تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - ج4

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
485 /
457

في أنه سلّم على الأربع أو الاثنتين أو الثلاث بنى على أنه سلّم على الأربع، و يكفيه في البقاء على حكم التمام إذا عدل عن الاقامة بعدها.

[مسألة 33: إذا نوى الاقامة ثم عدل عنها بعد خروج وقت الصلاة و شك في أنه هل صلى في الوقت حال العزم على الاقامة أم لا]

[2334] مسألة 33: إذا نوى الاقامة ثم عدل عنها بعد خروج وقت الصلاة و شك في أنه هل صلى في الوقت حال العزم على الاقامة أم لا بنى على أنه صلى، لكن في كفايته في البقاء على حكم التمام إشكال و إن كان لا يخلو من قوة خصوصا إذا بنينا على أن قاعدة الشك بعد الفراغ أو بعد الوقت إنما هي من باب الأمارات لا الأصول العملية (1).

[مسألة 34: إذا عدل عن الاقامة بعد الاتيان بالسلام الواجب و قبل الاتيان بالسلام الأخير الذي هو مستحب]

[2335] مسألة 34: إذا عدل عن الاقامة بعد الاتيان بالسلام الواجب و قبل

____________

(1) لا وجه لهذه الخصوصية في المقام، فإن قاعدة الحيلولة روحا و حقيقة هي قاعدة التجاوز، غاية الأمر ان الشك في وجود المأمور به بعد التجاوز عن محله مرة يكون في الوقت و أخرى في خارج الوقت، و قد ذكرنا في علم الأصول ان قاعدة التجاوز بما أنها قاعدة عقلائية مبنية على نكتة تبرر بناء العقلاء عليها، و هي الأمارية و الكاشفية على أساس ما يكتنف بها من الخصوصيات، و هي ان المكلف بما أنه في مقام الامتثال و الاطاعة فاحتمال الترك العمدي خلاف الفرض و السهوي نادر مدفوع بالأصل العقلائي، فمن أجل هذه الخصوصيات تكون امارة روحا، و من أجل أن مثبتاتها لا تكون حجة تكون أصلا عمليا، و على هذا فلا فرق بين أن تسمى قاعدة الحيلولة أصلا عمليا أو امارة، فانها على كلا التقديرين تثبت مدلولها المطابقي و هو الاتيان بالمأمور به في الوقت دون لوازمه.

نعم ان أريد بالأصل العملي أن مفادها نفي القضاء فقط من دون دلالتها على الاتيان بالمأمور به في وقته و محله.

فيرد عليه أولا: ان الأمر ليس كذلك.

و ثانيا: ان لازم هذا عدم كفايته في البقاء على التمام.

458

الاتيان بالسلام الأخير الذي هو مستحب فالظاهر كفايته في البقاء على حكم التمام و في تحقق الاقامة، و كذا لو كان عدوله قبل الاتيان بسجدتي السهو إذا كانتا عليه، بل و كذا لو كان قبل الاتيان بقضاء الأجزاء المنسية كالسجدة و التشهد المنسيين (1)، بل و كذا لو كان قبل الاتيان بصلاة الاحتياط أو في أثنائها (2) إذا شك في الركعات، و إن كان الأحوط فيه الجمع بل و في الأجزاء المنسية.

[مسألة 35: إذا اعتقد أن رفقاءه قصدوا الاقامة فقصدها ثم تبين أنهم لم يقصدوا فهل يبقى على التمام أو لا]

[2336] مسألة 35: إذا اعتقد أن رفقاءه قصدوا الاقامة فقصدها ثم تبين أنهم لم يقصدوا فهل يبقى على التمام أو لا فيه صورتان:

____________

(1) في الكفاية اشكال بل منع على أساس ما مر في المسألة (1) من فصل (قضاء الاجزاء المنسية) من أنهما من أجزاء الصلاة لا أنهما واجبتان مستقلتان، و من هنا لو تركهما بعد الصلاة و لم يأت بهما عامدا ملتفتا إلى الحكم الشرعي بطلت صلاته. و على هذا فاذا عدل عن نية الاقامة قبل الاتيان بهما كان عدوله في أثناء الصلاة، و معه يكون مؤثرا و موجبا لانقلاب حكمه من التمام إلى القصر، فإنه إنما لا يكون مؤثرا إذا كان بعد صلاة أربع ركعات بتمام كما هو مقتضى نص صحيحة أبي ولاد.

(2) و الأظهر فيه القصر دون التمام لما مر من أن صلاة الاحتياط جزء من الصلاة الأصلية حقيقة على تقدير نقصانها، و على هذا فالمصلي قبل الاتيان بها شاك في تمامية صلاته و معه لا يمكن له الحكم بعدم تأثير عدوله، بل مقتضى صحيحة أبي ولاد أنه مؤثر في وجوب القصر باعتبار أن الصحيحة قد انيطت عدم التأثير و البقاء على التمام بالاتيان بفريضة واحدة بتمام، و بما أنه لم يحرز تمامية فريضته فلا يمكن له التمسك بالصحيحة لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

459

احداهما: أن يكون قصده مقيدا بقصدهم (1).

الثانية: أن يكون اعتقاده داعيا له إلى القصد من غير أن يكون مقيدا بقصدهم، ففي الاولى يرجع إلى التقصير، و في الثانية يبقى على التمام، و الأحوط الجمع في الصورتين.

[الثالث من القواطع: التردد في البقاء و عدمه ثلاثين يوما]

الثالث من القواطع: التردد في البقاء و عدمه ثلاثين يوما (2) إذا كان

____________

(1) فيه انه لا يتصور التقييد بمعنى التضييق هنا على أساس أن قصد كل شخص جزئي حقيقي قائم بنفس هذا الشخص، فإنه اما موجود فيها أو غير موجود، و لا يتصور أن يوجد فيها تارة مطلقا و أخرى مقيدا، فإذن لا يكون علمه بقصدهم الاقامة في بلد الّا داعيا له، فإذا تبين أنهم غير قاصدين لها كان من التخلف في الداعي، فلا فرق بين الصورتين و يكون حكمه في كلتيهما هو البقاء على التمام.

و إن شئت قلت: ان القصد بمعنى زائد على العلم و الشعور المؤكد بأنه سيبقى في هذا المكان عشرة أيام غير معتبر في تحقق الاقامة، فإن المعتبر في تحققها هو العلم و الثقة بالبقاء فيه عشرة أيام، غاية الأمر أن منشأ هذا العلم و الثقة قد يكون اختيار المسافر و ارادته للبقاء هذه المدة فيه، و قد يكون شعوره بالاضطرار إلى البقاء أو الاكراه به، أو ظروفه التي لا تسمح له بالمغادرة، كما إذا فرضت عليه الاقامة الجبرية كالسجين- مثلا- و على هذا الاساس فإذا كان واثقا و متأكدا بأن رفقائه قاصدون للإقامة فيه عشرة أيام، فمعناه أنه واثق و متأكد بأنه سيبقى فيه عشرة أيام، و هو يكفى في تحقق الاقامة و وجوب التمام عليه، و لا يعتبر فيه شي‌ء زائد، و إذا تخلف كان من التخلف في الداعي، فلا يضر باقامته.

(2) نقصد بقاطعيته للسفر حكما لا موضوعا، فإن حاله من هذه الناحية حال قصد الاقامة، إذ لا شبهة في أن المسافر المتردد ثلاثين يوما في مكان مسافر،

460

بعد بلوغ المسافة، و أما إذا كان قبل بلوغها فحكمه التمام حين التردد لرجوعه إلى التردد في المسافرة و عدمها، ففي الصورة الاولى إذا بقي في مكان مترددا في البقاء و الذهاب أو في البقاء و العود إلى محله يقصّر إلى ثلاثين يوما ثم بعده يتمّ ما دام في ذلك المكان، و يكون بمنزلة من نوى الاقامة عشرة أيام سواء أقام فيه قليلا أو كثيرا حتى إذا كان بمقدار صلاة واحدة.

