم ح 7 عن ابى بصير (في حديث) قال: سئلته عن تيمم الحائض و الجنب سواء إذا لم يجدا ماء؟ قال: نعم. و هذه الرواية صريحة في إلحاق الحائض بالجنب و لا بد من إلقاء الخصوصية فيما هو بدل عن سائر الأغسال و الارتكاز مساعد لذلك، و لا يمنعه ارتكاز الفرق بين الوضوء و التيمم في الكيفية، لأن كيفية الأغسال واحدة بخلاف كيفية الوضوء و الغسل، مضافا بأن السؤال في الرواية عن الغسلين يمكن أن يكون لكثرة الابتلاء بهما لا أن يكون لهما الخصوصية فإن الابتلاء بالميت و مسّه و النفاس و غيره يكون قليلا، فيكون هذا سرّ عدم دخول الغير في السؤال فلا إشكال في اتحاد الأغسال في الكيفية.

401

[في جريان قاعدة الفراغ و التجاوز في التيمم]

في جريان قاعدة الفراغ و التجاوز في التيمم

[مسألة 19- إذا شك في بعض اجزاء التيمم بعد الفراغ منه]

مسألة 19- إذا شك في بعض اجزاء التيمم بعد الفراغ منه لم يعتن به و بنى على الصحة و كذا إذا شك في شرط من شروطه و إذا شك في أثنائه قبل الفراغ في جزء أو شرط فإن كان بعد تجاوز محله بنى على الصحة و ان كان قبله أتى به و ما بعده، من غير فرق بين ان يكون بدلا عن الوضوء أو الغسل، لكن الأحوط الاعتناء به مطلقا و ان جاز محله أو كان بعد الفراغ ما لم يقم عن مكانه أو لم ينتقل الى حالة أخرى على ما مر في الوضوء خصوصا فيما هو بدل عنه.

أقول توضيح هذه المسألة يتوقف على البحث في قاعدة التجاوز و الفراغ و موردهما و لكن ليس المقام مقام بحثه، بل يكون هذا هو المحرر في الأصول (1) و بعض الكتب الفقهية و لكن نشير الى البحث بما يفيد المقام، فنقول ربما يقال بأن قاعدة التجاوز جارية في أثناء العمل و اما بعده فيكون مورد قاعدة الفراغ و أنها تختص بالصلاة و تكون حاكمة على استصحاب عدم الإتيان الذي يكون في كل موارد القاعدة، فعلى هذا يكون عدم الجريان في الوضوء على القاعدة لا من باب التخصيص فأن استصحاب عدم الإتيان جار إلّا في مورد الصلاة عليهذا القول، و لا يكون التيمم أيضا له خصيصة في جريان القاعدة، لأنه أيضا لم يرد فيه الدليل.

و لكن ربما يقال خلافا لهذا القول أن القاعدة تقتضي العمومية في كل الموارد من الصلاة و الطهارة و تشمل التيمم أيضا، و عليهذا فيكون خروج الوضوء بالتخصيص لأنه خلاف العموم و لا يبقى دليل لخروج التيمم عن القاعدة، إلّا ما يتوهم من أنه‌

____________

(1) و قد حررنا البحث عنهما في كتاب مجمع الأفكار ج 4 في الاستصحاب تقريرا لبحثه (مد ظله) .

402

حيث يكون بدلا عن الوضوء، و سرّ عدم الجريان فيه يكون بساطة الطهارة فكذلك في المقام لأن الطهارة لا تتبعض للبساطة و هذا مندفع لأن البدلية لو اقتضى ذلك، لسرّ البساطة، فيجب أن يقال بجريان هذا الكلام في الغسل أيضا لأنه أيضا يوجب الطهارة البسيطة مع انها جارية فيه، و التخصيص يكون فقط في الوضوء.

فالحق هو القول بالعمومية و يكون التخصيص في خصوص الوضوء بالنسبة إلى قاعدة التجاوز لا الفراغ و ما ذكر في روايات الباب يكون من باب المثال ففي كل مورد يكون قاعدة التجاوز الّا ما خصص بالدليل كما عن شيخنا العراقي خلافا لشيخنا النائيني و العلامة البروجردي (قدس سرهم)ا) فالاحتياط بالإعادة فيما شك فيه من الأجزاء يكون مستحبا، مع التوجه بأن الزيادة هنا لا تكون موجبة للبطلان، و لا يكون مثل الصلاة الواردة فيها قاعدة من زاد في صلوته فعليه الإعادة، و العجب عن الأستاد العراقي (قده) حيث يقول بعمومية القاعدة للتيمم و مع ذلك يحكم بالاحتياط الواجب و الحاصل من جميع ما تقدم أن القاعدة جارية (1) في التيمم أيضا و الاحتياط مستحب.

[مسألة 20- إذا علم بعد الفراغ ترك جزء يكفيه العود اليه]

مسألة 20- إذا علم بعد الفراغ ترك جزء يكفيه العود اليه و الإتيان به و بما بعده مع عدم فوت الموالاة و مع فوتها وجب الاستيناف و ان تذكر بعد الصلاة وجب إعادتها أو قضائها و كذا إذا ترك شرطا مطلقا ما عدا الإباحة في الماء أو التراب، و لا تجب الا مع العلم و العمد كما مر.

أقول قد اتضح شرحها مما مرّ هذا تمام الكلام في كيفية التيمم.

____________

(1) لعمومية قوله (عليه السلام) كلما مضى من صلاتك و طهورك فامضه كما هو و هذه المسألة يظهر شرحها مما تقدم في مسألة 44 في شرائط الوضوء و في المستمسك يكون شرح قاعدة الفراغ في ج 2 في ذيل تلك المسألة و الظاهر عمومية القاعدة و قاعدة التجاوز وفاقا للأستاذ (مد ظله) و خرج الوضوء بالتخصيص كما قال فالتيمم أيضا طهور فإنه كلما مضى منه يكون محكوما بالصحة فإنه حين العمل أذكر و يكون عليه سيرة العقلاء.