[مسألة 36: يلحق بالتردد ما إذا عزم على الخروج غدا أو بعد غد]

[2337] مسألة 36: يلحق بالتردد ما إذا عزم على الخروج غدا أو بعد غد ثم لم يخرج و هكذا إلى أن مضى ثلاثون يوما حتى إذا عزم على الاقامة تسعة أيام مثلا ثم بعدها عزم على إقامة تسعة أيام أخرى و هكذا، فيقصّر إلى ثلاثين يوما ثم يتم و لو لم يبق إلا مقدار صلاة واحدة.

[مسألة 37: في إلحاق الشهر الهلالي إذا كان ناقصا بثلاثين يوما إذا كان تردده في أول الشهر وجه لا يخلو عن قوة]

[2338] مسألة 37: في إلحاق الشهر الهلالي إذا كان ناقصا بثلاثين يوما إذا كان تردده في أول الشهر وجه لا يخلو عن قوة (1)، و إن كان الأحوط عدم

____________

و لا يقدح بقاؤه هذه المدة في صدق عنوان المسافر عليه، غاية الأمر أنه يقطع حكم السفر و يجعله بلا أثر فوجوب القصر عليه مرة أخرى يتوقف على سفر جديد بقدر المسافة.

(1) في القوة اشكال بل منع، فإن الوارد في جملة من الروايات عنوان الشهر، و هو في نفسه و إن كان ظاهرا في الشهر الهلالي، الّا ان المراد منه في المسألة ثلاثون يوما، و ذلك للقرينة الداخلية و الخارجية.

أما الأولى: فلأن الشهر الهلالي عبارة عن فترة زمنية محددة بين هلالين، فيبدأ الشهر القمري الشرعي بخروج القمر من المحاق و تولد الهلال الذي هو عبارة عن مواجهة جزء من نصفه المضي‌ء للأرض، و أن يكون هذا الجزء مما يمكن رؤيته‌

461

..........

____________

بالعين المجردة الاعتيادية، و ينتهى بخروج القمر من المحاق و تولد الهلال القادم كذلك.

و على هذا فلو أريد من الشهر فيها الشهر الهلالي، فلا بد من افتراض انطباق أول زمان التردد و التحير في الاقامة على أول آن تحرك القمر و خروجه عن المحاق و ظهور جزء من نصفه المضي‌ء المواجه للأرض بنحو يمكن رؤيته بالعين الاعتيادية، و استمرار هذا التردد إلى اكمال الدورة الطبيعية للشهر القمري و انتهائها و ابتداء الشهر القادم. و من المعلوم أن هذا مجرد فرض لا واقع له في الخارج، و لو كان فهو نادر جدا، و لا يمكن حمل روايات الباب على ذلك، فاذن لا بد من حمل الشهر فيها على ثلاثين يوما.

و أما الثانية: فلأن قوله (عليه السلام) في صحيحة أبي أيوب: «فان لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر فليعد ثلاثين يوما ثم ليتم ...» (1) فإنه ناص في أن المعيار انما هو بالتردد و التحير الى ثلاثين يوما، ثم الاتمام، و على هذا فلو كان الشهر في سائر الروايات ظاهرا في الشهر القمري لا بد من رفع اليد عن ظهورها فيه بقرينة نص الصحيحة في اعتبار ثلاثين يوما، و مع امكان الجمع الدلالي العرفي بينهما لا تصل النوبة إلى الحمل على التخيير بين الشهر بمعنى ثلاثين يوما و بين الشهر القمري، فإنه إنما هو فيما إذا كان كل من الدليلين ظاهرا في جهة و نصا في جهة أخرى لكي يكون نص كل منهما قرينة على التصرف في ظاهر الآخر، فتكون النتيجة هي التخيير، و الفرض ان النسبة بين الصحيحة و سائر الروايات ليست كذلك، بل نسبة الصحيحة إليها نسبة النص إلى الظاهر، و مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن بينهما معارضة فحينئذ تسقطان معا من جهة المعارضة و يرجع إلى الأصل العملي في المسألة و هو استصحاب بقاء وجوب القصر عليه إلى ثلاثين يوما فيما إذا كان الشهر القمري‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 15 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 12.

462

الاكتفاء به.

[مسألة 38: يكفي في الثلاثين التلفيق إذا كان تردده في أثناء اليوم]

[2339] مسألة 38: يكفي في الثلاثين التلفيق إذا كان تردده في أثناء اليوم كما مر في إقامة العشرة، و إن كان الأحوط عدم الاكتفاء و مراعاة الاحتياط.

[مسألة 39: لا فرق في مكان التردد بين أن يكون بلدا أو قرية أو مفازة]

[2340] مسألة 39: لا فرق في مكان التردد بين أن يكون بلدا أو قرية أو مفازة.

[مسألة 40: يشترط اتحاد مكان التردد]

[2341] مسألة 40: يشترط اتحاد مكان التردد، فلو كان بعض الثلاثين في مكان و بعضه في مكان آخر لم يقطع حكم السفر، و كذا لو كان مشتغلا بالسير و هو متردد فإنه يبقى على القصر إذا قطع المسافة، و لا يضر بوحدة المكان إذا خرج عن محل تردده إلى مكان آخر و لو ما دون المسافة بقصد العود إليه عما قريب إذا كان بحيث يصدق عرفا أنه كان مترددا في ذلك المكان ثلاثين يوما، كما إذا كان مترددا في النجف و خرج منه إلى الكوفة لزيارة مسلم أو لصلاة ركعتين في مسجد الكوفة و العود إليه في ذلك اليوم أو في ليلته بل أو بعد ذلك اليوم (1).

[مسألة 41: حكم المتردد بعد الثلاثين كحكم المقيم في مسألة الخروج إلى ما دون المسافة]

[2342] مسألة 41: حكم المتردد بعد الثلاثين كحكم المقيم في مسألة الخروج إلى ما دون المسافة مع قصد العود إليه في أنه يتم ذهابا و في المقصد و الاياب و محل التردد إذا كان قاصدا للعود إليه من حيث إنه محل تردده، و في القصر بالخروج إذا أعرض عنه و كان العود إليه من حيث كونه

____________

تسعة و عشرين يوما ..

(1) فيه انه إذا لم يرجع في ذلك اليوم و يبيت فيه و يرجع بعد ذلك اليوم لم يبق فيه الّا تسعة و عشرين يوما مترددا، لا ثلاثين يوما مترددا.

463

منزلا له في سفره الجديد، و غير ذلك من الصور التي ذكرناها (1).

[مسألة 42: إذا تردد في مكان تسعة و عشرين يوما أو أقل ثم سار إلى مكان آخر و تردد فيه كذلك و هكذا]

[2343] مسألة 42: إذا تردد في مكان تسعة و عشرين يوما أو أقل ثم سار إلى مكان آخر و تردد فيه كذلك و هكذا بقي على القصر ما دام كذلك إلا إذا نوى الاقامة في مكان أو بقي مترددا ثلاثين يوما في مكان واحد.

[مسألة 43: المتردد ثلاثين يوما إذا أنشأ سفرا بقدر المسافة لا يقصّر إلا بعد الخروج عن حد الترخص]

[2344] مسألة 43: المتردد ثلاثين يوما إذا أنشأ سفرا بقدر المسافة لا يقصّر إلا بعد الخروج عن حد الترخص كالمقيم (2) كما عرفت سابقا.

____________

(1) تقدم الكلام في تمام هذه الصور بشكل موسع في مسألة المقيم عشرة أيام.

(2) مر ان اعتبار حد الترخص لم يثبت للمقيم عشرة أيام في بلد لعدم الدليل عليه، و كذلك لا دليل على اعتباره في المتردد ثلاثين يوما، و عليه فحكمه القصر بمجرد الخروج عن محل التردد ثلاثين يوما و البدء بقطع المسافة و لو بخطوة واحدة، و لا يتوقف على الوصول إلى حد الترخص.

464

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

465

[فصل في أحكام صلاة المسافر]

فصل في أحكام صلاة المسافر مضافا إلى ما مرّ في طيّ المسائل السابقة، قد عرفت أنه يسقط بعد تحقق الشرائط المذكورة من الرباعيات ركعتان، كما أنه تسقط النوافل النهارية أي نافلة الظهرين بل و نافلة العشاء و هي الوتيرة أيضا على الأقوى، و كذا يسقط الصوم الواجب عزيمة، بل المستحب أيضا إلا في بعض المواضع المستثناة، فيجب عليه القصر في الرباعيات فيما عدا الأماكن الأربعة، و لا يجوز له الاتيان بالنوافل النهارية بل و لا الوتيرة إلا بعنوان الرجاء و احتمال المطلوبية لمكان الخلاف في سقوطها و عدمه، و لا تسقط نافلة الصبح و المغرب و لا صلاة الليل، كما لا إشكال في أنه يجوز الاتيان بغير الرواتب من الصلوات المستحبة.

[مسألة 1: إذا دخل عليه الوقت و هو حاضر ثم سافر قبل الاتيان بالظهرين]

[2345] مسألة 1: إذا دخل عليه الوقت و هو حاضر ثم سافر قبل الاتيان بالظهرين يجوز له الاتيان بنافلتهما سفرا و إن كان يصليهما قصرا (1)، و إن

____________

(1) هذا هو الأظهر.

بيان ذلك: ان صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء» (1) و إن كانت تنص على ثبوت الملازمة بين قصر الصلاة في السفر و سقوط نافلتها، و مثلها صحيحة حذيفة بن منصور. و لكن في مقابلهما موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سئل‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 16 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 2.

466

..........

____________

عن الرجل إذا زالت الشمس و هو في منزله، ثم يخرج في السفر، فقال: يبدأ بالزوال فيصليها ثم يصلى الأولى بتقصير ركعتين، لأنه خرج من منزله قبل أن تحضره الأولى. و سأل: فإن خرج بعد ما حضرت الأولى. قال: يصلى الأولى أربع ركعات ثم يصلى بعد النوافل ثمان ركعات، لأنه خرج من منزله بعد ما حضرت الأولى، فإذا حضرت العصر صلى العصر بتقصير و هي ركعتان لأنه خرج في السفر قبل أن تحضر العصر».

(1) و هي تنص على أمرين:

أحدهما: ان من خرج من منزله بعد زوال الشمس فله أن يأتي بالنوافل أولا ثم يأتى بالظهر ركعتين معللا بأنه خرج من منزله قبل أن يدخل وقتها.

و الآخر: ان من خرج من منزله بعد دخول الوقت فعليه أن يصلي تماما، و هذا يعني أن المعيار في وجوب القصر إنما هو بالخروج من البلد قاصدا السفر الشرعي قبل دخول الوقت، و أما إذا كان بعده فالحكم هو التمام، و ينبغي لنا أن ننظر في هذين الأمرين.

أما الأمر الأول: فانه و ان كان مخالفا للروايات الناطقة بدخول وقت الظهرين بمجرد زوال الشمس، و هذه الروايات تبلغ من الكثرة حد التواتر إجمالا، و على هذا فالموثقة من هذه الناحية و إن كانت مخالفة للسنة الّا أن مخالفتها لها ليست على نحو التعارض و التنافي المستقر لكي لا تكون حجة في نفسها، بل مخالفتها لها من مخالفة الظاهر للنص باعتبار أن الموثقة ظاهرة في أن وقت الظهرين يدخل بعد الاتيان بالنوافل لا من الزوال، و لا تكون ناصة فيه، و تلك الروايات ناصة في دخول وقتهما بمجرد الزوال فاذن لا بد من رفع اليد عن ظهور الموثقة و حملها على وقت الفضيلة بقرينة نص تلك الروايات على تفصيل تقدم في باب الأوقات. و حيث ان‌

____________

(1) الوسائل ج 4 باب: 23 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها و ما يناسبها الحديث: 1.

467

..........

____________

نسبة الموثقة الى الصحيحتين المتقدمتين نسبة الخاص إلى العام و المقيد إلى المطلق باعتبار ان الموثقة تدل على أن من خرج من منزله ناويا السفر قبل وقت الفضيلة للظهرين يجوز له الاتيان بنافلتهما سفرا ثم الاتيان بهما قصرا.

و أما الصحيحتان فهما تدلان على عدم جواز الاتيان بنافلتهما مطلقا سواء خرج من منزله قبل وقت الفضيلة أو بعده بفترة أو فترات، فإذن لا مانع من تقييد اطلاقهما بها.

فالنتيجة: ان من خرج من بلده مسافرا، فإن كان في أول الزوال و قبل دخول وقت الفضيلة للظهرين جاز له الاتيان بنافلتهما، ثم الاتيان بهما قصرا، و إن كان بعد دخول وقت الفضيلة لم يجز له الاتيان بها، و لكن مع ذلك كان الأجدر و الأولى الاتيان بنافلتهما فيه احتياطا و برجاء المطلوبية.

و أما الأمر الثاني: فلأن الموثقة كغيرها من الروايات معارضة للروايات التي تنص على ان العبرة بالقصر و التمام إنما هي بحال الأداء و الامتثال لا بحال تعلق التكليف و فعليته، منها: صحيحة محمد بن مسلم في حديث قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يريد السفر فيخرج حين تزول الشمس؟ فقال: إذا خرجت فصل ركعتين ...». (1)

و منها: صحيحة اسماعيل بن جابر قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): يدخل عليّ وقت الصلاة و أنا في السفر فلا أصلي حتى أدخل أهلي، فقال: صل و أتم الصلاة، قلت: فدخل عليّ وقت الصلاة و أنا في أهلي أريد السفر فلا أصلي حتى أخرج، فقال: فصلّ و قصر فإن لم تفعل فقد خالفت و اللّه رسول اللّه». (2) و منها:

غيرهما.

فاذن تقع المعارضة بينهما، فلا بد من الرجوع إلى مرجحات بابها، و بما أنه‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 21 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 1.

(2) الوسائل ج 8 باب: 21 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 2.

468

تركها في الوقت يجوز له قضاؤها.

[مسألة 2: لا يبعد جواز الاتيان بنافلة الظهر في حال السفر إذا دخل عليه الوقت]

[2346] مسألة 2: لا يبعد جواز الاتيان بنافلة الظهر في حال السفر إذا دخل عليه الوقت (1) و هو مسافر و ترك الاتيان بالظهر حتى يدخل المنزل من

____________

لا ترجيح لإحداهما على الأخرى فتسقطان معا، و يرجع حينئذ إلى العام الفوقي و هو اطلاق أدلة وجوب القصر بالنسبة إلى المسافر، و أدلة وجوب التمام بالنسبة إلى الحاضر، فإن مقتضى اطلاق الأولى ان وظيفة المسافر هي الاتيان بالصلاة قصرا و إن كان حين تعلق الوجوب به حاضرا، و مقتضى اطلاق الثانية ان وظيفة الحاضر هي الاتيان بها تماما و إن كان حين تعلق الوجوب بها مسافرا.

و دعوى: ان الطائفة الثانية روايات مشهورة بين الأصحاب و قد عملوا بها دون الطائفة الأولى، و عليه فلا بد من ترجيح الطائفة الثانية على الأولى ..

مدفوعة: بأن عمل الأصحاب برواية لا يكون من مرجحات باب المعارضة، و لا أثر لكونها مشهورة عملا.

نعم لو كانت رواية مشهورة بدرجة يكون الانسان واثقا و مطمئنا بصدورها عن المعصوم (عليه السلام) لم تكن الرواية المعارضة لها حجة لأنها مخالفة للسنة.

(1) في الجواز اشكال بل منع، و الأظهر عدم الجواز لإطلاق الصحيحتين المتقدمتين، و لا مقيد لإطلاقهما في المسألة.

و قد يقال كما قيل: ان رواية أبي يحيى الحناط قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر، فقال: يا بنيّ لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة» (1) تدل على ذلك بدعوى أنها تنص على ثبوت الملازمة بين صلاحية النافلة في السفر و تمامية الفريضة، و بما أن فريضته تامة فتصلح النافلة له، و حينئذ تكون مقيدة لإطلاقهما.

و الجواب: ان الرواية ساقطة سندا و دلالة. أما سندا فلأن فيه أبي يحيى‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 21 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 4.

469

الوطن أو محل الاقامة، و كذا إذا صلى الظهر في السفر ركعتين و ترك العصر إلى أن يدخل المنزل لا يبعد جواز الاتيان بنافلتهما في حال السفر، و كذا لا يبعد جواز الاتيان بالوتيرة في حال السفر (1) إذا صلى العشاء أربعا في الحضر ثم سافر، فإنه إذا تمت الفريضة صلحت نافلتها.

[مسألة 3: لو صلى المسافر بعد تحقق شرائط القصر تماما]

[2347] مسألة 3: لو صلى المسافر بعد تحقق شرائط القصر تماما فإما أن يكون عالما بالحكم و الموضوع أو جاهلا بهما أو بأحدهما أو ناسيا فإن كان عالما بالحكم و الموضوع عامدا في غير الأماكن الأربعة بطلت صلاته و وجب عليه الاعادة في الوقت و القضاء في خارجه، و إن كان جاهلا بأصل الحكم و أن حكم المسافر التقصير لم يجب عليه الاعادة فضلا عن القضاء، و أما إن كان عالما بأصل الحكم و جاهلا ببعض الخصوصيات مثل أن السفر إلى أربعة فراسخ مع قصد الرجوع يوجب القصر أو أن المسافة ثمانية أو أن كثير السفر إذا أقام في بلده أو غيره عشرة أيام يقصّر في السفر الأول أو أن العاصي بسفره إذا رجع إلى الطاعة يقصّر و نحو ذلك و أتم وجب عليه

____________

الحناط و لم يثبت توثيقه، و أما دلالة فلأن مفادها ثبوت الملازمة بين صلاحية النافلة في السفر و تمامية الفريضة فيه لإتماميتها مطلقا و لو في الحضر كما هو المفروض في المسألة، فالرواية على تقدير تماميتها سندا لا تدل على حكم المسألة، و بذلك يظهر حال ما بعده.

(1) تقدم في أول كتاب الصلاة في (فصل اعداد الفرائض و نوافلها) سقوطها في السفر و لا دليل في المسألة على عدم السقوط و جواز الاتيان بها ما عدا رواية أبي يحيى الحناط و مر أنها ساقطة سندا و دلالة.

470

الاعادة في الوقت و القضاء في خارجه (1)، و كذا إذا كان عالما بالحكم

____________

(1) فيه ان الأظهر عدم وجوب القضاء إذا انكشف الحال في خارج الوقت، بيان ذلك:

ان المكلف مرة يكون جاهلا بجعل وجوب القصر في الشريعة المقدسة على المسافر لدى توفر شروطه العامه فيه فصلى صلاة تامة.

و أخرى: يكون عالما بجعل وجوبه في الشريعة على المسافر، و لكنه جاهل ببعض شروطه و خصوصياته، كما إذا تخيل ان الشريعة ارادت بالسفر معنى لا يشمل طي المسافة تلفيقا، أو رجوع العاصي الى الطاعة إذا كان الباقي بقدر المسافة، أو نحو ذلك فصلى في هذه الحالات صلاة تامة.

و ثالثة: يكون جاهلا بالموضوع و عالما بالحكم، كما إذا قصد السفر إلى بلد معين و تخيل ان المسافة إليه قريبة و تقل عن المسافة المحددة شرعا، فيتم صلاته ثم يعلم بأنها بقدر المسافة الشرعية.

و رابعة: يكون غافلا عن سفره و تخيل انه في بلده فصلى صلاة تامة ثم تذكر أنه مسافر.

و خامسة: يكون عالما بسفره و لكنه غفل عن حكمه و هو وجوب القصر، فصلى صلاة تامة ثم تفطن بالحال، و هذه هي صور المسألة.

أما الصورة الأولى: فلا شبهة في صحة الصلاة تماما موضع القصر، و لا تجب عليه الاعادة في الوقت فضلا عن خارج الوقت، و ينص عليه ذيل صحيحة زرارة و محمد بن مسلم، قالا: قلنا لأبي جعفر (عليه السلام): «رجل صلى في السفر أربعا أ يعيد أم لا؟ قال: إن كان قرئت عليه آية التقصير و فسرت له فصلى أربعا أعاد، و إن لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا إعادة عليه». (1)

و أما الصورة الثانية: فمقتضى اطلاق صحيحة زرارة و محمد بن مسلم‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 17 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 4.

471

جاهلا بالموضوع كما إذا تخيل عدم كون مقصده مسافة مع كونه مسافة فإنه لو أتم وجب عليه الاعادة أو القضاء (1)، و أما إذا كان ناسيا لسفره أو أن

____________

وجوب الاعادة مطلقا حتى في خارج الوقت على أساس أنه عالم بأصل الحكم في الشريعة المقدسة فيكون مشمولا لقوله (عليه السلام) في الصحيحة: «إن كانت قرئت عليه آية التقصير و فسرت له ...»، هذا، و لكن صحيحة العيص قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلى و هو مسافر فأتم الصلاة؟ قال: إن كان في وقت فليعد، و إن كان الوقت قد مضى فلا». (1) تنص على عدم وجوب القضاء خارج الوقت، و على هذا فلا بد من تقييد اطلاق صحيحة زرارة و محمد بن مسلم بها.

فالنتيجة: ان العالم بأصل الحكم و الجاهل بخصوصياته و شروطه إذا أتم صلاته، فإن علم بالحال في الوقت وجبت اعادتها قصرا، و إن لم يعلم بالحال الّا بعد خروج الوقت لم يجب القضاء و بذلك يظهر حكم الصورة الثالثة أيضا.

و أما الصورة الرابعة: فحكمها هو حكم الصورة الثانية حيث ان مقتضى اطلاق صحيحة زرارة و محمد بن مسلم وجوب الاعادة مطلقا و لو في خارج الوقت، و لكن صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل ينسى فيصلي في السفر أربع ركعات؟ قال: ان ذكر في ذلك اليوم فليعد، و إن لم يذكر حتى يمضى ذلك اليوم فلا اعادة عليه» (2) تنص على التفصيل بين الوقت و خارجه، فإن كان التذكر في الوقت وجبت الاعادة قصرا، و إن كان في خارجه لم يجب القضاء.

و بها يقيد اطلاق صحيحة زرارة و محمد بن مسلم. و منه يظهر حكم الصورة الخامسة أيضا، باعتبار ان صحيحة أبي بصير مطلقة من هذه الناحية و تعم باطلاقها نسيان الحكم و الموضوع معا، فلا تختص بالثاني، بل تعمها صحيحة العيص أيضا باطلاقها.

(1) ظهر مما مر عدم وجوبه.

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 17 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 1.

(2) الوسائل ج 8 باب: 17 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 2.

472

حكم السفر القصر فأتم فإن تذكر في الوقت وجب عليه الاعادة، و إن لم يعد وجب عليه القضاء في خارج الوقت، و إن تذكر بعد خروج الوقت لا يجب عليه القضاء، و أما إذا لم يكن ناسيا للسفر و لا لحكمه و مع ذلك أتم صلاته ناسيا (1) وجب عليه الاعادة و القضاء.

[مسألة 4: حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة]

[2348] مسألة 4: حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة، فيبطل مع العلم و العمد، و يصح مع الجهل بأصل الحكم دون الجهل بالخصوصيات و دون الجهل بالموضوع (2).

____________

(1) المراد بالنسيان هنا الغفلة و الخطأ في التطبيق، فإنه على الرغم من التفاته إلى انه مسافر و أنّ حكمه القصر، قد يغفل عن عدد ركعات صلاته و يخطئ فيزيد عليها ركعتين خطأ و سهوا، و بما أن الوارد في الصحيحة هو النسيان و لا نسيان في المقام لا حكما و لا موضوعا فلا تعم المقام، فإذن الحكم كما في المتن، و هو وجوب الاعادة إن تنبه في الوقت، و الّا فالقضاء.

(2) هذا هو الأظهر، و ذلك لأن الوارد في المسألة مجموعتان من الروايات.

احداهما: تؤكد و تنص على أن من صام في السفر، فإن كان ممن بلغه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن الصوم فيه لم يجز عنه، و إن كان ممن لم يبلغه ذلك أجزأه.

منها: صحيحة الحلبي، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل صام في السفر، فقال: إن كان بلغه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن ذلك فعليه القضاء، و إن لم يكن بلغه فلا شي‌ء عليه».

(1) و منها: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر، فقال: إن كان لم يبلغه ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن ذلك فليس عليه القضاء، و قد أجزأ عنه الصوم» (2) حيث ان المتفاهم العرفي من هذه المجموعة هو أن المشار إليه بكلمة ذلك فيها هو طبيعي الصوم في‌

____________

(1) الوسائل ج 10 باب: 2 من أبواب من يصحّ منه الصّوم الحديث: 3.

(2) الوسائل ج 10 باب: 2 من أبواب من يصحّ منه الصّوم الحديث: 2.

473

..........

____________

السفر دون الفرد، إذ لا يحتمل أن يكون النهي الصادر من النبي الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله) عن الصوم في السفر خصوص الصوم المفروض في السؤال، بداهة ان الاشارة اليه باعتبار أنه مصداق للطبيعي لا بلحاظ حده الفردي، إذ لا خصوصية له، و على هذا فالجاهل ببعض الخصوصيات، أو الموضوع إذا كان عالما بأصل النهي كما إذا كان معتقدا بأن طيّ المسافة تلفيقا لم يضر بالصوم، حيث يصدق عليه أنه ممن بلغه أن النبي الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن ذلك، فيكون مشمولا لها، فان المراد من البلوغ هو بلوغ النهي في الشريعة المقدسة.

و الأخرى: تؤكد و تنص على ان من صام في السفر بجهالة صح صومه.

منها: صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من صام في السفر بجهالة لم يقضه». (1)

و منها: صحيحة ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر، و إن صامه بجهالة لم يقضه». (2) فإن المتفاهم العرفي من الجهالة فيها أعم من الجهل بأصل الحكم، أو ببعض الخصوصيات و شروطه، أو الموضوع، لأن من كان معتقدا بأن طيّ المسافة تلفيقا، أو رجوع العاصي إلى الطاعة إذا كان الباقي مسافة لا يضر بالصوم، فسافر كذلك و صام صدق أنه صام في السفر بجهالة، أو كان معتقدا بأن ما بين بلده و البلد الآخر يقل عن المسافة المحددة فسافر إليه صائما صدق أنه صام بجهالة.

و على هذا فالمجموعة الأولى بما أنها تدل على حكمين متباينين ..

أحدهما: بطلان الصوم في السفر لمن بلغه نهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن ذلك.

و الآخر: صحته لمن لم يبلغه ذلك، فتكون معارضة للمجموعة الثانية من ناحية دلالتها على الحكم الأول و هو بطلان الصوم على نحو العموم من وجه، على‌

____________

(1) الوسائل ج 10 باب: 2 من أبواب من يصحّ منه الصّوم الحديث: 5.

(2) الوسائل ج 10 باب: 2 من أبواب من يصحّ منه الصّوم الحديث: 6.

474

[مسألة 5: إذا قصّر من وظيفته التمام بطلت صلاته]

[2349] مسألة 5: إذا قصّر من وظيفته التمام بطلت صلاته في جميع

____________

أساس أنها تدل عليه و إن كان المسافر جاهلا ببعض الخصوصيات أو الموضوع و عالما ببلوغ النهي، و المجموعة الثانية تدل على صحته إذا كان جاهلا بذلك و إن كان عالما بأصل النهي في الشريعة المقدسة، فيكون مورد الالتقاء بينهما هو صوم المسافر الجاهل ببعض الخصوصيات و الشروط أو الموضوع و العالم بأصل النهي، فإن مقتضى اطلاق الأول بطلان صومه، و مقتضى اطلاق الثانية صحته، و حيث انه لا ترجيح في البين فيسقط كلا الاطلاقين معا و يرجع إلى العمومات الأولية، و مقتضاها البطلان، فإن إجزاء غير المأمور به عن المأمور به بحاجة إلى دليل، و مقتضى القاعدة عدم الاجزاء.

و إن شئت قلت: ان مقتضى العمومات الأولية عدم مشروعية الصوم في السفر، بلا فرق بين العالم و الجاهل، و قد استثنى منها الجاهل بالحكم، و أما الجاهل بالموضوع أو بعض الخصوصيات فقد مر أن دليله قد سقط من جهة المعارضة، فإذن ينحصر المستثنى في الجاهل بالحكم فقط، و بذلك يظهر الفرق بين الصوم و الصلاة، فإن المسافر الجاهل بالموضوع أو بعض الخصوصيات دون الحكم في باب الصلاة إذا صلى صحت صلاته شريطة انكشاف الحال بعد الوقت.

فالنتيجة: ان من صام في السفر عالما بالحكم و جاهلا بالموضوع أو ببعض الخصوصيات بطل صومه و وجب عليه قضاؤه دون صلاته، الّا إذا انكشف الحال في الوقت، هذا كله في الجاهل.

و أما الناسي للسفر أو حكمه فإذا صام بطل صومه بلا فرق بين نسيان الموضوع أو الحكم لعدم الدليل على الصحة، و بذلك يمتاز الصوم عن الصلاة، فإن الناسي للسفر أو حكمه إذا صلى فإن تذكر في الوقت أعادها، و الّا صحت صلاته و لا قضاء عليه.

475

الموارد إلا في المقيم المقصّر للجهل بأن حكمه التمام.

[مسألة 6: إذا كان جاهلا بأصل الحكم و لكن لم يصلّ في الوقت]

[2350] مسألة 6: إذا كان جاهلا بأصل الحكم و لكن لم يصلّ في الوقت وجب عليه القصر في القضاء بعد العلم به (1) و إن كان لو أتم في الوقت كان صحيحا، فصحة التمام منه ليس لأجل أنه تكليفه بل من باب الاغتفار (2)، فلا ينافي ما ذكرناه قوله: «اقض ما فات كما فات» (1) ففي الحقيقة الفائت منه هو القصر لا التمام، و كذا الكلام في الناسي للسفر أو لحكمه فإنه لو لم يصلّ أصلا عصيانا أو لعذر وجب عليه القضاء قصرا.

[مسألة 7: إذا تذكر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة]

[2351] مسألة 7: إذا تذكر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة فإن كان قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة أتم الصلاة قصرا و اجتزأ بها و لا يضر كونه ناويا من الأول للتمام لأنه من باب الداعي و الاشتباه في

____________

(1) فيه إشكال، و لا يبعد التخيير في القضاء أيضا، كما هو الحال في الأداء لما ذكرناه في علم الأصول من ان الواجب في المسألة هو الجامع بين القصر و التمام في حالة جهل المسافر بوجوب القصر، و عليه فإذا لم يأت بالتمام أيضا فقد فات منه الجامع، و مقتضى القاعدة فيه التخيير في قضائه كالأداء بمقتضى قوله (عليه السلام): «اقض ما فات كما فات» و إن كان الأحوط و الأجدر هو قضاؤه قصرا.

(2) بل من باب انه أحد فردي الواجب التخييري كما مر، و لا يقاس ذلك بالناسي للسفر أو حكمه، فإن الواجب في حقه ليس هو الجامع بين القصر و التمام، و من هنا وجبت الاعادة إذا تذكر في الوقت، حيث ان الواجب فيه هو القصر، و إذا أتى بالصلاة تماما في الوقت ناسيا و تذكر في خارج الوقت كفى عن القضاء قصرا، و أما إذا لم يأت بها تماما في الوقت عامدا أو ناسيا فيجب القضاء في خارج الوقت قصرا باعتبار ان الفائت منه هو القصر دون الجامع.

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 6 من أبواب قضاء الصّلوات الحديث: 1.

476

المصداق لا التقييد فيكفي قصد الصلاة و القربة بها، و إن تذكر بعد ذلك بطلت و وجب عليه الاعادة مع سعة الوقت و لو بإدراك ركعة من الوقت (1)، بل و كذا لو تذكر بعد الصلاة تماما و قد بقي من الوقت مقدار ركعة فإنه يجب عليه إعادتها قصرا، و كذا الحال في الجاهل بأن مقصده مسافة إذا شرع في الصلاة بنية التمام ثم علم بذلك، أو الجاهل بخصوصيات الحكم إذا نوى التمام ثم علم في الأثناء أن حكمه القصر، بل الظاهر أن حكم من كان وظيفته التمام إذا شرع في الصلاة بنية القصر جهلا ثم تذكر في الأثناء العدول إلى التمام، و لا يضره أنه نوى من الأول ركعتين مع أن الواجب عليه

____________

(1) على الأحوط في غير صلاة الغداة، لما تقدم من ان التعدي عن مورد حديث (من أدرك ...) إلى سائر الصلوات لا يخلو عن إشكال، و على هذا فالناسي إذا أتى بالصلاة تماما ثم تفطن بالحال، فإن كان في الوقت أعادها قصرا، و إن كان في خارج الوقت لم يقض و حيث انه في المسألة لا يتمكن من ادراك الصلاة قصرا بتمامها في الوقت و إنما يتمكن من ادراك ركعة منها فيه و كفايته عن ادرك تمام الركعات في غير صلاة الغداة مورد للإشكال، فمن أجل ذلك يكون الاتيان بها قصرا بادراك ركعة منها في الوقت مبنيا على الاحتياط لاحتمال كفاية ما أتى به الناسي من الصلاة تماما عن القصر بعد عدم التمكن من اعادتها بكاملها في الوقت، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى: ان هذه المسألة مبنية على أن عنواني التمام و القصر ليسا من العناوين المقومة للصلاة كعنوان الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الصبح، فمن أجل ذلك إذا بدأ بالصلاة بعنوان القصر خطأ صح اتمامها تماما، و كذلك العكس شريطة أن يكون قبل دخوله في ركوع الركعة الثالثة و قد تقدم أن هذا هو الصحيح.

477

أربع ركعات لما ذكر من كفاية قصد الصلاة متقربا و إن تخيل أن الواجب هو القصر، لأنه من باب الاشتباه في التطبيق و المصداق لا التقييد، فالمقيم الجاهل بأن وظيفته التمام إذا قصد القصر ثم علم في الأثناء يعدل إلى التمام و يجتزئ به، لكن الأحوط الاتمام و الاعادة، بل الأحوط في الفرض الأول أيضا الاعادة قصرا بعد الاتمام قصرا.

[مسألة 8: لو قصّر المسافر اتفاقا لا عن قصد]

[2352] مسألة 8: لو قصّر المسافر اتفاقا لا عن قصد فالظاهر صحة صلاته، و إن كان الأحوط الاعادة، بل و كذا لو كان جاهلا بأن وظيفته القصر فنوى التمام لكنه قصّر سهوا، و الاحتياط بالاعادة في هذه الصورة آكد و أشد (1).

____________

(1) فيه أنه لا منشأ لذلك، بل لا منشأ لأصل الاحتياط لا هنا و لا فيما قبله، لأن ما يحتمل أن يكون منشأ له أحد أمور:

الأول: احتمال أن يكون عنوان القصر أو التمام من العناوين القصدية المقومة، و لكن قد مر أن هذا الاحتمال غير محتمل فقهيا، فلا يصلح أن يكون منشأ للاحتياط.

الثاني: احتمال أن تكون نية الخلاف مضرة حيث أن الواجب عليه في الواقع هو القصر و هو ينوي التمام، و لكن قصّر اتفاقا و غفلة، فمن أجل هذا الاحتمال لا بأس بالاحتياط.

و لكن لا أساس له أيضا، فإنه إذا أتى بالصلاة ذات ركعتين بنية القربة صحت باعتبار أن نية القصر غير معتبرة.

الثالث: احتمال أن جهل المسافر بوجوب القصر و الاعتقاد بوجوب التمام يوجب انقلاب الواقع و تحول الواجب من القصر إلى التمام، فتكون وظيفته الصلاة تماما واقعا، و على هذا فيحتمل أن يكون الاتيان بالقصر باطلا، فمن أجل ذلك لا بأس بالاحتياط.

478

[مسألة 9: إذا دخل عليه الوقت و هو حاضر متمكن من الصلاة و لم يصلّ ثم سافر وجب عليه القصر]

[2353] مسألة 9: إذا دخل عليه الوقت و هو حاضر متمكن من الصلاة و لم يصلّ ثم سافر وجب عليه القصر، و لو دخل عليه الوقت و هو مسافر فلم يصلّ حتى دخل المنزل من الوطن أو محل الاقامة أو حد الترخص منهما أتم (1)، فالمدار على حال الأداء لا حال الوجوب و التعلق لكن الأحوط في المقامين الجمع (2).

[مسألة 10: إذا فاتت منه الصلاة و كان في أول الوقت حاضرا و في آخره مسافرا أو بالعكس]

[2354] مسألة 10: إذا فاتت منه الصلاة و كان في أول الوقت حاضرا و في آخره مسافرا أو بالعكس فالأقوى أنه مخير بين القضاء قصرا أو تماما، لأنه فاتت منه الصلاة في مجموع الوقت و المفروض أنه كان مكلفا في بعضه بالقصر و في بعضه بالتمام، و لكن الأحوط مراعاة حال الفوت (3) و هو آخر

____________

و لكن هذا الاحتمال أيضا غير محتمل، فإن الجهل في المسألة إما أن لا يوجب الانقلاب أصلا و أن الوظيفة الواقعية هي القصر، فالتمام إنما هو من باب الاغتفار، أي اغتفار زيادة الركعتين، و اما أن يوجب انقلاب التكليف من القصر تعيينا إلى الجامع تخييرا، و هذا هو الظاهر كما حققناه في الأصول، و أما احتمال أنه يوجب انقلاب التكليف من القصر تعيينا إلى التمام كذلك فهو غير محتمل.

فالنتيجة: انه لا منشأ للاحتياط لا في الجاهل و لا في الناسي فضلا عن كونه في الجاهل آكد و أشد.

(1) مر أن اعتبار حد الترخص انما هو في الخروج عن الوطن دون محل الاقامة، فانّه يجب عليه القصر إذا خرج منه و بدأ بقطع المسافة و لو بخطوة واحدة.

(2) فيه ان الاحتياط و إن كان استحبابيا، الّا أن منشأه ضعيف جدا، و قد تقدم تفصيل ذلك في المسألة (1) من هذا الفصل.

(3) بل هو الأقوى على أساس اناطة اشتغال ذمة المكلف بالصلاة حين فوتها، فان كان في هذا الحين مسافرا اشتغلت ذمته بها قصرا باعتبار أن الفائت منه‌

479

..........

____________

في ذلك الحين هو القصر، و إن كان حاضرا اشتغلت ذمته بها تماما تطبيقا لما تقدم.

و إن شئت قلت: ان المعيار إنما هو بحال الفوت، فإن كان مسافرا في هذه الحال كان مأمورا بالصلاة قصرا دون الجامع بينها و بين الصلاة تماما، و إن كان حاضرا فيها كان مأمورا بالصلاة تماما دون الأعم، فإذا فاتت منه في هذه الحال بسبب من الأسباب فإن كان مسافرا فقد فاتت منه الصلاة قصرا دون الجامع، و إن كان حاضرا فقد فاتت منه الصلاة تماما دون الأعم، فإذن يجب عليه قضاء ما فات عنه بمقتضى قوله (عليه السلام): «اقض ما فات كما فات ...»، فالنتيجة ان مقتضى القاعدة هو مراعاة حال الفوت.

و لكن في مقابل ذلك رواية تنص على أن المعيار في وجوب القضاء بحال التعلق لا بحال الفوت، و هي رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «إنه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة و هو في السفر، فأخر الصلاة حتى قدم، و هو يريد يصليها إذا قدم إلى أهله فنسي حين قدم إلى أهله أن يصليها حتى ذهب وقتها؟ قال: يصليها ركعتين صلاة المسافر، لأن الوقت دخل و هو مسافر، كان ينبغى له أن يصلي عند ذلك» (1).

و الجواب: أولا: ان الرواية ضعيفة سندا، فإن في سندها موسى بن بكر و هو لم يثبت توثيقه، و أما قول صفوان بأن كتاب موسى بن بكر مما لا يختلف فيه أصحابنا فلا يكون هذا شهادة منه على وثاقة الرجل، و إنما هو شهادة على ان كتابه مما لا يختلف فيه الاصحاب، و لا ملازمة بين الأمرين، لاحتمال أن يكون منشأ عدم اختلاف الاصحاب في كتابه شيئا آخر لا وثاقة الرجل.

فالنتيجة: أن هذه الجملة لا تكون ظاهرة في الشهادة على الوثاقة، و أما وقوعه في اسناد تفسير علي بن ابراهيم، فقد ذكرنا في غير مورد من بحوثنا الفقهية‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 6 من أبواب قضاء الصّلوات الحديث: 3.

480

الوقت، و أحوط منه الجمع بين القصر و التمام.

[مسألة 11: الأقوى كون المسافر مخيرا بين القصر و التمام في الأماكن الأربعة]

[2355] مسألة 11: الأقوى كون المسافر مخيرا بين القصر و التمام في الأماكن الأربعة، و هي مسجد الحرام، و مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و مسجد الكوفة، و الحائر الحسيني (عليه السلام)، بل التمام هو الأفضل، و إن كان الأحوط هو القصر، و ما ذكرنا هو القدر المتيقن، و إلا فلا يبعد كون المدار على البلدان الأربعة (1) و هي مكة و المدينة و الكوفة و كربلاء، لكن لا ينبغي ترك

____________

أن مجرد وقوعه فيه لا يكفى للتوثيق.

و ثانيا: مع الاغماض عن سندها، ان المتفاهم العرفي من التعليل فيها كون العبرة في الاتيان بالصلاة كما و كيفا، انما هي بحال تعلق الوجوب بها بلا فرق بين حال الأداء و القضاء، على أساس أن القضاء بدل عما فات من المكلف، فإذا كان المعيار في القضاء بحال التعلق كشف عن انه المعيار في الأداء أيضا، باعتبار ان القضاء هو الاتيان بالفائت كما و كيفا، فإذن لا بد من افتراض ان الفائت عن المكلف في الوقت هو الصلاة حال التعلق لا حال الأداء، و الّا فلا يمكن أن يكون قضاؤهما بلحاظ هذه الحال دون الأداء، فانه حينئذ ليس قضاء لما فات باعتبار ان القضاء لا بد أن يكون مماثلا للفائت كما و كيفا.

فالنتيجة: ان مورد التعليل و إن كان هو القضاء، الّا أنه يدل على أن العبرة في الأداء و القضاء انما هي بحال تعلق الوجوب باعتبار أن القضاء هو الاتيان بما يماثل الفائت، فلا بد حينئذ من افتراض ان الفائت منه بلحاظ حال تعلقه، و عليه فتكون هذه الرواية من الروايات المعارضة، و قد مر الكلام في هذه المعارضة في المسألة (1) من هذا الفصل.

(1) بل الثلاثة و هي مكة و المدينة و الكوفة دون كربلاء، حيث لم يرد فيه الأمر بالإتمام بعنوان كربلاء، و إنما ورد بعنوان حرم الحسين (عليه السلام)، و القدر المتيقن‌

481

..........

____________

منه نفس الحرم دون تمام البلد. ثم ينبغى أن نتكلم في هذه المسألة في ثلاث نقاط ..

الأولى: حول الروايات و امكان الاستفادة التخيير منها في هذه الأماكن.

الثانية: في حدود هذه الاماكن سعة و ضيقا.

الثالثة: ان مرد التخيير بين القصر و التمام فيها إلى ايجاب الجامع، أو إلى وجوبين مشروطين.

أما الكلام في النقطة الأولى: فان الروايات الواردة في هذه المسألة تصنف إلى أربع طوائف ..

الأولى: الروايات التي تنص على التمام مرة بلسان الأمر به، و أخرى بلسان أنه من مخزون علم اللّه.

الثانية: الروايات التي تنص على التخيير بين القصر و الاتمام.

الثالثة: الروايات التي تنص على الأمر بالقصر ما لم ينو مقام عشرة أيام.

الرابعة: الروايات التي تنص على أن الاتمام فيها محبوب.

و ننظر الآن إلى امكان الجمع العرفي بين هذه الطوائف و استفادة التخيير بين القصر و التمام في الأماكن المذكورة، فنقول: انه لا تنافي بين الطائفة الأولى و الطائفة الثانية على أساس أن الطائفة الثانية بما أنها ناصة في التخيير تصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهور الأمر بالتمام في الطائفة الأولى في الوجوب التعييني، فالنتيجة: ان الأمر بالتمام فيها باعتبار أنه أحد فردي الواجب التخييري.

و لكن قد يقال كما قيل: ان الطائفة الثانية معارضة بالطائفة الثالثة التي تنص على وجوب القصر فيها تعيينا، كصحيحة ابن بزيغ و نحوها.

482

..........

____________

و الجواب أولا: انه لا معارضة بينها و بين نصوص التخيير، على أساس أنها ظاهرة في وجوب القصر تعيينا بملاك ظهور الأمر فيه، و قد مر أن روايات التخيير ناصة فيه، فمن أجل ذلك تصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهور الأمر في الطائفة الثالثة في وجوب القصر تعيينا و حمله على التخيير، و مع إمكان الجمع العرفي الدلالي بينهما لا تصل النوبة إلى المعارضة.

و ثانيا: ان الطائفة الرابعة كصحيحة علي بن مهزيار عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) حاكمة في المسألة، و تبين المراد من الروايات الآمرة بالتمام و الروايات الآمرة بالقصر بقوله (ع): «... قد علمت يرحمك اللّه فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما، فأنا أحب لك إذا دخلتهما أن لا تقصر و تكثر فيهما من الصلاة ...» (1) فانه صريح في عدم وجوب القصر فيهما تعيينا، بل التمام فيها أحب من القصر، و على هذا فلا موضوع للمعارضة.

و مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن بينهما معارضة، فقد يقال: انه لا بد من حمل روايات القصر على التقية باعتبار أنها موافقة للعامة عملا من جهة أنهم لا يفرقون بين الحرمين و غيرهما و إن كانوا مختلفين في الرأي.

و فيه: ان المرجح انما هو مخالفة إحدى الروايتين المتعارضتين لمذهب العامة، و موافقة الأخرى له، و لا أثر للالتزام العملي ما لم يكن موافقا للمذهب، فإذن تسقطان معا، و يرجع إلى العام الفوقي، و هو اطلاقات أدلة وجوب القصر على المسافر.

و أما صحيحة معاوية بن وهب قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التقصير في الحرمين و التمام، فقال: لا تتم حتى تجمع على مقام عشرة أيام، فقلت: ان أصحابنا رووا عنك انك أمرتهم بالتمام، فقال: ان أصحابك كانوا يدخلون المسجد فيصلون‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 25 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 4.

483

..........

____________

و يأخذون نعالهم و يخرجون و الناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة فأمرتهم بالتمام» (1) فلا تدل على أن النهي عن التمام للتقية، إذ يحتمل أن يكون النهي عنه لرفع توهم الوجوب، هذا إضافة إلى أن الأمر بالتمام في ذيل الصحيحة قرينة على ذلك باعتبار ان التمام إنما يجب على المسافر تعيينا إذا نوى مقام عشرة أيام لا في المسألة.

و أما الكلام في النقطة الثانية: فقد فسر الحرمين في صحيحة علي بن مهزيار المتقدمة بمكة و المدينة، و في ضوء هذا التفسير يكون التخيير ثابتا في تمام البلدين و لا يختص بالمسجدين، و أما حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد فسر في صحيحة حسان بن مهران بالكوفة، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): مكة حرم اللّه، و المدينة حرم رسول اللّه، و الكوفة حرمي» (2) و مقتضى هذا التفسير أن التخيير ثابت في تمام بلد الكوفة، و لا يختص بالمسجد، و إن كان الأجدر الاقتصار بالمسجد.

و أما حرم الحسين (عليه السلام)، فقد ورد في صحيحة حماد بن عيسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «من مخزون علم اللّه الاتمام في أربعة مواطن: حرم اللّه و حرم رسوله (ص) و حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) و حرم الحسين بن علي (عليه السلام)»، (3) و أما بعنوان آخر كالحائر، أو عند قبر الحسين (عليه السلام)، أو كربلاء، فلم يرد في شي‌ء من الروايات المعتبرة، فإذن يدور التخيير مدار صدق الحرم سعة و ضيقا.

و أما الكلام في النقطة الثالثة: فقد حققنا في الأصول أن مرجع التخيير الشرعي إلى إيجاب الجامع، و على هذا فالواجب هو الجامع بين القصر و التمام، و خصوصية كل منهما خارجة عن الواجب، فإنها من خصوصية الفرد بحده الفردي، و يترتب على ذلك انه إذا نوى القصر جاز العدول منه إلى التمام و بالعكس‌

____________

(1) الوسائل ج 8 باب: 25 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 34.

(2) الوسائل ج 14 باب: 16 من أبواب المزار و ما يناسبه الحديث: 1.

(3) الوسائل ج 8 باب: 25 من أبواب صلاة المسافر الحديث: 1.

484

الاحتياط خصوصا في الأخيرتين، و لا يلحق بها سائر المشاهد، و الأحوط في المساجد الثلاثة الاقتصار على الأصلي منها دون الزيادات الحادثة في بعضها، نعم لا فرق فيها بين السطوح و الصحن و المواضع المنخفضة منها، كما أن الأحوط في الحائر الاقتصار على ما حول الضريح المبارك (1).

[مسألة 12: إذا كان بعض بدن المصلي داخلا في أماكن التخيير و بعضه خارجا لا يجوز له التمام]

[2356] مسألة 12: إذا كان بعض بدن المصلي داخلا في أماكن التخيير و بعضه خارجا لا يجوز له التمام.

نعم، لا بأس بالوقوف منتهى أحدها إذا كان يتأخر حال الركوع و السجود بحيث يكون تمام بدنه داخلا حالهما.

[مسألة 13: لا يلحق الصوم بالصلاة في التخيير المزبور]

[2357] مسألة 13: لا يلحق الصوم بالصلاة في التخيير المزبور، فلا يصح له الصوم فيها إلا إذا نوى الاقامة أو بقي مترددا ثلاثين يوما.

____________

إذا لم يتجاوز محل العدول باعتبار أنه عدول من فرد إلى فرد آخر، لا من واجب إلى واجب آخر، و من هنا يجوز الاتيان بالجامع بنية القربة بدون قصد شي‌ء منهما، بأن ينوي الصلاة و يكبر و يقرأ و يركع و يواصل صلاته من دون أن ينوي القصر أو التمام، و إذا وصل إلى التشهد فله أن يسلم و ينتهى من الصلاة، و له أن يضيف ركعتين أخريين، ثم يسلم، بل لو نوى القصر فأتم غفلة، أو بالعكس صح و أتى بالواجب، بل قد تقدم انه لا يجب على المسافر نية القصر، و لا على الحاضر نية التمام لأنهما ليستا من العناوين القصدية فضلا عن اعتبارها في المقام، و بذلك يظهر حال المسائل الآتية.

(1) مر أن التخيير ثابت بعنوان الحرم، فيدور الحكم مداره سعة و ضيقا، و لا موجب للاقتصار على ما حول الضريح المطهر.

إلى هنا قد تم تعليقنا على مسائل الصّلاة بعونه تعالى و توفيقه.

«و الحمد للّه رب العالمين».

485

[مسألة 14: التخيير في هذه الأماكن استمراري]

[2358] مسألة 14: التخيير في هذه الأماكن استمراري فيجوز له التمام مع شروعه في الصلاة بقصد القصر و بالعكس ما لم يتجاوز محل العدول، بل لا بأس بأن ينوي الصلاة من غير تعيين أحد الأمرين من الأول، بل لو نوى القصر فأتم غفلة أو بالعكس فالظاهر الصحة.

[مسألة 15: يستحب أن يقول عقيب كل صلاة مقصورة ثلاثين مرة «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر»]

[2359] مسألة 15: يستحب أن يقول عقيب كل صلاة مقصورة ثلاثين مرة:

«سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر»، و هذا و إن كان يستحب من حيث التعقيب عقيب كل فريضة حتى غير المقصورة إلا أنه يتأكد عقيب المقصورات، بل الأولى تكرارها مرتين مرة من باب التعقيب و مرة من حيث بدليتها عن الركعتين الساقطتين.